ملخص
في الشريعة الإسلامية، توجد بعض الأحكام البديهية والضرورية التي يعلمها كل مسلم ويلتزم بها؛ ولهذا السبب، اعتبر كثير من الفقهاء إنكارها كإنكار للشريعة، وعدّوه موجباً للكفر. هذا في حين كان التعبير الشائع بين القدماء هو استحلال (أي تحليل الحرام وتحريم الحلال) والارتداد. يتناول هذا البحث الموضوع بأسلوب تحليلي-اجتهادي معتمداً على المصادر المكتبية. تُظهر دراسة الأدلة الموجودة أن عنوان “الضروري” له ثلاثة ملاكات: 1. أنه واضح وجلي عند جميع المسلمين؛ 2. أنه لا يحتاج إلى إقامة دليل؛ 3. لا معنى للاجتهاد فيه. وفي فرض إنكار ضروري الدين، يتوقف حصول الكفر على علم المنكِر بكون الحكم ضرورياً في شريعة الإسلام، وفي هذه الحالة، يكون الإنكار ملازماً للكفر؛ وإن لم يؤدِّ إلى تكذيب النبي ﷺ. (1) (2)
مقدمة
يعد إنكار ضروري الدين من المسائل الاجتماعية في الفقه، ومسألة كانت دائماً موضوع تساؤلات متنوعة، وفي العصر الحاضر أصبحت محل بحث وتأمل أكبر من قبل الأفراد والجماعات المختلفة في المجتمع. أحد طرفي المسألة هو الدين والطرف الآخر هو حياة الإنسان، ولكل منهما أهميته الخاصة. البحث الأساسي في هذه المسألة هو كفر منكر الضروري؛ أي إذا شكك شخص لأي سبب من الأسباب في أحد أحكام الإسلام الضرورية وأنكرها وأبى قبولها، فهل يمكن اعتباره كافراً بدين الإسلام وتطبيق أحكام الكفر والارتداد عليه؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هي الضوابط والقيود التي تحكم هذا الحكم؟
يُطرح بحث إنكار ضروري الإسلام في سياق يقبل فيه الشخص أصل الإسلام ولكنه لا يقبل حكماً من أحكامه. ومن الضروري الانتباه إلى أن محل النزاع في بحث الضروري هو عندما يقول شخص: أنا أقبل الإسلام والقرآن والنبي ﷺ والإمامة؛ ولكني مثلاً لا أقبل وجوب الحج. في هذا الفرض، يُطرح السؤال: هل هذا الإنكار يوجب كفره؟
في بعض أقوال الأعلام، يكون إنكار الضروري موجباً للكفر في فرض يلازم إنكار النبوة، وإلا فلن يكون ملازماً للكفر. وفقاً لهذا الرأي، لا يُعد إنكار الضروري عنواناً مستقلاً للكفر، بل يندرج تحت العناوين الأصلية للكفر وهي إنكار التوحيد والنبوة؛ ولكن وفقاً لرأي آخر، يُعتبر هذا العنوان سبباً موجباً للكفر في عرض العنوانين الآخرين. بناءً على هذه الأوصاف، يمكن طرح السؤال الرئيسي لهذا البحث على النحو التالي: هل إنكار الضروري سبب مستقل للكفر، أم أن إنكار الضروري يوجب الكفر في حال تكذيب النبي ﷺ؟
نشأ هذا البحث بعنوان «إنكار الضروري» منذ زمن المحقق الحلي (الحلي، 1408، ج1، ص45) وبعده يحيى بن سعيد الحلي (الحلي، 1405، ص570)؛ لأن الحكم قبلهما لم يكن يدور حول إنكار «الضروري»؛ بل كانت المسألة تُطرح ضمن عناوين مثل «الاستحلال» و«الارتداد». وكذلك منذ زمن المحقق الأردبيلي (الأردبيلي، 1403، ج3، ص199) وما بعده، اكتسب عنوان منكر الضروري قيداً آخر، وهو ملازمته لتكذيب النبي ﷺ لتحقق الكفر.
يهتم هذا البحث بدراسة وتحقيق المباني والآراء الفقهية وبيان الرأي المختار في هذه المسألة بأسلوب تحليلي-اجتهادي.
1. دراسة مفهوم الحكم الضروري
إن تحديد أي من أحكام الإسلام يُعتبر ضرورياً، وما هو الضابط لتمييزه، يتطلب بحثاً فقهياً. ولهذا الغرض، ندرس أقوال الفقهاء لنتتبع أصل هذا العنوان في كلامهم.
يُظهر الرجوع إلى كتب الفقه أن البعض، رغم اعتباره إنكار بعض الأحكام الخاصة موجباً للكفر، لم يضعوا أي ضابط لهذا العنوان؛ على سبيل المثال، يكتب الشيخ الطوسي في النهاية: لو أن أحداً استحل الميتة وأكل الدم ولحم الخنزير، وكان هذا الشخص مولوداً على فطرة الإسلام (أي ولد من أبوين مسلمين)، فإنه يرتد بمجرد هذا الاستحلال (الطوسي، 1400، ص713)؛ وكذلك يقول ابن حمزة في الوسيلة: من أنكر وجوب الصوم وقال إن الصوم ليس واجباً، يُقتل (الطوسي، 1408، ص425).
واكتفى البعض الآخر بذكر عنوان الضرورة دون توضيح خاص؛ ربما لأن مصاديق عنوان ضروري الدين كانت بديهية لديهم؛ على سبيل المثال، يقول ابن سعيد الحلي في الجامع للشرائع: من أنكر نبوة النبي ﷺ أو واجباً أو حراماً أو حتى مباحاً، إذا فُهم من دينه ضرورة وجوبه أو حرمته أو إباحته، فإن هذا الشخص مرتد (الحلي، 1405، ص570). ويقول المحقق الحلي في الشرائع: ضابطة الكافر هي كل من خرج عن الإسلام وأنكر التوحيد والنبوة، أو من ينسب نفسه إلى الإسلام ولكنه ينكر ما هو معلوم بالضرورة أنه من الدين (الحلي، 1408، ج1، ص45). ويكتب العلامة الحلي في التحرير: العاشر من النجاسات هو الكافر، والكافر هو من ينكر ما عُلم ثبوته في الدين بالضرورة، ولا فرق بين أن يكون حربياً أو من أهل الكتاب أو مرتداً (الحلي، 1420، ج1، ص158). ويقول الشهيد الأول في الدروس: من أنكر شيئاً ثبت (وجوبه) أو نفيه بالضرورة (مثلاً «نفي الربا» ثابت بالضرورة في ديننا، فإذا قال شخص: لا إشكال في الربا) وأنكره، فهو كافر (العاملي، 1417، ج2، ص51).
وفسّر بعض الفقهاء الآخرين ضروري الدين بمعنى اليقيني؛ على سبيل المثال، يقول الشيخ يوسف البحراني عن حديث الغدير: يجب الانتباه إلى أن المراد من الضروري في الفقه يختلف عن مصطلح الضروري عند أهل المعقول؛ لأن الضروري عند أهل المعقول هو ما لا يحتاج إلى حجة وبرهان؛ أما الضروري في الفقه فهو ما دليله متواتر وطريق إثباته واضح جداً بحيث نحصل منه على اليقين (البحراني، دون تاريخ، ص155). لقد فسّر الضروريات باليقينيات، وقبله كان المحقق الأردبيلي هو أول فقيه يفسر الضروريات باليقينيات، حيث يقول: المراد من الضروري (الذي يكفر منكره) هو ما ثبت عند المنكر أن هذا الشيء من الدين بلا شك؛ حتى لو كان ثبوته بالبرهان؛ وحتى لو لم يكن مجمعاً عليه، فهو ضروري. وهو يرى أن منكر الضروري كافر لأنه يؤدي إلى إنكار الشريعة وتكذيب النبي ﷺ، ولا يرى للضروري عنواناً مستقلاً (الأردبيلي، 1403، ج3، ص199). ويقول الشيخ الأنصاري أيضاً عن الضروري: إذا كان الشيء ضرورياً، فإن العامة والخاصة يتفقون عليه في جميع الأزمان (الأنصاري «ب»، 1415، ج1، ص266).
ويرى البعض الآخر أن إنكار أي شيء يوجد عليه إجماع يوجب الكفر. يمكن القول إن أحكام الدين الضرورية في نظر هذه المجموعة هي الأحكام الإجماعية؛ على سبيل المثال، يقول الشيخ الطوسي: لو ترك شخص صلاته، يُمهل ويُسأل؛ فإن قال: لم أعد أعتقد بوجوب الصلاة، فهو كافر إجماعاً؛ لأنه خالف إجماع الخاصة والعامة (الطوسي، 1387، ج7، ص283). معيار الشيخ الطوسي هنا ليس إنكار الضروري؛ بل طرح مخالفة إجماع الخاصة والعامة كمعيار للكفر؛ بالطبع، يجب الانتباه إلى أن المراد من إجماع الخاصة والعامة هذا ليس الإجماع الاصطلاحي؛ بل هو تعبير آخر عن نفس الضروري. ويقول الشهيد الثاني في شرح اللمعة: الكافر هو من يستحل حراماً أجمعت حرمته كالزنا، أو من يحرم حلالاً أجمع على حله، أو ينفي وجوب جزء أو شرط أجمع على وجوبه، كمن يقول إن ركعة من صلاة العصر (وهي أربع ركعات) زائدة وصلاة العصر ثلاث ركعات، أو العكس، كمن يقول إن الصلوات اليومية الواجبة ست؛ لذا فضابطة الكفر هي إنكار ما هو بالضرورة جزء من الدين (العاملي، 1410، ج9، ص334). بالنظر إلى أقوال كبار الفقهاء، يمكن القول إنه إذا كان حكم ما متفقاً عليه بين جميع علماء العامة والخاصة، فإنه يعتبر ضرورياً.
ومن جهة أخرى، فسّر البعض الضروريات باليقينيات؛ لذا يمكن تقديم ثلاثة معايير من هذه المعايير المذكورة للضروري:
- واضح وجلي عند جميع المسلمين؛
- لا يحتاج إلى إقامة دليل؛
- لا معنى للاجتهاد فيه.
على سبيل المثال، وجوب الصلاة من الضروريات. الآن، لو قال شخص اليوم: أريد أن أجتهد وأرى هل الصلاة واجبة أم لا؛ لا يمكن قبول كلامه؛ لأن الاجتهاد في مثل هذه الأمور لا سبيل له؛ كما أن التقليد في مثل هذه الأمور لا معنى له؛ مثلاً، لا يستطيع أحد أن يقول: أنا أقلد فلاناً الذي لا يوجب الحجاب؛ لأن الحجاب من ضروريات الدين، وليس أمراً اجتهادياً ليشاء أحد أن يقلد فيه فقيهاً ما.
2. آراء الفقهاء حول منكر الضروري
فيما يلي سنتناول آراء الفقهاء حول الضروري، ولا بد من الانتباه إلى نقطتين:
في الفقه، لدينا مجموعة من الضروريات وبعض الأمور الإجماعية والقطعية. فهل المراد من الضروري هنا (عندما نقول إن منكر الضروري كافر) هو الضروري مقابل اليقيني والقطعي؟ بعبارة أخرى، هل من يخالف الإجماع قد أنكر الضروري، أم أن المراد من الضروري شيء أسمى من القطعيات والإجماعيات؟
هل مقصود الفقهاء من قولهم إن من أنكر الضروري فهو كافر، هو أن إنكار الضروري بحد ذاته يوجب الكفر، أم أن مقصودهم أنه إذا استلزم إنكار الضروري تكذيب النبي ﷺ، فإنه يستلزم الكفر؟
1-2. استقلالية إنكار الضروري في الكفر
في هذا الرأي، إنكار الضروري يوجب الكفر بشكل مستقل، حتى لو لم يلتفت الشخص المنكر إلى أن إنكاره هذا يوجب تكذيب النبي ﷺ. وقد نسب العاملي في مفتاح الكرامة الإجماع على هذا القول إلى ظاهر كلام الأصحاب (العاملي، 1419، ج2، ص37). وبالطبع، من البديهي أن دعوى الإجماع أو الشهرة بعنوان إنكار الضروري غير ممكنة؛ لأنه كما أشير سابقاً، فإن عنوان «الضروري» قد طُرح في هذه المسألة منذ القرن السابع فصاعداً.
صاحب الجواهر، الذي يعتبر إنكار الضروري عنواناً مستقلاً للكفر، يسعى لإثبات هذا الادعاء فيقول: إن الفتاوى والروايات في هذا الباب مطلقة؛ على سبيل المثال، في رواية موضوع الارتداد، ورد «مَن استَحَلَّ المِيتَةَ» (مفيد، 1413، ص800)؛ سواء كان مصحوباً بتكذيب النبي ﷺ أم لا، ويُستفاد من هذه الرواية وروايات مشابهة أن منكر الضروري عنوان مستقل للكفر والارتداد؛ على سبيل المثال، في باب الربا، وردت هذه الرواية: أُخبر الإمام الصادق (ع) أن شخصاً يأكل الربا ويستطيبه ويسميه «لبأ». فقال الإمام الصادق (ع): لو أمكنني، لضربت عنقه (الكليني، 1407، ج5، ص147؛ العاملي، 1409، ج18، ص125). لم يرد في هذه الرواية: «اذا كان موجباً لتكذيب النبي» (النجفي، 1404، ج6، ص50 وج41، ص601). (3)
أساس ومنطلق رأي صاحب الجواهر أربعة أمور:
يُستفاد من كلام الفقهاء أن إنكار الضروري بحد ذاته سبب مستقل للكفر، وقد علقوا عنوان «الكفر» على إنكار الضروري نفسه، ولم يذكروا شيئاً آخر عن تكذيب النبي ﷺ.
لقد اعتبر الفقهاء «من خرج عن الإسلام» و«من جَحَد ما يعلم من الدين بالضرورة» أسباباً للكفر؛ دون أن يذكروا قيد تكذيب النبي ﷺ لـ «من جحد»، وظاهر العطف هو أنه إذا أنكر شخص ضرورياً – وإن لم يكذب النبي ﷺ – فهو كافر.
البعض لم يذكر مسألة إنكار الشهادتين، بل بنى المسألة على إنكار الضروري، وهذا يدل على أن إنكار الضروري سبب للكفر بحد ذاته.
صاحب الجواهر في النهاية يختار الإجماع (النجفي، 1404، ج6، ص47).
2-2. موضوعية تكذيب النبي ﷺ
يرى بعض الفقهاء أن مجرد إنكار الحكم – وإن كان ضرورياً – لا يوجب الكفر؛ ووفقاً لهذا الرأي، لا يكون إنكار الضروري سبباً للكفر بحد ذاته؛ بل إذا استلزم تكذيب النبي ﷺ، فإنه يوجب الكفر. وأول فقيه لا يعتبر إنكار الضروري موجباً للكفر بشكل مستقل هو المحقق الأردبيلي (الأردبيلي، 1403، ج3، ص199). وقد وسع أيضاً كلمة «الضروري» ويقول: «الضروري» هو ما يتيقن الشخص أنه من الدين، وإن كان ذلك بالبرهان، وحتى لو لم يكن مجمعاً عليه؛ لأن دليل كفر منكر الضروري هو أنه إذا تيقن شخص أن النبي ﷺ قال شيئاً ثم أنكره، فإنه في الحقيقة قد كذب النبي ﷺ (الأردبيلي، 1403، ج3، ص199).
ويتابع قائلاً: بالطبع، نحن لا نقبل أنه إذا أنكر شخص حكماً إجماعياً، فإن ذلك يوجب تكفيره؛ بل الملاك هو هل الشخص يعلم بهذا الحكم أم لا. الآن، لو سأل سائل: ما هو وجه جعل الفقهاء كلمة «الضروري» ملاكاً، بدلاً من أن يقولوا: إذا أنكر شخص «ما عُلِمَ من الدين» فهو كافر؟ الجواب هو أنه لما كان العلم يحصل غالباً في الضروريات، فقد جعلوا الضروري ملاكاً وحكموا به (الأردبيلي، 1403، ج3، ص199).
يُستفاد من كلام المحقق الأردبيلي عدة نقاط:
- الضروري بحد ذاته ليس له موضوعية؛ بل إنكار المعلوم هو الموضوع؛ أي إذا تيقن مسلم من شيء ثم أنكره، فهو كافر؛
- مجرد إنكار الإجماع لا يوجب الكفر؛
- إنكار المعلوم كفر من حيث إنه يوجب تكذيب النبي ﷺ.
الفاضل الهندي أيضاً لا يرى موضوعية لمنكر الضروري ويكتب: أحياناً يكون الكفر عن طريق اللسان؛ مثل أن يقول لفظاً يدل صراحةً على إنكار شيء يعلم أنه بالضرورة جزء من دين الإسلام، وأحياناً يكون باعتقاد شيء يُحرم بالضرورة اعتقاده (وهو جزء من دين النبي ﷺ).
ويكتب في النهاية: الملاك الأصلي للكفر هو إنكار شيء يعتقده أو اعتقاد وجود شيء لا يعتقد بوجوده في الشريعة؛ لأن هذا العمل في الحقيقة هو تكذيب للنبي ﷺ (الفاضل الهندي، 1416، ج10، ص658).
في كلام الفقهاء المتقدمين مثل الشيخ المفيد، والشيخ الطوسي، وابن إدريس، وابن حمزة، وابن سعيد، وحتى العلامة الحلي والشهيدين، لم يكن هناك شيء اسمه «تكذيب النبي ﷺ» مطروحاً حتى ذلك الزمان؛ ولكن منذ زمن المحقق الأردبيلي والفاضل الهندي، طُرحت مسألة تكذيب النبي ﷺ.
رأي مشهور الفقهاء المعاصرين يستند إلى هذا الرأي. يكتب المحقق الخوئي: إذا علم شخص أن هذا القول قاله رسول الله ﷺ وعلم أن إنكاره يوجب تكذيب الرسول الأكرم ﷺ وأنكر ذلك الضروري، فإنه يوجب الكفر؛ لذا فإن إنكار الضروري الذي يوجب الكفر يختص بالعالم، لا بمن كان إنكاره عن شبهة أو جهل (الخوئي «ب»، 1418، ج23، ص4).
ويعتقد أيضاً أنه لا يوجد إجماع على كفر منكر الضروري بشكل مستقل، ولا حتى شهرة قائمة على كفره (الخوئي، 1418، ج23، ص4). ويكتب المرحوم الفاضل اللنكراني في كتاب الطهارة: بما أنه يمكن حمل كلام الأصحاب على معانٍ مختلفة، مثلاً نقول إن الشيخ المفيد والشيخ الطوسي قالا: «من استحل الميتة»، وهذا مجمل؛ سواء أوجب تكذيب الدين أم لا. ربما كان مرادهم ومقصودهم أن يوجب تكذيب النبي ﷺ. لهذا السبب، لا يمكن القول بوجود إجماع في المسألة (الفاضل اللنكراني، 1409، ص252).
في رأينا، حتى لو لم نقبل الإجماع في هذه المسألة، فإن الإنصاف يقتضي وجود شهرة في المسألة على أن إنكار الضروري يوجب الكفر بشكل مستقل؛ مثل عبارة «من استحل الميتة» في كلام الشيخ المفيد والشيخ الطوسي وابن إدريس.
ويقول الإمام الخميني أيضاً: لا يوجد شيء في كلام القدماء من هذين الوجهين (هل كان القدماء يعتبرون منكر الضروري سبباً مستقلاً للكفر، أم أنه إذا أوجب تكذيب النبي ﷺ، فهو كافر) يمكن من خلاله الاطمئنان إلى مرادهم، فضلاً عن أن نتمكن من الحصول على شهرة في المسألة. بناءً على ذلك، لا يوجد في هذه المسألة إجماع ولا شهرة (الخميني، 1421، ج3، ص454).
الآن يجب أن نرى ما يجب فعله في مسألة كهذه، حيث يسعى فقهاء مثل صاحب الجواهر إلى ترسيخ المسألة بالإجماع وتسالم الأصحاب، وفي المقابل، يعتقد فقهاء مثل الإمام الخميني أنه لا يوجد إجماع ولا شهرة.
الفرق بين الرأيين حول منكر الضروري (أي أن إنكار الضروري إذا استلزم تكذيب النبي ﷺ وإنكار الرسالة، فإنه يوجب الكفر، وأن الضروري بحد ذاته موضوع للكفر) هو كالتالي:
بناءً على عدم استقلالية الضروري، لا توجد خصوصية لكون الحكم ضرورياً؛ بل إذا أنكرنا أي حكم يستلزم تكذيب النبي ﷺ، فهذا كفر، وهذا وفقاً لبيان المحقق الأردبيلي وكشف اللثام، وحتى المحقق الخوئي والإمام الخميني يتبنون هذا الرأي.
بناءً على عدم استقلالية العقل، يجب على المنكر أن يعلم أن الحكم المنكر من الأحكام التي بلغها النبي الكريم ﷺ؛ بينما وفقاً للرأي الآخر، ليس من الضروري أن يكون الشخص قاطعاً. لذا، فإن الفقهاء الذين يقولون إن إنكار الضروري كفر بشكل مستقل، لا يشترطون أن يكون المنكر نفسه عالماً مسبقاً؛ بل يكفي أن يعلم أنه ضروري عند المتدينين، وهذا المقدار كافٍ في كفره.
3-2. التفصيل بين القاصر والمقصر
رأي آخر تشكل في المسألة، وهو التفصيل بين القاصر والمقصر. وفقاً لهذا الرأي، إنكار الضروري من قبل شخص مقصر يوجب كفر الشخص؛ وإلا فإنه لا يوجب الكفر. يتبنى البعض مثل الشيخ الأنصاري هذا الرأي (الأنصاري «ب»، 1415، ج1، ص266)؛ على سبيل المثال، شخص أسلم حديثاً ولا يزال لا يعرف حكم الربا في الإسلام ويعلن حليته، فإن ذلك لا يوجب كفره، لأنه قاصر؛ أما من عاش في بلاد الإسلام وبين المسلمين، فإن مثل هذا الاعتقاد يوجب كفره.
4-2. معيار الخروج عن الدين
يمكن استنباط رأي آخر من بعض أقوال الأعلام، وهو أن إنكار الحكم إذا استلزم الخروج عن الدين، فإنه يوجب الكفر. يقول المرحوم بحر العلوم: نحصل من الكتاب والسنة على عنوان آخر باسم «الخروج عن الدين»؛ أي إذا أوجب إنكار حكم الخروج عن الدين، فهذا يعني الكفر، سواء كان الإنكار لأصول اعتقادية أو أحكام فرعية، وفي الأحكام الفرعية، سواء كانت ضرورية أو غير ضرورية (بحر العلوم، 1403، ج4، ص197).
ويواصل في بيان الأدلة على رأيه، ويشير أولاً إلى بعض الروايات ويقول: لدينا روايات يُنتزع من مجموعها هذا العنوان، وهو «من خرج عن الإسلام فهو كافر». من جملة هذه الروايات قول الإمام (ع): «أَدْنَى مَا يَكُونُ بِهِ الْعَبْدُ كَافِراً مَنْ زَعَمَ أَنَّ شَيْئاً نَهَى اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِهِ وَنَصَبَهُ دِيناً» (الكليني، 1407، ج2، ص415). في هذه الرواية، ورد أن أدنى ما يكفر به الإنسان هو أن يعلم أن الله نهى عن شيء ثم يظن أن الله أمر به، ثم يوجب على نفسه حراماً كدين؛ لذا إذا قال شخص بسبب هوى نفسه: أنا أوجب هذا الحرام على نفسي، فإن هذا لا يعتبر «نَصَبَهُ دِيناً» ولا تشمله الرواية.
الرواية الأخرى هي صحيحة أبي الصباح الكناني عن الإمام الباقر (ع) التي ورد في نهايتها: «فَمَا بَالُ مَنْ جَحَدَ الْفَرَائِضَ كَانَ كَافِراً» (الكليني، 1407، ج2، ص33)؛ «من أنكر الفرائض فهو كافر». وفي مكاتبة عبد الرحيم، ورد: «وَلَا يُخْرِجُهُ إِلَى الْكُفْرِ إِلَّا الْجُحُودُ وَالِاسْتِحْلَالُ أَنْ يَقُولَ لِلْحَلَالِ هَذَا حَرَامٌ وَلِلْحَرَامِ هَذَا حَلَالٌ وَدَانَ بِذَلِكَ فَعِنْدَهَا يَكُونُ خَارِجاً مِنَ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ دَاخِلاً فِي الْكُفْرِ» (الكليني، 1407، ج2، ص27)؛ يقول الإمام الصادق (ع): سبب الكفر هو الجحود والإنكار والاستحلال، والاستحلال يعني أن يعتبر الحلال حراماً والحرام حلالاً ويعتقد بذلك. مثل هذا الشخص يخرج عن الإسلام والإيمان ويدخل في الكفر.
في هذه الرواية، يسأل عبد الله بن سنان الإمام الصادق (ع): شخص كان من أهل الكبائر ومات. فهل ارتكاب الكبائر يخرجه من الإسلام؟ فأجاب (ع): «مَنِ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً مِنَ الْكَبَائِرِ فَزَعَمَ أَنَّهَا حَلَالٌ أَخْرَجَهُ ذَلِكَ مِنَ الْإِسْلَامِ» (الكليني، 1407، ج2، ص285)؛ من ارتكب كبيرة وزعم أنها حلال (أي قال إنها حلال في ديننا)، فإن هذا العمل يخرجه من الإسلام» (بحر العلوم، 1403، ج4، ص201).
يقول المرحوم بحر العلوم: العنوان الذي يُستفاد من مجموع هذه الروايات هو أن «الخروج عن الإسلام» يوجب الكفر، بل هو عين الكفر.
ويكتب في وجه الفرق بين رأي تكذيب النبي ﷺ والخروج عن الدين: وجه الفرق هو في حالة أن ينكر شخص ضرورياً عن شبهة (مثل شخص أسلم حديثاً وكان في بلاد الكفر وأنكر ضرورياً «بالشبهة»)، وهذا لا يستلزم تكذيب النبي ﷺ؛ ولكنه يستلزم الخروج عن الدين؛ لذا فإن مورد الفرق بين هذين الرأيين هو في فرض الشبهة فقط، وفي موضوع هذا العنوان الثالث (الخروج عن الدين)، فإن مجرد إنكار حكم من أحكام مجموعة الدين (حتى لو لم يكن ذلك الحكم ضرورياً) يوجب الخروج عن الدين.
خلاصة القول، وفقاً لرأي المرحوم بحر العلوم، فإن الخروج عن الإسلام يوجب الكفر، والتدين بالإسلام واجب. وهذا التدين يكون في حالة أن يعلم إجمالاً أن هذا الحكم داخل في الدين؛ أما في حالة أن الشخص لا يعلم أصلاً هل هذا الحكم داخل في الدين أم لا، فإذا أنكره، فإنه لا يوجب الخروج عن الإسلام وبالتالي لا يكفر (بحر العلوم، 1403، ج4، ص201).
يبدو أن المرحوم بحر العلوم قد أخذ في الاعتبار جزءاً من الروايات هنا وقدم هذه النظرية، وهي الروايات التي ورد فيها: إذا حرم شخص حلالاً أو حلل حراماً واعتقد بذلك، فإنه يخرج من الإسلام، وهذا التعبير مطلق؛ سواء كان ضرورياً أم لا، وسواء كان في الأصول أم في غير الأصول، أو الرواية التي ورد فيها هذا التعبير عن الكبائر.
3. روايات حول تحقق «الكفر»
وهي: «كل من ارتكب كبيرة وقال إن هذا العمل حلال، فإن هذا العمل يخرجه من الإسلام». هذا في حين يوجد في هذا البحث ثلاث مجموعات من الروايات، وفيما يلي سنتناول هذه المجموعات الثلاث من الروايات وآراء الفقهاء حولها.
1-3. المجموعة الأولى
هي الروايات التي تبيّن أدنى ما يكون به الإنسان مشركاً وكافراً؛ مثل هذه الرواية: «أَدْنَى مَا يَكُونُ بِهِ الْعَبْدُ كَافِراً مَنْ زَعَمَ أَنَّ شَيْئاً نَهَى اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِهِ وَنَصَبَهُ دِيناً» (الكليني، 1407، ج2، ص415) التي ذُكرت سابقاً.
وفي رواية أخرى عن الإمام الباقر (ع) سُئل: «سَأَلْتُهُ عَنْ أَدْنَى مَا يَكُونُ الْعَبْدُ بِهِ مُشْرِكَاً قَالَ فَقَالَ مَنْ قَالَ لِلنَّوَاةِ إِنَّهَا حَصَاةٌ وَ لِلْحَصَاةِ إِنَّهَا نَوَاةٌ ثُمَّ دَانَ بِهِ» (الكليني، 1407، ج2، ص397)؛ أدنى ما يشرك به العبد ما هو؟ فقال (ع): أن يقول لنواة التمر إنها حصاة أو للحصاة إنها نواة التمر ثم يعتقد بهذا القول.
يبدو أنه لا يمكن الاستفادة من هذه الروايات في هذا البحث؛ لأن هذه الروايات في مقام بيان مراتب الكفر والشرك ومراتب الإسلام والإيمان. بالطبع، قد يقال إن «أدنى» في الرواية تعني أن هذا أيضاً يوجب ويكون علة للكفر؛ كما أن إنكار ذات الله يستلزم الكفر؛ ولكن في الجواب يجب القول إن الرواية لا تدل على هذا المطلب؛ بل تبيّن مراتب الكفر والإيمان.
إضافة إلى ذلك، فإن المعنى الذي لم يلتزم به أي من الفقهاء من زمن الأئمة المعصومين (ع) حتى الآن، غير قابل للالتزام. في ما نحن فيه، لو وضعنا الكفر والإسلام في هذه الروايات بمعنى الكفر والإسلام الذي هو موضوع للنجاسة، وقلنا إن المقصود من «أَدْنَى مَا يَكُونُ بِهِ الْعَبْدُ كَافِراً» هو أن الشخص إذا قال عن شيء حرمه الله إن الله أمر به واعتقد بذلك، فهو نجس، أو أن المراد من «أَدْنَى مَا يَكُونُ الْعَبْدُ بِهِ مُشْرِكاً» هو أنه إذا فعل شخص هذا الفعل، فهو نجس، فإن أياً من الفقهاء لم يلتزم بذلك. كما ورد في الروايات أن الرياء أحد مصاديق الشرك (العاملي، 1409، ج1، ص69)، ومع ذلك لا يمكن القول إن المرائي نجس.
هذه الروايات تبيّن إحدى مراتب الكفر والإيمان، ولا علاقة لها بالكفر مقابل الإسلام بمعنى النجاسة.
2-3. المجموعة الثانية
المجموعة الأخرى من الروايات تتعلق بإنكار الفرائض، وهي تنقسم إلى قسمين:
قسم يقول: إذا ترك شخص فريضة عمداً، فهو كافر.
والقسم الآخر مثل رواية أبي الصباح يقول: «مَن جَحَدَ الفَرَائِضِ كَانَ كَافِراً» (الكليني، 1407، ج2، ص33).
كلمة «جحد» في هذه المجموعة مفسِّرة للمجموعة الأولى؛ بمعنى أن ترك الصلاة عمداً يوجب الكفر في حال كان مصحوباً بعنوان الجحود، و«الجحود» هو الإنكار عن علم (الجوهري، 1410، ج2، ص451؛ الفيومي، دون تاريخ، ج2، ص91).
بشأن ما ورد في هذه الروايات «فَمَا بَالُ مَنْ جَحَدَ الْفَرَائِضِ كَانَ كَافِراً»، هل يصدق بإنكار فريضة واحدة أيضاً، يقول المرحوم فاضل: ظاهر هذه الروايات ليس إنكار فريضة واحدة؛ بل المراد إنكار وترك جميع الفرائض، ومن ينكر الفرائض فقد كذب النبي ﷺ (فاضل لنكراني، 1409، ص248). ويقول المحقق الخوئي أيضاً: بما أن هذا الإنكار يستلزم تكذيب النبي ﷺ، فإنه يحمل عنوان الكافر (الخوئي، 1382، ج1، ص247).
إيراد كلام المحقق الخوئي والمرحوم فاضل هو أن بحث تكذيب النبي ﷺ ليس مطروحاً في هذه الرواية؛ بل طبقاً لظاهرها، فإن إنكار الفرائض عنوان مستقل. ويكتب الشيخ الأنصاري أيضاً: هذه الرواية لها دلالة واضحة على أن التشرع والتدين بهذه الفرائض معتبر في الإسلام؛ أي إذا لم يتدين شخص بالفرائض، فإنه يحمل عنوان الكافر (الأنصاري «ألف»، 1415، ج5، ص134).
في صدر رواية أبي الصباح، ورد أنه قُدّم لأمير المؤمنين (ع): من شهد بالتوحيد والرسالة، فهو مؤمن. فقال (ع): فأين فرائض الله؟ (4)
(الكليني، 1407، ج2، ص33). هذا الصدر من الرواية قرينة جيدة جداً على أن ذيل الرواية (مَن جَحَدَ الفَرَائِضِ كَانَ كافراً) حيث طُرح الكفر، ليس الكفر مقابل الإسلام (الذي يوجب النجاسة)؛ بل البحث في الإيمان الكامل؛ بعبارة أخرى، يقول (ع) إن الشخص لا يصبح مؤمناً كاملاً بشهادة واحدة بالتوحيد وشهادة واحدة بالرسالة؛ خاصة وأن (ع) يقول في ذيل الرواية: لم يخلق الله أكرم من المؤمن (عند الله، يختلف المؤمن عن المسلم)؛ لأن الملائكة خدم للمؤمنين، وجوار الله والجنة والحور العين كلها للمؤمنين.
بناءً على ذلك، يجب الانتباه إلى نقطتين بشأن رواية أبي الصباح (مَن جَحَدَ الفَرَائِضِ كَانَ كافراً):
- لماذا نقول إن إنكار الفرائض يستلزم تكذيب النبي ﷺ؟!
- توجد قرائن واضحة جداً في الرواية على أن المراد من الكافر الذي ورد في نهاية الرواية ليس الكفر مقابل الإسلام؛ بل الكفر مقابل الإيمان؛ لذا، خلافاً لرأي المحقق الخوئي والمرحوم فاضل، لا ينبغي ربط هذه الروايات بمسألة تكذيب النبي ﷺ.
3-3. المجموعة الثالثة
مضمون المجموعة الثالثة من الروايات هو أنه إذا ارتكب شخص كبيرة وقال إنها حلال، فإن هذا العمل يخرجه من الإسلام (الكليني، 1407، ج2، ص285). وفي مكاتبة عبد الرحيم القصير، ورد: «لا يُخْرِجُهُ إِلَى الْكُفْرِ إِلَّا الْجُحُودُ وَالِاسْتِحْلَالُ أَنْ يَقُولَ لِلْحَلَالِ هَذَا حَرَامٌ وَلِلْحَرَامِ هَذَا حَلَالٌ وَدَانَ بِذَلِكَ فَعِنْدَهَا يَكُونُ خَارِجاً مِنَ الْإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ دَاخِلاً فِي الْكُفْرِ» (الكليني، 1407، ج2، ص28)؛ لا يُدخل الإنسان في الكفر ولا يخرجه من الإسلام إلا الإنكار والاستحلال، و«الاستحلال» يعني بالاعتقاد، أن يعتبر الحلال حراماً والحرام حلالاً.
البحث الأصلي يتعلق بهذه المجموعة من الروايات. يقول المحقق الهمداني عن هذه الروايات: في هذه الروايات مشكلة، وبسبب هذه المشكلة لا يمكننا العمل بها، وتلك المشكلة هي أن إطلاق هذه الروايات له محذور، وبسبب هذا المحذور، تصبح الرواية مجملة ويجب ترك هذه الروايات جانباً؛ لأن الرواية التي تقول إن من ارتكب كبيرة وحللها يخرج من الإسلام، إطلاقها يقول: كل من فعل هذا العمل – سواء كان ذلك المورد ضرورياً أو غير ضروري، وسواء كان ذلك الشخص عالماً أم لا – يخرج من الإسلام.
محذور هذا الإطلاق هو أنه إذا أفتى مجتهد بحرمة وكبيرة عمل ما، وفي المقابل، أفتى مجتهد آخر بحليته، فإن المجتهد الذي يرى الحلية، إذا ارتكبه (لأنه يرى الحلية)، يجب تكفيره عند المجتهد الأول؛ لأن المجتهد الأول يقول بناءً على مبانيه: أعتقد أنه يرتكب كبيرة ويرى حليتها، إذن حسب رأيي فهو محكوم بالكفر. لذا فإن لازم إطلاق هذه الروايات هو تكفير المجتهد الذي يرى هذا العمل كبيرةً للمجتهد الذي يرى هذا العمل حلالاً، وهذا المطلب غير قابل للالتزام؛ لأنه لا يمكن القول إنه باختلاف الفتوى، يكفر مجتهد مجتهداً آخر. بناءً على ذلك، ومع وجود مثل هذا المحذور في إطلاق الروايات، يجب تقييد روايات المجموعة الثالثة بأحد أمرين:
- إما أن نقول إن مورد الرواية هو في الضروريات نفسها؛ أي إذا كان في الضروريات، فلا يوجد خلاف بين المجتهدين.
- أو أن نقول إن هذا يتعلق بحالة يعلم فيها شخص بكبيرة العمل؛ أي إذا علم شخص أن عملاً ما هو كبيرة ثم ارتكبه وحلله، فإنه يخرج من الإسلام؛ أما في حالة وجد فيها شخص خلاف العلم (مثل مجتهد اجتهد ووجد خلاف العلم)، فإن مثل هذا الشخص لا تشمله هذه الروايات.
بناءً على ذلك، إما أن نقيد مورد الرواية بالضروري، أو أن نقول إن الرواية مقيدة بصورة العلم بالحكم، وبما أن أياً من هذين التقييدين ليس له أولوية، ولا نعلم بأي منهما قُيّدت الرواية، فإن هذه الروايات تصبح مجملة وتسقط عن الاستدلال (الهمداني، 1416، ج7، ص279).
يرد المحقق الخوئي هذا الإشكال للمحقق الهمداني ويقول: نحن لا نقبل هذا الإشكال للمرحوم الهمداني، وبتمسكنا بإطلاق هذه الروايات نقول: من ارتكب كبيرة معتقداً بحليتها، يخرج من الإسلام، ولا فرق بين كونه ضرورياً أو غير ضروري، وبين العلم وعدم العلم، ونستثني فقط هذا المورد المحذور من هذا الإطلاق ونقول في المباحث غير الضرورية إذا قال شخص باجتهاده إن هذا حلال، فإنه لا يُكفّر (الخوئي «ألف»، 1418، ج2، ص63).
بناءً على ذلك، الأمور التي يجري فيها الاجتهاد تخرج من إطلاق الرواية؛ أما في الموارد الأخرى، فيكون البحث عن غير المجتهد؛ أي إذا ارتكب إنسان غير مجتهد كبيرة وظن أنها حلال ولم يعلم بكونها كبيرة أيضاً، فإننا نقول إن هذا العمل يوجب الخروج من الإسلام.
المحقق الخوئي لا يفتي وفقاً لروايات المجموعة الثالثة، وفي جوابه عن سبب ذلك، يشير إلى هذه المقدمة، وهي أن «الكفر» له اصطلاحات هي:
- «الكفر مقابل الإسلام»، وهو موضوع للنجاسة، وهدر المال والعرض والنفس، وعدم جواز النكاح، وعدم جواز التوارث من المسلم.
- «الكفر مقابل الإيمان»، وهو في مورد أهل السنة. هم كفار مقابل الإيمان، وليسوا مؤمنين.
- «الكفر» بمعنى العصيان مقابل الطاعة، والكافر يعني العاصي. وفي بعض الآيات أيضاً، ورد الكفر بهذا المعنى؛ مثل الآية الشريفة «إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً» (الإنسان: 3)؛ يعني «إِنَّ الشَّاكِرَ هُوَ المُطِيعُ وَالكَفُور هُوَ العَاصِي؛ الشاكر هو المطيع والكفور هو العاصي». وفي رواية عن الإمام الصادق (ع)، فُسّرت الآية هكذا: «إمَّا آخِدٌ وَهُوَ شَاكِرٌ وَإِمَّا تَارِكٌ فَهُوَ كَافِرٌ» (الكليني، 1407، ج2، ص384).
بناءً على ذلك، فإن المراد من «الكفر» في المجموعة الثالثة من الروايات ليس الكفر مقابل الإسلام ولا الكفر مقابل الإيمان؛ بل الكفر مقابل الطاعة؛ أي أن هذا الشخص عاصٍ (الخوئي «ألف»، 1418، ج2، ص63).
في رأينا، رأي المحقق الخوئي حول المجموعة الثالثة ليس صحيحاً، وعليه ثلاثة إشكالات:
في هذه المجموعة نفسها، صُرح بأن من ارتكب معصية وقال إن هذا العمل حلال، فإنه يخرج من الإسلام بهذا الفعل.
الإشكال الأهم هو أنه لو كان المراد هو الكفر مقابل الطاعة، فلماذا ورد في الرواية عبارة «زعم أنها حلال»؛ إذن، من الواضح أن هذه الروايات تريد أن تطرح شيئاً أسمى من مجرد العصيان والطاعة وتقول: «من ارتكب كبيرة». هذا جزء من الموضوع. «وزعم أنها حلال» جزء ثانٍ من الموضوع. يبدو أن المحقق الخوئي في هذا الجواب لم يلتفت أصلاً إلى عبارة «زعم أنها حلال». هذا في حين أن ظاهر هذه المجموعة من الروايات هو الكفر مقابل الإسلام؛ لأنه في الرواية، ورد تعبير «أخرجه عن الإسلام»، وفي بعض هذه الروايات ورد تعبير «استحلال» الذي يوجب الخروج من الإسلام، وهذه المسألة ليست مجرد عمل.
في بعض التعابير، ورد: «من ارتكب كبيرة وزعم أنها حلال فهو كافر»؛ أما في بعض التعابير الأخرى، فليست هناك كلمة «ارتكب»، ويقول الإمام (ع): «لا يخرجه إلا الجحود والاستحلال»، والإمام نفسه يفسر الاستحلال (أي أن يعتبر الحلال حراماً والحرام حلالاً)، ومجرد هذا القول، وإن لم يكن مصحوباً بارتكاب معصية، يوجب الخروج من الإسلام؛ بعبارة أخرى، الطاعة والعصيان هما حيث يرتكب الإنسان فعلاً ويقوم بعمل؛ أما ظاهر بعض هذه الروايات في المجموعة الثالثة، فهو أنه حتى لو لم يقم بعمل، فهو كافر.
بناءً على ذلك، ومع وجود هذه الإشكالات، لا يمكن قبول رأي المحقق الخوئي، وظاهر روايات المجموعة الثالثة هو أن أولاً، ارتكاب الكبيرة ليس له خصوصية في الخارج؛ لأنه صحيح أن من يحللون الكبائر يفعلون ذلك لأنهم يريدون فعلها، ولكن مع ذلك، ارتكاب الكبيرة ليس له خصوصية؛ ثانياً، ما له موضوعية في الإخراج من الإسلام هو الاعتقاد بحلية الحرام أو حرمة الحلال.
4-3. جمع الروايات
كما أشير، وردت في هذا البحث ثلاث مجموعات من الروايات:
مجموعة من الروايات تقول: «أدنى ما يكون به العبد كافراً». في هذه المجموعة من الروايات، ورد: «من زعم أن شيئاً نهى الله عنه أن الله أمر به ونصبه ديناً»، وكما قيل، بما أن كلمة «أدنى» وردت في هذه الرواية، فهي في صدد بيان مراتب الكفر ومراتب الإسلام؛ حتى في «أدنى ما يكون العبد به مشركاً»، لا يريد الإمام (ع) أن يقول إن الشرك موضوع للكفر وموجب للنجاسة. نعم، الشرك موضوع للكفر؛ ولكن ليس الكفر الذي يوجب النجاسة (الشرك مثل الرياء الذي لا يوجب نجاسة الشخص) ولا مقابل الإسلام الذي هو بمعنى الطهارة.
في المجموعة الثانية، وردت عبارة «فما بال من جحد الفرائض أن يكون كافراً».
في المجموعة الثالثة، بحث ارتكاب الكبيرة.
النقطة الجديرة بالاهتمام هي أنه يجب أن نعتبر المجموعة الثانية والثالثة واحدة؛ أي أن ظاهر المجموعة الثانية والثالثة هو أن ملاك الكفر هو إنكار حكم، سواء كان في الفرائض أو في المحرمات، ولا خصوصية للفرائض؛ بعبارة أخرى، نقول لأنه أنكر واجباً أو حراماً، فهو كافر (خاصة في المجموعة الثالثة، يفسر الإمام (ع) «الاستحلال» بمعنيين: «أن يقول للحرام هذا حلال وللحلال هذا حرام»).
بناءً على ذلك، «من جحد الفرائض» يعني: «أن يقول للواجب إنه ليس بواجب ويقول للحرام إنه ليس بحرام». حتى في تعبير «زعم أنها محللة»، لا خصوصية للحكم بالحلة؛ بل يعني أن ملاكه هو أن ينكر ما قاله الشارع ويقول ليس هذا وينفيه؛ سواء أتى هو بحكم آخر أم لم يأت.
وفقاً للروايات المذكورة، يُطرح إشكال على الرأي الذي لا يعتبر إنكار الضروري عنواناً مستقلاً للكفر، بل يرى له موضوعية لتكذيب النبي ﷺ، وهو أنه في هذه الروايات، لم تُطرح موضوعية تكذيب النبي ﷺ. بناءً على ذلك، لا يوجد دليل على هذا القيد. النقطة الأخرى هي أنه وفقاً للرأي المذكور، فإن التفات المنكر إلى أن إنكاره هو تكذيب للنبي ﷺ لازم للكفر؛ بينما يبدو أن إطلاق هذه الروايات (التي تقول إن من حلل حراماً وحرم حلالاً واعتقد به، يخرج من الإسلام) يقتضي أنه حتى لو لم يكن المنكر نفسه متوجهاً إلى أنه يكذب النبي ﷺ ويخرج من الإسلام، فإن عمله هذا يخرجه من الإسلام بحسب الواقع.
بالطبع، تكذيب النبي ﷺ يستلزم الكفر؛ لأنه يُستفاد من تلك الروايات التي تقول إن الإسلام هو الإقرار بالتوحيد والإقرار برسالة النبي ﷺ، أنه إذا أنكر شخص التوحيد أو النبوة، فهو كافر بلا شك؛ ولكن يبدو أن الروايات التي تقول «من جحد الفرائض كان كافراً» أو «من ارتكب كبيرة وجحدها كان كافراً» أو «أن يقول للحرام إنه حلال وللحلال إنه حرام ودان بذلك كان كافراً» لها شبهة الحكومة على تلك الروايات التي تقر بالشهادتين، وتوسع فيها. بعبارة أخرى، عندما يقول الإمام (ع): «من جحد الفرائض كان كافراً» أو «من ارتكب كبيرة وجحدها كان كافراً»، فإنه في الحقيقة يوسع موضوع الكافر ويقول إن موضوع الكافر لا يقتصر على منكر الألوهية ومنكر الرسالة؛ بل إن مثل هؤلاء الأفراد هم أيضاً مصداق لعنوان الكافر.
4. توجيه كلام القدماء في بيان كلمة «ضروري»
أظهرت دراسة الروايات أنه لا يوجد في أي رواية أثر لكلمة «ضروري» وإنكار الضروري؛ وعليه، فإن التوجيه الوحيد لورود كلمة «ضروري» في عبارات أعلام مثل ابن سعيد الحلي والمحقق الحلي هو أن هذه المجموعة من الفقهاء قد وضعت الروايات جنباً إلى جنب (روايات مثل «جحد الفرائض» أو «ارتكب كبيرة») واستنبطت منها هذا العنوان. في هذه الحالة، سيفقد الإجماع والشهرة تأثيرهما لكونهما مدركيين.
يبدو أن إمكانية استنباط الضروري من بعض الروايات موجودة؛ بهذا البيان أن في الروايات ورد «من جحد الفرائض» أو «من ارتكب كبيرة»، وارتكاب الكبيرة يصدق حقاً حيث يكون كون العمل كبيرة أمراً واضحاً؛ وإلا فإن الشيء الذي لا يكون كونه كبيرة واضحاً ومختلفاً فيه، لا يصدق عليه عنوان «من ارتكب كبيرة». وكذلك «من جحد الفرائض» له معنى حيث يكون كون الفريضة فريضة واضحاً؛ بناءً على ذلك، يمكن استنباط عنوان «ضروري» من المجموعة الثانية والثالثة.
الآن، لو قال أحدهم إن هذه الروايات مطلقة؛ أي «من جحد الفرائض»، سواء كانت الفريضة ضرورية أم لا، أو «من ارتكب كبيرة»؛ سواء كانت الكبيرة ضرورية أم لا، فإننا نقول في الجواب يمكن الاستفادة من قرينة مناسبة الحكم والموضوع أن هذه الروايات هي في حالة يكون فيها كونها كبيرة أو فريضة أمراً واضحاً. لذا، في رأينا، إطلاق هذه الروايات محل خدش، وبمساعدة قرينة مناسبة الحكم والموضوع، فإن هذه «الفرائض» و«الكبيرة» تنصرف إلى الضروري، وأيضاً في حالة يكون فيها هذا الشخص عالماً بهذا الضروري وكونها كبيرة واضحاً بين المسلمين ويعلم هو أيضاً أنها كبيرة.
النتيجة هي أن المراد من الضروري هو الحكم الواضح، والمنكر أيضاً يعلم به.
خاتمة
أسفرت الدراسة في المسألة عن النتائج التالية:
في مسألة إنكار حكم ضروري من الدين، يعتقد المشهور أن منكر الضروري كافر، وبناءً على رأي المشهور، يجب تنفيذ آثار الكفر على منكر الضروري. كما يرى البعض أن إنكار الضروري يوجب الكفر في حال ملازمته لتكذيب النبي ﷺ.
المراد من الضروري هو الحكم الواضح، والمنكر أيضاً يعلم به ويعتقد به؛ أي أنه كان يعلم سابقاً أن هذا حلال والآن يعتقد بحرمته، أو أنه كان يعلم أنه واجب والآن يعتقد بعدم وجوبه، أو أنه كان يعلم أنه حرام وكبيرة؛ ولكن الآن يعتقد بعدم حرمته. وعليه، فإن منكر حكم ضروري يعلم بضرورة ذلك الحكم، يخرج بنفسه من الإسلام.
بناءً على ذلك، يمكن تقديم ثلاثة معايير من هذه المعايير المذكورة للضروري: واضح وجلي عند جميع المسلمين؛ لا يحتاج إلى إقامة دليل؛ لا معنى للاجتهاد فيه.
فرض البحث في إنكار الضروري هو حيث يتم الإنكار مع العلم بأن الحكم المنكر ضروري من الدين؛ وإلا فإن إنكار الضروري عن شبهة أو منشأ آخر، يخرج من محل البحث.
لا توجد لدينا رواية ولا دليل على أنه إذا أدى منكر الضروري إلى تكذيب النبي ﷺ واستلزمه، فإنه يستلزم الكفر؛ نعم، تكذيب النبي ﷺ نفسه لا شك أنه يوجب الكفر.
التدين بالإسلام واجب، وإذا أنكر شخص أحد الأحكام بهاتين الخاصيتين (وضوح الحكم عند المسلمين والعلم به)، فإنه يخرج من الإسلام.
الهوامش
1. إعداد وتنظيم: مهدي إعلائي؛ أستاذ السطوح العالية في الحوزة العلمية بقم. mehdimmm505@gmail.com
2. أستاذ بحث الخارج في الفقه والأصول بالحوزة العلمية بقم ورئيس مركز فقه الأئمة الأطهار (ع). info@fazellankarani.com
3. «اللِّبَأ» هو أول حليب تعطيه الأم لوليدها وله قيمة غذائية عالية.
4. قِيلَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ (ص) كَانَ مُؤْمِناً قَالَ فَأَيْنَ فَرَائِضُ اللَّهِ.