الملخص
إن تشخيص كيفية عمل القدماء في إحراز العدالة له آثار مهمة لكل فقيه. وقد نُسب إلى قدماء الشيعة، وخصوصًا المرحوم الشيخ الطوسي، أن القاعدة الأولية في كل شيعي مجهول الحال هي عدالته، وأنه يعامل معاملة من ثبتت عدالته بالبينة. ويعبَّر عن هذه الطريقة بـ «أصالة العدالة». وفي أوساط القدماء، زُعم أن المؤيدات لهذه النسبة تظهر في كلمات الشيخ الطوسي (رض) أكثر من غيره. ولكن بعد التحقيق، تبيّن وجود آراء متضاربة حول صحة هذه النسبة، ورغم قلة الكتابات في هذا المجال، فقد بُذل الجهد لنقد ودراسة جميع أدلة ومؤيدات كلا الفريقين. من مميزات هذا التحقيق، الاهتمام الواسع بكل الكلمات المطروحة في مختلف كتب الشيخ الطوسي (رض)؛ لاستخراج رأيه الحقيقي بالاستعانة بهذه القرائن المهمة. ومن النقاط المهمة في دراسة كلام الشيخ الطوسي (رض) أن فهم كلامه يوضح منهج كثير من العلماء القدماء. تأتي هذه المقالة في قالب مقدمة وثلاثة أقسام رئيسية، حيث تتناول من خلال عرض كلمات الشيخ الطوسي (رض) في الأبواب المرتبطة بالعدالة والكتب الأصولية، صحة نسبة القول بأصالة العدالة إليه، مع بيان أربعة آثار مترتبة على ذلك.
المقدمة
تأتي «العدالة» في اللغة بمعانٍ مختلفة منها «التوسط» (الفيومي، ١٤١٤هـ، ج٢، ص ٣٩٦)، و«الاستواء» (ابن فارس، ١٤٠٤هـ، ج ٤، ص ٢٤٦)، و«خلاف الجور والظلم» (الجوهري، ١٤٠٤هـ، ج ٥، ص ١٧٦٠). وفي اصطلاح فقهاء الإمامية، تأتي بمعانٍ مختلفة منها «ملكة أو كيفية في نفس الإنسان تبعث على رعاية التقوى»، و«الاستقامة العملية في مسير الدين الناشئة عن ملكة باطنية»، و«مجرد الاستقامة العملية في أداء الأوامر والسير على جادة الشريعة المقدسة حتى لو لم تنشأ عن ملكة»، وقد نُسب هذا المعنى الأخير إلى المرحوم الشيخ الطوسي (الأنصاري، ١٤١٤هـ، ص٥-٧). وعند بعض الفقهاء، تأتي بنفس معناها اللغوي أي الاستواء أو الاستقامة؛ مع نسبة ذلك إلى الأوامر الدينية والشرعية؛ أي أن المعنى الشرعي لا يختلف عن المعنى اللغوي (الطباطبائي، ١٢٩٦هـ، ص ٥٤٩). نظرًا لأهمية الوثاقة والعدالة في أبواب متعددة من الفقه، طُرحت طرق كثيرة لإحرازهما؛ مثل حسن الظاهر، وشهادة عادلين، والشياع (اليزدي، ١٤٠٩هـ، ج ١، ص ١٠)، وكذلك الإسلام وعدم ظهور الفسق، وقد نُسبت هذه الطريقة الأخيرة إلى بعض القدماء وخصوصًا المرحوم الشيخ الطوسي. بمعنى أنهم كانوا يعتبرون القاعدة الأولية في كل مؤمن هي العدالة لإحرازها (الخوئي، ١٤١٤هـ، ج ١، ص ٧٠)؛ أي أنهم في التعامل مع الرواة والأشخاص الذين لم يُعيّن توثيق أو تضعيف في حقهم، كانوا يحكمون بوثاقة الشخص أو عدالته بمجرد إحراز إسلامه أو تشيعه، وهو ما يعبَّر عنه بـ«أصالة العدالة». وفي حال ثبوت مثل هذا المنهج بين العلماء، تترتب عليه آثار متعددة؛ منها أن توثيقاتهم تصبح محل ترديد (الخوئي، ١٤١٤هـ، ج ١، ص ٧٠). ووفقًا لأبحاث السيد محمد باقر الملكيان المنشورة على موقعه باسم «روايت ودرايت»، فقد أصبح توثيق أكثر من أربعين راويًا محل تردد صريح بسبب طرح أصالة العدالة عند القدماء (الملكيان، ١٣٩٩هـ، روايت ودرايت). وهذه ليست الثمرة الوحيدة لهذا البحث، بل إن بعض التوثيقات العامة المطروحة في علم الرجال قد تُخدش بالنظر إلى طرح أصالة العدالة عند القدماء (الخوئي، ١٤١٤هـ، ج ١٤، ص ٣٣)؛ وفي هذا الموضوع، تُلاحظ آراء مختلفة من العلماء، حتى أن البعض ينكر وجود قائل بمثل هذه القاعدة. ورغم أن دراسة هذه المسألة لها آثار مهمة، إلا أنه لم يُعثر على جواب مناسب وبحث كامل لدراسة عمل القدماء وخصوصًا المرحوم الشيخ الطوسي. بالطبع، تناول بعض المحققين دراسة هذا الموضوع بشكل متفرق ومختصر؛ ومن ذلك يمكن الإشارة إلى مقالة السيد حسن عبدي في مجلة فقه ومباني حقوق إسلامي، العدد ١، ربيع وصيف ١٣٨٩، بعنوان «بررسی عدم اعتبار تمسک به اصالت عدالت در احراز عدالت راوی» التي اقتصرت على بحث حجية وعدم حجية هذا الأصل. كما تناول الأستاذ أحمدي الشاهرودي في مقالة «علم الرجال وأصالة العدالة» دراسة مختصرة في هذا الشأن (أحمدي الشاهرودي، ١٤٣٥هـ، مقالات). كذلك تناول الأستاذ المروي هذا البحث في درس الخارج، ولكنه فيما يخص المرحوم الشيخ الطوسي طرح البحث بشكل مختصر ومحدود جدًا ولم يتطرق إلى شواهد القول بأصالة العدالة عند المرحوم الشيخ ونقدها (المروي، ١٣٩٣هـ، خارج فقه). ولكن الحق أنه لم تُكتب حتى الآن دراسة مستقلة تتناول أدلة الموافقين والمخالفين بشكل مفصل، واقتصر البحث على دراسة مختصرة ومحدودة؛ لدرجة أنه لم يتم الاهتمام بشكل كامل بكلمات بعض القدماء، وبالتالي لم تُقدم آراء كاملة. وما يميز هذه الدراسة عن الأبحاث الأخرى هو الاهتمام الأوسع والأدق بكلمات المرحوم الشيخ الطوسي المختلفة في مواضع متعددة. فقد دُرست آراؤه في كتبه الفقهية والأصولية على حد سواء. بالإضافة إلى السعي للنظر إلى كلماته نظرة شاملة، والاهتمام بجميع القرائن التي يمكن الاحتجاج بها لرد أو قبول أصالة العدالة لديه. في حين أن كثيرًا من الأعمال السابقة لم تشر إلى التضاد والتعارض الأولي في كلمات المرحوم الشيخ؛ أما في هذه المقالة، فقد بُذل الجهد لإيلاء اهتمام كافٍ لهذه الموارد؛ لذا يُدّعى أنه تم تقديم نتائج أدق مقارنة بالأبحاث السابقة؛ بالإضافة إلى أنه تم بيان مستندات أقوى.
١. أبواب الفقه
مع الأخذ في الاعتبار السيرة العقلائية المرتكزة على عدم وثاقة الشخص مجهول الحال، فإن ما يتبادر إلى الذهن لأول وهلة هو عدم صحة هذه النسبة؛ ولكن الجواب الحاسم يأتي بعد تتبع وتأمل في مجموع الكلمات. وما يزيد التردد في الذهن هو وجود تقارير لا تقتصر على وجود هذا المنهج (أصالة العدالة)، بل تدل على شهرته بل وتنقل الإجماع على حجيته (الطوسي، ١٤٠٧هـ، ج٦، ص ٢١٧). هذه التقارير تزعزع الإنكار الأولي وتجعلنا نميل إلى قبول وجود مثل هذا الأصل في نظر المرحوم الشيخ الطوسي. من النقاط المهمة في دراسة كلام المرحوم الشيخ أن فهم كلامه يحدد منهج كثير من علماء القدماء، وتحديد منهجه يجيب على كثير من الإشكالات الموجهة إلى منهج قدماء الشيعة. وكما مر، المنسوب إلى المرحوم الشيخ الطوسي هو أن العدالة هي الاستقامة العملية في أداء الأوامر الدينية (الأنصاري، ١٤١٤هـ، ص ٧). وبالطبع، ما يُستفاد من كلماته في كتاب النهاية هو أنه اعتبر العدالة هي نفسها الظاهر الإسلامي، وأن تعابيره في النهاية هي نفس مفاد حديث ابن أبي يعفور (الطوسي، ١٤٠٠هـ، ص ٣٢٥) الذي سيُشار إليه لاحقًا. للحصول على جواب مناسب، تم البحث أولاً في أبواب الفقه المتعلقة بالعدالة، ثم بالرجوع إلى كتاب المرحوم الشيخ الأصولي، في محاولة للوصول إلى نتائج مرضية. تُعرض المطالب في ثلاثة أقسام رئيسية، تتعلق بأربعة أبواب من الفقه، ومطالب الأصول، وثمرات البحث، وأخيرًا خاتمة جامعة.
١-١. باب الصلاة
كلام الشيخ في كتاب (النهاية) مخالف لأصالة العدالة. ففي بحث صلاة الجماعة، يصرح بوجوب الوثوق بالإمام، وإلا فيجب أن يصلي فرادى سواء كان على نفس المذهب أم لا، أي أنه بفرض إحراز إسلام وتشيع إمام الجماعة، إذا لم تكن تثق بديانته، فلا يحق لك الائتمام به. نص كلامه كالتالي: «و لا تصل إلا خلف من تثق بدينه. فإن كان غير موثوق بدينه، أو كان مخالفاً لك في مذهبك، صليت لنفسك». (الطوسي، ١٤٠٠هـ، ص ١١٢). هذه العبارة تنفي بوضوح أصالة العدالة؛ لأنه بالإضافة إلى الإسلام، يجب أن تكون وثاقة وديانة إمام الجماعة محرزة. لذا، مجرد الإسلام وعدم العلم بالفسق لا يكفي. قد يُشكل بأن المقصود هو إحراز كون الشخص مسلمًا لا عدالته. ولكن هذا الإشكال غير صحيح؛ لأن الشيخ فصّل بين أن يكون الشخص مخالفًا أو على نفس المذهب. لذا فإن أصل إسلامه محرز. بالإضافة إلى أنه يمكن القول بأن كتاب (النهاية) كُتب بتأثير كبير من النصوص الشرعية (الطوسي، ١٣٨٧هـ، ج ١، ص ٢)، وبالتالي، بالنظر إلى النصوص المشابهة في هذا القسم من كتاب (النهاية)، فإن الإشكال قابل للدفع؛ لأن هذا المتن يشبه رواية علي بن راشد التي جاء فيها: «عَنْ أَبِي عَلِي بْنِ رَاشِدٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إِنَّ مَوَالِيكَ قَدِ اخْتَلَفُوا فَأُصَلِّي خَلْفَهُمْ جَمِيعاً فَقَالَ لَا تُصَلِّ إِلَّا خَلْفَ مَنْ تَثِقُ بِدِينِهِ» (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج ٣، ص ٣٤٧). في هذه الرواية، يسأل ابن راشد الإمام عن الصلاة خلف موالي الإمام، أي في فرض يعلم فيه أن الشخص من موالي الإمام ولكنه يختلف مع بقية الشيعة، فهل يمكنه الائتمام به؟ لم يقل الإمام: بما أنه مسلم ولا تعرف حاله، فيكفي لعدالته؛ بل قال يجب إحراز ديانة الشخص. وهذا الأمر مخالف لأصالة العدالة. لأنه بالإضافة إلى الإسلام، نحن بحاجة إلى إحراز وثاقته أيضًا. إذن، يمكن القول بأن كلام المرحوم الشيخ في كتاب (النهاية) في باب الصلاة مخالف لأصالة العدالة.
٢-١. باب الطلاق
لتحديد رأي المرحوم الشيخ الطوسي وتوجيه الانتباه إلى الاستنباطات الأخرى من كلامه، نشير في هذا القسم إلى كلام المرحوم المحقق الحلي أيضًا.
١-٢-١. كلام المرحوم الشيخ الطوسي
للوهلة الأولى، يبدو كلام المرحوم الشيخ الطوسي في بحث الطلاق في كتاب (النهاية) موافقًا لأصالة العدالة. يقول الشيخ في شروط الطلاق: «يكون طلاقه بمحضر من شاهدين مسلمين». (الطوسي، ١٤٠٠هـ، ص ٥٠٩). قد يُدّعى أن ظاهره الاكتفاء بكون الشاهد مسلمًا لقبول شهادته؛ ولكن يجب الانتباه إلى أنه بعد بضعة أسطر، عند الإشارة مرة أخرى إلى بعض الشروط، يطرح بحث ظاهر الإسلام لا الإسلام. فيقول: «ومتى طلق ولم يشهد شاهدين ممن ظاهره الإسلام، كان طلاقه غير واقع». (الطوسي، ١٤٠٠هـ، ص ٥٠٩). إذن، مجرد الاكتفاء بالإسلام لا يكفي؛ أي يمكن القول إن هذا الكلام الثاني صفة زائدة على مجرد الإسلام، والذي هو ظاهراً نفس بحث حسن الظاهر الذي هو إما العدالة نفسها أو طريق لإحرازها. يؤيد هذا الاستنباط كلامه في كتاب طلاق (الخلاف) حيث يصرح، بالإضافة إلى الإسلام، بشرطية العدالة ويقول: «كل طلاق لم يحضره شاهدان مسلمان عدلان – وإن تكاملت سائر الشروط – فإنه لا يقع». (الطوسي، ١٤٠٧هـ، ج ٤، ص ٤٥٣). في هذا الكلام، يشترط الشيخ صراحة، بالإضافة إلى الإسلام، صفة أخرى يبدو أنها غير قابلة للإحراز بمجرد الإسلام، وإلا لاكتفى بكونهما مسلمين. لذا، فإن هذا الكلام من كتاب (الخلاف) إما قرينة على الفهم الصحيح لكلامه في كتاب (النهاية)، أو على الأقل يقوي احتمال إرادة حسن الظاهر في (النهاية)، وأقل ما يمكن قوله هو أنه يسبب إجمالاً في كلامه في كتاب (النهاية)، ولا يمكن استنباط أنه يقبل بأصالة العدالة من هذا الكلام.
١-٢-٢. دراسة كلام المرحوم المحقق الحلي
بالنظر إلى ما قيل حول كلمات المرحوم الشيخ الطوسي في باب الطلاق؛ يجب النظر بعين التردد إلى النسبة التي أعطاها المرحوم المحقق لبعض العلماء. يصرح المرحوم المحقق الحلي في كتاب (شرائع الإسلام) بأنه لقبول الشاهد في الطلاق، يجب أن يكون ظاهر العدالة. ثم يقول: «ومن فقهائنا من اقتصر على اعتبار الإسلام فيهما والأول أظهر». (المحقق الحلي، ١٤٠٨هـ، ج ٣، ص ١٢). طبقًا لكلام المرحوم المحقق، يوجد بين فقهاء الإمامية شخص أو أشخاص يكتفون بكون الشاهد مسلمًا للحكم بصحة شهادته في الطلاق، والظاهر أن نظرهم إلى كلام المرحوم الشيخ الطوسي. كما أنهم في كتاب الشهادات، ينسبون هذا القول صراحة إلى المرحوم الشيخ ويقولون: «الحاكم إن عرف عدالة الشاهدين حكم و… إن جهل الأمرين بحث عنهما وكذا لو عرف إسلامهما وجهل عدالتهما توقف حتى يتحقق ما يبنى عليه من عدالة أو جرح وقال في الخلاف يحكم». (المحقق الحلي، ١٤٠٨هـ، ج ٤، ص ٦٨). إذن، يمكن القول إن المرحوم المحقق في تعبيره «من فقهائنا» كان يقصد المرحوم الشيخ الطوسي. يؤيد هذا الاستنباط من كلام المرحوم المحقق، كلام المرحوم الفاضل الآبي في شرح كلام المرحوم المحقق في عبارة مشابهة في كتاب (المختصر النافع) حيث يوضح مقصوده (الفاضل الآبي، ١٤١٧هـ، ج ٢، ص ٢١٣)، والنقطة الجديرة بالاهتمام هي أنه في نظر المرحوم الفاضل الآبي، فإن هذا «البعض» منحصر في المرحوم الشيخ وينفي هذه النسبة صراحة عن سائر العلماء. لذا، فإن نظر المرحوم المحقق يتجه إلى كلام المرحوم الشيخ. ويمكن القول؛ إن هذا النقل من المرحوم المحقق غير معتبر لنا؛ لأنه كما أشير أعلاه، فإن رأي المرحوم الشيخ ليس كذلك. بالطبع، في حال قبول كلام المرحوم المحقق بوجود قائل بالاكتفاء بإسلام الشاهد، يمكن أن يقال ربما كان نظر هذا الشخص أو الأشخاص إلى موارد يكون فيها بسبب الجو العام للمجتمع، يحصل الوثوق بحسن ظاهر أو عدالة الأفراد ما لم يثبت خلافه، لا أنهم يقبلون صحة الطلاق لديه بمجرد إسلام الشخص. على أي حال، لا يمكن من كلام المرحوم المحقق الحصول على نقل موثوق لإثبات وجود قائل بأصالة العدالة بين العلماء. وهو في كتاب (المختصر النافع) قد أورد كلامًا مشابهًا لكتاب (الشرائع) ويقول: «ويعتبر فيهما العدالة وبعض الأصحاب يكتفي بالإسلام». (المحقق الحلي، ١٤١٨هـ، ج ١، ص ١٩٨). وبالنظر إلى ما قيل، فإن هذا الكلام أيضًا، مثل كلامه في كتاب (الشرائع)، لا يمكن الاعتماد عليه، ولا يمكن القول إن هذا الكلام نقل صحيح لوجود قائلين بأصالة العدالة.
٣-١. باب القضاء
في هذا القسم، بالإضافة إلى كلام المرحوم الشيخ الطوسي، سيُشار إلى كلام المرحوم المحقق الحلي والمرحوم الشهيد الأول؛ لأن كلام هذين العلمين ناظر إلى كلام المرحوم الشيخ.
١-٣-١. كلام المرحوم الشيخ الطوسي
يقول الشيخ في كتاب (الخلاف) في مورد قبول قول الشاهد: «إذا شهد عند الحاكم شاهدان يعرف إسلامهما ولا يعرف فيهما جرح، حكم بشهادتهما ولا يقف على البحث إلا أن يجرح المحكوم عليه فيهما، بأن يقول: هما فاسقان، فحينئذ يجب عليه البحث». (الطوسي، ١٤٠٧هـ، ج ٦، ص ٢١٧). ثم يبيّن رأي العامة، حيث إن أبا حنيفة في بعض الموارد كان يعمل بنفس هذا المنهج، ولكن أبا يوسف والشافعي، في جميع الموارد، اعتبروا البحث لازمًا (الطوسي، ١٤٠٧هـ، ج ٦، ص ٢١٧). ثم في مقام بيان الأدلة يقول: «دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم وأيضًا الأصل في الإسلام العدالة والفسق طارئ عليه يحتاج إلى دليل؛ وأيضًا نحن نعلم أنه ما كان البحث في أيام النبي عليه السلام ولا أيام الصحابة ولا أيام التابعين وإنما هو شيء أحدثه شريك بن عبد الله القاضي». (الطوسي، ١٤٠٧هـ، ص ٢١٨).
١-١-٣-١. دراسة كلام المرحوم الشيخ الطوسي
ظاهراً، مقصود الشيخ من «يعرف إسلامهما» هو حسن الظاهر، وأنه لم يكن يرى قبول الشهادة بمجرد إحراز الإسلام وعدم معرفة جرح. لإثبات هذا الادعاء يمكن الإشارة إلى أربع نقاط:
النقطة الأولى: يقول الشيخ في نفس كتاب (الخلاف) بعد عدة صفحات، في بحث شهادة الشخص الغريب: «إذا حضر الغرباء في بلد عند الحاكم، فشهد عنده اثنان، فإن عرفا بعدالة حكم وإن عرفا بالفسق وقف وإن لم يعرف عدالة ولا فسقاً بحث عنهما وسواء كان لهما السيماء الحسنة والمنظر الجميل وظاهر الصدق وبه قال الشافعي؛ وقال مالك: إن كان المنظر الحسن توسم فيهما العدالة، حكم بشهادتهما. دليلنا: قوله تعالى «فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ» وهذا ما رضي بهما». (الطوسي، ١٤٠٧هـ، ص ٢٢١). يصرح الشيخ بأنه في حالة الشك يجب البحث عن حالهما من حيث العدالة والفسق، واحتمال الاختصاص بالشهود الغرباء غير محتمل. قد يشكل شخص بأن الشخص الغريب إسلامه غير محرز؛ لذا لا يمكن الاستفادة من أصالة العدالة في حقه. ولكن هذا الإشكال غير صحيح؛ لأن، أولاً: يخالف ظاهر كلام الشيخ حيث قال: «وإن لم يعرف عدالة ولا فسقاً بحث عنهم» (الطوسي، ١٤٠٧هـ، ص ٢٢١)، أي إذا لم تكن عدالته أو فسقه محرزة. فمحور البحث هو عدم معرفة العدالة والفسق لا الإسلام والكفر. ثانيًا: استخدم المرحوم الشيخ نفس هذه التعابير تمامًا في مورد الأشخاص الذين أحرز القاضي إسلامهم سواء كانوا غرباء أم غير غرباء، وطرح لزوم البحث، وهو قطعًا بحث عن العدالة لا الإسلام (الطوسي، ١٣٨٧هـ، ج ٨، ص ١٠٤).
النقطة الثانية: في كتاب (المبسوط) عند فرض الجهل بالعدالة، يأمر بالبحث مما يخالف تمامًا أصالة العدالة. يقول الشيخ: «وإن لم يعرفهما بل جهل حالهما والجهل على ضربين أحدهما ألا يعرفهما أصلاً والثاني أن يعرف إسلامهما دون عدالتهما لم يحكم بشهادتهما حتى يبحث عن عدالتهما وسواء كان ذلك في حد أو قصاص أو غير ذلك من الحقوق». (الطوسي، ١٣٨٧هـ، ج ٨، ص ١٠٤). في هذا الكلام، كما قلنا، لم يكتفوا بالإسلام لإحراز العدالة، وأمروا بالبحث، وهو رد على اعتبار أصالة العدالة لديهم.
النقطة الثالثة: للشيخ في كتاب (المبسوط) في مورد شهادة الشخص الغريب، كلمات تتنافى مع أصالة العدالة؛ لأنه في مورد الشخص الغريب، يلزم البحث عن عدالته، والظاهر من لفظ «إن لم يعرف عدالة ولا فسقاً بحث» أن محور البحث هو عدالة الشخص لا إسلامه (الطوسي، ١٣٨٧هـ، ج ٨، ص ١٢). من هذه الكلمات يمكن بسهولة فهم أن ما يعتبره الشيخ مصححًا للشهادة هو إحراز العدالة. وقد يقال إنه لا يعتد حتى بظاهر صلاح الشخص. أي أن المرحوم الشيخ لا يعتد بأصالة العدالة فحسب، بل لا يولي أهمية لحسن الظاهر أيضًا.
النقطة الرابعة: يقول الشيخ في كتاب (النهاية) في الموضع الأصلي لتعريف العدالة، حيث يتابع البحث بدقة أكبر: «العدل الذي يجوز قبول شهادته للمسلمين وعليهم، هو أن يكون ظاهره ظاهر الإيمان، ثم يعرف بالستر والصلاح والعفاف…». (الطوسي، ١٤٠٠هـ، ص ٣٢٥)؛ أي أنه بصراحة لا يعتبر مجرد الإسلام كافيًا، مما يتنافى بوضوح مع أصالة العدالة. كذلك في باب قضاء كتاب (النهاية)، يصرح بأنه في ظرف الجهل بالجرح، لا تُقبل الشهادة دون البحث عن حالهم. يقول: «وإذا شهد عنده من لا يعرفهما بعدالة ولا جرح، سمع شهادتهما وأثبتها عنده، ثم استكشف أحوالهما. فإن وجدهما مرضيين جائزي الشهادة، حكم بشهادتهما؛ وإن وجدهما على غير ذلك، طرح شهادتهما». (الطوسي، ١٤٠٠هـ، ص ٣٢٥). لذا يمكن القول إن كلا الكلامين المنقولين من كتاب (النهاية) مخالفان لأصالة العدالة.
٢-١-٣-١. خلاصة دراسة كلام المرحوم الشيخ الطوسي
الكلام الأول المطروح من المرحوم الشيخ في كتاب (الخلاف)، (إذا كان مقصوده هو حسن الظاهر، وهو واضح جدًا)، يتنافى بشكل صارخ مع بحث أصالة العدالة، وإذا كان ناظرًا إلى الاكتفاء بمجرد الإسلام لفهم العدالة؛ (حتى بدون إحراز حسن الظاهر) ففي هذه الحالة يتنافى بشكل واضح مع مواضع متعددة من كلماته. حتى مع قوله هو نفسه في نفس كتاب (الخلاف) في الصفحة التالية. ولذا فإن هذه القرينة نفسها تكشف أن المقصود الحقيقي من كلامه هو بحث حسن الظاهر لا الأصالة. بالإضافة إلى هذا التنافي الداخلي، فإن ادعاءه الإجماع غير قابل للقبول بأي وجه؛ حتى بالنسبة لعصره. لأن تصريح كلمات معاصريه مثل أستاذه المرحوم المفيد (المفيد، ١٤١٣هـ، ص ٧٢٥) والمرحوم ابن البراج (ابن البراج، ١٤٠٦هـ، ج ١، ص ٨٠) يخالف هذا المطلب. كما أن المرحوم السيد جواد العاملي في كتاب (مفتاح الكرامة) لم يقبل هذا الإجماع فحسب، بل ادعى الإجماع على خلافه (الحسيني العاملي، ١٤١٩هـ، ج ١٠، ص ٣٩).
٢-٣-١. دراسة كلام المرحوم المحقق والشهيد الثاني
في حالة جهل الحاكم بالعدالة، حكم المحقق بالتوقف في القضاء حتى يتم التحقيق في شأن الشهود. ويضيف أن المرحوم الشيخ في هذه الحالة حكم بجواز القضاء (المحقق الحلي، ١٤٠٨هـ، ج ٤، ص ٦٨). ويقوم المرحوم الشهيد الثاني في توضيح كلام المرحوم المحقق، بنسبة قول المرحوم المحقق إلى مشهور العلماء، ويعرّف قول المرحوم الشيخ بأنه غير مشهور (الشهيد الثاني، ١٤١٣هـ، ج ١٣، ص ٣٩٧). إذن، في الواقع، نسب المرحوم الشهيد الثاني القول بأصالة العدالة إلى المرحوم الشيخ. ويضيف أن هذا القول المنسوب إلى الشيخ يوافق الأدلة وكذلك أكثر الروايات وهو المقبول عمليًا عند علماء السلف، ولكنه يعترف بأن المشهور في زمانه، بل المذهب، يخالف هذا المنهج (الشهيد الثاني، ١٤١٣هـ، ج ١٣، ص ٤٠٣). كما ورد قبل هذا الكلام من كلمات المرحوم الشيخ، فإن استنباط المرحوم المحقق والشهيد الثاني (رض) ليس كاملاً، وهؤلاء الأعلام لم ينظروا إلى مجموع كلمات المرحوم الشيخ، لأن نظر المرحوم الشيخ لإحراز العدالة هو حسن الظاهر لا مجرد الإسلام وكونه مجهول الحال. بالإضافة إلى احتمال حمل كلماتهم على حالة يكون فيها بسبب الجو العام للمجتمع، يحصل الوثوق بعدالة أو حسن ظاهر شخص ما بمجرد إحراز إسلامه. أو أن نقول في معظم الموارد، يتم إحراز إسلام الأشخاص برؤية نفس هذه الأفعال الظاهرية الإسلامية، مثل الصلاة، وعدم كذب الشخص، وارتداء اللباس الإسلامي و… في هذه الموارد، بالإضافة إلى الإسلام، يُحرز حسن الظاهر أيضًا، أي في الحقيقة يُرى حسن ظاهر الشخص أولاً ثم يُحكم بإسلامه. وهذا أحد المعاني المحتملة في كلام المرحوم الشيخ التي نظروا إليها في غالب الموارد، وبالنظر إلى كلماتهم الأخرى، فإن هذا الوجه من أفضل محامل كلامهم. على أي حال، قبول كلام المرحوم الشهيد بشأن قبول أصالة العدالة من قبل المرحوم الشيخ وسلف الأصحاب، أمر صعب جدًا بل غير قابل للقبول.
١-٤. باب الشهادات
كلمات الشيخ في هذا الباب من أهم المطالب المطروحة. في البداية، سيُشار إلى كلامه، وفي مقام الدراسة، سيتم بحث كلامه بسبعة أدلة وشواهد.
١-٤-١. كلام المرحوم الشيخ الطوسي
يقول الشيخ في كتاب (المبسوط): «لا يجوز للحاكم أن يقبل إلا شهادة العدول… وأما في الشريعة فهو من كان عدلاً في دينه عدلاً في مروءته عدلاً في أحكامه. فالعدل في الدين أن يكون مسلماً ولا يعرف منه شيء من أسباب الفسق». (الطوسي، ١٣٨٧هـ، ج ٨، ص ٢١٧). قد يُقال إنه يُستفاد من الجملة الأخيرة أن العدل يعني أن نعرف إسلام الشخص ولا نعلم بأسباب فسقه أو لا نعلم بوجودها. ولكن على أي حال، لإثبات أن الشيخ كان قائلاً بأصالة العدالة، فهذا غير كافٍ.
١-٤-٢. دراسة كلام المرحوم الشيخ
ظاهراً، مقصود الشيخ من كون إسلامه محرزاً وعدم معرفة فسقه، هو نفس الظاهر الإسلامي وحسن الظاهر، الذي هو إما العدالة نفسها أو أمارة عليها، لا مجرد كونه مسلمًا. ويمكن بيان أدلة على هذا الادعاء.
١-٤-٢-١. الدليل الأول
في معظم الموارد، يتم إحراز إسلام الأشخاص برؤية نفس هذه الأفعال الظاهرية الإسلامية، مثل الصلاة، وعدم الكذب، وارتداء اللباس الإسلامي و… في هذه الموارد، بالإضافة إلى إسلام الشخص، يُحرز حسن الظاهر أيضًا. أي في الحقيقة، يُرى حسن ظاهر الشخص أولاً ثم يُحكم بإسلامه. وهذا أحد المعاني المحتملة في كلام المرحوم الشيخ الذي نظروا إليه في غالب الموارد، وبالنظر إلى كلماتهم الأخرى، فإن هذا من أفضل محامل كلام الشيخ.
١-٤-٢-٢. الدليل الثاني والثالث
الدليل التالي هو الجمل المتعددة السابقة للشيخ في توضيح العدالة، حيث عرّف العدالة بأنها حالة اعتدال في الفرد، وهي في الواقع عنوان وجودي غير الإسلام. والجملة الأخيرة هي بيان عرفي لإحراز حسن ظاهر الشخص. الدليل الثالث على هذا المعنى هو كلام الشيخ في تتمة هذا المطلب نفسه حيث يعتبر المعيار في عدالة الأفراد هو الحالة الغالبة للشخص. يقول: «فأما إن كان مجتنباً للكبائر مواقعاً للصغائر فإنه يعتبر الأغلب من حاله، فإن كان الأغلب من حاله مجانبته للمعاصي وكان يواقع ذلك نادراً قبلت شهادته وإن كان الأغلب مواقعته للمعاصي واجتنابه لذلك نادراً لم تقبل شهادته وإنما اعتبرنا الأغلب في الصغائر لأنا لو قلنا إنه لا تقبل شهادة من أوقع اليسير من الصغائر، أدى ذلك إلى أن لا يقبل شهادة أحد». (الطوسي، ١٣٨٧هـ، ج ٨، ص ٢١٧).
١-٤-٢-٣. الدليل الرابع والخامس
الدليل التالي على هذا الاستنباط هو أنه من غير الممكن أن يعتبر المرحوم الشيخ، بمجرد إقرار الشخص بالإسلام، وهو من أدلة إحراز إسلام الشخص لديه (الطوسي، ١٣٨٧هـ، ج ٨، ص ٢١٨)، صالحًا للشهادة في المحكمة ويعرّض حياة وأموال وأعراض المسلمين للخطر بالاعتماد على مثل هذه الشهادة. الدليل الخامس هو كلام المرحوم الشيخ في الصفحة التالية، في الفرع التالي، حيث تشدد في قبول الشهادة؛ لدرجة أنه يبدو لقبول الشهادة، لا يكفي إسلام الشخص فحسب، بل لا تفيد العدالة الظاهرية أيضًا. أي قد يدعي أحدهم أن الشيخ لا يعتبر حسن الظاهر كافيًا أيضًا. يقول: «قد ذكرنا أنه لا تقبل إلا شهادة المسلم العدل… وأما العدالة فيحتاج أن تثبت عنده عدالته في الظاهر والباطن، على ما ذكرناه فيما قبل ولا يقتصر في معرفة ذلك على الظاهر». (الطوسي، ١٣٨٧هـ، ج ٨، ص ٢١٨).
١-٤-٢-٤. الدليل السادس
دليل آخر على إرادة حسن الظاهر هو كلام الشيخ في مواضع أخرى من نفس كتاب (المبسوط). فعندما يطرح بحث العدالة، يستخدم تعبير ظاهر العدالة، والذي يبدو أنه هو نفسه حسن الظاهر. ومؤيد استنباط حسن الظاهر من كلام الشيخ هو أن تعبيره الشائع هو المسلم العادل، حيث يعتبر العدالة (كما قيل مرارًا) أمرًا وجوديًا؛ لا مجرد عدم العلم بفسق الشخص المسلم. وفي نفس كتاب (النهاية)، يصرح بأن العدالة هي ظاهر الإيمان، ولإحرازها يجب إحراز صفات وجودية متعددة. يقول: «العدل… هو أن يكون ظاهره ظاهر الإيمان، ثم يعرف بالستر والصلاح والعفاف والكف عن البطن والفرج واليد واللسان ويعرف باجتناب الكبائر… ويكون متعاهداً للصلوات الخمس مواظباً عليهن، حافظاً لمواقيتهن، متوفراً على حضور جماعة المسلمين، غير متخلف عنهم إلا لمرض أو علة أو عذر». (الطوسي، ١٤٠٠هـ، ص ٣٢٥).
١-٤-٢-٥. الدليل السابع
الدليل الأخير على عدم حجية أصالة العدالة في نظر الشيخ هو موارد أخرى في كتاب (المبسوط) تشير إلى لزوم بحث الحاكم عن حال الشاهد، ويقول: «فأقام المدعي شاهدين لم يحكم الحاكم بشهادتهما حتى يبحث عن عدالتهما». (الطوسي، ١٣٨٧هـ، ج ٤، ص ١٦٤). في حين أنه لو كان الأصل هو العدالة، لما كانت هناك حاجة للبحث والتحري. بالطبع، قد يُشكل بأن المقصود من البحث عن حال الشاهد هو البحث عن إسلامه. ولكن الجواب هو أن الشيخ يصرح بأن البحث عن الإسلام لازم، والبحث عن العدالة لازم أيضًا. يقول: «أنه لا تقبل إلا شهادة المسلم العدل وإسلامه يثبت بأحد ثلاثة أشياء: إما أن يعرف ذلك الحاكم منه أو تقوم بينة بذلك أو يقر هو بأنه مسلم وأما العدالة فيحتاج أن تثبت عنده عدالته في الظاهر والباطن، على ما ذكرناه فيما قبل ولا يقتصر في معرفة ذلك على الظاهر». (الطوسي، ١٣٨٧هـ، ج ٨، ص ٢١٨).
٢. علم الأصول
كلام المرحوم الشيخ الطوسي، في كتاب (العُدّة)، في بحث المرجحات، مخالف لأصالة العدالة. بعد أن يطرح مرجحية العدالة، يقول: «وأما العدالة المراعاة في ترجيح أحد الخبرين على الآخر فهي: أن يكون الراوي معتقداً للحق، مستبصراً، ثقة في دينه، متحرّجاً من الكذب، غير متهم فيما يرويه». (الطوسي، ١٤١٧هـ، ج ١، ص ١٤٨). كما هو واضح، تتحقق العدالة في نظر الشيخ بتحقق صفات وجودية متعددة، مما يتنافى بوضوح مع أصالة العدالة. صفات مثل الاعتقاد بالحق، والبصيرة، والثقة في الدين، وغيرها من الصفات الوجودية؛ التي تدل على أنه لإحرازها لا يكفي مجرد الإسلام وعدم العلم بالفسق. لأنه بمجرد أداء الشهادتين وأمثال هذه الموارد التي تحرز إسلام الشخص، لا يمكن الوصول إلى هذه الصفات. وإذا كان العلم بإسلام ذلك الشخص قد حصل بمصاحبته ورؤية حسن ظاهره، فإن هذا خروج عن إحراز العدالة بأصالة العدالة. لأن مُحرز عدالته هو نفس حسن الظاهر الذي هو طريق مستقل عن أصالة العدالة.
٣. الثمرات
إن تحديد موقف المرحوم الشيخ الطوسي من استخدام أصالة العدالة يفتح نافذة لفهم أفضل لكلام قدماء الشيعة. لذا، تترتب على ذلك ثمرات متعددة في علم الرجال والفقه. لأنه كما يتضح من الظاهر الأولي لبعض كلمات المرحوم الشيخ الطوسي، كانت أصالة العدالة أمرًا شائعًا بين الشيعة، وبالتالي إذا لم يتضح مقصوده جيدًا، فإن هذا الظاهر الأولي يؤدي إلى نسبة أصالة العدالة إلى جميع قدماء الشيعة. وبالنظر إلى ما تم بيانه في الأقسام السابقة، اتضح أن مقصود المرحوم الشيخ الطوسي ليس شيوع التمسك بأصالة العدالة بين القدماء، وبالتالي يمكن استخلاص ثمرات مهمة من هذه النتيجة، ولكن اختصارًا، نشير إلى بعض الأمثلة.
١-٣. أثر البحث عن أصالة العدالة على توثيق رجال (نوادر الحكمة)
أحد التوثيقات العامة المطروحة في علم الرجال يتعلق بالأشخاص الذين روى عنهم محمد بن أحمد بن يحيى في (نوادر الحكمة) ولم يستثنهم ابن الوليد (السبحاني التبريزي، ١٣٦٩هـ، ص ٢٩٣). من بين الإشكالات التي تُطرح على هذا التوثيق العام، بحث أصالة العدالة عند قدماء الشيعة ومنهم المرحوم ابن الوليد (الخوئي، ١٤١٤هـ، ج ١، ص ٧٠)، وقد ذُكرت في القسم الثاني من هذه المقالة (تحت عنوان «علم الأصول») مطالب حول خطأ هذه النسبة لابن الوليد.
٢-٣. أثر البحث عن أصالة العدالة على التوثيق الحاصل من عمل المشهور
توثيق آخر من التوثيقات العامة في علم الرجال هو عمل المشهور برواية شخص ما، والذي يُتمسك به في حق رواة مهمين مثل عمر بن حنظلة وتترتب عليه آثار مهمة؛ مثل قبول روايته في بحث المرجحات (الخوئي، ١٤١٤هـ، ج ١٤، ص ٣٣). وبالطبع، أحد الإشكالات المطروحة على هذا الطريق هو بحث أصالة العدالة عند العلماء الذين عملوا بهذه الرواية (الخوئي، ١٤١٤هـ، ج ١٤، ص ٣٣)، وقد اتضح من مطالب القسم الثاني أن مثل هذه النسبة غير صحيحة، وهذا التوثيق العام لا يواجه مشكلة من هذا الجانب.
٣-٣. أثر البحث عن أصالة العدالة على التوثيق الحاصل من كثرة رواية الأجلاء
أحد التوثيقات العامة هو كثرة رواية الأكابر والأجلاء من الشيعة عن شخص ما. بعض العلماء يعتبرون كثرة النقل من راوٍ بواسطة جماعة من الأكابر (الأعرجي الكاظمي، ١٤١٥هـ، ج ١، ص ١٣٤) أو حتى بواسطة واحد من الأكابر (الأسترآبادي، ١٤٢٢هـ، ج ١، ص ١٤٥) وحتى مجرد كثرة روايات شخص ما (الخاقاني، ١٤٠٤هـ، ص ٤٩) طريقًا لإثبات الوثاقة. بالرغم من أن معنى الكثرة يختلف باختلاف الأدلة المقدمة، إلا أن المقصود إجمالاً هو أن شخصًا كبيرًا ينقل عن شخص روايات متعددة لتلاميذه؛ أي أن هذا النقل يكون في مرحلة أداء الحديث للتلاميذ، لا مجرد كثرة تحمل وأخذ الحديث من أستاذه. مع وجود هذه النظرية ومؤيديها، إلا أن المرحوم السيد الخوئي يخدشها بطرح بحث أصالة العدالة عند القدماء. فهو بعد نقل كلمات العلماء واعتمادهم على أحمد بن محمد بن يحيى وإقرارهم بهذا الاعتماد (الخوئي، ١٤١٤هـ، ج ٣، ص ١٢٢)، لا يعتبر هذا النمط من العمل والاعتماد محرزًا وكاشفًا عن العدالة، والإشكال الذي يطرحه هو بحث أصالة العدالة عند القدماء (الخوئي، ١٤١٤هـ، ج ٣، ص ١٢٢).
٣-٤. أثر البحث عن أصالة العدالة على بحث مشايخ الثقات
أحد التوثيقات العامة الأخرى المطروحة في علم الرجال هو بحث مشايخ الثقات. فقد قيل عن أشخاص مثل صفوان بن يحيى وابن أبي عمير وأحمد بن محمد بن أبي نصر إن هؤلاء لا ينقلون الحديث إلا عن ثقة (الخوئي، ١٤١٤هـ، ج ١، ص ١٦١). من بين الذين أوردوا إشكالاً على هذا البحث، المرحوم السيد الخوئي، الذي يعتبر أحد إشكالات هذه النظرية هو بحث أصالة العدالة عند القدماء (الخوئي، ١٤١٤هـ، ج ١، ص ١٦١). بناءً على ما قيل في الأقسام السابقة، فإن منهج القدماء كان على خلاف هذا الأصل، لذا فإن إشكال المرحوم السيد الخوئي من هذا الجانب غير وارد.
٤. خاتمة
من خلال دراسة متون فقهية وأصولية ورجالية مختلفة لقدماء الشيعة، تم التوصل إلى النتائج التالية:
أ) في كتب القدماء، لا توجد أي عبارة صريحة تدل على شيوع أصالة العدالة بينهم؛ بل توجد شواهد متعددة وظاهرة بل صريحة في كلمات القدماء تدل على عدم ميلهم إلى أصالة العدالة.
ب) على الرغم من أن الظاهر الأولي لبعض كلمات المرحوم الشيخ الطوسي يدل على ميله، بل وميل جميع العلماء إلى هذا الأصل؛ إلا أنه بسبب مواضع متعددة من كلماته، فإن هذا الظهور لا يستقر. بل بسبب قرائن متعددة، فإن الظاهر من كلمات الشيخ هو بحث حسن الظاهر لا أصالة العدالة.
ج) على الرغم من أنه في بعض الكتب، نُسب القول بأصالة العدالة إلى القدماء، إلا أن هذه النسبة غير قابلة للقبول بأي وجه. والسبب هو عدم الاهتمام الكامل بمجموع الكلمات وعدم أخذ القرائن المتعددة التي تغير معنى الكلام في الاعتبار. كل العبارات التي طُرحت كشاهد على أصالة العدالة، مرتبطة بحسن الظاهر وغيره من طرق إحراز العدالة ولا علاقة لها بأصالة العدالة.
د) بالنظر إلى عدم ميل القدماء إلى أصالة العدالة، فإن إشكالات المرحوم السيد الخوئي، من جهة أصالة العدالة، على عدة موارد من التوثيقات العامة، من قبيل كثرة رواية الأجلاء ومشايخ الثقات ورجال كتاب نوادر محمد بن أحمد بن يحيى وعمل المشهور، غير واردة.
المصادر والمراجع
1. ابن فارس، أحمد بن فارس (١٤٠٤هـ). معجم مقاييس اللغة، الطبعة الأولى، قم: مكتب الإعلام الإسلامي، مركز النشر.
2. ابن براج، عبد العزيز بن تحرير (١٤٠٦هـ). المهذب. الطبعة الأولى، قم: جماعة المدرسين في الحوزة العلمية. مؤسسة النشر الإسلامي.
3. أبو الصلاح الحلبي، تقي بن نجم (١٤٠٣هـ). الكافي في الفقه. الطبعة الأولى، أصفهان: مكتبة الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام العامة.
4. الأسترآبادي، محمد بن علي (١٤٢٢هـ). منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث.
5. الأعرجي الكاظمي، محسن بن حسن (١٤١٥هـ). عدة الرجال. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، اسماعيليان.
6. الأنصاري، مرتضى بن محمد أمين (١٤١٤هـ). رسائل فقهية (للأنصاري). الطبعة الأولى، قم: مجمع الفكر الإسلامي، لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم.
7. التبريزي، جواد (١٤٢٦هـ). تنقيح مباني العروة (الطهارة)، الطبعة الأولى، قم: دار الصديقة الشهيدة عليها السلام.
8. الجوهري، اسماعيل بن حماد (١٤٠٤هـ). الصحاح (للجوهري)، الطبعة الثالثة، بيروت: دار العلم للملايين.
9. الحسيني العاملي، محمد جواد بن محمد (١٤١٩هـ). مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة (ط. الحديثة). الطبعة الأولى، قم: جماعة المدرسين في الحوزة العلمية، مؤسسة النشر الإسلامي.
10. الخاقاني، علي بن حسين (١٤٠٤هـ). رجال الخاقاني. الطبعة الثانية، قم: مكتب الإعلام الإسلامي، مركز النشر.
11. الخوئي، سيد أبو القاسم (١٤١٤هـ). معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة، الطبعة الخامسة، قم: مؤسسة الخوئي الإسلامية.
12. زين الدين بن علي، الشهيد الثاني (١٤١٣هـ). مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، مؤسسة المعارف الإسلامية.
13. السبحاني التبريزي، جعفر (١٣٦٩ش). كليات في علم الرجال. الطبعة الثانية، قم: مركز إدارة الحوزة العلمية.
14. الطباطبائي، محمد بن علي (١٢٩٦هـ). مفاتيح الأصول. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث.
15. الطوسي، محمد بن حسن (١٣٨٧هـ). المبسوط في فقه الإمامية. الطبعة الثالثة، طهران: مكتبة المرتضوية.
16. الطوسي، محمد بن حسن (١٣٩٠هـ). الاستبصار فيما اختلف من الأخبار. الطبعة الأولى، طهران: دار الكتب الإسلامية.
17. الطوسي، محمد بن حسن (١٤٠٠هـ). النهاية في مجرد الفقه والفتاوى. الطبعة الثانية، بيروت: دار الكتاب العربي.
18. الطوسي، محمد بن حسن (١٤٠٧هـ). الخلاف. الطبعة الأولى، قم: جماعة المدرسين في الحوزة العلمية، مؤسسة النشر الإسلامي.
19. الطوسي، محمد بن حسن (١٤١٧هـ). العدة في أصول الفقه. الطبعة الأولى، قم: محمد تقي علاقبنديان.
20. الفاضل الآبي، حسن بن أبي طالب (١٤١٧هـ). كشف الرموز في شرح المختصر النافع. الطبعة الثالثة، قم: جماعة المدرسين في الحوزة العلمية، مؤسسة النشر الإسلامي.
21. الفاني الأصفهاني، سيد علي (١٤١٤هـ). بحوث في فقه الرجال. الطبعة الثانية، بيروت: مؤسسة العروة الوثقى.
22. الفيومي، أحمد بن محمد (١٤١٤هـ). المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، قم: مؤسسة دار الهجرة، الطبعة الثانية.
23. الكليني، محمد بن يعقوب (١٤٠٧هـ). الكافي. الطبعة الرابعة، طهران: دار الكتب الإسلامية.
24. المحقق الحلي، جعفر بن حسن (١٤٠٨هـ). شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام. الطبعة الثانية، قم: اسماعيليان.
25. المحقق الحلي، جعفر بن حسن (١٤١٨هـ). المختصر النافع في فقه الإمامية، الطبعة السادسة، قم: مطبوعات ديني.
26. المفيد، محمد بن محمد (١٤١٣هـ). المقنعة. الطبعة الأولى، قم: جماعة المدرسين في الحوزة العلمية، مؤسسة النشر الإسلامي.
27. النجفي، محمد حسن بن باقر (صاحب جواهر) (١٣٦٢هـ). جواهر الكلام (ط. القديمة). الطبعة السابعة، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
28. النراقي، أحمد بن محمد مهدي (١٤١٥هـ). مستند الشيعة في أحكام الشريعة. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث.
29. الوحيد البهبهاني، محمد باقر (١٤٢٤هـ). مصابيح الظلام في شرح مفاتيح الشرائع. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث.
30. اليزدي، محمد كاظم بن عبد العظيم (١٤٠٩هـ). العروة الوثقى. الطبعة الثانية، بيروت: مكتبة الداوري.
31. الأحمدي الشاهرودي، عبد الله (شعبان ١٤٣٥هـ). «علم الرجال وأصالة العدالة»، http://ahmadishahroudi.ir
32. الحسيني القزويني، سيد محمد، خارج فقه مقارن، ٣٩/١/١١١٣٩ http://eshia.ir/ و http://eshia.ir/M/Feqh/Archive/Text/Ghaz.
33. المروي، جواد (٢٦ شهريور ١٣٩٣ش) درس خارج، http://ostadmarvi.ir/index.php
34. الملكيان، محمد باقر (١٣٩٩ش). «روايت ودرايت»، https://malekian.kateban.com/post/4507
الهوامش
1. خريج مركز فقه الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، ومدرّس السطوح العليا في الحوزة العلمية بقم، Javadshafie141414@gmail.com