مستند ونطاق قاعدة «وجوب دفع الأفسد بالفاسد»

الخلاصة

قد يكون الأمر المكروه أحياناً هو السبيل الوحيد لدفع أمر أشد كراهة. وفي هذه الموارد، يحكم العقل بضرورة ارتكاب الإنسان للأمر المكروه لدفع ما هو أكره منه. ويُعبّر عن هذه الطريقة العقلائية في الفقه بقاعدة «وجوب دفع الأفسد بالفاسد». هذه القاعدة كثيرة الاستعمال، إلا أنها قلّما خضعت لبحث مستقل، ومن الجدير أن يُعقد لها بحث منفصل حول مستندها ونطاقها. إن حصيلة هذا البحث، الذي أُجري بالمنهج الوصفي التحليلي وعلى أساس المصادر المكتبية، هي أن الأدلة النقلية قاصرة عن إثبات القاعدة، وأن أهم دليل عليها هو سيرة العقلاء؛ فإن الحكماء، سواء في مقام التشريع أو في مقام تنفيذ القانون، إذا لم يجدوا سبيلاً لدفع الأفسد إلا بارتكاب الفاسد، فإنهم يقدمون عليه. وهذه الطريقة العقلائية كانت جارية في زمن الشارع ولم ينهَ عنها، بل طُبّقت من قِبَله أحياناً. نتيجة البحث حول صلة هذه القاعدة بالقواعد الأخرى هي أن التشريع القائم على تعاليم الشرع، من قبيل التزاحم الامتثالي، مبني على هذه القاعدة. وعليه، لتطبيق هذه القاعدة لا بد من توفر شرطي التزاحم، وهما: فعلية التكليفين، وانحصار امتثال «الأهم» في عدم امتثال «المهم». كما أن القاعدة العقلائية «الغاية لا تبرر الوسيلة» تشير إلى نقطتين: الأولى، أنه إذا كان الهدف واجباً ومقدمته حراماً، ففي صورة عدم انحصار مقدمة الواجب في الفعل الحرام، لا يجوز ارتكاب الحرام. الثانية، أنه في صورة انحصار مقدمة الواجب في الفعل الحرام، فإن ذا المقدمة يفقد مطلوبيته. وعلى هذا الأساس، لا تتعارض هذه القاعدة مع وجوب دفع الأفسد بالفاسد. نتيجة أخرى هي أن مرجع تشخيص الأفسد من الفاسد هو الفقيه وحده، وهو الذي يمكنه تشخيص مقدار المفسدة وأهمية الحكم في الأحكام الشرعية. بالطبع، في الأحكام المترتبة على الموضوعات العرفية، لا بد له من مشاورة أهل الفن.

مقدمة

يواجه الإنسان في مسيرة حياته في موارد متعددة أمراً شديد الكراهة، ولا يكون السبيل الوحيد للفرار منه إلا بالخضوع لأمر آخر مكروه. في هذه الموارد، يقدم الإنسان على ارتكاب الأمر المكروه للنجاة من الأمر الأشد كراهة. وبتعبير آخر، يرتكب السيئ لدفع الأسوأ. ويُعبّر عن هذه العملية في الفقه بـ«وجوب دفع الأفسد بالفاسد».

وقد استفاد أهل النظر في الفقه والأصول من هذه القاعدة في مختلف المباحث. ومن خلال التأمل في استدلالاتهم، يتضح أن كبرى هذه القاعدة مسلمة في فكرهم؛ وإن وُجد اختلاف في الرأي في تطبيقها على المصاديق المتنوعة.

وعلى هذا الأساس، عدّ بعض العلماء المعاصرين قاعدة «وجوب دفع الأفسد بالفاسد» من المشهورات بين الفقهاء والأصوليين، باعتبارها أحد موارد جريان قاعدة تقديم الأهم على المهم. (السيفي المازندراني، ١٤٢٥، ص ٢٠٨).

وفي المباحث الأصولية، تمسك بهذه القاعدة كل من الشيخ الأنصاري في بحث الانسداد (الأنصاري، ١٤٢٨، ج ١، ص ٣٧١؛ التبريزي، ۱۳۸۸، ج ٢، ص ۳۰۹)، والمحقق الأصفهاني في مبحث الطلب والإرادة (الأصفهاني، ١٤١٦ق، ج ٢، ص ٦٠)، وآية الله الخوئي والشهيد الصدر في بحث الحركات الخروجية للتخلص من الغصب (الخوئي، ١٤٢٢ق، ج ٢، ص ٢٢٩؛ الصدر، ١٤٢٣ق، ص ٢٠).

وفي الفروع الفقهية، أخذ آية الله الخوانساري في مبحث قبول الولاية من الحاكم الجائر، وآية الله السبزواري في مبحث الاستعانة بالكافر أو الجائر للدفاع عن النفس والمال والعرض، هذه القاعدة بعين الاعتبار. (السبزواري، ١٤١٣ق، ج ١٥، ص ١٠٣؛ الخوانساري، ١٤٢٠ق، ج ٣، ص ٦٠).

كما أن بعض مصاديق هذه القاعدة كانت موضعاً للاستفتاء. وكمثال على ذلك، تم استفتاء مراجع التقليد حول حكم إرسال تشويش على أمواج الأقمار الصناعية بهدف منع تحقيق أهداف معادية للإسلام. (https://af.shafaqna.com/FA/33729).

على الرغم من أن هذه القاعدة يُستند إليها في مواضع شتى من المباحث الفقهية، إلا أنها قلما خضعت للتدقيق بشكل مستقل. ومن تبعات هذا الإهمال أن القواعد المذكورة قد يُستند إليها بشكل غير واعٍ وتُطبق على حالات متنوعة. حتى الذين اهتموا بإحصاء العناوين والقواعد الفقهية وتوضيحها لم يبحثوا هذه القاعدة. (راجع: البجنوردي، ١٤١١؛ مكارم الشيرازي، ١٤١١)، ويجب البحث عن المباحث المتعلقة بهذه القاعدة تحت عناوين أخرى.

إن المباحث المطروحة في المصادر الفقهية والأصولية تحت عنوان «التزاحم» يمكن أن تساعدنا في معرفة قاعدة «وجوب دفع الأفسد بالفاسد». ولكن، هناك سببان على الأقل يجعلان البحث المستقل حول هذه القاعدة ضرورياً:

1. في مبحث التزاحم، ما هو موضوع البحث هو تعارض حكمين لهما ملاك بشكل عام. أما في قاعدة وجوب دفع الأفسد بالفاسد، فيتركز البحث على منع وقوع الأفسد بواسطة الفاسد. وبناءً عليه، تُبحث الصور المختلفة لمنع وقوع الأفسد بواسطة الفاسد بتفصيل ودقة أكبر. إلا أن هذه النقاط لم تُبحث تفصيلاً في مبحث التزاحم.

2. في مبحث التزاحم، لم تُطرح بعض المباحث أو حظيت باهتمام أقل. مثل: مرجع تشخيص أهمية الملاك، وكذلك الارتباط ببعض القواعد الأخرى.

خلفية البحث

لم يتم بحث «وجوب دفع الأفسد بالفاسد» بشكل خاص في المصادر الفقهية والأصولية. وفقط في كتاب «أسس النظام السياسي عند الإمامية» خُصصت بضع صفحات لهذا البحث. (سند، ١٤٢٦ق، ص ٢٨٧).

ومن بين المقالات المنشورة، تناولت مقالتان موضوع «وجوب دفع الأفسد بالفاسد»:

1. علي آبادي، عبد الصمد؛ إسلامي، رضا. «استكشاف قاعدة دفع الأفسد بالفاسد من منظور المذاهب الفقهية». مجلة بحوث المذاهب الإسلامية، السنة الثانية، العدد الثالث، ربيع وصيف ١٣٩٤ش، ص ٩-٣٢. في هذه المقالة، تم بحث أدلة قاعدة «وجوب دفع الأفسد بالفاسد» وأشير إلى بعض تطبيقاتها.

2. گل محمدي، هوشنگ؛ آيتي، محمد رضا؛ رحمان ستايش، محمد كاظم. «استكشاف الدفع بالفاسد وتجليه في الحقوق الجزائية مع مراعاة حقوق المواطنة». مجلة الحقوق الطبية، عدد خاص بحقوق الإنسان وحقوق المواطنة، ١٣٩٧ش، ص ٢٤٥-٢٥٧. في هذا التحقيق، تمت الإشارة إلى أدلة القاعدة وبحث بعض تطبيقاتها الفقهية والحقوقية.

أما في هذا البحث، ولأول مرة، طُرحت مسائل مثل جواز تهيئة الأرضية لعمل حرام (فاسد) يقوم به شخص آخر بهدف منع ارتكاب حرام أشد (أفسد)، وجواز دفع الأفسد من قِبَله. كما تمت دراسة العلاقة بين قاعدة «وجوب دفع الأفسد بالفاسد» وقاعدة «الغاية لا تبرر الوسيلة» من منظور أصولي، وكذلك تم استكشاف مرجع تشخيص الأفسد والفاسد.

في هذه المقالة، تم أولاً استكشاف معنى المفردات الرئيسية للبحث: الأفسد، الفاسد، والتزاحم. ثم تم الرد على الأسئلة المطروحة حول نطاق القاعدة. وفي الخطوة التالية، تم بحث أدلة قاعدة «وجوب دفع الأفسد بالفاسد»، وفي النهاية، تم بحث مرجع تشخيص الأفسد من الفاسد.

1. تحليل المفردات

1-1. الفاسد والأفسد

أ) المعنى اللغوي

اكتفى اللغويون في بيان المعنى اللغوي لـ«الفساد» بهذه العبارة: «الفساد: نقيض الصلاح»، وتابعوا قائلين: «فسد يفسد فساداً وفسوداً، فهو فاسد» (الفراهيدي، ١٤٠٩ق، ج ٧، ص ٢٣١؛ ابن منظور، ١٤٠٩ق، ج ٣، ص ٢٣٥). وبما أن «أفسد» اسم تفضيل، لم يذكروا له معنى منفصلاً. وعليه، فإن المعنى اللغوي لـ«أفسد» سيكون «ما فيه فساد أكبر».

ب) المعنى الاصطلاحي

في المصادر الأصولية، لم يُبيّن معنى «الفاسد» و«الأفسد» بشكل منفصل. ولكن التأمل في موارد استعمال هاتين المفردتين يدل على أن المراد من «الفاسد» في قاعدة «وجوب دفع الأفسد بالفاسد» هو العمل الذي له مفسدة. والمراد من «الأفسد» هو العمل الذي مفسدته أكبر بالنسبة لعمل آخر. بالطبع، أحياناً يُعتبر ترك الواجب، أي العمل الذي له مصلحة ملزمة، فاسداً أيضاً. وعلى هذا الأساس، إذا كان لعمل واجب مصلحة أقوى من حكم آخر، فإن تركه يُعتبر أفسد. (السبزواري، ١٤١٣ق، ج ١٥، ص ١٠٣؛ الخوانساري، ١٤٢٠ق، ج ٣، ص ٦٠).

أما هذا المبحث، وهو هل المقصود بالمفسدة هنا المفسدة الأخروية أم الدنيوية، فسيتم بحثه لاحقاً في المقالة.

1-2. التزاحم

بما أن قاعدة وجوب دفع الأفسد بالفاسد لها ارتباط وثيق ببحث التزاحم، فإن التأمل في معنى وأقسام التزاحم ضروري.

أ) المعنى اللغوي

وردت هذه المفردة في اللغة بمعنى «تجمع قوم على شيء وتلاطم الأمواج». (ابن منظور، ١٤٠٨ق، ج ١٢، ص ٢٦٢).

ب) المعنى الاصطلاحي

حصر البعض استعمال مفردة التزاحم في علم الأصول بمقام الامتثال فقط. (المشكيني، ١٤٢٨ق، ص ١٠٨). لكن استعمال التزاحم في المتون الأصولية له نطاق أوسع. بالنظر إلى الاستعمالات المختلفة لهذه المفردة، يمكن تعريف التزاحم كالتالي: كلما تحقق تنافٍ بين حكمين لهما ملاك، ولم يكن منشأ هذا التنافي تكاذب الدليلين، فإن هذين الحكمين يكونان متزاحمين. وهذا التنافي يكون تارة في مقام الجعل، وتارة في مقام الامتثال. (الصدر، ج ٤، ص ١٥١؛ السبحاني، ١٤١٤ق، ج ٤، ص ٤٠٨).

ج) أنواع التزاحم

النوع الأول: التزاحم الملاكي

الأفعال التي هي واجبة أو محرمة في الشريعة الإسلامية؛ قد تكون ذات مصلحة أو مفسدة محضة، وقد تكون ذات مصلحة ومفسدة غالبة. توضيح ذلك: قد يكون لفعل واحد مصلحة ومفسدة في آن واحد؛ في هذه الحالة، يقع التزاحم بين المفسدة والمصلحة في ذلك الفعل. في هذه الحالة، قد تكون مفسدته أكبر من مصلحته أو العكس. إذا كانت مصلحته أكبر من مفسدته، يكون الفعل راجحاً شرعاً، وإذا كانت مفسدته أكبر، يكون مرجوحاً شرعاً. الأمر الراجح شرعاً إذا كان ذا مصلحة ملزمة، يكون واجباً، والأمر المرجوح إذا كان ذا مفسدة ملزمة، يكون حراماً.

إذا وجد تزاحم بين مصلحة ومفسدة فعل واحد، وقام الشارع في مرحلة التشريع بجعل ذلك الفعل واجباً أو حراماً بسبب غلبة المصلحة أو المفسدة، يُسمى ذلك «التزاحم الملاكي».

المثال المعروف للتزاحم الملاكي في الشريعة هو حرمة الخمر والقمار؛ بناءً على الآية الشريفة، مع وجود منافع فيهما، إلا أن الشارع حرمهما لأن مفسدتهما أكبر من منافعهما. يقول الله تعالى: «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا…» (البقرة/٢١٩). «يسألونك عن الخمر والميسر. قل: فيهما إثم كبير وفوائد للناس، ولكن إثمهما أكبر من فائدتهما».

النوع الثاني: التزاحم الحفظي

الفرق بين هذا النوع من التزاحم والنوع السابق هو أنه في النوع السابق، كان الضرر والمنفعة موجودين في فعل واحد. أما في هذا النوع، فالضرر في شيء والمنفعة في شيء آخر.

المثال المعروف لهذا النوع من التزاحم في الشريعة هو حجية الأمارات في فرض انفتاح باب العلم. بما أن مصلحة تسهيل الأمر للمكلفين لها أهمية أساسية لدى الشارع، ولأن تكليفهم بتحصيل الحكم الواقعي يقيناً يؤدي إلى فوات مصلحة التسهيل، فقد اكتفى الشارع المقدس بالظنون المعتبرة لتحصيل الحكم الواقعي. (المظفر، ١٤٣٠، ج ٣، ص ٤١).

في هذا المثال، الضرر يكمن في عدم الوصول إلى الحكم الواقعي وتفويت الملاك الملزم – مع إمكان العلم –. أما المنفعة فتكمن في جعل الأمارة حجة.

النوع الثالث: التزاحم الامتثالي

في مقام امتثال الأحكام الشرعية، قد يقع التزاحم أحياناً بين تكليفين. هنا، وظيفة المكلف هي امتثال التكليف الأهم وترك التكليف المهم. (الصدر، ١٤١٧، ج ٤، ص ٢٠٣).

كمثال: إذا كان إنقاذ حياة شخص من النار متوقفاً على إتلاف أمواله؛ مع أن هذا الفعل حرام، ولكن لأن إنقاذ حياته «أهم»، يجب امتثال هذا التكليف «الأهم» من خلال القيام بهذا الفعل.

2. نطاق القاعدة

لبحث نطاق جريان القاعدة، يتم طرح عدة مواضيع للنقاش:

2-1. الصور المختلفة لمنع وقوع الأفسد بواسطة الفاسد

يمكن تصور تطبيق قاعدة «وجوب دفع الأفسد بالفاسد» في عدة حالات:

الحالة الأولى: أن يكون عملٌ ما حراماً على المكلف، فيقوم هو بارتكاب ذلك الحرام ليدفع عن نفسه حراماً أشد.

يبدو أن هذه الحالة هي المصداق الواضح والقدر المتيقن لجريان هذه القاعدة. إذا وقع التزاحم بين ارتكاب حرام وحرام أفسد منه، يجب على المكلف أن يدفع الحرام الأفسد عن نفسه بارتكاب الحرام الفاسد.

الحالة الثانية: أن يدفع المكلف الأفسد عن غيره بارتكاب عمل فاسد.

الحالة الثالثة: أن يدفع المكلف الأفسد عن غيره من خلال تهيئة الظروف لارتكاب شخص آخر فعلاً فاسداً.

جريان القاعدة في هاتين الحالتين محل تأمل. يمكن الاستدلال على جريان قاعدة «وجوب دفع الأفسد بالفاسد» بأدلة وجوب النهي عن المنكر.

الاستدلال بهذا الدليل يتم على مرحلتين:

المرحلة الأولى: إثبات وجوب منع وقوع المنكر من خلال القيام بعمل ما

تتضمن هذه المرحلة مقدمتين:

المقدمة الأولى: القدر المتيقن من أدلة النهي عن المنكر هو أنه إذا ارتكب شخص حراماً بالفعل، يجب على المكلفين نهيه عن فعله. (الحر العاملي، ١٤٠٩، ج ١٦، ص ١٣٦). ولكن قد يُستفاد من أدلة وجوب النهي عن المنكر أن الشارع غير راضٍ بوقوع المنكر. وبناءً عليه، لا يقتصر وجوب النهي عن المنكر على الوقت الذي يوجد فيه منكر بالفعل؛ بل يثبت بتنقيح المناط أنه حتى لو وُجد علم أو احتمال بوقوع منكر في المستقبل، يجب بموجب هذه الأدلة نهي من ينوي ارتكابه في المستقبل عن هذا الفعل.

كما أشير إلى هذا المطلب في بعض كتب الفقه، في فتوى مقام بيان شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. (السيستاني، ١٤٢٧ق، ج ١، ص ٤١٨).

المقدمة الثانية: النهي عن ارتكاب الفعل لا يقتصر على النهي اللفظي. بل يجب على المكلف منع وقوعه – ولو بفعل عملي -.

بإتمام هاتين المرحلتين، يثبت أن المستفاد من أدلة وجوب النهي عن المنكر هو أنه يجب على الإنسان بعد علمه بأن شخصاً ما يعتزم ارتكاب حرام، أن يمنعه من ذلك، ولو بفعل عملي.

المرحلة الثانية: إثبات جريان القاعدة في الحالتين الثانية والثالثة

أحياناً يكون سبيل منع وقوع منكر منحصراً في ارتكاب عمل حرام آخر. في هذه الحالة، يجب المقارنة بين مفسدة ذلك المنكر ومفسدة هذا العمل الحرام، وإذا كانت مفسدة ذلك المنكر أكبر من مفسدة العمل الحرام، فيجب بموجب أدلة وجوب النهي عن المنكر منع وقوع المنكر الأفسد بارتكاب هذا الحرام الفاسد. بإتمام هاتين المرحلتين من الاستدلال، يتضح جريان قاعدة «وجوب دفع الأفسد بالفاسد» في الحالة الثانية أيضاً.

أما أحياناً، فإن منع وقوع المنكر من قبل شخص آخر لا يكون ممكناً إلا بتهيئة الظروف لارتكاب الحرام من قِبله. كما ثبت في الفقه، فإن تهيئة الظروف لارتكاب الحرام هو مصداق لـ«الإعانة على الإثم» وهو بحد ذاته عمل حرام. (الكرباسي، ١٤٣١ق، ج ٢، ص ١٤٤). على هذا الأساس، يجب المقارنة بين مفسدة الإعانة على الإثم (والتي تختلف مقدار مفسدتها باختلاف الذنوب) وارتكاب الحرام، وإذا كانت مفسدة ارتكاب المنكر من قبل شخص آخر أكبر من مفسدة الإعانة على الإثم، أي تهيئة الظروف لارتكاب الحرام من قِبله، فيجب منع وقوع الأفسد (ارتكاب المنكر) بتهيئة الظروف لارتكاب الفاسد من قبل شخص آخر (الحرام الفاسد).

النتيجة هي: في حالة انحصار سبيل دفع الحرام الأفسد في الفاسد، يجب ارتكاب الفاسد. ولا فرق في أن يكون الأفسد مرتبطاً بفعل المكلف نفسه أو بشخص آخر.

2-2. جريان القاعدة في فرض اليقين أو احتمال وقوع الأفسد في المستقبل

توضيح: القدر المتيقن من مورد إجراء القاعدة هو أن يكون الابتلاء بالأفسد فعلياً. لكن السؤال هو: إذا لم يكن الابتلاء بالأفسد فعلياً، بل وُجد يقين أو احتمال بوقوع الأفسد في المستقبل، فهل تجري القاعدة أيضاً؟

الجواب على هذين السؤالين مرهون بحل هذه المسألة: إذا كان المستفاد من أدلة النهي عن المنكر أن وجوب النهي عن المنكر لا يختص بالوقوع الفعلي للمنكر؛ يمكن القول بأنه يكفي وجود اليقين أو احتمال وقوع ذلك المنكر الذي هو أفسد – مع التوضيح الذي مر – لكي يرتكب الإنسان الفاسد لمنع وقوع الأفسد.

وكذلك إذا استُفيد من أدلة النهي عن المنكر أن الشارع غير راضٍ بوقوع المنكر؛ سواء من المكلف نفسه أو من الآخرين، يمكن للمكلف أن يرتكب الفعل الفاسد لمنع وقوع الأفسد، حتى لو كان من قبل شخص آخر.

أما أن يكون العلم بالوقوع معتبراً لوجوب دفع الأفسد بالفاسد أو أن الاحتمال يكفي أيضاً؛ فهذا يعتمد على نوع الأفسد. قد تكون شدة حرمة عمل ما إلى درجة أن احتمال وقوعه يكفي لوجوب دفعه بارتكاب حرام آخر. ولكن أحياناً تكون حرمة فعل في حدود لا يترتب مثل هذا الوجوب على الإنسان إلا في صورة العلم بوقوعه.

(الحاشية 1: في الأمور اليومية، إذا وُجد احتمال وقوع أمر غير مرغوب فيه في المستقبل، تُجرى معادلة بين عدم الرغبة واحتمال الوقوع. بمعنى أنه إذا كانت درجة كراهية الأمر أكبر من درجة احتمال الوقوع، فإن احتمال الوقوع يكفي لمنع وقوعه من الآن. أما إذا كانت درجة الكراهية أقل، فيجب السعي لمنع وقوعه فقط في حالة اليقين بوقوعه. الأمور التي هي فاسدة من وجهة نظر الشرع تسير على هذا المنوال أيضاً.)

2-3. المقصود من «الفساد» في «الفاسد» و«الأفسد»

السؤال الآخر هو: هل المقصود بالفساد هو المفسدة الأخروية، بحيث يكون المراد من «الأفسد» حراماً له مفسدة أخروية أكبر، أم المفسدة الدنيوية، أم كلاهما؟ يبدو أن المفسدة الدنيوية المحضة خارجة عن محل البحث. لأنه يمكن القول إن أوامر الشارع غالباً ما تدور حول المصالح والمفاسد غير المحضة دنيوياً.

المقصود من المفسدة الدنيوية في هذا البحث هو أنه في حالة امتثال تكليف ما، تُفرض تكاليف جسدية وروحية ومالية باهظة على المكلف.

لإثبات أن فرض التكاليف الدنيوية الباهظة هو مصداق للمفسدة في البحث الحالي، يمكن طرح أدلة مختلفة يجب تناول كل منها على حدة:

الدليل الأول: أدلة النهي عن المنكر

كيفية الاستدلال:

الاستدلال بهذا الدليل يتضمن عدة مقدمات:

المقدمة الأولى: كما اتضح من المباحث السابقة، فإن وجوب منع المنكر لا يقتصر على فرض وقوع المنكر، بل في حالة العلم أو احتمال وقوع حرام في المستقبل، يجب أيضاً منع المنكر.

المقدمة الثانية: كما مر، أحياناً يجب منع وقوع المنكر من خلال فعل عملي.

المقدمة الثالثة: في هذه المرحلة، السؤال هو: ما هو المقصود بـ«المنكر»؟ هل هو فقط المحرمات الشرعية، مثل شرب الخمر والزنا والقتل وغيرها، أم أن كل أمر غير مرغوب فيه من وجهة نظر الشارع مشمول بعنوان المنكر؟

للإجابة على هذا السؤال، من الضروري التحقيق في المعنى اللغوي لـ«المنكر». يتضح من معاجم اللغة أن مادة «نكر»، التي هي جذر كلمة منكر، وُضعت لثلاثة معانٍ:

الأول: الدهاء والفطنة «النُكْر والنُكْراء» «الدهاء والفطنة».

الثاني: الشدة «النُكْر والنُكُر الأمر الشديد».

الثالث: عدم المعرفة «النُكْرَة إنكارك الشيء، وهو نقيض المعرفة» (ابن منظور، ١٤٠٨، ج ١٤، ص ٢٨١).

يبدو أن كلمة «منكر» مشتقة من «نكر» بالمعنى الثالث.

جاء في لسان العرب: «والمنكر من الأمر: خلاف المعروف، وقد تكرر في الحديث الإنكار والمنكر، وهو ضد المعروف، وكل ما قبحه الشرع وحرمه وكرهه فهو المنكر».

أي: بما أن القبيح هو ما يكون غير معروف لدى جماعة، وعند رؤيته يبدون رد فعل سلبي، يُقال للأمور القبيحة «منكر». وبناءً عليه، كل أمر يُعتبر قبيحاً من وجهة نظر الشارع، يُقال له منكر.

المقدمة الرابعة: الوقوع في المشاكل النفسية والجسدية هو أيضاً غير مرغوب فيه من وجهة نظر الشارع. وبتعبير عامي «سيئ» ومشمول لعنوان «منكر». لأن هذه المشاكل تؤدي أحياناً إلى ترك واجب أو ارتكاب حرام. على سبيل المثال: الاكتئاب هو مرض عاطفي يصاحبه شعور باليأس، وعدم الكفاءة، والذنب، والخوف، وانعدام القيمة. تؤدي هذه الحالة إلى انخفاض عميق في الرغبة في الأنشطة اليومية الممتعة، مثل معاشرة الآخرين، والترفيه، والرياضة، والعلاقات الجنسية. هذا المرض له مراحل بسيطة، وحادة، وعميقة، ومزمنة (ماليخوليا). (برمن، ١٣٩٨ش، ص ١٠٥؛ هالجين وويتبورن، ١٤٠١ش، ص ٣٠١؛ فرمهيني فراهاني، ١٣٧٨ش، ص ١٥٢).

بناءً عليه، قد يؤدي الاكتئاب في بعض مراحله الحادة إلى ترك واجبات مثل الصلوات اليومية أو ترك واجبات الزوجية.

وينطبق هذا المطلب أيضاً على إدمان المخدرات.

النتيجة هي أنه بموجب أدلة النهي عن المنكر، يجب منع وقوع المشاكل النفسية والجسدية؛ حتى لو كان سبيل منع وقوع هذه المشاكل هو ارتكاب عمل حرام. بالطبع، بشرط أن تكون مفسدة ارتكاب هذا الحرام أقل من مفسدة تلك المشاكل.

تحليل الاستدلال:

في حالة قبول هذه المقدمات الأربع، فإن هذه النتيجة صحيحة. لكن المقدمتين الثالثة والرابعة قابلتان للنقاش. توضيح ذلك: المقصود بـ«المنكر» في أدلة النهي عن المنكر هو القبيح، والقبيح في هذا البحث هو ما يُبحث في بحث الحسن والقبح العقليين بين المتكلمين والأصوليين. المقصود بالقبيح في بحث الحسن والقبح العقليين هو «الفعل القبيح» فقط؛ وليس كل ما هو غير مرغوب فيه ومكروه في نظر الشارع.

في كلام الفقهاء أيضاً، يُعرّف «المنكر» بـ«الفعل القبيح» وليس كل أمر قبيح. يقول المحقق الحلي في الشرائع: «والمنكر كل فعل قبيح عرف فاعله قبحه أو دل عليه» (الحلي، ١٤٠٨ق، ٣١٠/١).

وما ورد في النصوص الدينية يؤيد أيضاً أن المقصود بالمنكر هو «الفعل القبيح». جاء في زيارة آل ياسين: «والمعروف ما أمرتم به والمنكر ما نهيتم عنه». بناءً على هذه العبارة، المنكر هو ما وقع النهي عنه. وواضح أن ما يقع النهي عنه هو الفعل الاختياري فقط.

بناءً عليه، فإن مجرد كون المشاكل النفسية والجسدية غير مرغوب فيها لا يضع هذه الأمور في زمرة «المنكر» بمعناه الاصطلاحي.

ولكن في حالة أن تؤدي هذه المسائل بشكل يقيني أو احتمالي إلى وقوع منكر، فستندرج تحت مباحث ستُطرح في القسم (٢-١).

الدليل الثاني: أدلة نفي الحرج

كيفية الاستدلال: يُستفاد من أدلة نفي الحرج أن وقوع الحرج من الأمور التي لا يرضى بها الشارع المقدس. وإذا أدى ترك حرام إلى حرج، ففي حالة أن يكون عدم رضا الشارع بوقوع ذلك الحرج أكبر من عدم رضاه بارتكاب الحرام، فإن ارتكاب هذا الحرام لدفع ذلك الحرج جائز بل واجب. (البجنوردي، ١٤١٩، ج ١، ص ٢٤٩).

في هذا المورد، وقوع الحرج مفسدة تكمن في ترك الحرام. ومع أنه مفسدة دنيوية محضة، إلا أنه أدى إلى أن يُعتبر ترك الحرام مصداقاً للأفسد. ونتيجة لذلك، من باب وجوب دفع الأفسد (ترك الحرام) بالفاسد (ارتكاب الحرام)، يجوز أو يجب ارتكاب ذلك الحرام.

تحليل الاستدلال: الاستدلال بقاعدة نفي الحرج لإثبات رفع التكليف هو دليل مستقل؛ وليس من باب تطبيق قاعدة «وجوب دفع الأفسد بالفاسد».

الدليل الثالث: أدلة حرمة إيذاء المؤمنين

كيفية الاستدلال:

إذا استُفيد من أدلة حرمة إيذاء المؤمن أن ما يهم الشارع هو «تأذي» المؤمنين، وإذا نُهي عن إيذائهم، فذلك لمنع تحقق «التأذي». بناءً عليه، كل عمل يؤدي إلى أذيتهم يُعتبر مفسدة من وجهة نظر الشارع المقدس؛ بل هو من أعظم المفاسد. وعليه، إذا كان السبيل الوحيد لمنع وقوع «التأذي» هو ارتكاب عمل حرام له مفسدة أقل من مفسدة «التأذي»، فيجب الخضوع له وفعله جائز بل واجب. (فيض الكاشاني، ١٤٢٥، ج ١، ص ٧١٦).

في هذا المورد، مع أن «التأذي» مفسدة دنيوية محضة، فمن باب تطبيق قاعدة وجوب دفع الأفسد (التأذي) بالفاسد (الفعل الحرام)، يجوز أو يجب ارتكاب ذلك العمل الحرام.

تحليل الاستدلال:

هذا الاستدلال ليس تاماً؛ لأنه إذا نُهي عن إيذاء المؤمنين، فقد يكون جزء من مفسدة هذا العمل مرتبطاً بصدور الأذى من إنسان تجاه مؤمن آخر. بالنظر إلى أن أذى مؤمن من قبل مؤمن آخر يسبب كدورة بينهما، وأن وجود الكدورة بين المؤمنين ليس مجرد مفسدة دنيوية، فإن مفسدة «الإيذاء» لا تقتصر على مفسدة دنيوية محضة.

نتيجة المطلب: المفسدة الدنيوية المحضة ليست مشمولة بقاعدة «وجوب دفع الأفسد بالفاسد».

2-4. العلاقة بين قاعدة «وجوب دفع الأفسد بالفاسد» و«الغاية لا تبرر الوسيلة»

إن التوسل بالنتائج المطلوبة والمحمودة من خلال طرق غير محمودة مرفوض عقلاً وفطرة، ويؤكد الحكماء وأصحاب الفطرة السليمة دائماً على أن: الغاية لا تبرر الوسيلة.

يقول أمير المؤمنين علي (ع) في الخطبة ١٢٦: «أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه؟ والله ما أطور به ما سمر سمير وما أم نجم في السماء نجماً. لو كان المال لي لسويت بينهم، فكيف وإنما المال مال الله» (دشتي، ١٣٧٩، ص ٢٣٩).

ولكن بما أن هدف بعض السياسيين هو الحفاظ على السلطة السياسية وتعزيز مكانتهم، فإنهم يتوسلون بكل أنواع الظلم والجريمة في هذا السبيل، مستندين إلى جملة «الغاية تبرر الوسيلة».

وقد تم تنظير تبرير الوسيلة بالغاية في كلام بعض فلاسفة السياسة. (مكيافيلي، ١٣٩٩، ص ٦٤).

في النظرة الأولى، يبدو أن هناك تعارضاً بين قاعدتي «وجوب دفع الأفسد بالفاسد» و«الغاية لا تبرر الوسيلة»؛ فمن ناحية، يمكن الإقدام على الأمر الفاسد بهدف دفع الأفسد، ودفع الأفسد يبرر ارتكاب الفاسد. ومن ناحية أخرى، فإن الوصول إلى الهدف لا يبرر استخدام الوسيلة غير الصحيحة.

ولكن بالتدقيق يتضح أن مضمون القاعدتين مختلف، وهما متوافقتان تماماً.

باستخدام المصطلحات الأصولية، يمكن القول: إن المراد من قاعدة «الغاية لا تبرر الوسيلة» هو أحد الأمرين التاليين:

أ. مجرد كون أمر ما مطلوباً أو حتى واجباً، لا يبرر استخدام أي وسيلة محرمة. بل قد يكون التوصل إلى ذلك الواجب ممكناً من خلال طرق مباحة بل ومستحبة. بعبارة أخرى: إذا لم يكن سبيل الوصول إلى ذي المقدمة الواجب منحصراً في استخدام مقدمة محرمة، فلا يجوز استخدام مثل هذه المقدمة.

ب. كلما كان الوصول إلى أمر مطلوب ذاتاً لا يمكن إلا من خلال ارتكاب عمل حرام، فقد يفقد ذو المقدمة مطلوبيته. وهذا الأمر يحدث في حالتين:

الأولى: أحياناً يكون دليل مطلوبية ذي المقدمة غير مطلق. بمعنى أن مطلوبية ذي المقدمة لا تشمل الحالة التي لا يمكن التوصل إليها إلا من خلال طريق حرام. مثلاً، الإنفاق على العيال واجب، ولكن إذا لم يتمكن شخص من أداء هذا الواجب إلا عن طريق السرقة أو المعاملات المحرمة، فإن الإنفاق في هذه الحالة ليس له مطلوبية. كذلك، إدخال السرور على قلب مؤمن أمر مطلوب ومؤكد عليه من الشارع المقدس. ولكن إذا توقف هذا العمل على السخرية من الآخرين، فإنه يفقد مطلوبيته في هذه الحالة.

الثانية: أحياناً، على الرغم من أن دليل ذلك الواجب مطلق؛ إلا أنه إذا انحصرت مقدمته في الحرام، يحدث تزاحم بين ذلك الواجب والحرام، وإذا كانت أهمية الحرام أكبر، فلن تكون لذلك الواجب مطلوبية في هذه الحالة.

بالنظر إلى الشروط التي قيلت لتطبيق قاعدة دفع الأفسد بالفاسد، لا يرى الحكماء أي تعارض بين هاتين القاعدتين؛ بل في الواقع، تفسر إحداهما الأخرى.

ونتيجة الجمع بين هاتين القاعدتين هي أنه إذا كان الهدف واجباً ومقدمته حراماً، ففي حالة عدم انحصار المقدمة في الحرام، لا يجوز ارتكاب المقدمة الحرام للوصول إلى ذي المقدمة الواجب. بعبارة أخرى: الغاية لا تبرر الوسيلة. وإذا انحصرت المقدمة في الحرام، ففي حالة أن تكون مفسدة ترك الهدف أكبر من مفسدة ارتكاب الوسيلة الحرام، فللخلاص من المفسدة الأكبر يجب ارتكاب المقدمة التي مفسدتها أقل. بعبارة أخرى: وجوب دفع الأفسد بالفاسد.

بناءً عليه، لا يوجد تنافٍ بين قاعدة وجوب دفع الأفسد بالفاسد وقاعدة «الغاية لا تبرر الوسيلة».

2-5. العلاقة بين قاعدة «وجوب دفع الأفسد بالفاسد» وقاعدة «التزاحم»

قاعدة وجوب دفع الأفسد بالفاسد هي في الواقع أحد فروع قاعدة التزاحم، والقاعدة المذكورة هي بيان لكيفية التزاحم. على هذا الأساس، أحد الأسئلة التي تُطرح هو: ما هي العلاقة بين وجوب دفع الأفسد بالفاسد والتزاحم؟

بالنظر إلى ما قيل عن أقسام التزاحم، يجب الإجابة على هذا السؤال في ساحتين:

2-5-1. دفع الأفسد بالفاسد في مقام الامتثال:

إذا واجه المكلف في مقام امتثال التكليف تكليفين، أحدهما فاسد والآخر أفسد، بحيث لا يمكن امتثال الأفسد دون ترك امتثال الفاسد، يطرح التزاحم الامتثالي، وهو مكلف بدفع الأفسد بارتكاب الفاسد.

2-5-2. دفع الأفسد بالفاسد في مقام التشريع:

في هذا القسم، تقنين الأحكام الشرعية الذي هو من شأن الشارع المقدس، والتشريع الذي يقوم به البشر، لهما حالتان مختلفتان.

أ) تقنين الأحكام الشرعية:

في هذا النوع من التقنين، يقوم الشارع المقدس أحياناً بجعل حكم من باب التزاحم الملاكي، وأحياناً من باب التزاحم الحفظي.

ب) تقنين القوانين البشرية:

في هذه المرحلة، يختلف التشريع القائم على القوانين الشرعية عن أنواع التشريعات الأخرى. في البلدان التي تسعى إلى تدوين قوانين غير قائمة على تعاليم الدين، وتنظر في تشريعاتها فقط إلى المصالح والمفاسد الدنيوية لمملكتها، فإن دفع الأفسد بالفاسد، من جهة، يشبه تقنين القوانين الإلهية. بمعنى أن التقنين في هذه الأنظمة يكون أحياناً من قبيل التزاحم الملاكي وأحياناً من قبيل التزاحم الحفظي.

كمثال: عبور سيارة الإسعاف من الإشارة الحمراء يسبب أحياناً ازدحاماً مرورياً واختلالاً في حركة السيارات، وله فساد. ولكن بما أن الحفاظ على حياة المواطنين له أهمية أكبر، فإن منع عبور سيارة الإسعاف من الإشارة الحمراء هو مصداق للأفسد. وعلى هذا الأساس، يُجوّز هذا العمل في القانون.

أما إذا كانت مراعاة القوانين الشرعية في التشريع محل نظر، فإن المشرع من جهة مكلف بتدوين قوانين متوافقة مع الأوامر الشرعية، ومن جهة أخرى مكلف بمراعاة مصلحة البلاد. بناءً عليه، إذا حدث تزاحم بين تدوين قانون على أساس حكم شرعي ومراعاة مصلحة البلاد، فسيكون من قبيل التزاحم الامتثالي.

بناءً عليه، لدراسة شروط وجود قانون وجوب دفع الأفسد بالفاسد، يجب الانتباه إلى أن نفس شروط تطبيق قاعدة «التزاحم» توجد أيضاً في قاعدة وجوب دفع الأفسد بالفاسد.

الشرط الأول للتزاحم هو أن يكون كلا التكليفين فعليين. بناءً عليه، لا معنى للتزاحم بين تكليف فعلي حالياً وتكليف آخر سيصبح فعلياً في المستقبل.

والشرط الثاني هو أنه إذا كان عدم امتثال التكليف المهم مقدمة لامتثال التكليف الأهم، فلا يتحقق التزاحم بينهما إلا إذا انحصرت مقدمة امتثال الأهم في عدم امتثال المهم.

النتيجة هي أن وجوب دفع الأفسد بالفاسد في مقام الامتثال هو جزء من التزاحم الامتثالي. أما في مقام تقنين القانون الإلهي، وكذلك في مقام تقنين القوانين البشرية غير المستندة إلى الأحكام الشرعية، فهو من نوع التزاحم الحفظي أو التزاحم الملاكي. أما في مقام تقنين القوانين البشرية المستندة إلى الأحكام الشرعية، فهو من قبيل التزاحم الامتثالي.

3. أدلة القاعدة

لإثبات وجوب دفع الأفسد بالفاسد، تم الاستناد إلى الأدلة الأربعة. (راجع علي آبادي وإسلامي، ١٣٩٤، ص ١٣-٢٣)

3-1. المستندات القرآنية

تم الاستدلال بآيات في هذا المجال. من بين الآيات المذكورة، الاستدلال ببعض الموارد له قوة أكبر:

3-1-1. الآية 78 من سورة هود:

«وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ۖ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ».

مفاد الآية هو أن لوطاً عندما أدرك أن قومه عازمون على إقامة علاقة جنسية مع الرجال الوسيمين الذين كانوا ضيوفه – وكانوا في الواقع ملائكة الله – لمنعهم من ارتكاب فعل اللواط الشنيع، عرض بناته على قومه ودعاهم إلى أن يقوموا بهذا العمل مع بناته إذا كانوا يقصدون إشباع رغبتهم الجنسية.

توضيح إضافي: حول هذه الواقعة، هناك احتمالان مطروحان:

الاحتمال الأول: بما أن لوطاً وقع في هذا المأزق، ولمنع ارتكاب اللواط، عرض بناته على قومه دون نية النكاح، وقرر بهذا العمل (تهيئة الظروف لعمل جنسي غير مشروع بين قومه وبناته) منع ارتكاب حرام أشنع، وهو اللواط.

هذا الاحتمال مردود، لأنه لا يتوافق مع جملة «هن أطهر لكم». (الطباطبائي، ١٣٩١، ج ١٠، ص ٣٣٩).

الاحتمال الثاني: دعا لوط قومه إلى إبرام نكاح مشروع مع بناته، وبهذا العمل يحققون رغبتهم ويأمنون من ارتكاب الحرام. لكن هذا العمل منه كان أيضاً دعوة إلى أمر فاسد؛ لأن لوطاً، الذي كان على علم بالوضع الأخلاقي والاعتقادي لقومه، بارتكاب عمل فاسد بتزويج بناته منهم.

في الرد على هذا الاستدلال، يجب القول إن لوطاً بهذا العمل قد قام في النهاية بعمل مرجوح عقلياً، لا عملاً حراماً.

3-1-2. الآية 70 من سورة يوسف:

«فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ».

كيفية الاستدلال:

على الرغم من أن اتهام الأبرياء وسجنهم عمل حرام وفاسد؛ إلا أن يوسف لمنع فساد أكبر، أي موت يعقوب واستمرار ضلال الإخوة، اتهم إخوته بالسرقة وحبس أخاه بنيامين عنده.

تحليل الاستدلال:

لا يمكن أن يكون هذا الاستدلال مستنداً لتطبيق هذه القاعدة في جميع الحالات؛ فربما كان لنجاة يعقوب وهداية إخوة يوسف خصوصية جعلت هذا العمل جائزاً من قبل يوسف في هذه الحالة الخاصة.

3-1-3. آيات سورة الكهف:

الآية ٧٤: «فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا».

الآية ٨٠: «وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا».

توضيح: إحدى الوقائع التي حدثت في قصة لقاء موسى والخضر هي أن الخضر قتل شاباً دون سبب. بالطبع، فيما يتعلق بالشخص الذي قتله الخضر، هناك نظريتان مطروحتان: الأولى: أنه كان طفلاً غير بالغ. الثانية: أنه كان شاباً رشيداً. (الطبرسي، ١٤١٧، ج ٦، ص ٤٢٤). ولكن كلا النظريتين متفقتان على أن هذا الشخص لم يرتكب عملاً يستحق به القتل. وتعبير الآية الشريفة «بغير نفس» يدل بوضوح على هذا المطلب.

كيفية الاستدلال: عندما سأل موسى الخضر عن سبب قتل ذلك الشخص، أجابه الخضر بأنه بما أن والديه كانا مؤمنين، فقد قتله لمنع هذا الابن من التسبب في كفرهما.

بناءً عليه، على الرغم من أن قتل إنسان لم يرتكب ذنباً يستوجب القتل هو عمل حرام وفاسد؛ إلا أن قتل إنسان ونقل روحه من هذا العالم إلى عالم الآخرة أقل أهمية من كفر إنسان وهلاك روحه الأبدي. لذا، بما أن هذا العمل الحرام في هذا المورد كان سبباً لدفع أمر أفسد (كفر إنسانين مؤمنين)، فقد أقدم الخضر على هذا العمل، ويدل عمله على أن وجوب دفع الأفسد بالفاسد هو قاعدة مسلمة. (علي آبادي وإسلامي، ١٣٩٤، ص ١٥ نقلاً عن: طيار، ١٤٢٧، ص ١٦٥).

تحليل الاستدلال:

هذا الاستدلال يواجه إشكالات:

1. في مورد الآية، كان الخضر على علم تام بحقيقة الأمر من خلال ارتباطه بعالم الغيب، وكان يعلم ما هي العواقب التي ستترتب على بقاء هذا الابن حياً. لكن هذا المطلب لا يمكن تطبيقه على الآخرين الذين يقتصر علمهم. نعم، إذا حصل شخص في حالة ما على يقين من مناشئ عقلانية بوقوع الأفسد في المستقبل، فلن يرد هذا الإشكال.

2. وجوب دفع الأفسد بالفاسد يُطرح أحياناً في التكوينيات وأحياناً في التشريعيات؛ في التكوينيات، لا يوجد مشكلة في جريان القاعدة؛ ونحن أنفسنا قد قمنا مراراً بمنع وقوع شيء له ضرر أكبر من خلال القيام بعمل يضرنا. وقد أراد الله تعالى في هذا المورد أيضاً أن يرفع المفسدة الأكبر، وهي كفر والديه، من خلال إزالة ذلك الابن. وكان الخضر مأموراً بتنفيذ هذه الإرادة التكوينية الإلهية.

الشاهد على هذا المطلب جملتان: إحداهما أن الخضر يقول: «وما فعلته عن أمري»، ويعرف نفسه في هذه الجملة بأنه مجرد منفذ لأمر إلهي. والأخرى هي التعبير بـ«فخشينا» الذي ورد بصيغة المتكلم مع الغير؛ وكأنه كان جزءاً من عوامل جريان الإرادة الإلهية. (مكارم الشيرازي، ١٣٨٠، ص ٥٠٦).

بناءً عليه، لا علاقة لعمل الخضر بالبحث الحالي، أي وجوب دفع الأفسد بالفاسد في التشريعيات.

3-1-4. الآية ١٩٤ من سورة البقرة:

«الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ».

كيفية الاستدلال: في هذه الآية، يذكر الله تعالى المؤمنين بأن الحرب في الأشهر الحرم ممنوعة وذنب عظيم؛ ولكن إذا أراد المشركون استغلال هذا الأمر ومباغتة المسلمين ومهاجمتهم، فيمكن للمسلمين أن يحاربوا الكفار في الأشهر الحرم لدفع شرهم. بناءً عليه، على الرغم من أن الحرب في الأشهر الحرم عمل حرام وفاسد؛ ولكن إذا كان هذا العمل الفاسد هو الوسيلة الوحيدة لدفع الأفسد – أي غلبة الكفار والمشركين التي نتيجتها سيطرة الكفر والضلال، وهو أشد من القتل وفناء جسد الإنسان – فإن ارتكابه جائز. (علي آبادي وإسلامي، ١٣٩٤، ص ١٤ نقلاً عن: الزحيلي، ١٤٢٠، ص ٢١٣).

تحليل الاستدلال:

الآية ناظرة إلى مقام التقنين الإلهي لا مقام الامتثال للمكلفين؛ فقد قال الله: بما أن غلبة المشركين أهم من حرمة الشهر الحرام، فقد جوّزنا الجهاد ضدهم في حالة هجومهم. بناءً عليه، فإن الآية الشريفة في صدد تعليم قاعدة دفع الأفسد بالفاسد في مقام التقنين فقط، ولا تثبت هذه الآية الشريفة جواز الاستناد إلى هذه القاعدة في مقام الامتثال.

3-2. المستندات الروائية

3-2-1. رواية الإمام الصادق (ع):

«الْكَذِبُ مَذْمُومٌ إِلَّا فِي أَمْرَيْنِ: دَفْعِ شَرِّ الظَّلَمَةِ وَإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ» (الشعيري، ١٤٢٦، ص ١٤٨).

كيفية الاستدلال:

الكذب من الكبائر ومفتاح الدخول إلى الذنوب الأخرى؛ لذا له مفسدة كبيرة. لكن هذا الكذب نفسه إذا أدى إلى دفع مفاسد أكبر، فإن ارتكابه جائز.

تحليل الاستدلال:

في هذه الرواية، أُشير فقط إلى أحد الموارد التي جوّز فيها الشارع المقدس الفاسد لمنع الأفسد، وطبّق التزاحم الحفظي؛ لا أنه جوّز ارتكاب الفاسد لدفع الأفسد بشكل عام.

3-2-2. رواية الإمام علي (ع):

«ليس العاقل من يعرف الخير من الشر، ولكن العاقل من يعرف خير الشرين» (المجلسي، ١٤٠٣، ج ٧٥، ص ٧٥).

تحليل الاستدلال:

الاستناد بهذه الرواية إلى الإمام علي (ع) محل شك كبير. خاصة وأن ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة قد اعتبر هذه الجملة من جملات عمرو بن العاص الحكيمة! (ابن أبي الحديد، ١٤٠٤، ج ٦، ص ٣٢١).

وقد أورد البعض إشكالاً على الاستدلال بهذه الرواية بأنها تشير فقط إلى لازم القاعدة، أي تشخيص الفاسد الذي فساده أقل، لكنها لم تذكر شيئاً عن أنه إذا كان الشر الفاسد سبباً لدفع الشر الأفسد، فما هي وظيفة المكلف. (حاجي ده آبادي، ۱۳۸۷، ص ١٧).

يبدو أن هذا الإشكال ليس صحيحاً. لأن ظاهر الرواية هو أن معرفة الفاسد من الأفسد مقدمة للعمل وأداء الوظيفة. وهي بحد ذاتها ليس لها موضوعية. بعبارة أخرى، المقصود من هذه الرواية هو بيان وظيفة العاقل عند مواجهة شرين.

لكن الاستدلال بهذه الرواية من جهة أخرى يواجه إشكالاً. لأن البحث الحالي هو في حالة يكون فيها ارتكاب الفاسد مقدمة لدفع الأفسد. وفي هذه الرواية، أُشير إلى وظيفة العاقل في مواجهة أمرين فاسدين قد تحققا بالفعل، ونحن مضطرون لارتكاب أحدهما؛ لا أن يكون الفاسد مقدمة لدفع الأفسد.

3-3. سيرة العقلاء

يبدو أن أقوى مستند لهذه القاعدة هو سيرة العقلاء. نحن البشر نواجه في كثير من الأحيان أموراً لها مفسدة. إذا كان السبيل الوحيد للخلاص من هذه الأمور هو الخضوع لعمل له مفسدة أقل، فإننا نقوم بهذا العمل وندفع الأفسد بالفاسد. كمثال، إذا لم تكن نجاة مريض من الموت ممكنة دون قطع يده، فمن وجهة نظر كل حكيم يجب قطع يده؛ على الرغم من أن هذا العمل صعب جداً ومؤلم للمريض. ولم يمنع الشارع المقدس من هذه السيرة في الأمور الشرعية أيضاً، بل طبق هذا المنهج في تقنين أحكامه.

وقد عمل الأئمة الأطهار (ع) أنفسهم في كثير من الموارد على أساس هذا المنهج. في هذا الباب، يمكن ذكر صلح الإمام الحسن (ع) مع معاوية؛ عندما سُئل: لماذا صالحت معاوية؟ قال: «انظر إلى الخضر؛ عندما خرق السفينة وقتل ذلك الشاب وأقام الجدار، غضب موسى (ع) لأنه لم يكن يعلم وجه حكمة عمل الخضر. وعندما أوضح له الخضر الأمر، هدأ. أنا أيضاً كذلك؛ أنتم الذين لا تعلمون وجه حكمة عملي، تغضبون علي! لو لم أفعل هذا (لم أصالح معاوية) لما بقي شيعي على وجه الأرض إلا قُتل». (ابن بابويه، ١٣٨٥، ص ٢١١). وكذلك الإمام الصادق (ع) في الموارد التي كان يشخص فيها أن سبيل نجاة أصحابه وشيعته ينحصر في شتمه، كان يسمح بهذا العمل. كمثال، يمكن الإشارة إلى قصة جناب زرارة الذي هو من أجلاء أصحاب الإمام الصادق (ع). (الطوسي، ١٣٤٨، ص ١٤٧).

3-4. الإجماع

كما مر سابقاً، لم تُبحث هذه القاعدة بشكل مستقل في الكتب الفقهية والأصولية؛ لذا فإن ادعاء الإجماع القولي في هذه المسألة مشكل. لكن كبار الفقهاء والأصوليين قد استفادوا من هذه القاعدة في مباحث مختلفة، وسياق استدلالاتهم يدل بوضوح على أن هذه القاعدة من المسلمات لديهم. لذا، فإن ادعاء الإجماع العملي في المسألة ليس بعيداً عن الواقع.

الحاصل، أن أهم دليل على قاعدة «وجوب دفع الأفسد بالفاسد» هو سيرة العقلاء، والأدلة النقلية ليست كافية لإثباتها.

4. سبيل تشخيص الأفسد من الفاسد

أحياناً يكون تشخيص الأهم والمهم سهلاً. كمثال، لنفترض أن جماعة إرهابية تخطط لعملية مسلحة والاستيلاء على أجهزة حكومية في نظام إسلامي، وأن إحباط هذه المؤامرة متوقف على تسلل شخص إلى هذه الجماعة وجمع المعلومات. في هذه الحالة، إذا توقف هذا العمل على أن يجعل هذا الشخص هيئته الظاهرية متطابقة مع أعضاء الجماعة، واضطر في هذا السبيل إلى حلاقة لحيته، فلا يبدو أن أي فقيه – وإن كان يعتقد بحرمة حلق اللحية – يتردد في جواز حلاقة اللحية لمثل هذا الشخص. وواضح أن قاعدة «وجوب دفع الأفسد بالفاسد» جارية.

وفي بعض الموارد أيضاً، يكون عدم جواز تطبيق هذه القاعدة واضحاً. مثلاً، لإنقاذ مال قليل من شخص، لا يمكن هدم منزله بالكامل حتى لو لم يكن هناك سبيل آخر.

لكن أحياناً، لا يكون الأمر واضحاً من أي جهة.

بناءً عليه، من الضروري الإجابة على هذا السؤال: ما هو سبيل تشخيص الأفسد من الفاسد؟

أولاً، يجب الانتباه إلى أن الموضوع في الأحكام الشرعية على نوعين:

أ- الموضوع الشرعي: وهذا النوع بدوره على قسمين: مركب اعتباري مثل الصلاة والصوم، وموضوع مستنبط شرعي مثل الحجاب الشرعي.

ب- الموضوع العرفي: المقصود بالعرف هنا هو العرف العام، مثل مانعية شيء من وصول الماء إلى أعضاء البدن في مبحث الوضوء والغسل. وأحياناً العرف الخاص، مثل علاقة النظام الإسلامي بدولة أجنبية.

بالنظر إلى هذه النقطة، يمكن تقسيم الأحكام الشرعية إلى أحكام مترتبة على موضوعات شرعية وأحكام مترتبة على موضوعات عرفية.

4-1. تشخيص الأفسد من الفاسد في الأحكام المترتبة على الموضوعات الشرعية

تشخيص الأفسد من الفاسد في هذا النوع هو من اختصاص الفقيه. ولتشخيص شدة الفساد في عمل ما، توجد علامات مختلفة، منها: شدة الجزاء على ارتكاب عمل، تعيين حد شرعي أو قصاص على ارتكاب عمل، عدم ترخيص الشارع في ارتكاب حرام في حالة الاضطرار والعسر والحرج. (صفار، ١٤٢٩، ص ٢٢٩).

وكذلك عندما يُصرح في الأدلة الشرعية بحرمة عمل بشكل متكرر، فهذا كاشف عن أهميته الكبيرة عند الشارع. بالطبع، شريطة أن نعلم أن كثرة التنصيص ليست ناتجة عن علل أخرى مثل كونه محل ابتلاء أو موضع غفلة أو موضع سؤال متكرر من الرواة. (الصدر، ١٤١٧، ج ٧، ص ٩٩). وفي بعض المحرمات أيضاً، مع أنه قد لا يوجد أي من الموارد المذكورة، إلا أنه يُفهم من مذاق الشارع أن هذا العمل له مفسدة أشد من حرام ذُكر له عقاب أشد.

وكذلك أحياناً، لا يكون ذكر ثواب أكبر لعمل علامة على أهميته الأكبر من عمل آخر. كمثال، للسلام سبعون حسنة؛ تسع وستون لمن يبدأ بالسلام، وواحدة لمن يرد. (ابن شعبة الحراني، ١٤٠٤، ص ٢٤٥). لكن السبق في السلام عمل مستحب، ورد السلام عمل واجب.

بناءً عليه، ليس دائماً ذكر ثواب أو عقاب أكبر علامة على الأهمية الشرعية لعمل بالنسبة لعمل آخر. بل أحياناً يحكم ارتكاز المتشرعة بعدم أهمية عمل ما. في مثل هذه الموارد، إذا ذُكر لذلك العمل ثواب أو عقاب أكبر بالنسبة لعمل آخر، يُحمل ذكر الثواب أو العقاب الأكبر على الترغيب أو التخويف. (صفار، ١٤٢٩، ص ٢٢٩).

4-2. تشخيص الأفسد والفاسد في الأحكام المترتبة على الموضوعات العرفية

في هذا النوع من الأحكام أيضاً، يُتبع رأي الفقيه؛ بالطبع، مع مشاورة أهل الفن. وهي نفس النقطة التي أكد عليها الإمام الخميني في بحث ولاية الفقيه في رده على المحقق الأصفهاني. (الأصفهاني، ١٤٢٧، ج ٢، ص ٣٩٠؛ الموسوي الخميني، ١٣٧٩، ج ٢، ص ٣٧١).

بناءً على هذه المطالب، فإن المرجع الوحيد لتشخيص الأفسد من الفاسد هو الفقيه. بالطبع، يجب عليه في الأحكام المترتبة على الموضوعات العرفية أن يتشاور مع المتخصصين.

5. الخلاصة

حصيلة البحث هي أن أقوى دليل على قاعدة «وجوب دفع الأفسد بالفاسد» هو سيرة العقلاء التي أقرها الشارع أيضاً. وهذه القاعدة فرع من التزاحم، ويجب في تطبيقها الانتباه إلى أقسام وشروط التزاحم. بناءً عليه، إذا لم يكن سبيل دفع الأفسد منحصراً في الفاسد، أو لم يكن هذان الحكمان فعليين، فإن القاعدة المذكورة لا تجري.

حصيلة أخرى لهذا التحقيق هي أن تطبيق هذه القاعدة لا يقتصر على وقوع الأفسد المتعلق بالمكلف نفسه، بل تطبق أيضاً في حالة ارتكاب الأفسد من قبل الآخرين – في ظل وجود الشروط المذكورة -.

بالتدقيق في قاعدة «الغاية لا تبرر الوسيلة»، نجد أنها متناغمة مع قاعدة «وجوب دفع الأفسد بالفاسد».

نتيجة أخرى هي أن قاعدة «وجوب دفع الأفسد بالفاسد» قد تكون من قبيل التزاحم الامتثالي، وقد تكون من سنخ التزاحم الحفظي أو الملاكي، وأن مرجع تشخيص الأفسد من الفاسد هو الفقيه وحده.

مقترح

قد يُستند إلى قاعدة «وجوب دفع الأفسد بالفاسد» في مباحث مثل التعذيب، والإجهاض، والقتل الرحيم، والانتخابات. ومن الجدير أن تكون صحة وسقم الاستناد إلى هذه القاعدة في كل من هذه الموضوعات موضوعاً لبحث مستقل.

المصادر

1. القرآن الكريم (١٣٧٦ش). ترجمة محمد مهدي فولادوند، الطبعة الثالثة، قم: دار القرآن الكريم.

2. ابن أبي الحديد، عبد الحميد بن هبة الله (١٤٠٤ق). شرح نهج البلاغة. الطبعة الأولى، قم: مكتبة آية الله المرعشي النجفي.

3. ابن بابويه، محمد بن علي بن الحسين (١٣٨٥ش). علل الشرائع. النجف: مكتبة الحيدرية.

4. ابن شعبة الحراني، حسن بن علي (١٤٠٤ق). تحف العقول عن أخبار آل الرسول. الطبعة الثانية، قم: دفتر انتشارات إسلامي التابع لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم.

5. ابن منظور، محمد بن مكرم (١٤٠٨ق). لسان العرب. الطبعة الأولى، بيروت: دار إحياء التراث العربي.

6. الأصفهاني، محمد حسين (١٤٢٧ق). حاشية كتاب المكاسب. الطبعة الثانية، قم: نشر ذوي القربى.

7. الأصفهاني، محمد حسين (١٤١٦ق). بحوث في الأصول. الطبعة الثانية، قم: دفتر انتشارات إسلامي التابع لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم.

8. الأنصاري، مرتضى (١٤٢٨ق). فرائد الأصول. الطبعة التاسعة، قم: مجمع الفكر الإسلامي.

9. البجنوردي، حسن (١٤١٩ق). القواعد الفقهية. الطبعة الثانية، قم: الهادي.

10. برمن، كارول (۱۳۹۸ش). اضطرابات الشخصية (على أساس DSM-5 والنموذج البعدي) (دليل عملي للأطباء النفسيين وعلماء النفس). ترجمة: فتحي آشتياني، علي؛ محولاتي، آزاده، طهران: انتشارات بعثت.

11. التبريزي، موسى بن جعفر (۱۳۸۸ش). أوثق الوسائل في شرح الرسائل. الطبعة الثانية، قم: سماء قلم.

12. حاجي ده آبادي، محمد علي (۱۳۸۷ش). «قاعدة دفع أفسد به فاسد ودلالت‌هاي حقوقي – جرم شناختي آن»، فقه وحقوق، السنة الخامسة، العدد ١٨.

13. الحر العاملي، محمد بن حسن (١٤٠٩ق). وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة. الطبعة الأولى، قم: دفتر انتشارات إسلامي التابع لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم.

14. الحلي، جعفر بن محمد (١٤٠٨ق). شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام. تصحيح: محمد علي بقال، الطبعة الثانية، قم: مؤسسة إسماعيليان.

15. الحلي، حسن بن يوسف (۱۳۸۱ق). رجال. الطبعة الثانية، النجف: مطبعة حيدرية.

16. الخوانساري، أحمد (١٤٢٠ق). جامع المدارك في شرح مختصر النافع. الطبعة الثانية، قم: دفتر انتشارات إسلامي التابع لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم.

17. دشتي، محمد (۱۳۷۹ش). ترجمة نهج البلاغة. الطبعة الأولى، قم: نشر أمير المؤمنين (ع).

18. الزحيلي، محمد (١٤٢٧ق). القواعد الفقهية على المذهب الحنفي والشافعي. الكويت: مجلس النشر العلمي.

19. السبزواري، سيد عبد الأعلى (١٤١٣ق). مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام. الطبعة الرابعة، قم: مؤسسة المنار.

20. السند البحراني، محمد (١٤٢٦ق). أسس النظام السياسي عند الإمامية. الطبعة الأولى، قم: باقيات.

21. السيستاني، سيد علي (١٤٢٧ق). منهاج الصالحين. الطبعة الأولى، مشهد: مكتب آية الله السيستاني.

22. السيفي المازندراني، علي أكبر (١٤٢٥ق). مباني الفقه الفعال في القواعد الفقهية الأساسية. الطبعة الأولى، قم: دفتر انتشارات إسلامي التابع لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم.

23. الشعيري، محمد بن محمد (١٤٢٦ق). جامع الأخبار. الطبعة الأولى، النجف: مطبعة حيدرية.

24. الصدر، محمد باقر (١٤١٧ق). بحوث في علم الأصول. تقرير سيد محمود هاشمي شاهرودي، الطبعة الثالثة، قم: مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي.

25. الصدر، محمد باقر (١٤٢٣ق). دروس في علم الأصول (الحلقة الثالثة). الطبعة الأولى، قم: مجمع الفكر الإسلامي.

26. صفار، فاضل (١٤٢٩ق). فقه المصالح والمفاسد. الطبعة الأولى، النجف: مركز الفقاهة للدراسات والبحوث الفقهية.

27. الطباطبائي، محمد حسين (١٣٩١ق). الميزان في تفسير القرآن. الطبعة الثانية، بيروت: مؤسسة أعلمي.

28. الطبرسي، فضل بن الحسن (١٤١٧ق). مجمع البيان لعلوم القرآن. الطبعة الأولى، طهران: سازمان فرهنگ وارتباطات إسلامي.

29. الطوسي، محمد بن حسن (١٣٤٨ش). اختيار معرفة الرجال. الطبعة الأولى، مشهد: دانشكده الهيات ومعارف إسلامي.

30. طيار، مساعد بن سليمان بن ناصر (١٤٢٧ق). مفهوم التفسير والتأويل والاستنباط والتدبر والمفسر. الطبعة الثانية، عربستان سعودی: دار ابن جوزي.

31. علي آبادي، عبد الصمد؛ إسلامي، رضا (١٣٩٤ش). «واکاوی قاعده دفع افسد به فاسد از دیدگاه مذاهب فقهی». پژوهش نامه مذاهب إسلامي، السنة الثانية، العدد الثالث.

32. الفراهيدي، خليل بن أحمد (١٤٠٩ق). كتاب العين. تحقيق: مهدي المخزومي، إبراهيم السامرائي. الطبعة الثانية، قم: انتشارات دار الهجرة.

33. فرمهيني فراهاني، محسن (۱۳۷۸ش). فرهنگ توصيفي علوم تربيتي. طهران، أسرار دانش.

34. فيض الكاشاني، محمد محسن (١٤٢٥ق). الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام. الطبعة الأولى، طهران: دار اللوح المحفوظ.

35. الكرباسي، محمد إبراهيم (١٤٣١ق). الإرث في الفقه الجعفري. بيروت: مؤسسة الأعلمي.

36. الكليني، محمد بن يعقوب (١٤٠٧ق). الكافي. الطبعة الرابعة، طهران: دار الكتب الإسلامية.

37. گل محمدي، هوشنگ؛ آيتي، محمد رضا؛ رحمان ستايش، محمد كاظم (۱۳۹۷ش). «واکاوی دفع به فاسد وتجلی آن در حقوق کیفری با رعایت حقوق شهروندی». فصلنامه حقوق پزشکی، ویژه نامه حقوق بشر وحقوق شهروندی.

38. مكيافيلي، نيكولو (۱۳۹۹ش). شهريار. ترجمة داريوش آشوري، الطبعة الرابعة عشرة، طهران.

39. المجلسي، محمد باقر (١٤٠٣ق). بحار الأنوار. الطبعة الثالثة عشرة، بيروت: انتشارات أعلمي.

40. المشكيني، علي (١٤٢٨ق). اصطلاحات الأصول ومعظم أبحاثها. الطبعة السادسة، قم: انتشارات الهادي.

41. المظفر، محمد رضا (١٤٣٠ق). أصول الفقه. الطبعة الخامسة، قم: دفتر انتشارات إسلامي التابع لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم.

42. مكارم الشيرازي، ناصر (١٤٢٧ق). استفتاءات جديد. الطبعة الثانية، قم: مدرسة أمير المؤمنين (ع).

43. مكارم الشيرازي، ناصر (۱۳۸۰ش). تفسير نمونه. الطبعة التاسعة عشرة، طهران: دار الكتب الإسلامية.

44. مكارم الشيرازي، ناصر (١٤١١ق). القواعد الفقهية. الطبعة الثالثة، قم: مدرسة أمير المؤمنين (ع).

45. الموسوي الخميني، روح الله (۱۳۷۹ش). كتاب البيع. الطبعة الأولى، طهران: مؤسسة نشر وتنظيم آثار إمام خميني.

46. الموسوي الخوئي، أبو القاسم (١٤٢٢ق). مصباح الأصول. تقرير واعظ حسيني بهسودي، الطبعة الأولى، قم: مكتبة الداوري.

47. هالجين، ريتشارد بي؛ ويتبرن، سوزان كراس (١٤٠١ش). آسيب شناسي رواني (ديدگاه‌هاي باليني درباره اختلالات رواني). ترجمة: سيد محمدي، يحيى، الطبعة الثانية والثلاثون، طهران: نشر روان.

البرمجيات وقواعد البيانات الافتراضية:

موقع مكتب المرشد الأعلى: https://farsi.khamenei.ir/treatise-content?id=90#1055

موقع شفقنا: https://af.shafaqna.com/FA/33729

برنامج نور الفقاهة 3 (فرهنگ موضوعي فقه إسلامي)، مركز تحقيقات كامپيوتري علوم إسلامي، ۱۳۸۸ش.

موقع مدرسة فقهي إمام محمد باقر (ع) تقرير درس خارج استاد شب زنده دار، ١١ آذر ١٣٩٥: https://mfeb.ir/home

Scroll to Top