نقد مبنى الآخوند الخراساني في بحث الصحيح والأعم من منظار الإمام الخميني (قدس سره)

الملخص

فيما يتعلق بالموضوع له لألفاظ العبادات، هناك رؤيتان مطروحتان؛ يرى فريق مثل الآخوند الخراساني أن ألفاظ العبادات موضوعة للصحيح، واستعمالها في الأفراد الفاسدة مجازي. لكن فريقًا آخر مثل الإمام الخميني (قدس سره) يتبنى رأيًا مخالفًا، ويعتبر الموضوع له لألفاظ العبادات أعم من الصحيح والفاسد، وبالتالي يكون استعمالها في الأفراد الفاسدة حقيقيًا. الهدف من هذه المقالة هو نقد القول بالصحيح، الذي يتمحور حول آراء الآخوند في الكفاية. وقد قُدمت هذه الرؤية النقدية بالاعتماد على آراء الإمام الخميني (قدس سره). هذه الدراسة المقارنة، التي تمحورت حول أصوليين بارعين ومن خلال منهج وصفي-تحليلي، قد أوضحت القول الحق في المسألة والإشكالات المطروحة في الاستدلالات. ونتيجة للبحث، وجدنا أن الآخوند يستند في إثبات دعواه إلى أدلة متعددة، منها إمكان تقديم الجامع، والتبادر، وصحة السلب، والاستعمالات الروائية. ينتقد الإمام الخميني (قدس سره) جميع الأدلة التي قدمها الآخوند ولا يقبل أيًا منها. كما أن الأصوليين الذين يعتبرون الموضوع له لألفاظ العبادات أعم من الصحيح والفاسد قد استدلوا بأدلة منها التبادر، وصحة الحمل، وصحة التقسيم إلى الصحيح والفاسد، والاستعمالات الروائية، والتي يردها الآخوند. ورغم أن الإمام الخميني (قدس سره) يتفق مع الآخوند في بعض الانتقادات، إلا أنه في النهاية، بقبوله لدليل التبادر وشهادة الوجدان، يتبنى القول بالأعم.

المقدمة

منذ القدم، كان دأب علماء الأصول أن يطرحوا في مقدمات مباحثهم موضوعات تحتاج إليها المباحث الأصولية ولكنها ليست منها ماهيةً. هذه الموضوعات إما أنها ليست استنباطية أصلًا، مثل مبحث الوضع، أو إن كانت استنباطية، فإنها تكون ذات فائدة في استنباط متعلق الحكم لا استنباط الحكم نفسه. من بين الموضوعات التي طُرحت تحت عنوان المقدمة، بحث الصحيح والأعم. بعد التسليم بأن العبادات تنقسم إلى صحيح وفاسد، نشأ نزاع بين الأصوليين حول الموضوع له لألفاظ العبادات؛ هل ألفاظ العبادات موضوعة للمعنى الصحيح فقط واستعمالها في المعنى الفاسد مجازي، أم أن الموضوع له لهذه الألفاظ أعم من الصحيح والفاسد، ويكون استعمالها في كل من المعنى الصحيح والفاسد حقيقة؟

في باب العبادات، يُعد بحث الصحيح والأعم من المسائل التي تُبحث مرارًا وتكرارًا، ويعتبر من المبادئ التصورية للمبحث، وبدونه يكون البحث عقيمًا. لذا، فإن الخوض فيه يترتب عليه آثار كثيرة في باب العبادات. كان بحث الصحيح والأعم حتى زمن الوحيد البهبهاني يُطرح ضمن بعض المباحث الفقهية أو الأصولية عرضًا، ويكون محل نقاش وبحث. ولكن منذ عهده، طُرح بحث الصحيح والأعم تحت عنوان خاص كمسألة أصولية في كتب الأصول (الأصفهاني، 1422هـ: 1/77). بعد ذلك، يمكن القول بأن جميع الأصوليين قد تناولوا هذا البحث تحت عنوان مستقل. من بينهم الآخوند الخراساني الذي بحث في كتاب كفاية الأصول هذه المسألة وتبنى القول بوضع ألفاظ العبادات للصحيح. أما الإمام الخميني (قدس سره)، بوصفه أحد أبرز الأصوليين المعاصرين، فيخالف الآخوند في هذا البحث. وفي هذا السياق، توجد مقالة بعنوان «دراسة تحليلية لبحث الصحيح والأعم بمنهج يركز على رأي الإمام الخميني (قدس سره)» نُشرت في العدد 59 من دورية «پژوهشنامه متین» (المجلد 15). في تلك المقالة، التي تشبه تقريرات بحث خارج أكثر من كونها مقالة علمية محكّمة، قام الكاتب ببحث أدلة الصحيح والأعم واختار قول المرحوم الآخوند. ولكن الخلل الذي يبدو أنه يجب معالجته هو غياب دراسة دقيقة وعلمية ومقارنة بين هذين الأصوليين البارعين في عصرهما لتوضيح المسألة.

يقول المرحوم الآخوند بوضع الألفاظ للمعنى الصحيح بناءً على الأدلة التي قدمها، ولكن الإمام الخميني (قدس سره) يورد إشكالات متعددة على هذه الأدلة. من جهة أخرى، ليس الأمر أن الإمام يقبل جميع أدلة القائلين بالأعم، بل يورد إشكالات على الكثير منها. إن الدراسة المقارنة لآراء هذين الأصوليين، بوصفهما أبرز ممثلي القول بالصحيح والقول بالأعم، يمكن أن تقربنا من القول الحق. المسألة الأساسية في هذا التحقيق هي: ما هي انتقادات الإمام الخميني لمباني الآخوند في بحث الصحيح والأعم؟ للإجابة على هذه المسألة، لا بد من الإجابة على عدة أسئلة فرعية، وهي: 1. ما هو تعريف الآخوند للصحة والفساد؟ 2. ما هو نقد الإمام لتعريف الآخوند للصحة والفساد؟ 3. ما هي أدلة الآخوند على قبول القول بالصحيح ورد القول بالأعم؟ 4. ما هو نقد الإمام على هذه الأدلة؟

للوصول إلى هذا الهدف، نبدأ أولاً ببحث معنى الصحة والفساد عند الآخوند والإمام الخميني لتتضح دقائقه. ثم ندخل في بحث الأدلة، ونبين جميع الأدلة التي أقامها الآخوند على مبنى الصحيح، ونذكر نقد ونظر الإمام بشكل مقارن في كل قسم. بعد ذلك، نطرح أدلة القول بالأعم وانتقادات الآخوند عليها، ونعرض موافقة أو مخالفة الإمام لكل دليل أو إشكال بوضوح.

1. دراسة المفهوم

1-1. الصحيح والفاسد

الصحة في اللغة من جذر ‘صَحَحَ’ ومصدرها ‘صِحَّة’؛ ومعناها «ذهاب السقم والبراءة من كل عيب وريب» (الفراهيدي، 1410هـ: 3/14). وقد قيل إن استعمالها في كل اصطلاح وإن أعطى معنىً آخر، إلا أن مرجعه إلى هذا المعنى. فمثلاً، قيل إن معنى صحة الصلاة هو سقوط الإعادة والقضاء (الفيومي، د.ت: 2/333)، ومرجع ذلك إلى خلو الصلاة من كل عيب ونقص يوجب حكم الإعادة والقضاء. الفساد مصدر من جذر ‘فسد’، ومعناه «نقيض الصلاح» (الفراهيدي، 1410هـ: 7/231؛ ابن منظور، 1414هـ: 3/335). أي أن كل شيء يخرج عن الصواب والسلامة المناسبة له يكون فاسدًا. الصحة اصطلاحًا صفة تعرض لأفعال المكلفين؛ فمتى أدى المكلف وظيفته بجميع أركانها وشروطها، حكم الشارع بصحتها، ويكون ذلك الفعل صحيحًا. (رمضان حسن، 1418هـ: 163). أما الفساد في الاصطلاح، فهو مرادف للبطلان تقريبًا؛ فمتى كانت عبادة أو عقد أو تصرف فاقدًا لبعض الأركان أو الشروط، كان باطلاً أو فاسدًا اصطلاحًا، ولا يترتب عليه الأثر المطلوب شرعًا. (رمضان حسن، 1418هـ: 212). وقد فرّق البعض بين الفساد والبطلان، فقالوا إن البطلان هو عدم موافقة أمر الشارع في الأصل والأساس، مثل بيع الملاقيح (بيع الجنين في الرحم)، فهو مخالف لأوامر ونواهي الشارع من أصله، ويسمى باطلاً اصطلاحًا، بخلاف ما إذا كان أصل الفعل موافقًا لأمر الشارع، ولكن وصفًا منه لا يخل بالأصل قد ورد فيه نهي من الشارع، ففي هذه الحالة يُقال للفعل فاسد. (هلال هيثم، 1424هـ: 235).

2-1. تعريف الصحيح والفاسد عند الآخوند

يقدم الآخوند تعريفًا للصحة والفساد، ويستعرض التعريفات الأخرى أيضًا. يعتقد أن الصحة عند جميع العلماء لها معنى واحد، وهو تمامية الأجزاء والشرائط. وبما أن العلاقة بين الصحة والفساد هي علاقة العدم والملكة، فإن الفساد بطبيعة الحال يكون بمعنى عدم الصحة، أي عدم تمامية الأجزاء والشرائط. قد يشكل البعض على هذا التعريف بأن الصحيح قد استُعمل في استعمالات مختلفة بمعانٍ أخرى؛ فمثلاً في الفقه، استُعمل الصحيح بمعنى مسقط الإعادة والقضاء، وفي الكلام، بمعنى الموافق للشريعة. لذا، فإن التعريف الذي قدمه الآخوند ليس تعريفًا جامعًا ومانعًا. يرد المرحوم الآخوند هذا الإشكال ويعتبر التعريف المذكور جاريًا حتى في الفقه والكلام؛ لأن تمامية الأجزاء والشرائط لها لوازم متعددة، وكل علم يتخذ أحد هذه اللوازم بما يتناسب مع مقتضياته. فمثلاً في علم الفقه، ما يكون منشأ أثر كبير هو إسقاط الإعادة والقضاء، وهو أحد لوازم تمامية الأجزاء والشرائط. وعلى هذا المنوال، في علم الكلام، تكون موافقة الشريعة من بين لوازم الصحة هي منشأ الأثر. (الآخوند الخراساني، 1409هـ: 24). ورغم أن هذا القول من الآخوند قد نُقد بحق من قبل المحشين، خاصة المحقق الأصفهاني (الأصفهاني، 1429هـ: 1/95)، إلا أن الخوض فيه لا يسعه مقام بحثنا.

3-1. تعريف الصحيح والفاسد عند الإمام الخميني

يرى الإمام الخميني (قدس سره) أن النسبة بين مفهومي الصحيح والفاسد هي نسبة التضاد؛ لأن الصحيح والفاسد كيفان عارضان على شيء بحسب وجوده الخارجي، من حيث إن طبيعته النوعية تمتلك المقومات المناسبة أو لا تمتلكها. فمثلاً، يُقال للبطيخة إنها صحيحة عندما تكون لها مقومات مثل الطعم الحلو واللون الشفاف والرائحة الطيبة، ويُقال إنها فاسدة عندما لا تمتلك هذه المواصفات. وقد اتضح أن العلاقة بين الصحيح والفاسد هي تقابل التضاد. (الإمام الخميني، 1415هـ: 1/143). أما التام والناقص، اللذان استُعملا في تعريف الآخوند للصحيح والفاسد، فنسبتهما هي الملكة وعدم الملكة، ويُستعملان حيث يكون الشيء ذا أجزاء. فإذا كان جامعًا لها، أُطلق عليه تام، وإذا لم يكن جامعًا، أُطلق عليه ناقص. فمثلاً، زيد الذي هو فرد سليم وأعضاء جسده كاملة، هو تام. أما عمرو الذي قُطعت يده، فهو ناقص وليس فاسدًا. خلاصة القول، إن مفهوم الصحيح والفاسد يختلف عن مفهوم التام والناقص، وإن كانا قد يتصادقان في بعض الموارد الخارجية. (الإمام الخميني، 1376هـ.ش: 1/266).

2. أدلة الآخوند على القول بالصحيح

يقدم الآخوند الخراساني أدلة متعددة لإثبات دعواه؛ بالطبع، الدليل الأول الذي نذكره هنا قد أورده قبل الدخول في بحث الأدلة كتنبيه، ولكنه في نظرنا أهم دليل أقامه على دعواه. وبالطبع، سيجيب الإمام على كل واحد من هذه الأدلة.

1-2. إمكان تقديم الجامع

الدليل الأول للآخوند على القول بالصحيح هو أن القائل بالصحيح قادر على تقديم جامع، بينما القائل بالأعم عاجز عن ذلك. ويتألف هذا الدليل من عدة مقدمات:

المقدمة الأولى: يجب على كل من القائل بالصحيح والقائل بالأعم تقديم جامع. (الآخوند الخراساني، 1409هـ: 24). سواء قبلنا القول بالصحيح أو القول بالأعم، الظاهر أن الوضع في العبادات عام والموضوع له أيضًا عام – فلفظ الصلاة كسائر أسماء الأجناس – حيث يُلحظ عنوان ومعنى كلي ويوضع اللفظ لذلك المعنى الكلي. الآن، بما أن الموضوع له لألفاظ العبادات هو عام بناءً على القولين، فإن استعمالات هذه الألفاظ في المقامات المختلفة تكون على نحو الاشتراك المعنوي. لذا، يجب أن يكون هناك قدر كلي جامع يشمل جميع المصاديق؛ غاية الأمر أنه بناءً على القول بالصحيح، سيشمل مصاديق الصحيح، وبناءً على القول بالأعم، سيشمل أفراد الصحيح والفاسد. (فاضل اللنكراني، 1385هـ.ش: 1/151).

المقدمة الثانية: يجب أن يكون الجامع المقدم جامعًا تكوينيًا. (الآخوند الخراساني، 1409هـ: 24). عندما نتأمل في آثار العبادات مثل الصلاة، نرى أن آثارها تكوينية وليست اعتبارية. ومن جهة أخرى، تقول القاعدة العقلية ‘قاعدة السنخية’، المتفق عليها بين جميع العلماء، إنه يجب أن تكون هناك سنخية بين الأثر والمؤثر. أي إذا كان الأثر تكوينيًا، فلا بد أن يكون المؤثر تكوينيًا أيضًا، وبشكل عام، لا يمكن للأمر الاعتباري أن يكون له أثر حقيقي وتكويني. بعبارة أخرى، يجب أن يوجد جامع بين أفراد العبادات؛ لأن قاعدة «الواحد لا يصدر إلا من الواحد» تقول إن كل ما يطلق عليه اسم الصلاة ويُتصف بالصحة له أثر واحد، لذا يجب معرفة مؤثر واحد. (التبريزي، 1387هـ.ش: 1/108).

المقدمة الثالثة: القائل بالصحيح يمكنه تقديم جامع. (الآخوند الخراساني، 1409هـ: 24). يستطيع القائل بالصحيح، بالنظر إلى جميع الآثار والخصوصيات المذكورة في القرآن والروايات لعبادة مثل الصلاة، أن يبين جامعه بمساعدة هذه الآثار؛ لأن جميع مصاديق الصلاة، بأي كمية وكيفية وأجزاء وشرائط، عندما تكون صحيحة، ستتبعها الآثار المذكورة. بعبارة أخرى، «ما يوجب الآثار المطلوبة» هو جامع يشمل جميع الأفراد الصحيحة، وإن لم يستطع توضيح حقيقته بالكامل، ولكن في نظر الآخوند، يكفي أنه يخرجه من كونه مجهولاً مطلقًا ويشمل جميع الأفراد والمصاديق. (الفيروزآبادي، 1400هـ.ش: 1/66).

المقدمة الرابعة: القائل بالأعم لا يستطيع تقديم جامع. (الآخوند الخراساني، 1409هـ: 26). يذكر الآخوند في الكفاية خمسة جوامع يقدمها أنصار القول بالأعم، وينقدها جميعًا بحد السيف. نحن نورد هنا الجامع الذي هو محل بحث الآخوند مع الإمام الخميني، ولا حاجة لذكرها جميعًا. أهم جامع قدمه القائلون بالأعم هو ‘معظم الأجزاء العرفية’؛ أي أن العبادات موضوعة لمعظم الأجزاء التي يدور عليها اسم تلك العبادة عرفًا. بعبارة أخرى، لدى العرف، هناك سلسلة من الأجزاء أبرز من البقية، والعرف يرى ماهية العبادة قائمة بوجود تلك المجموعة من الأجزاء، فمسمى العبادات في الواقع هو تلك المجموعة من الأجزاء البارزة. وبناءً على ذلك، إذا صدق اسم العبادة في مكان ما بناءً على نظر العرف، كان ذلك كاشفًا عن وجود المسمى، وعدم صدقه كاشفًا عن عدم وجود المسمى. مثلاً، في الصوم، معظم الأجزاء العرفية هو ترك الأكل والشرب، وبقية الأمور مثل عدم الكذب على أهل البيت (عليهم السلام) ليست جزءًا من المسمى ولكنها جزء من المأمور به. أو في الغسل، معظم الأجزاء العرفية هو غسل البدن، أما الترتيب بين الأعضاء ونحوه فهو جزء من المأمور به. (الأنصاري، 1404هـ: 7).

ينتقد الآخوند الخراساني الجامع الذي قدمه القائلون بالأعم، ويقول إنه إذا كان معنى الموضوع له للعبادات هو معظم الأجزاء العرفية، فإنه عند استعماله في معنى تام الأجزاء والشرائط، يكون لفظ العبادة قد استُعمل في معنى معظم الأجزاء العرفية مضافًا إلى بقية الأجزاء والشرائط التي ليس لها بروز عرفي؛ وبالتالي، يكون معنى الموضوع له غير معنى المستعمل فيه. وبناءً على ذلك، سيكون استعمال لفظ العبادة مجازيًا. وعلى هذا الحساب، كلما استُعمل لفظ عبادة، مثل الصلاة، في صلاة جامعة للأجزاء والشرائط، كان استعمالاً مجازيًا، في حين أن أيًا من القائلين بالصحيح أو الأعم لا يعتبر هذا الاستعمال مجازيًا. (الآخوند الخراساني، 1409هـ: 26).

من جهة أخرى، يستلزم هذا التعريف التبدل والتردد. فمن الواضح أن أجزاء العبادات، ومنها الصلاة، تختلف بحسب الحالات والظروف. فمثلاً، صلاة الشخص الحاضر الذي لا عذر له تتكون من عشرة أجزاء، وصلاة المسافر من ثمانية أجزاء. وصلاة المضطر تكون أجزاؤها وشروطها أقل، حتى نصل إلى صلاة الغريق الذي قد يقول ‘سبحان الله’ بدلاً من كل ركعة، وأحيانًا يصلي بإيماءة وإشارة فقط. أنتم أيها القائلون بالأعم الذين تعتبرون معظم الأجزاء هو الموضوع له، في صلاة الشخص الحاضر مثلاً، تدخلون ثمانية أجزاء في الموضوع له، وفي صلاة المسافر، تعتبرون أربعة أجزاء هي الموضوع له ومعظم الأجزاء، وهذا يعني أن الأجزاء الأربعة الإضافية الأخرى خارجة عن الموضوع له. وبالتالي، بحسب الحالات المختلفة، فإن ما له مدخلية في الموضوع له يتبدل، ونتيجة لذلك، يكون جزء ما أحيانًا داخلاً في معظم الأجزاء – في الصلاة ذات العشرة أجزاء – وأحيانًا يكون نفس الجزء خارجًا عن معظم الأجزاء – في الصلاة ذات الثمانية أجزاء – مثلاً في صلاة الحاضر التي لها عشرة أجزاء، تقولون إن ثمانية أجزاء منها هي معظم الأجزاء والموضوع له، ولكنكم لا تحددون أي ثمانية أجزاء هي. لذا، لازم كلامكم أن تختاروا ثمانية أجزاء من تلك العشرة باختياركم وتقولوا إنها معظم الأجزاء. فإن شئتم، فاحسبوا قراءة الفاتحة من الأجزاء الثمانية، وإن لم تشاءوا، فاجعلوا قراءة الفاتحة الجزء التاسع وخارجة عن مسمى الصلاة. قال المصنف «ره»: هل يمكن لأحد، مع هذا الاختلاف في الحالات الموجودة في العبادات، أن يقبل بمثل هذا الموضوع له المتردد ويلتزم به؟ (فاضل اللنكراني، 1385هـ.ش: 1/165). حاصل المقدمات التي ذُكرت هو أنه عندما قبلنا بأن كلا القولين، الصحيحي والأعمي، يجب أن يقدما جامعًا، وأن هذا الجامع يجب أن يكون تكوينيًا، ومن جهة أخرى، فإن الصحيحي قادر على تقديم هذا الجامع بخلاف الأعمي، فإن المدعى، وهو وضع ألفاظ العبادات لأفراد الصحيح، يثبت.

2-2. التبادر

دليل آخر للقول بالصحيح يُطرح في كلام الآخوند هو التبادر. (الآخوند الخراساني، 1409هـ: 29). عندما يُسمع لفظ العبادة، فإن المعنى الذي يسبق إلى الذهن هو جامع الأجزاء والشرائط أو الصحيح، وليس أن تسبق إلى الذهن ماهية أعم من الصحيح والفاسد. السؤال الذي قد يُطرح هو أن القائلين بالقول الصحيح، من جهة، عند الشك في الجزئية والشرطية، لا يجيزون التمسك بالإطلاق بسبب عدم إحراز العنوان المعلول لكون عدد الأجزاء مشكوكًا فيه وإجمال العنوان، ولكنهم من جهة أخرى يدّعون التبادر الذي يستلزم وجود معنى تام الأجزاء والشرائط في أذهانهم، وهذا الحضور للمعنى في الذهن لا ينسجم مع الإجمال. لهذا السبب، يوجد تخالف بين ادعاء عدم إمكان التمسك بالإطلاق وادعاء التبادر. في الإجابة، سنقول: لا تنافي بينهما؛ لأن العناوين المذكورة ليست مبينة من جميع الجهات، لذا لا يمكن التمسك بالإطلاق عند الشك في الجزئية والشرطية، لأن العنوان غير محرز. ولكن ما يوجد في أذهاننا هو معرفة بواسطة الآثار والتبعات التي هي مبينة، وهذا البيان من بعض الجهات يكفي للسبق إلى الذهن. (الآخوند الخراساني، 1409هـ: 29). يجب الانتباه إلى أن كون التبادر دليلاً يتوقف على ثلاثة أمور: أولاً؛ قبول الحقيقة الشرعية، لأنه بناءً على عدم الحقيقة الشرعية واحتمال الاستعمال المجازي من قبل الشارع، لا معنى للتبادر. ثانيًا؛ أن يكون من حاق اللفظ وليس إطلاقيًا أو انصرافيًا. ثالثًا؛ أن يكون حاصلاً من زمن الشارع. (المشكيني، 1413هـ: 1/183).

3-2. صحة السلب

دليل آخر على أن العبادات موضوعة للصحيح هو صحة السلب؛ بمعنى أنه يمكن سلب ماهية العبادة عن العبادة الفاسدة. مثلاً، الصلاة التي أُديت بنقص ركعة، يقول العرف إنها ليست صلاة، وهذه القضية السالبة صادقة تمامًا، وإن كانت لها قابلية للاستعمال المجازي في الفاسد. (الآخوند الخراساني، 1409هـ: 29). من وجهة نظر الآخوند، هذا الدليل أفضل من التبادر وأكثر قابلية للاعتبار؛ لأن الإشكال الذي ورد على التبادر لا محل له هنا. وبالطبع، قد أجاب على الإشكال المذكور، ولكن إذا لم يقبل أحد تلك الإجابة وبالتالي ذلك الدليل، فإنه بالتأكيد لا يمكنه تكرار ذلك الإشكال بالنسبة لدليل صحة السلب، وتبقى صحة السلب بلا إشكال. (الفيروزآبادي، 1400هـ.ش: 1/86).

4-2. الاستعمالات الروائية

تلك الطائفة من الروايات التي ترتب الآثار على مسمى العبادات، مثل «الصلاة عمود الدين» و«معراج المؤمن» و«الصوم جنة من النار»… لا شك في أن هذه الآثار لا تترتب على ماهية العبادة الفاسدة. من جهة أخرى، الروايات التي تنفي حقيقة العبادة لمجرد فقدان جزء أو شرط، مثل «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، تدل على أن فقدان جزء مثل فاتحة الكتاب مانع من تحقق ماهية الصلاة، وهذا يعني أن الصلاة موضوعة للصحيح، وإلا لكان نفي الماهية كاذبًا. وإن أراد البعض، بالاستناد إلى شيوع مثل هذا الاستعمال في نفي الصحة ونفي الكمال، أن يشكلوا، فإن جوابهم هو أن الحمل المذكور خلاف الظاهر ويحتاج إلى قرينة. من جهة أخرى، هذا الادعاء بأن المراد من «لا صلاة» هو في الواقع ‘لا صلاة كاملة’، هو ادعاء استعمال مجازي في العبارات، في حين أنه عندما يمكن الحمل على الاستعمال الحقيقي، لا دليل على الحمل على المجاز. إضافة إلى أن التعبير بالنفي الكلي في مقام المبالغة والتفخيم، ولكن تقدير صفة ‘الكمال’ يؤدي إلى عدم حصول غرض المبالغة من التعبير. (الآخوند الخراساني، 1409هـ: 30).

3. أدلة القول بالأعم

القسم الثاني من استدلال الآخوند هو بيان أدلة القائلين بالأعم وردها. والإمام الخميني لا ينقد جميع إشكالات الآخوند على أدلة الأعميين، لأن بعض هذه الأدلة لا تتمتع بقوة إثبات الموضوع له، وهو يتفق مع الآخوند في ردها. ولكن بعض أقوال الآخوند تكون محل نقد الإمام، وبالتالي، الأدلة التي رُدت وبطلت تعود بقوتها لإثبات القول بالأعم.

1-3. التبادر

الدليل الأول الذي يطرحه الآخوند وينقده للقول بالأعم هو التبادر؛ بمعنى أن الأعميين يرون أن المتبادر من حاق ألفاظ العبادات هو الأعم من الصحيح والفاسد، وخلافًا للقائلين بالصحيح، فإن ما يسبق إلى الذهن عند سماع ألفاظ العبادات هو قدر جامع من الصحيح والفاسد. (فاضل اللنكراني، 1385هـ.ش: 1/189). إذن، ما هو موضوع له لألفاظ العبادات هو المعنى الأعم. (الآخوند الخراساني، 1409هـ: 30). يعتقد الآخوند أن الأعمي لا يجوز له الاستدلال بالتبادر؛ لأنه كما بينا في دليل إمكان تقديم الجامع، لا يستطيع الأعمي تقديم أي قدر جامع لمعناه المدعى، وبما أن التبادر يستلزم أن يكون المعنى من نفس اللفظ دون تدخل أي قرينة، فإن الأعميين لا يمكنهم ادعاء سبق معنى إلى الذهن. (الآخوند الخراساني، 1409هـ: 30).

2-3. صحة الحمل

الدليل الثاني الذي طرحه الآخوند نيابة عن القول بالأعم هو دليل صحة الحمل؛ بمعنى أنه في العرف، حمل الصلاة المطلقة على صلاة فيها خلل في جزء أو شرط هو أمر صحيح ومقبول. مثلاً، الصلاة التي لا ركوع فيها أو التي أُديت بدون طهارة هي فاسدة قطعًا. الآن، إذا جعلنا هذه الصلاة الفاسدة موضوعًا وعنوان الصلاة بمعناها الارتكازي محمولاً، نرى أن القضية الحملية صحيحة، أي قضية «الصلاة الفاسدة صلاة» صحيحة، وهذه القضية كاشفة عن الحقيقة. النقد الذي يوجهه الآخوند لهذا الدليل هو أنه إذا كانت القضية المذكورة صحيحة بالعناية والمسامحة، فإن الحمل يكون مجازيًا ومثل «الرجل الشجاع أسد»، وهذا الحمل لا يصلح لإثبات الموضوع له. أما إذا أردتم النظر بدقة ودون عناية ومسامحة، فبدلاً من القضية الحملية، يمكننا تشكيل قضية سلبية ونقول «الصلاة الفاسدة ليست بصلاة». من جهة أخرى، كيف يمكن لمعنى مجهول، لا هو مشخص ولا آثاره، أن يتبادر إلى الذهن؟ أي أنكم الذين لم تستطيعوا تقديم جامع، كيف تدّعون التبادر؟ (فاضل اللنكراني، 1385هـ.ش: 1/191).

3-3. صحة التقسيم إلى الصحيح والفاسد

من جملة أدلة الأعمي على مدعاه، صحة تقسيم الصلاة أو الصوم أو عموم أسماء العبادات إلى صحيح وفاسد، وهذا يعني أن معنى العبادة أعم من الصحيح والفاسد؛ لأن الصلاة مثلاً بدون قيد تقع مقسمًا، والصلاة الصحيحة والصلاة الفاسدة هما قسماها. إذن، الصلاة المقسم شاهد على أن الموضوع له للصلاة أعم من الصحيح والفاسد. يرى الآخوند أنه لو لم يكن هناك دليل على صحة كون الموضوع له للعبادات هو الصحيح، لكان ما ذكر شاهدًا مناسبًا على المدعى، ولكن بالإضافة إلى أن صحة الموضوع له للعبادات أمر مستدل عليه، فإن تقسيم العبادة إلى صحيح وفاسد هو مجرد استعمال يمكن أن يكون حقيقة أو مجازًا، وحمل لفظ الصلاة في المقسم المقدم على الاستعمال المجازي ليس أمرًا صعبًا وشاقًا. (الآخوند الخراساني، 1409هـ: 30).

4-3. الاستعمالات الروائية

يذكر المرحوم الآخوند في هذا القسم موارد متعددة في الروايات يتمسك بها الأعمي لإثبات أن ألفاظ العبادات قد استُعملت وأُريد بها الأفراد الفاسدة. بعد ذكر المصاديق، يرد الآخوند هذا الدليل أيضًا، قائلاً إن الروايات المذكورة كلها استعمالات، والاستعمال أعم من الحقيقة والمجاز، ولا يمكن بهذه الاستعمالات إثبات الموضوع له لألفاظ العبادات. بالطبع، بعض الأمثلة المطروحة هي استعمال في الصحيح ووقع خطأ في الاستظهار، وفي الواقع، تم الاستعمال الحقيقي في المعنى الصحيح. (الآخوند الخراساني، 1409هـ: 30).

4. نقد الإمام الخميني لآراء الآخوند

ينتقد المرحوم الإمام في نقده لآراء الآخوند في بحث الصحيح والأعم، أولاً، الأدلة التي قدمها الآخوند للقول بالصحيح. ثم يتناول انتقادات الآخوند لأدلة القائلين بالأعم، وفي حين أنه يوافقه في بعض الانتقادات، إلا أنه لا يرى بعض هذه الانتقادات واردة ويجيب عليها.

1-4. نقد دليل إمكان تقديم الجامع

بالنظر إلى الاستدلال المذكور، إذا خُدشت مقدمة واحدة فقط، فإن النتيجة تتأثر وتُرد. لذا، ليس من الضروري أن يرد المستشكل جميع المقدمات. لكن الإمام ينقد بقية المقدمات ما عدا المقدمة الأولى، أي لزوم تقديم جامع. يعتقد الإمام أن كلا من الصحيحي والأعمي يجب أن يقدما جامعًا؛ لأن المتفق عليه بين الفريقين هو أن الماهيات من هذا القبيل ليست بحيث يكون الوضع عامًا والموضوع له خاصًا، مثل الحروف، بل بالإضافة إلى الوضع العام، يكون الموضوع له أيضًا عامًا، واستعمالات هذه الماهيات المختلفة من باب الاشتراك المعنوي، وقطعًا لم تتم أوضاع منفصلة لكل استعمال مختلف ليكون اشتراكًا لفظيًا. بناءً على ذلك، تحتاج كل ماهية إلى جامع تكون استعمالاتها اشتراكًا معنويًا. (الإمام الخميني، 1415هـ: 1/138).

أ) إشكالات المقدمة الثانية والثالثة

أولاً: قاعدة الواحد خاصة بالواحد البسيط الخالص من جميع الجهات، حيث لا أثر للتركيب فيه، ولا شائبة للكثرة مطلقًا. لكن ما نحن فيه هو مركب اعتباري مثل الصلاة، ولن يكون مجرى لقاعدة الواحد أبدًا. (الإمام الخميني، 1418هـ: 1/104).

ثانيًا: على فرض قبولنا جريان القاعدة في التركيب الاعتباري، فإن هذه القاعدة تجري حيث يوجد صادر ومصدر. بينما في ما نحن فيه، النهي عن الفحشاء والمنكر لا يصدر من الصلاة، والصلاة ليست مصدرًا لهذا الأثر، بل يمكن القول فقط إن من أتى بالصلاة الصحيحة، يُعد عند العرف والعقلاء مطيعًا وممتثلاً، وهذا الفعل الصحيح يقتضي ترك الفحشاء، ويقرب فاعل هذا الفعل من الله تعالى، بخلاف ما لو كانت الصلاة فاسدة. بعبارة موجزة، قاعدة الواحد إن جرت هنا، فبشرط أن يكون المؤثر مصدرًا وعلة تامة، لا مجرد مُعِدّ وله شأن الصدور والتأثير، كما أن الصلاة وسائر العبادات مجرد مُعِدّات لا علل تامة.

ثالثًا: على فرض قبول صدق الصادر والمصدر، فإن لازمه صدور أمور متكثرة من مثل الصلاة، وهذا يعني أن للصلاة حيثيات متكثرة. ومن البعيد أن يكون مثل هذا الجامع، الذي له حيثيات متكثرة بحسب تكثر الآثار، مقبولاً لدى الأصوليين. حاصل الكلام أن مثل هذه القواعد العقلية الدقيقة لا ينبغي إدخالها في مباحث من الأصول بُنيت على الفهم العرفي أو بناء العقلاء والوجدانيات. (الإمام الخميني، 1415هـ: 1/138).

بناءً على ما عُرض، فإن الإمام الخميني قد نقد دليل الآخوند مع افتراض أن مراد الآخوند من قاعدة الواحد هو «الواحد لا يصدر إلا عن الواحد». ولكن إذا كان مراد الآخوند هو قاعدة سنخية العلة والمعلول، فإن إشكالات متعددة ترد عليها، وقد تناولها المحقق الأصفهاني في نهاية الدراية (1429هـ: 1/104) بالتفصيل وأورد نقودًا دقيقة ومحقة.

ب) إشكالات المقدمة الرابعة

تتكون هذه المقدمة في الواقع من نقدين وإشكالين من الآخوند على الجامع الذي قدمه الأعمي – أي معظم الأجزاء العرفية -. الإشكال الأول، وهو استلزام مجازية استعمال ألفاظ العبادات في تام الأجزاء والشرائط، قد أُشكل عليه من قبل جميع محشي الكفاية تقريبًا، ولكننا لم نجده في كتب الإمام، ربما لأنه لم يتعرض له لوضوح بطلانه. الإشكال هو أن استعمال لفظ في معنى جامع وإرادة فرد أو حصة من ذلك المعنى هو استعمال للفظ في معنى الموضوع له؛ لأن الكلي يمكن أن يصدق على فرده أو حصته، فلا يقع أي مجاز. بخلاف ما لو اختص اللفظ بالفرد أو الحصة من المعنى الكلي، ولكن استُعمل بدون قرينة لإرادة المعنى الكلي، فهنا يقع المجاز. وبذلك، يكون إشكال الآخوند مردودًا. (الأصفهاني، 1429هـ: 1/104).

الإشكال الثاني للآخوند، وهو استلزام التبدل والتردد في التعريف، قد تعرض له الإمام ورده، قائلاً إن الماهيات والمركبات الحقيقية يمكن تعريفها بالجنس والفصل، أما تعريف الماهيات والمركبات الاعتبارية فغير ممكن، لأن المركب الاعتباري لا جنس له ولا فصل أصلاً. فكيف يمكن في هذه الحالة تعريفه بالجنس والفصل؟! إذن، لا ينبغي لأحد أن يتوقع من المركب الاعتباري تقديم تعريف بالجنس والفصل، وإذا عرفناه بطريقة ما، ولو بجامع اعتباري، فعلينا أن نكون شاكرين. في الواقع، يعود إشكال التبدل والتردد في التعريف إلى المقدمة الثانية التي قبلها الآخوند، وهي أن الجامع يجب أن يكون حقيقيًا وتكوينيًا، والتي ردها الإمام ببيانات مختلفة. قصة تقديم جامع للعبادات هي كذلك، فهي بلا شك مركبات اعتبارية، وتعريفها بالجنس والفصل غير ممكن، ولكن الجامع المذكور وإن كان جامعًا اعتباريًا، إلا أنه يمتلك أعلى مراتب الجامعية والمانعية. في الواقع، إشكال استلزام التبدل والتردد الذي قاله الآخوند يكون قبيحًا ومخلاً عندما نكون في مقام تقديم جامع حقيقي بالجنس والفصل، ولكن عندما نفهم أن هذا التعريف غير ممكن في المركبات الاعتبارية، فإننا نقبل الجامع الاعتباري الشامل والمانع بأذرع مفتوحة. (الإمام الخميني، 1376هـ.ش: 1/305).

2-4. نقد دليل التبادر

كلما وُضع لفظ لمعنى له بنفسه أو لوجوده الخارجي لوازم وعوارض، فإن ما هو مسلم هو حكاية اللفظ المذكور عن معنى الموضوع له؛ أما حكايته عن اللوازم والعوارض فستكون بواسطة معنى الموضوع له. وفي الواقع، معنى الموضوع له هو الدال، وهو يدل على لوازمه. مثلاً، بعد أن وُضع لفظ ‘شمس’ للشمس، عندما يُستعمل لفظ ‘شمس’، فإنه وإن انتقل الذهن إلى حرارة النور التي هي من لوازمه، إلا أن هذا الانتقال بواسطة معنى هذا اللفظ. وفي الواقع، ما هو دال حقيقةً هو معنى الشمس، ولوازم الشمس هي المدلول. ولهذا السبب، قلنا إن الدلالة على اللوازم والعوارض ليست من قبيل دلالة اللفظ. بالطبع، يحدث هذا الانتقال من معنى الموضوع له إلى لوازمه بسرعة، حتى يبدو كأن فهم اللازم قد تم من حاق اللفظ. بعبارة أخرى، معنى اللفظ هو ما وُضع اللفظ له، وليس الأمر أن لوازم وعوارض المعنى (بنفسه أو بوجوده) هي المحكية واللفظ حاكٍ عنها. في الواقع، يتم الانتقال أولاً من اللفظ إلى معنى الموضوع له، ثم من المعنى إلى لوازمه وعوارضه، وهذا انتقال طولي.

الآخوند إما قائل بأن لفظ الصلاة مثلاً وُضع للطبيعة المقيدة بالصحة، أو قائل بأنه وُضع للطبيعة، وكلما وُجدت في الخارج اتصفت بها. التزامه بالحالة الأولى وإدخال الصحة في الموضوع له أمر بعيد، بل إن بطلان هذا القول واضح جدًا. إذن، إذا وُضعت الصلاة لماهية بسيطة مجهولة، لا يمكن معرفتها إلا بواسطة عناوين آثارها، فإن ادعاء التبادر سيكون مستحيلاً؛ لأن هذه العناوين إما من لوازم وعوارض ذات الصلاة، وهي في رتبة تالية للذات، أو من لوازم وعوارض وجود الصلاة، وهي في رتبتين تاليتين للذات (نفس المعنى، الوجود الخارجي للمعنى). وأن تتبادر هذه العناوين إلى الذهن بواسطة سبق معنى الموضوع له أمر غير معقول؛ لأننا قبلنا أن الموضوع له مجهول، والمجهول لا يمكن أن يكون لازمًا. خلاصة الكلام أن مدعي التبادر لا بد أن يكون قائلاً بأحد الحالات الثلاث التالية:

  • الحالة الأولى: تبادر المعنى قبل تبادر العناوين. هذه الحالة لا وجه لها، لأن الفرض أن المعنى نفسه مجهول، ومن المفترض أن يُعرّف بالآثار والعناوين.
  • الحالة الثانية: تبادر العناوين قبل تبادر المعنى. هذه الحالة أيضًا غير ممكنة؛ لأن هذه العناوين، كما بُيّن، متأخرة برتبة أو رتبتين عن المعنى نفسه، فتبادرها قبل تبادر المعنى غير معقول.
  • الحالة الثالثة: تبادر المعنى والعناوين معًا. بقليل من التأمل في المناطات التي قُدمت، يتضح بطلان هذه الحالة أيضًا، أي أن تبادر المعنى والعنوان في آن واحد واضح البطلان. (الإمام الخميني، 1376هـ.ش: 1/331 و 1418هـ: 1/112).

3-4. نقد دليل صحة السلب

يعتقد الإمام أن دليل صحة السلب الذي استدل به الآخوند واعتبره أفضل من التبادر، مردود؛ لأنه لا يمكن سلب شيء عن شيء آخر إلا بعد تصور الموضوع، كما أن ثبوت شيء لشيء آخر يحتاج إلى هذا التصور. لهذا السبب، لا يمكن سلب ذات ومعنى الصلاة عن الصلاة الفاسدة، لأن كنهها مجهول حسب الفرض. وعندما يكون المعنى غير معلوم، كيف يمكن سلبه عن شيء آخر؟ أما سلب الصلاة باعتبار آثارها – الصلاة الفاسدة من حيث إنها ليست ناهية عن الفحشاء وليست معراج المؤمن، ليست صلاة – فهو وإن كان أمرًا صحيحًا، لكنه لا يفيد في إثبات المدعى؛ لأن مؤدى هذا السلب هو أن الصلاة التي ليست ناهية عن الفحشاء هي فاسدة، وهذا أمر صحيح تمامًا ولا شك فيه، وحتى الأعمي يلتزم به. خلاصة القول، في صحة السلب، يدور الأمر بين المستحيل وغير المفيد. (الإمام الخميني، 1382هـ.ش: 1/62 و 1376هـ.ش: 1/338).

4-4. نقد دليل الاستعمال الروائي

يجيب الإمام على الروايات المستدل بها بأن الروايات المذكورة لا تتجاوز حريم الاستعمال، أما ما يسعى إليه المدعي فهو إثبات الموضوع له لألفاظ العبادات، هل هو الصحيح أم الأعم من الصحيح والفاسد؟ بينما الاستعمالات المذكورة يقبلها الجميع، ولا أحد يقول بترتب الآثار والخواص على الصلاة الفاسدة. أما الموارد المذكورة فهي مجرد استعمالات قيل مرارًا إنها أعم من الحقيقة والمجاز، والأعمي قائل بأن استعمال الصلاة في الأمثلة المذكورة قد تم في حصة الصحيح، والاستعمال مجازي. وأن يقول البعض مثل المحقق العراقي إن الظاهر من هذه الاستعمالات هو المعنى الارتكازي للعبادة وهو حقيقي، وليس الاستعمال مجازيًا، فليس هذا أكثر من ادعاء التبادر الذي قيلت إشكالاته. (الإمام الخميني، 1376هـ.ش: 1/338).

5-4. دراسة انتقادات الآخوند لأدلة الأعميين

في رأي الإمام، الآخوند وأنصاره الذين قالوا بوضع ألفاظ العبادات للصحيح، كان ذلك فقط لأنهم لم يتمكنوا من تقديم جامع بناءً على القول بالأعم. لذا، قبلوا بالقول بالصحيح. ولكن لو استطاعوا تقديم جامع بناءً على القول بالأعم، لكانوا بالتأكيد أعميين. إن الروايات التي تُقدم لإثبات مدعى الأعمي، وكذلك دليل صحة التقسيم إلى صحيح وفاسد، ليست أكثر من استعمالات، وإشكال الآخوند عليها صحيح؛ لأنه حقيقةً، الاستعمال أعم من الحقيقة والمجاز، ولا يمكن الاستدلال على الموضوع له بالاستعمالات، ولو كانت أفصحها. (الإمام الخميني، 1376هـ.ش: 1/338).

إشكال الآخوند على تبادر الأعمي يعود إلى نفس الإشكالات التي كانت لديهم على جوامع الأعميين، بينما قد أجاب الإمام على القدر الجامع ‘معظم العرفي’ بشكل كامل ولم يترك مجالاً لإشكال آخر. فمن الطبيعي ألا يرد هذا الرد من الآخوند على التبادر أبدًا. وكذلك الرد الذي ورد على صحة الحمل؛ فبطبيعة الحال، عندما أصبح ‘معظم الأجزاء العرفي’ قدرًا جامعًا للأعمي بلا إشكال، فإن عدم وضوح المعنى لم يعد دليلاً مقبولاً لرد صحة الحمل. بالطبع، يمكن قبول أن هذا الحمل هو استعمال، والاستعمال أعم من الحقيقة والمجاز. ولكن إثبات القول بالأعم لا ينحصر في هذا الدليل حتى يُرد هذا القول بانتفائه.

إضافة إلى ما قيل، تجدر الإشارة إلى أن الإمام يعتقد أن ما ينسجم مع اقتضاء الوجدان، وبضميمة أصالة عدم النقل، هو أن ألفاظ العبادات موضوعة للأعم من الصحيح والفاسد. لأنه من الواضح جدًا أنه لو صلى شخصان، أحدهما صلاته صحيحة والآخر خاطئة، لصدق على كليهما أنهما يصليان دون أي علاقة مجازية. (الإمام الخميني، 1376هـ.ش: 1/338). ويصدق ذلك في حين أن إحدى الصلاتين باطلة قطعًا.

الخاتمة

يُعرّف الآخوند معنى الصحة بأنه تمام الأجزاء والشرائط، ويرى أن علاقته بالفساد هي علاقة الملكة وعدم الملكة، وأن جميع المعاني الأخرى التي قيلت للصحة تعود إلى هذا المعنى المذكور. لكن الإمام الخميني يعتقد أن الآخوند قد خلط بين معنى الصحة والفساد ومعنى التام والناقص، بينما هما مختلفان؛ فعلاقة الصحة والفساد هي علاقة تضاد، بخلاف التام والناقص اللذين علاقتهما هي الملكة وعدم الملكة. تُطلق الصحة عندما تمتلك الطبيعة النوعية المقومات المناسبة.

من جملة أدلة الآخوند على القول بالصحيح، إمكان تقديم جامع، حيث يعجز الأعمي عن تقديمه. أما الصحيحي فيمكنه تقديم «ما يوجب الآثار المطلوبة». لكن الإمام يرى أن مبنى تقديم الجامع عند الآخوند هو «قاعدة الواحد»، وهي منحصرة في الواحد البسيط من جميع الجهات، ولا تشمل ما نحن فيه الذي هو تركيب اعتباري. بالإضافة إلى أنه على فرض عدم ورود الإشكال السابق، فإن جريان القاعدة يكون حيث يوجد صادر ومصدر، وهو منتفٍ هنا. من جهة أخرى، ليس الأعمي عاجزًا عن تقديم جامع، بل يقبل ‘معظم العرفي’ كجامع، ويرد إشكالات الآخوند على هذا الجامع. الدليل الآخر الذي يطرحه الآخوند للقول بالصحيح هو التبادر، الذي لا يقبله الإمام الخميني لكونه من حاق اللفظ. كما أن دليل صحة السلب عند الآخوند مردود في نظر الإمام. وبالنسبة لدليل الاستعمال الروائي، فإنه على الرغم من وجود مثل هذه الاستعمالات التي لا يمكن إنكارها، إلا أن الاستعمال، وإن كان متعددًا، لا فائدة له في إثبات الموضوع له، لأنه أعم من الحقيقة والمجاز.

في النهاية، يرى الإمام الخميني، مع قبوله ببعض إشكالات الآخوند على أدلة الأعميين، أنه لا يقبل إشكال الآخوند على تبادر الأعم من ألفاظ العبادات، وبإضافة دليل شهادة الوجدان على المدعى، يقبل بالقول بالأعم.

المصادر والمراجع

  • الآخوند الخراساني، محمد كاظم. (1409هـ). كفاية الأصول. قم: مؤسسة آل البيت (ع).
  • ابن منظور، أبو الفضل. (1414هـ). لسان العرب. بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع – دار صادر.
  • الأصفهاني، السيد أبو الحسن. (1422هـ). وسيلة الوصول إلى حقائق الأصول. قم: مؤسسة انتشارات إسلامي جامعة مدرسين.
  • الأصفهاني، محمد حسين. (1429هـ). نهاية الدراية في شرح الكفاية. بيروت: مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث.
  • الإمام الخميني، السيد روح الله. (1418هـ). تنقيح الأصول. طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (ره).
  • ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. (1382هـ.ش). تهذيب الأصول. قم: دار الفكر.
  • ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. (1376هـ.ش). جواهر الأصول. طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (ره).
  • ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. (1415هـ). مناهج الوصول إلى علم الأصول. طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (ره).
  • الأنصاري، مرتضى. (1404هـ). مطارح الأنظار. قم: مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث.
  • التبريزي، ميرزا جواد. (1387هـ.ش). دروس في مسائل علم الأصول. قم: دار الصديقة الشهيدة (س).
  • الحسيني الفيروزآبادي، مرتضى. (1400هـ). عناية الأصول في شرح كفاية الأصول. قم: كتاب فروشي فيروزآبادي.
  • رمضان حسن، خالد. (1418هـ). معجم أصول الفقه. القاهرة: مطبعة المدني.
  • فاضل موحدي اللنكراني، محمد. (1385هـ.ش). إيضاح الكفاية. قم: نشر نوح.
  • الفراهيدي، خليل بن أحمد. (1410هـ). كتاب العين. قم: نشر هجرت.
  • الفيومي، أحمد بن محمد. (بلا تاريخ). مصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي. قم: منشورات دار الرضي.
  • المشكيني الأردبيلي، أبو الحسن. (1413هـ). حاشية كفاية الأصول. قم: نشر لقمان.
  • هلال، هيثم. (1424هـ). معجم مصطلح الأصول. بيروت: دار الجليل.
Scroll to Top