دراسة المعتقدات الأساسية في الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون

ملخص البحث

على الرغم من أن الروايات التفسيرية قد حظيت بالاهتمام من وجهات نظر مختلفة، إلا أن تحليل أبعادها ومكوناتها يعد من الأبحاث الجديدة في مجال الدراسات الحديثية، والتي تسعى من خلال دراسة منهجية لمضامين الروايات التفسيرية إلى الكشف عن العناصر المضمونية لهذه الفئة من الروايات. وبما أن التمسك بالقرآن والسنة مبني على فهم هذين الثقلين الثمينين، فقد جرت المحاولة في هذا البحث، من خلال منهج تحليل المحتوى والأسلوب الاستقرائي وبوحدة تحليل مضمون الرواية، لدراسة المكونات العقائدية للروايات التفسيرية لسورة المؤمنون في التفاسير الروائية الشيعية، والإجابة على هذا السؤال: بناءً على الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون، ما هي العناصر الأساسية العقائدية التي استخدمها المعصومون (ع) لسمو الإنسان وهدايته نحو الكمال؟ يقوم هذا البحث بتصنيف موضوعي للمضامين العقائدية في الروايات التفسيرية لاستكشاف المعتقدات الأساسية في سورة المؤمنون، ليكشف في النهاية عن البنية الأساسية الحاكمة للروايات التفسيرية لسورة المؤمنون في بعدها العقائدي.

1. طرح المسألة

تُعدّ الروايات التفسيرية من أهم مصادر فهم القرآن الكريم. إن الارتباط الجذري والوثيق بين القرآن والسنة يُظهر أهمية هذا التراث العظيم في تقديم تفسير قويم للقرآن الكريم. إن تعليم معاني آيات القرآن وبيان مقاصدها، إلى جانب تلاوة الوحي وإبلاغه، هو الوظيفة الأساسية لرسول الله (ص) التي أكد عليها الله تعالى في سورة النحل، الآية 44: «بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ». ورغم أنه يمكن من خلال الرجوع إلى سائر مصادر فهم القرآن الكشف عن جوانب من معانيه، إلا أن الفهم العميق له لن يتأتى إلا بالاستفادة من كلمات المعصومين (ع) القيمة.

من بين طرق البحث العلمي التي تلعب دورًا هامًا في مجال دراسات التفسير الروائي من خلال الدراسة المنهجية الكمية والموضوعية للمحتوى الظاهر للرسالة وتصنيفها، هو تحليل المحتوى. والمقصود بالدراسة المنهجية العلمية للمعنى هو وصف الظواهر في إطار بعيد عن أي تصور مسبق، بحيث يمكن تقييم صحتها أو خطئها (شريفي، 1392ش، 83). باستخدام تحليل المحتوى، يمكن استخراج مجموعة من الوثائق أو النصوص، وإحصاؤها، وتصنيفها (معروفي ويوسف زاده، 1388ش، 15). في تحليل المحتوى، تُصنّف الوحدات المقبولة للقياس في فئات تشترك عناصرها في سمات مشتركة. يؤدي التصنيف إلى تحديد كل مفهوم وممثله (كلابي وآخرون، 1389ش، 35). يلعب منهج تحليل المحتوى دورًا بارزًا في مجال العلوم الإنسانية، وخاصة في مجال الإلهيات الذي يواجه توسعًا تفصيليًا في المعرفة (ستوده نيا وجاني بور، 1392ش، 66).

الإيمان بوحدانية الله، والنبوة، والمعاد من المحاور الأساسية في العقيدة في مجال العلوم الإسلامية، والتي تشكل البنية التحتية لمنظومة فكر الإنسان. هذه المفاهيم المتجذرة، بالإضافة إلى تموضعها في الطبقات المعرفية العميقة، تؤثر في العديد من جوانب حياة الإنسان، سواء الفردية أو الاجتماعية، وتلعب دورًا حاسمًا في سلوكه بوعي أو بغير وعي (قطبي وآخرون، 1393ش، 436).

بما أن الأصول العقائدية المستمدة من الروايات التفسيرية لكل سورة، تتشكل في صورتها الحقيقية من خلال تداخلها في شبكة من المعتقدات الأساسية النابعة من الروايات التفسيرية لسائر سور القرآن، فإنه من الضروري لتقديم صورة شاملة لمنظومة المعتقدات الأساسية، إقامة صلة بين المكونات العقائدية للروايات التفسيرية لسورة ما والمكونات العقائدية لسائر سور القرآن. إقامة مثل هذا الارتباط تستلزم تطابق النتائج المستخلصة من تحليل محتوى الروايات التفسيرية لسائر سور القرآن. بعبارة أخرى، يعد تحليل محتوى الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون جزءًا من بحث أوسع نطاقًا يشمل جميع الروايات التفسيرية لسور القرآن في التفاسير الروائية الشيعية.

على الرغم من إجراء دراسات متفرقة حول الروايات التفسيرية لسور القرآن حتى الآن، منها دراسة فلاحي (1388ش) في «التفسير الروائي لسورة لقمان»، وكرمي (1388ش) في «التفسير الروائي لسورة الفرقان»، وبشردوست (1384) في «دراسة تحليلية للروايات التفسيرية للإمام محمد الباقر (ع) من منظور تفسير الميزان والصافي (العشرة أجزاء الأولى من القرآن الكريم)»، ورضائي (1383) في «دراسة وتحليل روايات تفسير الإمام الرضا (ع)»، حيث تناولوا دراسة الروايات التفسيرية، إلا أنه لم يجرِ حتى الآن بحث مستقل بمنهج تحليل المحتوى لتحديد المكونات العقائدية للروايات التفسيرية لسور القرآن. لذلك، يسعى البحث الحالي للإجابة على هذا السؤال الرئيسي: ما هي المكونات العقائدية للروايات التفسيرية لسورة المؤمنون، وكيف يمكن بناءً عليها تقديم نموذج للمعتقدات الأساسية لسمو البشر وهدايتهم نحو الكمال؟ إن سبب اختيار الروايات التفسيرية هو الوعي بفهم أهل البيت (ع) للقرآن الكريم بوصفهم المفسر الحقيقي لكلام الوحي، وسبب اختيار سورة المؤمنون هو وجود رسائل عقائدية في مجال المعتقدات الأساسية الشيعية في الروايات التفسيرية لهذه السورة، بحيث يمكن من خلال مجموع مضامين الروايات التفسيرية لهذه السورة فتح طريق نحو تحليل المكونات العقائدية في جميع الروايات التفسيرية للقرآن.

هذا البحث هو بحث أساسي أُجري بمنهج وصفي-تحليلي. في مرحلة الإعداد والتنظيم، تم النظر بعناية في روايات المعصومين (ع) في التفاسير الروائية مثل البرهان في تفسير القرآن، ونور الثقلين، وكنز الدقائق وبحر الغرائب، والصافي. وعلى الرغم من أنه في التحليل الصحيح والعلمي لنص الروايات التفسيرية، يجب تقييم اعتبار الروايات بناءً على الضوابط والمعايير العلمية، ولكن نظرًا لأن الدراسة السندية وتحليل متن الروايات التفسيرية لا يتسعان في حجم مقالة واحدة، وأن عددًا من هذه الروايات قد نُقل في المصادر الروائية الشيعية للقرنين الرابع والخامس، بما في ذلك الكافي للشيخ الكليني وكتب التوحيد والخصال وعيون أخبار الرضا (ع) ومعاني الأخبار وإكمال الدين وثواب الأعمال وعلل الشرائع للشيخ الصدوق وغيرهم، وقد حظيت باهتمام المفسرين في تفسير القرآن، فقد تم صرف النظر عن الدراسة السندية مع افتراض قبول الروايات. سورة المؤمنون مكية، وهي السورة الثالثة والعشرون في ترتيب المصحف، والرابعة والسبعون في ترتيب النزول. عدد آيات سورة المؤمنون 118 آية، والتي قُسّمت إلى 11 مقطعًا بناءً على كتاب مقاصد السور (مدرسي، 1386ش، 113-115)، وفي النهاية تم تحليل 192 رواية في عشرة مقاطع.

2. معرفة الله

تشير معرفة الله بمعناها العام إلى معرفة وجود الله، وإثبات ذات المبدأ، ومعرفة أسماء وصفات الخالق. والجدير بالذكر أن الذات الإلهية، بصفتها بسيطة وشاملة، تشتمل على الصفات الثبوتية التي لها وحدة حقيقية مع ذات الخالق. بالطبع، يجب الانتباه إلى أن اتصاف الله بالصفات الثبوتية يختلف في معناه عن هذه الصفات في الإنسان. مقابل الصفات الثبوتية، توجد الصفات التي تدل على النقص والعجز. وبما أن الصفات السلبية تنفي النقص عن الله، فإنها بحد ذاتها تعتبر نوعًا من إثبات الكمال له. قد تكون الصفات الإلهية، بالإضافة إلى الذات، مرتبطة بجانب آخر يُنتزع من العلاقة بين الله تعالى ومخلوقاته. يُظهر فحص محتوى الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون أن مكونات معرفة الله في الروايات التفسيرية لهذه السورة لا تقتصر على بيان الصفات الثبوتية لله فحسب، بل تشمل أيضًا في البعد المعرفي الصفات الفعلية والسلبية.

العلم الإلهي هو إحدى الصفات الثبوتية لله. ومن المثير للاهتمام أنه في الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون، كما تم الحديث عن علم الله بالمعلوم، تم الحديث أيضًا عن علم الله بالمعدوم وعلم الخالق بالتفاصيل قبل إنشائها. تعبير «فَقَدَ عِلْمَ الشَّيْءَ الَّذِي لَمْ يَكُنْ أَنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ» (الحويزي، 1415هـ، 3: 553) الذي ورد في طيات الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون، يصرح بوضوح بعدم تقييد وتحديد العلم الإلهي بالمعلومات، ويشير إلى أن الله يعلم حتى ما لم يوجد. ومن هنا، فإن تحقق المعلومات أو عدم تحققها متساوٍ بالنسبة لعلم الخالق. بعبارة أخرى، بناءً على الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون، ليس من الضروري أن يُنتزع علم الله من وجود المعلوم. ما ورد في هذه الرواية يتعارض مع وجهة نظر أولئك الذين يحصرون العلم الإلهي في «المعلومات الحادثة». يعتقد أصحاب هذا الرأي أنه على الرغم من أن علم الله شامل ومطلق وأزلي وأبدي، إلا أنه بسبب حدوث المعلوم، لا يمكن قبول العلم الإلهي في الأزل بالمعلوم، لأنه في الأزل لم يكن هناك معلوم حادث ليتعلق به العلم الإلهي.

في الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون، من بين الصفات الفعلية للخالق، تم الاهتمام أيضًا بخالقية الله، والتي تحكي عن العلاقة الوجودية بين ممكن الوجود وواجب الوجود. قول الإمام الصادق (ع) «وَ مَا خَلَقَهُمْ لِيَجْلِبَ مِنْهُمْ مَنْفَعَةً وَلا لِيَدْفَعَ بِهِمْ مَضَرَّةً، بَلْ خَلَقَهُمْ لِيَنْفَعَهُمْ وَيُوصِلَهُمْ إِلَى نَعِيمِ الْأَبَدِ» (القمي المشهدي، 1368ق، 9: 234)[1] يكشف عن حقيقة أن هدف الخالق من الخلق هو منفعة البشر وتمتعهم بنعمه الخالدة.

صفة الرازقية هي من الصفات الفعلية الإلهية الأخرى التي حظيت بالاهتمام في الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون. الرازقية هي إحدى شؤون التوحيد في الخالقية، وتدل على أن الله يرزق الكائنات الحية من خلال خلق الأسباب والمسببات، ودون الاستعانة بأحد، ولا يتولى أحد غير الخالق رزق المخلوقات. في الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون، تم الاهتمام برزق الله للطفل في رحم أمه (الحويزي، 1415هـ، 3: 534)، ورزقه من حليب أمه في طفولته، ورزقه حتى كبره ورشده.

مع الأخذ في الاعتبار أن حلم الله يشمل الصبر وعدم التعجيل في عقوبة المذنبين من باب اللطف مع القدرة على معاقبتهم، يمكن اعتبار حلم الخالق إحدى الصفات الفعلية الأخرى لله التي حظيت بالاهتمام في الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون. على الرغم من أن الحلم هو إرادة تأخير عقوبة المذنبين من قبل الله، والإرادة الإلهية تُعد من صفات الذات، إلا أنه بسبب وجود علاقة بين الله تعالى ومخلوقاته في تأخير عقوبة المذنبين، يمكن إدراج هذه الصفة ضمن الصفات الفعلية. قول الإمام السجاد (ع) «سُبْحَانَكَ تُعْصَى كَأَنَّكَ لا تَرَى وَتَحْلُمُ كَأَنَّكَ لَمْ تُعْصَ» (القمي المشهدي، 1368ش، 9: 226)[2]، يولي اهتمامًا صريحًا لحلم الله في علاقته بمخلوقاته، ويشير إلى أن الحلم الإلهي تجاه العصاة يصل إلى درجة يظن معها الظان أن الله لا يرى عصيانهم. يكشف التأمل في الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون عن نقطة مهمة أخرى، وهي أن الاستطاعة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بعلم الله وإرادته وقدرته على أفعال العباد. الاستطاعة هي مصدر على وزن استفعال من جذر «طوع» بمعنى وجود شيء يمكن للإنسان من خلاله تحقيق رغباته (الراغب الأصفهاني، 1412هـ، 530).

النقطة المهمة في الاستطاعة هي أن الإنسان يستطيع القيام بعمل ما عندما يمتلك القدرة على القيام به. إذا كان التكليف بفعل ما من قبل الله قبل استطاعة الإنسان، فإن ذلك يستلزم أن الله قد أمر من لا قدرة له على القيام بفعل ما بأن يفعله، وهذا الأمر من مصاديق التكليف بما لا يطاق. بناءً على ما سبق، يُتصور حالتان للاستطاعة: إحداهما الاستطاعة المصاحبة للفعل، والأخرى الاستطاعة قبل الفعل. في الاستطاعة المصاحبة للفعل، والتي تسمى أيضًا استطاعة «مع الفعل»، تُخلق القدرة على القيام بعمل ما في الإنسان بالتزامن مع القيام به، وليس قبله. بعبارة أخرى، يخلق الله في الإنسان لكل فعل، في وقت القيام به، قدرة تمكّنه من القيام بذلك الفعل. أما في الاستطاعة قبل الفعل، والتي تسمى أيضًا استطاعة «قبل الفعل»، فإن القدرة على القيام بعمل ما من قبل الإنسان تكون موجودة قبل القيام به. بعبارة أخرى، جعل الله تعالى الإنسان قادرًا على القيام بالأعمال مسبقًا، وهو يقوم بأعماله حتى نهاية عمره بالقدرة التي منحه الله إياها.

من بين أهل السنة، المعتزلة قائلون بالاستطاعة قبل الفعل، والأشاعرة وعمومًا الجبريون قائلون بالاستطاعة مع الفعل. في الاستطاعة مع الفعل، يمتلك الإنسان القدرة على أداء الأفعال، ولكنه ليس مستقلاً في أدائها. في الاستطاعة قبل الفعل، كل ما يلزم للتحقق الخارجي للفعل يكون متحققًا للفاعل قبل تحقق الفعل (خادمي ورحيمي، 1392ش، 87).

على الرغم من أن الاستطاعة تبدو اليوم أمرًا بديهيًا، إلا أنه في النصف الأول من القرن الثاني الهجري، كانت بعض الآراء تشير إلى أن الله، كما خلق جلد الإنسان ولحمه، هو خالق أفعال البشر أيضًا (نفس المصدر، 80). والجدير بالذكر أن موضوع الاستطاعة خارج عن عقائد الشيعة، ويمكن اعتبار تبيين المعصومين (ع)، وخاصة الإمام الصادق (ع)، سببًا في شيوع هذا الموضوع في المجتمع. إن الدقة في الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون تظهر أنه لتوضيح الموضوع، تم الاهتمام بكل من الاستطاعة مع الفعل والاستطاعة قبل الفعل من قبل المعصومين (ع). لكن النقطة المهمة هي أن روايات الاستطاعة مع الفعل قد نقلها الكليني، وروايات الاستطاعة قبل الفعل قد نقلها الشيخ الصدوق. دليل هذا الادعاء هو كلام الإمام الصادق (ع): «فَهُمْ مُسْتَطِيعُونَ لِلْفِعْلِ وَقْتَ الْفِعْلِ مَعَ الْفِعْلِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ الْفِعْلَ» (البحراني، 1415هـ، 4: 27-28)[3]، «عَلِمَ مِنْهُمْ فِعْلًا، فَجَعَلَ فِيهِمْ آلَةَ الْفِعْلِ، فَإِذَا فَعَلُوا كَانُوا مَعَ الْفِعْلِ مُسْتَطِيعِينَ» (البحراني، 1415هـ، 4: 28)[4]، و«لَيْسَ لَهُ مِنَ الاسْتِطَاعَةِ قَبْلَ الْفِعْلِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، وَلَكِنْ مَعَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ كَانَ مُسْتَطِيعًا» (نفس المصدر)[5]، وهي تشير إلى الاستطاعة المصاحبة للفعل، وكلها منقولة عن طريق الشيخ الكليني.

من جهة أخرى، كلام الإمام الصادق (ع) «فَلا يَكُونُ الْعَبْدُ آخِذًا وَلا تَارِكًا إِلَّا بِاسْتِطَاعَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ قَبْلَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ» (البحراني، 1415هـ، 4: 29)[6]، «لا يَكُونُ مِنَ الْعَبْدِ قَبْضٌ وَلا بَسْطٌ إِلَّا بِاسْتِطَاعَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ لِلْقَبْضِ وَالْبَسْطِ» (نفس المصدر)[7]، «الاسْتِطَاعَةُ قَبْلَ الْفِعْلِ، لَمْ يَأْمُرِ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِقَبْضٍ وَلا بَسْطٍ إِلَّا وَالْعَبْدُ لِذَلِكَ مُسْتَطِيعٌ» (نفس المصدر)[8]، و«لا يَكُونُ الْعَبْدُ فَاعِلًا وَلا مُتَحَرِّكًا إِلَّا وَالاسْتِطَاعَةُ مَعَهُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّكْلِيفُ مِنَ اللهِ بَعْدَ الاسْتِطَاعَةِ، فَلا يَكُونُ مُكَلَّفًا لِلْفِعْلِ إِلَّا مُسْتَطِيعًا» (نفس المصدر)[9]، تشير إلى الاستطاعة قبل الفعل، وكلها منقولة عن طريق الشيخ الصدوق. يبدو أن سبب نقل هاتين المجموعتين من الروايات هو توافق كل من هذين الرأيين مع رأي ناقلي هذه الكتب. أظهرت نتيجة دراسة الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون أنه من بين 61 مضمونًا روائيًا يتعلق ببعد معرفة الله، كانت معظم الإشارات إلى هذا البعد في المقطع العاشر بـ 17 مضمونًا روائيًا.

3. معرفة الهداة

معرفة الهداة تعني معرفة الأنبياء (ع) والأئمة وأهل البيت (ع). يظهر فحص محتوى الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون أن موضوع الولاية هو المحور الأساسي في معرفة الهداة الذي حظي باهتمام المعصومين (ع) في تفسير هذه السورة. على الرغم من ذكر معانٍ متعددة لكلمة «الولاية»، إلا أنه بالنظر إلى جذرها «ولي»، تعود جميع المعاني إلى معنى أصلي واحد، وهو «وقوع شيء بجانب شيء آخر بحيث لا يكون بينهما حاجز أو فاصل» (الراغب الأصفهاني، 1412هـ، 885). إن الدقة في المعنى الأصلي لهذه الكلمة تظهر أن القرب، سواء كان زمانيًا أو مكانيًا، هو القاسم المشترك المعنوي لهذا الجذر.

بما أن «الولاية» من الصفات والأسماء اللازمة للذات الإلهية، وكل موجود بحسب سعة وضيق هويته الوجودية يمكن أن يكون مظهرًا لاسم «الولي»، فإن أقرب الموجودات قربًا إلى الساحة القدسية الكبريائية هم الأنبياء (ع) والأئمة المعصومون (ع). هم في سلسلة العلل الغائية للعالم ويتمتعون بالولاية الإلهية. وهذا الأمر المهم يوضح أن الولاية في الله ذاتية، وفي غيره عرضية. ومن هنا، لا توجد أي شائبة شرك في ولاية الأنبياء والأئمة المعصومين (ع)؛ لأن ولايتهم بإذن إلهي وفي طول ولاية الله. بتعبير أدق، ولاية الأنبياء والأئمة المعصومين (ع) هي مظهر لولاية الله دون أن يكون لهم دور مستقل في تحققها.

يكشف تحليل مقولة الولاية في التفسير الروائي لسورة المؤمنون عن أهميتها ومنشئها الإلهي. كلام الإمام الصادق (ع) عن قول الإمام علي (ع): «إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَوْ شَاءَ لَعَرَّفَ الْعِبَادَ نَفْسَهُ وَلَكِنْ جَعَلَنَا أَبْوَابَهُ وَصِرَاطَهُ وَسَبِيلَهُ وَالْوَجْهَ الَّذِي يُؤْتَى مِنْهُ» (الفيض الكاشاني، 1415هـ، 3: 406)[10]، يوضح أن الأئمة المعصومين (ع) بإرادة الله هم طريق معرفة الخالق، وبإرادته وُضعوا في جهة يكون الإقبال على الله من خلالها. بالإضافة إلى ذلك، في تتمة الرواية «فَمَنْ عَدَلَ عَنْ وَلَايَتِنَا أَوْ فَضَّلَ عَلَيْنَا غَيْرَنَا فَإِنَّهُمْ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ»[11] (نفس المصدر) تم استخدام تعبيري «العدول عن الولاية» و«التفضيل»، بحيث لا يبقى أي مجال للشك في أن من أعرض عن ولاية المعصومين (ع) أو فضل غيرهم عليهم، قد انحرف عن الصراط المستقيم.

من البديهي أن الاعتقاد بولاية علي (ع) والأئمة من بعده له قيمة عظيمة لأتباعهم ومحبيهم، لدرجة أن العداوة لشيعة الإمام علي (ع) تعادل العداوة للنبي (ص) والإمام علي (ع)، والمحبة لشيعة الإمام علي (ع) تعادل المحبة للنبي (ص) والإمام علي (ع) (البحراني، 1416هـ، 3: 571).

ومن المثير للاهتمام أنه في الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون، توجد علاقة مباشرة بين قبول الولاية وقبول التوبة، بحيث أنه بناءً على كلام الإمام علي (ع) «لا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ: رَجُلٍ يَزْدَادُ كُلَّ يَوْمٍ إِحْسَانًا، وَرَجُلٍ يَتَدَارَكُ مَنِيَّتَهُ بِالتَّوْبَةِ، وَأَنَّى لَهُ بِالتَّوْبَةِ؟ وَاللهِ إِنْ سَجَدَ حَتَّى يَنْقَطِعَ عُنُقُهُ مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ إِلَّا بِوَلَايَتِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ» (البحراني، 1415هـ، 4: 25)[12]، فإن عدم قبول الولاية يستلزم عدم قبول التوبة من الذنوب.

مع الأخذ في الاعتبار ما قيل، قد يبدو في البداية أنه مع قبول الولاية لا يبقى أي قلق للإنسان الموالي، خاصة عندما نعلم بناءً على كلام الإمام علي (ع) «وَ مَنْ عَرَفَ حَقَّنَا وَأَحَبَّنَا فَقَدْ أَحَبَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى» (البحراني، 1415هـ، 4: 26)[13] أن كل من عرف حق الأئمة المعصومين (ع) وأحبهم، فقد أحب الله. لكن تتمة الرواية تكشف عن أمر مهم، وهو أن الإنسان الموالي، على الرغم من معرفته بحق الأئمة (ع)، لا يزال لديه هذا القلق من أنه قد يكون مقصرًا في محبتهم وطاعتهم، وهذا التقصير قد يؤدي إلى عدم قبول طاعته المقترنة بالمحبة والولاية من قبل الخالق. تعابير الإمام علي (ع) «وَلَكِنَّهُمْ خَافُوا أَنْ يَكُونُوا مُقَصِّرِينَ فِي مَحَبَّتِنَا وَطَاعَتِنَا» (المشهدي القمي، 1368ش، 9: 196)[14]، «أَتَوْا وَاللهِ بِالطَّاعَةِ مَعَ الْمَحَبَّةِ وَالْوَلَايَةِ وَهُمْ فِي ذَلِكَ خَائِفُونَ أَنْ لا يُقْبَلَ مِنْهُمْ» (الفيض الكاشاني، 1415هـ، 3: 403)[15]، و«وَهُمْ وَاللهِ فِي ذَلِكَ خَائِفُونَ وَجِلُونَ» (البحراني، 1415هـ، 4: 25)[16] في تفسير سورة المؤمنون هي دليل على هذا الادعاء. نقطة أخرى جديرة بالاهتمام هي أنه في الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون، لم يتم فقط تبيين مكانة الولاية، بل تم الاهتمام أيضًا بشفاعة الأنبياء وخلفائهم. بما أن خصائص الأشياء تتضح بعد زوالها، يُطلق على «الامتحان» اسم «الابتلاء» أيضًا. الابتلاء هو نوع من التربية الإلهية العامة واختبار حكيم للبشر من قبل الله بهدف وصول الإنسان إلى الكمال (راد وعطايي، 1395ش، 160). تعبير «قَدِ اخْتَبَرَهُمُ اللهُ بِالْمَحْمَصَةِ، وَابْتَلَاهُمْ بِالْمَجْهَدَةِ، وَامْتَحَنَهُمْ بِالْمَخَاوِفِ، وَمَخَضَهُمْ بِالْمَكَارِهِ» (الحويزي، 1415هـ، 3: 545)[17] في طيات الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون يؤكد بوضوح على ابتلاء الأنبياء من قبل الله، ويصرح بموارده مثل «الجوع»، «المشقة»، «الأمور المخيفة»، و«الصعوبات». كما أن الدقة في الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون تظهر أن كلمات «اختبار»، «امتحان»، و«تمحيص» هي كلمات لها علاقة وثيقة بكلمة «ابتلاء» من حيث المعنى ومع الأخذ في الاعتبار المفاهيم المحيطة بها. أظهرت نتيجة دراسة الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون أنه من بين 220 مضمونًا روائيًا يتعلق ببعد معرفة الهداة، كانت معظم الإشارات إلى هذا البعد في المقطع التاسع بـ 40 مضمونًا روائيًا.

4. معرفة المعاد

يظهر فحص محتوى الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون أن «البرزخ» هو المحور الأساسي الذي حظي باهتمام المعصومين (ع). «البرزخ» في اللغة هو الحد الفاصل بين شيئين، يفصل بينهما مكان واسع. لذلك، يُطلق على الفاصل بين يابستين، والفاصل بين ماءين، والفاصل بين الظل والشمس اسم البرزخ (الفيروزآبادي، 1415هـ، 1: 371). بعض اللغويين يعتبرون حرف «خ» في كلمة «برزخ» زائدًا ومأخوذًا من مادة «براز» بمعنى الأرض الواسعة، ولكن البعض الآخر اعتبر هذه الكلمة غير عربية وقدم أصلها على أنه «برزه» بمعنى الحاجز والفاصل (الراغب الأصفهاني، 1412هـ، 118). يُطلق «البرزخ» في الاستخدام الاصطلاحي على عالم ما بعد الموت، وعلى الحد الفاصل بين الدنيا والآخرة. بناءً على ما قيل، يمكن استنتاج أن جوهر معنى كلمة «برزخ» في مسيرتها التطورية المعنوية، مع الحفاظ على معناها الأساسي «الفاصل بين شيئين»، قد خضع تدريجيًا لتخصيص معنوي، بحيث أن ما يتبادر إلى الذهن من معنى هذه الكلمة له علاقة عموم وخصوص مطلق بمفهومها اللغوي.

إن الدقة في الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون تظهر أن عالم «البرزخ» له مراحل مختلفة. تبدأ المرحلة الأولى من هذا العالم، الذي هو نوعًا ما عالم كشف وشهود الحقائق، بقبض الروح. شحوب اللون، تعرق الجبين، إفرازات العين، وانطباق الشفتين هي بعض علامات الدخول إلى هذه المرحلة (الحويزي، 1415هـ، 3: 555). كما ورد في الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون حديث عن لقاءات تحدث عند قبض الروح بين المؤمن المحتضر، ورسول الله (ص)، وشخص آخر يُذكر بتعبير «من شاء الله». على الرغم من أن تعبير «من شاء الله» في الرواية التفسيرية غامض، وغير معروف من هو المقصود به، إلا أنه بقرينة الروايات الأخرى يمكن التكهن بأن المراد هو أمير المؤمنين (ع).

كلام النبي (ص) «إِذَا حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ أَتَاهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَمَنْ شَاءَ اللهُ فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرُ عَنْ يَسَارِهِ» (القمي المشهدي، 1368ش، 9: 216)[18]، كما يُلاحظ، بالإضافة إلى الإشارة إلى وقت اللقاء بالمؤمن المحتضر عند قبض الروح، وتحديده عندما لا يعود المؤمن قادرًا على الكلام، يصرح أيضًا بمكان اللقاء ويذكره على يمين ويسار المحتضر.

ومن المثير للاهتمام أن «مَا كُنْتَ تَرْجُو، فَهُوَ ذَا أَمَامَكَ»[19]، وكذلك «مَا كُنْتَ تَخَافُ مِنْهُ، فَقَدْ أَمِنْتَ مِنْهُ»[20] (نفس المصدر) في تتمة الرواية، تعرض مشهدًا واعدًا في مواجهة الموقف الحساس للاحتضار. تحقيق الآمال والأمان من كل أنواع المخاوف هو أفق مشرق يقوي المؤمن المحتضر في مسيرته في البرزخ ومواجهة تحديات قبض الروح.

يظهر استعراض سريع للروايات التفسيرية لسورة المؤمنون أحداثًا أخرى تقع في عالم البرزخ وعند تشييع جنازة المؤمن. كلام الإمام الصادق (ع) «وَتَلْقَاهُ أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَيُبَشِّرُونَهُ بِمَا أَعَدَّ اللهُ لَهُ – جَلَّ ثَنَاؤُهُ – مِنَ النَّعِيمِ» (الحويزي، 1415هـ، 3: 555)، يصور المواجهة بين الأرواح في عالم البرزخ، والسلام والبشارة بنعم الله عند تشييع جنازة المؤمن من قبل أرواح المؤمنين. إنه تفاعل متعدد الأوجه بين أولئك الذين قُبضت أرواحهم حديثًا والمواقف التي يواجهونها. السؤال والجواب هو أحد هذه المواقف. الأسئلة التي موضوعها هم الذين ماتوا أو لا يزالون في الدنيا. إجابة المقبوضة أرواحهم على هذه الأسئلة مؤثرة في تحديد حال ووضع من رحلوا عن الدنيا[21] (القمي المشهدي، 1368ش، 9: 220). ومن المثير للاهتمام أن عددًا من أهل البرزخ يطلبون أن يُترك الإنسان المقبوض روحه، بسبب تجاوزه سكرات الموت، في راحة من طرح الأسئلة حتى يصل إلى الطمأنينة[22] (نفس المصدر).

والجدير بالذكر أن الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون لا تتناول فقط الأحداث قبل الدفن، بل تتناول أيضًا وقائع الدفن والمراحل التي تليها. النقطة المهمة التي يجب الإشارة إليها هنا هي أنه بناءً على الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون، توجد علاقة وثيقة بين «القبر» و«عالم البرزخ». قول الإمام الصادق (ع) «الْقَبْرُ مُنْذُ حِينِ مَوْتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (القمي المشهدي، 1368ش، 9: 215)[23] في إجابته على سؤال «عمر بن يزيد» عن ماهية «البرزخ»، وكذلك قوله «الْبَرْزَخُ الْقَبْرُ وَهُوَ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» (القمي المشهدي، 1368ش، 9: 214)[24]، دليل على هذا الادعاء.

«ضغطة القبر» أو «عذاب القبر» هي إحدى أحداث عالم البرزخ بعد مرحلة الدفن، وتشير إلى الصعوبات والضغوط التي يتعرض لها الإنسان بعد الموت، ويمكن أن تكون فرصة لنجاة الإنسان من الهلاك[25] (البحراني، 1416هـ، 4: 36). استخدام تعبير «مَا أَقَلَّ» في قول الإمام الصادق (ع) «نَعُوذُ بِاللهِ مِنْهَا، مَا أَقَلَّ مَنْ يُفْلِتُ مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ» (الحويزي، 1415هـ، 3: 561)[26]، يشير إلى أن عددًا قليلًا فقط من الناس ينجون من ضغطة القبر. على الرغم من أن ظاهر هذه الرواية مجمل، وغير معروف من هم هؤلاء الأفراد القلائل، إلا أنه بقرينة رواية تفسيرية أخرى للإمام الصادق (ع) في إجابته على سؤال «سدير الصيرفي» عن ضغطة القبر[27]، يتضح أن المراد بهؤلاء الأفراد القلائل هم المؤمنون. قد يبدو في البداية أنه لا يوجد أي ارتباط في عالم البرزخ بين القبر والميت المدفون فيه، بينما بالتأمل في الرواية التفسيرية لسورة المؤمنون «وَاللهِ لَقَدْ كُنْتُ أُحِبُّكَ وَأَنْتَ تَمْشِي عَلَى ظَهْرِي» (القمي المشهدي، 1368ش، 9: 218)[28] و«وَاللهِ لَقَدْ كُنْتُ أُبْغِضُكَ وَأَنْتَ تَمْشِي عَلَى ظَهْرِي» (نفس المصدر)[29]، يمكن استنتاج وجود نوع من الارتباط الأحادي بين التراب والميت المدفون. وليس من الغريب أن نقول إن هذا النوع من الارتباط يتكون من تعلق وكراهية منذ أن جعل المؤمن والكافر «التراب» مكانًا لأقدامهما في حياتهما الدنيوية. الفعل الناتج عن هذا الارتباط الأحادي هو سعة القبر وفتح باب إلى الجنة للمؤمن، وضيق القبر وفتح باب إلى النار للكافر.

بناءً على الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون، يعد «سؤال القبر» إحدى مراتب عالم البرزخ الأخرى التي تحدث بعد الدفن. قول الإمام الصادق (ع) «لا يُسْأَلُ فِي الْقَبْرِ إِلَّا مَنْ مَحَضَ الْإِيمَانَ مَحْضًا أَوْ مَحَضَ الْكُفْرَ مَحْضًا، وَالْآخَرُونَ يُلْهَوْنَ عَنْهُمْ» (الحويزي، 1415هـ، 3: 560)[30] يكشف أنه لا يُسأل إلا من أخلص الإيمان أو أخلص الكفر، أما الباقون فيُتركون. بالطبع، لفهم أفضل لهذه الرواية التفسيرية، يجب وضعها جنبًا إلى جنب مع الروايات التفسيرية لسور أخرى. ومن المثير للاهتمام أنه على الرغم من أن «سؤال القبر» يثير في الذهن مصاديق مختلفة من الأسئلة، إلا أنه في الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون، من بين جميع المصاديق، تم إبراز السؤال عن الحجة القائم (ع) فقط[31] (القمي المشهدي، 1368ش، 9: 223). يبدو أن الدور الأساسي لمعرفة إمام العصر (ع) في تحقيق السعادة الدنيوية والأخروية للبشر هو الهدف من تمييز هذا المكون العقائدي.

نقطة مهمة أخرى لا ينبغي إغفالها هي أنه على الرغم من أن عذاب ونعيم البرزخ لهما بعد مادي وزماني ومكاني، إلا أن حقيقتهما تختلف عن المادة والزمان والمكان في الدنيا، وتتناسب مع حياة البرزخ. بناءً على ما قيل، يمكن فهم الروايات التي تصف القبر بأنه روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار فهمًا أدق[32] (الحويزي، 1415هـ، 3: 557).

في الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون، توجد نقطة أخرى ذات أهمية تظهر وجود ارتباط وثيق بين عمل الإنسان في الدنيا وصورة أعماله في البرزخ. إن الانتباه إلى هذه النقطة يجعلنا، عند التأمل في كلام الإمام الصادق (ع) الذي يتحدث فيه عن وجوه جميلة لم تر عين أجمل منها[33] (القمي المشهدي، 1368ش، 9: 218)، أو عن وجوه قبيحة لم تشاهد عين أقبح منها[34] (نفس المصدر)، نفهم مراد المعصوم (ع) بشكل أعمق. بالطبع، لفهم أفضل للروايات التفسيرية المتعلقة بصورة أعمال البرزخ، من الضروري مراعاة قيود اللغة والعلاقة بين اللفظ والمعنى. بعبارة أخرى، يجب القول إنه على الرغم من وجود جوهر معنى «الثواب» و«العقاب» في جميع المفاهيم المتعلقة بنعم وعقوبات البرزخ في الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون، إلا أنه لا يمكن الادعاء بأن استخدام الألفاظ الدالة على مفاهيم «الثواب» و«العقاب» كلها في مرتبة واحدة. دليل هذا الادعاء هو كلام الإمام علي (ع) «شَاهَدُوا مِنْ أَخْطَارِ دَارِهِمْ أَفْظَعَ مِمَّا خَافُوا وَرَأَوْا مِنْ آيَاتِهَا أَعْظَمَ مِمَّا قَدَّرُوا» (الحويزي، 1415هـ، 3: 554)[35]، وكذلك «فَأَتَتْ مَبَالِغَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ فَلَوْ كَانُوا يَنْطِقُونَ بِهَا لَعَيُّوا بِصِفَةِ مَا شَاهَدُوا وَمَا عَايَنُوا» (نفس المصدر)[36]، وهو ما يوضح أن الموتى المدفونين في التراب شاهدوا أهوال ذلك العالم أشد مما كانوا يخشون، ورأوا من آياته أعظم مما كانوا يتصورون. من هنا، فإن الانتباه إلى مراتب أعلى من المعنى العرفي والدقة في الطبقات المختلفة لمعاني الألفاظ المتعلقة بالثواب والعقاب البرزخي هو ضرورة لا مفر منها لفهم أعمق.

على الرغم من أن أرواح الإنسان في مرتبة ما بعد الموت إلى القيامة تتمتع بنوع من الحياة، إلا أن السؤال المهم هو: بناءً على الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون، في أي قالب تكون الروح في عالم البرزخ، وكيف يكون ارتباطها بالعالم المادي؟ بعض الروايات التفسيرية لهذه السورة، تربط الروح بعد الموت بجسد غير جسد الدنيا ولكن شبيه به. كلام الإمام الصادق (ع) «فَإِذَا قَبَضَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ صَيَّرَ تِلْكَ الرُّوحَ فِي قَالَبٍ كَقَالَبِهِ فِي الدُّنْيَا» (القمي المشهدي، 1368ش، 9: 221)[37] يوضح أن الجسد البرزخي للإنسان، الذي يقع في مرتبة بين عالم الطبيعة المادي وعالم التجرد المحض، يظهر في البرزخ على شكله الدنيوي بحيث يتعرف عليه الآخرون بنفس الصورة[38] (نفس المصدر). تعبير الإمام الصادق (ع) «لَكِنْ فِي أَبْدَانٍ كَأَبْدَانِهِمْ» (الحويزي، 1415هـ، 3: 558)[39]، عند إنكاره لوقوع روح المؤمن في حواصل طيور خضر حول العرش، يوضح أن الروح في عالم البرزخ تتعلق بجسد شبيه بجسد الدنيا.

مجموعة أخرى من الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون تعتبر الأرواح في عالم البرزخ ذات صفة جسمانية، وتوضح أن روح الإنسان في عالم البرزخ تتمتع بخصائص شبيهة بالأجسام. كلام الإمام الصادق (ع) «إِنَّ الْأَرْوَاحَ فِي صِفَةِ الْأَجْسَادِ فِي شَجَرَةٍ فِي الْجَنَّةِ تَعَارَفُ وَتَسَاءَلُ» (القمي المشهدي، 1368ش، 9: 220)[40]، وكذلك قوله «فِي رَوْضَةٍ كَهَيْئَةِ الْأَجْسَادِ فِي الْجَنَّةِ» (الحويزي، 1415هـ، 3: 559)[41]، دليل على هذا الادعاء. بالطبع، يجب الانتباه إلى أن الأوصاف الواردة في الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون عن مواجهة أهل البرزخ وأحوالهم، مثل التحلق حول بعضهم البعض، والجلوس، والتحدث (الحويزي، 1415هـ، 3: 558)، والأكل والشرب من طعام الجنة (نفس المصدر)، وطلب قيام الساعة من الله (القمي المشهدي، 1368ش، 9: 220)، وغيرها، توضح أنه في البرزخ، كعالم من عوالم الوجود، يمكن مشاهدة تجليات من الحياة تتناسب مع الحياة البرزخية.

تشير الأحاديث التفسيرية لسورة المؤمنون أيضًا إلى مكان استقرار الأرواح في عالم البرزخ. أحيانًا، يُصرح بهذا المكان بشكل خاص، مثل «وادي السلام» في كلام الإمام علي (ع) «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَمُوتُ فِي بُقْعَةٍ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ إِلَّا قِيلَ لِرُوحِهِ: الْحَقِي بِوَادِي السَّلَامِ» (الحويزي، 1415هـ، 3: 557)[42]، وفي قول الإمام الصادق (ع) «أَمَا إِنَّهُ لا يَبْقَى مُؤْمِنٌ فِي شَرْقِ الْأَرْضِ وَغَرْبِهَا إِلَّا حَشَرَ اللهُ رُوحَهُ إِلَى وَادِي السَّلَامِ» (نفس المصدر)[43]، أو مثل «برهوت» في كلام الإمام علي (ع) «شَرُّ بِئْرٍ فِي النَّارِ بَرَهُوتُ الَّذِي فِيهِ أَرْوَاحُ الْكُفَّارِ» (القمي المشهدي، 1368ش، 9: 222)[44]، وأحيانًا يُشار إليها بتعابير عامة مثل الحجرات في «فِي حُجُرَاتٍ فِي الْجَنَّةِ» (الحويزي، 1415هـ، 3: 855). أظهرت نتيجة دراسة الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون أنه من بين 294 مضمونًا روائيًا يتعلق ببعد المعاد، كانت معظم الإشارات إلى هذا البعد في المقطع العاشر بـ 254 مضمونًا روائيًا.

5. الاستنتاج

بالنظر إلى دراسة المكونات العقائدية للروايات التفسيرية لسورة المؤمنون، يمكن استنتاج ما يلي:

1. علم الله شامل، مطلق، أزلي، وأبدي، ولتحقق العلم ليس من الضروري أن يُنتزع علم الله من وجود المعلوم.

2. في الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون، حظيت كل من الاستطاعة «مع الفعل» والاستطاعة «قبل الفعل» باهتمام المعصومين (ع)، لكن الروايات المتعلقة بالاستطاعة مع الفعل نُقلت عن الكليني، والروايات المتعلقة بالاستطاعة قبل الفعل نُقلت عن الشيخ الصدوق. سبب نقل هاتين المجموعتين من الروايات هو توافق كل من هذين الرأيين مع رأي ناقليهما.

3. الولاية هي المحور الأساسي لمعرفة الهداة في الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون. بما أن ولاية الله ذاتية وفي غيره عرضية، وولاية النبي (ص) والأئمة المعصومين (ع) بإذن الخالق وفي طول ولايته، يمكن اعتبار ولاية الأئمة المعصومين (ع) تجليًا لولاية الله.

4. الأئمة المعصومون (ع) بإرادة الله وُضعوا في جهة يكون الإقبال على الله من خلالها. ومن هنا، فإن من أعرض عن ولاية المعصومين (ع) أو فضل غيرهم عليهم، قد انحرف عن الصراط المستقيم.

5. على الرغم من وجود جوهر معنى «الثواب» و«العقاب» في جميع المفاهيم المتعلقة بنعم وعقوبات البرزخ في الروايات التفسيرية لسورة المؤمنون، إلا أن المفاهيم المستمدة منها ليست كلها في مرتبة واحدة. من هنا، فإن الانتباه إلى مراتب أعلى من المعنى العرفي والدقة في الطبقات المختلفة لمعاني الألفاظ المتعلقة بالثواب والعقاب البرزخي له أهمية خاصة في الفهم العميق لهذا النوع من الروايات التفسيرية.

6. لتقديم صورة شاملة لمنظومة المعتقدات الأساسية في مجموع الروايات التفسيرية لسور القرآن، من الضروري إقامة صلة بين المكونات العقائدية للروايات التفسيرية لسورة المؤمنون والعناصر الأساسية العقائدية لسائر سور القرآن.

الهوامش

1. لم يخلق الله الخلق ليجلب منهم منفعة أو ليدفع بهم مضرة، بل خلقهم لينفعهم ويوصلهم إلى نعيم الأبد.

2. سبحانك يا الله، تُعصى وكأنك لا ترى، وتحلم وكأنك لم تُعصَ.

3. إنهم مستطيعون للفعل وقت الفعل، مع الفعل، إذا فعلوا ذلك الفعل.

4. علم الله منهم فعلاً، فجعل فيهم آلة الفعل، فإذا فعلوا كانوا مع الفعل مستطيعين.

5. ليس له من الاستطاعة قبل الفعل قليل ولا كثير، ولكن مع الفعل والترك كان مستطيعاً.

6. لا يكون العبد آخذاً ولا تاركاً إلا باستطاعة متقدمة قبل الأمر والنهي.

7. لا يكون من العبد قبض ولا بسط إلا باستطاعة متقدمة للقبض والبسط.

8. الاستطاعة قبل الفعل، لم يأمر الله عز وجل بقبض ولا بسط إلا والعبد لذلك مستطيع.

9. لا يكون العبد فاعلاً ولا متحركاً إلا والاستطاعة معه من الله عز وجل، وإنما وقع التكليف من الله بعد الاستطاعة، فلا يكون مكلفاً للفعل إلا مستطيعاً.

10. إن الله تبارك وتعالى لو شاء لعرّف العباد نفسه، ولكن جعلنا أبوابه وصراطه وسبيله والوجه الذي يؤتى منه.

11. فمن عدل عن ولايتنا أو فضل علينا غيرنا فإنهم عن الصراط لناكبون.

12. لا خير في الدنيا إلا لأحد رجلين: رجل يزداد كل يوم إحساناً، ورجل يتدارك منيته بالتوبة، وأنى له بالتوبة؟ والله إن سجد حتى ينقطع عنقه ما قبل الله منه إلا بولايتنا أهل البيت.

13. ومن عرف حقنا وأحبنا فقد أحب الله تبارك وتعالى.

14. ولكنهم خافوا أن يكونوا مقصرين في محبتنا وطاعتنا.

15. أتوا والله بالطاعة مع المحبة والولاية وهم في ذلك خائفون أن لا يقبل منهم.

16. وهم والله في ذلك خائفون وجلون.

17. قد اختبرهم الله بالمخمصة، وابتلاهم بالمجهدة، وامتحنهم بالمخاوف، ومحصهم بالمكاره.

18. إذا حيل بينه وبين الكلام، أتاه رسول الله صلى الله عليه وآله ومن شاء الله، فجلس رسول الله صلى الله عليه وآله عن يمينه والآخر عن يساره.

19. ما كنت ترجو، فهو ذا أمامك.

20. ما كنت تخاف منه، فقد أمنت منه.

21. «إذا مات الميت اجتمعوا عنده يسألونه عمن مضى وعمن بقي، فإن كان مات ولم يرد عليهم قالوا قد هوى هوى»، أي: «عندما يموت الميت يجتمعون عنده يسألونه عمن مضى وعمن بقي من أهل الدنيا. فإذا كان أحدهم قد مات ولم يأت إليهم، يقولون: لقد سقط من علٍ إلى سفل».

22. «يقول بعضهم لبعض: دعوه حتى يسكن مما مر عليه من الموت»، أي: «يقول بعضهم لبعض: اتركوه حتى يرتاح مما مر عليه من شدائد الموت».

23. القبر منذ حين موته إلى يوم القيامة.

24. البرزخ هو القبر، وهو الثواب والعقاب بين الدنيا والآخرة.

25. «… إن نجوت يا ابن آدم عند الموت فأنت أنت وإلا هلكت، وإن نجوت يا ابن آدم حين توضع في قبرك فأنت أنت وإلا هلكت و…».

26. نعوذ بالله منها، ما أقل من يفلت من ضغطة القبر.

27. «هيهات ما على المؤمنين منها شيء».

28. والله لقد كنت أحبك وأنت تمشي على ظهري.

29. والله لقد كنت أبغضك وأنت تمشي على ظهري.

30. لا يسأل في القبر إلا من محض الإيمان محضاً أو محض الكفر محضاً، والآخرون يلهون عنهم.

31. أي السؤال عن حجة العصر (عج).

32. «أنا القبر، أنا روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار».

33. «… وَيَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ رَجُلٌ لَمْ تَرَ عَيْنَاهُ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ فَيَقُولُ يَا عَبْدَ اللهِ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْكَ فَيَقُولُ أَنَا رَأْيُكَ الْحَسَنُ الَّذِي كُنْتَ عَلَيْهِ، وَعَمَلُكَ الصَّالِحُ الَّذِي كُنْتَ تَعْمَلُهُ»، أي: «يخرج من ذلك [القبر] رجل لم تر عيناه شيئًا أحسن منه قط، فيقول: يا عبد الله، ما رأيت شيئًا أحسن منك قط. فيقول: أنا نيتك الحسنة التي كنت عليها، وعملك الصالح الذي كنت تعمله».

34. «ثُمَّ إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ رَجُلٌ أَقْبَحُ مَنْ رَأَى قَطُّ قَالَ فَيَقُولُ يَا عَبْدَ اللهِ مَنْ أَنْتَ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَقْبَحَ مِنْكَ قَالَ فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ السَّيِّئُ الَّذِي كُنْتَ تَعْمَلُهُ وَرَأْيُكَ الْخَبِيثُ»، أي: «ثم يخرج منه رجل أقبح من رئي قط، فيقول: يا عبد الله، من أنت؟ ما رأيت شيئًا أقبح منك. فيقول: أنا عملك السيئ الذي كنت تعمله، ونيتك الخبيثة».

35. شاهدوا من أخطار دارهم أفظع مما خافوا ورأوا من آياتها أعظم مما قدروا.

36. فأتت مبالغ الخوف والرجاء، فلو كانوا ينطقون بها لعيّوا بصفة ما شاهدوا وما عاينوا.

37. فإذا قبضه الله عز وجل، صير تلك الروح في قالب كقالبه في الدنيا.

38. «… فإذا قدم عليهم القادم، عرفوه بتلك الصورة التي كانت في الدنيا».

39. … لا، المؤمن أكرم على الله من أن يجعل روحه في حوصلة طير، ولكن في أبدان كأبدانهم.

40. إن الأرواح في صفة الأجساد، في شجرة في الجنة، تتعارف وتساءل.

41. في روضة كهيئة الأجساد في الجنة.

42. ما من مؤمن يموت في بقعة من بقاع الأرض إلا قيل لروحه: الحقي بوادي السلام.

43. أما إنه لا يبقى مؤمن في شرق الأرض وغربها إلا حشر الله روحه إلى وادي السلام.

44. شر بئر في النار برهوت الذي فيه أرواح الكفار.

Scroll to Top