الفلسفة التحليلية وعلم الأصول: مباحث مقارنة

موضوع البحث في هذه المقالة، كما هو واضح، هو العثور على مباحث مشتركة أو قابلة للمقارنة بين الفلسفة التحليلية وعلم الأصول. تُعد الفلسفة التحليلية اليوم إحدى أكثر المناهج الفلسفية شيوعًا في الغرب ولها أنصار كُثر. ويرى كاتب هذه السطور أن مسائل عديدة بُحثت بالمنهج التحليلي لها قرابة كبيرة بالمسائل المطروحة في علم الأصول، ولذا فإن طرح هذه المسائل بصورة تطبيقية مقارنة سيكون مفيدًا ومثمرًا.

بطبيعة الحال، قبل الشروع في البحث عن المسائل المشتركة بين الفلسفة التحليلية وعلم الأصول، لا بد من إيضاح المقصود بهما على وجه الإجمال.[1]

1. الفلسفة التحليلية

ما هي الفلسفة التحليلية؟ الإجابة عن هذا السؤال ليست بتلك السهولة، لأن الفلسفة التحليلية تشير إلى تيار واتجاه فكري معين في الغرب شهد تحولات كثيرة. ولكن يمكن القول إجمالاً إن الفلسفة التحليلية هي نوع من الاتجاه نحو حل المسائل الفلسفية عن طريق تحليل المفاهيم (concept analysis)، أي أننا ندرس المسائل الفلسفية بتحليل وتدقيق في المعاني والمفاهيم. هذه النظرة في الواقع هي مجرد منهج. فالفلسفة التحليلية ليست فرعًا من الفلسفة، ولا علمًا قائمًا بذاته، بل هي فلسفة ذات اتجاه خاص. بعبارة أخرى، إذا درسنا المسائل الفلسفية باتجاه التحليل اللغوي، فإننا نحصل على الفلسفة التحليلية. وهذا بالطبع عنوان عام ونواة مركزية. يمكن القول إن جميع الفلاسفة التحليليين تقريبًا قد اتفقوا على هذا الجانب، وهو أن عمل الفلسفة هو تحليل المفهوم، أي أنهم يريدون حل المسائل الفلسفية عن طريق تحليل المفهوم. ولكن من هنا فصاعدًا، تبرز تساؤلات[2] متنوعة ودقيقة للغاية، ليس من المعلوم أن إجاباتها تحظى بالاتفاق والإجماع. ومن أهم هذه التساؤلات: ما معنى تحليل المفهوم أصلاً؟

مؤسسو الفلسفة التحليلية، وهم في الغالب فريجه (Frege) وراسل (Russell) ومور (Moore)، كانوا مختلفين فيما بينهم حول ماهية تحليل المفهوم. علاوة على ذلك، مرت الفلسفة التحليلية نفسها من حيث نطاق تطبيق التحليل الفلسفي بمراحل متعددة. في مرحلة ما، كان راسل وآخرون يعتقدون أن الفلسفة التحليلية توضح وتشفّ المسائل الفلسفية عن طريق التحليل المفهومي، لكنها لا تحل المسألة الفلسفية. أي ليس الأمر بحيث تُحل جميع المسائل الفلسفية بمجرد تحليل المفاهيم. تحليل المفاهيم يساهم في توضيح المسائل وبالتالي في حلها، ولكن ليس بمعنى أنه بتحليل المفاهيم لا تبقى مسألة أخرى. فمثلاً، بحث العلية، أو الاستقراء، أو وجود الله، تتضح بتحليل المفهوم، لا أنها تُحل، ولحلها يجب سلوك طرق فلسفية أخرى.

أما في مرحلة أخرى، فقد اعتقد بعض الفلاسفة التحليليين أنه لا توجد لدينا مسألة فلسفية حقيقية أصلاً، وكل ما هنالك هو هذه الحالة الإشكالية التي تنشأ من عدم شفافية اللغة. فإذا جعلنا اللغة شفافة، فلن تبقى هناك مسألة. لذا، فإن عمل الفيلسوف ليس قول شيء عن عالم الواقع، بل عمل الفيلسوف هو تحليل اللغة فقط. ومن هذا المنطلق، يُقال أحيانًا إن الفلسفة التحليلية هي معرفة من الدرجة الثانية (second degree discipline)، لأن عملها ليس التوجه مباشرة إلى الواقع. فالعلوم مثل الرياضيات والفيزياء والنجوم والاقتصاد -إن كان علمًا- هي معارف من الدرجة الأولى تنظر إلى الواقع. أما الفلسفة، فبالإضافة إلى قضايا اللغة العادية أو الطبيعية (ordinary language)، فإنها تبحث في قضايا هذه المعارف من الدرجة الأولى. وكان فتغنشتاين (Wittgenstein) المتأخر (أي في المرحلة المتأخرة من فكره) يرى شأن الفلسفة على هذا النحو، ولذا كان يَعُدُّ عمل الفيلسوف خروجًا من الإشكاليات التي أوجدتها اللغة.[3]

في مرحلة أخرى، وهي تقريبًا المرحلة الأخيرة من الفلسفة التحليلية، خرج الكثيرون مما يسمى بالمقومات الأيديولوجية للمرحلة الثانية. ففكرة أن عمل الفلسفة هو التحليل فقط ولا عمل لها غير ذلك، كانت، بحسب تعبير بعض الفلاسفة، ذات مبادئ أيديولوجية خاصة، وكانت تقريبًا وليدة فكر الوضعية المنطقية التي نشأت بدورها من آثار فتغنشتاين المتقدم وبعض آراء راسل. فالتفريق بين القضايا التحليلية والتركيبية، والتجريبية المحضة، وأمثالها، كانت من مقومات هذا الاتجاه. هذه الأفكار، في المرحلة الثالثة من الفلسفة التحليلية التي بدأت تقريبًا بعد الحرب العالمية الثانية، وُضعت موضع تساؤل، وكل فيلسوف هدم جانبًا من هذه الأفكار.

بناءً على ذلك، عادت الفلسفة التحليلية مرة أخرى نحو مسائل كانت تعتقد أنه بالإضافة إلى التدقيق والتحليل اللغوي، يمكن البحث فيها وربما التوصل إلى تطورات. ومن جملة هذه المسائل، يمكن ذكر المسائل المتعلقة بالنفس وعلاقة النفس بالبدن (mind-body problem).

لقد أتاحت هذه المسائل الآن انشغالاً ذهنيًا كبيرًا لكثير من الفلاسفة التحليليين. وبهذا الترتيب، توجه الفلاسفة التحليليون بأداة التحليل اللغوي إلى مسائل أخرى، من جملتها فلسفة الأخلاق. في هذه المرحلة الثانية، كان سعيهم في فلسفة الأخلاق يقتصر على تحديد نوع القضايا الأخلاقية، أو تحديد نوع المفاهيم الأخلاقية. كانوا يعتقدون أنه ليس لدينا في فلسفة الأخلاق عمل سوى تبيين ماهية القضايا الأخلاقية والمفاهيم الأخلاقية. ولكن في المرحلة التالية، اعتقدوا أن الفيلسوف التحليلي يمكنه أن يبحث في الأخلاق نفسها؛ أي في الأبحاث التي يسمونها قيمية ومعيارية (normative)؛ مثل الأعمال التي قام بها بعض فلاسفة السياسة مثل جون رولز (John Rawls) في باب العدالة. فالقسم الأكبر من عمله هو عمل قيمي ومعياري، وليس مجرد أبحاث تحليل لغوي، وإن كان قد استفاد من أداة التحليل اللغوي. والأبحاث التي يقوم بها بعض فلاسفة السياسة في باب الحق وماهيته هي من هذا القبيل.

هذا عرض مجمل للمراحل المختلفة للفلسفة التحليلية ونظرتها إلى اللغة. ولكن على أي حال، كانت هذه النقطة مقبولة في جميع المراحل تقريبًا، وهي أن التدقيق في ماهية اللغة، والتدقيق في الأقوال من حيث وظائفها اللغوية، له دور مهم جدًا في الفلسفة. سواء كان هذا التدقيق هو كل عمل الفيلسوف، أو أنه مقدمة لأعماله الأساسية. الفلسفة التحليلية بهذا البيان هي اتجاه وليست علمًا. والفلاسفة بهذا الاتجاه يبحثون في مسائل مختلفة؛ فمثلاً يبحثون في اللغة فتنشأ “فلسفة اللغة”، ويبحثون في الحقوق فتنشأ “فلسفة الحقوق التحليلية”، ويبحثون في مباحث الرياضيات فتنشأ “فلسفة الرياضيات”، أي أن الفلاسفة التحليليين قد بحثوا في كل هذه الفلسفات من الدرجة الثانية. ولكن المقصود من الفلسفة في الفلسفات المضافة شيء شبيه بالمبادئ التصورية والتصديقية والمنهجية (الميتودولوجية)؛ أي أن مبادئ تلك المعارف من الدرجة الأولى تكون مورد البحث. المباحث التي تعود إلى تحليل مفاهيم هذه المعارف وتصديقاتها ومناهجها تشكل فلسفة تلك المعرفة. فمثلاً “فلسفة المنطق” -وهو مصطلح يبدو غريبًا في العربية- هي مجموعة من المباحث التي تنظر إلى المنطق بنظرة من الدرجة الثانية: ما هي المفاهيم المنطقية؟ ما هو اعتبارها؟ عندما نقول إن قياسًا ما معتبر، فماذا يعني ذلك؟ ما هي القضايا المنطقية؟ وهكذا. وكذلك الأمر في فلسفة الفن، وفلسفة الاقتصاد، وأمثالها.

2. الفلسفة التحليلية في البحث الحاضر

الآن، عندما نتساءل عن علاقة علم الأصول بالفلسفة التحليلية، فمن الطبيعي أن لا يكون مقصودنا فلسفة اللغة فقط. إن حصر الفلسفة التحليلية في فلسفة اللغة هو تحديد لا مبرر له. عندما نتساءل عن علاقة الفلسفة التحليلية بالأصول، يجب أن ننظر إلى الفلسفة التحليلية في جميع المجالات التي تعمل فيها. وبالطبع، يجب أن نفرق بين الفلسفة التحليلية وفلسفة اللغة وعلم اللغة (اللسانيات). فعلم اللغة هو علم يبحث في لغة معينة، ويقوم بعمل تجريبي ونظري، ولكنه عادة ما يبدأ من لغة معينة. وبالطبع، توجد أبحاث عامة حول اللغة أيضًا، لذا فإن جزءًا من علم اللغة يشترك أحيانًا مع الفلسفة التحليلية. علم اللغة العام (General linguistics) يبحث بشكل رئيسي في هذه الجوانب اللغوية العامة؛ في مقابل علوم اللغة الخاصة التي تتناول لغة معينة، مثل علم اللغة الذي يكون محوره اللغة الإنجليزية أو الفارسية أو العربية. إذن، علم اللغة هو علم موضوعه اللغات الخاصة، وإن كان يبحث أحيانًا بحثًا عامًا، ولكن ذلك يتم بالتبع.

أما فلسفة اللغة فهي فرع علمي موضوعه اللغة، وليس لغة خاصة؛ بل محاور من اللغة يمكن أن تتحقق في أي لغة؛ مثلاً، في كل لغة لدينا علاقة بين اللفظ والمعنى، وفي كل لغة لدينا دلالة، وفي كل لغة لدينا إنشاء وإخبار، وفي كل لغة لدينا جملة شرطية. هذه أبحاث لغوية لا تبدو مرتبطة بلغة خاصة ويمكن أن تتحقق في أي لغة، وهي ما يُبحث في فلسفة اللغة. ففي كل لغة، يريد المتكلم أن يلقي شيئًا، فيُسأل: ما هو ذلك الشيء الملقى؟ وفي كل لغة، يستعمل المتكلم الألفاظ في معانٍ، فيُسأل: ما هي حقيقة هذه الظاهرة، أي “استعمال اللفظ في المعنى”؟ وفي كل لغة، يوجد إنشاء وإخبار بالتأكيد؛ لأن الناس يأمرون وينهون بعضهم بعضًا، ويتبايعون، وما إلى ذلك. والآن يُسأل: ما هي ماهية الإنشاء والإخبار؟ هذه مباحث عامة يمكن بحثها في فلسفة اللغة؛ بالإضافة طبعًا إلى عشرات المسائل الأخرى.[4]

إذن، يجب أن نفصل بين ثلاثة أمور: الفلسفة التحليلية، وفلسفة اللغة، وعلم اللغة. الفلسفة التحليلية التي هي محل بحثنا هي عبارة عن الفلسفة ذات الاتجاه الخاص؛ أي تناول المسائل الفلسفية المختلفة باتجاه التحليل اللغوي. وبالطبع، هذا التناول للمسائل المختلفة ينتفي طبيعيًا في بعض الاتجاهات، لاعتقادهم أن عمل الفيلسوف يقتصر على تحليل اللغة. ولكن، سواء في بداية الفلسفة التحليلية وبداية هذه النهضة، أو في الوقت الحاضر، قلما تجد من يعتقد في الفلسفة التحليلية أن عمل الفيلسوف هو مجرد تهذيب الألفاظ وتحليل المفاهيم. هذه المسألة ليس لها أنصار كُثر.

3. الفلسفة التحليلية، معرفة من الدرجة الثانية؟

كما ذكرنا سابقًا، كان هناك في تاريخ تطور الفلسفة التحليلية اتجاه يرى أن عمل الفيلسوف التحليلي يقتصر على معالجة اللغة، ولذا كان يعتقد أن الفيلسوف لا علاقة له بالموضوعات التي تنظر إلى الواقع؛ أي أن الفلسفة التحليلية في الواقع هي معرفة من الدرجة الثانية. كونها من الدرجة الثانية هنا يعني أنها ناظرة إلى معارف من الدرجة الأولى مثل الرياضيات، والفيزياء، والكيمياء، والنجوم، وأمثالها، التي ترتبط بعالم الواقع. قضايا هذه المعارف من الدرجة الأولى تُبحث في الفلسفة التحليلية؛ أي يُبحث في ماهية هذه القضايا، وماهية مفاهيمها، وهكذا. بهذا المعنى، تكون الفلسفة التحليلية فلسفة من الدرجة الثانية.

أحيانًا يُقال إن عمل الفلاسفة التحليليين هو من الدرجة الثانية؛ أي أنهم يتناولون كلمات الفلاسفة، وهذا قول خاطئ؛ لأنه ينقل البحث من الواقع إلى أقوال الفلاسفة، في حين أن الأمر ليس كذلك، والفرق بينهما كبير جدًا. كون الشيء من الدرجة الثانية بلحاظ كونه ناظرًا إلى قضايا من الدرجة الأولى، قول؛ وكونه من الدرجة الثانية بلحاظ كونه ناظرًا إلى أقوال الفلاسفة، قول آخر. الثاني عمل تاريخي ووصفي (descriptive)، بينما الأول معياري وغير تاريخي.

يصرح سيرل (Searle) في مقالته “الفلسفة المعاصرة في الولايات المتحدة” بأن المعرفة من الدرجة الثانية، أي تلك التي تنظر إلى معارف الدرجة الأولى، أمر صحيح.[5] بالإضافة إلى ذلك، لا يمكننا أن نعتبر عمل الفيلسوف التحليلي مجرد بحث في أقوال الفلاسفة، لأنهم لم يفعلوا ذلك عمليًا. ففي الفلسفة التحليلية، تجد أبحاثًا كثيرة حول القضايا. حتى الوضعيون لديهم أبحاث حول ماهية القضايا الأخلاقية، وماهية اللغة، وحول القضايا الرياضية. كان العمل الرئيسي لراسل هو فلسفة الرياضيات وفلسفة المنطق.

فكيف يمكننا أن نعتبر عمل الفيلسوف التحليلي مجرد تناول لأقوال الفلاسفة؟ لذلك، يبدو أن كون الفلسفة التحليلية من الدرجة الثانية ليس بمعنى أنها ناظرة إلى عمل الفلاسفة؛ بل بمعنى أنها ناظرة إلى القضايا الناظرة إلى الواقع (أو ناظرة إلى القضايا القيمية والأخلاقية، إذا لم نعتبرها من سنخ القضايا الواقعية). وبالطبع، لا نقول إن الأبحاث المتعلقة بأقوال الفلاسفة لا يمكن أن تسمى “درجة ثانية”. ولكن يجب عدم الخلط بين المصطلحات، وبالتالي الخطأ في تبيين ما حدث. إذا قلنا مثلاً إن فلسفة العلم هي من الدرجة الثانية، فليس المقصود أنها تعود إلى أقوال العلماء، بل المقصود أنها تعود إلى القضايا العلمية نفسها. أي يقال: ما نوع هذه القضية العلمية؟ كيف يمكن إثباتها؟ ما هي موضوعاتها ومحمولاتها؟ هل هي ناظرة إلى الواقع أم مجرد أداة؟ إذن، كون الشيء من الدرجة الثانية في الفلسفة التحليلية هو بمعنى كونه ناظرًا إلى معارف الدرجة الأولى، لا إلى أقوال الفلاسفة. هذه نقطة يجب الانتباه إليها.

4. تذكير مجدد

قبل أن نتناول سؤال ما هو علم الأصول؟ أؤكد مجددًا على هذه النقطة، وهي أن الفلسفة التحليلية هي اتجاه يمكن أن يغطي الفلسفة بأكملها. أي إذا أردنا أن نبحث في علاقة الفلسفة التحليلية بعلم الأصول، يجب أن نأخذ في الاعتبار جميع المسائل التي تناولها الفلاسفة التحليليون، مثل فلسفة اللغة، وفلسفة الأخلاق، وفلسفة الحقوق، وغيرها.

بالطبع، فلاسفة مثل سيرل، الذين هم أنفسهم جزء من الفلاسفة التحليليين ويقدمون تقارير عن الفلسفة التحليلية، قد لاحظوا أنه ليس صحيحًا أن الفلاسفة الآخرين في المراحل الأخرى لم يقوموا بالعمل التحليلي أبدًا.[6] ففي الفلسفة الإسلامية نفسها، نرى أنها مليئة بالتحليل. ومن الإنصاف القول إن الأعمال التي قام بها الميرداماد وصدر المتألهين والسبزواري والآقا علي المدرس وغيرهم في تحليل ماهية القضية، وجهات القضايا، والوجود الرابط، وماهية الجمل الشرطية، لا تقل قطعًا عن العمل الذي يقوم به الفلاسفة التحليليون، إن لم نقل إنها تفوقه في مواضع متعددة. حتى قبل قرون، كانت الأعمال التي قام بها سقراط، مثل أبحاثه السقراطية في تحليل مفهوم العدالة، ومفهوم الحكومة، وضرورة اتباع الحكومة، أعمالًا تحليلية. هذه الأعمال هي في الواقع من سنخ الأشياء التي يقوم بها الفلاسفة التحليليون في الفلسفة السياسية. إذن، المسألة التي تبرز عمل الفلاسفة التحليليين هي التأكيد المضاعف الذي يولونه لهذا المنهج، لا أن الآخرين لم يقوموا بهذا العمل أبدًا.

على أي حال، لا ينبغي حصر الفلسفة التحليلية في فلسفة اللغة، التي هي نفسها جزء من الفلسفة التحليلية، بل يجب أخذ جميع المباحث الفلسفية التي بُحثت بالاتجاه التحليلي في الاعتبار.

5. علم الأصول

ما هو علم الأصول؟ وما هي علاقته بالفلسفة التحليلية؟ الجميع يعلم أن هناك تعريفًا مشهورًا لعلم الأصول وهو: مجموعة القواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي. وأحيانًا لم يروا هذا كافيًا، فقالوا: بالإضافة إلى هذه الأمور، ما يصل إليه المجتهد من حيث الوظيفة العملية بعد الفحص واليأس من الأدلة الشرعية: «أو التي ينتهى إليها في مقام العمل». وبالطبع، وردت إشكالات متعددة على هذا التعريف لا علاقة لها ببحثنا.[7] نحن هنا نريد فقط أن نبحث في مفروضاته. تعريف آخر هو أن نقول بشكل عام: علم الأصول هو ما يتوسط في إثبات الحكم الشرعي، ونأخذ الحكم أعم من الحكم الواقعي والحكم الظاهري؛ لأن التعريف الذي ذكرته والذي أورده المرحوم الآخوند في “الكفاية” وغيره في مواضع أخرى،[8] له مشكلة أساسية وهي أن علم الأصول يصبح منقسمًا إلى قسمين. فإذا قلنا: قواعد ممهدة في طريق استنباط الحكم الشرعي أو التي ينتهي إليه المجتهد، والمقصود الأصول العملية، فإنه يصبح ذا قسمين. فإما أن نقول: قواعد ممهدة لاستنباط الحكم الشرعي، أو نقول: قواعد ممهدة لتحصيل الحجة على الحكم، وهو ما يُعبر عنه أحيانًا بـ «الحجة في الفقه»، ومن هنا يصبح هذا الأمر هو موضوع علم الأصول.

بناءً على ذلك، خلاصة القضية هي أن علم الأصول هو مجموعة من المباحث التي تنتهي إلى استنباط الحكم الشرعي. علم الأصول له على الأقل أربعة أقسام، ومع بعض العناية خمسة أقسام: قسم من مباحثه هو مباحث الألفاظ والدلالات التي تعود إلى اكتشاف الظهورات. مثلاً، نتساءل: ما هو مدلول المعنى الحرفي؟ ما هو مدلول المشتق؟ ما هو مدلول هيئة الأمر؟ هل تدل هيئة الأمر على الفور أم التراخي؟ هل تدل على الوجوب التعييني أم التخييري أم الكفائي؟ هذه كلها استظهارات نقوم بها في هذا الباب. أو لنفرض أننا نتساءل: أداة “كل” في “أكرم كل عالم” ماذا تفعل؟ ما هو ظهور هذه الأداة؟ في الجواب نقول: أدوات العموم تسري الحكم إلى الطبيعة بنحو الكثرة، أي أنها تلحظ الكثرات. ثم في الإطلاق نتساءل: أدوات الإطلاق مثل الألف واللام في “العالم” ماذا تفعل؟ نقول: عملها هو أنها تحمل الحكم على الطبيعة، دون أن تجعل كثرات نفس الطبيعة موضوعًا للحكم. هذه كلها من سنخ الاستظهار وكشف الظهورات.

القسم الآخر من علم الأصول لا علاقة له بالألفاظ أبدًا، وإن كان بعض الأصوليين قد طرحوه في مباحث الألفاظ، مثل بحث مقدمة الواجب. في مقدمة الواجب، البحث هو: هل وجوب ذي المقدمة ووجوب المقدمة متلازمان أم لا؟ وفي بحث الضد أيضًا الأمر كذلك: هل يمكن أن يكون الضدان في عرض واحد، أو بنحو الترتيب، موردًا للحكم؟ هل ضد واحد هو مقدمة لعدم الضد الآخر؟ هل عدم ضد واحد هو مقدمة لوجود الضد الآخر؟ هذه أبحاث لا علاقة لها بالألفاظ أبدًا. ورغم أني أعتقد أن هناك قولاً يعتبر بحث الضد أو مقدمة الواجب عنوانًا لفظيًا، إلا أنه في الواقع ليس بحثًا لفظيًا. البحث هناك ليس ما إذا كان الأمر الذي تعلق بالمقدمة، بدلالة التزامية، هو أمر بذي المقدمة أم لا؟ ليس هذا هو بحث مقدمة الواجب. في مقدمة الواجب، البحث هو أنه إذا تعلق وجوب بذي المقدمة، فهل يلازم عقلاً وجوبًا شرعيًا آخر أم لا؟ البحث يدور حول الوجوب، حتى لو لم يكن هناك لفظ. أي حتى لو لم يكن هناك لفظ في الأمر، وحصلنا على وجوب شيء عن طريق العقل أو الإجماع، فهل ذلك الوجوب الشرعي يتعلق بمقدمته أيضًا أم لا؟ موضوع البحث هو الملازمة بين وجوبين. وفي بحث الضد الأمر كذلك. وفي اجتماع الأمر والنهي أيضًا الأمر كذلك. وكما تلاحظون، فإن الأبحاث هنا عقلية. هذا هو القسم الثاني من علم الأصول.

القسم الثالث من مباحث الأصول هو بحث الحجج، مثل حجية القطع، وحجية الظن ومصاديقه كحجية الظهورات، وحجية الإجماع، وحجية التواتر، والشهرة، وغيرها.

القسم الرابع هو الأصول العملية، مثل البراءة، والتخيير، والاحتياط، والاستصحاب، وما إلى ذلك.

وهناك قسم آخر من المباحث لا يمكن اعتباره جزءًا من مسائل الأصول، ولكنه عمليًا مطلوب، مثل المقدمات التي أوردها المحقق الخراساني في الكفاية، وهي في الغالب خارجة عن علم الأصول، ولذا أوردها كمقدمات، مثل بحث الوضع، والمعنى الحرفي، واستعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، وبحث المجاز، والحقيقة الشرعية، وحقيقة المتشرعة، وبحث الصحيح والأعم. هذه مجموعة من المباحث الاستطرادية التي رأى الأصوليون أنها لم تنقح في مكان آخر كما ينبغي لعملهم، فاضطروا إلى طرحها، وعددها كبير أيضًا. هذه الأبحاث ليست أصولية، لأن نتيجتها لا تتوسط في إثبات الحكم الشرعي، ولا تتوسط في تحصيل الحجة على الحكم الشرعي أيضًا.

وغير المقدمات المذكورة التي أوردها المحقق الخراساني في مقدمة الكفاية، توجد مباحث أخرى كثيرة هي في عين الحاجة الماسة إليها خارجة عن علم الأصول، مثل بحث الحسن والقبح الذي هو بحث كلامي، ولكنه في الأصول في كثير من المواضع جزء من المقدمات الضرورية للبحث. بحث الاعتباريات بحث فلسفي؛ ولكنه يُطرح ويُبحث في الأصول والفقه في مواضع مختلفة. إذن، لدينا مباحث كثيرة تُطرح في الأصول بنحو ما، ولكنها ليست أبحاثًا أصولية. ولهذا السبب، في التدوين الذي اقترحته مؤخرًا، طرحت مثل هذه المباحث كجزء من فلسفة علم الأصول.[9] فلسفة علم الأصول، أي مجموعة المباحث التي ليست في الواقع مصداقًا للمسألة الأصولية ولكنها جزء من المبادئ التصورية أو التصديقية للمباحث الأصولية. هذه يجب أن تخرج من علم الأصول وتوضع في قسم باسم فلسفة علم الأصول أو مبادئ علم الأصول. وعلم الأصول هو نفسه ما يقع حقًا في طريق استنباط الحكم الشرعي. وهذا هو القسم الخامس. صحيح أن هذا القسم ليس حقًا جزءًا من المسائل الأصولية، ولكن الأصوليين غالبًا ما يطرحونه لأنهم بحاجة إليه ولم يُطرح في مكان آخر. إذن، يمكننا القول إن الأصول الرائج له خمسة أقسام.

في هذه السلسلة من الأبحاث، قال البعض إن علم الأصول له قسمان: أحدهما الألفاظ والدلالات، والقسم الآخر الحجج والأصول العملية. هذا التقسيم ليس صحيحًا قطعًا. يبدو أنهم اعتبروا المجلد الأول من الكفاية كله مباحث ألفاظ، وفي موضع آخر أيضًا، عدوا أبحاثًا مثل الدلالات، وبحث الضد، وبحث اجتماع الأمر والنهي، وغيرها، كلها من مباحث الألفاظ، وهذا ليس صحيحًا قطعًا.

مباحث الألفاظ مرتبطة ببحث الدلالات، واجتماع الأمر والنهي وبحث الضد وأمثالها لا علاقة لها ببحث الألفاظ. وقولنا لا علاقة لها، يعني بناءً على أكثر الأقوال وجاهة، لا علاقة لها، وبالطبع هناك قول ضعيف يعتبر مثل هذه المباحث جزءًا من مباحث الألفاظ، ولكن اليوم قلة من يقبلونها. بحث مقدمة الواجب وبحث الضد واجتماع الأمر والنهي حتى الإطلاق من حيث تدخل مقدمات الحكمة هو بحث عقلي. بناءً على ذلك، فإن جعل هذه المباحث في سلة واحدة مع مباحث الظهورات والدلالات ليس صحيحًا قطعًا.

6. أصول الفقه أم أصول المعارف؟

مقدمة أخرى تتعلق بتطبيق علم الأصول في معارف أخرى غير الفقه، وهو بحث مهم جدًا. هل يمكن لعلم الأصول أن يكون له تطبيق في مباحث أخرى غير الفقه، مثل الكلام، وفلسفة الأخلاق، وغيرها، أم لا؟ بالطبع، يجب هنا فصل بحثين عن بعضهما: أحدهما، هل يمكن استنباط نظريات مختلفة حول معارف متنوعة من النصوص الدينية؟ فمثلاً، في باب علم النفس والاقتصاد، هل للإسلام نظرية؟ أنا لا أنكر هذا المعنى، بل أنا من المدافعين عنه، كما ذكرت في كتاب “معرفة ديني” والمقالات اللاحقة، أنه لا يوجد لدينا أي دليل يمنعنا من استخلاص مطلب حول هذه المجالات من الكتاب والسنة. هذا معقول تمامًا أن يكون للإسلام رأي في هذه المجالات. لذا، في نطاق الدين، نعتقد أن نطاق الدين واسع؛ أي يجب أن نترك بابه مفتوحًا، سواء توصلنا إليه بالفعل أم لم نتوصل. ولكن بحثي حاليًا هو: هل علم الأصول الذي لدينا له تطبيق في مجالات أخرى أم لا؟ بالطبع، هذا بحث مهم وصعب، ولكن في رأيي، الأقسام من علم الأصول التي ليست عقلية، ليس لها تطبيق في العلوم الأخرى العقلية والاعتقادية؛ أما في الأخلاق بالمعنى الخاص الذي سيشار إليه، فيمكن أن يكون لها تطبيق. هذا الرأي يحتاج إلى توضيح وتبيين مفصل لا يتسع له المجال حاليًا؛ ولكن إجمالاً يمكن القول: في علم الكلام ومثله من المعارف النظرية الأخرى، لا يمكن الرجوع إلى المباحث الأصولية غير العقلية، وبهذه الطريقة تثبت «حجية» لفهم معين من نصوص الكتاب والسنة. لذا، لا يمكن لمباحث ألفاظ علم الأصول أن تستخدم كأداة لإثبات حجية فهم ما في المعارف الأخرى.

وإن كانت المباحث الصغروية في باب الظهورات، مثل ظهور الأمر في البعث، أو مفاد المشتق في كل مكان لها تطبيق؛ لأنها تتحدث عن واقعية خارجية (أي الدلالات وأن أي معنى ينقش في ذهن العموم من اللفظ)، ولكن في باب الحجية ليس لها تطبيق.

توضيح ذلك: القسم الأكبر من مباحث الألفاظ هو بحث الظهورات؛ مثلاً، الأمر ظاهر في البعث، أو الفور والتراخي، أو المشتق ظاهر في فعلية التلبس، أو المعنى الحرفي، أو العموم والإطلاق. كل هذه استظهارات، والاستظهارات لا يمكن أن تتدخل في المباحث الكلامية النظرية. حتى أني أعتقد أنها لا تطبق في التفسير أيضًا؛ أي أنها لا تطبق إطلاقًا في الأمور النظرية. بالطبع، التفسير له قسمان: قسم عملي، مثل تفسير الآيات المتعلقة بالأحكام، وقسم نظري، مثل تفسير الآيات المتعلقة بالمعارف. في الأمور النظرية، خاصة المعارف، هل يمكننا استخدام الظواهر أو روايات الآحاد التي ليست قطعية من ناحية السند؟ الجواب قطعًا بالنفي. دليله الرئيسي هو أننا نجعل الظنون والأمارات حجة بالتعبد. الحجية في هذه الموارد، سواء بمعنى المنجزية والمعذرية، أو بمعنى جعل العلم واليقين، أو بمعنى جعل الطريقية (المسالك المختلفة المطروحة في الحجية)، فإن جعل الأمارة له معنى فقط في مقام العمل. عندما يقولون إن خبر زرارة حجة من حيث السند، فإن أثره يظهر في العمل فقط. أي قل إنه صحيح حتى تعمل بمظنونه؛ وفي الظهور أيضًا الأمر كذلك، ظهور الأمارة، لذا في الأخبار يجب أن نصحح حجية السند، وجهتها من حيث التقية أو عدمها، أو في مقام بيان الحكم أو عدمه، ومدلولها من جهة مدلول الخبر. إذا قلنا: «الظهور حجة»، فلا فرق بين أن تكون حجية الظهور ببناء العقلاء أو بتأسيس الشرع. هذا أمر عملي أو مرتبط بالعمل؛ أي قل إن ذلك الظاهر هو مقصود المتكلم، سواء في المراد الاستعمالي أو في المراد الجدي؛ لأننا نقول هذا لنعمل به. التعبد والجعل لهما معنى فقط في مقام العمل. لذا، فإن مباحث علم الأصول التي تعود إلى الاستظهارات، والتي تسمى موضوعًا لأصالة الظهور، هي خاصة بباب الفقه وأي مكان يُطرح فيه العمل.

أؤكد مجددًا على هذه النقطة، وهي أن المباحث الأصولية المتعلقة بالاستظهارات في حد ذاتها ليست حصرية بالفقه أو الأمور العملية، لأنها تكشف عن واقعية ما؛ واقعية تتعلق بالدلالات. ولكن في غير الفقه والأمور العملية، ليس لها حجية، وبالتالي لا يترتب عليها فائدة؛ إلا إذا كان لنفس الظن بمفاد ما أثر في موضع ما. في علم الكلام، نتعامل مع اليقين لا مع الظنون. في التفسير، ربما يكون نفس الاحتمال والظن بمفاد الآية مورد غرض، في هذه الحالة تكون المباحث الأصولية المتعلقة بالاستظهار مفيدة. ولكن على أي حال، هذا الغرض لا يمكن أن يكون الحجية.

في هذه السلسلة من المباحث، طرح البعض هذا السؤال: هل المطالب الهرمنيوطيقية الموجودة في مباحث الألفاظ خاصة بالفقه والفقاهة والفقهاء، أم يمكن استخدامها في كل مكان؟ ثم في الجواب قالوا إنه لا يوجد أي حصر. أصلاً لا يوجد شيء كهذا يكون محصورًا بالفقه والفقاهة وهؤلاء. لم يقل أي من الأصوليين إن هذه الأشياء التي نقولها في باب اجتماع الأمر والنهي، ومقدمة الواجب، والضد، وغيرها، خاصة بالوقت الذي تريدون فيه استخراج الأحكام الفقهية فقط من الكتاب والسنة. في الواقع، إذا أردنا أن نستخرج الأحكام الأخلاقية والعقائدية الموجودة في علم الكلام، فظاهرًا مباحث الألفاظ هناك أيضًا لا تفيد. إذن، ليس الأمر بحيث تكون مباحث ألفاظ علم الأصول متعلقة بأصول الفقه فقط. ثم يوضحون هذا ويقولون: «إذا كان الأمر كذلك، فلماذا نقول أصول الفقه فقط، بينما يجب أن تكون أصول العلوم الأخرى أيضًا. ما هو وجه هذه التسمية؟» ثم في تتمة الكلام يأتون بتوجيهات ويعودون إلى نفس الكلام مرة أخرى: بناءً على ذلك، فإن الهرمنيوطيقا الموجودة في مباحث أصول الفقه، في الواقع، ليست مرتبطة بأصول الفقه، بل مرتبطة بجميع الأحكام والتعاليم، سواء كانت كلامية، أخلاقية، أو غيرها، لا فقهية فقط.

في الكلام المذكور، توجد عدة نقاط قابلة للتأمل:

أولاً: في مورد اجتماع الأمر والنهي ومقدمة الواجب ومسألة الضد، وقع خطأ، والصحيح أن اجتماع الأمر والنهي ومقدمة الواجب ومسألة الضد لا علاقة لها بمباحث الألفاظ. بالطبع، صحيح أن كل هذه المباحث وردت في المجلد الأول من الكفاية (في طبعة خاصة) وتُعد في الألسن من مباحث الألفاظ، ولكن هذا خطأ. المحقق الخراساني نفسه لم يقل إن كل ما قيل في المجلد الأول من الكفاية هو من مباحث الألفاظ. لأنه هو نفسه في بحث مقدمة الواجب وبحث الضد يقول إن هذه ليست أبحاثًا لفظية. بناءً على ذلك، فإن بحث اجتماع الأمر والنهي، وبحث الضد، وبحث مقدمة الواجب، وهي ثلاث مسائل مهمة في النصف الأول من علم الأصول، ليست أي منها لفظية.

ثانيًا: الادعاء بأن أيًا من الأصوليين لم يقل إن هذه الأشياء التي نقولها في هذا الباب خاصة بالاستنباط الفقهي، هو كلام غير صحيح. بقليل من التتبع يتضح أن كلام الأصوليين هو أن مباحث الألفاظ من حيث حجيتها، مثل الظنون الأخرى، خاصة بالنتائج الفقهية والعملية. بالطبع، مثل اجتماع الأمر والنهي قد يكون له تطبيق في غير الفقه والأمور العملية أيضًا؛ ولكنه بحث عقلي، وليس من مباحث الألفاظ. ولكن في مباحث الألفاظ، ذلك القسم الذي هو استظهار ونريد أن نؤسس له موضوعًا لأصالة الظهور، فإن الأصوليين قائلون بهذا الاختصاص، وكاتب هذه السطور لم يجد بعد من يدعي أن نتائج المباحث المتعلقة بالاستظهارات في العلوم النظرية لها حجية.

في مقالة لي، نُشرت مؤخرًا في المجلة التخصصية لجامعة العلوم الإسلامية الرضوية، نقلت عشرات التأكيدات على الدعوى المذكورة من أمثال الشيخ المفيد، والسيد المرتضى، والشيخ الطوسي، والشهيد، وغيرهم. بالطبع، بعض تلك الأبحاث مرتبطة بحجية خبر الواحد، ولكن نكتتها عامة: تأتي في بحث الظهورات، وفي الجهات، وفي السند، ولا فرق من هذه الجهة. كلامهم الأساسي هو أن التعبد له معنى فقط في مقام العمل. الشيخ الأنصاري في الرسائل يصور وجهًا لتوسيع الأمارات إلى باب الاعتقادات، ولكنه بعد ذلك يعدل عنه. المحقق الخوئي أيضًا صور وجهًا لحجية سند الروايات أو ظهورات القرآن والروايات في باب المعارف. ولكن بحثه من جهة ما هو بحث صغروي. في باب المعارف والاعتقادات، نعتقد أنه لا يوجد أثر عملي مجعول. لقد حاولوا ووجدوا صحة الإسناد كأثر عملي. بمعنى أنه إذا وردت رواية تقول إن لدينا سبع سماوات، فإذا لم نتيقن، فإن حجيتها تكمن في أننا يمكننا أن نسندها إلى الإسلام أو الشرع أو القرآن ونقول من وجهة نظر الإسلام مثلاً توجد سبع سماوات. وإذا كان خلاف ذلك، فإننا لم نكذب ولم نعاقب بسبب نسبة الخلاف إلى الله والقرآن. هذا كلام المرحوم السيد الخوئي وهو كلام صحيح. ولكن هذا ليس ما يريده المتكلم أو المفسر من الناحية التفسيرية. إذا كان المتكلم في باب المعارف يبحث في الروايات والقرآن عن مطالب كلامية، أو كان المفسر يبحث عن مطالب تفسيرية، فليس ذلك لتصحيح صحة الإسناد، بل يريد أن يصحح جهته المعرفية، لا من باب أنه إذا تبين خلافه، فلا يُحسب كذبًا على الله شرعًا. البحث الكلامي يدور حول مضمون يريد اكتشافه من القرآن والروايات بنحو قطعي، ولذا إذا لم يكن ذلك المضمون قطعيًا، فلا أثر له. مثل التوحيد والنبوة والمعاد وأمثالها. بالطبع، نعتقد أن القرائن والدلالة والسند وغيرها في القرآن والروايات تكون قطعية أحيانًا (وفي خصوص القرآن، السند قطعي). خلاصة القول، المتكلم لا يريد أن يتمسك بأشياء مثل صحة الإسناد، بل يريد أن ينشئ نظامًا معرفيًا لنفسه.[10] بناءً على ذلك، في ظننا، هذا الادعاء بأن الأصوليين لم يقولوا إن قواعد الأصول في مثل الكلام والاعتقادات غير جارية، هو حتمًا خطأ. يمكن للأصدقاء مراجعة تلك المقالة المذكورة سابقًا في المجلة التخصصية لجامعة رضوي حيث أوردت عشرات التأكيدات من الشيخ المفيد، والشيخ الطوسي، والسيد المرتضى، وصاحب المسالك، والشيخ الأنصاري، والآغا ضياء العراقي، والمرحوم النائيني على خطأ هذا الادعاء. إذن، من الناحية التاريخية، هذا الادعاء غير صحيح.

أما هل هذا الادعاء نفسه ادعاء صحيح أم لا؟ أي إذا نظرنا إلى هذا الادعاء بشكل مستقل ولم نهتم بالمسار التاريخي للمسألة، فهل هذا الادعاء صحيح؟ يبدو أنه ليس كذلك؛ لأنه في المكان الذي لا يُطرح فيه العمل، يكون التعبد لغوًا. التعبد، سواء في الظهور، أو في السند، أو في الجهة، في المكان الذي لا يُطرح فيه العمل، يكون لغوًا، وأي مكان يُطرح فيه العمل، يكون له معنى من حيث ذلك العمل، لا من حيث ذاته. إذا أردت إثبات الإمامة بالتعبد، فقد يكون له أثر عملي، مثل وجوب الطاعة، ولكن هذا الأثر ليس ما تريد إثباته في علم الكلام، بل هو أثر عملي آخر متفرع عليه وأمر عرضي. ما يُطرح في علم الكلام هو الاعتقاد واليقين بالإمامة (ولو عن طريق الأخبار المتواترة أو اليقين).

7. ارتباط علم الأصول والفلسفة التحليلية

حان الآن دور الجانب التصديقي لارتباط علم الأصول والفلسفة التحليلية. في رأيي، يوجد ارتباط وثيق جدًا بين علم الأصول والفلسفة التحليلية؛ سواء في فلسفة اللغة التي يمكن القول إنها المحور الرئيسي للارتباط، أو في مسائل أخرى مثل فلسفة الأخلاق، وفلسفة الحقوق، وحتى فلسفة المنطق وفلسفة الرياضيات.

في المقابل، يعتقد البعض أنه لا علاقة لعلم الأصول بالفلسفة التحليلية. بل هو مرتبط بالهرمنيوطيقا. سنعرض أولاً بيان واستدلال صاحب هذا الرأي ثم نقوم بدراسته. أذكر مقدمًا هذه النقطة وهي أن المباحث المتعلقة باللغة متعددة. بالإضافة إلى الفلسفة التحليلية، ترتبط الهرمنيوطيقا، وعلم اللغة، والسيميائيات (علم العلامات) باللغة أيضًا. ولكن حاليًا، البحث ليس في ارتباط هذه المعارف بعلم الأصول؛ بل البحث هو ارتباط الفلسفة التحليلية بعلم الأصول. لذا، فإن تناول مثل هذه الأمور تحت عنوان ارتباط الفلسفة التحليلية وعلم الأصول هو خروج عن البحث.

في تقسيم طرحه وهو تقريبًا كلام صحيح، يقال إن اللغة تُبحث من منظورين، أي أن الفلاسفة وغير الفلاسفة نظروا إلى اللغة بنظرتين: نظرة استقلالية ونظرة طريقية (آلية). في النظرة الاستقلالية، جعلوا اللغة نفسها موضوع البحث ولم يريدوا حل شيء آخر بهذا البحث. أما في النظرة الطريقية، فإن اللغة نفسها ليست الغرض الأصلي للبحث، بل جعلوا اللغة مورد البحث لحل مسائل أخرى. كانت نظرة الفلاسفة التحليليين تقريبًا على هذا النحو. قاموا بأعمال تحليلية في اللغة. لماذا؟ لحل المسائل الفلسفية، أو بتعبير آخر، لحلها. كان البعض يقول إنه لا توجد لدينا مسألة في الفلسفة أصلاً، وبمجرد بحث التحليل اللغوي، تنحل المسائل نفسها. وفي مقابل أولئك الذين كانوا يفكرون بهذه الطريقة، كان هناك فريق آخر يقول: لا، المسائل لا تزال باقية وتصبح أكثر شفافية فقط.

بناءً على ذلك، ينظر الفلاسفة والباحثون إلى اللغة بنظرتين: البعض يتخذ اللغة موضوعًا مستقلاً للتحليل، مثل عمل اللغويين، والبعض الآخر مثل الفلاسفة التحليليين ينظرون إلى اللغة كأداة وآلة للتحقيق والتدبر في المسائل الفلسفية.

بعد هذه المقدمة، يقولون: إن علم الأصول لدينا لا يقوم بتحليله من أجل العمل الفلسفي، إذن فهو داخل في الفئة الأولى. علماء الأصول يشكلون هذه الفئة الأولى؛ أي أولئك الذين ينظرون إلى اللغة كموضوع. ثم يستنتجون: «بناءً على ذلك، لا شك أنه عندما نتناول اللغة في حقل أصول الفقه، فإننا لا نريد أن نحل بها مسألة فلسفية، إذن يُحسب علماء علم الأصول من الفئة الأولى؛ أي أولئك الذين ينظرون إلى اللغة كموضوع، لا الفئة الثانية. لذا، لا علاقة لنا بأي من الحقول المعرفية التي ذكرناها سابقًا – ما قلناه سابقًا كان في الغالب حول بحثي فلسفة اللغة والفلسفة التحليلية – أي لا علاقة لنا بالفلسفة التحليلية وتحليل اللغة، ولا حتى بالتحليل الفلسفي؛ بل لدينا علاقة بحقول علم اللغة التي تكون اللغة بالنسبة لها نوعًا من الموضوعية، لا الطريقية. التدقيق في هذه النقطة الأولى يوازن توقعاتنا في هذا الصدد؛ أي لم يعد لدينا توقع بأن كل ما قاله الأصوليون في باب اللغة يمكننا أن نأخذ بعضه إلى الحقول المعرفية الناظرة إلى اللغة والتي تهدف إلى حل المسائل الفلسفية.» ثم يدخلون في بحث أن علم الأصول هو هرمنيوطيقا ويطرحون أبحاث الهرمنيوطيقا.

هذا البيان والاستدلال ليس خاليًا من الإبهام والإشكال. يجب أن نسأل أولاً ما هو المقصود والنتيجة من هذا الاستدلال؟ ثم نقول هل مقدماته صحيحة أم لا؟ استنباط كاتب هذه السطور هو أن المستدل يريد أن ينفي العلاقة بين علم الأصول والفلسفة التحليلية. بهذا البيان، أن الفلسفة التحليلية هي عبارة عن اتجاه لحل المسائل الفلسفية بنظرة تحليل مفهومي؛ أي أن نظرتها إلى اللغة طريقية. وبما أن نظرة علم الأصول إلى اللغة ليست طريقية، بل موضوعية، فلا علاقة بينهما أصلاً. لذا، لا ينبغي أن نتوقع أن تكون الأبحاث الأصولية قابلة للطرح في الفلسفة التحليلية والعكس صحيح.

استنباطي هو هذا. إذا كان هذا الاستنباط صحيحًا، فإن إشكالات متعددة ترد على الاستدلال والبيان المذكور:

أولاً: القول بأن علم الأصول ينظر حقًا إلى اللغة كموضوع، هو قول غير صحيح قطعًا. التعريف الذي يقدمه علماء الأصول لمسائل الأصول هو أن علم الأصول يتوسط في استنباط الحكم الشرعي. صحيح أن المباحث اللغوية في علم الأصول لم تُطرح بقصد التحليل الفلسفي وحل المسائل الفلسفية، ولكنها ليست موضوعية أيضًا. لذا، اشتكى كثير من الأصوليين من أن مباحث الألفاظ لا تفيد في العمل الذي نريده. نقوم بأبحاث دقيقة، ولكن في النهاية لا نحصل على ما نريده، أي تحصيل الحجة على الحكم الشرعي. سواء كان هذا الكلام صحيحًا أم لا، فالمقصود هو أن البحث في مباحث ألفاظ علم الأصول هو لتحصيل الحجة في الحكم الشرعي. من قال إن اللغة موضوعية بالنسبة للأصولي؟ هذا كلام غير صحيح.

ثانيًا: رغم أنه من المقبول أن مباحث ألفاظ علم الأصول لم تُطرح بغرض حل المسائل الفلسفية، ولكن هل معنى المباحث والمسائل يتبعض بالدواعي والأغراض لنسأل بأي دافع طُرحت هذه المسألة؟ صحيح أن الفيلسوف التحليلي كل همه الفلسفة. مثلاً، يريد أن يفهم قضية «الله موجود» ما نوعها؟ «العدل حسن» ما نوعها؟ هل لها واقعية أم لا؟ كيف يجب أن نحقق فيها؟ ما المعنى الكامن وراء ألفاظ هذه المفاهيم؟ عندما نقول: «هذا حسن»، هل بنية الجملة خبرية؟ هل هذا خبر حقًا؟ هل هذه قضية (proposition) حقًا أم لا؟ هل هي مجرد أداة لحالة ما؟ عندما نقول: «هذا حسن»، هل هو مثل قولنا: «يا له من طقس جميل!»؟

لنفترض أن الفلاسفة التحليليين لأي سبب تاريخي، أو عقلي، أو تجريبي، وصلوا إلى أنه لحل مسائلهم الفلسفية يجب عليهم تحليل اللغة، ولذا انجذبوا إلى فلسفة اللغة وقالوا إنه يجب أولاً تهذيب أداة التحليل الفلسفي وتقويتها لنصل إلى الشيء الذي نريد تلك الأداة من أجله. بناءً على ذلك، توجهوا إلى الأبحاث اللغوية، وسألوا: ما علاقة الألفاظ بالمعاني؟ ما هو المعنى أصلاً؟ ما هي أفعال المتكلم؟ ما هو المجاز؟ ما هي مُوجِّهات الأوامر؟ ما هي مُوجِّهات القضايا الشرطية؟ ما هي الأفعال التي يقوم بها المتكلم؟ ما هو الإنشاء؟ ما هو الإخبار؟ لقد وصلوا إلى هذه الأمور. في رأيي، تلك الدواعي والدوافع هي حيثية تعليلية لطرح هذه المسائل، لذا فإنها لا تبعّض معنى المسألة. مسألتنا موضوعها ومحمولها هو هذا. الأصولي أيضًا لسبب آخر انجذب إلى هنا، لا نقول بنفس العلة، ولكن لعلة أخرى يضطر إلى تناول نفس المسألة، لذا فإن موضوع ومحمول المسألة بالنسبة لهما واحد.

مثال واضح جدًا هو أن كليهما يسأل: «ما هو المجاز؟» حقًا هذه المسألة تُطرح لكليهما، ولذا يبحثان في النظريات المختلفة في المجاز. في المجاز (metaphor) ماذا نفعل؟ المتكلم في المجاز أي عمل يقوم به؟ أي انتقال يحدث؟ انتقال في المعنى أم انتقال في التطبيق؟

على أي حال، المقصود هو توضيح هذه النقطة، وهي أن دواعي ودوافع البحث لا تؤثر في معنى المسألة والبحث. بناءً على ذلك، لا يمكن القول لأنه بما أن الفلاسفة في الفلسفة التحليلية ينظرون إلى اللغة كآلة وأداة، وفي علم الأصول ليس الأمر كذلك، فلا توجد مسألة مشتركة. المسائل من حيث مفادها ومحتواها تكون مشتركة، لا من حيث أغراضها. وبالطبع، ذكرنا سابقًا أنه في الأصول أيضًا، تُطرح اللغة كأداة، لا بشكل مستقل؛ ولكنها أداة لأمر آخر، أي الفقه. ولكن هذه الغايات لا تجعل المسألة متعددة حقًا.

بناءً على ذلك، مما تقدم يتضح أن الاستدلال المذكور لإثبات عدم العلاقة بين علم الأصول والفلسفة التحليلية هو غير صحيح قطعًا. علم الأصول والفلسفة التحليلية يتلامسان ويتلاقيان في نواحٍ متعددة جدًا. لنتجه إلى الهرمنيوطيقا، فهذا انحراف عن المسار؛ لأن البحث حاليًا في ارتباط علم الأصول والفلسفة التحليلية. الهرمنيوطيقا نفسها وادٍ آخر، وهو مهم أيضًا وله ارتباط بعلم الأصول، ولكن البحث حاليًا ليس في ذلك المجال.

8. موارد التلاقي

مما تقدم يتضح أن بين أصول الفقه والفلسفة التحليلية طريق الحوار والتطبيق مفتوح حقًا. لأن كليهما يتناول تحليل وتجزئة اللغة، ويشتركان في بعض المباحث غير اللغوية. هذه يمكن أن تكون موارد تلاقي أصول الفقه والفلسفة التحليلية؛ وإن كانت أغراضهما في طرح المباحث مختلفة. في هذا القسم، سأحاول طرح موارد من المباحث التطبيقية التي تخطر ببالي حاليًا، ولا شك أنه بالتأمل والمزيد من المجال، يمكن العثور على موارد أخرى كثيرة.

نبدأ من المباحث غير اللغوية:

1. مسألة الحكم والإلزام في علم الأصول لها دور محوري. ولذا، في طرح قدمته مؤخرًا لتدوين علم الأصول، وجزء منه مأخوذ من نظريات آية الله السيستاني، جعلنا الحكم محورًا، وقمنا بتبويب وتدوين كل الأصول على أساس هذا المحور. بحث الحكم يرتبط بالإلزام والوجوب، لأن قسمًا رئيسيًا منه هو الإلزام. هذا الإلزام في الفلسفة التحليلية له أبحاث كثيرة، سواء فيما يسمى بمنطق الإلزامات (deontic logic) (بالطبع ليس القسم الصوري (formal) منه، الذي لا يفيدنا كثيرًا نحن الذين نتعامل مع التحليلات العادية للغة، اللغة العرفية. بل الأبحاث الفلسفية والمبنائية له) وفي فلسفة الأخلاق وفلسفة الحقوق. فون رايت (Von Wright)، الذي يمكن القول إنه أحد مؤسسي بحث منطق الإلزامات في الأبحاث الفلسفية التحليلية، له كتاب في باب المعيار (norm)، وهناك أبحاث حول تحليل الماهية، أي المعيار، ويقول إن بعض هذه المعايير من سنخ الإلزامات، وله أبحاث مفصلة حول ماهية الإلزام تشبه بعضها الأبحاث التي لدينا نحن الأصوليين حول الإلزام. فمثلاً، أن التكليف والإلزام لهما متعلق وموضوع؛ وقد يكون للمتعلق متعلق آخر. سؤال ما إذا كان متعلق الأحكام من سنخ الوجود أم الماهية، كثير من هذه الأبحاث موجودة هناك أيضًا. ما هي علاقة هذه الأحكام بمصاديقها؟ هل يمكن أن تبقى الإلزامات بعد الامتثال أم لا؟ نفس هذه الأبحاث التي لدينا في علم الأصول، على أي حال، أبحاث المعيار والإلزام (obligation) التي تُبحث أحيانًا في فلسفة الحقوق، وأحيانًا في فلسفة الأخلاق، وأحيانًا في منطق الإلزامات، كلها مرتبطة بأبحاث الأصوليين. لا أقول إن كل المباحث واحدة؛ ولكن نقاط التلاقي كثيرة. فلسفة الأخلاق وفلسفة الحقوق غير التحليلية لدينا أيضًا، ولكن الفلاسفة التحليليين الذين توجهوا إلى هذه الأمور بنظرة تحليلية، أبحاثهم قريبة جدًا من مباحث أصولنا. هذه إحدى المواضع التي يمكننا أن نعمل فيها بشكل تطبيقي.[11]

2. في علم الأصول، يُطرح الحسن والقبح كثيرًا. وتُطرح أسئلة كثيرة حولهما، فمثلاً هل هما عقليان أم غير عقليين؟ (كنظر أولئك الذين يقولون إنهما اعتباريان ومن المشهورات). هذه الحسن والقبح هما قضايا لها موضوع ومحمول. وقد أُجريت أبحاث كثيرة حول موضوع القضايا الأخلاقية ومحمولها، والنسبة، أي مفاد القضية نفسها. هل هي قضية حقًا أم شبه قضية؟ بقول الغربيين، هل هي قضية أم شبه قضية (pseudo-proposition)؟ ما علاقتها بالوجوديات (هست‌ها)؟ هل يختلف “يجب” في الأخلاقيات عن “هو” أم لا؟

اليوم، اعتبر البعض هذا من الشعارات المسلم بها، أن لدينا “هو” و”يجب”، و”يجب” لا ينشأ من “هو”. ولكن في الواقع، كون بحث الإلزامات غير الوجوديات هو أول الكلام. الإلزام قد يكون نوعًا من “الوجود”. هل أولئك الذين يقولون إن الإلزامات من سنخ الوجوديات، يقولون ذلك عن كل “وجود”؟ هل “الوجوديات” نوع واحد؟ لدينا وجودات نفس الأمرية، وجودات متعلقة بالعالم الخارجي، وجودات مفاد القضية الحقيقية، وجودات تجريبية، وجودات عقلية، وجودات تاريخية. الإلزامات أيضًا قد تكون نوعًا من الوجود. نحن نعتقد أن الأمر كذلك. كون أنه يمكن إنشاء الجمل الإلزامية لا يتنافى مع كونها “وجودًا”؛ بالجملة الخبرية أيضًا يمكننا أن ننشئ. المسألة هي أن الإخبار نفسه فعل قولي. الإخبار يختلف كثيرًا عن مفاد القضية. على أي حال، نريد أن نقول إنه في بحث الحسن والقبح، فإن مفاد القضية في باب القضايا الأخلاقية، وأساس القضايا الأخلاقية، وكيف نتوصل إلى القضايا الأخلاقية، ورد في فلسفة الأخلاق، وله تطبيق قطعًا في الأصول. ولكنه من المسائل التي وضعها كاتب هذه السطور في تدوينه الجديد في فلسفة علم الأصول. مبحث الحسن والقبح في الأصول الرائجة غالبًا ما كان يُطرح. مثلاً، المرحوم الآخوند لم يورده في الكفاية، ولكنه بحثه في فوائده. المرحوم الأصفهاني أيضًا بحثه في ذيل دليل الانسداد. المرحوم الشيخ الأنصاري في نصه الأصولي (الذي ليس في متناول اليد الآن) وفي تقريراته أورد هذا البحث. الشيخ محمد حسين الأصفهاني في الفصول الغروية والشيخ محمد تقي الأصفهاني في هداية المسترشدين طرحاه، وكثير من الذين عاصروا الشيخ الأنصاري وقبله أوردوا بحث الحسن والقبح العقلي. إذن، هذا أحد نقاط التلاقي.[12]

3. بحث الحق، وهو بحث دقيق جدًا، في باب ماهية الحق، وفي تحليل القضايا الحقية، وفي منشأ الحق، توجد أسئلة أساسية. نحن في علم الأصول نستخدم “الحق”. مثلاً، لنفرض نظرية حق الطاعة التي تقول إن حق الله موسع. الآن السؤال هو: ما هو هذا الحق أصلاً؟ هل هو واقعية؟ كيف يمكن اكتشافه؟ هذه الأقسام مرتبطة ببعضها البعض أيضًا. أي أن علم الأصول وفلسفة الحق (وفلسفة الأخلاق) يتلاقيان.[13]

4. في مباحث الألفاظ توجد مسائل متعددة يتلاقى فيها علم الأصول مع الفلسفة التحليلية، مثل بحث الوضع الذي يُطرح في مقدمات الأصول. في باب ما إذا كان الوضع أمرًا تكوينيًا أم تعاقديًا؟ مثلاً كواين (W.Quine)، أحد الفلاسفة التحليليين، كان يعتقد أن تصورنا في باب الوضع بأن شخصًا يجلس على كرسي ويضع لفظًا لمعنى هو تصور خاطئ. لذا، تبنى نظرية سلوكية في باب الوضع ويقول: «الوضع شيء يتكون تكوينًا، لا أنه يكون عقدًا». أي أنه ينكر مصطلح (convention) أو العقد. بعده، حتى بعض تلامذته مثل ديفيد لويس (D.Lewis) ألفوا كتابًا عن العقد وقالوا إن لدينا عقدًا في اللغة، والعقد ليس منتفيًا تمامًا في باب اللغة. إذن، في بحث الوضع نفسه الذي نقول إنه لدينا وضع تعييني، والوضع التعييني هو عقد. حتى الشهيد الصدر الذي يعتبر الوضع اقترانًا وقرنًا أكيدًا، يقبل أن هذا القرن الأكيد يمكن أن ينشأ من جانب العقد والإنشاء. بناءً على ذلك، بحث الوضع نظيره في الفلسفة التحليلية هو نفس البحث.[14]

5. في باب المعنى، الذي وجد في الفلسفة التحليلية بابًا واسعًا جدًا، وكُتبت فيه كتب ومقالات متعددة، قيل في علم الأصول كلام كثير أيضًا.[15] ما هو المعنى؟ ما هي حقيقته؟ هل المعنى في الدماغ أم في ذهن الإنسان أم في الخارج؟ أم أن للمعنى نطاقه الخاص؟ توجد نظريات مختلفة في باب المعنى، تفسر المعنى على أساس الاستعمال، على أساس سلوك المتكلم أو المخاطب، وغير ذلك. إذن، أبحاث المعنى، التي هي من الأبحاث المحورية في فلسفة اللغة والتي هي نفسها جزء من الفلسفة التحليلية، لها ارتباط وثيق بالأصول.

في الأصول، لدينا بحث الاستعمال والإرادة الجدية. وتوجد أبحاث مفصلة أيضًا حول علاقة المعنى بقصود المتكلم: الإرادة الاستعمالية، الإرادة التفهيمية، والإرادة الجدية؛ ما هي العلاقة بين المعنى وهذه الإرادات؟ في الفلسفة التحليلية، طرح البعض التقابل بين معنى الكلمة والمعنى المقصود للمتكلم، وأبحاث أخرى في الفعل القولي التي سأشير إليها.

6. أحد الأبحاث المهمة والصعبة في علم الأصول هو بحث المجاز. وفي الفلسفة التحليلية أيضًا، يُبحث المجاز بشكل واسع.[16]

7. بحث الدلالات، أي بحث الإشارة (reference)، الذي يُطرح بشكل واسع جدًا في الفلسفة الغربية؛ في علم الأصول أيضًا له تطبيق واسع، ولذا يُبحث من جوانب مختلفة.[17]

8. الأفعال القولية هي أحد المواضع التي يجد فيها علم الأصول تماسًا واضحًا جدًا مع الفلسفة التحليلية.[18] نحن في الأصول نحلل الأفعال القولية؛ أي الإنشاء، والإخبار، والبعث، والزجر، والكناية، وأمثالها، التي هي جميعها أفعال قولية، نحللها في الأصول. في بحث الفعل القولي في فلسفة اللغة والفلسفة التحليلية، تُبحث هذه الأمور نفسها بشكل مستوفى، حتى في اللسانيات الجديدة، في علم الدلالة (semantics) يُبحث أيضًا.[19]

9. أحد الأبحاث الأصولية هو ماهية المدلول وكيفية الدلالة في الأمر. مدلول الأوامر (imperative) في الفلسفة التحليلية أيضًا أصبح مسألة للتحليل، حتى أن كتبًا ومقالات متعددة كُتبت عنه.[20]

10. نحن في الأصول نبحث في مدلول الضمائر. السؤال الرئيسي هناك هو كيف تكون الدلالة في باب الضمائر؟ في الفلسفة التحليلية أيضًا، تُطرح أبحاث مفصلة حول الضمائر (demonstration) والأمور الإشارية (indexical)، أي الأشياء التي ترتبط بالحال والموقف الشخصي. حتى في سلسلة كتب أكسفورد التي تجمع مقالات في جميع المجالات، مثل فلسفة الأخلاق، وفلسفة اللغة، وفلسفة الدين، وغيرها، هناك كتاب مخصص لهذه الضمائر.[21]

11. مسألة أخرى هي الجمل الشرطية، ما هو مدلولها؟ في علم الأصول، سواء في بحث الواجب المشروط، أو في بحث المفهوم، أو في بحث الأدلة العقلية، وحتى في الأصول العملية، نتعامل مع مفاد الجمل الشرطية. في الفلسفة التحليلية أيضًا، كُتبت كتب ومقالات متعددة حول تحليل الجمل الشرطية.[22]

12. حول مفاد أدوات العموم في الفلسفة التحليلية لم أجد شيئًا، وبالطبع ربما يكون المشكل من فحص كاتب هذه السطور. ولكن راسل في فلسفة الرياضيات طرح هذا البحث، وهو كيف تدل أدوات العموم مثل «كل» أو «هر» وغيرها على العموم. نحن أيضًا في بحث العموم نعمل على ذلك، خاصة الشهيد الصدر الذي يدقق كثيرًا فيه ويحاول جاهدًا أن يكتشف نوع دلالة مدلول أدوات العموم، وكيف أن أدوات العموم توسع مفاد الحكم المتعلق بالعام. إذا قلنا «أكرم كل عالم»، فهذا «كل» كيف يوسع وجوب الإكرام ليشمل جميع العلماء؟ كيف يصحح هذه الدلالة؟ راسل في فلسفة الرياضيات بحث في أن «كل» (every) مثلاً كيف يدل على مدلول نفسه، أي العموم.[23]

13. بحث المعاني الحرفية لم أره في الفلسفة التحليلية، وبالطبع لم أفحص كثيرًا لأقول قطعًا إنه لا يوجد مثل هذا البحث هناك؛ ولكن في فلسفة المنطق، بما يتناسب مع المقام، يبحثون في هذا الأمر. بحث العطف بـ«و» والعطف بـ«أو» وأشياء أخرى مثل أدوات الجملة الشرطية، يبحثونها في الجملة.[24]

14. أحد الأبحاث المهمة جدًا التي تُطرح في الأصول ونظيرها يُطرح في الفلسفة التحليلية هو بحث الاعتباريات. الاعتباريات بهذا العنوان لا تُطرح في الفلسفة التحليلية، ولكن بحثًا تحت عنوان (institution act) أي الحقائق المؤسسية، قريب جدًا من بحث الاعتباريات لدينا. مثلاً، جون سيرل (John Searl) هو أحد القائلين بهذا النحو من الحقائق. وهو قائل بأن الزوجية والملكية حقائق مؤسسية، ومنشؤها عقود مؤسسية، ولكنها واقعية (Fact)، وهي شبيهة جدًا بالبحث الذي أجراه المحقق العراقي في باب الاعتباريات. وهو يعتقد أن بعض الاعتبارات تؤدي إلى ظهور حقائق. هذه حقائق ولا علاقة لها بذهني وذهنك، سواء كنا نائمين أم مستيقظين، هذه حقائق.[25]

هذه كانت نماذج من موارد تلاقي علم الأصول والفلسفة التحليلية. وبالطبع، كما أشرت سابقًا، قد يكون بالتأمل الأكثر، يمكن طرح مباحث أخرى كثيرة. في رأيي، الفلسفة التحليلية وعلم الأصول يتلامسان في أبحاث كثيرة. وبالطبع، لا أدعي أن الأبحاث تُطرح عينها هناك، ولكن أحيانًا تُطرح المسائل عينها. ومسلمًا أن المباحث مرتبطة ببعضها، وإذا استطعنا إلى جانب المباحث الأصولية أن ننقح بعض تلك المباحث، فليس فقط لإكمال مباحث علم الأصول يفيدنا، بل لعرض تحقيقات علمائنا أنفسهم أيضًا سيكون مفيدًا.

عندما كنت أعمل على الإلزامات المشروطة أو ما يسمى بالواجب المشروط، أجريت حوارًا مع بعض أساتذة المنطق الرياضي في هذا الباب. كانوا يعتقدون أن هذه الأبحاث، أبحاث مثيرة للاهتمام جدًا. أن نحلل الوجوب أو الإلزامات المشروطة بالطريقة التي يقولها أصوليونا، هو أمر مثير جدًا للاهتمام.

على أي حال، ليس الأمر بحيث نكون دائمًا مستهلكين. الأبحاث التي قام بها الأصوليون في هذه الأقسام أحيانًا تكون أكثر حيوية من الأبحاث التي قام بها الغربيون. نحن نجلس على مائدة عظيمة من النعم، والأعمال التطبيقية مفيدة أيضًا لعرض وإظهار المعارف التي لدينا بشكل أفضل، وكذلك للاستفادة بأنفسنا. على أي حال، يجب على الإنسان أن يكون متواضعًا، إذا وُجد كلام جدير بالاهتمام في أي نقطة من العالم، فيجب الاستفادة منه، ولا يمكن إغلاق هذا الباب؛ لأن المعارف منتشرة في كل العالم.

الهوامش

1. هذه المقالة هي النص المنقح لمحاضرة الأستاذ صادق لاريجاني في اللقاء العلمي الثالث حول الفلسفة التحليلية وعلم الأصول، والذي عُقد بالتعاون مع معهد الفلسفة والكلام الإسلامي في مركز أبحاث مدرسة ولي العصر (عج) العلمية.

2. توجد كتب ومقالات كثيرة حول الفلسفة التحليلية وتياراتها وتحولاتها الهامة. والمصادر التالية ليست سوى أمثلة قليلة: (1) Michael Dummett, Origins of Analytical Philosophy, Harvard University Press, 1998 (2) Hans Sluga, Gottlob Frege, Routledge, 1980 (3) G.J. Warnock, English Philosophy since 1900, Oxford University Press, 1969 (4) Bryan Magee, Modern British Philosophy, Macmillan, 1971 (5) John Searl, ‘Contemporary Philosophy in the United States’, in The Blackwell Companion To Philosophy PP. 1-25, Blackwell, 1996 (6) Bernard Williams, ‘Contemporary Philosophy, A Second Look’, Ibid, pp. 25-37

3. خاصة رأي أوستن (Austin) في هذا الصدد جدير بالاهتمام. انظر: A.J. Ayer, Philosophy in the Twentieth Century, P.235

4. للتفريق بين هذه الثلاثة، انظر: John Searl, Speech Act, P.4, Cambridge University Press, 1969

5. انظر إلى كلام مشابه لديفيد برينك (David Brink) في باب الأخلاق وفلسفة الأخلاق: David Brink, Moral Realism And The Foundations Of Ethics P.1, Cambridge University Press, 1989

6. انظر إلى كلام سيرل في المقالة المذكورة في الهامش 2، ص 64.

7. المحقق الخراساني: كفاية الأصول، ص 9، ط مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

8. من جملتهم: المحقق الأصفهاني: نهاية الدراية، ج 1، صص 40 – 43، ط مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)؛ المحقق العراقي: حاشية الكفاية، ج 1، ص 5 – 6، مطبعة حبل المتين – أصفهان؛ ميرزا هاشم الآملي: بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي)، ج 1: ص 20 – 27، مطبعة علمية – نجف.

9. مجلة (پژوهش و حوزه)، العدد 5، مقالة “طرحي نو در تدوين و تبويب مباحث علم اصول”، ص 23.

10. تفصيل البحث المذكور تحت عنوان “كاربرد حديث در تفسير و معارف” ورد في مجلة تخصصي دانشگاه علوم اسلامي رضوي، العددان 4 و 5 (ویژه علوم قرآني)، صص 155 – 175.

11. خصائص كتاب فون رايت كالتالي: Georg H. Von Wright, Norm And Action, Routledge, 1963. وفي باب “الإلزام” خصوصًا “الإلزام الأخلاقي” انظر إلى: H.A. Prichard, Moral Obligation, Oxford, 1949.

12. ذكر مصادر غربية في هذا القسم لا طائل منه، إذ إن بحث الحسن والقبح والإلزامات الأخلاقية واسع وضخم لدرجة أن أي ذكر لمصدر في هذا المختصر ولو على نحو انتقائي أمر صعب. وفي الوقت نفسه، الكتابان غير الفنيين التاليان مفيدان للتعرف المبدئي على الآراء الأحدث في باب الأخلاق: (1) W.D. Hudson, Modern Moral Philosophy, Macmillan, 1970 (2) Peter Singer (ed.) A Companion To Ethics, Blackwell, 1991.

13. في مورد الحق أيضًا، ما أوردناه في الهامش السابق صادق. والكتاب التمهيدي التالي مفيد للتعرف الإجمالي على مسائل الحق: Peter Jones, Rights, Macmillan, 1994. وكتاب فينيس المعروف الذي يعد الآن من الكتب الكلاسيكية لا يحتاج إلى توصية: John Finnis, Natural Law and Natural Right, Oxford, 1980.

14. يُرجى مراجعة هذا المصدر: David Lewis, Convention, Blackwell, 1969.

15. قلما يوجد كتاب في فلسفة اللغة لم يتطرق بنحو ما إلى مسألة “المعنى”. ولذا، كما ذكرنا في الهامش رقم 2، صفحة 65 من هذا العدد، فإن ذكر المصادر هنا لا طائل منه. بناءً على ذلك، نكتفي بكتابين أو ثلاثة تمهيدية: (1) Bob Hale and C. Wright (ed.) A Companion To Philosophy of Language, Blackwell, 1997 (2) William P. Alston, Philosophy of Language, Prentice Hall, 1964.

16. على سبيل المثال، انظر إلى: (1) John Searl, Expression and Meaning, Cambridge. 1989, P. 76 – 136 (2) David Cooper, Metaphor, Blaclwell 1986 (3) Donald Davidson, ‘What Metaphors means’ in M. Platt (ed.), Reference, Truth and Reality, Routledge 1980, P. 223 – 233 (4) Eva kitta, Metaphor, Oxford 1987. في علم الأصول، بُحث المجاز وارتباط الاستعمال المجازي، الاستعمال الحقيقي، وعلامات شناخت المعنى الحقيقي بصورة مبسوطة. بالطبع، يختلف المصنفون بحسب الذوق والسليقة في كمية وكيفية البحث، ولكن على أي حال، تركوا آثارًا قيمة في هذا المجال. خاصة في كتاب وقاية الأذهان الذي عمم فيه مصنفه المحقق، أي المرحوم الشيخ محمدرضا الأصفهاني، نظرية السكاكي في باب الاستعارة على جميع المجازات. بالطبع، ما هي النظرية التي تناولها السكاكي بدقة، وما الفرق بين كلام المحقق الأصفهاني وكلامه، قصة مفصلة بحد ذاتها. وقد طرحت جزءًا من هذه القصة في مقالة “نظرة إلى نقد” في مجلة “حوزه و دانشگاه” (العدد 7: صص 41 – 51) والباقي أوردته في دروس علم الأصول.

17. في باب ماهية الدلالة (reference) في الفلسفة التحليلية، طُرحت أبحاث واسعة جدًا. وقد حدث ذلك خصوصًا بعد الأثر الكلاسيكي لسول كريبك المسمى “التسمية والضرورة” (Naming and Necessity) الذي أدى إلى تحول خاص نحو الذاتية (essentialism). بعض الآثار الكلاسيكية في هذا الباب هي: (1) G. Frege, ‘On sense and Nominatum’, in: Herbert Feigel & Wilfrid Sellars, Readings in Philosophical Analysis, Ridgeview, 1949, P. 85 (2) B. Russell, ‘On Denoting’ in Previous Readings, P. 103 (3) L. Wittgenstein, Philosophical investigation, Blackwell, 1976 (4) John Searl, Speech act, Cambridge, 1984 (5) John Searl, Expression and Meaning, Cambridge, 1979 (6) Saul Kripke, Naming and Necessity, Cambridge, 1981 (7) M. Dummett, Frege: Philosophy of Language, Harvard, 1981 (8) G. Evans and J. McDowell (eds.) Truth & Meaning, Oxford, 1976. في علم الأصول، يُطرح بحث الدلالة والحكاية في مواضع متعددة، وغالبًا ما يكون في قسم المقدمات المتعلقة بالألفاظ، مثل بحث ماهية الاستعمال واستعمال اللفظ في أكثر من معنى، وكيفية الدلالة في الأسماء الخاصة وأسماء الإشارة والمعنى الحرفي وغيره.

18. بعض الآثار الجيدة في هذا المجال هي: (1) L. Wittgenstein, philosophical Investigation, Blackwell, 1976 (2) J. Austin, How to do things with words, oxford, 1975 (3) J. Austin, philosophical papers, oxford, 1979 (4) J. Searl, Speech act, Cambridge, 1984 (5) Ernest Leopore and R. Van Gulick (eds.), John searl and His Critics, Blackwell, 1993 (6) Savas L. Tsohatzidis (ed.), Foundations of speech act theory, Routledge, 1994 (7) Armin Burkhardt (ed.), speech acts, Meaning and Intentions, Walter de Gruyter, 1990.

19. لبحث الفعل القولي (speech act) في الفلسفة التحليلية مكانة خاصة. ربما كان فيتغنشتاين من أوائل من اهتم بجذور بحث الفعل القولي في البلدان الناطقة بالإنجليزية؛ وإن كان بعض الكتاب قد أرجعوا جذور البحث في البلدان غير الناطقة بالإنجليزية إلى ما قبل ذلك بكثير. في علم الأصول، الاهتمام بأفعال المتكلم له قدم كبير. وإن كانت الدقة الفائقة للأصوليين المتأخرين في هذا المجال من خصائص العصور الأخيرة. في فضاء الفلسفة التحليلية، اهتم فيتغنشتاين المتأخر (أي في المرحلة المتأخرة من فكره) بوظائف اللغة من خلال طرح ألعاب اللغة (Language game) وأنماط الحياة (forms of life). أحد تلامذته، وهو أوستن (J. Austin)، أولى اهتمامًا خاصًا بمسألة الأفعال اللغوية، وبفصل الأعمال اللغوية المتعددة عن بعضها، ساهم كثيرًا في تقدم هذا العمل. جون سيرل (John Searl)، الذي كان أيضًا من تلاميذ أوستن، ألف أول عمل كلاسيكي مخصص للفعل القولي تحت عنوان (speech act)، والذي أثار أبحاثًا كثيرة. ومنذ ذلك الحين، لعب بحث الفعل القولي دورًا خاصًا في الفلسفة التحليلية وفي علم اللغة. بعض الكتاب أظهروا بأدلة كثيرة أن فلاسفة في أجزاء أخرى من العالم اهتموا ببحث الفعل القولي ودوره قبل أوستن وسيرل بكثير. والبعض الآخر يعتبر تحليل جميع المفاهيم اللغوية على أساس الفعل القولي غير صحيح. والقصة لا تزال مستمرة. في كتب الأصول، يُطرح بحث الفعل القولي في مواضع متعددة. بالطبع، لا يُطرح البحث بهذا العنوان، بل تحت عناوين أبحاث أخرى، تُبحث أفعال المتكلم أيضًا. فمثلاً، في بحث الإنشاء والإخبار، وفي مدلول الجمل الإنشائية والخبرية والفرق بينهما، وفي بحث الأوامر تحت عنوان مدلول هيئة الأمر، وفي بحث ماهية الأحكام الشرعية. وبالطبع، يتكرر بحث الإنشاء والإخبار نفسه في علم الأصول في مواضع متعددة، فمثلاً في بحث الوضع كفرق بين الجمل الإنشائية والخبرية، وفي بحث الأوامر، وفي بحث مراتب الحكم الذي يُطرح في مباحث القطع ومباحث البراءة، وهكذا. في بحث الواجب المشروط أيضًا، انجذب البعض إلى بحث أفعال المتكلم، وذكر جميع المصادر لهذا البحث هنا ليس ميسورًا.

20. ليس من الممكن، لذا نكتفي بذكر بعض الأمثلة: (1) المحقق النهاوندي (ملا علي): تشريح الأصول، صص 35 – 37، طبع حجري: 1316 هجري قمري. (2) المحقق الشيرازي (ميرزا حسن): تقريرات روزدري، ج 2: صص 42 – 43، ط آل البيت (عليهم السلام). (3) المحقق العراقي: مقالات الأصول، ج 1، صص 96 – 100، ط مجمع الفكر الإسلامي. (4) ميرزا هاشم الآملي: بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي)، ج 1، صص 63 – 67، ط مطبعة علمية – نجف الأشرف. (5) المحقق الأصفهاني: نهاية الدراية، ج 1: صص 61 – 63 وصص 273 – 278. ارجع إلى: (1) Peter Geach, Logic Matters, P. 270 – 285, Blackwell, 1981 (2) A. N. Prior, objects of Thought, P. 63-78, oxford, 1971 (3) C. L. Hamblin, Imperatives, Blackwell, 1987. في علم الأصول، يُبحث مدلول الأوامر غالبًا في بداية بحث الأوامر بعد بحث المشتق، ومراجعة مواضعه سهلة.

21. من جملة المراجع: (1) Palle Yourgrau, Demonstratives, oxford, 1990 (2) John Perry, ‘Indxicals and demonstratives’ in B. Halle and C. Wright (eds.), A Companion To The philosophy of Language, P. 586 – 613. في كتب الأصول المتأخرة عن الكفاية، يُبحث عادة في نهاية بحث المعنى الحرفي عن مدلول الضمائر أيضًا، يُرجى المراجعة.

22. تحليل الجمل الشرطية جذب اهتمام كثير من الفلاسفة التحليليين. بعض الأمثلة على الأعمال في هذا المجال هي: (1) G. H. Von Wright, Logical Studies, P. 127 – 166, Routledge, 1956 (2) D. H. Sanford, If P, then Q, Routledge, 1989 (3) R. Stalnaker, ‘A Theory of Conditionals’, in Ernest Sosa, Causation and Conditionals, P. 163-180, oxford, 1975 (4) David Lewis, Counterfactuals, Blackwell, 1986. في المتن، أُشير إلى مواضع طرح البحث في كتب الأصول.

23. ارجع إلى: (1) B. Russell, the principles of Mathemathics, P. 53 – 80 (2) B. Russell, An Inquiry into Meaning and Truth, P. 74-88, Penguin, 1973 (3) Peter Geach, Reference and Generality, Cornell, 1980. في علم الأصول، يُطرح بحث أدوات العموم في بداية مباحث العام والخاص، وموضعه واضح بالطبع.

24. راسل في كتاب أصول الرياضيات في الجملة يشير إلى معنى العطف وأمثاله، وكذلك في كتاب تحقيق في باب المعنى والصدق (راجع الهامش السابق). وكذلك بيتر غيتش في المصدر المذكور في الهامش السابق يشير إلى موارد من معاني الحروف. بالإضافة إلى ذلك، يمكن مراجعة المصدر التالي في هذا المبحث: Susan Haack, philosophy of Logics, P. 28 – 38, Cambridge, 1980.

25. على سبيل المثال، راجع المصدرين التاليين: (1) John Searl, speech act, P. 33 42 and P. 50 – 53 (2) John Searl, The Construction of Social Reality, Penguin, 1995. وفي مورد نظرية المحقق العراقي، [انظر] مقالات الأصول، ج 1، صص 62 – 67، ط مجمع الفكر الإسلامي – قم [و] ميرزا هاشم الآملي: بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي)، صص 29 – 32، مطبعة علمية – نجف الأشرف.

Scroll to Top