الملخص
يرى بعض المناطقة أن الدلالة تابعة للإرادة. وبعبارة أخرى، هم قائلون بأن دلالة اللفظ على المعنى تابعة ومتوقفة على وجود إرادة المتكلم. يمكن العثور على هذه النظرية في كلمات ابن سينا والخواجة نصير الدين الطوسي، وقد طُرحت من قبلهما ابتداءً. وفي المقابل، خالف قطب الدين الرازي وجمع من الأصوليين هذه النظرية وأنكروا التبعية المذكورة، بينما قام البعض بتأويل كلامهما وادعوا أن مراد العلمين مطابق لرأيهم. من هذا المنطلق، قسمنا هذا المقال إلى قسمين. في القسم الأول، عرضنا رأي العلمين بشكل كامل وبيّنا الاختلافات في تفسير مرادهما. وفي القسم التالي، تناولنا أصل مسألة التبعية وعرضنا آراء الموافقين والمخالفين، وخلصنا إلى أن الرأي الصائب هو عدم تقيد الدلالة الوضعية بالإرادة. منهج البحث في هذا المقال هو وصفي، وقد تم الاستعانة بالمصادر المكتبية والإلكترونية.
۱- مقدمة
الإنسان كائن اجتماعي، وحاجته إلى الألفاظ ليست بالأمر الخفي. وفي حقل الألفاظ تتحقق ثلاثة أمور: ١. الوضع، ٢. الاستعمال، ٣. الدلالة. لذا، فإن للإنسان على مدى حياته ارتباطًا وثيقًا بهذه الأمور الثلاثة. خاصة بالنظر إلى أن أهم مصادر الدين هي من مقولة الألفاظ، لذا سنحتاج بشكل مضاعف إلى دراسة مبحث دلالة الألفاظ وتبعية الدلالة للإرادة، وهذا البحث أمر لازم وضروري.
يمكن القول بأن نظرية تبعية الدلالة للإرادة قد طرحها ابن سينا لأول مرة في علم المنطق. وبعد ذلك، خُصص لها باب في علم أصول الفقه، حيث اختلف علماء الأصول اختلافًا كبيرًا في هذا الباب. تعود تبعية الدلالة للإرادة، بعبارة أخرى، إلى مدى دلالة اللفظ، حيث إنه وفقًا لهذه النظرية، لا يدل اللفظ إلا على المعنى الذي يريده المتكلم. وبالتالي، فإن الهدف من تأليف هذا المقال هو التوصل إلى الرأي الصائب في هذه المسألة.
۲- الفرق بين الدلالة التصديقية وتبعية الدلالة للإرادة
لتوضيح موضوع البحث، من الأفضل أن نشير إلى الفرق بين الدلالة التصديقية وتبعية الدلالة للإرادة. يدور بحث التبعية حول ما إذا كانت الدلالة الوضعية اللفظية في طول إرادة المتكلم أم لا؟ بعبارة أخرى، هل دلالة اللفظ على المعنى تابعة ومتوقفة على وجود إرادة المتكلم، أم أن دلالة اللفظ على المعنى لا علاقة لها بوجود إرادة لدى المتكلم من عدمه؟
أما الدلالة التصديقية للألفاظ، فهي عكس تبعية الدلالة للإرادة؛ لأنه بناءً على الدلالة التصديقية، تأتي رتبة الإرادة بعد الدلالة، واللفظ يدل على الإرادة، أي يُسمع اللفظ أولاً، ثم يدرك المخاطب وجود الإرادة. أما بناءً على القول بتبعية الدلالة للإرادة، فرتبة الإرادة تسبق الدلالة، ويجب إدراك وجود الإرادة قبل الدلالة. بعبارة أخرى، محل البحث في التبعية هو: هل يلزم وجود إرادة المتكلم لحدوث الدلالة في ذهن المخاطب أم لا؟
بناءً على ذلك، في حال ثبوت تبعية الدلالة للإرادة، يصبح محل الإرادة قيدًا للعلقة الوضعية، وتكون العلقة الوضعية مقيدة بإرادة المتكلم.
بعد بيان هذه المطالب، يمكن القول إن تبعية الدلالة للإرادة لا تُفرض إلا في الدلالة التصورية؛ لأنه بناءً على الدلالة التصديقية، يقتضي اللفظ الإرادة ويكشف عنها، بينما بناءً على تبعية الدلالة للإرادة، تكون دلالة اللفظ فرعًا لوجود وإحراز الإرادة، ويجب إحراز الإرادة قبل دلالة اللفظ. وبالتالي، ليس من المعقول أن نقول إن دلالة اللفظ على الإرادة فرع لإحراز الإرادة. وبعبارة أخرى، معنى تبعية الدلالة للإرادة هو أن المخاطب يحرز الإرادة من الخارج، ومعنى الدلالة التصديقية هو أن المخاطب يفهم الإرادة من اللفظ. لذا، فإن كون دلالة اللفظ على الإرادة فرعًا لإحراز الإرادة من الخارج هو في الحقيقة كشف عما هو مكشوف، ويستلزم تحصيل الحاصل. وعليه، فإن هذا البحث لا معنى له في الدلالة التصديقية، ويكون محل البحث هو تبعية الدلالة التصورية للإرادة. (الصدر، تقريرات عبد الساتر، ١٤١٧هـ، ج ٢، ص ١٩٠)
۳- النظريات في المسألة
بناءً على ذلك، تُطرح في هذا البحث نظريتان:
١. دلالة الألفاظ على المعاني تابعة لإرادة المتكلم.
٢. دلالة الألفاظ على المعاني غير تابعة لإرادة المتكلم.
يمكن رؤية منشأ هذا البحث في كلمات ابن سينا والخواجة نصير الدين الطوسي. يعتقد ابن سينا أن الدلالة تابعة للإرادة. (ابن سينا، ١٤٠٤هـ، ص٢٤) وقد أورد الخواجة نصير الدين الطوسي في بحث الدلالة أن دلالة اللفظ على تمام المعنى مطابقة، وعلى جزء المعنى تضمن، وعلى خارج المعنى التزام. (الطوسي، ١٤٠٨هـ، ص٩) ويشكل العلامة الحلي، تلميذ الخواجة، بأن هذا التعريف غير صحيح؛ لأنه لو اشترك لفظ بين تمام المعنى وجزء المعنى، مثل لفظ ‘إنسان’ الذي وضع للحيوان الناطق وللناطق، فإذا قال أحدهم ‘رأيت إنسانًا’ وأراد الناطق، فبمعنى تكون الدلالة مطابقة؛ لأنه وضع للناطق، وبمعنى آخر تكون تضمنية؛ لأنه وضع للحيوان الناطق أيضًا. يجيب الخواجة على هذا الإشكال بأن الدلالة الوضعية للألفاظ على المعاني تابعة لإرادة المتكلم، وعندما يُراد من ذلك اللفظ مدلوله المطابقي، لا يكون المدلول التضمني مرادًا. (الحلي، ١٣٧١ش، ص ٨)
يطرح الخواجة في شرح الإشارات في تعريف المفرد والمركب إشكالًا حول ألفاظ مثل ‘عبدالله’ (علَمًا)، التي مع كونها مفردة، يدل جزؤها على شيء. ثم يطرح الجواب نفسه بأن جزء اللفظ في ‘عبدالله’ (علَمًا) لا دلالة له؛ لأن الدلالة تابعة للإرادة. (الطوسي، ١٣٧٥ش، ج١، ص٣٢)
قبل الشروع في المسألة، نذكر مطلبًا وقع محل بحث بين الأصوليين، وهو: ما هو مراد ابن سينا والخواجة نصير الدين الطوسي من قولهما إن الدلالة تابعة للإرادة؟ وقد فسّر كل من الأصوليين مرادهما بشكل مختلف.
۴- كلام ابن سينا والخواجة نصير الطوسي في تبعية الدلالة للإرادة
ابن سينا من القائلين بتبعية الدلالة للإرادة. يصرح بذلك في بحث المفرد والمركب فيقول: «اللفظ وحده لا دلالة له، بل لدلالة اللفظ يجب أن تكون هناك إرادة من اللافظ؛ لأنه في غير هذه الصورة، يجب أن يكون لكل لفظ معنى واحد فقط، بينما الألفاظ المشتركة والمجازية كثيرة. مثلًا، يستخدم المتكلم لفظ «العين» مرة بمعنى النبع، وفي موضع آخر بمعنى الدينار. فبالنظر إلى الإرادة التي لدى المتكلم، تكون دلالة اللفظ تابعة لمراده.» (ابن سينا، ١٤٠٤هـ، ص٢٥)
ويصرح الخواجة نصير الدين الطوسي أيضًا بتبعية الدلالة للإرادة فيقول: «بما أن دلالة اللفظ وضعية، فهي متعلقة بإرادة المتكلم، والتي يجب بالطبع أن تجري وفق قانون الوضع وتكون مطابقة له. لذا، إذا نُطق بلفظ وأراد المتكلم معناه وفهم المخاطب ذلك المعنى، يُقال إن هذا اللفظ دال على هذا المعنى. وفي غير هذا المعنى، أي المعنى الذي لم تتعلق به إرادة المتكلم، لا يُقال إن ذلك اللفظ دال على ذلك المعنى، حتى لو كان ذلك اللفظ أو جزؤه في تلك اللغة أو لغة أخرى صالحًا لأن يكون مرادًا. ولكن لأنه لم تتعلق به إرادة المتكلم، فلا يكون مدلولًا للفظ.» (الطوسي، ١٣٧٥ش، ج١، ص ٣٢)
۵- اختلاف الأصوليين في مراد ابن سينا والخواجة
۱. تفسير صاحب الفصول لكلام ابن سينا والخواجة
يدعي صاحب الفصول أن مراد العلمين من تبعية الدلالة للإرادة ناظر إلى وضع الألفاظ للمعاني بما هي مرادة. بعبارة أخرى، مراد العلمين هو أن الوضع عبارة عن اختصاص اللفظ بالمعنى الذي تعلقت به إرادة المتكلم، بحيث إذا انتفت الإرادة، انتفى هذا الاختصاص، وبالتالي تنتفي الدلالة المستندة إلى الوضع. (الحائري، ١٤٠٤هـ، ص١٧)
۲. تفسير الآخوند لكلام ابن سينا والخواجة وإشكاله على صاحب الفصول
يفسر الآخوند الخراساني كلامهما بأن الدلالة التصديقية للألفاظ على معانيها تابعة لإرادة المتكلم. أي أن الدلالة الوضعية للفظ على المعنى هي تصورية ولا تتبع إرادة المتكلم، ولكن دلالة اللفظ على الإرادة أو الدلالة التصديقية هي فرع وجود الإرادة في نفس المتكلم؛ لأن مقام الإثبات تابع لمقام الثبوت، أي يجب أن يتحقق شيء في الخارج أولًا ليتمكن من إثباته. بعبارة أخرى، لكي تُفهم إرادة المتكلم من اللفظ، يجب أن تتحقق إرادة المتكلم في الواقع أولًا، ثم تحدث الدلالة التصديقية ويدرك المخاطب إرادة المتكلم. وإذا لم تكن هناك إرادة في نفس المتكلم، فلن يكون للدلالة التصديقية معنى. إذن، للدلالة التصديقية، يجب إحراز أن المتكلم بصدد إفادة مراده.
بناءً على ذلك، يرى الآخوند أن مقصود العلمين من الدلالة التابعة للإرادة ليست الدلالة الوضعية للفظ (خلافًا لصاحب الفصول الذي يراها دلالة وضعية)؛ لأن الدلالة الوضعية للفظ هي دلالة تصورية، وهذه الدلالة لا تتبع الإرادة. ثم يصرح بادعائه بوضوح ويوضح مرادهما بأن الدلالة التابعة للإرادة هي شيء غير الدلالة التصديقية غير الوضعية. (الخراساني، ١٤٠٩هـ، ص١٦)
۳. تفسير المحقق النائيني لكلام ابن سينا والخواجة
يتفق المحقق النائيني مع المرحوم الآخوند، ويقسم الدلالة إلى قسمين: ١. تصورية، ٢. تصديقية. وظاهر كلام العلمين في تبعية الدلالة للإرادة ناظر إلى القسم الثاني من الدلالة. بعبارة أخرى، هو قائل بأن الدلالة التصديقية للألفاظ تابعة لإرادة المتكلم، ولا مجال لتوهم أن مراد العلمين هو تبعية الدلالة التصورية للإرادة، ومثل هذا التوهم لا يصدر حتى من شخص عاقل، فضلًا عن العلمين. (النائيني، ١٣٥٢ش، ج١، ص ٣١)
۴. تفسير المحقق الخوئي ومناقشته للآخوند
لا يقبل المحقق الخوئي تحليل الآخوند لكلام العلمين، ويرى أن القول بأن الدلالة التصديقية غير الوضعية للكلام تابعة للإرادة غير صحيح؛ لأن تبعية الدلالة التصديقية للإرادة أمر واضح ثابت في الواقع ونفس الأمر، ولا معنى لإيراد كلام حوله. بل مراد العلمين من تبعية الدلالة للإرادة هو اختصاص العلقة الوضعية بصورة إرادة تفهيم المعنى، وأن الألفاظ بحسب وضعها وبدلالتها الوضعية تدل على إرادة اللافظ التفهيمية. بعبارة أخرى، مراد العلمين من تبعية الدلالة للإرادة هو أن الدلالة الوضعية للألفاظ هي دلالة تصديقية. (الخوئي، ١٤٢٢هـ، ج ١، ص ١١٨)
۵. تفسير الإمام الخميني ومناقشته للآخوند
يدعي الإمام الخميني أن كلام العلمين صريح في أن الدلالة الوضعية اللفظية تابعة لإرادة المتكلم، وأن مقتضى قانون الوضع هو أن دلالة اللفظ على معناه تابعة لإرادة المتكلم. لذا، هذه التبعية قائمة على أساس قانون الوضع، والكلام الذي أورده المرحوم الآخوند في توجيه كلام العلمين غير صحيح. بناءً على ذلك، مراد العلمين هو أن الدلالة الوضعية اللفظية تابعة للإرادة. مثلًا، إذا كان المدلول المطابقي للفظ مرادًا للمتكلم، فإن اللفظ سيدل على المدلول المطابقي، وكذلك في المدلولات التضمنية والالتزامية، ستكون الدلالة تابعة لإرادة المتكلم. إذن، القول بأن الدلالة التصديقية غير الوضعية تابعة لإرادة اللافظ، وأن هذه التبعية من نوع تبعية مقام الإثبات لمقام الثبوت، غير صحيح. (الخميني، ١٤١٨هـ، ج ١، ص ٧٢)
۶- أدلة تبعية الدلالة للإرادة
بعد أن اتضح موضوع البحث، نريد أن نبحث هل هذه التبعية موجودة حقًا أم لا؟ هناك من يرى التبعية مثل ابن سينا والخواجة نصير الطوسي والمحقق الخوئي، وهناك من لا يقبلها وقد ناقشوا أدلتها.
الدليل الأول: وجود الألفاظ المشتركة والمجاز
يستدل ابن سينا على تبعية الدلالة للإرادة بوجود الألفاظ المشتركة والمجاز، ويدعي أن اللفظ وحده لا دلالة له، بل لدلالة اللفظ يجب أن تكون هناك إرادة من اللافظ؛ لأنه في غير هذه الصورة، يجب أن يكون لكل لفظ معنى واحد فقط لا يمكن أن يتجاوزه، بينما الألفاظ المشتركة والمجاز كثيرة. كمثل لفظ «العين» الذي يستخدمه المتكلم مرة بمعنى النبع ومرة أخرى بمعنى الدينار. فبالنظر إلى الإرادة التي لدى المتكلم، تكون دلالة اللفظ تابعة لمراده. (ابن سينا، ١٤٠٤هـ، ص٢٤)
المناقشة على الدليل الأول: الخلط بين إرادة المتكلم وإرادة الواضع
يبدو أن استدلال الشيخ لا يمكن أن يكون صحيحًا؛ لأنه لوضع الألفاظ على معانٍ متعددة أو مجازية، يلزم وجود إرادة الواضع لا إرادة المتكلم، بينما ادعاء الشيخ هو تبعية الدلالة لإرادة المتكلم. لذلك، لا يمكن لاستدلال ابن سينا إثبات هذه التبعية. فما الإشكال في أن يدرك المخاطب عند سماع لفظ لم يُرد معناه جميع معانيه، أو أن يتبادر إلى ذهنه أحد معاني اللفظ بالنظر إلى القرائن؟
الدليل الثاني: اقتضاء الوضع
يستدل الخواجة نصير الطوسي أيضًا على تبعية الدلالة للإرادة بأن دلالة اللفظ على المعنى تُعد من الدلالات الوضعية، والدلالة الوضعية تابعة للإرادة، وبالتالي، تسري هذه التبعية على دلالة اللفظ على المعنى. بالطبع، يجب الانتباه إلى أنه بالإضافة إلى وجود الإرادة، يجب مراعاة قانون الوضع، وألا يستخدم الشخص كل لفظ في أي معنى يشاء. لذا، أولًا يجب أن تكون الدلالة مطابقة لقانون الوضع، وثانيًا يجب أن تكون تابعة للإرادة، وإلا فلن تحصل دلالة. (الطوسي، ١٣٧٥ش، ج ١، ص ٣٢)
مناقشة قطب الدين الرازي على الدليل الثاني: الخلط بين الاستعمال والدلالة
ينقد قطب الدين الرازي كلام الخواجة بالقول إن الدلالة هي فهم معنى اللفظ بسبب العلم بالوضع، وكلما تصور شخص عالم بالوضع لفظًا، فإنه بالضرورة يصل إلى معنى اللفظ، ولا فرق بين أن يكون ذلك اللفظ مرادًا للمتكلم أم لا. نعم، في مقام الاستعمال، حيث يصدر اللفظ من المتكلم، تلزم إرادة المعنى، أما في الدلالة التي تحدث في ذهن المخاطب، فلا دخل لإرادة المتكلم. وبالتالي، فإن إشكال القائلين بالتبعية هو الخلط بين الاستعمال والدلالة، ولم يتمكنوا من إدراك هذا الفرق ووقعوا في هذا الخطأ. (الرازي، ١٣٧٥ش، ج١، ص ٣٢)
الدليل الثالث: الغرض من الوضع
يعتقد المحقق الخوئي أن الواضع عندما يضع لفظًا لمعنى، كغيره من العقلاء، يكون له غرض، وفعله ليس خاليًا من الغرض. وغرض الواضع هو انتقال ذهن المخاطب من اللفظ إلى المعنى المراد للمتكلم. بعبارة أخرى، الغرض من الوضع هو التفهيم والتفهم وتوسيع نطاقهما عن طريق إبراز المقاصد. لذلك، يجب أن يكون الوضع شيئًا يتناسب مع هذا الغرض؛ لأنه إذا كان الوضع مطلقًا، فسيكون أوسع وخارجًا عن الغرض، ويؤدي إلى اللغوية. لذا، يقتضي غرض التفهيم أن تكون العلقة الوضعية مقيدة بصورة إرادة التفهيم. (الخوئي، ١٤١٧هـ، ج ١، ص ١٠٤)
المناقشة الأولى للإمام الخميني على الدليل الثالث
لا يقبل الإمام الخميني دليل الغرض، ويرى أن العلة الغائية للوضع هي إفادة المرادات، ولكن ليس من جهة كونها مرادة، بل من جهة كونها نفس الحقائق؛ لأن المتكلم يريد إفادة نفس المعاني، لا المعاني بقيد كونها مرادة، والواضع أيضًا يضع اللفظ لنفس المعاني والحقائق. وكون المعاني مرادة عند السامع والمتكلم أمر يغفل عنه. لذا، فإن ادعاء أن الغاية من الوضع هي إفهام المرادات بقيد كونها مرادة هو ادعاء فاسد. وكما قلنا، فإن الغاية من الوضع هي إفهام نفس المعاني، وكونها مرادة يتحقق إما حين الاستعمال أو يُحسب من مقدمات الاستعمال. لذا، لا علاقة له بالوضع. (الخميني، ١٤١٥هـ، ج ١، ص ١١٥)
المناقشة الثانية للإمام الخميني على الدليل الثالث
يدعي الإمام الخميني أنه حتى لو سلمنا بأن الغرض من الوضع هو إفادة المرادات، فإن تبعية الدلالة للإرادة لا تثبت؛ لأنه ليس من الضروري أن يؤدي سعة الفعل عن الغرض إلى اللغوية. اللغوية لا تحدث إلا في حالة عدم وجود أي أثر أو ثمرة لوضع اللفظ على المعنى دون تقييد بالإرادة، بينما وضع اللفظ على المعنى بشكل مطلق له أثر، حتى لو تحقق هذا الأثر في جزء منه (المعنى المتعلق بالإرادة). لذا، يكفي وجود أثر في الجملة، ولا تحدث اللغوية. (الخميني، ١٣٨٢ش، ج ١، ص٣٦)
مناقشة الشهيد الصدر على الدليل الثالث
يناقش الشهيد الصدر دليل الغرض الذي أورده المحقق الخوئي بأن اللغوية لا تحدث إلا إذا استلزمت مؤونة لحاظية زائدة. بعبارة أخرى، في حالة كون اعتبار المطلق، مع فرض ضيق الغرض، موجبًا للغوية، فإن ذلك يكون عندما يحتاج إطلاق الاعتبار إلى لحاظ زائد، ولكن بناءً على القول المختار بأن الإطلاق هو مجرد عدم التقييد، فإن وضع العلقة الوضعية بشكل مطلق يفي بالغرض، ولا توجد في الإطلاق مؤونة زائدة بالنسبة لوضع العلقة الوضعية بشكل مقيد. لذا، لا يَرِد إشكال اللغوية. (الصدر، تقريرات الهاشمي الشاهرودي، ١٤١٧هـ، ج ١، ص ١٠٧)
۷- ثمرة البحث
* ثمرة البحث في الفقه
يمكن تصور ثمرات لبحث تبعية الدلالة للإرادة في الفقه، وذلك عندما نشك في إرادة المتكلم للفظ. في هذه الحالة، يمكننا، بناءً على مبنى الدلالة التصديقية، الرجوع إلى أصالة الحقيقة وإثبات إرادة المتكلم. فإذا كنا قائلين بالدلالة التصورية للفظ، فإن إرادة المتكلم لا تثبت، أما إذا كنا قائلين بالدلالة التصديقية للفظ، فنقول: الأصل أن اللفظ يدل على إرادة المتكلم أيضًا. بعبارة أخرى، القائلون بكون الدلالة التصورية وضعية يعتبرون المدلول التصوري هو الموضوع له للفظ، والقائلون بكون الدلالة التصديقية وضعية يدخلون الإرادة في حيطة الوضع. لذا، عندما يأتي المتكلم بلفظ ونحن نشك في وجود الإرادة في نفسه، فبناءً على الدلالة التصورية، لا يثبت بمجرد اللفظ وأصالة الحقيقة شيء سوى المعنى التصوري للفظ. أما بناءً على الدلالة التصديقية، فبمجرد اللفظ وبمساعدة أصالة الحقيقة، بالإضافة إلى المعنى التصوري للفظ، تثبت إرادة المتكلم أيضًا، ويكون للفظ دلالة وضعية على وجود الإرادة في نفس المتكلم.
بالطبع، يجب الانتباه إلى أنه بناءً على الدلالة التصورية أيضًا تثبت إرادة المتكلم، ولكن ليس بأصالة الحقيقة؛ لأنه صحيح أننا بناءً على هذا المبدأ لا يمكننا الرجوع إلى أصالة الحقيقة في حالة الشك، ولكن يوجد أصل عقلائي آخر، وهو أنه عند الشك في إرادة المتكلم، نقول إنه قد أراد الألفاظ. لذلك، فإن هذا الأصل العقلائي (أصالة إرادة المتكلم) يوصلنا إلى إرادة المتكلم بناءً على الدلالة التصورية أيضًا، ولكن الفرق مع مبنى التصديقية يكمن في الرجوع إلى أصالة الحقيقة، والرجوع إلى أصالة الحقيقة يختص بالدلالة التصديقية.
بناءً على ذلك، عندما نشك في إرادة المتكلم، فبناءً على مبنى التصديقية، يوجد أصلان لإثبات إرادة المتكلم: أحدهما أصالة الحقيقة والآخر الأصل العقلائي لإرادة المتكلم. ولكن بناءً على مبنى التصورية، يوجد أصل واحد فقط لإثبات إرادة المتكلم، وهو الأصل العقلائي لإرادة المتكلم. لذا، تكون النتيجة أن إثبات الإرادة بناءً على مبنى أقوى من المبنى الآخر.
بالطبع، الرجوع إلى الأصل يكون في حالة عدم وجود قرينة أو شاهد، أما إذا وجدت قرينة على إرادة المتكلم، مثل القرائن الحالية والمقالية للمتكلم وكونه في مقام التفهيم، فلن يكون هناك معنى للرجوع إلى أصالة الحقيقة أو أصل الإرادة، وستكون القرينة مقدمة على الأصل.
لتوضيح هذه الثمرة، نشير إلى مثال: يعتبر السيد البهبهاني في كتاب ‘فوائد العلية’ عناوين مثل الكفر، الإيمان، الإقرار، الشهادة، وغيرها مما يؤدى باللفظ، دائرة مدار الدلالة التصديقية، ويقول: الدلالة التصديقية هي التي تحدث عندما يكون المتكلم في مقام الإفادة وتخبر عن ضمير وإرادة القائل. لذا، فإن هذه الدلالة تكون في زمان الاختيار لا الإجبار. بناءً على ذلك، تترتب أحكام الكفر، الإنكار، الإيمان، الإقرار، الشهادة، وغيرها على اللفظ عندما تصدر بالدلالة التصديقية، والدلالة التصورية في هذه الحالات غير كافية؛ لأنه لو ثبتت هذه العناوين بالدلالة التصورية، لوجب أن يكفر الشخص بنقله كفر شخص آخر، أو لو تكلم أحد بالكفر سهوًا، لكفر، بينما هذا غير صحيح. إذن، مع انتفاء الدلالة التصديقية (مثلًا في حالة الإجبار أو السهو) وبمجرد الدلالة التصورية، لن يترتب عنوان الكفر والإنكار على اللفظ. (البهبهاني، ١٤٠٥هـ، ج ٢، ص ٣٨٩)
بناءً على كلام السيد البهبهاني، يمكن الإشارة إلى الموارد التالية لثمرات هذا البحث في الفقه:
۱. ثمرة البحث عند الشك في الإقرار
إذا تكلم شخص بالإقرار وشككنا فيما إذا كان قد أراد الألفاظ التي قالها أم لا، ولم توجد أي قرينة، ففي هذه الحالة نشك في إقراره. لذا، تظهر ثمرة هذا البحث هنا، فإذا كنا قائلين بكون الدلالة الوضعية تصديقية، فبأصالة الحقيقة وبالأصل العقلائي لإرادة المتكلم، نقول إن كلامه ظاهر في المدلول التصديقي، والظاهر أنه أراد الألفاظ التي قالها. أما إذا كنا قائلين بكون الدلالة الوضعية تصورية، فلا يمكننا إثبات إرادته بواسطة أصالة الحقيقة، بل إن الطريق الوحيد لإثبات إرادته هو الأصل العقلائي المذكور.
بالطبع، بناءً على أصالة الحقيقة أو أصل إرادة المتكلم، تثبت الإرادة الاستعمالية للمتكلم، ولكن لقبول الإقرار، تهم الإرادة الجدية للمتكلم. لذا، في هذا المقام أيضًا، نستفيد من أصل تطابق الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدية، وهذا البحث خارج عن محل بحثنا.
۲. ثمرة البحث عند الشك في الشهادة
تُستخدم الشهادة في الفقه بمعنيين:
١. تحمل الشهادة: أي أن يكون شاهدًا ومطلعًا ومشاهدًا.
٢. أداء الشهادة: أي الإدلاء بالشهادة والإفصاح عما شوهد.
تظهر ثمرة هذا البحث في المعنى الثاني للشهادة، وذلك بأنه إذا تكلم شخص في مقام أداء الشهادة بألفاظ، وشككنا في إرادته لها ولم تكن هناك قرينة، تتضح ثمرة البحث، فإذا كنا قائلين بمبنى التصديقية، يمكننا بأصالة الحقيقة رفع شكنا وإثبات إرادته الاستعمالية. بالطبع، بالإضافة إلى أصالة الحقيقة، يمكن إثبات إرادته بالأصل العقلائي لإرادة المتكلم. لذا، سيكون لدينا دليلان على إثبات إرادته. بخلاف مبنى الدلالة التصورية، الذي بموجبه لا يمكن إثبات إرادته الاستعمالية إلا بأصل إرادة المتكلم، ولا تجري أصالة الحقيقة.
وبأصل تطابق الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدية، نثبت إرادته الجدية أيضًا، ومن ثم يمكن قبول شهادته.
۳. ثمرة البحث عند تكلم شخص بألفاظ كفرية والشك في كفره
كذلك، يثمر هذا البحث في حالة ما إذا تكلم شخص بألفاظ كفرية وشككنا فيما إذا كان قد أراد معاني الألفاظ أم لا. فإذا كنا قائلين بكون الدلالة اللفظية تصديقية، يمكننا بأصالة الحقيقة إثبات إرادته. بخلاف مبنى الدلالة التصورية، الذي بموجبه لا يمكن لأصالة الحقيقة أن تجري. بالطبع، الأصل العقلائي لإرادة المتكلم يجري بناءً على كلا المبنيين، والفرق بينهما يكمن في جريان أصالة الحقيقة.
أصل تطابق الإرادة الجدية مع الإرادة الاستعمالية يثبت أيضًا إرادته الجدية، ويمكن القول إنه كان لديه إرادة جدية للمعاني التي تكلم بها.
۴. ثمرة البحث في الوصية
الثمرة التي بيناها تتضح في الوصية أيضًا، وذلك بأنه عندما يتكلم الموصي بالوصية، ونشك فيما إذا كان قد أراد ما قاله أم لا، فبناءً على مبنى الدلالة التصديقية، يمكن التمسك بأصالة الحقيقة وإثبات إرادته. بالإضافة إلى ذلك، الأصل العقلائي لإرادة المتكلم يثبت إرادته أيضًا. أما على أساس مبنى الدلالة التصورية، فإن الطريق الوحيد لإثبات إرادة الموصي هو أصل الإرادة، ولا يمكن التمسك بأصالة الحقيقة.
كمثل الأمثلة السابقة، لإثبات الوصية يجب الاستفادة من أصل تطابق الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدية، وأصالة الحقيقة وأصل الإرادة يثبتان فقط إرادته الاستعمالية.
* ثمرة البحث في الأصول
لهذا البحث ثمرات في بعض مباحث الأصول الأخرى، نشير إلى بعضها:
۱. كون وضع الجملة الخبرية على قصد الحكاية مبنيًا على كون الدلالة الوضعية تصديقية
المشهور في الجملة الخبرية التامة أنها موضوعة للنسبة التامة، مقابل النسبة الناقصة القائمة بين المركبات الناقصة.
في مقابل المشهور، توجد نظرية أخرى تقول إن الجملة الخبرية موضوعة لقصد الحكاية والإخبار عن ثبوت أو نفي شيء في الواقع، ووضع الجملة الخبرية على ثبوت النسبة غير صحيح.
الدليل على هذا المطلب هو أنه بناءً على مبنى كون الدلالة تصديقية، يجب أن نقول إن موضوع له الجملات الخبرية لا يمكن أن يكون النسبة، بل يجب أن يكون قصد الحكاية؛ لأنه بناءً على المبنى القائل بأن دلالة الألفاظ على المعاني تصديقية، فإن الجملة الخبرية أيضًا يجب أن يكون لها مدلول تصديقي. فإذا قلنا إن الجملة الخبرية موضوعة للنسبة، فسيكون معنى الجملة الخبرية تصوريًا ولن يقتضي التصديق. بعبارة أخرى، الألفاظ بدلالتها الوضعية دالة على الإرادة، والجملة الخبرية ليست مستثناة من هذه القاعدة. لذا، لا يمكننا أن نجعل موضوع له الجملة الخبرية مجرد النسبة؛ لأنه في هذه الحالة، لن يكون للفظ دلالة على إرادة المتكلم. إذن، كون النسبة موضوعًا له للجملة الخبرية لا يتوافق مع مبنى الدلالة التصديقية ويتناسب مع مبنى الدلالة التصورية.
بناءً على ذلك، يجب أن نجعل موضوع له الجملات الخبرية شيئًا يتطابق مع مبنى الدلالة التصديقية. القائلون بالدلالة التصديقية يجعلون موضوع له الجملات الخبرية قصد الحكاية، لتحفظ الدلالة التصديقية للجملة أيضًا؛ لأنه إذا قلنا إن المدلول الوضعي للجملة الخبرية هو قصد الحكاية، فبعبارة أخرى، ستدل الجملة الخبرية على قصد وإرادة المتكلم، وستكون الدلالة الوضعية للجملات الخبرية تصديقية أيضًا.
لذا، يمكن اعتبار هذا المطلب ثمرة لبحث الدلالة التصورية والتصديقية. وبعبارة أوجز، يمكن القول إنه إذا كنا قائلين بمبنى الدلالة التصديقية، فإن نتيجة هذا المبنى هي أن نأخذ موضوع له الجملة الخبرية قصد الحكاية، وإذا كنا قائلين بمبنى الدلالة التصورية، فيمكننا أن نأخذ موضوع له الجملة الخبرية النسبة. لذا، فإن مبنى الدلالة التصديقية لا يتناسب مع قول المشهور الذي يجعل موضوع له الجملة الخبرية النسبة، والدلالة التصورية لا تتوافق مع قصد الحكاية. (الصدر، تقريرات الهاشمي الشاهرودي، ١٤١٧هـ، ج ١، ص ٢٦٧)
۲. كون أخذ واقع الإشارة في مدلول اسم الإشارة مبنيًا على كون الدلالة الوضعية تصديقية
في موضوع له اسم الإشارة، يوجد خلاف بين العلماء. يرى البعض، مثل الآخوند، أن لفظ «هذا» موضوع لنفس الشيء الذي وضعت له كلمة «مفرد مذكر». الفرق الوحيد بينهما يكمن في الداعي والغاية التي لدى الواضع من وضعهما، حيث نقول إن الواضع وضع لفظ «هذا» للإشارة إلى المعنى. إذن، هو قائل بأن مدلول اسم الإشارة هو مدلول تصوري، وليس الأمر بحيث يكون واقع الإشارة قيدًا للموضوع له. بعبارة أخرى، في اسم الإشارة، الموضوع له عام وليس شيئًا سوى المفرد المذكر أو بقية الصيغ، ومحل الإشارة الخارجية الصادرة من المتكلم ليس داخلًا في الموضوع له؛ لأن دلالة الألفاظ على المعاني تكون بشكل تصوري، وإذا دخل واقع الإشارة في الموضوع له، يصبح المدلول الوضعي للفظ تصديقيًا، وهذا لا يتوافق مع مبنى الدلالة التصورية. بناءً على ذلك، تحصل الإشارة الخارجية حين الاستعمال وتؤدي إلى تشخص مدلول الإشارة. إذن، موضوع له اسم الإشارة كلي، وحين الاستعمال وبسبب الإشارة الخارجية، يتشخص. (الخراساني، ١٤٠٩هـ، ص ١٢)
في المقابل، يرى المحقق الخوئي أن أسماء الإشارة موضوعة لمعنى المفرد المذكر ولكن بقيد، وذلك القيد هو الإشارة الخارجية. بعبارة أخرى، العلقة الوضعية بين اللفظ والمعنى مقيدة بالإشارة الخارجية. لذا، يكمن الفرق بين قول الآخوند وقول المحقق الخوئي في دخل الإشارة الخارجية في الموضوع له. فبناءً على رأي الآخوند، يكون الموضوع له هو المفرد المذكر دون أن تكون الإشارة الخارجية قيدًا للموضوع له أو للعلقة الوضعية، بخلاف المحقق الخوئي الذي يعتبر الإشارة الخارجية قيدًا للعلقة الوضعية. لذا، بناءً على رأيه، كلما استُعمل لفظ «هذا» في معناه الحقيقي، فإنه يدل على معنى المفرد المذكر المقترن بالإشارة الخارجية. وعليه، يتعهد المتكلم بأنه كلما قصد تفهيم معنى المفرد المذكر مع الإشارة، أتى بلفظ «هذا» أو «ذاك». والشاهد على هذا المطلب هو أن لفظ «هذا» ليس بمعنى مجرد المفرد المذكر، بل يدل على الإشارة الخارجية أيضًا.
وهذا المعنى يتوافق مع مبنى المحقق الخوئي القائل بأن الدلالة الوضعية للألفاظ تصديقية. (الخوئي، ١٤٢٢هـ، ج١، ص ١٠١)
يقول الشهيد الصدر أيضًا في المعنى الثاني لاسم الإشارة إن أخذ واقع الإشارة في المدلول مبني على مبنى الدلالة التصديقية. بعبارة أخرى، إذا قبلنا أن الدلالة الوضعية للألفاظ تصديقية، فيمكننا القول إن الإشارة الخارجية يمكن أن تدخل في المدلول الوضعي لاسم الإشارة؛ لأن الإشارة الخارجية كالإرادة الخارجية، وإذا لم نرد مناقشات الدلالة التصديقية، فيمكن للإشارة الخارجية أيضًا أن تدخل في المدلول الوضعي للفظ. (الصدر، تقريرات الهاشمي الشاهرودي، ١٤١٧هـ، ج ١، ص ٣٣٨)
بناءً على ذلك، خلاصة القول هي أنه يمكن تصور مثل هذه الثمرة لهذا البحث، فإذا كنا قائلين بالدلالة التصديقية، فيمكننا في بحث اسم الإشارة اعتبار الإشارة الخارجية داخلة في الموضوع له. أما إذا لم نقبل هذا المبنى ولم نعتبر دخل الإرادة في المدلول الوضعي للألفاظ صحيحًا، فإن الإشارة الخارجية لن تدخل في المدلول الوضعي لاسم الإشارة.
۳. كون وضع صيغة الأمر على إبراز أمر نفساني في الخارج مبنيًا على كون الدلالة الوضعية تصديقية
في معنى ومدلول صيغة الأمر، يوجد اختلاف في الرأي بين علماء الأصول. يقول جناب الآخوند إن صيغة الأمر موضوعة للطلب الإنشائي أو بعبارة أخرى، لإنشاء الطلب. (الخراساني، ١٤٠٩هـ، ص٦٩) ويعتقد الشهيد الصدر أن موضوع له صيغة الأمر هو النسبة الإرسالية. (الصدر، تقريرات الهاشمي الشاهرودي، ١٤١٧هـ، ج٢، ص٤٩)
أما في المقابل، يفسر المحقق الخوئي صيغة الأمر بشكل مختلف، فيقول إن صيغة الأمر موضوعة لإبراز اعتبار نفساني خاص، وذلك الاعتبار الخاص هو اعتبار الفعل في ذمة المكلف. (الخوئي، ١٤٢٢هـ، ج ١، ص ٤٧٣)
يقول الشهيد الصدر إن المعنى الذي أورده المحقق الخوئي لصيغة الأمر مبني على أمر واحد، وذلك الأمر هو وجوب ثبوت الدلالة التصديقية الوضعية للألفاظ، وبعد إثبات ذلك يمكن جعل صيغة الأمر بمعنى إبراز الاعتبار النفساني. وبتعبير آخر، كلام المحقق الخوئي مبني على قبول الدلالة التصديقية للألفاظ. لذا، إذا ثبت كون الدلالة التصديقية للألفاظ وضعية، فيمكن جعل صيغة الأمر بمعنى إبراز اعتبار الفعل في ذمة المكلف، ولكن إذا كنا قائلين بالدلالة التصورية للألفاظ، فلا يمكن جعل مثل هذا المعنى لصيغة الأمر. (الصدر، تقريرات الهاشمي الشاهرودي، ١٤١٧هـ، ج ٢، ص ٤٧)
ودليل هذا المطلب هو أن إبراز الاعتبار النفساني هو في الحقيقة إبراز لمدلول تصديقي؛ لأنه بناءً على هذا المبنى، تدل صيغة الأمر على اعتبار خارجية الفعل في ذمة المكلف، وهذا أمر تصديقي وخارجي، ولا يمكن تفسير صيغة الأمر بهذا المعنى إلا إذا قيل بالدلالة التصديقية للألفاظ. أما إذا اعتبر شخص الدلالة الوضعية للألفاظ تصورية، فلا يمكنه أن يجعل مدلول صيغة الأمر أمرًا تصديقيًا، بل يجب عليه، وفقًا للمبنى الذي يتبناه، أن يجعل مدلول صيغة الأمر، كغيره من الألفاظ، أمرًا تصوريًا، كالطلب الإنشائي أو النسبة الإرسالية التي يقول بها الآخوند والشهيد الصدر.
بناءً على ذلك، فإن تفسير صيغة الأمر بإبراز اعتبار الفعل في ذمة المكلف مبني على قبول الدلالة التصديقية الوضعية للألفاظ. إذن، تظهر ثمرة بحث الدلالة التصورية والتصديقية هنا، حيث إن كل من يقول بكونها تصورية، لا يمكنه أن يجعل مدلول صيغة الأمر إبراز اعتبار الفعل في ذمة المكلف؛ لأن مثل هذا الشيء أمر خارجي ويُحسب مدلولًا تصديقيًا.
۸- الخاتمة
كما تم بيانه، فإن مراد العلمين من تبعية الدلالة للإرادة هو تقييد العلقة الوضعية بالإرادة، حيث تكون رتبة الإرادة متقدمة على الدلالة. يستدل ابن سينا بوجود الألفاظ المشتركة والمجاز كدليل على التبعية، وقد قلنا إنه خلط بين إرادة الواضع والمتكلم. ويرى الخواجة أيضًا أن مقتضى الوضع هو التبعية، لكن قطب الدين الرازي لا يقبل كلام الخواجة وينسب التبعية إلى الاستعمال. ويستدل المحقق الخوئي بدليل الغرض، الذي ناقشه الإمام الخميني والشهيد الصدر ونفيا التلازم بين الغرض والتبعية.
۹- المصادر والمراجع
ابن سينا، حسين بن عبد الله، الشفاء (المنطق)، الطبعة الأولى، مكتبة آية الله المرعشي، قم، ١٤٠٤هـ.
البهبهاني، سيد علي، الفوائد العلية – القواعد الكلية، الطبعة الثانية، انتشارات دار العلم، الأهواز، ١٤٠٥هـ.
الحائري الأصفهاني، محمد حسين بن عبد الرحيم، الفصول الغروية في الأصول الفقهية، الطبعة الأولى، انتشارات دار إحياء العلوم الإسلامية، قم، ١٤٠٤هـ.
الحلي، حسن بن يوسف، الجوهر النضيد في شرح منطق التجريد، الطبعة الخامسة، انتشارات بيدار، قم، ١٣٧١ش.
الخراساني، محمد كاظم بن حسين، كفاية الأصول، الطبعة الأولى، مؤسسة آل البيت، قم، ١٤٠٩هـ.
الخميني، روح الله، تنقيح الأصول، تقريرات تقوي اشتهاردي، حسين، الطبعة الأولى، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، طهران، ١٤١٨هـ.
———-، تهذيب الأصول، تقريرات سبحاني، جعفر، الطبعة الأولى، انتشارات دار الفكر، قم، ١٣٨٢ش.
——-، مناهج الوصول إلى علم الأصول، الطبعة الأولى، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، قم، ١٤١٥هـ.
الخوئي، أبو القاسم، محاضرات في أصول الفقه، تقريرات فياض، محمد إسحاق، الطبعة الأولى، مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي، قم، ١٤٢٢هـ.
———-، محاضرات في أصول الفقه، تقريرات فياض، محمد إسحاق، الطبعة الرابعة، انتشارات دار الهادي للمطبوعات، قم، ١٤١٧هـ.
الرازي، قطب الدين، المحاكمات بين شرحي الإشارات، الطبعة الأولى، نشر البلاغة، قم، ١٣٧٥ش.
الصدر، محمد باقر، بحوث في علم الأصول، تقريرات عبد الساتر، حسن، الطبعة الأولى، انتشارات دار الإسلامية، بيروت، ١٤١٧هـ.
———-، بحوث في علم الأصول، تقريرات هاشمي شاهرودي، محمود، الطبعة الثالثة، مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي بر مذهب أهل بيت، قم، ١٤١٧هـ.
الطوسي، محمد بن محمد، تجريد المنطق، الطبعة الأولى، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ١٤٠٨هـ.
———-، شرح الإشارات والتنبيهات، الطبعة الأولى، انتشارات نشر البلاغة، قم، ١٣٧٥ش.
النائيني، محمد حسين، أجود التقريرات، تقريرات خوئي، أبو القاسم، الطبعة الأولى، مطبعة العرفان، قم، ١٣٥٢ش.