تحليل ثمرات مدركية سيرة العقلاء بالنسبة إلى سيرة المتشرعة في حجية خبر الثقة من وجهة نظر آية الله الشهيدي

الخلاصة

من أهم المباحث الأصولية وأكثرها ثمرة هو اعتبار وحجية خبر الثقة. إن تعيين مستند حجية خبر الثقة كان منذ القدم موضع بحث ودراسة بين الأصوليين. وقد تمسك البعض بالآيات القرآنية، والبعض بالروايات، والبعض بسيرة العقلاء أو سيرة المتشرعة لإثبات هذا الأمر المهم. وللتمسك بكل دليل من هذه الأدلة نتائج وثمرات محددة لها أهميتها في استنباط الأحكام الفقهية وغيرها. كُتب هذا المقال بهدف تبيين ودراسة ثمرات مدركية سيرة العقلاء بالنسبة إلى سيرة المتشرعة في كلمات آية الله الشهيدي؛ وعمدة المطالب في تبيين الثمرات ودراستها مرتبطة بكشف صغرى سيرة المتشرعة وسيرة العقلاء. يطرح سماحته أربع ثمرات، وهي: ١. التفصيل في حجية خبر الثقة في الموضوعات والأحكام؛ ٢. التفصيل في حجية خبر ثقة الشيعي وغير الشيعي؛ ٣. التفصيل في جواز وعدم جواز تخصيص العام الكتابي بخبر الثقة؛ ٤. التفصيل بين اعتبار خبر الثقة في الأمور المهمة وغيرها. يقبل الكاتب في هذا المقال بعد تبيين ودراسة الثمرات الأربع، الثمرة الأولى والثمرة الثالثة وفقًا لرأي الأستاذ الشهيدي، ولكنه يخالف رأي الأستاذ الشهيدي في الثمرتين الأخريين.

المقدمة

يُعدّ البحث والتحقيق في حجية خبر الثقة واعتباره من أهم المباحث وأكثرها ثمرة في علم الأصول، وهو ما كان موضع بحث ودراسة مفصلة في كتب الأصول منذ القدم. ومنذ القرنين الثالث والرابع الهجريين وحتى يومنا هذا، واجهت هذه المسألة مؤيدين ومعارضين لأصل اعتبارها ومقداره. وقد تمسك البعض لإثبات اعتبار خبر الثقة بالآيات القرآنية، والبعض بالروايات، والبعض بسيرة العقلاء أو سيرة المتشرعة. في العصر الحاضر، عمدة الأدلة هي الروايات أو السيرة، سواء كانت عقلائية أو متشرعية. ونظراً لأن ثمرات ونتائج التمسك بسيرتي العقلاء والمتشرعة لا تقع موضع بحث ودراسة مفصلة، فإن الكاتب في هذا المقال يتناول تبيين ودراسة هذه الثمرات بنظرة مقارنة بين مدركية سيرة العقلاء وسيرة المتشرعة. للأسف، على الرغم من أهمية هذه النظرة المقارنة وثمراتها المبنائية المهمة، فإنه وبحسب تتبع الكاتب، لم يتم البحث والدراسة حول هذا الموضوع في الكتب الأصولية المشهورة، واقتصر البحث على أصل مدركية سيرة العقلاء أو سيرة المتشرعة. وعلى سبيل المثال، يمكن ذكر بعض كتب الأصوليين مثل «فرائد الأصول»، و«نهاية الأفكار»، و«فوائد الأصول»، و«بحوث في علم الأصول»، و«أنوار الهداية». وقد طرح الأستاذ الشهيدي لأول مرة في كتاب «أبحاث أصولية» ثمرات هذا البحث في كلماته، حيث أصبحت موضع بحث ودراسة. ونظراً لأهمية البحث المذكور، يتناول الكاتب تبيين ودراسة الثمرات والنتائج المترتبة على ذلك من وجهة نظر الأستاذ الشهيدي. وفي كتاب «أبحاث أصولية»، يمكن العثور على أربع ثمرات، وهي:

١. التفصيل بين سيرة العقلاء وسيرة المتشرعة في العمل بخبر الثقة في الموضوعات والأحكام.

٢. التفصيل بين سيرة العقلاء وسيرة المتشرعة في العمل بروايات الرواة الشيعة وغير الشيعة.

٣. التفصيل بين سيرة المتشرعة وسيرة العقلاء في تخصيص الكتاب.

٤. التفصيل بين سيرة المتشرعة وسيرة العقلاء في الأمور المهمة وغيرها.

يوافق الكاتب بعد تبيين الثمرات، على الثمرة الأولى والثالثة وفقاً لرأي الأستاذ الشهيدي، ولكنه يقوم بنقد ودراسة كلماته في الثمرتين الأخريين.

تبيين المفردات

يطلق على السلوك والتصرف الخارجي للعقلاء في فعل شيء أو تركه، الناشئ عن عادتهم أو ذوقهم، اسم سيرة العقلاء. والفرق بينها وبين ارتكاز العقلاء هو أن الارتكاز يكون في أذهان العقلاء ولم يصل إلى مرحلة السلوك والتصرف الخارجي. (جمع من المؤلفين، ١٣٩٧، ص ٨ و٩).

وإذا التزم أصحاب الإمامية أو المسلمون بعمل وسلوك ناشئ عن تشرعهم وتدينهم به، يطلق عليه اسم سيرة المتشرعة بالمعنى الأخص. وإذا لم يكن منشأ التدين والتشرع معتبراً فيه، بل كان أعم من التشرع والتدين والطبع العقلائي، فتكون سيرة المتشرعة بالمعنى الأعم. (نفس المصدر).

ثمرات التمسك بسيرة العقلاء بالنسبة إلى سيرة المتشرعة في حجية خبر الثقة

طُرحت في كتاب «أبحاث أصولية» أربع ثمرات بعنوان نتائج التمسك بسيرة العقلاء بالنسبة إلى سيرة المتشرعة. في البداية، تُعرض الثمرات الأربع، وبعد تبيينها وشرحها، يتم نقد ودراسة النتائج المذكورة:

الثمرة الأولى: التفصيل بين سيرة العقلاء وسيرة المتشرعة في العمل بخبر الثقة في الموضوعات والأحكام

يكتب الأستاذ الشهيدي في التفصيل بين خبر الثقة في الموضوعات والأحكام: «سيرة المتشرعة في الموضوعات غير محرزة، بخلاف سيرة العقلاء التي يكون فيها خبر الواحد حجة أيضاً. ذلك لأن العقلاء لا يفرقون في العمل بخبر الثقة بين الموضوع والحكم؛ أما في سيرة المتشرعة، فالسيرة في الموضوعات لم تتحقق.» (شهيدي بور، ١٣٨٥، ج٦، ص ٣٦٧). ومن بين الذين يعتبرون مستند خبر الثقة هو سيرة العقلاء، وبالتالي يعتبرون خبر الثقة في الموضوعات معتبراً، يمكن الإشارة إلى المحقق الخوئي (الخوئي، ١٣٧٥، ج٢٣، ص ١٩٦)، والمحقق التبريزي (التبريزي، ١٤٣١، ج٢، ص٢٧٧)، والشهيد الصدر (الصدر، ١٤٣٤، ج٢ ف، ص ٨٦).

يبدو من الضروري التنبيه إلى عدة نقاط في ذيل كلامه لإثبات المدعى:

النكتة الأولى: نكتة العمل في سيرة العقلاء وأهميتها

إن نكتة عمل العقلاء بمطلق خبر الثقة هي أهمية ومحورية صدور الخبر. ولهذا السبب، لا يوجد فرق في السيرة العقلائية بين الخبر في الموضوعات والخبر في الأحكام.

النكتة الثانية: إمضاء أو عدم إمضاء نكتة سيرة المتشرعة

قد يُشكل بأن ما له أهمية في السيرة هو تلك النكتة والارتكاز الذي هو أساس السيرة والسلوك الخارجي. ولهذا السبب، فإن عدم تحقق السلوك الخارجي لا يدل على عدم وجود السيرة، وبالنظر إلى وجود الارتكاز ونكتة السيرة في ما نحن فيه ومحل النزاع؛ فإن عدم تحقق السيرة المتشرعة خارجاً ليس مضراً.

يبدو أن هذا الإشكال غير صحيح؛ أولاً لأن كشف ارتكاز المتشرعة في العمل بمطلق خبر الثقة في الموضوعات والأحكام ليس ثابتاً. ثانياً، في حال إحراز ارتكاز المتشرعة في العمل بمطلق خبر الثقة، يبدو أن هذا الارتكاز ليس له اعتبار؛ وتوضيح عدم اعتبار ارتكاز المتشرعة في حال إحرازه يكون على النحو التالي:

إثبات اعتبار ارتكاز المتشرعة ممكن بطريقتين:

أ) ارتكاز المتشرعة، يكشف كشفاً إنّياً عن الحكم الشرعي؛ نظير العلة والمعلول. فارتكاز المتشرعة معلول للحكم الشرعي، وفي حال إثبات الارتكاز المتشرعي، يُثبت الحكم الشرعي ببرهان إنّي. يبدو أن هذا المبنى غير صحيح؛ لأن مجرد إثبات ارتكاز المتشرعة لا يكشف عن الحكم الشرعي؛ بل لإثبات الحكم الشرعي حاجة إلى أدلة أخرى. نعم، من الممكن أن تكون السيرة والسلوك الخارجي للمتشرعة كاشفة كشفاً إنّياً عن الحكم الشرعي، وهو ما فُرض عدم تحققه.

ب) في حال عدم ردع الشارع عن ارتكاز المتشرعة، يُثبت إمضاء وتأييد الشارع للارتكاز؛ وفي هذه الصورة، يتضح اعتبار خبر الثقة في الفرض المذكور في الموضوعات. ويبدو أن هذا المبنى أيضاً غير صحيح؛ لأن الكاتب لا يرى ردع ارتكاز المتشرعة من وظائف الإمام (عليه السلام)؛ ولهذا السبب، في حال مخالفة رأيه لارتكاز المتشرعة، لا لزوم لردع الإمام (عليه السلام). لذا، إذا لم يكن لزوم الردع صحيحاً، فإنه لا يكشف عن إمضاء الإمام (عليه السلام). نعم، في حال وجود سلوك خارجي وسيرة عملية للمتشرعة، فليس ببعيد أن تكون أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو إرشاد الجاهل دليلاً محكماً لإثبات وظيفة الإمام (عليه السلام) في مقام ردع السيرة. ولكن فرض المسألة هو في حال عدم تحقق السلوك الخارجي.

ونتيجة لذلك، وفقاً لكلا المبنيين، لا يمكن إثبات اعتبار خبر الواحد في الموضوعات بمجرد وجود ارتكاز المتشرعة.

الثمرة الثانية: التفصيل بين سيرة العقلاء وسيرة المتشرعة في العمل بروايات الرواة الشيعة وغير الشيعة

يطرح الأستاذ الشهيدي في مسألة التفصيل بين روايات الرواة الشيعة وغير الشيعة، بالنظر إلى سيرة المتشرعة وسيرة العقلاء، ادعاءين رئيسيين، يتم في البداية بيان كل منهما، ثم يتم التبيين والبحث في ذيل كل منهما:

الادعاء الأول: التفصيل في سيرة المتشرعة بين روايات الرواة الشيعة وغير الشيعة، بخلاف سيرة العقلاء. يكتب سماحته في شأن الادعاء الأول: «القدر المتيقن من سيرة المتشرعة في اعتبار خبر الواحد هو العمل بالروايات المنقولة بواسطة الرواة الشيعة (أي العمل بروايات العدول)؛ بخلاف سيرة العقلاء التي لا فرق فيها في العمل بخبر الثقة بين أخبار وروايات الرواة الشيعة وغير الشيعة؛ لأن نكتة عمل العقلاء بالأخبار والروايات هي الكشف عن صدور الرواية، ولا مدخلية لكون الراوي شيعياً أو غير شيعي في هذه النكتة.» (شهيدي بور، ١٣٨٥، ج٦، ص ٣٦٧).

من شواهد التشكيك في إطلاق سيرة المتشرعة بالنسبة للعمل بأخبار الرواة غير الشيعة يمكن الإشارة إلى أقوال الفقهاء والمجتهدين الذين قالوا فقط باعتبار خبر الراوي الثقة الشيعي. ومن بين هؤلاء القائلين يمكن الإشارة إلى الشهيد الثاني، والمقدس الأردبيلي، وصاحب المدارك، وصاحب المعالم (ابن الشهيد الثاني، ١٣٥٠، ص ٢٠٠).

الحاشية 1: على الرغم من أن إطلاق هذه الأدلة يحتاج أيضاً إلى بحث ودراسة مفصلة، إلا أن هذا المقال لا يمكنه أن يبحث بالتفصيل في أدلة هذا البحث؛ نعم، من الممكن أن تكون وظيفة الإمام (عليه السلام) مقتصرة على الردع في فرض السؤال من الإمام (عليه السلام).

إن ادعاء الإجماع في كلمات الشيخ الطوسي في «عدة الأصول» على العمل بخبر الواحد (الشيخ الطوسي، ١٣٦٥، ج١، ص ١٣٣) لا يمنع من استظهار التفصيل في كلماته؛ لأن ادعاء الإجماع على أصل عمل الأصحاب بخبر الواحد غير العلمي لا يرتبط بشروط العمل بخبر الواحد. وتُطرح شواهد في هذا الصدد من عباراته في كتاب «عدة الأصول» وهي كالتالي:

١. التصريح بوجود شروط للعمل بخبر الواحد في كلمات الشيخ الطوسي، مما يدل على أن ادعاء الإجماع على خبر الواحد هو فقط في مقام بيان أصل العمل بالخبر غير العلمي، وليس ناظراً إلى العمل بروايات غير الشيعة. يُلاحظ في عبارته: «إنا لا نقول أن جميع أخبار الآحاد يجوز العمل بها، بل لها شرائط نحن نذكرها فيما بعد، ونشير هاهنا إلى جملة من القول فيه» (نفس المصدر، ص ١٣٥). لقد صرح في هذه العبارة بأن للعمل بخبر الواحد شروطاً. لذا لا يمكن الاعتماد على ادعاء الإجماع على خبر الواحد بشكل مطلق.

٢. التصريح باعتبار أخبار غير الشيعي في الروايات غير المنفردة: يعتقد الشيخ الطوسي أنه يُعمل بروايات غير الشيعة في حال وجود روايات من الشيعة توافقها. ولهذا، إذا كانت رواية غير الشيعي منفردة، فلا اعتبار لها. وعبارته في هذا الصدد كالتالي: «أن جميع ما يرويه هؤلاء إذا اختصوا بروايته لا يعمل به، وإنما يعمل به إذا أضاف إلى روايتهم رواية من هو على الطريقة المستقيمة والاعتقاد الصحيح، فحينئذ يجوز العمل به. فأما إذا انفرد فلا يجوز ذلك فيه على حال.» (نفس المصدر، ص ١٣٦).

الادعاء الثاني: التمسك بصحيحة الحميري وإثبات اعتبار خبر الثقة (أعم من أن يكون الرواة شيعة أو غيرهم): يكتب سماحته في تتمة بحث الثمرة الثانية، في مسألة التمسك بسيرة المتشرعة في الموضوعات والأحكام: «بالنظر إلى أن صحيحة الحميري من مصاديق القدر المتيقن من عمل المتشرعة بخبر الثقة، يمكن التمسك بإطلاقها لإثبات اعتبار خبر الثقة في الموضوعات» (شهيدي پور، ١٣٨٥، ج٦، ص ٣٦٧).

إن إثبات الادعاء الثاني يحتاج إلى تبيين ودراسة صغرى سيرة المتشرعة؛ ويتناول الكاتب تقريبها بالنظر إلى كلمات الأستاذ الشهيدي الأخرى، ثم يقوم بنقد ودراسة آرائه. تبيين الصغرى، يتم بحثه تحت عدة مقدمات:

متن الرواية: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى جَمِيعاً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيِّ قَالَ: اجْتَمَعْتُ أَنَا وَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو رَحِمَهُ اللَّهُ عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ … قَدْ أَخْبَرَنِي أَبُو عَلِيٍّ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ (ع) قَالَ سَأَلْتُهُ وَ قُلْتُ مَنْ أُعَامِلُ أَوْ عَمَّنْ آخُذُ وَ قَوْلَ مَنْ أَقْبَلُ فَقَالَ لَهُ الْعَمْرِيُّ ثِقَتِي فَمَا أَدَّى إِلَيْكَ عَنِّي فَعَنِّي يُؤَدِّي وَ مَا قَالَ لَكَ عَنِّي فَعَنِّي يَقُولُ فَاسْمَعْ لَهُ وَ أَطِعْ فَإِنَّهُ الثِّقَةُ الْمَأْمُونُ وَ أَخْبَرَنِي أَبُو عَلِيٍّ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا مُحَمَّدٍ (ع) عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ الْعَمْرِيُّ وَ ابْنُهُ ثِقَتَانِ فَمَا أَدَّيَا إِلَيْكَ عَنِّي فَعَنِّي يُؤَدِّيَانِ وَ مَا قَالَا لَكَ فَعَنِّي يَقُولَانِ فَاسْمَعْ لَهُمَا وَ أَطِعْهُمَا فَإِنَّهُمَا الثِّقَتَانِ الْمَأْمُونَانِ فَهَذَا قَوْلُ إِمَامَيْنِ قَدْ مَضَيَا فِيكَ قَالَ فَخَرَّ أَبُو عَمْرٍو سَاجِداً وَ بَكَى ثُمَّ قَالَ سَلْ حَاجَتَكَ فَقُلْتُ لَهُ أَنْتَ رَأَيْتَ الْخَلَفَ مِنْ بَعْدِ أَبِي مُحَمَّدٍ (ع) فَقَالَ إِي وَ اللَّهِ وَ رَقَبَتُهُ مِثْلُ ذَا وَ أَوْمَأَ بِيَدِهِ … (الكليني، ١٤٠٧، ج١، ص ٣٢٩).

المقدمة الأولى: سند صحيحة الحميري يشتمل على أجلاء رواة الإمامية؛ ولهذا السبب، فهو قدر متيقن من عمل سيرة المتشرعة. وقد وصف النجاشي كل الرواة الثلاثة في هذه الرواية بعبارات عالية، وهي كالتالي: محمد بن عبد الله الحميري: «كان ثقة، وجها، كاتب صاحب الأمر (عج)، وسأله مسائل في أبواب الشريعة…» (النجاشي، ١٣٦٥، ص ٣٥٤). محمد بن يحيى: «شيخ أصحابنا في زمانه، ثقة، عين، كثير الحديث…» (نفس المصدر، ص ٣٥٣). عبد الله بن جعفر الحميري: «شيخ القميين ووجههم، قدم الكوفة سنة نيف وتسعين ومائتين، وسمع أهلها منه، فأكثروا…» (نفس المصدر، ص ٢١٩).

المقدمة الثانية: في حال كانت دلالة صحيحة الحميري على اعتبار مطلق خبر الثقة معتبرة، يمكن التمسك بها في محل النزاع؛ ولكن هناك إشكالات طرحها بعض الأعلام على دلالة الرواية، والتي يجب بحثها ودراستها لإثبات المدعى:

الإشكال الأول: صحيحة الحميري في مورد نصب النائب والوكيل

يعتقد بعض الأصوليين مثل المحقق السيستاني (السيستاني، ١٤٣٠، ج١، ص ٢٤٥) والمحقق الشاهرودي (الصدر، ١٤١٧، ج٤، ص ٣٩٤) أن الرواية مرتبطة بنصب النائب، ولا علاقة لها باعتبار خبر الثقة؛ وفي هذه الحالة، لا يمكن أن تكون الرواية المذكورة مستنداً لاعتبار رواية غير الشيعي. بشكل عام، ستُطرح القرائن التي ذكرها هذان المحققان تحت عنوانين، وهما:

تبيين المحقق السيستاني

كان عثمان بن سعيد ومحمد بن عثمان كلاهما منصوبين للوكالة من قبل الإمام (عليه السلام)، لذا فإن طاعتهما وسماع قولهما بعد النصب واجب على الجميع، وهذا الأمر لا يلازم قبول قول مطلق الثقة. الشاهد على هذا الادعاء هو تعبير الإمام (عليه السلام) بـ«ثقتي»، حيث نُسبت الثقة إلى الإمام (عليه السلام)، مما يدل على مكانة ومنصب خاص لدى الإمام (عليه السلام)؛ ومثل هذا التعبير ورد في بعض الروايات في رجال الكشي بعبارة «جعلته ثقتي» في مقام جعل منصب الوكالة من قبل الإمام (عليه السلام). (السيستاني، ١٤٣٠، ج١، ص ٢٤٥).

إشكال الأستاذ الشهيدي

يجيب الأستاذ الشهيدي على هذه القرينة قائلاً: «لو كان في الرواية قد ذكر فقط تعبير «ثقتي»، لكان من المحتمل أن تكون الرواية في محل النزاع مرتبطة أيضاً بنصب الوكالة؛ ولكن ظاهر تعلق الأمر بالقبول في الرواية والتعليل في ذيل الرواية بـ«الثقتان المأمونان» يدل على قبول رواية مطلق الثقة من الإمام (عليه السلام) ولا يختص بشخصين أو منصب خاص؛ بالإضافة إلى أن ذيل رواية الإمام (عليه السلام) الذي يقول فيه: «العمري وابنه ثقتان» شاهد آخر على المدعى، لأنه لا ينسب الثقة إلى نفسه.» (شهيدي پور، ١٣٨٥، ج٦، ص ٣٤١).

تبيين المحقق الشاهرودي

المراد من كلمة «ثقة» في بعض الاستعمالات هو مرتبة من المقامات تشمل الوكالة والنيابة، وليس مجرد دلالة على الوثاقة بالمعنى الأصولي أي وثاقة الخبر؛ ويمكن ذكر شواهد على هذا الادعاء من متن الرواية وهي كالتالي:

١. سياق المبالغة والاهتمام في فقرات محل الاستشهاد، مثل عبارة «العمري ثقتي فما أدى إليك عني فعني يؤدي وما لك عني فعني يقول فاسمع له وأطع فإنه الثقة المأمون» وعبارة مماثلة في الذيل، يدل على أن لهذين الراويين مقاماً شامخاً وعالياً، وليس مجرد وثاقة خبرية، خاصة وأن الحميري يهتم ببيان المقدمة ليسمع جواباً من العمري، وبعد بيان مقدمته، يخر العمري ساجداً باكياً من باب الشكر والشوق.

٢. بالنظر إلى أنه في ذلك الزمان، كان هناك فقهاء مطلعون على الأصول بين أصحاب الأئمة (عليهم السلام) مثل أحمد بن إسحاق، فمن المستبعد أن يعلن الإمام (عليه السلام) قول شخص بائع للزيت مثل العمري حجة شرعية؛ ولهذا السبب، فإن مراد الإمام (عليه السلام) هو الطاعة في الأوامر الشخصية والوظائف السياسية والاجتماعية التي لم يكن في ذلك الزمان إمكانية بيانها مباشرة، وكانت هناك حاجة إلى أفراد خاصين بخصائص معينة، بخلاف حجية الرواية التي يتواجد فيها أفراد ثقاة بكثرة في المجتمع الإسلامي. (الشهيد الصدر، ١٤١٧، ج٤، ص ٣٩٤).

إشكالات الأستاذ الشهيدي

لا يرى الأستاذ الشهيدي القرائن المذكورة في كلام المحقق الشاهرودي صحيحة، أولاً لأن فقه أحمد بن إسحاق ومعرفته بروايات أهل البيت (عليهم السلام) السابقين لا يتنافى مع حاجته إلى روايات الإمامين العسكريين (عليهما السلام)؛ بل هو بحاجة إلى سماع آراء الإمامين الحاضرين. لذا، بالنظر إلى أن العمري كان أقرب إلى الإمام (عليه السلام) من جهات مثل مكان السكن بالنسبة لأحمد بن إسحاق، فإن اعتبار قوله بالنسبة لأحمد بن إسحاق أمر عرفي وعقلائي. ثانياً، توثيق الإمام (عليه السلام) لشخص، خاصة بعبارة «ثقتي» و«ما أدى عني فعني يؤدي»، يختلف عن توثيق شخص عادي؛ وربما كان هذا هو سبب شوق وبكاء العمري وسجوده. (شهيدي پور، ١٣٨٥، ج٦، ص ٣٤٢).

نقد الكاتب لكلمات الأستاذ الشهيدي

يبدو أولاً أن احتمال جعل النيابة والوكالة في كلام الإمام (عليه السلام) عرفي تماماً، ولا توجد قرينة لدفعه؛ بالإضافة إلى أن تعليل الإمام (عليه السلام) وتفريعه على الصدر لا يتنافى مع هذا الادعاء. ثانياً، بالنظر إلى التشكيك في معنى الثقة وإضافته إلى المأمون، فإنه يمنع من التمسك بإطلاق الرواية المذكورة لإثبات حجية مطلق خبر الثقة.

الإشكال الثاني: عدم شمولية مفردة «ثقة» في الروايات بالنسبة لغير الشيعة

يعتقد آية الله الشبيري الزنجاني أن المراد من الثقة في الروايات هو الراوي الإمامي العادل؛ ولهذا السبب، فإن التمسك بالروايات لإثبات حجية خبر الثقة غير الإمامي غير صحيح لديه. (الشبيري الزنجاني، ١٤٣٥، ج١، ص ١٥٩).

جواب الأستاذ الشهيدي

يكتب سماحته في هذا الصدد: «الظاهر العرفي من كلمة «ثقة» في الروايات هو التحرز من الكذب، ولا توجد قرينة تدل على مطلوب آية الله الزنجاني.» (شهيدي پور، ١٣٨٥، ج٦، ص ٣٦٨). في تبيين كلام الأستاذ الشهيدي ومنشأ الظهور في كلامه يمكن الاستدلال بأن «ثقة» معنى ذو إضافة، والإطلاق في الثقة العرفية غير موجود، لذا بقرينة مناسبة الحكم والموضوع إذا استعملت في الروايات تكون بمعنى التحرز من الكذب.

الحاشية 1: يبدو أن هناك إشكالات أخرى تطرح حول إطلاق هذه الرواية بالنسبة لحجية خبر الثقة، والتي لن تُذكر هنا لعدم ارتباطها بمحل النزاع.

الحاشية 2: يمكن طرح مباحث تحت عنوان «ثقة» في كتب الرجال، وقد تناولها الأستاذ الشهيدي بالنقد، ولكنها خارجة عن محل النزاع.

الثمرة الثالثة: التفصيل بين سيرة المتشرعة وسيرة العقلاء في تخصيص الكتاب

يكتب الأستاذ الشهيدي في هذا الصدد: «إذا كان مستند حجية خبر الثقة هو سيرة المتشرعة، وهذه الحجية واسطة لإثبات حجية صحيحة الحميري، وفي طولها اعتبار مطلق خبر الثقة (كما هو المختار)، فلا مانع من تخصيص الكتاب بخبر الثقة. أما في غير هذه الصورة، فإن سيرة المتشرعة بالنسبة لتخصيص الكتاب بخبر الثقة غير محرزة؛ بخلاف التمسك بسيرة العقلاء في حجية خبر الثقة، حيث لا فرق في هذه الصورة بين الكتاب وغيره. يمكن طرح شواهد من كلمات الأعلام للشك في إطلاق سيرة المتشرعة بالنسبة لتخصيص الكتاب، ومنهم: السيد المرتضى (السيد المرتضى، ١٣٧٦، ج١، ص ٢٨٠)، والشيخ الطوسي (الشيخ الطوسي، ١٣٦٥، ج١، ص ٢٤٣)، والمحقق الحلي (المحقق الحلي، ١٤٢٣، ص ١٤١)، وغيرهم… الذين قالوا بعدم تخصيص الكتاب بخبر الواحد؛ وفي هذه الحالة، يكون إحراز سيرة المتشرعة محل تأمل.» (شهيدي پور، ١٣٨٥، ج٦، ص ٣٦٩). ويبدو أن رأي الأستاذ الشهيدي صحيح؛ لأنه أساساً بعد التشكيك في الإجماع على العمل بخبر الواحد، والاختلاف في تخصيص الكتاب بخبر الواحد بين الأعلام (أعم من القدماء والمعاصرين)، سيكون إحراز سيرة المتشرعة مشكلاً.

الحاشية 1: نعم، في حال عملت طائفة بمفاد خبر الواحد، فإنه لا يمنع تخصيص الكتاب.

الثمرة الرابعة: التفصيل بين سيرة المتشرعة وسيرة العقلاء في الأمور المهمة وغيرها

يكتب الأستاذ الشهيدي حول العمل بخبر الواحد الثقة في الأمور المهمة: «إحراز صغرى سيرة العقلاء وسيرة المتشرعة في العمل بخبر الثقة في الأمور المهمة غير محرز؛ نعم، في حال كان الاستدلال بصحيحة الحميري في إثبات حجية خبر الثقة مقبولاً، فإنه يمكن إثبات خبر الثقة في الأمور المهمة بواسطة سيرة العقلاء وسيرة المتشرعة.» (نفس المصدر، ص ٣٧٠). ويمكن الإشارة إلى المحقق الحلي (المحقق الحلي، ١٤١٢، ج٣، ص ٣٢٤) والمحقق الخوانساري (الخوانساري، ١٣٥٥، ج٧، ص ٣٥) من بين الأفراد الذين شككوا في العمل بخبر الواحد الثقة في الأمور المهمة.

ويعتبر سماحته في تتمة كلامه، في سياق قبول كون سيرة المتشرعة واسطة لإثبات حجية خبر الواحد في الأمور المهمة، أن قطعية صدور صحيحة الحميري دخيلة في الأمر، وفي غير هذه الصورة، يرى أن اعتبارها مشكل؛ لأن السيرة بالنسبة لحجية خبر العدل التي نتيجتها حجية خبر الثقة أو العدل في الأمور المهمة، غير محرزة؛ وفي حال عدم إحراز قطعية سند صحيحة الحميري، يثبت التفصيل بين سيرة العقلاء والمتشرعة في الأمور المهمة. ويُلاحظ في عبارته حول دخل قطعية السند في إثبات المدعى: «نعم لو فرض عدم قطعية سند الصحيحة فإثبات حجية خبر الثقة في الأمور المهمة بها بدعوى اعتبار سندها بسيرة المتشرعة لا يخلو عن إشكال، فإن حجية خبر الثقة أو العدل في الأمور المهمة مما لم يحرز قيام السيرة عليها.» (شهيدي پور، ١٣٨٥، ج٦، ص ٣٧١).

نقد على الثمرة الرابعة في كلمات الأستاذ الشهيدي

يبدو أن رأي الأستاذ الشهيدي في هذا الصدد غير صحيح؛ أولاً لأنه كما أن الوثوق شرط في حجية خبر الواحد بواسطة سيرة العقلاء، فإنه في حجية خبر الواحد بواسطة سيرة المتشرعة أيضاً الوثوق شرط، والوثوق بصدور صحيحة الحميري موجود، لذا فإن تفصيله واشتراط قطعية السند فقط بالنسبة لسيرة المتشرعة غير صحيح. ثانياً، كما مر، فإن دلالة صحيحة الحميري على حجية مطلق خبر الثقة غير ثابتة.

النتيجة

في كلمات الأستاذ الشهيدي في كتاب «أبحاث أصولية»، ذُكرت أربع ثمرات لمدركية سيرة العقلاء بالنسبة لسيرة المتشرعة في اعتبار خبر الثقة، وهي: التفصيل في حجية خبر الثقة في الموضوعات والأحكام؛ التفصيل في حجية خبر ثقة الشيعي وغير الشيعي؛ التفصيل في جواز وعدم جواز تخصيص عام كتابي بخبر الثقة؛ والتفصيل بين اعتبار خبر الثقة في الأمور المهمة وغيرها. يبدو أن التفصيل في حجية خبر الثقة في الموضوعات والأحكام، والتفصيل في جواز أو عدم جواز تخصيص عام كتابي بخبر الثقة صحيح، ولكن آراءه في ذيل الثمرتين الأخريين غير صحيحة، على الرغم من أن التفصيل بين خبر ثقة الشيعي وغير الشيعي صحيح، والتفصيل بين الأمور المهمة وغيرها غير صحيح.

المصادر

١. ابن الشهيد الثاني، حسن بن زين الدين (١٣٥٠ هـ.ش). معالم الدين وملاذ المجتهدين. الطبعة التاسعة، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.

٢. التبريزي، جواد (١٤٣١ هـ.ق). تنقيح مباني العروة (الصلاة). الطبعة الأولى، قم: دار الصديقة الشهيدة سلام الله عليها.

٣. الخوئي، سيد أبو القاسم (١٣٧٠ هـ.ش). موسوعة الإمام الخوئي. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي.

٤. الزنجاني، سيد موسى (١٤٣٥ هـ.ق). مباحث خارج أصول. الطبعة الأولى، قم: انتشارات مؤسسة الإمام الباقر (ع).

٥. السيستاني، سيد علي (١٤٣٠ هـ.ق). تعارض الأدلة واختلاف الحديث. بدون مكان، بدون ناشر.

٦. الشهيد الثاني، زين الدين بن علي (١٤٠٣ هـ.ق). مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام. الطبعة الثالثة، قم: مؤسسة المعارف الإسلامي.

٧. شهيدي پور، محمد تقي (١٣٨٥ هـ.ش). أبحاث أصولية. بدون مكان، بدون ناشر.

٨. الصدر، محمد باقر (١٤١٧ هـ.ق). بحوث في علم الأصول. الطبعة الثالثة، قم: مؤسسة دائرة المعارف الفقه الإسلامي.

٩. الصدر، محمد باقر (١٤٣٤ هـ.ق). موسوعة الشهيد سيد محمد باقر الصدر. الطبعة الأولى، قم: پژوهشگاه علمي تخصصي شهيد صدر، دار الصدر.

١٠. الطوسي، محمد بن الحسن (١٣٦٥ هـ.ش). العدة في أصول الفقه. الطبعة السادسة، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.

١١. علم الهدى، سيد مرتضى (١٣٧٦ هـ.ش). الذريعة إلى أصول الشريعة. الطبعة الأولى، طهران: انتشارات دانشگاه تهران.

١٢. الكشي، محمد بن عمر (١٣٦٣ هـ.ش). اختيار معرفة الرجال. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة آل البيت (ع).

١٣. الكليني، محمد بن يعقوب (١٤٠٧ هـ.ق). الكافي. الطبعة الرابعة، طهران: دار الكتب الإسلامية.

١٤. المحقق الحلي، جعفر بن حسن (١٤١٢ هـ.ق). النهاية ونكتها. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.

١٥. المحقق الحلي، جعفر بن حسن (١٤٢٣ هـ.ق). معارج الأصول. الطبعة الأولى، لندن: مؤسسة الإمام علي (ع).

١٦. الموسوي الخوانساري، أحمد (١٣٥٥ هـ.ش). جامع المدارك في شرح المختصر النافع. الطبعة الأولى، طهران: مكتبة الصدوق.

١٧. النجاشي، أحمد بن علي (١٣٦٥ هـ.ش). رجال النجاشي. الطبعة السادسة، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.

Scroll to Top