الملخص
اليوم، ومع تقدم العلوم والتكنولوجيا وظهور موضوعات ومسائل جديدة، يواجه فقهنا أسئلة وشبهات لا حصر لها يجب على الفقهاء الإجابة عنها. إحدى طرق وحلول الإجابة عن المسائل المستحدثة هي الاستفادة من المصادر الأصيلة للفقه الشيعي، أي الكتاب المجيد وسنة النبي والأئمة الأطهار (عليهم السلام)، والتي وردت في صيغة أدلة لفظية، وأغلبها في صورة إطلاقات وعمومات. موضوع هذا البحث هو الإجابة على هذا السؤال الأساسي: هل إطلاقات وعمومات الأدلة اللفظية في الموضوعات والمصاديق الجديدة التي لم تكن موجودة في عصر صدور الخطابات حجة ومعتبرة أم لا؟ في هذه المقالة، مع إشارة موجزة إلى أدلة اعتبار هذه القاعدة الأصولية والرد على الإشكالات الواردة عليها، مثل إشكال الانصراف وقصور وضع الألفاظ والقدر المتيقن في مقام التخاطب، تم تطبيق هذه القاعدة الأصولية بالمنهج التحليلي والاجتهادي في مجال مباحث الفقه الطبي في موضوعات جديدة مثل التلقيح الصناعي، والاستنساخ البشري، والتعقيم، وتغيير الجنس، وقد تم الاستعانة بإطلاقات الأدلة اللفظية كالآيات الكريمة والروايات للحصول على الحكم الشرعي في هذه الموضوعات الطبية المستحدثة.
مقدمة
دين الإسلام، كدين عالمي وشامل لكل زمان، يدعي تحقيق السعادة للبشر والمجتمعات في كل زمان وتحت كل الظروف. إن عالمية وخلود هذه الشريعة الإلهية تقتضي أن تكون لها قوانين متطورة ومفعمة بالحياة لتتمكن في كل عصر وزمان من أن تكون سبباً في سعادة البشر وهدايتهم. من ناحية أخرى، مع تقدم العلوم والتكنولوجيا، تعرضت حياة اليوم لتغيرات وتحولات هائلة، حيث إن العديد من الموضوعات التي كانت في الماضي محل ابتلاء الناس وتعلقت بها الأحكام الشرعية قد زالت، وحلت محلها موضوعات أخرى جديدة؛ بحيث لم يصدر بشأنها حكم في الظاهر. لهذا السبب، في مسألة استمرارية الشريعة وخلودها، يُعد بحث كيفية سريان الأحكام الإلهية إلى الموضوعات المستجدة بحثًا مهمًا وحيويًا للغاية.
يجب أن يكون الفقه الإمامي الديناميكي قادرًا على الإجابة عن الحكم الشرعي للموضوعات والمسائل المستحدثة. إن جُلَّ اهتمام الفقهاء في حل المسائل المستحدثة يرتكز على مصدر الوحي الإلهي وسنة النبي وأهل البيت (عليهم السلام)، والتي وردت في قالب الأدلة اللفظية، وغالبًا ما تكون بصيغة الإطلاق والعموم. من المباحث الأساسية والمفتاحية في مجال الإجابة عن المسائل المستحدثة، قاعدة أصولية هي حجية الإطلاقات والعمومات بالنسبة للمصاديق والموضوعات الجديدة. السؤال الأساسي في هذا المجال هو: هل الإطلاقات والعمومات في الأدلة اللفظية، كما هي حجة ومعتبرة في المصاديق الموجودة في عصر الصدور، حجة ومعتبرة أيضًا في المصاديق والموضوعات الجديدة التي ظهرت بعد عصر الصدور، وهل يمكن التمسك بإطلاقات الأدلة اللفظية للحصول على الحكم الشرعي لهذه الموضوعات الجديدة أم لا؟ بعبارة أخرى، كيف يتم إحراز مقدمات الحكمة لانعقاد الإطلاق في المسائل المستحدثة؟ لأنه لا يمكن للأدلة أن تدل على شمولية مدخولها إلا إذا كانت مقدمات الحكمة تامة في ناحية مدخول تلك الألفاظ؛ وإلا إذا لم يكن لمدخول هذه الألفاظ إطلاق، فلا يمكن الاستفادة من الشمول منها؛ ولذلك، في هذا المقال، نتناول القاعدة الأصولية لحجية الإطلاقات في المصاديق الجديدة وتطبيقها على موضوعات من المسائل المستحدثة في مجال الفقه الطبي مثل التبرع بنطفة الأجنبي، وتغيير الجنس، واستنساخ الإنسان والحيوان، والتعقيم، والهندسة الوراثية، ومعيار النسب الأمومي في حالات التلقيح الصناعي. إن ضرورة هذا البحث ليست خافية على أهل الفضل والدقة، ففي حال حجية هذه القاعدة، يمكن الاستفادة منها لحل العديد من المسائل المستحدثة واستنباط الحكم الشرعي للمصاديق والموضوعات الجديدة.
إن حجية الإطلاقات والعمومات في المصاديق الجديدة هي من القواعد الأصولية التي قلما تم تناولها في كتب الأصول المتداولة؛ بل يمكن القول إن مثل هذه القاعدة لم تُطرح أصلاً في كتب الأصول المشهورة، وإنما تمسك بها الفقهاء واستدلوا بها في ثنايا الفروع الفقهية، خاصة في باب المعاملات والعقود المستحدثة، وفي آثار المعاصرين في تقريرات الشهيد الصدر (الصدر، 1417هـ، ج4، ص 548)، طُرح هذا المطلب بشكل متفرق وغير منسجم؛ وكذلك في كتاب “الفائق في الأصول” الجديد الذي تم تدوينه بجهود مجموعة الفقه المعاصر، خُصص فصل لهذا العنوان. وقد طرح الأستاذ المعظم الشيخ محمد القائني (القائني، 1424هـ، ج1، ص 224) هذه القاعدة في درسه في البحث الخارج. كما تم تناول هذا الموضوع في مقال بعنوان “منهج الاستفادة من العمومات والإطلاقات في حل المسائل المستحدثة” بقلم محمد علي خادمي كوشا (راجع: خادمي كوشا، 1399). وميزة المقال الحالي مقارنة بهذه الأعمال المماثلة هي أنه بالإضافة إلى تناول أدلة الاعتبار وحجية هذه القاعدة، فقد دخل بشكل تفصيلي واجتهادي في تطبيقات هذه القاعدة في مجال المباحث الطبية.
1. أدلة حجية واعتبار الإطلاقات بالنسبة للمصاديق الجديدة
الدليل الأول: جعل الأحكام الشرعية على نحو القضايا الحقيقية
المدعى هو أن الشارع الحكيم عالم بجميع تفاصيل العالم وتغيرات الموضوعات ومصاديقها على مر الزمان، وبما أنه ألزم نفسه ببيان الأحكام لجميع الناس في كل زمان ومكان، فإن غالب أحكامه تكون على نحو القضايا الحقيقية وتُجعل كقوانين لجميع الأزمان وكل البشر، بحيث يمكن استخدامها وتطبيقها (مكارم الشيرازي، 1422هـ، ص 376)؛ وبالتالي، فإن الإطلاقات والعمومات الصادرة عن الشارع المقدس لا تشمل فقط الموضوعات والمصاديق التي كانت متحققة في الخارج في عصر النصوص؛ بل تشمل الموضوعات المستحدثة والمصاديق الجديدة لذلك العنوان حتى يوم القيامة، وكل مصداق يتحقق من ذلك العنوان في الخارج – وإن كان بعد زمان صدور الخطاب – سيدخل تحت ذلك العموم والإطلاق؛ لأن مقدمات إطلاقها بالنسبة لها تامة، والقضايا الشرعية أيضًا مجعولة على نحو القضايا الحقيقية (فياض، 1427هـ، ج4، ص 345). على سبيل المثال، دليل “الماء طاهر” لا يشمل فقط مصاديق الماء التي كانت متحققة في زمان صدور النص، مثل ماء المطر وماء البئر وما إلى ذلك؛ بل اليوم إذا تم إنتاج الماء في المختبر من تركيب عنصري الهيدروجين والأكسجين، وعُرفًا أُطلق عليه اسم الماء، فإن إطلاق “الماء طاهر” يشمله، وتترتب عليه الأحكام الشرعية، أو دليل “الخمر حرام” لن يقتصر على الخمور الموجودة في زمان صدور النصوص التي كانت مثلاً حمراء اللون؛ بل يشمل كل مصداق عرفي من الخمر موجود اليوم يُطلق عليه عرفًا اسم الخمر – وإن لم يكن أحمر اللون -. فإذا بيّن الشارع عنوانًا عامًا ومطلقًا في حكمه ولم يذكر قرينة على كون الحكم قضية خارجية أو على تقييده وتخصيصه، يمكن التمسك بعموميته وإطلاقه بالنسبة للمصاديق الجديدة. ويؤيد هذا المطلب روايات مفادها أن الله بواسطة الأئمة الأطهار (عليهم السلام) بيّن بعض القواعد الكلية للدين والشريعة وفوّض إلى الناس تطبيق الجزئيات والمصاديق. يذكر ابن إدريس روايتين في هذا الصدد مضمونهما أن ما على عاتقنا أهل البيت هو بيان الأصول والكليات، وتطبيق الفروع وإيجادها على عاتقكم (الحلي، 1410، ج3، ص 575).
وكما تمسك الفقهاء في بحث المعاملات في موارد متعددة بالآية الشريفة “أوفوا بالعقود” (المائدة: 1) لصحة العقود والمعاملات الجديدة وصرحوا بأن الآية المباركة تشمل العقود المستحدثة والجديدة بعد زمان الشارع المقدس مثل عقد التأمين، والمعاملات الهاتفية والإلكترونية، والسرقفلية وغيرها.
لأن عنوان العقد في الآية الشريفة ليس من قبيل القضايا الخارجية التي تشمل فقط العقود التي كانت في زمن المعصومين (عليهم السلام)؛ بل هو من قبيل القضايا الحقيقية ويشمل المصاديق الجديدة أيضًا.
في القضايا الحقيقية، يقع الحكم على موضوعات مقدرة الوجود ومفروضة الحصول، والمصاديق الموجودة في الخارج في زمان صدور الحكم ليست هي المقصودة؛ بل قد لا يوجد لها مصداق في الخارج وقت إنشاء الحكم. بل يقع الحكم على عنوان الموضوع بشكل مقدر ومفروض؛ أي أن كل مصداق ينطبق عليه هذا العنوان في الخارج في أي زمان، سيكون موضوع الحكم وسيشمله الحكم؛ لذا فإنه سيشمل المصاديق الموجودة وغير الموجودة، والأحكام الشرعية هي من نوع القضايا الحقيقية التي يكون موضوعها عنوانًا كليًا مفروض الوجود؛ وبالتالي، ستشمل المصاديق الجديدة والمستحدثة لذلك العنوان التي لم تكن موجودة في زمان صدور الأحكام (الجواهري، 1423هـ، ج2، ص 347).
الدليل الثاني: وجود طوائف مختلفة من الروايات
هناك مجموعة وطوائف من الروايات يُستفاد منها أن حجية روايات المعصومين (عليهم السلام) هي لجميع البشر وجميع العصور، ويمكن للناس في كل العصور الرجوع إلى الآيات والروايات للإجابة على احتياجاتهم. نقسم هذه الروايات إلى ثلاث طوائف:
الطائفة الأولى: روايات تبيّن بيان الأحكام التي يحتاجها الناس إلى يوم القيامة
توجد روايات متعددة بهذا المضمون تفيد بأن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) والأئمة الأطهار (عليهم السلام) قد بيّنوا ما يحتاجه الناس حتى يوم القيامة؛ ومنها:
1. معتبرة أبي حمزة: “عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) فِي خُطْبَتِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ مَا مِنْ شَيْءٍ يُقَرِّبُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ وَيُبَاعِدُكُمْ مِنَ النَّارِ إِلَّا وَقَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ وَأَمَرْتُكُمْ بِه؛ قال الإمام الباقر (عليه السلام) إن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) بيّن في خطبة الوداع: أيها الناس، اتقوا الله، فما من شيء يقربكم من الجنة ويبعدكم عن النار إلا وقد أمرتكم به أو نهيتكم عنه” (الكليني، 1407هـ، ج2، ص 74).
2. معتبرة حماد: “عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَفِيهِ كِتَابٌ أَوْ سُنَّةٌ (نفس المصدر، 1407هـ، ج1، ص 59)؛ سمعت الإمام الصادق (عليه السلام) مرارًا يقول: ما من أمر أو شيء إلا وحكمه مبين في الكتاب والسنة”.
3. معتبرة سماعة: “في معتبرة سماعة بن مهران عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال قلت أصلحك الله أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) الناس بما يكتفون في عهده؟ قال: نعم وما يحتاجون إليه إلى يوم القيامة (نفس المصدر، ج1، ص 57)؛ سُئل الإمام الكاظم (عليه السلام): هل بيّن رسول الله (صلى الله عليه وآله) جميع الأمور التي كان الناس يحتاجونها في زمانه؟ فأجاب (عليه السلام): نعم، وجميع الأمور التي يحتاجها الناس حتى يوم القيامة قد بُيّنت”.
4. معتبرة أبي بصير: “عن أبي عبد الله (عليه السلام): «إن عندنا لصحيفة سبعين ذراعاً إملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخط علي بيده فيها كل حلال وحرام وكل شيء يحتاج الناس إليه حتى الأرش في الخدش» (الحر العاملي، 1418هـ، ج1، ص 499)؛ قال الإمام الصادق (عليه السلام): عندنا صحيفة طولها سبعون ذراعًا، هي إملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخط أمير المؤمنين (عليه السلام)، وفيها كل حلال وحرام وكل ما يحتاجه الناس حتى أرش الخدش”.
5. معتبرة سماعة: “عن العبد الصالح (عليه السلام) ليس شيء إلا وقد جاء في الكتاب والسنة (نفس المصدر، 1418هـ، ج1، ص 57)؛ ما من شيء إلا وحكمه قد ورد في الكتاب والسنة”.
6. “عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) أتاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بما اكتفوا به في عهده واستغنوا به من بعده (البرقي، 1371هـ، ج1، ص 235)؛ بيّن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كل ما يحتاجه الناس في عهده وما بعده”.
الطائفة الثانية: روايات تبيّن مكانة القرآن كالشمس والقمر
إن كون القرآن حيًا وملهمًا دائمًا وشبهه بالشمس التي تشع وتضيء باستمرار، أحد وجوهه على الأقل هو أنه يشمل المصاديق الجديدة، وفي عموماته وإطلاقاته ليس مقيدًا بزمان معين، ويمكن الاستفادة منه في كل الأزمان، وهو هداية للبشر (الحر العاملي، 1409هـ، ج27، ص 196 وج89، ص 4).
الطائفة الثالثة: أدلة تبيّن التأكيد على نقل الروايات عبر التاريخ
إن الأمر بكتابة الأحاديث وحفظها للأجيال القادمة، كما ورد في بعض الروايات، يدل على أن الأئمة (عليهم السلام) كانوا في مقام البيان للأجيال اللاحقة، وأن الناس في كل العصور يمكنهم الرجوع إلى روايات أهل البيت (عليهم السلام) للإجابة على أسئلتهم. مثل الرواية النبوية: “قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اللهم ارحم خلفائي ثلاث مرات فقيل له: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) من خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي ويروون عني أحاديثي وسنتي فيعلمونها الناس من بعدي (نفس المصدر، ص 91)؛ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اللهم ارحم خلفائي. سُئل: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) من هم خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي، ينقلون حديثي وسنتي ويعلمونها الناس” وروايات متعددة ورد فيها هذا المضمون: “فليبلغ الشاهد الغائب” (الكليني، 1407هـ، ج1، ص 187).
من الواضح جدًا أنه يُستفاد من مجموع هذه الروايات أن الآيات والروايات لم تكن ناظرة فقط إلى الموضوعات والمسائل محل الابتلاء في عصر صدور النصوص؛ بل يمكن الرجوع إليها كقانون لهداية البشر ومرجع لحل احتياجات الناس حتى يوم القيامة، ومن إطلاقاتها يمكن استنباط حكم الموضوعات والمصاديق الجديدة أيضًا.
2. الإشكالات على مبنى حجية الإطلاقات في المصاديق الجديدة
أ) الانصراف
بتقريب أن إطلاقات الأدلة تنصرف إلى المصاديق والموضوعات الموجودة في زمان صدور النصوص، ولن تشمل المصاديق المستحدثة بعد زمان صدور النصوص. للانصراف أسباب مختلفة؛ أحدها كثرة وشيوع المصداق في الخارج، وأحد أقسام الانصراف هو عدم وجود بعض المصاديق في زمان صدور النص. وفي محل البحث، بسبب عدم تصور ووجود مصاديق جديدة في زمان صدور النصوص، تنصرف الإطلاقات والعمومات إلى المصاديق الشائعة في زمان الشارع المقدس (مجموعة الفقه المعاصر، 1398، ص 157).
الجواب: بعد أن قيل إن الأحكام الشرعية هي من قبيل القضايا الحقيقية التي يكون موضوعها كليًا ومفروض الوجود، فإن دعوى الانصراف إلى المصاديق الموجودة في ذلك الزمان تصبح غير تامة وبدون دليل (راجع: شوبائي جويباري، 1392، الجلسة 77).
ب) محدودية مصاديق اللفظ بعصر الوضع (القصور في ناحية الوضع)
الإشكال الأول هو أن الألفاظ لا يمكن أن تشمل المصاديق الجديدة. اللفظ الذي وُضع لمعنى معين يبقى في حدود مصاديق عصر الوضع أو عصر من استخدم ذلك اللفظ، ولا يمكن لهذا اللفظ أن يتجاوز ذلك (مجموعة الفقه المعاصر، 1398، ص 151).
عندما يوضع اللفظ لمعنى ما، فإن ذلك المعنى الذي هو الموضوع له يكون محدودًا بما يصل إلى ذهن الواضع وما يتصوره. إذا كان هناك شيء خارج عن تصوره، فلا يمكنه وضع اللفظ له، والمستعمل أيضًا لا يمكنه استعمال اللفظ لذلك المعنى. إذن، المعنى والمصداق الذي لم يكن متصورًا لدى الواضع لا يمكن أن يدخل في دائرة الموضوع له أو دائرة المستعمل فيه. وعلة ذلك من الناحية البرهانية والاستدلالية هي أن الوضع والاستعمال يتبعان تصور الشيء المراد أن يكون موضوعًا أو مستعملاً فيه.
الجواب: قد يقول قائل إن هذا صحيح في المستعملين والناطقين والمتكلمين العاديين والمتعارفين. المتكلم لدينا والمتحدث في الآيات والروايات هو الله والرسول والأئمة (صلوات الله عليهم)، ونحن نعتقد بعلمهم الغيبي وإحاطتهم بجميع أحداث العالم؛ وبالتالي، لا يمكن القول بالنسبة لهم إن هذا أمر غير معقول أو متصور.
بالإضافة إلى ذلك، فإن العرف في الألفاظ والمعاني – حسب تعبير العلامة الطباطبائي – يضع اللفظ لروح المعنى؛ دون أن يكون له علاقة بالمصداق. بحيث لو سُئل: أنتم قلتم إنكم وضعتم النور لهذا المعنى على سبيل المثال؛ ولكن هذا النور كان قبل بضعة قرون مقتصرًا على نور المصباح النفطي؛ أما النور الموجود اليوم، فإن نوعه وشكله يختلف كثيرًا عن الشكل القديم.
الجواب: حتى لو قيل لنفس ذلك الشخص القديم: لو أن هذا الشيء الذي هو “ما هو ظاهر في نفسه مظهر لغيره” ظهر يومًا ما بشكل تقولون الآن إنه مستحيل؛ ولكن لو تحقق في فرض محال في زمان ما، لقال أيضًا إنه نور.
توضع الألفاظ لمعنى يمكن أن يشمل أنواع المصاديق حتى المصاديق المستحيلة. وهذا يدل على أن الألفاظ توضع بشكل ارتكازي وفي طبيعة البشر لمعنى يمكن أن يكون له أنواع من المصاديق التي تتمتع بتلك الخاصية بشكل إجمالي، وإن كان ذلك المصداق الآخر غير ممكن أو غير ممكن عادة أو يقال إنه غير ممكن في هذا الزمان؛ ولكن مجرد أن يتمكن ذلك المعنى من شموله بشكل إجمالي يكفي للوضع (راجع: الأعرافي، 1398، موقع مدرسة الفقاهة، درس خارج الأصول بتاريخ 2 دي 1398؛ https://b2n.ir/b11919).
الجواب الآخر هو أنه في مقام الوضع وفي مقام الاستعمال، يكفي التصور الإجمالي. معنى التصور الإجمالي هو أنه يمكن أن يشمل مصاديق حتى لو لم يكن بالإمكان في ذلك الزمان تصورها بشكل دقيق؛ ولكن لو قيل له: بفرض محال، هذه الإضاءة لا تأتي من هذا المصباح ذي الفتيل، بل تأتي بطريقة أخرى، سيقول: لا فرق.
إذن، لا يلزم في مقام الوضع وجود مقام تصور تفصيلي، بل يكفي تصور إجمالي يمكن أن يشمل المصاديق التي لا تخطر الآن على ذهن ذلك الفرد، والوجدان والتبادر يؤيدان ذلك تمامًا (القائني، 1424هـ، ج1، ص 42).
ج) القدر المتيقن في مقام التخاطب
القدر المتيقن عند التشريع كان الموضوعات والمصاديق الموجودة في ذلك الزمان، وبطبيعة الحال، لا يمكن للعمومات والإطلاقات في زمان صدور الخطابات الشرعية أن تشمل العديد من المصاديق والعناوين المستحدثة التي لم يكن لها أثر في ذلك الزمان؛ لأن القدر المتيقن في مقام التخاطب هو قطعًا المصاديق والموضوعات الموجودة في ذلك الزمان، وهو منصرف عن المصاديق التي لم يكن من الممكن تصورها في ذلك الزمان؛ لذا، لن يكون هناك دليل لفظي مطلق بالنسبة للموضوعات المستحدثة ولن يشملها: أولاً، هذا الكلام مبني على رأي الآخوند الخراساني الذي يعتبر القدر المتيقن في مقام التخاطب جزءًا من مقدمات الحكمة (الآخوند الخراساني، 1409هـ، ص 188)؛ ولكن هذا المبنى تعرض للنقاش بعده وأوردت عليه إشكالات متعددة. ثانيًا، هذا الإشكال يرد في النهاية على الإطلاقات ولا يشمل العمومات الوضعية. ثالثًا، حتى بناءً على قبول رأي الآخوند الخراساني، في الموارد التي يكون فيها الإمام (عليه السلام) في مقام بيان قاعدة وإعطاء ضابطة كلية، لا يمكن الالتزام بهذا المبنى (راجع: الأعرافي، 1398، موقع مدرسة الفقاهة، درس خارج الأصول بتاريخ 2 دي، ص 98؛ http://b2n.ir/b11919).
2. تطبيقات حجية الإطلاقات في المصاديق الجديدة في الفقه الطبي
أ) حرمة إهداء النطفة (الحيوان المنوي) الأجنبية
لإثبات حرمة إهداء النطفة الأجنبية للتلقيح الصناعي والإخصاب، بناءً على قبول مبنى حجية الإطلاقات في المصاديق الجديدة، تم التمسك بالعديد من الآيات والروايات، نشير إلى بعضها:
1. “قال الإمام الصادق (عليه السلام): أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل أقر نطفته في رحم يحرم عليه” (الحر العاملي، 1409هـ، ج20، ص 318).
وقد نقل هذه الرواية بالإضافة إلى ثقة الإسلام الكليني (الكليني، 1407هـ، ج5، ص 541)، الصدوق في عقاب الأعمال (الصدوق، 1406هـ، ص 313، باب 7)، والمحدث البرقي في المحاسن (البرقي، 1371هـ، ج1، ص 192، ح 324). من الناحية السندية، كما بُيّن بالتفصيل (مرتضوي، 1398، ص 63)، الرواية معتبرة، وعلي بن سالم موثق بأحد وجوه التوثيق؛ ولذلك، عبّر عنه المرحوم العلامة المجلسي في روضة المتقين (المجلسي، 1406هـ، ج9، ص 441) بـ “الموثق كالصحيح”.
يُستفاد من هذه الرواية أن من العناوين المحرمة في الشريعة الإسلامية إقرار وإفراغ نطفة الرجل في رحم امرأة أجنبية. في هذه الرواية، ليس الزنا والاستمتاع والمقاربة الجنسية موضوع الحرمة؛ بل إقرار النطفة نفسه حرام مستقل غير الزنا، ومقتضى ذلك أنه إذا ارتكب شخص الزنا وأقر نطفته في رحم امرأة أجنبية، فقد ارتكب فعلين محرمين (الحكيم، 1427هـ، ص 217)؛ لذا، تمسك البعض بهذه الرواية في باب الزنا لإثبات وجوب العزل على الزاني.
إذن، أحد المحرمات الإلهية الكبرى في الرواية هو إفراغ المني في رحم المرأة الأجنبية، وهذا الإفراغ مطلق ويشمل إدخال مني الرجل في رحم المرأة الأجنبية بأي شكل كان؛ سواء كان بالمقاربة أو بالتلقيح الصناعي والأدوات الحديثة، وإطلاق إفراغ المني في رحم الأجنبية يشمل المصاديق الجديدة التي هي طريق التلقيح الصناعي أيضًا.
بشأن دلالة الرواية، أُثيرت عدة إشكالات:
الإشكال الأول: بقرينة “أشد عذابًا يوم القيامة” والمناسبات العرفية، فإن عنوان “إقرار النطفة” هو كناية عن الزنا والمقاربة (السيستاني، 2004م، ص 57)؛ وليس أن إقرار النطفة في رحم الأجنبية حرام مستقل في عرض الزنا؛ بحيث لو ارتكب شخص الزنا وأفرغ المني في رحم الأجنبية، يكون قد ارتكب حرامين ومعصيتين. بل ليس لدينا في الشريعة الإسلامية إلا حرام ومعصية واحدة وهي الزنا، وعنوان إقرار النطفة في رحم الأجنبية هو عنوان كنائي وطريقي لمعصية الزنا.
الجواب: العنوان الموجود في الرواية هو “إقرار النطفة في رحم الأجنبية”، وأن نأخذ هذا العنوان كعنوان كنائي وطريقي للزنا هو خلاف الظاهر، وظهور كل عنوان في الخطاب هو في موضوعيته، وحمل العنوان على المرآتية والكنائية يحتاج إلى قرينة (راجع: الظهيري، 1387، ج2، ص 238).
الإشكال الثاني: نقبل أن عنوان “إقرار النطفة في رحم الأجنبية” عنوان مستقل وليس عنوانًا كنائيًا وطريقيًا للزنا؛ ولكن لإقرار النطفة في الرحم طرق وسبل متعددة، والطريقة المتعارفة والمعهودة والغالبة في عصر التشريع حتى يومنا هذا هي نفس طريقة الاقتراب والمقاربة والزنا، وأن ينتقل الحيوان المنوي للرجل بأدوات حديثة إلى رحم المرأة هو طريقة نادرة وغير متعارفة؛ لذا، فإن عنوان “إقرار النطفة” ينصرف إلى الفرد المتعارف والمعهود وهو المقاربة والزنا (الأنصاري الشيرازي، 1429هـ، ج3، ص 122).
الجواب: العنوان المأخوذ في الرواية هو “إقرار النطفة في رحم الأجنبية”، وهذا العنوان يتحقق بطرق وسبل مختلفة، وهو مطلق بالنسبة لهذه الطرق ويشملها جميعًا، ومجرد أن الفرد المتعارف والغالب في الأزمنة المختلفة هو نفس إقرار النطفة عن طريق الزنا والاقتراب، لا يوجب الانصراف؛ لأنه كما طُرح في الأصول، التعارف وكثرة الوجود في الخارج لا تنشئ انصرافًا وظهورًا (السيستاني، 2004م، ص 56؛ مغنية، 1421هـ، ج2، ص 374)؛ لذا، فإن إطلاق العنوان يشمل الفرد الغالب والفرد النادر كليهما. ما هو قبيح في المحاورات العرفية هو تخصيص وحمل الخطاب على الفرد النادر؛ وإلا فإن شمول الخطاب للفرد غير المتعارف والنادر لا محذور فيه. بالإضافة إلى أنه في عصر التشريع لم تكن الطريقة الوحيدة لتحقق عنوان “إفراغ المني في رحم الأجنبية” هي الزنا؛ بل كما ورد في الروايات (الحر العاملي، 1409هـ، ج27، ص 107)، عن طريق المساحقة أو انتقال المني المنزل في الحمام، كان هذا الأمر يتحقق في الماضي أيضًا.
الإشكال الثالث: غاية ما يُستفاد من الرواية هو أنه حرام على الرجل أن يضع نطفته في رحم امرأة أجنبية (السيستاني، 2004م، ص 56)، وهذا أخص من المدعى؛ لأن المدعى هو أن وضع وإفراغ المني في رحم الأجنبية حرام؛ سواء قام الرجل صاحب المني بهذا الفعل بنفسه أو قام به الطبيب والطاقم الطبي أو قامت به المرأة الأجنبية نفسها أو ارتكبه شخص آخر؛ ولكن هذه الرواية تنسب إفراغ المني فقط إلى الرجل صاحب المني.
الجواب: رغم أن العنوان المذكور في الرواية هو “إقرار وإفراغ مني رجل في رحم أجنبية”؛ ولكن بحسب المتفاهم العرفي ومناسبة الحكم والموضوع، فإن ما يُستفاد من هذا الدليل هو أن ما هو مبغوض للشارع هو وجود نطفة أجنبية في رحم امرأة أجنبية (راجع: مؤمن القمي، 1415هـ، ص 82). هذا الوجود حرام ومبغوض للشارع ولا خصوصية لمن يقوم بهذا الفعل؛ سواء قام به الرجل صاحب المني بنفسه أو الطبيب أو المرأة أو شخص آخر. هذه الرواية تريد أن تقول إن نطفة الإنسان لها موضع ومكان يجب أن تكون فيه، ووصف الرحم بوصف “الحرام” يُفهم أن ملاك الحرمة والعذاب هو حرمة مكان تكون وتكوين النطفة؛ الآن أي شخص يتولى هذا الفعل ويكون مباشره، لا فرق (مغنية، 1421هـ، ج2، ص 374).
2. “رواية سليمان بن داود: قال النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): لم يعمل ابن آدم عملاً أعظم عند الله من رجل قتل نبيًا أو إمامًا، أو هدم الكعبة التي جعلها الله قبلة لعباده، أو أفرغ ماءه في امرأة حرامًا” (الحر العاملي، 1409هـ، ج4، ص 299).
تقريب الاستدلال بالرواية هو أن أحد المحرمات الإلهية الكبرى في الرواية هو إفراغ ووضع المني في رحم امرأة أجنبية، وهذا الإفراغ مطلق ويشمل دخول مني الرجل إلى رحم المرأة الأجنبية بأي شكل كان؛ سواء كان بالمقاربة أو بالتلقيح الصناعي والأدوات الحديثة.
3. “قُل لِّلمُؤمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أَبصارِهِم وَيَحفَظُوا فُرُوجَهُم… وَقُل لِّلمُؤمِناتِ يَغضُضنَ مِن أَبصارِهِنَّ وَيَحفَظنَ فُرُوجَهُنَّ” (النور: 30-31).
يُستفاد من هاتين الآيتين الشريفتين من سورة النور أن خصوصية وميزة الإنسان المؤمن هي أنه حافظ لفرجه؛ أي أنه لا يستخدم عضوه التناسلي إلا لزوجه، واستخدام واستعمال العضو التناسلي ومتعلقاته لغير الزوج غير جائز، ومحل البحث وهو وضع الحيوان المنوي ومني الرجل في رحم امرأة أجنبية، وإن لم يتحقق به عنوان الزنا – لعدم تحقق الاقتراب والمقاربة – ولكن عنوان “حفظ الفرج” لن يصدق على الرجل، وهو خلاف أدلة وآيات حفظ الفرج. وكذلك المرأة التي وُضع في رحمها حيوان منوي ومني غير زوجها، هي أيضًا لم تحفظ فرجها؛ لأنه يجب على المرأة المسلمة أن تحفظ رحمها وعضوها التناسلي من الارتباط بغير زوجها، ودخول الحيوان المنوي لرجل أجنبي في رحم المرأة مصداق للارتباط بغير الزوج ويتنافى مع أدلة وجوب حفظ الفرج.
مناقشة في الاستدلال بالآية الشريفة
أُثيرت إشكالات على الآية المباركة يجب الرد عليها:
الإشكال الأول: المقصود من حفظ الفرج في الآية المباركة هو ألا يكون للشخص استمتاع بغير زوجه، والمقصود من الاستمتاع بالفرج هو المقاربة والاقتراب واللمس…إلخ؛ ولكن لا يُستفاد من الآية أن التصرفات الأخرى في الفرج غير الاستمتاع فيها إشكال (مجموعة من المؤلفين، ج16، ص 103)؛ بعبارة أخرى، مفاد الآية هو ألا يقوم بعمل مخالف عرفًا لحفظ الفرج، والعمل المخالف لحفظ الفرج هو أن يستخدم الشخص عضوه التناسلي للاستمتاع بغير زوجه. في محل البحث، حيث أُخذ الحيوان المنوي للرجل في الاستمتاع بزوجته الشرعية بطريقة حلال، ثم وُضع هذا الحيوان المنوي في رحم امرأة أجنبية، لا يُحسب هذا استمتاعًا بغير الزوج؛ بل هو استمتاع بالزوجة الشرعية، وهذا الشخص لم يستخدم عضوه التناسلي للاستمتاع بغير زوجه.
الجواب: رُد على هذا الإشكال بهذه الطريقة (مؤمن القمي، 1415هـ، ص 86) أنه في الآية الشريفة أُمر بحفظ الفرج؛ ولأن الفرج نفسه من الأعيان الخارجية ولا يمكن أن يكون متعلقًا للحفظ؛ لذا، يجب تقدير فعل يكون هو متعلق الحفظ، وبما أن هناك ألفاظًا وأفعالًا متعددة مثل النظر، واللمس، والمقاربة مع غير المحرم، والاستمتاع، وطلب الولد…إلخ، مناسبة لحفظ الفرج، أو بالتمسك بقاعدة “حذف المتعلق يدل على العموم” نقول إن حفظ الفرج يشمل كل هذه الأفعال، وقد نُهي عن جميع هذه الأفعال لغير الزوج. وبالتالي، يتم الاستدلال بالآية في محل البحث؛ لأنه رغم عدم تحقق الاستمتاع بالفرج؛ ولكن يجب على المرأة المسلمة أن تحفظ رحمها من نطفة غير زوجها؛ حتى في الحالة التي يتم فيها إدخال نطفة أجنبية إلى رحمها بواسطة جهاز، فإن طلب الاستيلاد وإنجاب طفل من امرأة أجنبية يتنافى مع حفظ الفرج.
بشأن هذا الجواب، أُثيرت مناقشات:
المناقشة الأولى: قاعدة “حذف المتعلق يدل على العموم” غير مقبولة؛ بل هي من المشهورات التي لا أصل لها ولا جذور (الفاضل اللنكراني، بلا تا، ص 90)، وهي دعوى بدون دليل في الاستعمالات العربية، ولها موارد نقض كثيرة. والسؤال المطروح هو: ما المراد من أن حذف متعلق الفعل يدل على العموم؟ هل هي دلالة وعموم وضعي أم دلالة إطلاقية؟ الدلالة والعموم الوضعي مردود قطعًا، وإذا كان المراد الدلالة الإطلاقية عن طريق مقدمات الحكمة، فإن إشكالها هو أن الاستفادة من الإطلاق عن طريق مقدمات الحكمة تكون في حالة استعمال اللفظ المطلق في معنى ما، والتردد يكون في ما إذا كان مرادًا بشكل مطلق أم حصة خاصة منه؛ مثل “أعتق رقبة”، حيث الشك والتردد في أن المراد هو عتق الرقبة المطلقة أم رقبة خاصة مثل الرقبة المؤمنة؛ ولكن في موارد حذف المتعلق، ليس لدينا معنى ومستعمل فيه خاص حتى نتردد في تقييده بقيد وحصة ما؛ لأنه لا يوجد لفظ خاص أصلاً.
جواب هذه المناقشة هو أن إفادة العموم في موارد حذف المتعلق ليست من باب الدلالة الوضعية؛ بل من باب الدلالة الإطلاقية؛ لأنه بحذف المتعلق، يكون التردد في أن المراد هو الفعل المناسب المطلق أم فعل خاص. بجريان مقدمات الحكمة نقول إن الفعل الخاص ليس هو المراد والعموم هو المراد، ومن الناحية العرفية، لا فرق بين هذا النوع من التردد والتردد في مثل “اعتق رقبة” بين الرقبة المطلقة أو الرقبة المؤمنة، وهنا أيضًا يمكن الأخذ بالإطلاق.
المناقشة الثانية: قاعدة “حذف المتعلق يدل على العموم” تامة؛ في حال عدم وجود قرينة خاصة مثل مناسبة الحكم والموضوع التي تحدد الفعل المقدر، وفي محل البحث، المنصرف والمتبادر من حفظ الفرج هو نفس الاستمتاع بالمرأة بالمقاربة واللذات الجنسية الأخرى مثل اللمس والنظر والوطء (مؤمن القمي، 1415هـ، ص 86)؛ أي أن الإنسان المؤمن لا يتمتع جنسيًا بغير زوجه. ووجه الانصراف هو أن ما هو متعارف وغالب في استخدام الفرج والعضو التناسلي هو نفس الاستمتاع والاقتراب، وزرع ووضع الحيوان المنوي في الرحم بدون استمتاع ومقاربة متعارفة وشائعة لم يكن موجودًا في عصر التشريع؛ وبالتالي، فإن عنوان حفظ الفرج ينصرف إلى الفرد المتعارف والشائع وهو حفظ الفرج من الاستمتاع والمقاربة بغير الزوج.
جواب هذه المناقشة هو أن دعوى انصراف حفظ الفرج إلى حفظ الفرج من الاستمتاع والمقاربة بغير الزوج غير تامة وبدون دليل. نعم، من حيث غلبة الوجودات الخارجية والشيوع في الخارج، نقبل أن الاستمتاع والمقاربة بالفرج هو الغالب في الفعل المناسب للفرج؛ ولكن كثرة الوجودات الخارجية لا توجب الانصراف الظهوري. بالإضافة إلى ذلك، فإن استخدام الفرج لطلب الولد وتحقيق النسل كان مقصودًا منذ القدم، وهو غريزي في البشر، وفي الآيات المباركة مثل “نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ” (البقرة: 223)، وروايات مثل “أمر الفرج شديد ومنه يكون الولد” (الحر العاملي، 1409هـ، ج14، ص 193) و “والفرج لإقامة النسل” (المجلسي، 1410هـ، ج3، ص 67)، الأمور المتعلقة بالفرج عظيمة؛ لأنه منها يحصل إنتاج النسل، وقد أُشير إلى هذه النقطة؛ إذن، هذا المعنى لم يكن مغفولاً عنه، وإطلاق حفظ الفرج يشمله أيضًا وإن كانت الكثرة والغلبة الخارجية مع معنى الاستمتاع والمقاربة.
المناقشة الثالثة: رغم أننا نقبل أن حذف المتعلق يدل على العموم؛ ولكن بالنسبة للآية الشريفة، توجد قرينة خاصة على أن المراد من حفظ الفرج ليس كل الأفعال المناسبة له؛ بل المراد هو حفظ الفرج من النظر. وهذه القرينة الخاصة هي روايات وردت في ذيل آيات سورة النور كتفسير لها. في هذه الروايات، ورد أنه في كل موضع من القرآن ورد فيه عبارة “حفظ الفرج”، فالمقصود هو الزنا؛ إلا في هذه الآيات المباركة من سورة النور، حيث المراد هو حفظ الفرج من النظر؛ أي أن الإنسان المؤمن لا ينبغي له أن يعرض عضوه التناسلي وفرجه لنظر الآخرين؛ وبالتالي، لا علاقة لهذه الآية بمحل بحثنا وهو إفراغ الحيوان المنوي في رحم الأجنبية. وفيما يلي نشير إلى بعض هذه الروايات:
الرواية الأولى: مرسلة الصدوق: “وَسُئِلَ الصَّادِقُ (عليه السلام) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ كُلُّ مَا كَانَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ ذِكْرِ حِفْظِ الْفَرْجِ فَهُوَ مِنَ الزِّنَا إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَإِنَّهُ لِلْحِفْظُ مِنْ أَنْ يُنْظَرَ إِلَيْهِ (الصدوق، 1413هـ، ج1، ص 115)؛ قال الإمام الصادق (عليه السلام) بشأن آية “قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ”: كل ما ورد في القرآن الكريم بشأن حفظ الفرج، فالمراد به حفظ الفرج من الزنا؛ إلا في هذه الآية الشريفة، فالمراد به حفظ الفرج من نظر الآخرين”.
الرواية الثانية: الرواية المنقولة في الكافي الشريف: “عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ بُرَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرُو الزُّبَيْرِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) وَقَالَ كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ مِنْ حِفْظِ الْفَرْجِ فَهُوَ مِنَ الزِّنَا إِلَّا هَذِهِ الْآيَةَ فَإِنَّهَا مِنَ النَّظَرِ… (الكليني، 1407هـ، ج3، ص 95)؛ قال الإمام الصادق (عليه السلام): كل موضع في القرآن أُمر فيه بحفظ الفرج، فالمراد به حفظه من الزنا؛ إلا هذه الآية، فالمراد به حفظه من نظر الآخرين”.
ولهذا السبب، فسر بعض المفسرين مثل الطبري أيضًا حفظ الفرج في الآية بمعنى حفظ الفرج من نظر الآخرين. قال: “وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ عَنْ أَنْ يراها مَنْ لا يَحِلُّ رُؤْيَتَها (الطبري، 1403هـ، ج18، ص 92)؛ أي أن النساء يحفظن فروجهن من أن يراها من لا يحل له النظر إليها”.
دراسة الروايات الثلاث في تفسير آية سورة النور: من الناحية السندية، أُشكل على هذه الروايات بأنها غير قابلة للاستدلال. الرواية الأولى مرسلة الشيخ الصدوق، ورغم أنها من المرسلات التي وردت بصيغة “قال” وبشكل قطعي؛ ولكن بحسب رأي المشهور من المتأخرين، فإن مرسلات الصدوق ليست حجة مطلقًا، وبالتالي هذه الرواية غير قابلة للاعتماد. الرواية الثانية أيضًا تشتمل على أبي عمرو الزبيري وهو مجهول ولا توثيق له؛ وكذلك بكر بن صالح الرازي لا توثيق له في السند. وبالتالي، فإن هذه الروايات في تفسير الآية المباركة ضعيفة من الناحية السندية وغير قابلة للاعتماد. ومن الناحية الدلالية، يمكن القول إن الحصر فيها حصر إضافي وليس حصرًا حقيقيًا (راجع: مرتضوي، 1398، ص 54)؛ أي أن الآيات الأخرى لحفظ الفرج لا تشمل حفظ الفرج من النظر، ومفادها هو حفظ الفرج من الزنا والمقاربة؛ ولكن هذه الآية تشمل حفظ الفرج من النظر؛ لا أنها تدل فقط على حفظ الفرج من النظر ولا تشمل بقية الأفعال المناسبة للفرج. والشاهد على أن هذه الآية بالإضافة إلى حفظ الفرج من النظر تشمل بقية الأفعال المناسبة لحفظ الفرج هو استدلال الإمام الصادق (عليه السلام) بنفس هذه الآيات على حرمة الاستمناء (الحر العاملي، 1409هـ، ج28، ص 364).
بالإضافة إلى ذلك، يمكن القول إنه عندما يُستفاد من الآية أن حفظ الفرج من نظر الآخرين واجب، فبطريق أولى ومفهوم الأولوية، يكون حفظ الفرج من إفراغ مني الأجنبي وطلب الولد من الأجنبي واجبًا؛ لأن شناعة وقبح هذا الفعل أشد بكثير من النظر؛ كما استدلوا من هذه الآية بمفهوم الأولوية على حرمة الزنا.
الإشكال الثاني: إن الآية الشريفة للاستدلال على وجوب حفظ الفرج هي أن الآية تدل على أنه يجب على الشخص المسلم أن يحفظ فرجه من المحرمات الإلهية مثل الزنا واللمس…إلخ (السيستاني، 2004م، ص 46)؛ لذا، الأمور التي ثبتت حرمتها الشرعية بأدلة قطعية، مثل الزنا واللمس والنظر، يكون حفظ الفرج من هذه الأمور واجبًا؛ ولكن بشأن إفراغ مني رجل أجنبي وطلب الولد من أجنبية بدون مقاربة، فإن حرمتها الشرعية هي أول الكلام ولم تثبت؛ لذا، فإن حفظ الفرج عنها ليس واجبًا، وفي حالة الشك يجب الأخذ بالقدر المتيقن وهو نفس حفظ الفرج من الأمور المحرمة مثل الزنا واللمس…إلخ. كما أن العديد من المفسرين مثل الفخر الرازي (الفخر الرازي، 1379، ج2، ص 295)، والشيخ الطبرسي (الطبرسي، بلا تا، ج7، ص 241)، والعلامة الطباطبائي قد فسروا حفظ الفرج بمعنى حفظ الفرج من الأمور المحرمة.
كتب العلامة الطباطبائي في الميزان: “وحفظ الفروج كناية عن الاجتناب عن المواقعة سواء كانت زناً أو لواطاً أو بإتيان البهائم وغير ذلك (الطباطبائي، 1397هـ، ج15، ص 10)؛ حفظ الفرج كناية عن الامتناع عن المقاربة الحرام؛ مثل الزنا واللواط ومجامعة الحيوانات…إلخ”.
جواب الإشكال الثاني: معنى حفظ الفرج هو أن نحفظه من الأمور التي لا تليق به ولا تناسبه (السيستاني، 2004م، ص 46)؛ أن نحفظه مما يُعد له قبحًا وزشتًا ورجسًا؛ لذا، لا يقتصر على المحرمات القطعية في الشريعة مثل الزنا واللواط واللمس والنظر؛ بل يشمل الأمور المستنكرة والقبيحة عرفًا وعقلاً أيضًا. يجب على الإنسان المسلم أن يحفظ فرجه وعضوه التناسلي من كل ما لا يناسبه ويُعد قبحًا ومستنكرًا، ولا شك أن إفراغ مني الأجنبي في الرحم من الأمور القبيحة والمستنكرة عند العقلاء والعرف؛ وبالتالي، يجب على المرأة المسلمة أن تحفظ فرجها ورحمها من إدخال مني الرجال الأجانب.
نتيجة البحث هي أنه في رأينا، دلالة الآية الشريفة “حفظ الفرج” على حرمة تلقيح وإفراغ مني الأجنبي في رحم المرأة أو نفس طلب الولد من الأجنبي تامة، والقيام بهذا العمل يتنافى مع حفظ الفرج.
4. الآية المباركة: “وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ” (المؤمنون: 5-7 والمعارج: 29-31)؛ أولئك الذين يحفظون فروجهم من التلوث بالشهوات الحرام، إلا في الاستمتاع بأزواجهم وإمائهم، فإنهم في هذا المجال غير ملومين. فمن يبتغي في الاستمتاع الجنسي طريقًا غير هذا، فهو متجاوز لحدود الحق.
تقريب الاستدلال بهذه الآية، كما في الآيات السابقة، هو أن حفظ الفرج مطلق ويشمل حفظ الفرج من طلب الولد بالطريقة المستحدثة أيضًا؛ أي حتى على الرجل المؤمن واجب أن يحفظ نطفته من رحم امرأة أجنبية عنه، وألا يطلب الولد بهذه الطريقة. وكذلك، فإن ذيل الآية “فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ” يدل على أن كل عمل منافٍ لحفظ الفرج هو تعدٍ وتجاوز للحدود الشرعية؛ إلا إذا تم عن طريق الزواج أو الملك الشرعي، ونفس المناقشات والأجوبة التي بُيّنت في ذيل الآية الأولى ستأتي هنا.
الإشكال الخاص الذي أُثير على هذه الآية المباركة هو أن هذه الآية غير قابلة للإطلاق (الفاضل اللنكراني، بلا تا، ص 98)؛ لأنه بقرينة الآيات السابقة واللاحقة التي هي في مقام وصف المؤمنين والمصلين، فإن الآية في مقام بيان تفاصيل الخصوصيات ليست؛ بل تقول بشكل إجمالي إن من خصوصيات الإنسان المؤمن أنه يحفظ فرجه، وبما أنها ليست في مقام بيان الخصوصيات، فلا يمكن إطلاقها لنقول إنها تشمل حتى حفظ الفرج من طلب الولد الذي هو محل بحثنا. الجواب على هذا الإشكال هو أنه لا توجد قرينة لنقول إن الأوصاف هي على نحو إجمالي، والأصل الأولي في كل خطاب يُذكر كعنوان لموضوع الحكم ومتعلقه هو أنه في مقام بيان تمام خصوصيات الحكم؛ وإلا فإن كونه في مقام الإجمال يحتاج إلى قرينة خاصة.
كذلك، فإن ذيل الآية “فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ” الذي يدل على أن كل عمل ومنافٍ لحفظ الفرج هو تعدٍ وتجاوز للحدود الإلهية، شاهد على أن الآية في مقام بيان تفاصيل الخصوصيات وبيان الحكم الشرعي وليست في مقام الإجمال. إشكال آخر أُثير على الاستدلال بهذه الآية الشريفة (السيستاني، 2004م، ص 55) هو أن الآية تختص بحفظ الفرج على الرجال؛ لأن صيغة الجمع المذكر وردت فيها؛ وبالتالي، إذا جامع رجل زوجته بطريقة حلال ثم حفظ نطفته في مختبر ثم جاءت امرأة أجنبية بدون علمه ووضعت هذه النطفة في رحمها، فإن العمل الذي ينافي حفظ الفرج من قبل الرجل لم يحدث؛ لذا، فإن الآية لن تشمل هذا المورد، ويترتب على ذلك أن هذا الفرض جائز.
جواب الإشكال هو أن حفظ الفرج في الآية الشريفة قد أُثبت للشخص المكلف، ولا دخل لكونه رجلاً أو امرأة في ذلك؛ كما ورد هذا المعنى في العديد من آيات القرآن، حيث تكون الخطابات بصيغة الجمع المذكر كناية عن جنس وطبيعة المكلف، ولا دخل لكونه رجلاً أو امرأة. لذا، فإن حفظ الفرج واجب على المرأة المسلمة أيضًا؛ كما ورد هذا المعنى في آيات أخرى من القرآن، وفي الآية الثانية من سورة الأحزاب جاء بصيغة العطف: “وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ”؛ لذا، فإن وظيفة حفظ الفرج لا تختص بالرجال؛ بل هي وظيفة كل فرد مسلم ومكلف. وبالتالي، يحرم على المرأة المسلمة أيضًا أن تسمح بدخول نطفة غير زوجها إلى رحمها، وهذا العمل يتنافى مع حفظ فرجها، وإذا أعطى الرجل باختياره نطفته لامرأة أجنبية ووضعتها هي في رحمها، يقع حرامان؛ أحدهما يتعلق بالرجل والآخر يتعلق بالمرأة.
ب) حرمة استنساخ الإنسان، والتعقيم، وتغيير الجنس، والتلاعب بالجينات
لإثبات حرمة استنساخ الإنسان والحيوان، وتعقيم الرجال والنساء عن طريق ربط القنوات (قطع القناة الدافقة وربط البوق)، وتغيير الجنس، والتلاعب والتصرف في الجينات (الهندسة الوراثية)، تم التمسك بالآية الشريفة “فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ” (النساء: 119)؛ بتقريب أن إطلاقها يشمل المصاديق الجديدة والمستحدثة لتغيير الخلقة مثل تغيير الجنس واستنساخ الإنسان والحيوان، والتعقيم، وتغيير والتلاعب بالجينات. إن التغيير في خلقة الله هو من وساوس الشيطان التي يريد بها إضلال العباد ليسيروا في غير مرضاة الله، وفي الآية الشريفة، نتيجة اتباع هذه الإغواءات الشيطانية هي الخسران المبين والعذاب الإلهي؛ وبالتالي، فإن التغيير في الخلقة من الأمور المبغوضة والمحرمة في الشريعة الإسلامية.
قال الشيخ الطوسي في التبيان: “اختلفوا في معناه، فقال ابن عباس والربيع… أنه الإخصاء” (الطوسي، بلا تا، ج3، ص 334)؛ اختلفوا في معنى تغيير الخلقة؛ فقال ابن عباس والربيع إن المراد به هو الإخصاء.
وفي تفسير كنز الدقائق ورد: “ويندرج فيه كل تغيير بخلق الله عن وجهه صورة أو صفة من دون إذن من الله، كفقئهم عين الفحل الذي طال مكثه عندهم وإعفائه عن الركوب وخصاء العبيد وكل مُثلة، ولا ينافيه التغيير بالدين والأمر لأن ذلك كله داخل فيهما” (المشهدي، 1410هـ، ج3، ص 544)؛ التغيير في الخلقة يشمل تغيير صورة المخلوقات وأوصافها بدون إذن إلهي مثل خصي العبد وتمثيل الحيوانات، ولا يتنافى مع الروايات التي فسرت الآية المباركة بتغيير الدين الإلهي؛ لأن الآية الشريفة عامة وتشمل كليهما (التغيير الظاهري والمعنوي).
أُثيرت إشكالات على هذا الدليل:
الأول: المقصود من تغيير خلق الله في الآية الشريفة بالنظر إلى الروايات التفسيرية في ذيلها هو التغيير المعنوي والتغيير في الدين الإلهي، وليس التغيير الصوري والظاهري في موجودات العالم. يُستفاد من الآيات الشريفة أن جميع البشر خُلقوا على فطرة التوحيد، والمراد من خلق الله هو الفطرة الإلهية؛ كما صُرح بذلك في آية “فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ” (الروم: 30). يقول الشيطان: “سأوسوس لهم ليغيروا فطرة الله إلى الكفر والشرك”. إن ترك فطرة التوحيد هو نوع من التغيير والتبديل في خلق الله.
ينقل العياشي في تفسيره عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: “المقصود من خلق الله هو الدين والأوامر الإلهية” (السمرقندي، ج1، ص 276). وفسر علي بن إبراهيم القمي أيضًا خلق الله بأمر الله (القمي، 1404هـ، ج1، ص 153)، وفسر الطبرسي أيضًا تغيير الخلق بمعنى تحريم الحلال وتحليل الحرام (الطبرسي، 1379هـ، ج2، ص 112).
يقول العلامة الطباطبائي في الميزان: “المقصود من تغيير خلق الله هو الخروج عن حكم الفطرة وترك الدين الحنيف” (الطباطبائي، 1397هـ، ج5، ص 87).
بالتالي، فإن الآية المباركة تتحدث عن التغيير والتحريف في دين الحق ولا علاقة لها بالتغيير الظاهري في موجودات العالم؛ ولكن هذا الإشكال ليس تامًا؛ لأن الروايات التفسيرية لا توجب حصر مفاد الآية، وعنوان الآية مطلق ويشمل التغيير الظاهري والمعنوي كليهما (طبعًا مع توضيح سيأتي)؛ كما استُشهد بالآية الشريفة في بعض الروايات والكلمات لـ “حلق اللحية” (الفيض الكاشاني، 1406هـ، ج6، ص 658).
الثاني: على فرض شمول الآية للتغيرات الظاهرية، فإن القول بحرمة مطلق التغيير في خلقة ومخلوقات الله غير قابل للالتزام؛ وإلا، يجب القول بحرمة مطلق التغيير في الجمادات والنباتات أيضًا؛ وكذلك يجب القول بحرمة جراحات التجميل، والجراحة لفصل الإصبع السادس أو فصل التوائم الملتصقة، وتهجين أنواع النباتات وإنتاج نباتات جديدة…إلخ؛ لأن كل هذه الأمور هي مصداق للتصرف والتغيير في خلقة الله، في حين أن حرمة هذه الأمور غير قابلة للالتزام.
نعم، بالنظر إلى سياق الآية الشريفة، يمكن القول إن التغيير والتصرف الذي فيه نوع من المقابلة والمعارضة مع الخالق سيكون حرامًا؛ وليس مطلق التغيير في الخلقة. ومقتضى حرمة مثل هذا العمل هو أن يكون التغيير والتصرف في الخلقة والمخلوقات بحيث يُعد مقابلة ومعارضة مع فعل الله؛ كما ادُعي بشأن تغيير الجنس أنه تغيير يخالف المسار التكويني والخلقة الإلهية، ويُعد نوعًا من المقابلة والمعارضة مع الخالق في أمر الخلق. يمكن القول إن التعقيم وتغيير الجنس كذلك؛ أي أنه تغيير في خلقة تتعارض وتنافي إرادة الله تعالى؛ لأن الله تعالى جعل المرأة منبتًا ومكانًا لولادة وتربية الأبناء؛ كما جعل الرجل وسيلة لإيجاد الأبناء، والتعقيم هو نوع من المقابلة والتغيير في المسار المحدد والإرادة الإلهية؛ لذا هو حرام. ورغم أن هذه المصاديق المستحدثة مثل تغيير الجنس والتعقيم بواسطة ربط القنوات والهندسة الوراثية لم تكن متحققة في زمان صدور الآية وعصر التشريع؛ ولكن يمكن التمسك بإطلاق الآية في المصاديق الجديدة واستنتاج حرمة هذه الأمور.
ج) ترتب الأحكام الأمومية على المرأة صاحبة الرحم أو صاحبة البويضة في حالات التلقيح الصناعي
بتقريب أنه في الارتكاز العرفي، الأم هي من يولد الطفل من نطفتها؛ كما تشير الآية الشريفة “إِنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ” (الإنسان: 2) إلى هذه الحقيقة، وفي زمان النصوص، كان مصداق الأم في الخارج مقتصرًا على المرأة صاحبة الرحم والبويضة؛ ولكن اليوم، بعمليات التلقيح الصناعي (التلقيح خارج الرحم)2 ظهر مصداق جديد لمفهوم الأمومة، حيث تكون المرأة صاحبة البويضة وحدها؛ بينما يولد الطفل في رحم امرأة أخرى تُدعى “الأم البديلة” و”الرحم المستأجر”، أو تكون المرأة صاحبة الرحم وحدها بينما تكون البويضة من امرأة أخرى. المدعى هو أن إطلاقات أدلة (الأم) ستشمل هذا المصداق الجديد الذي تكون فيه المرأة صاحبة البويضة أو صاحبة الرحم وحدها، وكل أحكام الأمومة ستترتب على هذه المرأة؛ بينما هذا المصداق الجديد والمستحدث من عنوان الأمومة لم يكن موجودًا في زمان صدور النصوص.
مثلاً، في الآيات الشريفة “حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَ بَنَاتُكُمْ وَ أَخَوَاتُكُمْ وَ عَمَّاتُكُمْ وَ خَالَاتُكُمْ وَ بَنَاتُ الْأَخِ وَ بَنَاتُ الْأُخْتِ وَ أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَ أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَ رَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَ حَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ…” (النساء: 23 و 24)؛ “الزواج بالنساء المذكورات حرام عليكم: أمهاتكم، بناتكم، أخواتكم، عماتكم، خالاتكم، بنات الأخ، بنات الأخت، أمهاتكم اللاتي أرضعنكم، أخواتكم من الرضاعة، أمهات نسائكم، وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم، وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم، وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف، إن الله كان غفورًا رحيمًا. والنساء المحصنات إلا ما ملكت أيمانكم…”. عنوان “الأم” هو موضوع حرمة النكاح، وإطلاقه يشمل المصداق الجديد لعنوان الأمومة مثل الأم صاحبة الرحم أو صاحبة البويضة وحدها، والزواج بهن سيكون حرامًا أيضًا.
الاستنتاج
بناءً على التحقيق والتحليلات التي أُجريت في هذا المقال، تم التوصل إلى النتائج التالية:
أ) إطلاقات وعمومات الأدلة اللفظية بالنسبة للمصاديق والموضوعات الجديدة حجة ومعتبرة أيضًا (على الأقل فيما يتعلق بالموضوعات التي لم يكن تصورها مستحيلاً في ذلك العصر). يمكن أن يكون دليل هذا الادعاء هو تمامية مقدمات الحكمة للإطلاق، وكون القضايا الشرعية حقيقية، ووجود روايات متعددة تدل على خلود واستمرارية الشريعة الإسلامية ورجوع الناس إلى القرآن وسنة أهل البيت (عليهم السلام) في كل زمان وعصر.
ب) الإشكالات مثل الانصراف والقدر المتيقن في مقام التخاطب وقصور الوضع عن الشمول بالنسبة للمصاديق الجديدة، التي طُرحت كمانع من التمسك بالإطلاقات في المصاديق الجديدة، في رأي المختار ليست تامة، وهذه الموانع لا يمكن أن تمنع التمسك بالإطلاقات في المصاديق الجديدة.
ج) تمسك الفقهاء في كتب الفقه في فروع مثل حلية الصيد بالسلاح الجديد، والعقود والمعاملات المستحدثة، وصدق عنوان الكافر على الخوارج والنواصب بقاعدة حجية الإطلاقات في المصاديق الجديدة.
د) في مجال مباحث الفقه الطبي، بناءً على مبنى حجية الإطلاقات في المصاديق الجديدة، يمكن التمسك بإطلاق آيات حفظ الفرج ومعتبرة علي بن سالم “إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَاباً يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَقَرَّ نُطْفَتَهُ فِي رَحِمٍ يَحْرُمُ عَلَيْهِ” لحكم حرمة إهداء النطفة الأجنبية، وبإطلاق آية “فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ” لحكم حرمة استنساخ الإنسان والحيوان، والتعقيم، والهندسة الوراثية، وتغيير الجنس، ولحكم ترتب أحكام الأمومة على الأم صاحبة الرحم، يمكن التمسك بإطلاق أدلة بيان أحكام موضوع “الأم” في الآيات والروايات.
قائمة المصادر
* القرآن الكريم (ترجمة آية الله مكارم الشيرازي)
1. الآخوند الخراساني، محمد كاظم (1409هـ). كفاية الأصول. قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام.
2. الأنصاري الشيرازي، قدرت الله (1429هـ). موسوعة أحكام الأطفال وأدلتها. قم: مركز فقهي أئمة أطهار عليهم السلام.
3. البرقي، أحمد بن محمد بن خالد (1371هـ). المحاسن. قم: دار الكتب الإسلامية.
4. جمع من المؤلفين (1420هـ). مجلة فقه أهل البيت (عليهم السلام) (عربية). قم: دائرة المعارف فقه إسلامي.
5. الجواهري، حسن (1423هـ). قراءات فقهية معاصرة في معطيات الطب الحديث. بيروت: الغدير.
6. الحر العاملي، محمد بن حسن (1418هـ). الفصول المهمة. قم: مؤسسة إمام رضا عليه السلام.
7. الحر العاملي، محمد بن حسن (1409هـ). وسائل الشيعة. قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام.
8. الحكيم، سيد محمد سعيد (1427هـ). مسائل معاصرة في فقه القضاء. نجف: دار الهلال.
9. الحلي، حسين (1415هـ). بحوث فقهية. قم: المنار.
10. الحلي؛ محمد بن منصور (ابن إدريس) (1410هـ). السرائر. قم: دفتر انتشارات إسلامي، 1410هـ.
11. خادمي كوشا، محمد علي (1399). روش بهره گيري از عمومات و مطلقات در حل مسائل مستحدثه. فصلنامه جستارهای فقهی و اصولی، ش 19.
12. السمرقندي، محمد بن مسعود؛ تفسير العياشي؛ طهران: انتشارات علميه اسلاميه [بلا تا].
13. السيستاني، سيد محمد رضا (2004م). وسائل الإنجاب الصناعية. بيروت: دار المؤرخ العربي.
14. الصدر، سيد محمد باقر (1417هـ). بحوث في علم الأصول. بيروت: الدار الإسلامية.
15. الصدوق، محمد بن علي بن بابويه (1406هـ). ثواب الأعمال وعقاب الأعمال. قم: دار الشريف الرضي.
16. الصدوق، محمد بن علي بن بابويه (1413هـ). من لا يحضره الفقيه. قم: دفتر انتشارات إسلامي.
17. الطباطبائي، سيد محمد حسين (1397هـ). الميزان في تفسير القرآن. طهران: انتشارات إسلامية.
18. الطبرسي، أمين الإسلام (1397هـ). مجمع البيان. طهران: مكتبة الإسلامية.
19. الطبرسي، فضل بن حسن (1379هـ). مجمع البيان. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
20. الطوسي، محمد بن حسن (بلا تا). التبيان في تفسير القرآن؛ بيروت: دار إحياء التراث العربي.
21. الظهيري، عباس (1387). معتمد تحرير الوسيلة. طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار إمام خميني.
22. الفاضل اللنكراني، محمد جواد (بلا تا). بررسي فقهي، حقوقي تلقيح مصنوعي. قم: مركز فقهي أئمة أطهار عليهم السلام.
23. فتاحي معصوم، سيد حسين (1384). مجموعه مقالات وگفتارهای سومين همايش ديدگاه های اسلام در پزشكی. مشهد: معاونت پژوهشی دانشگاه علوم پزشكي مشهد.
24. الفخر الرازي، محمد بن عمر (1379هـ). تفسير كبير (مفاتيح الغيب). طهران: نشر أساطير.
25. الفياض، محمد إسحاق (1427هـ). المباحث الأصولية. قم: دفتر آية الله فياض.
26. الفيض الكاشاني، محسن (1427هـ). الوافي. أصفهان: كتابخانه أمير المؤمنين عليه السلام.
27. القائني، محمد (1424هـ). المبسوط في فقه المسائل المعاصرة. قم: مركز فقهي أئمة أطهار عليهم السلام.
28. القمي، علي بن إبراهيم (1404هـ). تفسير قمي. قم: دار الكتب.
29. الكليني، محمد بن يعقوب (1407هـ). الكافي. طهران: دار الكتب الإسلامية.
30. مجموعة الفقه المعاصر (1398). الفائق في الأصول. قم: مركز مديريت حوزه علميه قم.
31. المجلسي، محمد باقر (1410هـ). بحار الأنوار. بيروت: مؤسسة الطبع والنشر.
32. مرتضوي، سيد محسن (1395). شبيه سازی انسان در آينه فقه. قم: مؤسسه امام خميني.
33. مرتضوي، سيد محسن (1398). راهنمای احراز وثاقت راوی. قم: بوستان كتاب.
34. مغنية، محمد جواد (1421هـ). الفقه على المذاهب الخمسة. بيروت: دار الجواد.
35. مكارم الشيرازي، ناصر (1422هـ). بحوث فقهية هامة. قم، مدرسة أمير المؤمنين عليه السلام.
36. مؤمن القمي، محمد (1415هـ). كلمات سديدة في مسائل جديدة. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
37. موقع مدرسة الفقاهة، على: www.eshia.ir
الهوامش
1. المستوى 4، مدرس السطوح العالية في الحوزة العلمية؛ mohazerat@yahoo.com
2. التلقيح خارج الرحم (IVF) في جميع الحالات التي لا تتوفر فيها ظروف وصول الحيوانات المنوية المناسبة إلى البويضة في رحم المرأة، بسبب عوامل مثل انسداد قنوات فالوب، والتصاقات تجويف الحوض، وانخفاض عدد الحيوانات المنوية وضعف حركتها، يتم استخدام طريقة التلقيح خارج الرحم لإخصاب الزوجين؛ وذلك بأخذ عينة من الحيوانات المنوية للرجل وبويضة المرأة، ثم في مختبر علم الأجنة، يتم وضعهما في أنبوب اختبار ووسط استنبات لمدة ليلة واحدة متجاورتين حتى يتمكن الحيوان المنوي من اختراق البويضة وتخصيبها. يُطلق على البويضة الملقحة اسم “الجنين”. يبدأ الجنين أحادي الخلية بالانقسام ويتكون جنين متعدد الخلايا، وبعد 48 إلى 72 ساعة، يتم نقل الجنين إلى رحم المرأة ليزرع هناك ويمضي فترة الحمل (فتاحي معصوم، 1384، ص 435).