المستخلص
يُعدُّ بحث شؤون المعصوم من المباحث التمهيدية لصدور النص. وشأن التشريع هو مقام ومنزلة للمعصوم يُعنى بجعل الأحكام فوق الزمانية والمكانية. والسؤال المطروح هو: هل حق التشريع مختص بالله تعالى، أم أن للمعصوم أيضاً بالواسطة وفي طول التشريع الإلهي حقاً في التشريع؟ هناك خلاف في كون المعصوم ذا شأن تشريعي، وهل يمكن تسميته شارعاً. توجد بين مفكري الإمامية ثلاث نظريات: النفي الكلي، والإثبات الكلي، والإثبات الجزئي. تسعى هذه المقالة إلى إثبات نظرية رابعة باسم ‘شأن التشريع المكمِّل للمعصوم’. المنهج المتبع في هذا البحث هو الوصفي التحليلي والنظري. وبناءً على هذه النظرية، فإن حق التشريع قد فوِّض من قبل الله إلى المعصوم في الجملة، وهو محدود ومكمِّل للتشريع الإلهي. للحكم التشريعي الصادر من المعصوم ست خصائص: كونه جعلاً للحكم من قبل المعصوم، وكونه فوق زماني ومكاني، وعدم استقلاليته، وموافقته للتشريع الإلهي، وكونه مكمِّلاً للتشريع الإلهي، وعدم تعميمه بالنسبة لجميع الأحكام. تُطرَح في هذه المقالة النظريات المنافسة وتُقيَّم أدلتها، ثم يُعرَض ويُثبَت الرأي المختار.
المقدمة
للمعصوم شؤون متعددة، وأحدها شأن التشريع. إثبات هذا الشأن للمعصوم محل خلاف. تهدف هذه المقالة إلى بيان الأقوال والأدلة المتعلقة بشأن تشريع المعصوم وتقييمها.
تكمن حداثة المقالة في تقديم نظرية رابعة في مقابل النظريات الثلاث القائلة بنفي شأن تشريع المعصوم، وإثباته، وإثبات شأن تشريع جزئي للمعصوم (فقط في الموارد المذكورة في الروايات). هذه النظرية تضبط تشريع المعصوم وتدعي أن المعصوم يمكنه التشريع على نحو مضبوط بضابطتين هما: كونه محدوداً بحقل الأحكام غير الابتدائية، وكونه مكملاً للتشريع الإلهي. فتشريع المعصوم ليس كلياً ولا محدوداً بما ورد في لسان الروايات، بل هو وفقاً لضابطتي المسبوقية بالتشريع الإلهي والتكميل له.
التشريع في اللغة يعني وضع القوانين (الجوهري، ١٤٠٧هـ، ج٣، ص١١٣٦).
المراد بالتشريع في هذا البحث هو تشريع القوانين فوق الزمانية والمكانية. أما التشريع الزمني والمؤقت، الذي يُعبَّر عنه بالحكم الولائي والحكومي، فيندرج ضمن شأن الحكم والولاية ولا يبحث في شأن التشريع. يسعى هذا المقال للإجابة على السؤال: هل يمكن للمعصوم أن يشرّع قوانين خالدة وعالمية، أم أن هذا التشريع من مختصات الله؟
السؤال الأساسي هو: من له حق التشريع؟ هل حق التشريع مختص بالله أم أن للمعصوم أيضاً حق التشريع؟ هل حق التشريع للمعصوم مستقل أم غير مستقل؟ هل حق التشريع للمعصوم من قبل الله كلي ودائم أم في موارد خاصة ومحدودة؟ هل الاستفادة من هذا الحق مضبوطة أم أن كيفية استخدامه متروكة للمعصوم؟
يرى المفكرون المسلمون أن حق التشريع على نحو مستقل هو لله وحده، ولا يملك أحد غير الله حق التشريع استقلالاً. فيما يلي، سنعرض لتاريخ مسألة حق تشريع المعصوم من منظور القرآن والروايات، والمحدثين، والمتكلمين، والرجاليين، والأصوليين، والفقهاء، والمفسرين.
ظاهر أخبار التفويض يثبت حق التشريع في الجملة للمعصوم. ويجب البحث عن جذور مقام تشريع المعصوم في المجامع الروائية وأخبار التفويض.
وقد قبِل كبار المحدثين كالكليني والصفار ويونس بن عبد الرحمن هذا الشأن للمعصوم ظاهراً من خلال تبويبهم لأخبار التفويض (الكليني، ١٣٦٣ش، ج٣، ص٥٠٩، ذيل الحديث ٢؛ الصفار، ١٤٠٤ق، ص٣٩٨). وقد صرح بعض المحدثين بهذا الشأن للمعصوم (محمد تقي المجلسي، بي تا، ج١، ص١٤٣؛ العلامة المجلسي، ١٣٦٣ش، ج٣، ص١٤٥؛ الفيض الكاشاني، ١٤٠٦ق، ج٦، ص٣٢١؛ النمازي، ١٤١٩ق، ج٨، ص٣٣٢). إلا أن بعض المحدثين (الصدوق، ١٤١٣ق، ج١، ص٤١) لم يقبلوا بتفويض التشريع إلى المعصوم.
وقد قبل بعض المتكلمين المعاصرين شأن التشريع للنبي (شبر، بي تا، ج١، ص٣٦٩)، وآخرون (مؤمن، ١٤٠٩ق، ج١، ص٧٨؛ السيد علي الميلاني، ١٣٨٣، ج٢، ص٦٠) أثبتوا شأن التشريع للإمام.
ويبدو أن أول عالم أصولي أنكر شأن التشريع للنبي هو السيد المرتضى (السيد المرتضى، ١٣٦٤، ج٢، ص). وقد رد بعض الأصوليين أدلة تشريع النبي (محمد تقي الأصفهاني، ١٤٢٠ق، ج١، ص٤١٠). لكن عدداً من الأصوليين (ميرزا مهدي الأصفهاني، ١٣٨٧ش، ص١٣٨؛ السيستاني، ١٤١٤ق، ص٢٦) قبلوا شأن تشريع المعصوم في الجملة.
وقبل بعض الفقهاء شأن التشريع للنبي فقط (الإمام الخميني، بي تا، ص١٢١؛ مكارم الشيرازي، ١٤١٣ق، ج١، ص٥٠٨؛ السبحاني، ١٤١٩ق، ص١١٧-١١٨).
وأنكر عدد من الفقهاء شأن تشريع المعصوم، منهم الشيرازي (الشيرازي، ١٤٠٧ق، ج٩٩، ص١١-١٢).
ومن بين المفسرين، قبل العلامة الطباطبائي (الطباطبائي، بي تا، ج٦، ص١٤ و ج١٩، ص٢١) شأن التشريع للمعصوم في الجملة.
وقد خُصصت ثلاث دراسات مستقلة لبحث شأن التشريع (علي نمازي، بي تا؛ سيد جعفر مرتضى العاملي، ١٤٢٤ق؛ وعليزاده نجار، ١٣٩٦)، حيث تم بحث ونقد جوانب أوسع من شأن التشريع وأُثبت هذا الشأن للمعصوم.
تعريف شأن التشريع
هو مقام ومنزلة للمعصوم يُعنى بجعل الأحكام فوق الزمانية والمكانية. وهو حق تشريع مفوَّض في الجملة من الله إلى المعصوم، وهو محدود ومكمِّل للتشريع الإلهي (للمزيد من المطالعة، انظر: الإمام الخميني، ١٣٨٥ش، ج١، ص٥٠؛ ضيائي فر، ١٣٩٢، ص٣٩٩-٤٥٠؛ آصف آگاه، ١٣٩٤ش، ص٤٩-١٣٠).
المرحلة الأولى: نظريات شأن تشريع المعصوم
توجد نظريتان رئيسيتان بين المفكرين الشيعة: نفي شأن التشريع للمعصوم، وإثباته. وينقسم القائلون بشأن المعصوم إلى ثلاث فئات: شأن التشريع الكلي، وشأن التشريع الجزئي، وشأن التشريع المكمِّل، وسنناقشها في نطاق تشريع المعصوم.
النظرية الأولى: نفي شأن تشريع المعصوم
يعتقد بعض علماء الشيعة أن حق التشريع مختص بالله، وأن النبي لا يملك حق التشريع بأي وجه. فالنبي لا يستطيع التشريع من عند نفسه. النبي والإمام لهما فقط حق تبيين وتذكير وإبلاغ الأحكام الإلهية؛ كما مر معنا من كلام الشيخ الصدوق، والسيد المرتضى، وآيات الله العظام ميرزا محمد تقي الأصفهاني، والسيد محمد الشيرازي، والميانجي، وكذلك آية الله جوادي آملي والسبحاني الذين نفوا هذا الشأن للمعصوم في بعض كتبهم. وإذا فُوِّض أمر الدين للنبي في بعض الروايات، فإنه يُحمَل على تطبيق التشريع الإلهي على الموارد الخارجية (الشيرازي، ١٤٠٧ق، ج٩٩، ص١١-١٢). كما عدّ بعض أهل السنة حق التشريع مختصاً بالله (انظر: وزارة الأوقاف، ١٤٠٤ق، ج١، ص١٨).
أدلة نفي شأن تشريع المعصوم
أهم الأدلة التي يمكن الاستناد إليها لنفي تشريع المعصوم هي:
أ) الإشكال الثبوتي
إن تشريع المعصوم يواجه محذوراً ثبوتياً، وبيانه أن مقتضى التوحيد التشريعي هو أن يبلغ الأنبياء أحكام الله فقط للناس ولا يكون لهم حق التشريع؛ لأن الاعتقاد بحق تشريع المعصوم في عرض التشريع الإلهي هو نوع من الشرك، وكذلك الاعتقاد بتشريع المعصوم دون حق التشريع من الله هو تفويض باطل ويستلزم تحديد قدرة الله وفاعلية المفوض إليه المستقلة (جوادي آملي، ١٣٨٦ش، ص٤٥).
نقد وبحث
الولاية التشريعية للمعصوم بمعنى حق التشريع هي في طول الولاية التشريعية الإلهية، وليست في عرضها وعلى نحو الاستقلال حتى ينشأ الشرك. كما أن المراد بالولاية التشريعية للمعصوم هو الولاية الإمضائية (أي الولاية التي تحتاج إلى إمضاء الله)، لا الولاية الاستقلالية بمعنى سلب الولاية من الله وتفويضها للنبي (العلامة الطباطبائي، بي تا، ج١٩، ص٢١٠؛ مكارم الشيرازي، ١٣٧٧ش، ج١، ص٥٧٢) حتى يستلزم التفويض الباطل.
ب) الإشكال الإثباتي
بقطع النظر عن الدليل الثبوتي، فإن أدلة إثبات حق التشريع للمعصوم تواجه إشكالات وتعارضات، منها:
الإشكال الأول: انحصار حق التشريع بالله
في القرآن الكريم، حُصر التشريع بالله تعالى. ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (الأنعام: ٥٧؛ يوسف: ٤٠ و٦٧)، والنبي ليس له شأن إلا اتباع الوحي ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾ (يونس: ١٥)، وتبليغه ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ﴾ (الرعد: ٧).
وفي بعض الروايات ورد أن تحليل وتحريم الأمور يتم فقط من قبل الله، والنبي مجرد تابع ومبلِّغ للأحكام الإلهية (الحر العاملي، ١٤١٤ق، ج٢٧، ص١١٣، ح٢١).
نقد وبحث
ترد عدة انتقادات على انحصار حق التشريع بالله:
أ) نقد الطائفة الأولى: مع الأخذ بعين الاعتبار الأدلة الأخرى، فإن المراد من آية ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ هو اختصاص شأن التشريع الاستقلالي بالله. أما بناءً على روايات التفويض، فإن الله في إطار الضوابط الإلهية وكمكمِّل للتشريع الإلهي، قد فوّض مقداراً من التشريعات لنبيه. وهذا النوع من التشريع، لأنه بإذن الله وإمضائه، يقع ضمن إطار الحكم الإلهي.
ب) نقد الطائفة الثانية:
- الولاية على التشريع وصلت إلى النبي عن طريق الوحي؛ وبالتالي فإن تشريع النبي هو تبع للوحي وليس في مقابله.
- كان للنبي نوعان من الوحي: ١. وحي تشريعي يصدر من شأن التبليغ. يبلغ المَلَك الحكم من الله ويبلغه النبي للناس. ٢. وحي تأييدي وتسديدي. شأن التشريع مرتبط بهذا النوع من الوحي؛ بمعنى أن المعصوم يشرّع الأحكام بتأييد إلهي. وقد عبّر بعض المفكرين عن هذا النوع من الوحي بالوحي التابع والمجيز (الوحيد البهبهاني، ١٤٢٢ق، ج١، ص١٣١). هذا النوع من الوحي مؤيد ومجيز لصدور الأحكام التشريعية من المعصوم؛ أي بما أن المعصوم مؤيد بروح القدس، فله الإذن والإجازة في إصدار أحكام. في الحقيقة، معنى كون كلام المعصوم وحياً في تشريع الأحكام هو أنه مطابق للإرادة الإلهية ولا يحمل سمات الكلام البشري (من خطأ وسهو ونسيان).
- آية ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ (بقرينة المقابلة مع ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ﴾) هي في مقام بيان عدم نطق النبي عن الهوى، لا في نفي حق التشريع للنبي؛ وبالتالي فإن حق التشريع ليس عن هوى النفس، فلا يتعارض مع الآية.
- الآية ليست مرتبطة بحق التشريع؛ لأن الضمير ‘هو’ يعود على القرآن، كما بيّن كثير من المفسرين (القمي، ١٤٢٦ق، ج٢، ص٣١١؛ الشيخ الطوسي، بي تا، ج٩، ص٤٢١؛ العلامة الطباطبائي، بي تا، ج١٩، ص٢٨)؛ وبالتالي يمكن القول إن الوحي القرآني يصدر من شأن التبليغ، لكن الآية سكتت عن الوحي غير القرآني، والوحي غير القرآني يمكن أن يصدر من شأن غير التبليغ، كشأن التشريع.
ج) نقد الطائفة الثالثة: الحصر في الآيات والروايات التي تحصر شأن النبي في التبليغ هو حصر إضافي؛ لأنه في آيات وروايات أخرى، ذُكرت شؤون أخرى للمعصوم. والجمع بين هاتين الطائفتين من الآيات والروايات يقتضي أن نعتبر الحصر إضافياً وأن للمعصوم شؤوناً متعددة.
الإشكال الثاني: عدم تجاوز حدود الله
في القرآن، نُهي عن تجاوز حدود الله، واعتُبر المتجاوزون لحدود الله ظالمين (البقرة: ٢٢٩؛ ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ الطلاق: ١). تشريع المعصوم هو أحد أنواع التعدي على حدود الله (الصدوق، ١٤١٣ق، ج١، ص٤١).
نقد وبحث
- كبرى (عدم تجاوز حدود الله) تامة، ولكن الصغرى (تشريع المعصوم تجاوز لحدود الله) غير تامة (محمد تقي المجلسي، بي تا، ج١، ص١٤٣)؛ لأنه بناءً على الأدلة التي تأتي في إثبات حق التشريع، فإن هذا الحق مفوَّض للمعصوم بإذن الله لتمتعه بالعلم والعصمة ومقام خلافة الله في دائرة خاصة؛ لذا فهو ليس تجاوزاً لحدود الله (عدم صدق التجاوز مع وجود الإذن الإلهي).
- عدم إمكان وقوع تجاوز حدود الله من قبل المعصوم. إمكان تجاوز حدود الله متصور للعقل؛ لأن العقل يعتريه الهوى والخطأ ووظيفته كشف الأحكام لا جعلها. أما إمكان تجاوز حدود الله من قبل المعصوم فغير متصور؛ لأن المعصوم لديه وصول إلى ملاكات الأحكام ومصالحها ومفاسدها الواقعية، ويتمتع بجوهر العصمة. مع وجود هذين الأمرين، لا يمكن تجاوز حدود الله من قبل المعصوم.
الإشكال الثالث: تنافي شأن الولاية التشريعية مع انتظار الوحي
في بعض الحالات، كان المسلمون يسألون عن حكم مسألة ما، أو كما في قصة تغيير القبلة (البقرة: ١٤٤)، وكان النبي ينتظر الوحي ليتلقى الحكم الإلهي ويبلغه للناس. لو كان النبي ذا شأن تشريعي، لما كان هناك معنى لانتظار الوحي، بل كان يشرّع الحكم بنفسه (الأصفهاني، ١٤٢٠ق، ج١، ص٢٧٥).
نقد وبحث
لا تنافي بين شأن الولاية التشريعية للمعصوم وانتظار الوحي، وذلك للأسباب التالية:
أولاً: يختلف نطاق تشريعات النبي عن الموارد التي كان ينتظر فيها الوحي. كان النبي ينتظر الوحي في نطاق الأحكام الابتدائية، أما في نطاق الأحكام التي سبق بيانها بنحو ما من الله وتحتاج إلى تكملة، فكان يشرّع (تفاوت في النطاق). حكمة تشريع المعصوم – كما سيأتي – أمور مثل تعظيم مقام النبي وامتحان طاعة الناس.
ثانياً: يُستفاد من روايات التفويض أن النبي لم يكن يملك الولاية على التشريع منذ بداية البعثة، بل أُعطي هذه الولاية بعد أن خضع لتأديب إلهي خاص (الكليني، ١٣٦٣ش، ج١، ص٢٦٦ و٢٦٧)؛ فهذه الروايات تشير إلى زمن لم يكن فيه للنبي شأن الولاية على التشريع (تفاوت في الظروف والزمان).
ثالثاً: من خلال دراسة موارد التشريع، يتضح أنه في بعض الحالات، وبسبب أهمية المسألة سياسياً أو اجتماعياً، كان النبي ينتظر الوحي، مثل مسألة تغيير القبلة. أما في الحالات التي لا تتمتع بهذه الأهمية، فكان النبي يشرّع بنفسه (تفاوت في الأهمية).
الإشكال الرابع: تنافي شأن التشريع مع بيان تمام الأحكام في الكتاب والسنة
بناءً على آيتين ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل: ٨٩) وآية ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ (الأنعام: ٣٨) وروايات باب ‘جميع ما يحتاج الناس إليه وقد جاء فيه كتاب وسنة’ (الكليني، ١٣٦٣ش، ج١، ص٥٩) وثبوت جميع الأحكام في كتاب الإمام علي (ع) (الكليني، ١٣٦٣ش، ج١، ص٢٣٩، ح١)، فإن جميع الأحكام قد بُيِّنت في القرآن والروايات ولم يبقَ حكم ليشرِّعه النبي (مكارم الشيرازي، ١٤٢٨ق، ص٥٢٠). هذه النصوص تتنافى مع حق تشريع المعصوم، وبناءً على هذه الطوائف من النصوص، يُلغى تشريع المعصوم؛ لأن جميع الأحكام قد بُيِّنت ولا حاجة لتشريع جديد (الأصفهاني، ١٤٢٠ق، ج١، ص٤١١).
نقد وبحث
يمكن تقديم عدة إجابات على هذا الإشكال:
- بيان الكليات والضوابط: المراد بكون القرآن تبياناً وعدم تفريط الكتاب هو بيان ضوابط وكليات الأحكام وبيان عدد من الأحكام الجزئية، أما جميع تفاصيل الأحكام فلم تُبيَّن في القرآن. في الحقيقة، تشريع المعصوم يقع في دائرة تفاصيل الأحكام. في روايات التشريع، ورد أن المعصوم أضاف بعض التفاصيل إلى الأحكام، مثل إضافة سبع ركعات إلى الصلوات اليومية (تبيان في الكليات وتشريع في بعض الجزئيات).
- كون القرآن تبياناً وبياناً لكل شيء يتم بطريقتين: بيان الأحكام صراحة؛ بيان الأحكام من خلال تعريف المعصوم كمبيِّن للأحكام. في آية ﴿مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (الحشر: ٧)، النبي هو مبيِّن الأحكام؛ فكون القرآن تبياناً لا يقتصر على بيان الأحكام مباشرة في آيات القرآن، حتى لا يتنافى مع شأن تشريع النبي.
- هذه الآيات والروايات مؤيدة لإثبات مقام التشريع للمعصوم؛ لأن هذه النصوص تقول إن القرآن لم يغفل عن أي أمر أو حكم، ومعلوم أن القرآن لم يذكر إلا جزءاً من تفاصيل الأحكام؛ فمعنى هذه النصوص هو أن القرآن ببيانه للكليات وكذلك بتعريفه للمعصوم كمرجع لبيان الأحكام، لم يغفل عن أي حكم (سواء مباشرة أو بالواسطة) (علي زاده نجار، ١٣٩٦ش، ص١٢٧).
الإشكال الخامس: إرشادية أوامر المعصومين
اعتبر بعض المفكرين جميع أوامر المعصومين إرشادية، ودليلهم على إرشاديّتها هو عدم استحقاق العقاب على مخالفتها. فهم يحصرون استحقاق العقاب في مخالفة أوامر الله فقط (البروجردي، ١٤١٩ق، ص١١٧).
نقد وبحث
- أوامر المعصوم ظاهرة في المولويّة؛ بسبب مقام الولاية والإمامة والمولوية للمعصوم. وقد اعتبر بعض العلماء أن الأصل الأولي في أوامر المعصوم هو المولويّة (الميلاني، ١٤٢٥ق، ج١، ص٦٠).
- عندما يضيف المعصوم إلى التشريع الإلهي – عشر ركعات من الصلوات اليومية – ويقول إن الصلوات اليومية سبع عشرة ركعة (تشريع المعصوم)، فإن مخالفتها تستوجب العقاب. إذا صلى المكلف عشر ركعات، فإنه وإن امتثل للأمر الإلهي، إلا أنه يُعاقَب لعدم امتثاله لأمر المعصوم وعدم إتيانه بالسبع ركعات.
النظرية الثانية: تمتع المعصوم بشأن التشريع (ولاية المعصوم على أمر التشريع)
يرى عدد من علماء الشيعة أن للنبي حق التشريع. وقد صرحت مجموعة منهم بولاية النبي التشريعية (الإمام الخميني، بي تا، ص١٢٢؛ العلامة الطباطبائي، بي تا، ج١٩، ص٢١٠؛ مكارم الشيرازي، ١٣٧٧ش، ج١، ص٥٧١).
وفي كلام آخرين، أُشير بنحو ما إلى حق تشريع النبي. منهم محدثون مثل يونس بن عبد الرحمن (الكليني، ١٣٦٣ش، ج٣، ص٥٠٩، ذيل الحديث ٢) الذي كتب أن الزكاة كانت في البداية على تسعة أشياء، ثم أوجبها النبي على جميع الحبوب، كما أضاف سبع ركعات إلى الصلوات. ومحمد بن الحسن الصفار (الصفار، ١٤٠٤ق، ص٣٩٨)، والعلامة المجلسي (المجلسي، ١٤٠٣ق، ج١٧، ص٧؛ وانظر: ضيائي فر، ١٣٨٢ش، ص٤٩٤-٤٩٥).
أدلة شأن تشريع المعصوم
أدلة تشريع المعصوم في مقامين: مقام الثبوت ومقام الإثبات.
المحذوران العقليان: تعدد الشارع وتفويض أمر التشريع للمعصوم، يمكن تصورهما، وقد تمت الإجابة عنهما (التشريع غير استقلالي وبإذن إلهي). وبعد أن اتضح عدم وجود محذور عقلي، نذكر الأدلة التي أوردها القائلون بمقام التشريع أو التي يمكن إيرادها لإثبات هذا القول.
أ) الآيات
في عدة آيات من القرآن، أُمر باتباع أوامر النبي:
الطائفة الأولى: آية الأخذ
﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (الحشر: ٧)؛ وما أعطاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا.
في هذه الآية والآية التي قبلها، جعل الله الفيء في يد النبي وحدد مصارفه، لكنه فوّض طريقة تقسيمه ومقداره إلى النبي.
تقريب الاستدلال: أوجب الله في هذه الآية اتباع أوامر ونواهي النبي. إضافة الأوامر والنواهي إلى النبي ظاهرة في أوامره ونواهيه التشريعية، وبما أن اتباع الأوامر والنواهي لم يقيد بمورد خاص، فإن الآية تدل على اتباع جميع أوامر النبي التشريعية في كل المجالات.
إذا قيل إن الآية في مورد مصرف الفيء، وأمرت بأخذ ما يعطيه النبي، ولم تأمر باتباع أوامره؛ فالآية متعلقة بأفعال النبي لا بأقواله وأوامره.
نقول: الآية تشمل أوامر النبي التشريعية أيضاً، و ‘ما آتاكم’ أعم من الأوامر التنفيذية والتشريعية. الشاهد على العمومية هو عبارة ‘ما نهاكم’ التي بإطلاقها تشمل جميع نواهي النبي، ولو كان المراد فقط النواهي التنفيذية، لكان الأنسب أن يقول ‘ما لم يؤتكم’؛ فالعمومية في النواهي قرينة على عمومية الأوامر (وقد أشار بعض المفسرين إلى قرينة المقابلة؛ العلامة الطباطبائي، بي تا، ج١٩، ص٢٠٤).
إذا قيل إن الآية قالت ‘ما آتاكم’ ولم تقل ‘ما يأمركم’، وهذه قرينة على أن النبي يأتي بأوامر الله، لا أنه يصدر أمراً من عند نفسه؛ فالآية تتحدث عن شأن تبليغ الوحي لا شأن التشريع.
نقول: عبارة ‘ما نهاكم’ قرينة على أن المراد بـ’آتاكم’ ليس مجرد إيتاء أوامر الله من قبل النبي (الأوامر التبليغية)، بل تشمل الأوامر الصادرة من النبي أيضاً (الأوامر التشريعية). نعم، لو كان استمرار الآية على نفس نسق ‘ما آتاكم’ فقال ‘ما لم يؤتكم’، لربما أمكننا القول بأن الآية تدل فقط على شأن تبليغ الوحي وإيتاء الأوامر والنواهي الإلهية.
وقد استُشهد بهذه الآية في كثير من الروايات لوجوب اتباع أوامر النبي، وذُكرت تحتها تشريعات النبي (الكليني، ١٣٦٣ش، ج١، ص٢٦٥-٢٦٨، ح١-٦)، وهذا شاهد على أن هذه الآية بصدد إثبات شأن تشريع المعصوم.
الطائفة الثانية: آيات الطاعة
﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ (النساء: ٥٩؛ وأيضاً المائدة: ٩٢؛ ومحمد: ٣٣)؛ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم.
أو قوله تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (النساء: ٨٠)؛ من يطع الرسول فقد أطاع الله.
تقريب الاستدلال: أمر القرآن الكريم في عدة آيات بطاعة النبي. وهذه الأوامر مطلقة وغير مقيدة بنطاق خاص؛ لذا فكما تشمل أوامر النبي التبليغية، تشمل أوامره التشريعية أيضاً.
الشاهد على شمول الآية الأولى للأوامر التشريعية هو تكرار لفظ ‘أطيعوا’. لو كان المراد طاعة أوامر النبي التبليغية، لما كان هناك داع لتكرار لفظ ‘أطيعوا’؛ فكأن تكرار اللفظ يشير إلى شأن أبعد من تبليغ الوحي، ومنه شأن تشريع المعصومين. وقد استُشهد بآيات الطاعة في روايات الولاية التشريعية للمعصوم (الكليني، ١٣٦٣ش، ج١، ص٢٦٥-٢٦٨، ح١-٦). وهذه الآية بإطلاقها تثبت شأن تشريع الأئمة أيضاً، لأن المراد بأولي الأمر هم الأئمة المعصومون (الطوسي، بي تا، ج٣، ص٢٣٦؛ الفخر الرازي، ١٤٢٠ق، ج١٠، ص١١٣).
الطائفة الثالثة: آيات الولاية
﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (المائدة: ٥٥)؛ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون.
﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ (الأحزاب: ٦)؛ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم.
تقريب الاستدلال: عرّف الله في هاتين الآيتين المعصومين كأولياء للمؤمنين. ولاية المعصوم غير مقيدة بنطاق خاص وتشمل الولاية التكوينية والتشريعية؛ فالمعصومون لهم ولاية على أمر التشريع ويملكون شأن التشريع.
إطلاق الولاية في هاتين الآيتين يشمل جميع مجالات الولاية في الدين؛ أي شأن تبليغ الوحي، والتفسير، والتشريع، والولاية، والحكم، والقضاء، وغيرها (العلامة الطباطبائي، بي تا، ج٦، ص١٢).
الطائفة الرابعة: آية الاتباع
﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٨)؛ اتبعوه لعلكم تهتدون. وقد استشهد بهذه الآية رشيد رضا والقرضاوي (رشيد رضا، بي تا، ج٩، ص٣١٧؛ القرضاوي، ١٤٢٦ق، ص٣٦).
تقريب الاستدلال: يأمر الله في هذه الآية المسلمين باتباع النبي ليهتدوا. كما يأمر في آية أخرى باتباع ما نزل على النبي: ﴿وَاتَّبِعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ﴾ (الأعراف: ١٥٧). الآية الثانية ناظرة إلى شأن تبليغ الوحي، أي يجب على الناس اتباع الأوامر الإلهية التي تنزل على النبي ويبلغها لهم؛ لأن المراد بـ’النور الذي أنزل معه’ هو القرآن والوحي. أما في الآية الأولى (وَاتَّبِعُوهُ)، فالأمر باتباع أوامر النبي نفسه. إطلاق الآية وعدم تقييدها باتباع ‘ما أُنزل’ شاهد على شمول الآية للأوامر التشريعية للنبي.
ب) الروايات
أولاً: روايات التفويض
روايات التفويض على قسمين:
القسم الأول: تفويض أمر التشريع إلى المعصوم (التفويض الكلي)
تدل روايات كثيرة بحد التواتر الإجمالي على تفويض أمر الناس إلى المعصومين (الكليني، ١٣٦٣ش، ج١، ص٢٦٥-٢٦٨، ب١٠٨ باب التفويض إلى رسول الله وإلى الأئمة في أمر الدين). إطلاق هذا النوع من الروايات يشمل أمر التكوين وأمر التشريع. وقد صُرِّح في بعض الروايات بأن أمر الدين قد فُوِّض إلى المعصومين (نفس المصدر، ح٤، ٦)، ومن الواضح أن أحد موارد تفويض أمر الدين هو التشريع ووضع القوانين. التفويض هنا بمعنى تفويض بيان وجعل أحكام الشريعة للمعصوم.
القسم الثاني: تفويض التشريع الموردي (التفويض الجزئي)
صورت بعض الروايات التشريع في موارد محدودة فقط للمعصومين. ما ورد في الروايات من تشريع النبي يشمل: إضافة ركعة أو ركعتين إلى الصلوات اليومية الثنائية في غير السفر (مجموع سبع ركعات)، تحريم جميع المسكرات، تحديد صلوات النافلة والصيام المستحب، استفادة الجد من الإرث، دية بعض الأعضاء مثل النفس والعين وغيرها (الكليني، ١٣٦٣ش، ج١، ص٢٦٦-٢٦٧، ح٤، ٦، ٧؛ الصفار، ١٤٠٤ق، باب التفويض، ص٣٩٨ وما بعده).
تقريب الاستدلال: القسم الأول من الروايات يصرح بتفويض أمر الناس أو أمر الدين إلى المعصومين، وأحد أمور الدين هو التشريع ووضع القوانين؛ وبالتالي فإن أمر التشريع قد فُوِّض في الجملة إلى المعصومين.
ومن الواضح أن تشريع المعصومين هو في طول إرادة واختيار الله، لا في عرضها حتى يستلزم سلب اختيار الله، وبالتالي لا يخالف الأمر الإلهي. ومن جهة ثالثة، فإن متصدي أمر التشريع يخضعون للتأديب الإلهي ويتمتعون بمقام العصمة؛ لذا لا يشرعون خلاف إرادة الله وهم معصومون من الخطأ في التشريع.
إذن، تشريع المعصوم يتم بناءً على ضوابط إلهية وإرادة الله.
القسم الثاني من الروايات يعدد مصاديق تشريع النبي. روايات القسم الأول تثبت إمكانية تشريع المعصومين، وهذا القسم من الروايات يرسم وقوع مثل هذه التشريعات. ووقوع أمر في الخارج هو أفضل دليل على إثبات ذلك الأمر.
في هذا القسم من الروايات، أُخبر عن نوعين من السنة: أحدهما تبليغ التشريعات الإلهية مثل الصلوات اليومية الثنائية (شأن تبليغ الوحي)، والآخر تشريعات النبي مثل إضافة سبع ركعات إلى عشر ركعات كانت من تشريع الله (شأن التشريع). فصل هذين النوعين من السنة عن بعضهما يدل على أن القسم الثاني ليس من نوع تبليغ التشريع الإلهي (شأن تبليغ الوحي)، وإلا فلماذا يُطرح بشكل منفصل ويُجعل قسيماً للقسم الأول؟!
ثانياً: روايات السنة والفريضة
في بعض الروايات، تُقسم الأحكام إلى قسمين: الفريضة والسنة، أو ما فرض الله وما سنّ رسول الله. القسم الأول هو تشريع إلهي ويُبلَّغ للناس كسنة تبليغية من قبل النبي (شأن تبليغ الوحي)، أما القسم الثاني فهو تشريع النبي (شأن التشريع).
ورد هذا المضمون أحياناً في روايات التفويض، وأحياناً بشكل مستقل، مثل رواية ‘لا تعاد’ التي سُميت فيها الطهارة والوقت والقبلة والركوع والسجود فريضة، وسُميت القراءة والتشهد والتكبير سنة (الحر العاملي، ١٤١٤ق، ج٥، ص٤٧١، ح١٤).
وفي حديث شرائع الحج، عُدّ الطواف والسعي والإحرام والتلبية والوقوف في المشعر والهدي فريضة، وعُدّ الوقوف في عرفة والحلق والرمي سنة (نفس المصدر، ج١١، ص٢٣٤، ح٢٩).
تقريب الاستدلال: تفكيك الفريضة عن السنة شاهد على وجود نوعين من التشريع: التشريع الإلهي والتشريع النبوي. كما أن تعابير مثل ‘فأضاف رسول الله’ أو ‘سنّ رسول الله’ و’فأجاز الله له ذلك’ شاهدة على التشريع النبوي وإمضاء الله له.
ثالثاً: روايات الوضع
تصرح بعض الروايات بأن النبي قد جعل ووضع بعض الأمور، ونشير إلى عدد من هذه الأحاديث في الشيعة وأهل السنة:
الرواية الأولى: صحيحة أو موثقة زرارة (الخوئي، ١٤٠٣ق، ج١٨، ص٢٥٨): ينقل زرارة عن الإمام الباقر (ع) أنه قال: وضع رسول الله دية العين ودية النفس وحرم النبيذ وكل مسكر. فقال له رجل: ‘وضع رسول الله (ص) من غير أن يكون جاء فيه شيء؟’ قال: ‘نعم، وليعلم من يطيع الرسول ممن يعصيه’ (الكليني، ١٣٦٣ش، ج١، ص٢٦٦، ح٤).
تقريب الاستدلال: الجمل الثلاث: ‘وضع رسول الله’، ‘من غير أن يكون جاء فيه شيء’، ‘ليعلم من يطيع الرسول’ تدل على شأن تشريع النبي الأكرم؛ لأن الجملة الأولى ‘وضع رسول الله’ ظاهرة في صدور الحكم من النبي (شأن التشريع)، لا تبليغ التشريع الإلهي (شأن التبليغ)، وإلا لقال: ‘أبلغ رسول الله’.
في الجملة الثانية، يسأل الراوي الإمام: هل وضع النبي القانون دون أن يأتي وحي في هذه المسألة؟ ويجيب الإمام بالإيجاب؛ بمعنى أن هذا الحكم من النبي، لا أنه تبليغ للتشريع الإلهي.
الجملة الثالثة تخبر عن حكمة الولاية التشريعية للمعصوم؛ أي أن شأن التشريع قد أُعطي للنبي ليتضح مدى طاعة الناس له.
الرواية الثانية: صحيحة الحضرمي: ينقل أبو بكر الحضرمي عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: ‘وضع رسول الله الزكاة على تسعة أشياء… وعفا عما سوى ذلك’ (الكليني، ١٣٦٣ش، ج٣، ص٥٠٩، ح٢). كما مرّ، فإن عبارة ‘وضع’ ظاهرة في صدور الحكم من شأن التشريع. وقد فهم يونس بن عبد الرحمن منها شأن التشريع (نفس المصدر).
الرواية الثالثة: صحيحة زرارة: نقل زرارة عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: ‘ما كيل بالصاع فبلغ الأوساق فعليه الزكاة’، وقال: ‘جعل رسول الله الصدقة في كل شيء أنبتت الأرض إلا ما كان في الخضر والبقول وكل شيء يفسد من يومه’ (الكليني، ١٣٦٣ش، ج٣، ص٥١٠، ح٢).
تقريب الاستدلال: ‘جعل’ مثل ‘وضع’ ظاهر في صدور الحكم من شأن التشريع.
روايات أخرى: في مصادر أهل السنة أيضاً، وردت روايات متعددة بعبارة ‘جعل’ و ‘وضع’ (البخاري، ١٤٠٧ق، ج٣، ص١٧٠؛ النيسابوري، ١٣٩٨ق، ج١، ص٤٥٣، ح٢؛ السجستاني، ١٤١٠ق، ج٢، ص٢٦، ح٣) وهي ظاهرة في تشريع النبي.
إشكال: نسبة الجعل والتحليل والتحريم والتشريع إلى النبي مجازية (السيد المرتضى، ١٣٧٦ش، ج٢، ص٦٦٧-٦٦٩). القرينة على المجازية هي إسناد الجعل والتحليل والتحريم إلى القرآن وإلى الشخص بالنظر؛ أي عندما نقول إن القرآن حرّم شيئاً ما أو أن فلاناً حرّم على نفسه شيئاً بالنظر أو اليمين، ففي الحقيقة الله هو الذي حرّم ذلك الشيء، لا القرآن أو الناذر. هنا أيضاً الحكم من الله، لا من النبي؛ وبالتالي فإن إسناد الحكم إلى النبي مجازي.
جواب: يمكن تقديم عدة أجوبة لرد مجازية نسبة الجعل إلى النبي:
- عدم وجود قرينة على المجازية: بمقتضى أصالة الحقيقة، يُحمل الكلام على معناه الحقيقي ما لم توجد قرينة على المجاز. في إسناد التحليل والتحريم إلى القرآن والناذر، توجد قرينة على المجاز؛ لأن الكتاب وعقل الإنسان غير المعصوم لا يمكن أن يكونا مشرّعين؛ لأنه من جهة، العقل لا يعرف المصالح والمفاسد الواقعية، ومن جهة أخرى قد يقع في الخطأ أو الهوى؛ فلا يمكن أن يكون مشرّعاً. أما إسناد الجعل والتحليل والتحريم إلى المعصوم فهو تام ولا توجد قرينة على مجازيته.
- وجود قرينة على عدم المجازية: هناك على الأقل قرينتان على عدم مجازية إسناد الجعل إلى المعصوم: ١. روايات التفويض؛ ٢. التبادر: كلما أُسند فعل إلى شخص، يتبادر إلى الذهن فاعلية ذلك الشخص نفسه، لا شخص آخر؛ فإسناد الجعل والتحريم والتحليل إلى النبي حقيقي، لا مجازي.
إشكال: القول بتشريع المعصوم وتفويض الولاية على التشريع هو نوع من الغلو (الوحيد البهبهاني، ١٤٢٢ق، ج١، ص١٢٩. نُسب هذا القول إلى القميين وابن الغضائري). الغالي كافر (الشيخ المفيد، ١٤١٣ق، ص١٣١؛ زين الدين العاملي، ١٤١٣ق، ج١، ص٢٤). قال الإمام الرضا (ع): ‘الغلاة كفار والمفوضة مشركون’ (المجلسي، ١٤٠٣ق، ج٢٥، ص٢٧٣) وهم نجسون (النجفي، ١٣٦٥، ج٦، ص٤٦).
في الجواب يمكن القول:
- في كلام وفقاهة الإمامية، يتحقق الغلو في الإمامة بستة أمور: الاعتقاد بألوهية الإمام، إشراك الإمام مع الله في المعبودية، الخلق والرزق، حلول الله في الإمام، العلم الاستقلالي بالغيب، نبوة الإمام، الاستغناء عن طاعة الله والاكتفاء بمعرفة الإمام (المجلسي، ١٤٠٣ق، ج٢٥، ص٣٤٦). في الحقيقة، يعود الغلو إلى الألوهية أو النبوة للإمام.
- يعود التفويض الباطل إلى أمرين: ١. التفويض التكويني بمعنى تفويض الخلق والرزق والإماتة والإحياء بحيث لا يكون لله أي تدخل. ٢. التفويض التشريعي بمعنى تغيير أحكام الشريعة الثابتة (المجلسي، ١٤٠٣ق، ج٢٥، ص٣٤٨)، وفي تشريع المعصوم لا يوجد مثل هذا التغيير.
المرحلة الثانية: نظريات في نطاق تشريع المعصوم
بعد إثبات حق التشريع للمعصوم، يأتي الكلام عن نطاق تشريعه. ما هو مدى تشريع المعصوم؟ هل له حق تشريع كلي، أم أن حقه في التشريع جزئي ومحدود ببضعة موارد وردت في بعض الروايات، أم أن هناك حداً وسطاً بين هذين الأمرين؟
هناك خلاف حول مدى تشريع المعصوم. سؤال: هل للمعصومين حق التشريع في كل أمر ويمكنهم وضع القوانين، أم أن تشريعهم محدود بموارد خاصة وله مجال معين؟
يوجد خلاف بين المفكرين المسلمين. البعض يحدّ دائرة تشريع المعصومين بالموارد الخاصة – أي تلك الموارد القليلة التي صُرِّح بها في الروايات. لكن آخرين يعتبرون التفويض كلياً ولا يقبلون له حدوداً خاصة. وهناك قول ثالث وسط بين هذين القولين. في ما يلي، ندرس الأقوال والأدلة.
النظرية الأولى: التشريع الكلي في إطار الضوابط الإلهية
يعتقد عدد من علماء الشيعة أن للنبي ولاية تشريعية كلية، منهم: العلامة الطباطبائي (الطباطبائي، بي تا، ج١٩، ص٢١٠) والإمام الخميني (الخميني، بي تا، ص١٢٢).
التشريع الكلي يعني أن النبي بإذن الله وإمضائه وفي إطار ضوابط الله والشريعة، يمكنه إصدار أحكام أبدية، وهذه الأحكام ليست محدودة بموارد خاصة، على الرغم من ورود موارد خاصة في الروايات.
دليل التشريع الكلي: شمول أدلة التشريع
يُستفاد التشريع الكلي من إطلاق وعموم الآيات والروايات التي تثبت ولاية التشريع للمعصوم. والأدلة التي ذكرت بعض تشريعات النبي تُحمل على بيان المصاديق والمورد، ولا تخصص دائرة شمول تشريع المعصوم.
نقد وبحث
صحيح أنه يمكن الاستفادة من الإطلاقات والعمومات في إثبات التشريع الكلي للمعصوم، وأن الأدلة التي تذكر التشريعات الجزئية هي لبيان المصاديق والمورد المخصص، ولكن كما سيأتي، يُستفاد من الروايات التي تذكر مصاديق التشريع، ضابطة التشريع المكمِّل (النظرية الرابعة)، لا التشريع الكلي.
النظرية الثانية: التشريع الجزئي
بعض الفقهاء لم يقبلوا بتفويض التشريع إلى النبي بشكل كلي وفي جميع الأمور، وحصروا حق النبي في التشريع بالموارد الخاصة المذكورة في لسان الروايات. هذا التشريع يجب أن يكون مسبوقاً بإذن الله وملحوقاً بإمضائه (مكارم الشيرازي، ١٤١٣ق، ج١، ص٥٥٠ و٥٠٨؛ السبحاني، ١٣٨٥ش، ص٢٠-٢٢).
في الروايات، ذُكر تشريع النبي في موارد محدودة جداً. تلك المسائل هي:
- إضافة سبع ركعات إلى الصلوات اليومية لغير المسافر.
- تحريم جميع المسكرات (نفس المصدر، وانظر: الحر العاملي، ١٤١٤ق، ج٢٥، ص٣٣١-٣٣٣، ح٢٣-٢٩).
- تحديد صلوات النافلة.
- بيان الصيام المستحب.
- إعطاء السدس من الإرث للجد.
- جعل الدية للنفس والعين (الكليني، ١٣٦٣ش، ج١، ص٢٦٥-٢٦٧). (الموارد السبعة الأولى ذُكرت في باب ‘التفويض إلى رسول الله وإلى الأئمة في أمر الدين’).
- تحديد أوقات الصلاة (الصفار، ١٤٠٤ق، ص٣٣٩، ح٥).
- و١٠. نوعان من الحيوانات محرمة اللحم (الطيور ذات المخالب والحيوانات المفترسة ذات الأنياب) (الحر العاملي، ١٤١٤ق، ج٢٤، ص١١٤، ح٣).
- واجبات الصلاة غير الخمسة التي هي تشريع إلهي وهي: الطهارة، والوقت، والقبلة، والركوع، والسجود (نفس المصدر، ج٥، ص٤٧٠)، والباقي تشريع نبوي.
- واجبات الحج غير السعي الذي هو تشريع إلهي، والباقي تشريع نبوي مثل الرمي (الحر العاملي، ١٤١٤ق، ج٥، ص٤٧١، ح١٤).
أدلة التشريع الجزئي
- الروايات: في روايات متعددة، حُددت موارد خاصة لتشريع النبي، والتي بناءً على استقصاء الكاتب تبلغ ١٢ مورداً وذُكرت أعلاه.
- انتظار الوحي: في حالات متعددة عندما كان المسلمون يسألون النبي عن مسألة ما، كان النبي ينتظر الوحي، وهذا دليل واضح على أن التفويض الكلي لم يحدث، وإلا لما كانت هناك ضرورة لانتظار الوحي، ولكان بإمكانه تشريع القانون بنفسه (مكارم الشيرازي، ١٤١٣ق، ج١، ص٥٢٦).
نقد وبحث
أما الدليل الأول: فالروايات التي نُقلت فيها تشريعات النبي هي لبيان المصداق والمورد، والمورد لا يخصص.
أما الدليل الثاني: فكما مرّ، لا يوجد تنافٍ بين شأن تشريع المعصوم وانتظاره للوحي؛ لأن هناك على الأقل وجهين للفرق بينهما: الفرق في النطاق، والفرق في الظروف والزمان.
النظرية الثالثة: التشريع المكمِّل للأحكام (التشريع المسبوق بالتشريع الإلهي)
المراد بالتشريع المكمِّل هو التشريع الذي يكون مسبوقاً بتشريع آخر ويصدر في سبيل تكميله.
تشريع المعصوم مسبوق بالتشريع الإلهي، ومورده هو حيثما صدر تشريع من الله سابقاً؛ فتشريع المعصوم مختص بالأحكام غير الابتدائية، والمعصوم ليس له تشريع في الأحكام الابتدائية.
خصائص تشريع المعصوم
لتشريع المعصوم على الأقل الخصائص التالية:
- جعل الحكم: بناءً على الأدلة التي مرت (الآيات والروايات)، الأحكام التي تصدر من شأن التشريع هي من جعل المعصوم، لا من جعل الله؛ لأنه عُبِّر عنها أولاً بـ ‘وضع رسول الله’ و ‘أضاف رسول الله’ و ‘سنّ رسول الله’، وثانياً نُسبت إلى رسول الله، لا إلى الله. بالطبع، هذا الجعل بإذن الله.
- فوق زماني ومكاني: أهم خصائص التشريع هي الخلود والشمول العالمي؛ لأنه يُطلق على القوانين فوق الزمانية والمكانية اسم التشريع، أما القوانين الزمنية والمكانية فتسمى حكماً ولائياً وحكومياً.
- عدم الاستقلال: التشريع الإلهي استقلالي، وتشريع المعصوم فرع من التشريع الإلهي. أحياناً يشرّع الله مباشرة، وأحياناً يأذن ويجيز التشريع لفرد أو أفراد لهم أهلية التشريع. تشريع المعصوم بإجازة وإمضاء الله، وهو تشريع غير مستقل وإمضائي (مكارم الشيرازي، ١٣٧٧ش، ج١، ص٥٥٠).
- موافق للتشريع الإلهي (عدم نقض التشريع الإلهي): تشريع المعصوم في سياق الوحي الإلهي ولا ينقض تشريع الله أبداً. جاء في الرواية: ‘لا تنقض السنة الفريضة’ (الحر العاملي، ١٤١٤ق، ج٥، ص٤٧١، ح١٤؛ وج٦، ص٩١)؛ أي أن سنة النبي التشريعية ليست في مقابل الفريضة والتشريع الإلهي ولا تنقضها.
- مكمِّل للتشريع الإلهي: إحدى خصائص تشريع المعصوم هي أنه يصدر بعد التشريع الإلهي؛ بمعنى أنه يصدر أولاً حكم من الله، مثلاً تُفرض الصلاة وتُحدد ركعاتها في الجملة، ثم يصدر تشريع المعصوم في سياق الحكم الابتدائي الإلهي كمكمِّل للحكم الأول ويوسع الركعات.
- عدم التعميم بالنسبة لجميع الأحكام (محدودية): تشريع القوانين في معظم الحالات يتم مباشرة من الله، وفي حالات قليلة – والتي حسب الروايات تبلغ حوالي عشرة موارد – يُفوَّض إلى النبي. دليل محدودية تشريع المعصوم أمور منها: أ) انتظار الوحي: أحياناً كانت تطرأ مسائل للناس فيسألون النبي عن حكمها، فلا يجيب النبي وينتظر الوحي. لو كان التشريع مفوضاً إلى النبي بشكل كلي وفي جميع الأحكتم، لما كان هناك داعٍ لانتظار الوحي. ب) بيان مصاديق التشريع: في الروايات، فُوِّض أمر التشريع إلى النبي في موارد خاصة، أي بعد التشريع الإلهي. هذه التقارير تفيد محدودية تشريع المعصوم في الجملة. بالطبع، بناءً على رأي الكاتب، لا ينحصر تشريع المعصوم في الموارد الاثني عشر، بل هو في نطاق الأحكام غير الابتدائية، وهذا الأمر سيُبحث في المستقبل.
أدلة التشريع المكمِّل
الدليل الأول: اتخاذ ضابطة من أدلة التشريع الجزئي
برأي الكاتب، نطاق تشريع المعصوم ليس بسعة القول الأول ولا بضيق القول الثاني (المصاديق المذكورة في الروايات)، بل هو أمر وسط بينهما.
على الرغم من أنه يمكن الاستفادة من الآيات والقسم الأول من روايات التفويض (التفويض الكلي) بأن للمعصوم تشريعاً كلياً، إلا أن هذا التشريع يجب أن يكون في إطار ضوابط. ومن خلال دراسة القسم الثاني من روايات التفويض (التفويض الجزئي)، يمكن استخلاص الضابطة التالية: أن المعصوم يمكنه التشريع فقط في المسائل التي سبق بيان أحكامها بنحو ما بالتشريع الإلهي. وفي الحقيقة، تشريع المعصوم معمِّم ومكمِّل للتشريع الأولي الإلهي؛ لأنه في جميع موارد تشريع المعصوم المذكورة في الروايات، مثل زيادة الركعات في الصلوات اليومية، وصلاة النافلة، والصيام المستحب، وإرث الجد، ودية النفس والعين، قد صدر التشريع الإلهي سابقاً، وتشريع المعصوم مكمِّل ومعمِّم له.
بعبارة أخرى، من الروايات التي تذكر مصاديق تشريع النبي، نستخلص ضوابط تشريع المعصوم، وهي:
- مسبوقية تشريع المعصوم بالتشريع الإلهي (عدم وجود تشريع ابتدائي).
- تعميم وتوسيع الأحكام الصادرة من شأن التشريع الإلهي (الإضافة على التشريع الإلهي).
الدليل الثاني: الجمع بين الأدلة
بدراسة نصوص تشريع المعصوم، يمكن الجمع بين الأدلة على النحو التالي: من جهة، يمكن الاستفادة من أدلة التشريع الكلي بأن تشريع المعصوم غير محدود بالموارد القليلة المصرح بها في الروايات؛ لأن المورد لا يخصص. ومن جهة أخرى، يمكن الاستفادة من أدلة التشريع الجزئي بأنه ليس واسعاً لدرجة تشمل جميع المجالات، بل تشريع المعصوم مسبوق بالتشريع الإلهي ومكمِّل له.
إذن، أولاً: تشريع المعصوم في نطاق التشريع الإلهي، وهو كلي وعام ولا ينحصر في بعض الموارد. وثانياً: المعصوم ليس له تشريع ابتدائي، بل تشريعه مسبوق بالتشريع الإلهي. في الخاصية السادسة لشأن التشريع، ذُكر شاهدان على هذا القول (انتظار الوحي، وبيان مصاديق التشريع).
الدليل الثالث: صدور روايات التفويض الجزئي من شأن التطبيق
في الحقيقة، روايات التفويض الجزئي صدرت من شأن التطبيق، وتعدد مصاديق من شأن تشريع المعصوم. ومن الواضح أن تشريع المعصوم لا يقتصر على هذه الموارد (التشريع الجزئي)؛ لأنه في شأن التطبيق، تُذكر بعض المصاديق، لا كل المصاديق. الشاهد على تطبيقية روايات التفويض الجزئي هو أن موارد تشريع المعصوم لم تُذكر في رواية واحدة، بل وردت في روايات متعددة. بيان مصاديق التشريع في روايات متعددة يفيد بأن بعض موارد ومصاديق التشريع قد وردت في هذه الروايات، ولكن من الممكن العثور على موارد أخرى باستقصاء أفضل وأشمل.
أفضل دليل على عدم انحصار المصاديق المذكورة في الروايات هو عدم حصر المصاديق في لسان الروايات. نعم، لو ذُكرت المصاديق في لسان الدليل بشكل حصري، لما جاز تجاوز المصاديق المذكورة في لسان الدليل.
ومن جهة أخرى، ليس التشريع كلياً أيضاً؛ لأنه إذا صدرت رواية من شأن التطبيق، يجب استخلاص ضابطة أعم من خلال دراسة المصاديق، بحيث تندرج المصاديق المذكورة في الروايات التطبيقية تحت تلك الضابطة. تلك الضابطة هي: ‘المسبوقية والتكميل للتشريع الإلهي’.
النتيجة
النتائج التي تم التوصل إليها في هذا البحث هي:
- في بحث جهة الصدور، يجب التطرق إلى بحث شؤون المعصوم، ودراسة أدلته ونطاقه، وهو أمر أُغفل حتى الآن؛ أي يجب أولاً تحديد شؤون المعصوم، ومن أي شأن من شؤونه صدرت هذه الرواية، وهل هي مستند لحكم شرعي أم لا؟
- للمعصوم شأن التشريع ووضع القوانين.
- جعل الحكم ليس مختصاً بالله، وبناءً على هذا الشأن، يمكن للمعصوم أيضاً أن يشرّع؛ وبالتالي يمكن إطلاق عنوان ‘الشارع’ على المعصوم. بالطبع، شارعية المعصوم محدودة بإطار خاص وليست كالله في جميع مجالات الأحكام.
- تشريع المعصوم بإجازة الله، وهو تشريع غير مستقل وإمضائي.
- تشريع المعصوم فوق زماني ومكاني؛ وبالتالي فهو حكم دائم، لا مؤقت. الأحكام المؤقتة التي تصدر من شؤون أخرى للمعصوم مثل شأن الولاية، هي خارج نطاق بحث هذه المقالة.
- بناءً على النصوص المذكورة، ليس للمعصوم تشريع ابتدائي، بل تشريعه مسبوق بالتشريع الإلهي؛ أي يجب أن يتم التشريع الإلهي أولاً ثم يشرّع المعصوم.
- تشريع المعصوم مكمِّل للتشريع الإلهي وفي جهة زيادة وتوسعة الحكم الإلهي. تشريع المعصوم محدود ولا يشمل جميع مجالات الأحكام. ليس للمعصوم حق التشريع الكلي وفي جميع الأحكام؛ والشاهد على ذلك انتظار النبي للوحي، والتقارير المحدودة عن تشريع المعصوم. بالطبع، بسبب عدم فهم حصر المصاديق في الموارد المذكورة في الروايات من لسان الدليل، لا ينحصر تشريع المعصوم في الموارد المذكورة في لسان الروايات.
المصادر والمراجع
* القرآن الكريم
١. الأصفهاني، محمد تقي (١٤٢٠هـ). هداية المسترشدين. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
٢. الأصفهاني، ميرزا مهدي (١٣٨٧ش). مصباح الهدى. قم: بوستان كتاب.
٣. آصف آگاه، سيد محمد رضي (١٣٩٤ش). أطروحة شؤون المعصوم ودورها في الاستنباط. قم: مركز إدارة الحوزة العلمية في قم.
٤. البخاري، محمد بن إسماعيل (١٤٠٧هـ). صحيح البخاري. بيروت: دار القلم.
٥. البروجردي، سيد حسين (١٤١٩هـ). الحجة في الفقه. بيروت: مؤسسة الرسالة.
٦. جوادي آملي، عبد الله (١٣٧٨ش). تفسير تسنيم. قم: إسراء.
٧. جوادي آملي، عبد الله (١٣٧٥ش). فلسفة حقوق الإنسان. قم: إسراء.
٨. جوادي آملي، عبد الله (١٣٨٦ش). منزلة العقل في هندسة المعرفة الدينية. قم: إسراء.
٩. الجوهري، إسماعيل بن حماد (١٤٠٧هـ). الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية. بيروت: دار العلم للملايين.
١٠. الحر العاملي، محمد بن حسن (١٤١٤هـ). وسائل الشيعة. قم: آل البيت.
١١. الخميني، سيد روح الله (بلا تاريخ). الخلل في الصلاة. قم: مطبعة مهر.
١٢. الخميني، سيد روح الله (١٣٨٥ش). الرسائل. قم: إسماعيليان.
١٣. الخوئي، سيد أبو القاسم (١٤٠٣هـ). معجم رجال الحديث. قم: منشورات مدينة العلم.
١٤. الرازي، فخر الدين (١٤٢٠هـ). مفاتيح الغيب. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
١٥. رشيد رضا (بلا تاريخ). تفسير القرآن الحكيم الشهير بتفسير المنار. دار المعرفة.
١٦. السبحاني، جعفر (١٤١٩هـ). مصادر الفقه الإسلامي ومنابعه. بيروت: دار الأضواء.
١٧. السبحاني، جعفر (١٤٢٣هـ). كليات في علم الرجال. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
١٨. السبحاني، جعفر (١٣٨٥ش). الولاية التكوينية والتشريعية. قم: مؤسسة الإمام الصادق (ع).
١٩. السجستاني، أبو داود (١٤١٠هـ). سنن أبي داود. بلا مكان: دار الفكر.
٢٠. السند، محمد (١٤٣٢هـ). الشعائر الحسينية بين الأصالة والتجديد. كربلاء: العتبة الحسينية المقدسة.
٢١. السيد المرتضى علم الهدى (١٣٦٤). الذريعة. طهران: جامعة طهران.
٢٢. السيستاني، سيد علي (١٤١٤هـ). الرافد في علم الأصول. قم: نشر مكتب آية الله السيستاني.
٢٣. الشيرازي، سيد محمد (١٤٠٧هـ). الفقه. بيروت: دار العلوم.
٢٤. الصدوق، محمد بن علي بن حسين (١٤١٣هـ). من لا يحضره الفقيه. قم: دفتر انتشارات إسلامي.
٢٥. الصفار، محمد بن حسن (١٤٠٤هـ). بصائر الدرجات. طهران: منشورات أعلمي.
٢٦. ضيائي فر، سعيد (١٣٨٢ش). مكانة المباني الكلامية في الاجتهاد. قم: بوستان كتاب.
٢٧. ضيائي فر، سعيد (١٣٩٢ش). فلسفة علم الفقه. قم: معهد الحوزة والجامعة و سمت.
٢٨. الطباطبائي، سيد محمد حسين (بلا تاريخ). الميزان في تفسير القرآن. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
٢٩. الطوسي، محمد (الشيخ الطوسي) (١٣٦٤ش). تهذيب الأحكام. قم: دار الكتب الإسلامية.
٣٠. الطوسي، محمد (الشيخ الطوسي) (بلا تاريخ). التبيان. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
٣١. العاملي (الشهيد الثاني)، زين الدين (١٤١٣هـ). مسالك الأفهام. قم: مؤسسة المعارف الإسلامية.
٣٢. العاملي، سيد جعفر مرتضى (١٤٢٤هـ). الولاية التشريعية. بيروت: المركز الإسلامي للدراسات.
٣٣. علي زاده نجار، مرتضى (١٣٩٦ش). ولاية التشريع. قم: مؤسسة إمامت الثقافية.
٣٤. القرضاوي، يوسف (١٤٢٦هـ). السنة مصدراً للمعرفة والحضارة. القاهرة: دار الشروق.
٣٥. القمي، علي بن إبراهيم (١٤٢٦هـ). تفسير القمي. قم: دار الحجة.
٣٦. الكليني، محمد بن يعقوب (١٣٦٣ش). الكافي. طهران: دار الكتب الإسلامية.
٣٧. المجلسي، محمد باقر (العلامة المجلسي) (١٤٠٣هـ). بحار الأنوار. بيروت: مؤسسة الوفاء.
٣٨. المجلسي، محمد تقي (بلا تاريخ). روضة المتقين. بلا مكان: مؤسسة الثقافة الإسلامية.
٣٩. المفيد، محمد بن محمد بن النعمان (١٤١٣هـ). الاختصاص، مصنفات الشيخ المفيد. قم: المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد.
٤٠. مكارم الشيرازي، ناصر (١٣٧٧ش). رسالة القرآن. طهران: دار الكتب الإسلامية.
٤١. مكارم الشيرازي، ناصر (١٤١٣هـ). أنوار الفقاهة. قم: مدرسة الإمام أمير المؤمنين.
٤٢. مكارم الشيرازي، ناصر (١٤٢٨هـ). بحوث فقهية هامة. قم: مدرسة الإمام علي بن أبي طالب.
٤٣. مؤمن، محمد (١٤٠٩هـ). مقالة ولاية ولي المعصوم (ع). مجموعة آثار المؤتمر العالمي الثاني للإمام الرضا (ع).
٤٤. الميانجي، محمد باقر (١٤٠٠هـ). بدائع الكلام. بيروت: مؤسسة الوفاء.
٤٥. الميلاني، سيد علي (١٤٢٥هـ / ١٣٨٣ش). تحقيق الأصول. قم: مركز الحقائق الإسلامية.
٤٦. النجفي، محمد حسن (١٣٦٥ش). جواهر الكلام. طهران: دار الكتب الإسلامية.
٤٧. برمجيات أهل البيت.
٤٨. برمجيات نور الإسلامية، جامع فقه ٢، نور ٣/٥، أصول فقه، حكمة، كلام إسلامي.
٤٩. النيسابوري، محمد (١٣٩٨هـ). المستدرك على الصحيحين. بيروت: دار الفكر.
٥٠. وحيد البهبهاني، سيد محمد طباطبائي البهبهاني (١٤٢٢هـ). مقدمة منهج المقال. قم: مؤسسة آل البيت.
٥١. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (١٤٠٤هـ). الموسوعة الفقهية الكويتية. الكويت: ذات السلاسل.