دراسة نسبة قاعدة قبح العقاب بلا بيان إلى قاعدة دفع الضرر المحتمل مع التركيز على آراء بعض المعاصرين

الملخص

إن التمسك بالأصل العملي والشك في أصل التكليف في الشبهات التحريمية يحدد الموقف العملي للمكلف في الشبهات البدوية. وفي تحديد نوع الأصل العملي في هذا القسم من الشبهات، يظهر خلاف جوهري بين الأخباريين والأصوليين. لقد تبنى مشهور الأصوليين، ومنهم الشيخ الأنصاري والمحقق النائيني والمحقق الخوئي والإمام الخميني، البراءة العقلية كقاعدة أولية. على سبيل المثال، استدل الإمام على رأيه بالاستناد إلى قاعدة «قبح العقاب بلا بيان». ومن وجهة نظر هذه المدرسة الفكرية، فإن العقاب على ترك التحرك حيث لا يوجد ما يوجب التحرك قبيح. ولهذا، فإن إناطة التحرك بوصول التكليف هي من بين الأدلة التي استُدل بها لإثبات البراءة العقلية المستندة إلى قاعدة «قبح العقاب بلا بيان». في المقابل، يرى آخرون، ضمن عدم قبولهم لهذا الرأي، ومع طرح نظرية حق الطاعة، أن وظيفة المكلف في هذا القسم من الشبهات هي الاحتياط العقلي. في هذا البحث، وبمنهج وصفي تحليلي، تم السعي أولاً لتقديم تبيين دقيق لكلا الرأيين، ثم بعد ذلك، مع بيان أدلة ومباني الطرفين، تم نقدهما ومناقشتهما، وفي النهاية اختار كاتبو هذه المقالة رأي المشهور.1

١. مقدمة

في حالة وجود شك في وجود التكليف، حتى بعد الرجوع إلى الأدلة، وعدم وجود دليل على ذلك التكليف، يتشكل بصفة عامة موقفان أساسيان بين العلماء. في هذا السياق، ذهب مشهور الأصوليين، استناداً إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان، إلى القول بالبراءة العقلية في فرض الشك في وجود التكليف. من ناحية أخرى، اختار الأخباريون، بالتمسك بالقاعدة العقلية «وجوب دفع الضرر المحتمل» وروايات مختلفة، أصل الاحتياط في هذا الفرض نفسه. بينما ذهب الشهيد الصدر وآخرون، في مثل هذه الحالات، إلى القول بالاحتياط العقلي فقط استناداً إلى قاعدة «دفع الضرر المحتمل» بناءً على نظرية «حق الطاعة»، على الرغم من أنهم، مثل جميع الأصوليين، يقبلون في النهاية بجريان البراءة النقلية في هذا الفرض. ومن ثم، فإن بحث البراءة النقلية خارج عن موضوع هذا المقال. وعليه، فإن النقطة الأساسية في البحث هي: في فرض الشك في وجود التكليف، ما هي القاعدة الأولية؟ هل نظرية المشهور، التي تقول بجريان البراءة العقلية في هذه المسألة، تتمتع بالاستحكام والدعامة الكافية، أم أنه يجب، مثل الشهيد الصدر، القول بوجوب دفع الضرر المحتمل المبني على نظرية «حق الطاعة»؟ نظراً للدور الهام الذي يلعبه تناول هذا الموضوع في حل أحد أهم التحديات بين الأخباريين والأصوليين، والتأثيرات المتباينة تماماً لهاتين النظريتين في استنباط الأحكام، فإن كتابة مقال في هذا الموضوع تصبح ضرورية، خاصة وأن البحث في هذا الموضوع يظهر بشكل متفرق في الكتب والمقالات. لذلك، في هذا المقال، وبعد دراسة ألفاظ ومفردات القاعدتين المذكورتين، تُعرض أولاً أدلة المشهور ورأيهم، ثم من خلال دراسة النسبة بين هاتين القاعدتين وبيان القاعدة الأولية، يتم بحث هذه المباني ومناقشة الإشكالات المطروحة حول هذه النظريات.

٢. الكليات والمفاهيم

٢-١. قاعدة «قبح العقاب بلا بيان»

٢-١-١. دراسة مفردات القاعدة

أ) القاعدة

كلمة «القاعدة» في اللغة تعني «أصل وأساس الشيء». على سبيل المثال، من وجهة نظر الجوهري، يُستخدم هذا المصطلح في تعابير مثل «قواعد البيت» و«قواعد الهودج» بمعنى أساس البيت والأعمدة الأربعة التي توضع تحته (الجوهري، ١٣٧٦: ٢/ ٥٢٥). في الاصطلاح، هي عبارة عن قضية كلية تنطبق على جميع جزئياتها (عبدالرحمان، بي‌تا: ٦١). من الخصائص البارزة للقاعدة هي كليتها، بحيث لو خرجت بعض الموارد من تحتها، فإنما يزول عنها وصف الكلية فقط، لا عنوان القاعدة. (فاضل لنكراني، ١٣٨٣: ١٠)

ب) العقاب

العقاب مشتق من مادة «عقب»، والتي تعني في اللغة تالي الشيء وآخره. مثلاً، «عَقِب» تعني كعب القدم، و«عاقبة» تعني نتيجة الأمر. (راغب، ١٤١٢: ٥٧٥) إن آثار ونتائج الأعمال تلحق بالإنسان. فإذا كان العمل مطلوباً، ترتبت عليه آثار ونتائج محمودة، وهو ما يُعبّر عنه بـ«الثواب»، وإذا كان العمل غير مطلوب، تبعته عواقب سيئة كعقوبة، وهو ما يُصطلح عليه بـ«العقاب». في القرآن الكريم، استُخدمت كلمة «عقاب» في كثير من المواضع بمعنى العقوبة الأخروية، وفي حالات نادرة فقط استُعملت بمعنى العقوبة الدنيوية. على سبيل المثال، مادة «عقب» في الآية الشريفة «وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ» (البقرة: ١٩٦) استُخدمت بمعنى العقوبة الأخروية. ولكن في الآية الشريفة «وَ مَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ» (الحج: ٦٠)، استُخدمت مادة «عقب» في سياق العقوبة الدنيوية. في النظرة الأولية، يمكن تصور ثلاثة احتمالات لمعنى العقاب في هذه القاعدة: ١. المراد بـ«العقاب» العقوبة الدنيوية، أي كل عقوبة تلحق بالإنسان في هذه الدنيا لمخالفته القوانين والأنظمة. ٢. المراد بـ«العقاب» العقوبة الأخروية. ٣. المراد بـ«العقاب» ما هو أعم من العقوبة الدنيوية والأخروية. من وجهة نظر الكاتبين، الاحتمال الثالث هو الصحيح في مفاد القاعدة؛ لأن هذه القاعدة تفيد حكماً عقلياً، وبموجب مفادها، يستقبح العقل معاقبة (دنيوياً وأخروياً) من لم يصله بيان من المولى. أما في بحث إثبات البراءة العقلية، فالمقصود هو نفي العقاب الأخروي، وعدم وجوب الاحتياط بالنسبة للأضرار الدنيوية من المسلمات. (الشيخ الأنصاري، ١٤٢٨: ١/ ٣٣٥؛ ٢/ ٩١) ومن ثم، تخرج الأضرار الدنيوية من محل النزاع.

ج) البيان

إن البحث في المصادر الفقهية والأصولية حول هذه القاعدة يكشف عما يلي: ١. عنوان «البيان» أعم من البيان اللفظي، الشرعي، العقلي، أو الإجماعي. كما يشمل نطاقاً واسعاً من أنواع الأدلة القطعية والظنية المعتبرة وأقسام الأصول العملية. ولهذا، عُمّم عنوان «الرسول» في الآية «وَ مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا» (الإسراء: ١٥) ليشمل الرسول الظاهري والباطني. (الشيخ الطوسي، بي‌تا: ٦/ ٢٨٥) وحيث إن البحث الحالي يتعلق بالبراءة العقلية، فلا بد من معرفة أن موارد مثل «مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ» هي من الأحكام الإرشادية التي ترشد المكلف إلى حكم العقل. وعليه، فإن هذا النوع من الأدلة القرآنية والروائية يُعد تأكيداً لحكم العقل بقبح العقاب. ٢. المراد بـ«البيان» في هذه القاعدة ليس بيان العلم، بل هو حجة تصحح المؤاخذة على الحكم. قد يكون لأمر ما حجية وإن لم يكن مفيداً للظن، فضلاً عن أن يكون موجباً للعلم والقطع. وعليه، إذا قامت البينة على مطلب، فبمقتضى حجيتها الشرعية، يجب التصرف وفقاً لها وإن لم تفد تلك البينة الظن. (روحاني، ١٤١٣: ٤/ ٢٧٢). ٣. المراد بالبيان هو البيان الواصل، بمعنى أنه حتى لو جُعل حكم ولم يصل إلى المكلف، فإن العقاب قبيح. (الخوئي، ١٤٢٢: ٢/ ٢٤٨؛ روحاني، ١٤١٣: ٦/ ١٠٤؛ الإمام الخميني، ١٤٢٣: ٣/ ٨٦، ١٤٢٣: ٣/ ٢٧٩ و٢٨٠؛ الحكيم، ١٤١٨: ٥٠٦) والآية الشريفة «وَ مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا» (الإسراء: ١٥) شاهدة أيضاً على هذا الادعاء؛ إذ في فرض كفاية مجرد الجعل والتشريع في تنجز التكليف، لا يلزم بعث الرسول. وذلك لأن شأن النبي هو إبلاغ وبيان الأحكام، وهو نفس الوصول إلى المكلفين. كما تدل بعض الروايات على هذا المطلب. (راجع: الكليني، بي‌تا: ٧/ ٢٢٨)

٢-١-٢. دراسة مفاد القاعدة

معنى قاعدة قبح العقاب بلا بيان هو أن معاقبة من لم يكن على علم بتكليف ولم يصله بيان بشأنه هو أمر قبيح ومستهجن؛ فكلما لم يرد إلزام من الشارع في مورد ما، ترفع قاعدة قبح العقاب بلا بيان ذلك الإلزام، وبالتالي يرتفع العقاب المترتب عليه أيضاً، وذلك لأن العقاب في هذا الفرض قبيح.

٢-١-٢-١. تقريبات القاعدة

إن البحث في المصادر الفقهية والأصولية يُظهر وجود تقريبات مختلفة لإثبات هذه القاعدة في كلام الأصوليين. لذا، قبل تبيين رأي المشهور، سيتم شرح بعض التقريبات المهمة حول هذه القاعدة.

تقريب أول

لقد بيّن الشيخ الأنصاري والآخوند الخراساني هذا التحليل، والذي عُبّر عنه بـ«ارتكاز العقلاء» أو «وجدان العقلاء». من وجهة نظر هذين المفكرين، في العرف، إذا لم يقم عبد بعمل ما، وقال له مولاه: لمَ لم تفعل هذا؟ يمكن للعبد أن يجيب: لم أعلم بهذا الأمر. وإذا قال المولى: لمَ لم تحتاط؟ يمكن للعبد أن يجيب: لم أعلم بوجوب الاحتياط أيضاً. في هذا الفرض، لا يستطيع المولى أن يؤاخذه. وعليه، من منظور العرف، يُعد عدم العلم بحكم المولى العرفي عذراً مقبولاً للعبد عند مولاه، ولا يحق للمولى معاقبته. تطبيق هذا الملاك على المولى الحقيقي يكون على النحو التالي: إذا قال المولى يوم القيامة للمكلف: لمَ لم تفعل؟ يمكن للمكلف أن يقول: كنت جاهلاً به. وإذا قال الله: لمَ لم تحتاط؟ يمكن للمكلف أن يدافع عن نفسه قائلاً: لم أعلم بوجوب الاحتياط! في هذه المرحلة، لا يُطرح بحث استحقاق العقاب، وفي الحقيقة يُشار إليه بـ«قبح العقاب بلا بيان». ومن ثم، فإن مرجع هذا الدليل هو إلى «وجدان العقلاء وارتكاز العقلاء». (الشيخ الأنصاري، ١٤٢٨: ٢/ ٥٦؛ الصدر، ١٤٠٨: ٣/ ٧٢؛ الآخوند الخراساني، ١٤٠٩: ٣٣٣)

تقريب دوم

من وجهة نظر المحقق النائيني، إذا فات التكليف في فرض وجوده من قبل المولى بسبب عدم وصوله إلى العبد، فإن هذا الفوت ليس مستنداً إلى المكلف، بل إما أن يكون مستنداً إلى المولى بهذا التقريب، أي أنه كان يجب على المولى أن يبين بطريقة تصله، أو يكون مستنداً إلى أسباب خارجية كالعدو الذي منع وصول التكاليف إلى العبد. ولكن على أي حال، لقد فات هذا التكليف، وإذا عاقب المولى العبد على تركه، فإن العقل يستقبح العقاب. وعليه، فإن مسألة عدم وصول بيان المولى إلى المكلف تشبه فرضاً لا يكون فيه للمولى بيان أصلاً، ولا يزال العقل يستقبحه، مع فارق أن ملاك عدم العقاب في هذا الفرض مختلف. ففي المورد الذي لا يكون فيه للمولى بيان أصلاً، لا تكون للمولى إرادة، وبالتالي لا يوجد مراد، وفي النهاية لا يوجد مطلوب أيضاً، فتفويت المطلوب لا معنى له؛ أما في محل البحث، فللمولى إرادة ومراد ومطلوب، أي أن للمولى بياناً وهذا البيان لم يصل إلى المكلف، ولكن هذا التفويت ليس مستنداً إلى المكلف، إذن عقاب المكلف سيكون قبيحاً. (النائيني، ١٣٧٦: ٣٦٥)

تقريب ثالث

الأحكام الواقعية، ما لم تصل إلى المكلف، لا محركية لها؛ لأن البعث والانبعاث يتوقفان على العلم بالتكليف. أي كلما أحرز المكلف توجه التكليف الواقعي نحوه، تنجز ذلك التكليف في حقه وأوجد له محركية. على سبيل المثال، الوجود الواقعي لحيوان مفترس لا يوجب اجتناب المكلف منه، بل العلم بوجوده هو ما يوجب الاجتناب. (الآخوند الخراساني، ١٤٠٩: ٣٦٣) وفي دائرة التشريع كذلك الأمر. لقد أورد البعض إشكالاً بأن البحث ليس في عدم محركية الوجود الواقعي للتكليف حتى وصوله إلى المكلف، بل البحث في محركية احتمال التكليف للمكلف. المحقق النائيني لا يرى أن احتمال التكليف محرك للعبد؛ لأنه في التكليف المحتمل، يتساوى احتمال الجعل وعدم الجعل من قبل المولى، ووجود احتمال عدم الجعل يوجب عدم المحركية لمثل هذا التكليف. وعليه، فإن التكليف المحتمل في حد نفسه لا محركية له، وبالتالي لا موضوع لاستحقاق العقاب على مخالفة التكليف المحتمل. مع الانتباه إلى هذا المطلب، فإن المقصود بـ«بلا بيان» هو «بلا بيان واصل». وعليه، فإن ثبوت استحقاق العقاب على «التكليفات غير المبينة» و«التكليفات المبينة غير الواصلة» بسبب عدم المحركية، قبيح. وهذان الفرضان (التكليفات غير المبينة أو المبينة غير الواصلة) ثابتان أيضاً في مورد الموالي العرفية. (النائيني، ١٣٥٢: ٢/ ٢٢٨، ٣٠١ و٣٠٤) حاصل البحث أن مشهور الأصوليين يقبلون قاعدة «قبح العقاب بلا بيان» كقاعدة أصولية مسلم بها. (الحائري اليزدي، ١٤١٨، ص ٢٢٧) لدرجة أنه بتعبير بعض المفكرين الأصوليين، فإن الشخص الذي لديه أدنى اطلاع على المسائل الأصولية لا ينكر هذه القاعدة. (العراقي، ١٤١٧: ١٩٩)

٢-٢. قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل

٢-٢-١. دراسة مفردات القاعدة

أ) الوجوب

«الوجوب» في مفاد هذه القاعدة بمعنى اللزوم العقلي. (الجزائري، ج ٤، ص ٢٠٦)

ب) الدفع

«الدفع» في الاصطلاح يعني منع إيجاد شيء غير موجود ولكن له أرضية للوجود، ومن ثم فهو مرادف لـ«الوقاية». وقد استُعمل هذا المصطلح في القرآن الكريم أيضاً بهذا المعنى. (الحج: ٣٨) كما أن استخدام المعنى الاصطلاحي لـ«الدفع» في علم الفقه والأصول هو بنفس معناه اللغوي. بناءً على هذه التوضيحات، فإن «الدفع» في هذه القاعدة يعني الوقاية من تحقق ضرر يقتضيه.

ج) الضرر

ذُكرت لكلمة «الضرر» في اللغة معانٍ مختلفة: خلاف النفع (الجوهري، ١٣٧٦، ج٢، ص٧١٩)، وسوء الحال (الفيروزآبادي، ١٤١٥، ج٢، ص١٤٧)، والنقص في الحق (ابن الأثير، ١٣٦٧: ٣/ ٨١؛ الطريحي، ١٣٧٥: ٣/ ٣٧٤)، والعمل المكروه بالنسبة للشخص أو النقص في الأعيان (الفيومي، ١٤١٤: ٢/ ٣٦٠). في بعض المصادر، فُسّر «الضرر» بسوء الحال، سواء كان نفسياً أم جسدياً، بسبب فقدان عضو من الأعضاء أو قلة المال والجاه. (راغب، ١٤١٢: ٥٠٣) يُستفاد من مجموع كلمات اللغويين أن «الضرر» يعني النقص في المال أو النفس (الجسم)، وأن اختلاف آرائهم يرجع إلى الاستعمالات المختلفة لكلمة «الضرر»، وهو أمر طبيعي. لكن استعمالها بمعنى الخسارة المعنوية ليس شائعاً. من الناحية الاصطلاحية، يرى بعض العلماء، نظراً لاختلاف متعلق هذا المصطلح، معانٍ مختلفة له. على سبيل المثال، إذا استُعمل للنفس، فإنه يعني النقص في العلم والفضل (الحكمة)، وإذا استُعمل للبدن، فإنه يعني وجود نقص أو جرح فيه، وإذا استُعمل للمال، فإنه يعني نقص المال. وبشكل عام، «الضرر» يعني فقدان مواهب الحياة مثل النفس والمال والجاه وغيرها. (مكارم، ١٤٢٨: ٣/ ٢٣٥) بناءً على هذه المطالب، يمكن تصور ثلاثة احتمالات في المقصود من «الضرر» في هذه القاعدة: أ) الضرر الدنيوي كنقص في أعضاء البدن أو الأموال أو النفس مثل الجاه. ب) الضرر الأخروي كالعذاب (في موارد الشبهة التحريمية مثل شرب التبغ). ج) الأضرار التي تنشأ بسبب وجود مصالح ومفاسد في مباني الأحكام الشرعية. مثل القرب والبعد من الله وأمثاله، والتي لا تعود إلى ضرر دنيوي أو عذاب أخروي. في هذه الحالة، يجعل الشارع بعض الأحكام الشرعية تحت عناوين مثل امتحان العباد. من وجهة نظر أكثر الفقهاء، الاحتمال الثاني هو المقصود في هذه القاعدة. وتوضيح ذلك أن العقل يوجب دفع احتمال الضرر الأخروي؛ أما بالنسبة للضرر الدنيوي، فربما لا يكون للعقل مثل هذا الحكم. (فاضل لنكراني، ١٣٧٧، ج١١، صص ٣٤٧-٣٤٢)

د) المحتمل

في اللغة يعني الشيء الذي وقوعه ليس قطعياً، وفي الاصطلاح أيضاً بنفس المعنى. للوقوع الخارجي للأشياء أربعة فروض، ما عدا الفرض الأول الذي هو مصداق قاعدة وجوب دفع الضرر القطعي، فإن بقية الفروض تندرج تحت مجموعة المحتملات: أ) القطعي في الاصطلاح يعني الوقوع الحتمي. ب) الظني يُستخدم في مورد لا يكون وقوعه قطعياً. ج) المشكوك في موضع يتساوى فيه إمكان الوقوع مع عدمه. د) الموهوم، هذا الفرض هو نقيض موارد الوقوع الظني، بمعنى أن احتمال وقوعه أقل بكثير من احتمال عدم وقوعه. ومن ثم، بمقتضى العقل العملي، لا يُعنى عادةً بالأشياء التي يكون إمكان وقوعها وهمياً.

٢-٢-٢. دراسة مفاد القاعدة

بمقتضى مفاد هذه القاعدة، يلزم العقل الإنسان بالابتعاد عن أي موضع يُحتمل فيه وجود ضرر. لذا، يجب الابتعاد حتى عن الأضرار المتصفة باحتمال الوقوع الخارجي الضعيف. فإذا أقدم الإنسان في هذه الحالة على فعل رغم احتمال الضرر، وتوجه إليه ضرر، استحق الملامة واللوم.

٣. تبيين أساليب حل التعارض بين القاعدتين

بالنظر إلى الدراسات التي أُجريت على كلمات الفقهاء، نجد أن مجموعة من الفقهاء تقبل أصل قاعدة قبح العقاب، ولكنها تعتبر موردها غير مورد قاعدة «وجوب دفع الضرر»، ومن ثم، وبناءً على هذه النقطة، حلوا التعارض الموجود بين هاتين القاعدتين. في المقابل، لم يقبل البعض أصلاً قاعدة «قبح العقاب»، وبالتالي لم يبقَ تعارض مع قاعدة وجوب دفع الضرر. في ما يلي، سيتم تناول هذه الآراء بالتفصيل.

٣-١. الرأي الأول: ترجيح قاعدة قبح العقاب في التعارض مع دفع الضرر

لقد قبل مشهور الأصوليين قاعدة «قبح العقاب بلا بيان» واستندوا إليها، وفي الموارد التي يوجد فيها شبهة تعارض بين هاتين القاعدتين، يزول التعارض البدوي بينهما بأدنى تأمل؛ لأن جريان قاعدة قبح العقاب يرفع موضوع وجوب دفع الضرر. (النراقي، ١٤٢٢: ٤٥؛ الشيخ الأنصاري، ١٤٢٨: ٢/ ٥٦؛ الآخوند الخراساني، ١٤٠٩: ٣٤٣؛ الحائري اليزدي، ١٤١٨: ٤٢٧؛ النائيني، ١٣٧٦: ٣/ ٣٦٥؛ آقا ضياء العراقي، ١٤١٧: ٣/ ١٩٩؛ همو، ١٤١١: ٤/ ٨٩؛ الأصفهاني، ١٤٢٩: ٤/ ١٨٣؛ البروجردي، ١٤١٥: ٥٦٦)

إن شأن قاعدة قبح العقاب هو شأن الأصل؛ أي في ظرف فقدان المنجز للتكليف، يحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان؛ فحتى مع وجود دليل شرعي منجز – كالدليل الدال على وجوب الاحتياط في ظرف الشك أو الأمارة المثبتة للتكليف – يرتفع موضوع البراءة العقلية من باب الورود. (الشيخ الأنصاري، ١٤٢٨: ٢/ ٥٩)

توضيح ذلك أنه من وجهة نظر الشيخ الأنصاري، لا يمنع وجوب دفع الضرر المحتمل من جريان قبح العقاب بلا بيان؛ لأنه إذا كان المراد من الضرر المحتمل في القاعدة هو العقاب الأخروي، فإن دليل قبح العقاب بلا بيان وارد على دليل وجوب دفع الضرر المحتمل، وبالتمسك بدليل قبح العقاب بلا بيان، ينتفي احتمال العقاب بالجملة، لأنه بعد جريان قبح العقاب بلا بيان لا يبقى موضوع لاحتمال الضرر. (نفسه: ٥٧) وكذلك، عندما يكون المكلف غافلاً عن بيان الشارع بترك عمل ما، فلن يتوجه إليه عقاب، وبالتالي يزول احتمال العقاب في ترك العمل المشكوك فيه (نفسه: ٣٣١).

موضوع دفع الضرر المحتمل هو احتمال الضرر. وفقاً لقاعدة «ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له»، يجب في المرحلة الأولى أن يثبت موضوع احتمال الضرر لزوماً حتى يتحقق حكمه. هذا بينما مع وجود قبح العقاب بلا بيان، لا يكون موضوع احتمال الضرر ثابتاً هنا. إذن، مع وجود الأمان من العقاب، يكون دفع الضرر المحتمل هنا بلا مورد ولا موضوع له.

يدعي المحقق الآشتياني أن صلاحية قاعدة «دفع الضرر» لكونها بياناً للتكليف المحتمل هي محل النزاع. بالطبع، يصرح بأنه إذا ثبتت بيانية قاعدة الدفع، فإنها ستكون واردة على قاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ لأن البيان المصحح للعقاب المأخوذ في موضوع البراءة أعم من البيان الواقعي والظاهري والبيان الشرعي والعقلي. إذن، هو ينكر أصل البيانية فقط. (الآشتياني، ١٤٢٩: ٤/ ٣١٧-٣١١؛ لاريجاني، ١٣٩٩: ١٤).

من جهة أخرى، يعتقد الشيخ الأنصاري أنه لا يمكن قبول وجوب دفع الضرر المحتمل كحكم عقلي بهذا البيان، وهو أن وجوب دفع الضرر المحتمل ليس حكماً عقلياً بل أمراً فطرياً، وحتى الحيوانات تدرك ذلك. ومن ثم، فهو ليس حكماً عقلياً ليكون وارداً ومقدماً على قبح العقاب بلا بيان، وكونه فطرياً هو أمر قهري وتكويني ولا يعد حكماً منسوباً إلى الشارع. (الشيخ الأنصاري، ١٤٢٨: ٢/ ٥٦)

على فرض قبول جريان قاعدة دفع الضرر في الشبهات البدوية، فإن الحكم المستفاد من هذه القاعدة حتى بالنسبة للضرر المقطوع به سيكون إرشادياً. وعليه، فإن المطلب الوحيد المترتب على هذا الحكم هو الإشارة إلى المرشد إليه. (نفسه: ٢٢٩) وحتى في حال قبول مولوية هذا الحكم، فإن الاستدلال بهذه القاعدة لا يزال غير مقبول. لأنه إذا كان المراد من الضرر هو العقاب الأخروي، فإن الأمان من العقاب منوط بعدم وصول بيان من جانب الشارع الحكيم. ومن جهة أخرى، بالاستعانة بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، لا يوجد أصلاً احتمال ضرر يترتب عليه عقاب. وإذا كان المراد دفع الضرر الدنيوي، فمن وجهة نظر العقل، حتى في موارد الضرر القطعي، لا يلزم دفعه، فما بالك بدفع الضرر المحتمل! (نفسه: ٢/ ٩١، ١٢٢-١٢٣)

حتى الآن، يمكن الوصول إلى هذه النتيجة: قاعدة دفع الضرر المحتمل، على فرض ثبوتها، هي حكم عقلي إرشادي، أما قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فليست إرشادية بل مولوية؛ لذا، يُقدم الحكم المولوي على الحكم الإرشادي. وعليه، فإن مورد قاعدة دفع الضرر المحتمل هو الشك في المكلف به أو الشبهة المحصورة أو الشبهة الحكمية البدوية قبل الفحص وغيرها. هذا بينما محل البحث هو الشك في أصل التكليف والشبهة البدوية بعد الفحص. وبالتالي، فإن إجراء قاعدة قبح العقاب بلا بيان في محل البحث لن يؤدي إلى لغوية قاعدة دفع الضرر المحتمل. (نفسه: ٥٧ و٤١١)

٣-٢. الرأي الثاني: عدم وجود معارض لقاعدة قبح العقاب

٣-٢-١. تقريب المحقق الخوئي

يجري المحقق الخوئي في النهاية قاعدة قبح العقاب بلا بيان، مثل المشهور، مع فارق أنه من وجهة نظره لا يوجد تعارض بين قاعدة قبح العقاب بلا بيان ودفع الضرر المحتمل، وفي الواقع، بسبب كون كلتا القاعدتين عقليتين، لا ينبغي أن يقع بينهما تعارض؛ لأن ذلك يستلزم التناقض. وذلك بهذا البيان: في مورد واحد، لا يجتمع مفاد قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وهو القطع بعدم العقاب، مع احتمال العقاب في دفع الضرر المحتمل. من وجهة نظره، من حيث الثبوت في معنى «الضرر المحتمل» الذي يجب دفعه بحكم العقل، توجد ثلاثة احتمالات:

أ) الضرر الأخروي (العقاب)

في هذا الفرض، يمكن تصور أربعة احتمالات: ١. دفع العقاب بفعل واجب غيري. ٢. دفع العقاب بفعل واجب نفسي. ٣. دفع العقاب بفعل واجب طريقي. ٤. إرشاد عقلي إلى أمر للنجاة من الضرر المحتمل. (الخوئي، ١٣٥٢: ١/ ٢٨٤-٢٨٨)

نقد ودراسة

يجب ملاحظة أن الوجوب المذكور في القاعدة لا يمكن إدراجه تحت عناوين مثل الواجب النفسي أو الواجب الغيري أو الواجب الطريقي؛ لأن هذه التقسيمات في محل النزاع، وهو بحث عقلي، لا محل لها. إذ إن المعنى الاصطلاحي للوجوب في هذه القاعدة العقلية يعود إلى هذه المسألة، وهي أن العقل يستقبح ارتكاب فعل مقترن باحتمال الضرر من حيث إنه ظلم. وعليه، عندما يحكم العقل بقبح الظلم، فإن مثل هذا الوجوب لا يمكن أن يقع تحت تقسيمات الأصوليين. (الخميني، مصطفى، ١٤١٨: ٧/ ١٤٥) في ما يلي، من الضروري دراسة كل من هذه الاحتمالات الأربعة على حدة.

١) دفع العقاب بفعل واجب مقدمي

هذا الاحتمال غير صحيح في محل البحث؛ لأن إثبات وجوب ذي المقدمة غير محرز حتى يترشح وجوبه إلى المقدمة. (الخوئي، ١٣٥٢: ١/ ٢٨٨-٢٨٤)

٢) دفع العقاب بفعل واجب نفسي

هذا الاحتمال غير صحيح؛ لأنه في محل البحث، يمكن تصور حالتين لوجوب نفسي، وكلاهما لا ينطبق على محل البحث. الاحتمال الأول هو أن يكون مثل هذا العمل من الواجبات المقررة من قبل الشارع، وفي هذه الحالة، لا يُحرز دفع العقاب بإتيان هذا العمل. والاحتمال الثاني هو أن يكون المكلف قد تصور هذا الوجوب من عند نفسه، وهذا يحتاج إلى دليل. كما أن هناك إشكالاً آخر وهو أن كون مثل هذا العمل واجباً نفسياً يستلزم تعدد العقاب، وهو ما ليس بمحرز في محل البحث. (نفسه)

٣) دفع العقاب بفعل واجب طريقي

الواجب الطريقي هو واجب ينجز الأحكام الواقعية، مثل حصول العلم الإجمالي بخمرية أحد الإناءين، مما يؤدي إلى لزوم الاحتياط للمكلف. وبما أن موارد الواجب الطريقي هي العلم الإجمالي والشبهات قبل الفحص وأي دليل ينجز احتمال التكليف الواقعي، فإن جريان الواجب الطريقي لا يدفع العقاب فحسب، بل هو نفسه يوجب التكليف ويثبت العقاب. (نفسه)

٤) دفع العقاب بفعل واجب إرشادي

بمعنى أن العقل يرشد الإنسان إلى تحصيل الأمان من العقاب بمخالفة التكليف الواقعي. من بين هذه الاحتمالات، هذا الاحتمال هو المتعين. (نفسه)

ب) الضرر الدنيوي

هذا الاحتمال غير صحيح، سواء من الناحية الصغروية أو الكبروية، فهو محل إشكال. من الناحية الصغروية، لأنه لا يوجد تلازم بين ارتكاب الضرر الدنيوي وارتكاب الحرام، بل قد تكون فيه منفعة دنيوية أيضاً. ومن الناحية الكبروية، لأن العقل لا يحكم بدفع الضرر الدنيوي بشكل مستقل، بل يوجد يقين بخلاف ذلك، والعقلاء يخاطرون ويقدمون على الضرر القطعي لاحتمال وجود منفعة.

ج) المفسدة

هذا الاحتمال في محل البحث – بناءً على تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد – وإن كان متحققا من الناحية الصغروية في خصوص محتمل الحرمة – لوجود تلازم بين احتمال الحرمة في شيء واحتمال المفسدة فيه – ولكنه يواجه مشكلة في الكبرى؛ لأن العقل لا يحكم بشكل مستقل بوجوب دفع المفسدة. في النهاية، بعد دراسة الاحتمالات المذكورة، يقدم سماحته طريقة لحل التعارض بين هاتين القاعدتين. من وجهة نظره، مجرى قاعدة «قبح العقاب بلا بيان» هو حيث لم يتنجز التكليف ولم يصل بيان من المولى – أي موارد الشبهات الحكمية بعد الفحص واليأس من الحجة على التكليف – أما قاعدة «دفع الضرر المحتمل» فهي في الموارد التي يُحتمل فيها التكليف بإحدى طرق العلم الإجمالي أو الاستصحاب أو موارد الشبهات الحكمية قبل الفحص أو بطريقة أخرى منجز بها. وعليه، فإن مورد هاتين القاعدتين، بسبب اختلاف المجرى، ليسا في تعارض. (نفسه)

٣-٢-٢. تقريب الإمام الخميني

الإمام أيضاً، كمحقق الخوئي، لا يرى تعارضاً بين هاتين القاعدتين، لكن بيانه البرهاني يختلف عن بيان المحقق الخوئي. من وجهة نظره، يتكون مفاد هاتين القاعدتين من كبريين كليتين لا يمكن رفع موضوعهما أساساً، وفي حال تحقق صغراهما، تجريان. توضيح المطلب هو أنه يمكن طرح هاتين القاعدتين في قالب قياسين:

القياس الأول

الصغرى: في ارتكاب محتمل الحرمة ضرر (عقاب) موجود. الكبرى: دفع الضرر المحتمل واجب. النتيجة: احتراز محتمل الحرمة واجب.

القياس الثاني

الصغرى: العقاب على محتمل التكليف بعد الفحص وعدم الاطلاع على التكليف، هو عقاب بلا بيان. الكبرى: العقاب بلا بيان قبيح. النتيجة: العقاب على محتمل التكليف قبيح.

تحليل القياسين

القياس الثاني يتكون من صغرى وجدانية وكبرى برهانية. لذا، نتيجة هذا القياس قطعية وضرورية. أما في القياس الأول، فإن صغرى القياس ليست أمراً وجدانياً فعلياً، بل صحتها متوقفة على أمور، مثل ألا يكون المكلف قد قصر في الفحص، أو ألا يكون المولى حكيماً، أو أن العقاب بلا بيان ليس أمراً قبيحاً. وعليه، في حال إثبات أحد هذه الأمور، يوجد العقاب المحتمل. هذا بينما الفرض هو أن أياً من هذه الأمور غير متحقق. من هذا البيان، يتضح أن القاعدتين المذكورتين لا تحكم إحداهما على الأخرى ولا ترد عليها. ومن ثم، في القياس الثاني، الصغرى تامة وغير معلقة على شيء، أما في القياس الأول، فإن تمامية الصغرى مبنية على بطلان قواعد مسلم بها؛ وعليه، فإن القياس الثاني يرفع صغرى القياس الأول، وربما يكون مراد القائلين بتقديم قاعدة قبح العقاب بلا بيان على دفع الضرر المحتمل هو هذا. (الخميني، ١٤٢٣: ٣/ ٨٨-٨٩ و٢٨١)

٣-٣. تقريب الشهيد الصدر

يعتقد الشهيد الصدر – خلافاً لرأي المشهور – أن القاعدة الأولية بالنسبة للشبهات البدوية هي الاحتياط العقلي، ولا توجد قاعدة باسم قبح العقاب بلا بيان. ويعتقد أن هذه القاعدة طُرحت لأول مرة من قبل الوحيد البهبهاني، فلو كانت هذه القاعدة بديهية، لكان هذا السؤال مطروحاً: لماذا لم يطرحها أحد من الفقهاء قبله، ولماذا يختلفون في شمولها بالنسبة للشبهات المفهومية (الحكمية)؟ (الصدر، ١٤٢٥: ١/ ١٦٣؛ ٣/ ٥٨؛ همو، ١٤٠٨: ٣/ ٦٤-٧٠) البعض، تبعاً له، لا يقبلون قاعدة «قبح العقاب بلا بيان» بشكل كلي. (روحاني، ١٤١٣: ٤/ ٤٣٨؛ الصدر، ١٤١٧: ٥/ ٢٦؛ همو، ١٤١٧: ١١/ ٥٧)

أهم مستمسك له هو مبنى «حق الطاعة». ولتبيين كيفية عدم وجود معارض لقاعدة دفع الضرر المحتمل، من الضروري أولاً تبيين نظرية حق الطاعة باختصار. هذه النظرية تدعي ثبوت المولوية التشريعية لله في حد أبعد من دائرة التكاليف المعلومة. في الواقع، يطرح سماحته هذه النظرية بدلاً من قاعدة «قبح العقاب بلا بيان»، ويعتبر أن تقنين قبح العقاب يوجب تضييق نطاق حق طاعة الله بالنسبة للخلق. ومن ثم، فإن حق طاعة الله يختص فقط بالتكاليف القطعية.

وعليه، لا تشمل دائرة حق الطاعة الإلهي التكاليف الظنية والاحتمالية. كما أن هذه النظرية (تقنين قبح العقاب) تتنافى مع إدراك العقل العملي السليم – الذي يشخص شمول مولوية الله في نطاق واسع ويحكم في كثير من المجالات المهمة بثبوت حق طاعة الله على العباد. لقد بيّن سماحته مقصوده من هذه النظرية ببيانات مختلفة. من وجهة نظره، تقتضي المولوية الذاتية للمولى أن يشمل حق الطاعة في دائرة التكاليف، بالإضافة إلى الموارد القطعية، الموارد الظنية والوهمية أيضاً، ولا يوجد دليل على تقييد حق طاعة المولى في التكاليف المقطوع بها فقط. (الصدر، ١٤٢٥: ١/ ١٦٤؛ الصدر، ١٤٠٨: ٣/ ٧٢)

في موضع آخر، يعتبر سماحته إجراء البراءة العقلية نوعاً من التبعيض والتضييق العبثي في نطاق حق طاعة المولى الحقيقي، ووجود حق الطاعة في بعد التكاليف المقطوع بها فقط خلاف الوجدان العملي (العقل العملي). (الصدر، ١٤١٧: ٤/ ١٨٦). وفي مقام تحليل أخطاء القائلين بالبراءة العقلية، يعتقد أنهم فصلوا بين الحجية والمولوية، في حين أن الفصل بينهما غير صحيح؛ لأن البحث عن الحجية هو في الواقع بحث عن حدود المولوية.

من وجهة نظر سماحته، المولوية هي عبارة عن حق الطاعة، وهو من الأمور التي يدركها العقل إما بملاك الخالقية أو بملاك شكر المنعم أو بملاك المالكية. من وجهة نظر سماحته، فإن التفريق المشهور بين مولوية المولى ومنجزية الأحكام؛ بمعنى أن لديهم أمرين متغايرين: أحدهما مولوية المولى الواقعي، وهي مسلم بها لديهم ولا نزاع فيها، ولا علاقة لها ببحث القطع ومنجزيته، والأمر الآخر هو منجزية القطع والحجية، وهذا الأمر أيضاً لا يرتبط بمولوية المولى. وعليه، من وجهة نظر الشهيد الصدر، هذا التفريق المشهور هو سبب خطئهم.

إن أصل مبنى المشهور ينتهي في النهاية إلى التفريق في حدود مولوية المولى وحق طاعته، وهذا المطلب غير صحيح؛ لأن المنجزية في الواقع هي من لوازم حق طاعة المولى على العبد، وأي نوع من التبعيض العقلي في المنجزية هو تبعيض في مولوية المولى. ومن ثم، فإن سماحته في مقام تبيين نطاق مولوية الموالي، اختار هذا التقريب من بين الاحتمالات المختلفة في بحث الاختيار. وعليه، وفقاً لهذا المبنى، يُنكر قاعدة قبح العقاب بلا بيان. (نفسه)

بناءً على ما قيل في تبيين نظرية «حق الطاعة»، في فرض وجود احتمال ضرر وعقوبة، تجري قاعدة دفع الضرر، وجريان هذه القاعدة هو فرع تنجز التكليف في مرحلة سابقة؛ لأنه مع عدم تنجز التكليف، سيوجد قطع بعدم العقاب، ولهذا يستحيل أن يكون التنجز ناشئاً عن قاعدة لزوم دفع الضرر المحتمل. لذا، في فرض حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، ينتفي موضوع قاعدة دفع الضرر؛ ولكن في فرض عدم حكم العقل بالبراءة العقلية وتنجز التكليف الاحتمالي والشك في الفراغ من التكليف، لا شك أن العقاب على المخالفة ليس قبيحاً، سواء وجدت قاعدة بعنوان لزوم دفع الضرر المحتمل أم لم توجد. (الصدر، ١٤١٧: ٤/ ١٨٧)

٣-٢-٣-١. نقد تقريب الشهيد الصدر

بما أن نظرية «حق الطاعة» هي أهم ركن في قاعدة دفع الضرر، فإن أي تزلزل في هذه النظرية سيؤدي إلى انهيار قاعدة دفع الضرر. ومن ثم، يتم بيان بعض أهم إشكالات هذه النظرية.

الإشكال الأول

إذا كان العقل يحكم بشكل بديهي بمولوية الله الذاتية بالنسبة للتكاليف الاحتمالية أيضاً، فلماذا كان هذا الحكم العقلي محل نزاع وإنكار من قبل المشهور؟ ومن جهة أخرى، يمكن للقائلين بقبح العقاب بلا بيان أيضاً أن يدعوا الوجدانية بالنسبة لمدعاهم. (لاريجاني، ١٣٨١: ١٤)

الإشكال الثاني

المشكلة الأساسية في نظرية حق الطاعة هي أنها تؤدي إلى نوع من التزاحم أو التنافي في مقتضيات أحكام العقل العملي، وبما أن التنافي أو التزاحم في أحكام العقل العملي بالفعل غير معقول، يتضح أن هذه النظرية غير قابلة للقبول. توضيح ذلك أنه في موارد الشبهة البدوية، فإن حكم العقل بحق طاعة المولى، بقدر ما هو مطروح في التكاليف الإلزامية (الوجوبية والتحريمية)، فهو مطروح أيضاً في الإباحة الواقعية. وبهذا الترتيب، في الشبهات الوجوبية والتحريمية، يكون كل من احتمال التكليف واحتمال الترخيص معتبراً، وتكون مراعاة ملاك كليهما لازمة، ولا فرق بين احتمال التكليف واحتمال الترخيص، مثل شبهات دوران الأمر بين المحذورين؛ من حيث إن احتمال وجود التكليف يتصارع مع احتمال وجود الترخيص. (نفسه: ١٤)

الإشكال الثالث

وفقاً لهذه النظرية، في جميع الموارد التي يُحتمل فيها وجود غرض لزومي من جانب المولى، وإن لم يجعله أمراً قطعياً، يجب الاحتياط. بينما هذا اللازم غير مقبول، وهذا اللازم لا يقبله أي من أنصار نظرية حق الطاعة ونظرية قبح العقاب. المؤيد لهذا المطلب هو أنه في موارد الشبهات الوجوبية، يكون الاحتياط واجباً بالاتفاق. إثبات هذا اللازم متوقف على هذه النقطة، وهي أن الغرض من حق الطاعة هو مراعاة احترام المولى. ومن ثم، يتضح أن وجود «الأمر» ليس شرطاً لهذا الاحترام. لا فرق بين الاحترام بلحاظ أوامر المولى والاحترام بلحاظ أغراض المولى؛ بل إن دائرة الاحترام وعدم الإهانة للمولى تتجاوز موارد الغرض الواقعي، وتثبت في مثل الانقياد والتجري، بينما في هذه الموارد، في عالم الواقع، لا يوجد حكم ولا غرض. وعليه، مع قبول حق احترام المولى في جميع الموارد – الأوامر والنواهي وحتى الموارد المشكوكة – في الأغراض المحتملة أيضاً، يوجد لزوماً ضرورة مراعاة احترام المولى، وبالتالي يجب الاحتياط. هذا هو نفس الملازمة التي من المستبعد أن تكون مقبولة لدى القائلين بمسلك «حق الطاعة». (نفسه: ٢٥) وعليه، فإن احتمال التكليف ليس منجزاً، وبالتالي لا يوجد مجرى لجريان قاعدة دفع الضرر المحتمل في محل البحث.

٤. النتيجة

من خلال ما تم بيانه في هذا البحث، تم التوصل إلى النتائج التالية:

١. يعتقد مشهور الأصوليين، ومنهم الشيخ الأنصاري، أن «قبح العقاب بلا بيان» من وجهة نظر العقل قاعدة صحيحة ومسلم بها. وفقاً لهذه النظرية، لا تكون التكاليف محركة للمكلف إلا إذا علم بها. والاستشهاد بالأعراف العقلائية هو أحد أهم مستمسكات المشهور لإثبات هذا الادعاء. وعليه، من وجهة نظر المشهور، القاعدة الأولية في الشك هي البراءة العقلية.

٢. يرى الشيخ الأنصاري أن أدلة الاحتياط العقلي، مثل دفع الضرر المحتمل، إرشادية. ومن ثم، لا تملك القدرة على المعارضة مع قاعدة قبح العقاب بلا بيان. ولو كانت هذه القاعدة مولوية، لكان من اللازم على الله الحكيم بعد الفحص والبحث أن يبين وجوب الاحتياط في هذه الحالة للمكلف، وحيث إنه لم يبين، فإن عدم البيان هذا كاشف عن عدم وجود أي ضرر وعقاب في هذه المسألة.

٣. نظريات الشهيد الصدر حول حل التعارض بين هاتين القاعدتين:

أ) هذه القاعدة طُرحت لأول مرة من قبل الوحيد البهبهاني، وقبله لم يتناولها أحد. هذا المطلب يثير الشك في بداهة هذه القاعدة.

ب) الدليل الأساسي لخطأ المشهور في تشخيص حكم العقل، وبالتالي إيجاد هذه القاعدة من قبلهم، هو التفريق بين الحجية والمولوية، وهو تفريق غير صحيح.

ج) قاعدة القبح توجب تضييق نطاق حق طاعة الله.

د) في دائرة حق الطاعة، حتى احتمال التكليف منجز، وإلى حين عدم وصول ترخيص من جانب الشارع، يبقى التنجز قائماً. هناك احتمالات مختلفة متصورة في نطاق المولوية. وقد اختار الشهيد الصدر من بين هذه الاحتمالات احتمال «شمول مولوية المولى بالنسبة لموارد عدم وجود القطع بعدم التكليف». وبناءً على هذا الاحتمال نفسه، أُنكرت قاعدة «قبح العقاب بلا بيان» واعتبرت غير برهانية.

٤. تواجه نظرية «حق الطاعة» إشكالات، أهمها وجود نوع من التزاحم الداخلي في هذا المسلك، بمعنى أنه في مورد الشبهات البدوية، بالإضافة إلى احتمال وجود تكليف لزومي من جانب المولى، يوجد أيضاً احتمال ترخيص واقعي، وهذا الاحتمال بالترخيص من جانب قائلي هذه النظرية يبدو أنه قد تم إغفاله. ومن ثم، مع وجود احتمال الترخيص من جانب المولى، فإن وجود قاعدة قبح العقاب بلا بيان من وجهة نظر عقلائية أمر موجه.

٥. النتيجة النهائية في حل التعارض بين القاعدتين من وجهة نظر كاتبي هذه المقالة هي:

أ) أفضل حل لدفع التنافي بين هاتين القاعدتين هو نفس الطريقة التي طرحها المحقق الخوئي والإمام. وفقاً لهذا الرأي، لا يوجد بين هاتين القاعدتين أصلاً، بسبب اختلاف المجرى، تعارض وتنافٍ.

ب) بعد إثبات وجود قاعدة قبح العقاب، لا يبقى موضوع لقاعدة وجوب دفع الضرر؛ لأن وجوب دفع الضرر لا يملك بيانية، ومن جهة أخرى، فإن مجرد احتمال وجود تكليف واقعي ليس منجزاً.

ج) بعد الفحص عن الأدلة، ينحل العلم الإجمالي (احتمال وجود التكليف) بالعلم أو الظن التفصيلي المعتبر والشك البدوي. ونتيجة لذلك، فإن وجود قاعدة القبح وجريانها بلا معارض في محل البحث خالٍ من الإشكال.

المصادر والمراجع

القرآن الكريم.

ابن الأثير، مبارك بن محمد، النهاية في غريب الحديث والأثر، قم، اسماعيليان، ١٣٦٧ش.

ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، دار صادر، بيروت، ١٤١٤ق.

الأصفهاني، محمد حسين، نهاية الدراية في شرح الكفاية، بيروت، مؤسسة آل البيت، ١٤٢٩ق.

الأنصاري، مرتضى بن محمد أمين، فرائد الأصول، قم، مجمع الفكر الإسلامي، ١٤٢٨ق.

الآخوند الخراساني، محمد كاظم بن حسين، كفاية الأصول، قم، مؤسسة آل البيت، ١٤٠٩ق.

الآشتياني، محمد حسن بن جعفر، بحر الفوائد في شرح الفرائد، بيروت، ١٤٢٩ق.

البروجردي، حسين، نهاية الأصول (حسين علي منتظري، مقرر)، طهران، تفكر، ١٤١٥ق.

الجوهري، إسماعيل بن حماد، تاج اللغة وصحاح العربية، بيروت، دار العلم للملايين، ١٣٧٦ق.

الحائري اليزدي، عبد الكريم، درر الفوائد، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، ١٤١٨ق.

الحكيم، محمد تقي، الأصول العامة في الفقه المقارن، قم، المجمع العالمي لأهل البيت، ١٤١٨ق.

الخميني، سيد روح الله، تنقيح الأصول (حسين تقوي اشتهاردي، مقرر)، طهران، مؤسسة نشر آثار الإمام، ١٤٢٣ق.

ـــــــ، تهذيب الأصول (جعفر سبحاني، مقرر)، طهران، مؤسسة نشر آثار الإمام (ره)، بي‌تا.

ـــــــ، سيد مصطفى، تحريرات في الأصول، قم، مؤسسة نشر آثار الإمام، ١٤١٨ق.

الخوئي، سيد أبو القاسم، دراسات في علم الأصول، (سيد علي هاشمي شاهرودي، مقرر)، قم، مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي، ١٤١٩ق.

ـــــــ، مصباح الأصول (سيد سرور بهسودي، مقرر)، قم، مكتبة الداوري، ١٤٢٢ق.

راغب الأصفهاني، حسين بن محمد، مفردات ألفاظ القرآن، بيروت، دار القلم، ١٤١٢ق.

روحاني، سيد محمد، منتقى الأصول (عبد الصاحب حكيم، مقرر)، قم، دفتر آية الله روحاني، ١٤١٣ق.

الصدر، سيد محمد باقر، بحوث في علم الأصول (سيد محمود هاشمي شاهرودي، مقرر)، قم، مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي، ١٤١٧ق.

ـــــــ، بحوث في علم الأصول (حسن عبد الساتر، مقرر)، بيروت، الدار الإسلامية، ١٤١٧ق.

ـــــــ، دروس في علم الأصول، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ١٤٢٥ق.

ـــــــ، مباحث الأصول (سيد كاظم حسيني حائري، مقرر)، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، ١٤٠٨ق.

الطريحي، فخر الدين بن محمد، مجمع البحرين، طهران، مرتضوي، ١٣٧٥ش.

الطوسي، محمد بن حسن، العدة في أصول الفقه، قم، ١٤١٧ق.

الطوسي، محمد بن حسن، التبيان في تفسير القرآن، بيروت، دار إحياء التراث العربي، بي‌تا.

العراقي، ضياء الدين، نهاية الأفكار، (محمد تقي بروجردي نجفي، مقرر)، قم، دفتر انتشارات إسلامي، ١٤١٧ق.

ـــــــ، منهاج الأصول (محمد إبراهيم كرباسي، مقرر)، بيروت، دار البلاغة، ١٤١١ق.

علم الهدى، علي بن حسين، الذريعة إلى أصول الشريعة، طهران، دانشگاه طهران، ١٣٧٦ش.

فاضل لنكراني، محمد، القواعد الفقهية، قم، مركز فقهي أئمة أطهار، ١٣٨٣ش.

ـــــــ، سيري كامل در أصول فقه، قم، فيضيه، ١٣٧٧ش.

الفيروزآبادي، محمد بن يعقوب، القاموس المحيط، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤١٥ق.

الفيومي، أحمد بن محمد، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، قم، مؤسسة دار الهجرة، ١٤١٤ق.

الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، بيروت، دار الكتب الإسلامية، ٣٢٩ق.

محمود عبد الرحمان، معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية، بي‌تا.

مكارم الشيرازي، ناصر، أنوار الأصول، قم، مدرسة الإمام علي بن أبي طالب، ١٤٢٨ق.

النائيني، محمد حسين، أجود التقريرات (سيد أبو القاسم خوئي، مقرر)، قم، مطبعة العرفان، ١٣٥٢ق.

ـــــــ، فوائد الأصول، (محمد علي كاظمي خراساني، مقرر)، قم، جامعة مدرسين، ١٣٧٦ق.

النراقي، مهدي بن أبي ذر، أنيس المجتهدين في علم الأصول، قم، بوستان كتاب، ١٣٨٨ش.

ـــــــ، جامعة الأصول، قم، كنگره بزرگداشت محققان نراقي، ١٤٢٢ق.

مقالات:

لاريجاني، صادق، نظرية حق الطاعة، پژوهشهاي اصولي، ١ (١)، ٢٦-١١، ١٣٨١ش.

ـــــــ، تحليل موضوع قاعده قبح عقاب بلابيان، پژوهشهاي اصولي، ٦ (٢٥)، ٣٢-٩، ١٣٩٩ش.

Scroll to Top