الملخص
طبقاً لرواية في مصادر العامة، يؤكد عثمان في معرض إجابته على سؤال ابن عباس الاعتراضي حول سبب حذف البسملة من بداية سورة التوبة ووصلها بالأنفال، على أن مواضع جميع الآيات -باستثناء سورتي التوبة والأنفال- قد حُددت من قبل النبي (ص). وقد ذهب بعض المعاصرين، استناداً إلى هذا الوصف من عثمان، إلى القول بترتيب الآيات على خلاف مسارها الطبيعي في النزول، أو بعبارة أخرى، النزول المتقطّع لسور القرآن. في حين أن التأمل في الأسانيد المتعددة لهذه الرواية يكشف عن ضعفها البالغ لوجود حلقات مشتركة من الرواة، وجهالة أحد رواتها الأساسيين (يزيد الفارسي)، وفي النهاية تفرد عثمان في نقل هذه السنة الوحيانية. ومن جهة أخرى، فإن متن الرواية أيضاً مضطرب لوجود نسخ مختلفة، حتى إن موضوع الرواية في بعض النسخ قد تغير بالكامل، فاقداً أي دلالة على كيفية نزول السور. وفي المقابل، نُقلت رواية صحيحة السند في مصادر الفريقين مبنية على نزول البسملة في بداية السور واختصاص جميع الآيات الواقعة بين بسملتين بسورة واحدة، مما يدل على نزول السور بشكل متصل وترتيب الآيات بحسب مسارها الطبيعي في النزول، الأمر الذي يضعف أكثر دلالة رواية عثمان على النزول المتقطّع للسور.
1. طرح المسألة
يُعدّ البحث في كيفية نزول الآيات وتحديد مواضعها في السور من المباحث ذات الأهمية في حقل العلوم الإسلامية. وعلى الرغم من أن العلماء في علوم القرآن، في نقاش قديم ومتكرر حول توقيفية أو اجتهادية ترتيب الآيات في السور، قد قبلوا في الغالب بالترتيب التوقيفي للآيات في السور، إلا أن البحث في كيفية نزول الآيات في السور يُعتبر مقدمة وأساساً للنقاش حول توقيفية أو اجتهادية ترتيب الآيات. والمقصود بكيفية نزول الآيات في السور هو هل أن آيات السورة الواحدة التي وُضعت جنباً إلى جنب قد رُتبت في سورة واحدة بحسب المسار الطبيعي للنزول، أم أن الآيات نزلت بشكل متفرق ومختلف ثم وُضعت في سور مختلفة لاحقاً بأمر من النبي (ص) أو باجتهاد الصحابة. بناءً على التعريف المذكور، إذا كانت آيات كل سورة قد جُمعت بحسب مسارها الطبيعي في النزول، فإن السور تكون ذات نزول متصل، وإذا كانت الآيات قد نزلت متفرقة ووُضعت في سورة واحدة على مر الزمن، فإن السور ستكون ذات نزول متقطّع. وعليه، إذا ثبت النزول المتصل للسور، فإن ترتيب الآيات في كل سورة يكون على أساس المسار الطبيعي لنزولها، ويصبح النقاش حول الترتيب التوقيفي أو الاجتهادي للآيات في السور بلا أساس. ولكن في حال إثبات النزول المتقطّع للسور، فإن الخطوة التالية هي اكتشاف كيفية ترتيب الآيات في السور. إن البحث في كيفية نزول الآيات في السور في العصر الحاضر أصبح أكثر اهتماماً لعلماء الدين من ذي قبل، مما أدى إلى أن جماعة منهم، بقبولهم للنزول المتصل للآيات، باستثناء آيات قليلة محدودة صُرّح في بعض الروايات بأن النبي (ص) هو من وضعها، قد قالوا بالنزول المتصل للسور (معرفة، 1415هـ، 1: 276-278؛ نكونام، 1380ش، 86-96؛ بهجت بور، 1392ش، 199-202؛ جوان آراسته، 1380ش، 149-151). وقال البعض أيضاً بالنزول المتصل لأغلب السور المكية (دروزة، 1383هـ، 9: 340). وفي المقابل، صرّحت جماعة من المفكرين بالنزول المتقطّع للسور، واستندوا في تأييد رأيهم إلى الرواية المشهورة «ضعوا هذه الآياتِ…» (طالقاني، 1361ش، 75؛ عطار، 1415هـ، 115؛ أبوشهبة، 1423هـ، 1: 316؛ جديع، 1427هـ، 63-64؛ عبد خليفة، 1427هـ، 37-38؛ طاهري، 1377ش، 1: 296-297). يركز هذا البحث في النقاش الواسع حول كيفية نزول الآيات في السور، فقط على رواية «ضعوا هذه الآيات…» وبعد تقييم نقاط ضعفها وقوتها، يقوم بدراسة دلالة هذه الرواية على النزول المتقطّع لسور القرآن بمساعدة مناهج فقه الحديث.
2. تبيين الرواية
بناءً على رواية، أثناء نزول السور الطوال، عندما كانت تنزل آية أو آيات على النبي (ص)، كان النبي (ص) يحدد موضعها. (إِذَا كَانَ النُّزُولُ مِنَ السُّوَرِ ذَوَاتِ الْعَدَدِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: ضَعُوا هَذِهِ الْآيَاتِ فِي السُّوَرِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا) الرواية المذكورة، التي استُخدمت في مصادر علوم القرآن، هي في الأصل جزء مقتطع من رواية أطول، تنقل حواراً بين عثمان وابن عباس بخصوص ترتيب سور القرآن. متن الرواية الأصلية هو كما يلي: «حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ يَزِيدَ الْفَارِسِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ: مَا حَمَلَكُمْ أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى الْأَنْفَالِ وَهِيَ مِنَ المَثَانِي وَإِلَى بَرَاءَةٌ وَهِيَ مِنَ المِئِينَ فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَوَضَعْتُمُوهَا فِي السَّبْعِ الطُّوَلِ، مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ وَهُوَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ السُّوَرُ ذَوَاتُ الْعَدَدِ، فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعَا بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ فَيَقُولُ: ضَعُوا هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا، وَإِذَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ فَيَقُولُ: «ضَعُوا هَذِهِ الْآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا»، وَكَانَتِ الْأَنْفَالُ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ وَكَانَتْ بَرَاءَةٌ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ وَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا فَظَنَنْتُ أَنَّهَا مِنْهَا، فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَوَضَعْتُهَا فِي السَّبْعِ الطُّوَلِ» (الترمذي، 1395هـ، 5: 272). يقول ابن عباس: «قلت لعثمان: ما الذي حملك على أن تضع الأنفال، وهي من المثاني، بجانب التوبة، وهي من المئين، وتحذف البسملة بينهما، وتضعها ضمن السبع الطوال؟» فأجاب عثمان: «كان الزمان يمضي على النبي (ص) وكانت السور ذات الآيات الكثيرة تنزل عليه. فعندما كان ينزل عليه شيء، كان يدعو بعض الكتّاب ويقول: ضعوا هذه الآيات في السورة التي لها المواصفات الفلانية، وعندما كانت تنزل آية، كان يقول: ضعوا هذه الآية في السورة التي لها الخصائص الفلانية. وكانت الأنفال من أوائل ما نزل في المدينة، وبراءة في أواخر نزول الوحي، ولكن قصتهما كانت متشابهة، فظننت أنهما واحدة؛ بينما توفي رسول الله (ص) ولم يوضح لنا أمرها. من أجل ذلك وضعت الاثنتين جنباً إلى جنب، ولم أكتب بينهما بسم الله، ووضعتهما في السبع الطوال».
مصادر الرواية
في المصادر المتاحة لأهل السنة، وردت هذه الرواية لأول مرة في فضائل القرآن لقاسم بن سلام (1415هـ، 1: 285) في نهاية القرن الثاني، ثم بعد فترة وجيزة في سنن أبي داود (بدون تاريخ، 1: 208)، ومصحف أبي داود السجستاني (1423هـ، 1: 114)، وسنن الترمذي (1395هـ، 5: 123-124)، وسنن النسائي (1406هـ، 7: 253)، ومسند أحمد بن حنبل (1416هـ، 1: 334؛ 1: 378)، ومسند البزار (1988م، 2: 8)، وتاريخ المدينة لعمر بن شبة (1399هـ، 3: 1015)، وتفسير الطبري (1412هـ، 1: 102). وفي القرن الرابع والخامس، نقل هذه الرواية السمرقندي (بدون تاريخ، 2: 37)، والحاكم النيسابوري (1411هـ، 2: 360)، والطبراني (بدون تاريخ، 7: 328)، والنحاس (1408هـ، 1: 477)، والطحاوي (1415هـ، 1: 120)، والبيهقي (1412هـ، 2: 364)، والثعلبي (1422هـ، 5: 5)، والواحدي (1415هـ، 2: 475)، والخطيب البغدادي (1407هـ، 1: 336-337)، والبغوي (1420هـ، 2: 314)، وأبو نعيم (1419هـ، 1: 72). وفي القرن السابع، وردت هذه الرواية في جامع الأصول لابن الأثير (1969م، 2: 150)، والمرشد الوجيز لأبي شامة المقدسي (1395هـ، 1: 33)، وفي القرن الثامن في تفسير ابن كثير (1419هـ، 4: 89)، وفي القرن التاسع في فتح الباري لابن حجر العسقلاني (1379هـ، 9: 22)، وفي القرن العاشر في جامع الأحاديث للسيوطي (بدون تاريخ، 29: 197). في حين أن هذه الرواية لم تُنقل في أي من المصادر الشيعية، إلا أنها وردت في بعض كتب علوم القرآن الشيعية المعاصرة، مقتطعة وبدون إسناد (راجع: معرفة، 1386ش، 1: 277؛ العسكري، 1416هـ، 2: 672؛ گرامي، 1376ش، 73). وعليه، على الرغم من أن هذه الرواية في مصادر العامة رواية كثيرة النقل ومعروفة، إلا أنها لم ترد في أي من المصادر الخاصة.
4. أسانيد الرواية
يظهر التتبع في المصادر الروائية وجود أسانيد مختلفة لهذه الروايات. وكما استُخرج في أحد مواقع أهل السنة 60 سندًا لهذه الرواية. وقد قدم أحد الباحثين الإيرانيين أيضًا أسانيد متعددة لهذه الرواية (الطباطبائي، 1378ش، 69-70). ولكن التأمل في الأسانيد يوضح أنه على الرغم من أن هذه الرواية نُقلت في الحلقات الأولى عن أشخاص مختلفين، إلا أنها تشترك في جميع المصادر في ثلاث حلقات أخيرة من السند. حيث دائمًا ما يروي عوف بن أبي جميلة عن يزيد الفارسي، وهو عن ابن عباس. وعليه، وبالنظر إلى أن البعض يعتبر وجود حلقة مشتركة بين الرواة علامة على وضع الرواية (آقائي، 1391ش، 60)، يمكن اعتبار وجود ثلاث حلقات مشتركة في جميع أسانيد هذه الرواية نقطة ضعف كبيرة فيها. بالإضافة إلى ذلك، فإن الباحثين قد ضعفوا جميع الأسانيد التي عُثر عليها لهذه الرواية بسبب وجود يزيد الفارسي، وهو شخصية مجهولة (الطباطبائي، 1378ش، 69). كما أن التتبع في مصادر علم الرجال يظهر أن شخصية يزيد الفارسي كانت دائمًا محل اهتمام العلماء. وكما صرح الترمذي، على الرغم من تحسينه لهذه الرواية، بوجود اختلاف في الآراء حول شخصية يزيد الفارسي. وقد كتب عن هذه الرواية: «هذا حديث حسن، [ولكن] لم نره إلا من طريق عوف عن يزيد الفارسي عن ابن عباس. ويزيد الفارسي لم يروِ عن ابن عباس غير هذا الحديث. وأما عن شخصية يزيد الفارسي، فيُقال إنه هو يزيد بن هرمز. وبعضهم يعتبره يزيد الرقاشي، ولكن يزيد الرقاشي لم يلقَ ابن عباس أصلاً، وقد روى عن أنس بن مالك. ورغم أن يزيد الرقاشي ويزيد الفارسي كلاهما من أهل البصرة، فإن يزيد الفارسي عاش قبل يزيد الرقاشي» (الترمذي، 1395هـ، 5: 124). بعد الترمذي، تحدث مفكرون آخرون بصراحة عن «جهالة يزيد الفارسي». وكما أن الألباني في كتابه «ضعيف سنن الترمذي»، بناءً على توضيحات الترمذي تحت هذه الرواية (الألباني، 1411هـ، 1: 380-381)، وفي كتاب «ضعيف سنن أبي داود»، صرح بضعف هذه الرواية (الألباني، بدون تاريخ، 1: 306). كما أن أبا شهبة اعتبر هذه الرواية ضعيفة بناءً على توضيحات الترمذي حول يزيد الفارسي، واعتبر الاعتماد على هذا الراوي المجهول، الذي تفرد برواية في هذا المجال، غير جائز (أبو شهبة، 1423هـ، 1: 329-330). وفي تحقيق سنن أبي داود، ضعف شعيب الأرنؤوط هذه الرواية لوجود يزيد الفارسي، الذي لم يروِ عنه إلا عوف بن أبي جميلة وهو مجهول تمامًا، وصرح بأن يزيد الفارسي يختلف عن يزيد بن هرمز الذي هو شخص ثقة (أبو داود، 1423هـ، 2: 90). قام أكرم عبد خليفة بدراسة كل راوٍ ووثقهم جميعًا. لكنه كتب عن يزيد الفارسي: «روى عن ابن عباس وعبيد الله بن زياد، وروى عنه عوف بن جميلة وعبد الله بن فيروز. استخدم أبو حاتم في حقه عبارة «لا بأس به» واعتبره ابن حجر مقبولاً». وفي النهاية، بسبب هذه التوصيفات ليزيد الفارسي، اعتبر هذه الرواية ضعيفة السند، ولكنه قبلها لأنها تؤيد روايات أخرى تقول بتوقيفية ترتيب الآيات في السور (عبد خليفة، 1427هـ، 1: 249). من ناحية أخرى، بالإضافة إلى نقد يزيد الفارسي الذي كان راويًا مجهولاً منذ زمن الترمذي ويُعتبر سبب ضعف السند، أشار البزار في مسنده في القرن الثالث إلى نقاط ضعف متعددة في هذه الرواية، فكتب: «لا نعرف هذا الحديث إلا بهذا السند، ولم أجد له طريقًا آخر يُنقل به عن النبي (ص). ومن بين الصحابة، كان عثمان هو الوحيد الذي نقل هذا الترتيب عن النبي (ص)، وهذه الرواية هي الوحيدة التي رواها ابن عباس عن عثمان» (البزار، 1988م، 2: 8). إن تفرد هذه الرواية من ثلاث جهات أدى إلى تصريح البزار بضعفها. في حين أنه من المتوقع في مثل هذه المسألة الهامة أن تُنقل روايات متعددة ومعروفة؛ لكننا نواجه رواية واحدة بسند متفرد وراوٍ مجهول. وإلى جانب تفرد السند وجهالة يزيد الفارسي، فإن الطبراني في سنده قد ضعف أيضًا زيد بن أخزم، الذي هو من ضمن حلقات الرواة الثلاثة المشتركة السابقة وفي وسط السند (الطبراني، بدون تاريخ، 7: 328). ومن الجدير بالذكر في هذا السياق أن الحاكم النيسابوري اعتبر هذه الرواية صحيحة على شرط الشيخين (الحاكم، 1411هـ، 2: 360)؛ وتبعه الخطيب العمري التبريزي (الخطيب العمري، 1985م، 1: 682) ثم القاسمي في محاسن التأويل، اتباعًا للحاكم واستنادًا إلى تحسين الترمذي للرواية، فأقروا بصحة سند الرواية (القاسمي، 1418هـ، 5: 344). ولكن، بالنظر إلى تفرد السند، ووجود حلقة مشتركة من ثلاثة رواة، وجهالة أحد رواتها (يزيد الفارسي)، وضعف اثنين آخرين من الرواة، فإن احتمال وضع هذه الرواية مطروح أيضًا، وفي النهاية، بسبب ضعفها المتعدد، يُسلب منها الاعتماد.
5. النسخ المتعددة للرواية
وفقاً للتتبع الذي تم، فقد انعكست هذه الرواية في المصادر المختلفة بأكثر من ثلاثين شكلاً، كل منها يختلف عن الآخر اختلافات طفيفة. ومن بينها، هناك أربع نسخ من هذه الرواية ذات أهمية بسبب تأثيرها في المعنى، والتي سيتم دراستها بشكل مستقل. أول اختلاف في النسخ يلاحظ في الشكل القصير والطويل للرواية، حيث يمكن اعتبار الأول اقتطاعاً من الثاني. في الشكل المقتطع، لم يبقَ سوى عبارة «ضعوا هذه السورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا» مع اختلافات طفيفة. ونتيجة لذلك، لا يحصل المخاطب على أي معلومات عن سياق وموضوع البحث الأصلي، ويبدو ظاهرياً أنه يتعامل مع قاعدة دائمة حول تحديد مواضع الآيات والسور. في حين أن عثمان كان يطرح هذه القاعدة لجميع السور باستثناء سورتي الأنفال والتوبة، وهو استثناء حُذف أيضاً في الشكل المقتطع. كما وردت العبارة المقتطعة للرواية بأشكال مختلفة. أحياناً وردت الرواية بحيث أن جبريل كان يضع الآيات (السيوطي، 1391هـ، 1: 219). وأحياناً نُقلت هذه العبارة عن النبي (ص) أنه كلما نزلت آيات متفرقة، كان يقول: ضعوها في الموضع الفلاني (الزركشي، 1391هـ، 1: 325). وأحياناً نُقلت هذه الرواية عن عثمان (السخاوي، 1419هـ، 1: 289)، وأحياناً عن ابن عباس (الكمالي، 1370ش، 94) أن النبي (ص) كان يضع الآيات. وأحياناً ورد السند الأصلي للرواية بالكامل (قاسم بن سلام، 1426هـ، 152). الاختلاف الثاني في النسخة يتعلق بعبارة «ضَعُوا هَؤُلَاءِ الآيَاتِ فِي السُّورَةِ» التي نُقلت في بعض المصادر بصيغة «ضَعْ هَذِهِ الآيَةَ فِي السُّورَةِ» (سنن أبي داود)، وفي بعض المصادر وردت كلتا الصيغتين معاً (الترمذي، 1395هـ، 5: 272). ولكن هناك اختلاف زمني ملحوظ حيث وردت العبارة في فضائل القرآن لقاسم بن سلام، وهي أقدم نسخة للرواية، بصيغة «ضَعُوا هَذِهِ السُّورَةَ فِي الْمَوْضِعِ…». ووفقاً لهذه الرواية، يقول عثمان: «عندما كانت تنزل على النبي (ص) السور التي لها آيات كثيرة؛ كان يدعو بعض الكتّاب ويقول: ضعوا هذه السورة في المكان الذي يُذكر فيه كذا وكذا» «…فَكَانَ إِذَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةٌ يَدْعُو بَعْضَ مَنْ يَكْتُبُ فَيَقُولُ: «ضَعُوا هَذِهِ السُّورَةَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُذْكَرُ فِيهِ كَذَا وَكَذَا» (قاسم بن سلام، 1415هـ، 1: 285). وكما هو واضح، وفقاً لهذه النسخة القديمة، فإن الحديث ليس عن نزول آيات سورة، بل عن نزول السور نفسها، حيث يبدو أن النبي (ص) بعد انتهاء كل سورة أو ربما مع بداية نزولها كان يحدد مكانها. هذا القول يمكن أن يُستنبط منه الترتيب التوقيفي للسور، وتُعتبر هذه الرواية خارج نطاق بحث النزول المتصل أو المتقطّع للسور. ونقطة قوة هذه القراءة من الرواية المذكورة هي أن تحديد مواضع السور من قبل النبي (ص)، باستثناء سورتي الأنفال والتوبة، يرتبط بموضوع النقاش بين ابن عباس وعثمان حول سبب وصلهما. الاختلاف الثالث في النسخة في هذه الرواية يعود إلى عبارة «إِذَا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةٌ» (قاسم بن سلام، 1415هـ، 1: 285) التي وردت في بعض المصادر بهذا الشكل، وفي مصادر أخرى بشكل «إِذَا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ شَيْءٌ» (أبو داود، 1423هـ، 1: 114؛ الترمذي، 1395هـ، 5: 123؛ النسائي، 1421هـ، 7: 253؛ الطبري، 1412هـ، 1: 102؛ الحاكم، 1411هـ، 2: 360) أو «إِذَا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ آيَةٌ» (البزار، 1988م، 2: 8؛ النحاس، 1408هـ، 1: 477؛ الطبراني، بدون تاريخ، 7: 328) أو «إِذَا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ آيَاتٌ» (الطحاوي، 1415هـ، 1: 120). إذا اعتمدنا نسخة قاسم بن سلام، فسيكون متن الرواية كالتالي: «…فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) كَانَ مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ، وَهُوَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ السُّوَرِ ذَوَاتِ الْعَدَدِ، فَكَانَ إِذَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةٌ يَدْعُو بَعْضَ مَنْ يَكْتُبُ فَيَقُولُ: ضَعُوا هَذِهِ السُّورَةَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُذْكَرُ فِيهِ كَذَا وَكَذَا…» «…عندما كانت تنزل سورة، كان النبي (ص) يقول: ضعوا هذه السورة في المكان الفلاني». وفقاً لهذا النص، أثناء نزول السور الطوال، كانت تنزل سور أخرى وكان النبي (ص) يحدد مكان هذه السور الجديدة. هذه العبارات تصرح بنزول السور المتداخل. ولكن من جهة أخرى، ووفقاً للتتبع الذي تم، فإن هذه النسخة من الرواية لم تُنقل إلا في فضائل القرآن لابن سلام، والآخرون إما ذكروا نزول آية أو آيات وسط السور الطوال أو استخدموا بشكل مبهم عبارة «إِذَا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ شَيْءٌ» التي يمكن أن تُحمل على الآية والسورة معاً. وفقاً لهذه النصوص، عندما كانت السور الطوال في طور النزول، كانت تنزل أيضاً آية أو آيات، وكان النبي (ص) يحدد مكانها. إذا اعتمدنا هذه النسخ المتداولة، يمكن طرح احتمالين لكيفية نزول السور: الأول، أن الآيات التي كانت تنزل وسط السور الطوال كانت مرتبطة بنفس تلك السور، وكان النبي (ص) يعطي علامة لتلك السورة، مثلاً يقول: ضعوا هذه الآيات في سورة النساء. في هذه الحالة، حتى نزول آيات سورة النساء، كان النبي (ص) يعطي علامة تلك السورة، وكان الصحابة يفهمون أن نزول هذه السورة مستمر. وعليه، إذا اعتمدنا هذا المعنى، فلن يكون لرواية «ضعوا…» أي دلالة على النزول المتقطّع للسور. في الحالة الثانية، يمكن تفسير الرواية بأنها عندما كانت السور الطوال في طور النزول، وكانت تنزل آيات من سور أخرى، كان النبي (ص) يحدد مكان تلك الآيات. على سبيل المثال، كانت سورة النساء في طور النزول، ولكن نزلت آيات من سورة الأنفال، فقال النبي (ص): ضعوا هذه الآيات في السورة المتعلقة بحرب بدر. وفقاً لهذا المعنى، ستدل رواية «ضعوا…» على النزول المتقطّع للسور. في النهاية، بسبب الإبهام في دلالة هذه الرواية، لا يمكن اعتبارها مؤيدة للنزول المتقطّع لسور القرآن، حتى السور الطوال.
6. مجالات الاستشهاد بالرواية
في هذا القسم، وبالاعتماد على نوع فهم المفكرين المختلفين في عصور مختلفة لهذه الرواية، سيتم بحث ارتباطها المعنوي بكيفية نزول السور. كما سيتم الكشف عن نوع فهم العلماء في ثلاثة مجالات: التفسير، وعلوم القرآن، والحديث، لهذه الرواية، بالنظر إلى الباب الذي اختاروه لهذه الرواية أو الشرح الذي كتبوه حول معناها. استخدم علماء علوم القرآن هذه الرواية غالباً في بحث ترتيب السور التوقيفي أو الاجتهادي، وبالاعتماد على هذه الرواية، قال البعض بترتيب السور الاجتهادي بشكل مطلق، والبعض الآخر بترتيب السور التوقيفي باستثناء سورتي التوبة والأنفال (الباقلاني، 1422هـ، 1: 281؛ البغوي، 1403هـ، 4: 518-519؛ السيوطي، 1421هـ، 146؛ ابن عاشور، بدون تاريخ، 1: 82-90؛ رأفت سعيد، 1422هـ، 66؛ أيوب، 1425هـ، 20؛ حفناوي، 1422هـ، 59). كما استخدم البعض هذه الرواية لإثبات الترتيب التوقيفي للآيات في السور (السيوطي، 1421هـ، 1: 215؛ معرفة، 1386ش، 1: 276؛ سيد قطب، 1412هـ، 1: 28؛ علاف، 1422هـ، 1: 121؛ غفار، 1415هـ، 106). وذكرت مجموعة أخرى هذه الرواية في باب كيفية نزول القرآن (الزركشي، 1410هـ، 1: 325؛ أبو شامة المقدسي، 1395هـ، 1: 33). وذكرت الفئة الرابعة هذه الرواية في باب جمع القرآن أو كتّاب الوحي (قاسم بن سلام، 1415هـ، 1: 285؛ البغوي، 1403هـ، 4: 518-519؛ السخاوي، 1499هـ، 1: 299؛ عبد خليفة، 1427هـ، 39). أورد أبو داود السجستاني هذه الرواية في باب قرن سورة الأنفال بالتوبة، والذي لا يضم أكثر من روايتين. (أبو داود، 1423هـ، 1: 114). كما أورد النسائي الرواية المذكورة في باب «سورة التي يذكر فيها كذا وكذا»، والذي لا يحتوي إلا على هذه الرواية (النسائي، 1421هـ، 7: 253). أما المفسرون، فغالباً ما تناولوا هذه الرواية في بداية سورة التوبة، وبعضهم في مقدمات تفاسيرهم (الطبري، 1412هـ، 1: 102؛ السمرقندي، بدون تاريخ، 2: 37؛ البغوي، 1420هـ، 2: 314؛ الآلوسي، 1415هـ، 1: 28؛ ابن عاشور، بدون تاريخ، 1: 82-90؛ قطب، 1412هـ، 1: 28؛ القاسمي، 1418هـ، 5: 344). ومن بين هؤلاء، لم يستخدم هذه الرواية لإثبات نزول السور المتداخل إلا بعض مفكري علوم القرآن المعاصرين (ابن عاشور، بدون تاريخ، 1: 82-90؛ جديع، 1427هـ، 63؛ عطار، 1415هـ، 115؛ طاهري، 1377ش، 1: 296).
7. نقد ودراسة دلالة رواية «ضعوا هذه الآيات…» على النزول المتقطّع للسور
1-7. التقييم الداخلي لمتن الرواية
يمكن دراسة رواية «ضعوا هذه الآياتِ…» بالنظر إلى المباحث التي طُرحت، في مجالين مستقلين. الأول: إلى أي مدى هذه الرواية متقنة ومقبولة؟ الثاني: بفرض صحة واعتبار الرواية، هل تدل على النزول المتقطّع للسور؟ في المجال الأول، يمكن تقييم الرواية المذكورة من عدة زوايا. أولاً، وضعها السندي، الذي كما مر، على الرغم من تعدد الأسانيد، تنتهي جميعها إلى حلقة مشتركة من ثلاثة رواة، ومن بينهم يزيد الفارسي، وهو الراوي الوحيد لهذه الرواية عن ابن عباس، وهو مجهول، مما أدى إلى تصريح الكثيرين بضعف سند هذه الرواية. كما أن راويين آخرين في بعض أسانيد هذه الرواية قد ضُعّفا. في المجال الثاني، يمكن الإشارة إلى اختلاف نسخ هذه الرواية، التي أحياناً تكون مؤثرة إلى حد ما في المعنى، حتى أنها غيرت موضوع رواية «ضعوا…» من كيفية ترتيب الآيات في السور إلى كيفية ترتيب السور جنباً إلى جنب، أو كما في آخر اختلاف في النسخ الذي أشير إليه سابقاً، أضعفت بشدة دلالة هذه الرواية على النزول المتقطّع للسور. في المجال الثالث، يجب الإشارة إلى قيد مهم في متن الرواية وتأثيره في فهم النص. أشار عثمان في وصفه لكيفية نزول السور إلى نزول السور «ذوات العدد»، والكشف عن هذا المفهوم مهم في معرفة فضاء نزول السور ودراسة دلالة هذه الرواية على النزول المتقطّع للسور. «فَقَالَ عُثْمَانُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ وَهُوَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ السُّوَرُ ذَوَاتُ الْعَدَدِ، فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعَا بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ فَيَقُولُ: ضَعُوا هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا». فسر البعض «سور ذوات العدد» في رواية «ضعوا…» بهذه الطريقة: «قال عثمان في الجواب: كان الزمان يمضي على رسول الله، وكانت السور ذات العدد المعين من الآيات تنزل عليه. كلما نزلت عليه آية أو آيات من القرآن، كان يدعو أحد كتّابه…» (الطباطبائي، 1378ش، 64). لكن عبارة «السور ذات العدد المعين من الآيات تنزل عليه» ليس لها مفهوم واضح في كلامه. فليس واضحاً لمن كان عدد آيات السورة معيناً؟ هل كان جبريل يخبر عند بداية نزول السورة بأن هذه السورة ستحتوي مثلاً على 200 آية؟ أم أن عدد آيات كل سورة كان معيناً عند الله فقط في البداية؟ بالتأمل في مجموع الروايات المتعلقة بالقرآن، لا يمكن إيجاد أي مؤيد للرأي الأول. وإذا كان الرأي الثاني هو المقصود، فهذا أمر بديهي ويُعتبر جزءاً من علم الله المطلق. ولكن ما الفائدة من ذكره في بيان كيفية نزول السور؟ بينما يُستنبط من سياق الرواية أن «سور ذوات العدد» لا تشير إلى كل سورة، وأن القصد هو بيان خاصية معينة لبعض السور. على الرغم من البحث الواسع الذي أُجري في هذا التحقيق، لم يشر أي من رواة وشرّاح هذا الحديث إلى مفهوم «سور ذوات العدد»، ومروا على هذه العبارة دون أي توضيح. لكن التأمل في استخدام هذا المفهوم في المصادر الإسلامية يظهر أن هذا المصطلح يُستخدم لبيان كثرة عدد ما، وعندما يُذكر للسورة، فإنه يدل على أن تلك السورة تحتوي على آيات كثيرة. للكشف عن مفهوم هذه العبارة، يمكن الاستناد إلى النصوص التالية كقرائن لفهم المعنى. استند دروزة، المفسر المؤرخ المعاصر، إلى الرواية المذكورة معتقداً بالنزول المتقطّع للسور الطوال، وقال إن السور التي كانت «ذوات العدد»، أي تحتوي على فصول مختلفة من الآيات، نزلت بشكل متفرق ثم جُمعت في سورة واحدة بأمر النبي (ص) بحسب الارتباط المعنوي الذي بينها. ثم استناداً إلى عبارة «ذوات العدد» في رواية عثمان، اعتبر أن النزول المتقطّع للسور كان أكثر في السبع الطوال، وهي سور طويلة وكثيرة الآيات (دروزة، 1383هـ، 1: 112). كما تناول ابن عاشور تحت الآية 11 من سورة الكهف «فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا»، مفهوم عبارة «عددًا» واعتبر هذا المصطلح للكثرة، وفسر «سنين عددًا» بسنوات كثيرة. ثم استند إلى رواية عن عائشة تحدثت عن عبادة النبي (ص) في ليالي «ذوات العدد» في غار حراء، واعتبرها بمعنى ليالٍ كثيرة (ابن عاشور، بدون تاريخ، 15: 26). كما استخدم محققون آخرون «ذوات العدد» بمعنى عدد الكثرة (الخطيب، بدون تاريخ، 11: 689). ونتيجة لذلك، يشرح عثمان في روايته وضع نزول السور الطوال، وإذا دلت هذه الرواية على النزول المتقطّع للسور، فإنها تشير إلى نزول متقطّع للسور التي لها آيات كثيرة، ولن تشمل السور القصيرة. بالإضافة إلى ما سبق، في أصل الرواية، ابن عباس هو الشخص الوحيد الذي نسب هذا النقل إلى عثمان، ولم يُنقل عن أي صحابي آخر مثل هذا الرأي حول تحديد مواضع الآيات في السور. وضمنياً، فإن نفس اعتراض ابن عباس، وهو من الصحابة الذين لا شك أنهم يتذكرون كيفية نزول سورة براءة، وهي من آخر السور النازلة في المدينة، وتوضيح عثمان له، هو محل تأمل جدي، بحيث إما أن يضع أصل صدور هذا الحوار موضع شك، أو أنه يضع اجتهاد عثمان في مقابل صحابي مثل ابن عباس موضع تساؤل. ونتيجة لذلك، لا يمكن الاطمئنان إلى رواية متفردة، موقوفة، وضعيفة السند، تعاني أيضاً من اختلافات نصية متعددة.
2-7. التقييم الخارجي للرواية
بعد دراسة اعتبار ودلالة رواية «ضعوا…» من زوايا مختلفة، فإن دراسة روايات أخرى كقرائن خارجية مؤثرة في تقوية أو تضعيف الحديث محل البحث، له أهمية. بناءً على البحث الذي تم، فإن الرواية الوحيدة ذات الأهمية التي تناولت كيفية نزول سور القرآن هي رواية نزول البسملة في بداية السور، والتي سيتم دراسة اعتبارها ودلالتها أولاً، ثم تقييمها بالنسبة لرواية «ضعوا…».
1-2-7. تبيين الرواية
بناءً على روايات الفريقين، بنزول «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، كان المسلمون يدركون أن نزول السورة السابقة قد انتهى وبدأت سورة جديدة. هذه الروايات، التي نُقلت في مصادر الإمامية عن الإمام الصادق (ع) ومصادر العامة عن ابن عباس، سعيد بن جبير، وأبي هريرة، تخبر عن مضمون واحد بعبارات مختلفة. في مصادر الشيعة، وردت الرواية هكذا: نقل صفوان الجمال عن الإمام الصادق (ع) أن الله لم ينزل أي كتاب سماوي إلا وكانت فاتحته «بسم الله الرحمن الرحيم»؛ ولا شك أن نهاية سورة كانت تُعرف بنزول «بسم الله الرحمن الرحيم» التي كانت علامة لبداية سورة أخرى. «عن صفوان الجمال قال: قال أبو عبد الله (ع) ما أنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ كِتاباً إِلَّا وَفَاتِحَتَهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَإِنَّما كَانَ يُعْرَفُ انقضاء السورة بنزول بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ابتداءً للأخرى» (العياشي، 1380ش، 1: 19).
2-2-7. نسخ مختلفة للرواية
في مصادر أهل السنة، وردت هذه الرواية بالأشكال التالية:
الشكل الأول: نقل ابن جريج عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير أن المؤمنين في زمن النبي (ص) لم يكونوا يعلمون بنهاية السورة حتى تنزل «بسم الله الرحمن الرحيم». فبنزول هذه الآية كانوا يفهمون أن سورة قد نزلت وانتهت أخرى. «عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ (ص) كَانُوا لَا يَعْلَمُونَ انْقِضَاءَ السُّورَةِ حَتَّى يَنْزِلَ: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» (الفاتحة: 1)، فَإِذَا نَزَلَ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» (الفاتحة: 1) عَلِمُوا أَنْ قَدْ نَزَلَتِ السُّورَةُ، وَانْقَضَتِ الْأُخْرَى» (عبد الرزاق، 1403هـ، 2: 91).
الشكل الثاني: نقل عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير وعنه عن ابن عباس أنه كلما نزل جبريل على النبي (ص)، كان يقرأ «بسم الله الرحمن الرحيم» فيعلم النبي (ص) أنها سورة نزلت. «سَأَلْتُ أَبَا زَكَرِيَّا الْعَنْبَرِيَّ، وَحَدَّثَنَا بِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ أَبِي غَرْزَةَ، ثنا عَلِيُّ بْنُ حَكِيمٍ، أَنْبَأَ الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مَثْنَى بْنِ الصَّبَّاحِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ (ص) كَانَ إِذَا جَاءَهُ جِبْرِيلُ فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ عَلِمَ أَنَّهَا سُورَةٌ» (الحاكم، 1411هـ، 1: 355).
الشكل الثالث: نقل عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير وعنه عن ابن عباس أن النبي (ص) لم يكن يعلم نهاية سورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم. «حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ، ثنا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَخْبَرَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ سَلْمُ بْنُ الْفَضْلِ الْآدَمِيُّ، ثنا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا الْمُقْرِئُ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّارُ قَالَا: ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ (ص) «لَا يَعْلَمُ خَتْمَ السُّورَةِ حَتَّى تَنْزِلَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» (الحاكم، 1411هـ، 1: 355).
الشكل الرابع: نقل عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير وعنه عن ابن عباس أننا كنا نعرف نهاية السورة بـ«بسم الله الرحمن الرحيم»؛ فلا تتركوها. «أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ الْفُسْطَاطِيُّ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ عِيسَى حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ السُّورَةِ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ (ص) بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَلَا تَتْرُكُوهَا» (المستغفري، 2008م، 1: 446).
الشكل الخامس: نقل عن عطاء عن ابن عباس أننا كنا نتعلم القرآن في زمن النبي (ص) ولم نكن نعرف فصل السورة حتى تنزل «بسم الله الرحمن الرحيم». «رُوِيَ عَطَاءُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنَّا نَتَعَلَّمُ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ (ص) فَمَا يُعْرَفُ فَصْلُ السُّورَةِ حَتَّى تَنْزِلَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» (الباقلاني، 1422هـ، 1: 208).
الشكل السادس: قال أبو هريرة إن نهاية السورة لم تكن تُعرف حتى تنزل «بسم الله الرحمن الرحيم». «أَبُو هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – قَالَ: «لَمْ يَكُنْ يُعْرَفُ كَمَالُ السُّوَرِ وَلَا نَفَادُهَا إِلَّا بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» (ابن الأثير، 1969م، 11: 290).
الشكل السابع: نقل عبد الله بن أبي حسين عن ابن مسعود أننا لم نكن نميز فصل آيات سورتين عن بعضهما حتى تنزل بينهما بسم الله الرحمن الرحيم. «أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ الذُّهَلِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ الْحَجَّاجِ الْعَبْدِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، ذَكَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا لَا نَعْلَمُ فَصْلَ مَا بَيْنَ السُّورَتَيْنِ حَتَّى تَنْزِلَ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}» (الواحدي، 1415هـ، 1: 62؛ البيهقي، 1423هـ، 4: 22).
3-2-7. أسانيد الرواية
من مجموع النسخ الموجودة لهذه الرواية، يتضح أن ما يصرح به متن هذه الروايات هو إعلان نهاية سورة وبداية نزول سورة جديدة بآية «بسم الله الرحمن الرحيم». وبناءً على هذا التصريح، فإن كل ما نزل بين بسملتين كان آيات سورة واحدة. وعليه، لا معنى لأن تنزل آية متعلقة بالسورة السابقة بعد بداية السورة التالية وتُلحق بها. من هنا، يمكن اعتبار دلالة هذا المتن تأييداً للنزول المتصل لآيات كل سورة من البداية حتى النهاية، واعتبار هذا المعتقد نقطة مقابلة لفهم بعض المعاصرين للنزول المتقطّع للسور بالاعتماد على رواية «ضعوا…».
يمكن تقسيم أسانيد هذه الرواية إلى عدة فئات. أولاً، سند صفوان الجمال عن الإمام الصادق (ع) في مصادر الإمامية، الذي عانى من التعليق بسبب عدم ذكر الحلقات الأولى من السند. صفوان الجمال، رغم أنه راوٍ كثير الرواية في مصادر الإمامية وقد اعتمد عليه كبار الإمامية، إلا أنه لم يرد فيه جرح أو تعديل في كتب الرجال. ثانياً، الأسانيد التي تنتهي حلقاتها الثلاث الأخيرة بعمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (الحاكم، 1411هـ، 1: 355-356؛ الخطيب البغدادي، 2004م، 1: 41؛ البيهقي، 1410هـ، 1: 150؛ ابن حجر، 1379هـ، 9: 420). وقد نقل الحاكم ثلاث روايات في هذا الموضوع بعبارات مختلفة قليلاً بهذا السند، واعتبرها جميعها صحيحة على شرط الشيخين (الحاكم، 1411هـ، 1: 355-356). كما أن الخطيب البغدادي، على الرغم من إرسال السند، حمل هذه الرواية على الصحة (الخطيب البغدادي، 2004هـ، 1: 41). ثالثاً، السند الذي نقل الرواية مباشرة عن ابن عباس دون واسطة التابعي (المستغفري، 2008هـ، 1: 446؛ ابن الأثير، 1969م، 11: 289). رابعاً، السند الذي نقل الرواية عن سعيد بن جبير (التابعي) (عبد الرزاق، 1403هـ، 2: 91؛ قاسم بن سلام، 1415هـ، 1: 217؛ السخاوي، 1418هـ، 1: 287؛ ابن كثير، 1419هـ، 1: 116). خامساً، السند الذي نقل الرواية بواسطة عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس (الباقلاني، 1422هـ، 1: 208). سادساً، السند الذي ينتهي في حلقته الأخيرة إلى ابن مسعود (الواحدي، 1415هـ، 1: 62؛ البيهقي، 1423هـ، 4: 22؛ السيوطي، 1404هـ، 1: 8). سابعاً، السند الذي نقل الرواية عن أبي هريرة (ابن الأثير، 1969م، 11: 290). ووفقاً للتتبع الذي تم، فإن ابن الأثير هو الوحيد الذي نقل هذه الرواية عن أبي هريرة. إجمالاً، على الرغم من أن العديد من أسانيد هذه الرواية نُقلت عن الصحابة وأحياناً عانت من إرسال السند، إلا أنها موثوقة لثلاثة أسباب. أولاً، أنها نُقلت عن أشخاص مختلفين كانوا غالباً من كبار المحدثين والمفسرين في القرن الهجري الأول. إجماع هؤلاء الأشخاص على هذه الرواية هو علامة على قوتها والاعتماد عليها. ثانياً، أن هذه الرواية نُقلت أيضاً بواسطة أحد الرواة الموثوقين عن الإمام الصادق (ع)، مما يؤدي إلى قبول الرواية. ثالثاً، موضوع هذه الرواية هو السيرة النبوية. أغلب روايات السيرة نُقلت بواسطة الصحابة والتابعين وقُبلت من قبل العلماء. بعبارة أخرى، دراسة السند وصحة الرواية في مجال السيرة تختلف عن التقييمات الدقيقة للسند في مجال الفقه. وعليه، يمكن الاعتماد على مجموع أسانيد هذه الرواية وقبول صدورها عن النبي (ص).
4-2-7. مصادر الرواية
وردت هذه الرواية في مصادر الشيعة لأول مرة نقلاً عن صفوان عن الإمام الصادق (ع) في تفسير العياشي (العياشي، 1380ش، 1: 19). ثم انتقلت هذه الرواية من تفسير العياشي إلى المصادر المتأخرة. كما نقلها المجلسي في بحار الأنوار (1403هـ، 82: 20)؛ والبحراني في البرهان (1416هـ، 1: 97)، والحويزي في نور الثقلين (1415هـ، 1: 6)، والفيض الكاشاني (1415هـ، 9: 28)، والمحدث النوري في مستدرك الوسائل (1408هـ، 4: 165). وفي مصادر العامة، وردت هذه الرواية لأول مرة في نهاية القرن الثاني في المصنف لعبد الرزاق (1403هـ، 2: 91)، وفي القرن الثالث في فضائل القرآن لقاسم بن سلام (1415هـ، 1: 217) وسنن أبي داود (بدون تاريخ، 1: 209). في القرن الرابع، نقل الحاكم النيسابوري ثلاث روايات بهذا المضمون، كان الرواة الثلاثة الأواخر في كل منها عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (1411هـ، 1: 355-356). في القرن الخامس، نقل الباقلاني في الانتصار (1422هـ، 1: 208-210)، والمستغفري في فضائل القرآن (2008م، 1: 442-446)، وابن عبد البر في الإنصاف (1417هـ، 1: 162)، والبيهقي في السنن الكبرى (1424هـ، 2: 63) روايات مختلفة للرواية المذكورة، غالباً بنفس الرواة المشتركين في روايات الحاكم. بعد ذلك، نقلها السخاوي في جمال القراء وكمال الإقراء في القرن السابع (1418هـ، 1: 287)؛ والشاطبي في الموافقات في القرن الثامن (1417هـ، 4: 275)، وابن حجر في فتح الباري في القرن التاسع (1379هـ، 9: 420). ومن ثم، استُخدمت هذه الرواية بكثرة في مصادر علوم القرآن والتفسير المعاصرة.
5-2-7. مجالات الاستشهاد بالرواية
استخدم كثير من العلماء المتقدمين من أهل السنة هذه الرواية لإثبات وجوب ذكر بسم الله… في بداية السور وكونها آية منها (عبد الرزاق، 1403هـ، 2: 91؛ المستغفري، 2008م، 1: 442 و 446؛ البيهقي، 1424هـ، 2: 63؛ الباقلاني، 1422هـ، 1: 208-210؛ ابن عبد البر، 1417هـ، 1: 162؛ السيوطي، 1421هـ، 1: 266؛ الشوكاني، 1414هـ، 1: 20؛ عبده، 1990م، 1: 34). فتحت مجموعة من علماء علوم القرآن باباً مستقلاً للبسملة وذكروا الروايات المتعلقة بها (قاسم بن سلام، 1415هـ، 1: 217؛ مير محمدي، 1420هـ، 59-60؛ قاسم بن سلام، 1426هـ، 114). واستخدمت المجموعة الثالثة هذه الرواية لتحديد خاتمة السور وإثبات النزول المتصل للآيات (مير محمدي، 1420هـ، 59-60؛ نكونام، 1380ش، 86). كما استعان المفسرون بهذه الرواية في تفسير آية «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» (العياشي، 1380ش، 1: 19؛ القرطبي، 1364ش، 1: 95؛ الفيض الكاشاني، 1415هـ، 9: 28؛ السيوطي، 1404هـ، 1: 7؛ البحراني، 1416هـ، 1: 97؛ الحويزي، 1415هـ، 1: 6؛ المراغي، بدون تاريخ، 1: 26).
6-2-7. التقابل المعنوي بين رواية نزول البسملة ورواية «ضعوا…»
يمكن مقابلة الرواية المعتبرة لنزول البسملة في بداية السور برواية «ضعوا…» بطريقتين. أولاً، أن هذه الرواية تدل صراحة على النزول المتصل للسور. ونتيجة لذلك، فهي في تقابل مع ادعاء المعاصرين بدلالة رواية «ضعوا…» على النزول المتقطّع للسور. وعليه، بسبب قوة واعتبار رواية نزول البسملة وعدم اعتبار رواية «ضعوا…» بشكل عام، وضعف ادعاء دلالتها على النزول المتقطّع للسور من جهة أخرى، لا يمكن القول بالنزول المتقطّع للسور. بعبارة أخرى، حتى لو قبلنا ادعاء بعض المعاصرين بدلالة رواية «ضعوا…» على النزول المتقطّع للسور، على الرغم من ضعفها المتعدد، فإن هذا الادعاء غير مقبول بسبب وجود روايات معارضة لها قوة سندية ومتنية لازمة، ولا يمكن من خلالها تعريف وضع نزول سور القرآن بأنه متقطّع ومنفصل. ثانياً، أن بعض محققي أهل السنة اعتبروا رواية «ضعوا…» ضمناً اجتهاداً من عثمان في حذف بسملة سورة التوبة، ووصفوا رواية نزول البسملة في بداية السور، بما أنها تُعرّف بالضرورة حدود كل سورة بواسطة البسملة، بأنها في تقابل مع رواية «ضعوا…»، وفي هذا التعارض، رجحوا ضمنياً رواية نزول البسملة في بداية السور على اجتهاد عثمان. كما أن ابن حجر في وصفه لتوقيفية أو اجتهادية ترتيب السور في القرآن، تناول أولاً اختلاف المصاحف المختلفة، ووصف مصحف الإمام علي (ع) بأنه على ترتيب النزول، ومصحف ابن مسعود بترتيب غير مصحف عثمان. ثم تناول آراء الباقلاني وغيره بخصوص توقيفية أو اجتهادية ترتيب السور في المصحف العثماني، وبالاعتماد على رواية «ضعوا…» التي تشير إلى اجتهاد عثمان في تغيير مكان سورة براءة، انتقد رأي الباقلاني في التوقيفية المطلقة لترتيب السور، وفي النهاية قال بتوقيفية ترتيب الآيات واجتهادية ترتيب السور في القرآن. ثم نقل قولاً من صاحب الإقناع يفيد بأن البسملة نزلت حتماً في بداية سورة التوبة في عملية الوحي، وأن هذه البسملة كانت موجودة أيضاً في مصحف ابن مسعود. لأنه وفقاً للروايات المتقنة والصحيحة السند حول نزول البسملة في بداية السور، لم تكن أي سورة تبدأ إلا بوجود البسملة في بدايتها، وبعبارة أخرى، بنزول البسملة، كان النبي (ص) يدرك نهاية نزول السورة السابقة. لذا، لو لم تنزل البسملة في بداية سورة التوبة، لما بدأ نزول هذه السورة أبداً، ولكانت آياتها لا تزال تُعتبر استمراراً لآيات السورة السابقة. وبعد ذكر هذا الرأي، سكت ابن حجر، وأقر ضمنياً بحذف البسملة في بداية سورة براءة باجتهاد من عثمان (ابن حجر، 1379هـ، 9: 42). الطحاوي هو مفكر آخر استنبط من رواية «ضعوا…» أن عثمان كان يعتبر سورة التوبة والأنفال واحدة، بينما كان ابن عباس يعتبرهما سورتين. وبما أن ابن عباس نقل رواية نزول البسملة في بداية السور وكان يطمئن إليها، فقد اعتبر سورة التوبة سورة كاملة ولها بسملة. لأنه في غير هذه الحالة، وبما أن سورة بدر كانت في بداية العهد المدني وسورة براءة في نهايته، فإن سورة براءة بدون بسملة لم تكن تُعرف كسورة، بل لو لم تكن لها بسملة في بدايتها، لكانت آياتها تُحسب امتداداً للسورة السابقة. ثم سعى لحل تعارض اجتهاد هذين الصحابيين حول كون سورتي الأنفال والتوبة واحدة أو اثنتين، وربط هذه المسألة بتحزيب القرآن، وصرح بأنه إذا كان هذا التحزيب بأمر النبي (ص)، فهو أمر توقيفي ولازم الإتباع، وإذا كان من قبل الصحابة، فبسبب عدالتهم (اقتدائهم بالنبي (ص)) فإن قبوله واجب. ثم بعد هذه المقدمة، ذكر روايات تشير إلى انفصال سورتي الأنفال والتوبة، وأشار إلى بعض المسلمين الذين كتبوا البسملة في بداية سورة التوبة للحفاظ على هوية هذه السورة المستقلة. وفي النهاية، بالتأكيد على كون سورتي الأنفال والتوبة اثنتين، رفض ضمنياً اجتهاد عثمان، وأيد رأي ابن عباس المبني على رواية نزول البسملة في بداية السور (الطحاوي، 1415هـ، 3: 403-409).
8. الخاتمة
بناءً على مجموع التقارير المقدمة، كانت رواية «ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا…» من عهد المتقدمين إلى العصر الحالي رواية متداولة بكثرة، على الرغم من أنها في العصر المعاصر كانت تُقتطع أحياناً ولا يُنقل إلا الجزء المتعلق بكيفية نزول السور. لكن هذه الرواية من منظور داخلي وخارجي تعاني من نقاط ضعف متعددة. من منظور النقد الداخلي، تعاني أسانيدها من ضعف متعدد، بما في ذلك الحلقة المشتركة من ثلاثة رواة، وجهالة أحد الرواة الرئيسيين، وتفرد السند، إلخ. ومن ناحية أخرى، تعاني هذه الرواية من متن مضطرب بسبب تعدد النسخ المختلفة، حتى أنها في بعض النسخ وجدت اختلافات معنوية ملحوظة. بالإضافة إلى ذلك، فإن دلالة هذه الرواية على النزول المتقطّع للسور غير تامة، وكلا وجهي النزول المتصل أو المتقطّع للسور يمكن حمله عليها. كما أنه في العصور الماضية لم يُستند إلى هذه الرواية أبداً لإثبات النزول المتقطّع للسور. إضافة إلى أنه وفقاً لبعض النسخ، لا تتعلق هذه الرواية بترتيب الآيات في السور، بل تبحث في ترتيب السور، مما يخرج هذه الرواية أساساً عن موضوع البحث حول كيفية نزول السور. إلى جانب جميع الانتقادات الداخلية لهذه الرواية، التي تقلل من اعتبار الحديث بشكل عام وتلغي دلالته على النزول المتقطّع للسور، نُقلت رواية صحيحة السند ومتقنة في مصادر الشيعة والسنة، تعتبر نزول البسملة في بداية السور علامة على بداية سورة جديدة وختام السورة السابقة، وتعتبر الآيات بين بسملتين متعلقة بسورة واحدة. هذه الرواية من جهة تصرح بنزول السور بشكل متصل، خلافاً لرواية «ضعوا…»، ومن جهة أخرى تشير إلى استقلالية سورتي التوبة والأنفال عن بعضهما، ونزول البسملة في بداية سورة التوبة التي حُذفت فقط باجتهاد من عثمان في كتابة القرآن. ونتيجة لذلك، فإن رواية «ضعوا…»، بالإضافة إلى انتقاداتها الداخلية المتعددة، وبسبب وجود رواية معارضة قوية ومحكمة، ساقطة عن الاعتبار وغير قابلة للاستناد.
المصادر
القرآن الكريم.
الآقائي، السيد علي، الحلقة المشتركة وصلتها بالمصطلحات الحديثية، طهران: تاريخ وتمدن إسلامي، السنة الثامنة، 1391هـ، العدد 57.
الآلوسي، السيد محمود، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، تحقيق علي عبد الباري عطية، بيروت: دار الكتب العلمية، 1415هـ.
ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، فتح الباري شرح صحيح البخاري، بيروت: دار المعرفة، 1379هـ.
ابن عاشور، محمد بن طاهر، التحرير والتنوير، بيروت: مؤسسة التاريخ، د.ت.
ابن كثير الدمشقي، إسماعيل بن عمرو، تفسير القرآن العظيم (ابن كثير)، تحقيق محمد حسين شمس الدين، بيروت: دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون، 1419هـ.
أبو داود، سليمان بن الأشعث، سنن أبي داود، تحقيق محمد محيي الدين، بيروت: المكتبة العصرية، د.ت.
أبو داود، عبد الله بن سليمان، كتاب المصاحف، تحقيق محمد بن عبده، القاهرة: الفاروق الحديثية، 1423هـ.
أبو شهبة، محمد بن محمد، المدخل لدراسة القرآن الكريم، القاهرة: مكتبة السنة، ط2، 1423هـ.
أبو نعيم، أحمد بن عبد الله، معرفة الصحابة، تحقيق عادل بن يوسف العزازي، الرياض: دار الوطن للنشر، 1419هـ.
أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، تحقيق شعيب الأرنؤوط، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1421هـ.
الألباني، محمد ناصر الدين، صحيح وضعيف سنن أبي داود، د.م: د.ن، د.ت.
الألباني، محمد ناصر الدين، ضعيف السنن الترمذي، تحقيق زهير الشاويش، بيروت: المكتب الإسلامي، 1411هـ.
أيوب، حسن، الحديث في علوم القرآن والحديث، الإسكندرية: دار السلام، ط2، 1425هـ.
الباقلاني، محمد بن الطيب، الانتصار للقرآن، عمان، بيروت: دار الفتح/دار ابن حزم، 1422هـ.
البحراني، هاشم بن سليمان، البرهان في تفسير القرآن، قم: مؤسسة البعثة، طهران، 1416هـ.
البزار، أحمد بن عمرو، مسند البزار باسم البحر الزخار، تحقيق محفوظ الرحمن زين الله، المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم، 1988م.
البغوي، حسين بن مسعود، معالم التنزيل في تفسير القرآن، تحقيق عبد الرزاق المهدي، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1420هـ.
البيهقي، أحمد بن الحسين، السنن الكبرى، تحقيق محمد عبد القادر، بيروت: دار الكتب العلمية، 1424هـ.
بهجت پور، عبد الكريم، تفسير تنزيلي (بترتيب النزول)، طهران: معهد الثقافة والفكر الإسلامي، 1392ش.
الترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي، تحقيق أحمد محمد شاكر، مصر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى، ط2، 1395هـ.
الثعلبي، أحمد بن إبراهيم، الكشف والبيان عن تفسير القرآن، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1422هـ.
جديع، عبد الله بن يوسف، المقدمات الأساسية في علوم القرآن، بيروت: مؤسسة الريان، ط3، 1427هـ.
الهوامش
1. طالبة دكتوراه في علوم القرآن والحديث بجامعة أصفهان – zahrakalbasi@gmail.com
2. أستاذ مساعد بقسم علوم القرآن والحديث بجامعة أصفهان (المؤلف المسؤول) – amirahmadnezhad@outlook.com