التبادر: الوظائف والتحديات

الملخص

يُعد التبادر الحقيقي (وهو خطور المعنى إلى الذهن من اللفظ دون الاستناد إلى قرائن عامة أو خاصة) أحد طرق تمييز المعنى الحقيقي عن المجازي، وقد طُرح في مبادئ علم الأصول، وبالمناسبة، بُحثت وظائفه الأخرى كتشخيص المعنى المجازي أو ظهور الكلام. لم يسلم التبادر الحقيقي من الشبهات، كشبهة الدَّور، واحتمال الاستناد إلى القرينة أو المسلّمات المسبقة، أو عدم كونه جامعاً ومانعاً، وهي شبهات تهدف في الغالب إلى إنكار الوظيفة الأساسية للتبادر، أي الكشف عن المعنى الحقيقي وتمييزه عن المجازي، وقد قوبلت أحياناً بإغفال نظر العلماء وتتطلب إجابة دقيقة.

مقدمة

يُطرح التبادر بوصفه أقوى وأشهر علامات تشخيص المعنى الحقيقي (الفيروزآبادي، عناية الأصول ١٤٠٠: ١/ ٤٣) في مقدمة علم الأصول ضمن مباحث الحقيقة والمجاز، التي تُعد فرعاً من تقسيمات الألفاظ بحسب الاستعمال (الميرزا الشيرازي، تقريرات ١٤٠٩: ١/ ٩). ورغم أن نظر الأصوليين في مبحث التبادر يتركز على تمييز المعنى الحقيقي عن المجازي، إلا أن التبادر استُخدم أيضاً كمعيار لتشخيص ظهور الكلام وإثبات حجيته من قبل الفقهاء (الشريف المرتضى، رسائل ١٤٠٥: ٢/ ٣٤١ – ٣٤٢؛ الحلي، تذكرة الفقهاء ١٣٨٨: ١١/ ٢٢٠؛ الحلي، إيضاح ترددات الشرايع ١٤٢٨: ١/ ٧١). ويرى البعض أن التبادر يمكن أن يُستخدم في تشخيص حدود ولوازم المعنى المطابقي. فمثلاً، كما أن المعنى المطابقي لهيئة الأمر -بسبب التبادر- هو «الإلزام»، فإن حدود الإلزام تثبت بالدليل نفسه (الميرزا الشيرازي، نفسه: ١/ ٨٧)، أو أن السجدة في العرف الشرعي تكون مصحوبة بالنية، وإيصال أجزاء البدن السبعة إلى الأرض، والطمأنينة، وأمثال ذلك (العلامة الحلي، تذكرة الفقهاء: ٣/ ٣٦٢). ويُستفاد من كلام بعض المحققين أن التبادر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: «التبادر الوضعي» (الحقيقي) الناشئ من الوضع التعييني أو التعيني للفظ على المعنى، و«التبادر بالقرينة»، و«التبادر الإطلاقي» المستند إلى غلبة الوجود أو كماله أو شهرة استعمال لفظ في معنى خاص (راجع: المشكيني، الحواشي ١٤١٣: ١/ ١٢٦؛ البجنوردي، منتهى الأصول، دون تاريخ: ١/ ٤٠). وبالطبع، اعتبر البعض التبادر الإطلاقي فرعاً من التبادر بالقرينة (الفيروزآبادي، عناية الأصول ١٤١٠: ١/ ٤٤). والمشهور أن التبادر الوضعي وحده هو الكاشف عن الحقيقة اللغوية أو العرفية أو الشرعية، أما التبادر المستند إلى القرينة والتبادر الإطلاقي فيمكن استخدامهما كآلية لتشخيص ظهور الكلام (مثال: الفاضل الأردكاني، غاية المسؤول، دون تاريخ: ٣٢؛ الغروي الأصفهاني، بحوث في الأصول ١٤١٦: ١/ ٢٧؛ الصدر، بحوث في علم الأصول ١٤١٧: ١/ ١٦٣؛ المظفر، أصول الفقه، دون تاريخ: ١/ ٢٣). وموضوع البحث في هذا المقال هو التبادر الوضعي، وحيثما يُبحث عن وظيفة التبادر في الكشف عن الظهور، سيكون جهد الكاتب منصبّاً على تتبع المباحث ذات الصلة من زاوية التبادر الوضعي. وتجدر الإشارة إلى أن وظائف التبادر الوضعي المختلفة لم تسلم هي الأخرى من الشبهات. وقد طُرح بعض هذه الشبهات في سياق الهرمنيوطيقا الفلسفية (الميرزا القمي، قوانين الأصول ١٣٧٨: ١/ ١٣؛ الصدر، نفسه: ١/ ١٦٧)، وللأسف، رغم انعكاسها النسبي في أصول الفقه، لم تُقدَّم إجابة شافية لها. كما طُرحت شبهات أخرى في هذا الصدد سيتم بحثها.

1. دراسة المفهوم

«التبادر» في اللغة يعني «الإسراع» (الجوهري، الصحاح ١٤١٠: ٢/ ٥٨٦)، وكأن كلاً من المعنى واللفظ يتسابقان إلى الذهن (الميرزا الشيرازي، نفسه: ١/ ٧٠؛ الرشتي، بدائع الأفكار ١٣١٣: ٧١). وبالطبع، هذا «الانسباق» نابع من جوهر اللفظ وذاته (البجنوردي، منتهى الأصول، دون تاريخ: ١/ ٤٠). على أي حال، قيد عدم استناد التبادر إلى قرينة كان محل تأكيد الأصوليين منذ القدم (البصري، نفسه: ٢٦؛ الفخر الرازي، نفسه: ١/ ٣٤٥؛ ابن قدامة، روضة الناظر: ١٧٦؛ المحقق الحلي، نفسه: ٥٠؛ العلامة الحلي، مبادئ الوصول: ٥٠). وقد أشار العراقي (١٣٦١هـ) إلى عمومية القرينة لتشمل الحالية والمقالية (العراقي، نهاية الأفكار ١٤١٧: ١/ ٦٦)، لكن آخرين اعتبروا التبادر بالإطلاق ناتجاً عن فقدان القرينة (المشكيني، الحواشي ١٤١٣: ١/ ١٢٦). وعرف البعض التبادر بأنه: «فهم المعنى من حاق اللفظ ابتداءً استقلالاً» لإخراج المجاز المشهور وملازم المعنى وجزء المعنى. وقد اعترض الفاضل الأردكاني (١٣٠٥هـ) على هذا التعريف، معتبراً أن قيد «عدم توسط شيء آخر» كافٍ لإخراج هذه الأمور؛ إذ في المجاز المشهور تكون الشهرة واسطة لإثبات المعنى المجازي للفظ، وفي حالة الملازم أو جزء المعنى، يكون المعنى الموضوع له نفسه هو الواسطة (الفاضل الأردكاني، نفسه: ٣٢). وعلى أي حال، فإن ما يُعتبر معياراً لتمييز المعنى الحقيقي هو التبادر غير المستند إلى قرينة أو واسطة. وقد أطلق البعض على هذا التبادر اسم التبادر الحقيقي (العراقي، نفسه: ١/ ٦٨؛ الفيروزآبادي، نفسه: ١/ ٤٤)، أو التبادر الوضعي (الشيرازي، نفسه: ١/ ٩٠؛ الرشتي، نفسه: ٢٧٠).

2. الآراء والأدلة

يُعد التبادر منذ القدم آلية لتمييز المعنى الحقيقي والمراد الاستعمالي؛ حتى إن المرحوم المجاهد (١٢٤٢هـ)، بروح تحقيقه، أشار إلى عدم وجود مخالف، بل إلى إجماع علماء الأصول على ذلك (المجاهد، نفسه: ٦٨). والدليل الرئيس لهذه المجموعة هو انسباق المعنى إلى الذهن دون الاستناد إلى قرينة؛ ففي هذه الحالة لا يبقى أي دليل على التبادر سوى علاقة الوضع بين اللفظ والمعنى (البصري، نفسه: ٢٥؛ المجاهد، نفسه: ٦٨؛ الأصفهاني، نفسه: ٤٤؛ الفاضل الأردكاني، نفسه: ٣٢). وفي مقابل هذه النظرية، خالف بعض المحققين ضمنياً أو صراحةً اعتبار التبادر علامة. فالعراقي يرى التبادر تابعاً للاطراد (العراقي، مقالات الأصول ١٤١٤: ١/ ١٣)، والإمام الخميني تجنب قبوله كعلامة مستقلة (الإمام الخميني، مناهج الوصول ١٤١٥: ١/ ١٢٦). أما البروجردي (١٣٨٠هـ) فقد قسم الوضع إلى تعييني وتعيّني، واعتبر التبادر الكاشف عن الوضع التعييني أمراً مستحيلاً، والتبادر الكاشف عن الوضع التعيني هو عين الوضع التعيني (البروجردي، نهاية الأصول ١٤١٥: ٤٠). كما امتنع الشهيد مصطفى الخميني (١٣٥٦هـ) عن قبول هذه العلامة، مستنداً إلى دَورِيّة دلالة التبادر وتوقفها على العلم بالعلاقة الوضعية. واعتبر أن التمييز بين المستعلِم والعالم، وكون التبادر علامة للعالم في حق الجاهل، غير كافٍ، وأن إشكاله يبقى قائماً؛ لأن تبادر ذهن العالم أيضاً، بسبب استحالة الدَّور، قاصر عن إثبات الحقيقة والمجاز (الموسوي الخميني، تحريرات في الأصول ١٤١٨: ١/ ١٦٦ – ١٦٨). وإشكال آخر لديه على التبادر هو عدم شموله للمشترك اللفظي؛ إذ لو تبادر أحد المعاني المشتركة، لزم أن تكون المعاني غير المتبادرة مجازية (نفسه: ١/ ١٦٨). ومن وجهة نظر ابن تيمية (٧٢٨هـ)، في إنكاره للحقيقة والمجاز، يُستفاد أيضاً أنه لم يقبل التبادر بمعناه المألوف (ابن تيمية، مجموع الفتاوى ١٤٢٦: ٧/ ١١٣). في مقابل هاتين النظريتين، اعتبر المحقق الإيرواني (١٣٥٤هـ)، بالنظر إلى احتمال حصول التبادر من ممارسة ناقلي اللغة للكلمات، أنه بمنزلة قول اللغوي، وباختياره عدم حجية قول اللغوي، أنكر حجية التبادر في هذا الفرض، واعتبر فقط التبادر الناشئ عن العلم باستعمال أهل اللسان حجة، وبناءً عليه، اختار القول بالتفصيل (الإيرواني، نهاية النهاية ١٣٧٠: ١/ ٢٤-٢٥).

3. الوظائف

باستقراء آراء الأصوليين، عُدّت للتبادر الحقيقي وظائف متعددة سيتم استعراضها فيما يلي.

3-1. تشخيص المعنى الموضوع له

اعتبر كثير من المحققين التبادر علامة للوضع (الشيرازي، نفسه: ١/ ٨٧؛ الآملي، مجمع الأفكار ١٣٩٥: ١/ ٦٠؛ المروج، منتهى الدراية ١٤١٥: ١/ ٨٠؛ الغروي الأصفهاني، نفسه: ١/ ٢٨؛ الصدر، نفسه: ١/ ١٦٣). هذا الاعتقاد، بالنظر إلى أن الوضع في الاصطلاح المشهور يُطلق فقط على الوضع التعييني (الصدر، نفسه: ١/ ١٦٥)، يوحي بأن التبادر طريق لتمييز الوضع التعييني. ومن هنا، خالف الشهيد الصدر (١٤٠٠هـ) والإمام الخميني هذه الفائدة بطريقتين مختلفتين. يرى الشهيد الصدر أن علة انسباق المعنى إلى الذهن ليست جعل الواضع، بل العلم بالوضع؛ سواء أكان هناك وضع في الواقع أم لا (نفسه: ١/ ١٦٥). أما الإمام الخميني، فبإنكاره كون العلاقة الناشئة من كثرة الاستعمال وضعاً، يرى التبادر علامة على وجود علاقة بين المعنى واللفظ؛ سواء نشأت هذه العلاقة من واضع معين أو ظهرت بسبب كثرة الاستعمال (الإمام الخميني، نفسه: ١/ ١٢٥). وعلى كلا المبنيين، لا يمكن أن يُعد التبادر علامة للوضع. ورغم أن محور النقد لدى المخالفين يختص بكاشفية التبادر عن الوضع التعييني، إلا أنه يبدو أن هناك مبنى مشتركاً لدى الموافقين في أقسام الوضع. فبعضهم يرى الوضع أعم من التعييني والتعيني (الحيدري، أصول الإستنباط ١٤١٢: ٥٥-٥٦؛ الغروي الأصفهاني، نفسه: ١/ ٢٤؛ الصدر، نفسه: ١/ ٩٥)، وبناءً عليه، يمكن أن يكون ادعاء العلاقة الوضعية بينهم ناظراً إلى الوضع التعيني، والمقصود بالحقيقة هو الحقيقة العرفية. ومع فرض أن الوضع لا يُتصور إلا تعيينياً، يمكن أيضاً تفسير كلام الموافقين بأنه ناظر إلى إمكانية كشف الحقيقة اللغوية من خلال التبادر. وذلك بتوضيح أن الحقيقة اللغوية، بمعنى أول وضع حدث للفظة مخترعة (الرشتي، نفسه: ١١٢)، لا تُفرض إلا في حالة الوضع التعييني؛ لأن سيرة العقلاء في الأمور المخترعة استقرت على الوضع. والآن، لو لم نعتبر الحقيقة اللغوية بمعنى أول وضع للكلمة، بل اعتبرناها أمراً إضافياً تماماً ومترتباً على المعنى العرفي، وبناءً عليه، اعتبرنا الوضع التعيني ممكناً أيضاً في الحقائق اللغوية (الحائري الأصفهاني، نفسه: ٤٣)، ففي هذه الحالة يمكن أيضاً الحكم بهذه المعاني (الفاضل الأردكاني، نفسه: ١١٢)، وبجريان هذا الحكم باستمرار (أصل عدم النقل) يثبت الوضع التعيني للكلمة أيضاً.

3-2. تشخيص المعنى الحقيقي

رغم أن «التبادر» باعتراف جميع القائلين هو علامة للمعنى الحقيقي (الأصفهاني، نفسه: ٤٥)، إلا أن هناك اختلافاً في كيفية دلالته على المعنى الحقيقي. يرى الكثيرون أن وجود التبادر هو علامة الحقيقة (البصري، نفسه: ٢٦؛ السبكي، نفسه: ١/ ٣٢٠؛ الفخر الرازي، نفسه: ١/ ٣٤٥؛ الميرزا القمي، نفسه: ١/ ١٣)، لكن البعض الآخر اعتبر عدم تبادر المعاني الأخرى دليلاً على حقيقة معنى ما (الأمير بادشاه، نفسه: ٢/ ٢٧؛ الشيرازي، نفسه: ١/ ٧١-٧٢). ويبدو أن دليل هذه النظرية هو التحدي القائم في جانب الألفاظ المشتركة (الأصفهاني، نفسه: ٤٧)، ومع نقده، لا يبقى دليل لقبول هذا الرأي؛ فضلاً عن كونه قاصراً عن نفي المجاز المجهول الحقيقة (الرشتي، نفسه: ٧١).

3-3. تشخيص المعنى المجازي

من الفوائد الأخرى للتبادر، معرفة المعنى المجازي؛ وإن كان هناك اختلاف في كيفية الدلالة: فالبعض يرى عدم التبادر علامة للمجاز، والبعض يرى التبادر غير علامة للمجاز (الشيرازي، نفسه: ١/ ٧١-٧٢). وقد حظي الرأي الأول بقبول واسع (أبو إسحاق الشيرازي، نفسه: ٤؛ ابن قدامة، نفسه: ١٧٦؛ الآمدي، الإحكام ١٤٠٢: ١/ ٣٠؛ العلامة الحلي، نفسه: ٨٠؛ علاء الدين البخاري، نفسه: ١/ ١٠٠؛ البهبهاني، نفسه: ٣٢٤؛ المجاهد، نفسه: ٧٠)، وينسب أبو الحسن المشكيني (١٣٥٨هـ) هذه النظرية إلى مشهور الأصوليين (المشكيني، نفسه: ١/ ١٢٧). وفي الاستدلال عليها، يرى الفاضل الأردكاني التبادر لازماً مساوياً للوضع، ومن الطبيعي أنه بانتفاء أحدهما ينتفي الآخر (الفاضل الأردكاني، نفسه: ٣٦). وفي مقابل هذا الرأي، لجأ البعض، بطرح إشكال عدم التبادر في الألفاظ المشتركة بالنسبة لمعانيها الحقيقية، إلى طرح نظرية أخرى. وبناءً عليه، فإنه على الرغم من وجود عدم التبادر في الألفاظ المشتركة، إلا أنه بسبب فقدان التبادر غير، لا يمكن الحكم بمجازية المعاني (الآمدي، نفسه: ١/ ٣٠؛ البصري، نفسه: ٢٦؛ الأمير بادشاه، نفسه: ٢/ ٢٧؛ الشوكاني، إرشاد الفحول ١٤١٩: ٧٢؛ الحائري الأصفهاني، نفسه: ٣٢؛ الميرزا القمي، نفسه: ١/ ١٣). وفي مقابل رأي الموافقين لدلالة التبادر على المعنى المجازي، خالف آخرون هذه المسألة. فالمحقق الخويني، بطرح إشكال الاشتراك، ينكر دلالة التبادر من الأساس؛ إذ بفرض التبادر، يلزم أن يكون أحد معاني الألفاظ المشتركة هو المعنى الحقيقي الوحيد، وتُعتبر سائر المعاني مجازية، وكما أن تلك المعاني ليست مجازية، فلا يوجد دليل أيضاً على حقيقة المعنى المتبادر (نفسه: ١/ ١٦٨).

3-4. فهم ظهور الكلام

ذهب بعض الأصوليين، بذكرهم مبنى القدماء في حجية أصالة الحقيقة التعبدية (السرخسي، نفسه: ١/ ١٣٧؛ ابن حزم، الإحكام، دون تاريخ: ٤/ ٤١٣)، إلى أن لازم هذا الرأي هو الاستناد إلى التبادر الحقيقي لفهم ظاهر الكلام (الروحاني، منتقى الأصول ١٤١٣: ١/ ١٧٣؛ الحكيم، حقائق الأصول ١٤٠٨: ٢/ ٩٤؛ العراقي، نفسه: ١/ ١١٤؛ المشكيني، نفسه: ٣/ ٢٢٣). وتعني حجية أصالة الحقيقة التعبدية أن الأصل في الألفاظ هو حملها على معانيها الحقيقية؛ حتى عند وجود احتمال القرينية (الصدر، نفسه: ٤/ ٢٩١). وبناءً على هذه النظرية، قال أبو حنيفة بترجيح الحقيقة المرجوحة على المجاز المشهور (السبكي، نفسه: ١/ ٣١٥؛ الفخر الرازي، نفسه: ١/ ٣٤٢). وقد حظي هذا الرأي بقبول جماعي من العلماء (المجاهد، نفسه: ٣٥؛ البروجردي، الحاشية على الكفاية ١٤١٢: ١/ ٥٥٣)، واعتبر المحقق الرشتي (١٣١٢هـ) هذا الرأي هو رأي أكثر الأصوليين (الرشتي، نفسه: ٩٢). وفي مقابل هذا الرأي، رجح القاضي أبو يوسف (١٨٢هـ) جانب المجاز لقوة القرينة الموجودة فيه (الإسنوي، التمهيد ١٤٠٠: ٢٠١). ولم يخل هذا الرأي أيضاً من دعم الأصوليين (التبريزي، أوثق الوسائل ١٣٦٩: ٥٢٤؛ الصدر، نفسه: ٤/ ٢٩١؛ الفيروزآبادي، نفسه: ٢/ ٣١٣؛ الفاضل الأردكاني، نفسه: ٥٥؛ المجاهد، نفسه: ٣٤؛ العراقي، نفسه: ١/ ١١٤)، ودليله هو بناء العقلاء على اعتماد ظهور الكلام الظني وعدم الاعتناء بالحقيقة غير المنسبقة إلى الذهن (المجاهد، نفسه: ٣٤؛ الفيروزآبادي، نفسه: ٢/ ٣١٣). وبناءً عليه، فإن التبادر الحقيقي يُستخدم في كشف الظهور عندما يُقام بالنسبة للفظ في مقام الاستعمال الفعلي ولفهم المراد الفعلي منه، ويكون الكلام خالياً من القرائن الحالية والمقامية، فينصرف ظنياً إلى المعاني الحقيقية لألفاظه (الفاضل الأردكاني، نفسه: ٥٥).

4. التحديات

طُرحت إشكالات مختلفة على حجية التبادر، سنتناولها فيما يلي.

4-1. إشكال الدَّور ودراسته

يُعد إشكال الدَّور من أشهر إشكالات التبادر، وقد طُرح وأُجيب عليه منذ زمن السيد المجاهد. ووفقاً لهذا الإشكال، فإن التبادر معلول للعلم بالوضع، ومن جهة أخرى، فإن العلم بالوضع متوقف على التبادر (المجاهد، نفسه: ٦٨). وقد قبل المحقق الخميني هذا الإشكال وردّ على بعض الإجابات الواردة عليه (الموسوي الخميني، نفسه: ١/ ١٦٦). والإجابات كالتالي:

أ) المراد بالتبادر، تبادر العالم بالوضع بالنسبة للجاهل به. وبناءً عليه، هناك علمان مطروحان: علم العالم بالوضع، وهو شرط لتبادره، وعلم الجاهل بالوضع، وهو نتيجة التبادر عند العالم. كان السيد المجاهد، بطرحه هذه الإجابة، يعتقد أن التبادر طُرح في بداية ظهوره لمراجعة الجاهل للعالم لفهم معاني الألفاظ (المجاهد، نفسه: ٦٨). ويشهد على هذا الادعاء التعابير التي استُخدمت لوصف التبادر كدليل استنباطي للجاهل على الوضع (البصري، نفسه: ٢٥؛ المحقق الحلي، نفسه: ٥٠)، أو ما عُبّر عنه بـ«سماع من أهل اللسان» (السرخسي، نفسه: ١/ ٧٧؛ البزدوي، أصول البزدوي، دون تاريخ: ٧٥)، ولهذا السبب، ورغم إقرار علاء الدين البخاري بمعضلة الدَّور في بحث صحة السلب، إلا أنه اعتبر هذا الإشكال غير وارد على التبادر (البخاري، نفسه: ١/ ١٠٠). في مقام النقد، يجب القول إن تبادر الجاهل بالوضع أيضاً يُلاحظ في كتب الأصول منذ القدم (الفخر الرازي، نفسه: ١/ ٣٤٥؛ ابن قدامة، نفسه: ١٧٦؛ العلامة الحلي، نفسه: ٨٠). وعلاوة على ذلك، فإن تبادر أهل اللسان بدوره سيكون دورياً (الموسوي الخميني، نفسه: ١/ ١٦٨).

ب) التبادر لا يتوقف على العلم بالوضع، بل على الشهرة وكثرة استعمال اللفظ. قسّم المحقق المجاهد الوضع إلى تعييني وتعيّني، واعتبر الوضع التعيني، الذي هو معلول للشهرة والأنس الذهني، منزهاً عن إشكال الدَّور، واعتبر أن هذا الإشكال لا يرد إلا على الوضع التعييني قبل حصول الشهرة – وهو فرض نادر جداً (المجاهد، نفسه: ٦٨-٦٩). في نقد هذه الإجابة، حصر آية الله محمد تقي الأصفهاني (١٢٤٨هـ) الصور المتصورة في علاقة الشهرة بانسباق المعنى من اللفظ في قسمين: حيث يكون قيد الشهرة داخلاً في انسباق المعنى من اللفظ، وبعبارة أخرى، يتبادر «المعنى المشهور» إلى الذهن، والصورة الثانية هي أن تكون الشهرة علة وكاشفة عن المعنى، ويتبادر صرف المعنى إلى الذهن. ثم يرى أن لازم كلتا الصورتين هو استناد التبادر الحقيقي إلى الشهرة؛ ففي الصورة الأولى، لم يحدث تبادر حقيقي أصلاً، والتبادر المذكور يعتمد على الشهرة كقرينة حالية على المعنى. والصورة الثانية تستلزم كاشفية الشهرة عن العلم بالوضع قبل وقوع التبادر الحقيقي؛ إذ لا يمكن حدوث مثل هذا التبادر دون حصول العلم بالوضع؛ لأن مجرد الشهرة لا يكفي لحصول التبادر الحقيقي. وفي ادامه، يستشهد بالنظرية المعروفة لتوقف الدلالة الوضعية على العلم بالوضع كدليل على رأيه، وبناءً عليه، يرى التبادر الوضعي متوقفاً أيضاً على العلم بالوضع (الأصفهاني، نفسه: ٤٥). والميرزا الشيرازي، متأثراً بهذا الإشكال، لا يرى إجابة السيد المجاهد مقنعة (الشيرازي، نفسه: ١/ ٧٥).

ج) أدى إشكال الأصفهاني بالفاضل الأردكاني إلى تكميل رأي المجاهد بتفصيل بين العلم الإجمالي والتفصيلي. وبرأيه، لا يستند التبادر إلى الشهرة لمناقشة صور ارتباط الشهرة والتبادر، بل إن الشهرة تؤدي إلى حصول الأنس والألفة الذهنية وتؤدي إلى علم ارتكازي بمعنى لفظ، وبهذا التبادر، يعلم الذهن بسنخ العلاقة بين اللفظ والمعنى، وهي علاقة وضعية، علماً تفصيلياً (الفاضل الأردكاني، نفسه: ٣٤؛ الحائري الأصفهاني، نفسه: ٣٣؛ الشيرازي، نفسه: ١/ ٧٥؛ الآخوند الخراساني، نفسه: ١٨؛ المظفر، أصول الفقه، دون تاريخ: ٢٤). في نقد هذه الإجابة، شكك المحقق الرشتي في حصول الأنس الذهني من الشهرة؛ لأن الاستعمالات التي تسببت في الأنس الذهني كانت إما بقرينة أو بدون قرينة. الاستعمالات بدون قرينة لن تؤدي إلى إدراك المناسبة والارتباط بين اللفظ والمعنى بحيث تسبب الأنس الذهني. والاستعمالات مع القرينة لن تؤدي إلى حصول الأنس بين اللفظ بدون قرينة مع المعنى (الرشتي، نفسه: ٧١). ويعتبر المحقق الخميني العلم التفصيلي كشفاً تفصيلياً لنفس المواد الموجودة في العلم الارتكازي وتابعاً محضاً له. ومن ثم، لا يمكن الوصول إلى وجود علاقة وضعية بينهما من الأنس الذهني باللفظ والمعنى (الموسوي الخميني، نفسه: ١/ ١٦٧).

يبدو أن هذين الإشكالين غير واردين. فلدراسة الإشكال الأول، من الضروري التذكير بأن حصول الوضع التعيني يتم أساساً عن طريق كثرة الاستعمال المصحوب بالقرينة، وبعد أن يصل اللفظ إلى درجة من الشهرة، يتبادر تدريجياً إلى الذهن بدون قرينة أيضاً. وبعبارة أخرى، ليس الأمر أنه عند قيام القرينة، لا يكون للفظ أي دور في نقل المعنى، أو أن مثل هذا الاستعمال لا يترك أثراً في الحمولة المعنوية للكلمات؛ فبهذا التصور، لن يوجد أي وضع تعيني أو حتى تعييني. وفي الرد على الإشكال الثاني، يجب القول إن هذا الإشكال يرد على تفسير العلم الارتكازي بالجهل بنحو إرادة المعنى من اللفظ، هل هو على نحو الحقيقة أم المجاز (الفيروزآبادي، نفسه: ١/ ٤٤)؛ ولكن يمكن القول إن درجة من الارتباط بين اللفظ والمعنى توجد أيضاً في العلم الارتكازي، وباختبار التبادر، يُكشف حدها تفصيلياً، ويحكم الذهن تبعاً لذلك بوجود علاقة وضعية بين اللفظ والمعنى. وبعبارة أخرى، رغم أن العلم التصديقي التفصيلي يعتمد على التبادر، إلا أن التبادر لا يحتاج إلى مثل هذا العلم (الإمام الخميني، مناهج الوصول: ١/ ١٢٦).

د) المراد من مراجعة الجاهل لأهل اللسان، أعم من استعلام موقعية لفظ لديهم، هو مراجعة موارد إطلاق اللفظ بينهم أو حتى تتبع لفظ في كتب اللغة، وبعد ذلك، نكتشف تبادر معنى من اللفظ لدى أهل اللسان، وأن ذلك اللفظ موضوع على ذلك المعنى بينهم. وبهذه الطريقة، رغم أن العلم بالوضع يتوقف على العلم بالتبادر، إلا أن العلم بالتبادر يتوقف على الوضع (الحائري الأصفهاني، نفسه: ٣٣). وفي نقد هذا الرأي، يجب القول إن مجرد الوضع لا يكفي لحصول التبادر، بل العلم بالوضع ضروري أيضاً.

4-2. عدم وجود وصف الجامعية في التبادر ودراسته

من إشكالات التبادر الأخرى عدم جامعيته بالنسبة لموارد الاشتراك. كما أن هذه العلامة عند تعارض معنى حقيقي مع معنى مجازي في المجاز المشهور لا يمكن أن تكون علامة للمعنى الحقيقي.

4-2-1. المعاني المشتركة

ربما يمكن اعتبار الآمدي من أوائل من أشار إلى هذا الإشكال وأجاب عليه. وبعده، أشار السبكي وابن همام والشوكاني إلى هذا البحث (الآمدي، نفسه: ١/ ٣٠؛ السبكي، نفسه: ١/ ٣١٩؛ الأمير بادشاه، نفسه: ٢/ ٢٧؛ الشوكاني، نفسه: ١/ ٧٢؛ الفاضل الأردكاني، نفسه: ٣٢). وبالطبع، هناك اختلاف في الرأي حول كيفية التبادر بالنسبة للفظ المشترك. فالبعض يعتقد بعدم تبادر أي من المعاني (السبكي، نفسه: ١/ ٣١٩)، والبعض الآخر بتبادر جميع المعاني أو أحدها على البدل أو على التعيين (الشوكاني، نفسه: ١/ ٧٢). وبناءً على اختلاف المباني في كيفية كون التبادر علامة، تختلف صور المسألة. فمثلاً، على فرض عدم تبادر أي من المعاني، لا يبقى طريق لإحراز المعاني الحقيقية بفرض اشتراط تبادر المعنى، ولا لإحراز المعاني المجازية بفرض اشتراط تبادر الغير (الآمدي، نفسه: ١/ ٣٠؛ السبكي، نفسه: ١/ ٣١٩). وكذلك، على فرض تبادر معنى واحد فقط، يلزم أن تكون سائر المعاني مجازية (الموسوي الخميني، نفسه: ١/ ١٦٨)؛ بينما هي جميعها معانٍ حقيقية.

أُجيب على هذه الشبهة بإجابات نذكرها بترتيب تاريخي:

أ) على فرض تبادر جميع المعاني في المشترك، يُحل الإشكال. وكذلك على فرض تبادر واحد على البدل، يجب القول إن «الواحد على البدل» هو الحقيقة، وليس كل واحد من المعاني المشتركة (الآمدي، نفسه: ١/ ٣٠). في نقد هذا الرأي، يجب القول إن تبادر جميع المعاني أو أحدها على نحو البدلية، قاصر عن إثبات الحقيقة على مبنى اشتراط عدم تبادر الغير؛ إلا إذا فهمنا التبادر بمعنى سبق المعنى إلى الذهن وادعينا أن جميع المعاني تخطر إلى الذهن في آن واحد (الشيرازي، نفسه: ١/ ٧٣). كما أن تبادر معنى واحد على مبنى تبادر الغير يعني مجازية سائر المعاني (الشوكاني، نفسه: ١/ ٧٢). وعندما يكون المشترك موضوعاً على معانيه استقلالاً، كيف يمكن أن تكون نتيجة الأوضاع المستقلة هي تبادر على البدلية لتلك المعاني؟ وعلاوة على ذلك، دلالة المشترك على كل واحد من معانيه هي على نحو الاستقلال، لا على البدل. فكيف يمكن، بالاستناد إلى التبادر، اعتبار تلك المعاني على البدل معنى حقيقياً للفظ المشترك؟ بعبارة أخرى، المشترك غير المشكك، وموضوع له أيضاً غير القدر المشترك بين المعاني (الشيرازي، نفسه: ١/ ٧٣).

ب) ما يلزم في أمارات الحقيقة هو لزوم الدلالة على فرض التحقق. وبعبارة أخرى، المعنى المتبادر على فرض حصول التبادر سيكون معنى حقيقياً. ولا حاجة لأن يوجد التبادر بالنسبة لجميع المعاني الحقيقية (السبكي، نفسه: ١/ ٣١٩؛ الفاضل الأردكاني، نفسه: ٣٢). في نقد هذا الدليل، يجب القول إن التبادر هو نتاج علاقة خاصة بين اللفظ والمعنى ولا ينفصل عنهما. وعلاوة على ذلك، هذا التوجيه لا يجري على مبنى كون عدم تبادر الغير علامة للحقيقة؛ ففي هذه الحالة، يُعد عدم التبادر أيضاً علامة للحقيقة (نفسه: ٣٢).

ج) ما يتبادر من اللفظ المشترك هو احتمال إرادة جميع المعاني على البدلية؛ بخلاف المجاز الذي لا يوجد فيه هذا الاحتمال ما لم تُذكر قرينة (نفسه: ٣٥-٣٦). في مقام النقد، يجب القول إن التبادر هو فعلية انتقال الذهن من اللفظ إلى المدلول التصوري أو المعنى المراد، والاحتمال ليس من باب التبادر.

د) الألفاظ المشتركة ليست على وضع واحد؛ ففي بعضها، يتبادر أحد المعاني إلى الذهن بقرينة الشهرة أو سائر القرائن. هذا النوع من التبادر ليس مستنداً إلى حاق المعنى ولا يمكن أن يكشف عن الحقيقة في طرف المعنى المتبادر أو المجازية في سائر الأطراف (الميرزا القمي، نفسه: ١/ ١٧)؛ أما بالنسبة للألفاظ التي تتساوى فيها جميع المعاني، فعلى مبنى كون اللفظ علامة على المعنى، يمكن تصورها جميعاً بشكل مستقل، وفي هذه الحالة، لا يرد إشكال على التبادر بالنسبة للمشتركات. ولكن وفقاً لنظرية الفناء، لا يمكن تصور أي من المعاني؛ لأن التبادر ناتج عن علاقة الفناء بين اللفظ والمعنى، وهذه العلاقة في حالة الألفاظ المشتركة متأخرة عن وجود قرينة معينة، وهذه القرينة، ليس بسبب قصور ذاتي في اللفظ عن إيصال المعنى، بل بسبب وجود إبهام في اللفظ لتعدد وضعه (الأصفهاني، نفسه: ٤٦-٤٧).

4-2-2. المجاز المشهور

يعود تصور حالة التعارض بين المعنى الحقيقي والمجاز المشهور إلى القرن الثاني الهجري. كان أبو حنيفة يعتقد بتقدم جانب الحقيقة، وخالفه القاضي أبو يوسف (١٨٢هـ) في هذا الرأي. وتوقف البعض (الشاشي، نفسه: ٥٢؛ الفخر الرازي، نفسه: ١/ ٣٤٢). وينسب السيد المجاهد القول الأخير إلى مشهور الأصوليين (المجاهد، نفسه: ٣٦). إن التعبير بـ«المجاز الراجح» في تقرير رأي أبي حنيفة، يُشعر بأن رأيه مخالف لمقتضى ظاهر الكلام (الزركشي، البحر المحيط ١٤٢١: ٣/ ٢٥)، ومن باب تعبد العقلاء بالتمسك بالمعنى الحقيقي، إلا في حالة إحراز إرادة المعنى المجازي. ورغم أن عنوان «المجاز الراجح» يختلف عن عنوان «المجاز المشهور»، إلا أنه استُخدم كعنوان بديل بين الأصوليين (الشهيد الثاني، تمهيد القواعد ١٤١٦: ١٠٤). والمراد بالرجحان، الشهرة وأحياناً المجاز المتعارف، فقط بحسب الاستعمال (نفسه: ١٠٤). ما يثير الإشكال في خصوص المجاز المشهور هو أن المعنى الحقيقي في فرض تحقق المجاز المشهور ليس هو المعنى المتبادر؛ بل إن إرادته تحتاج إلى قرينة. وفيما يلي نشير إلى بعض الإجابات:

أ) كما ذُكر سابقاً، فإن الجامعية ليست شرطاً لأمارة كالتبادر (الآمدي، نفسه: ١/ ٣٠)، وقد مر نقد هذه الإجابة.

ب) يرى الميرزا القمي، متبعاً للمدقق الشيرواني (١٠٩٨هـ) والمجاهد، أن تبادر المعنى الحقيقي وإن كان يحتاج إلى قرينة، إلا أن هذه القرينة تهدف إلى إعلان عدم إرادة المجاز. فإرادة المعنى الحقيقي متوقفة على انتفاء القرينة على المجاز؛ سواء حقيقةً كما في الحالات العادية، أو حكماً في الحالات التي يتمتع فيها المعنى المجازي بقرينة عامة كالشهرة (المجاهد، نفسه: ٦٩؛ الميرزا القمي، نفسه: ١/ ١٧).

ج) إن تصور مثل هذا المجاز الذي يتجاوز حدود المجازية ويُراد بدون قرينة، وفي الوقت نفسه يكون أدنى مرتبة من الحقيقة، بعيد عن الذهن. يقدم الميرزا الرشتي، بعد عرض هذا الرأي، تعريفه المختار للمجاز المشهور. فهو يقسم كثرة الاستعمال إلى قسمين: استعمال في المباين، واستعمال في فرد معنى الموضوع له، ويعتبر المجاز المشهور فقط في القسم الأول، عندما يكون في تعارض مع المعنى الحقيقي، وهذا هو سبب إجمال اللفظ (الرشتي، نفسه: ٧٢-٧٣). في نقد هذا الرأي، يجب القول إن المعاني العرفية التي تُجعل بالوضع التعيني، قبل وصولها إلى هذه المرتبة، في الفترة التي يشيع فيها استعمالها، تُعد مجازاً مشهوراً.

د) يُراد المجاز المشهور بقرينة، وفي هذه الحالة لا يوجد مانع من عدم تبادر المعنى الحقيقي؛ كما في جميع حالات الاستعمال في المعنى الحقيقي. يذكر الميرزا الرشتي هذا الوجه، متغاضياً عن دليله الأول (نفسه، ٧٣؛ الحائري الأصفهاني، نفسه: ٣١). وهذه الإجابة أيضاً ناتجة عن فهم ناقص للمجاز المشهور؛ فالفارق الوحيد بين المجاز المشهور وأنواع المجاز الأخرى هو عدم حاجته إلى قرينة. فالشهرة ليست قرينة لتبادر المعنى المجازي، بل هي أرضية لنشوئه.

هـ) المجاز المشهور وإن استُعمل بدون قرينة، إلا أنه كغيره من المعاني المجازية، يُراد في ضوء تبادر المعاني الحقيقية، وبعبارة أوضح، له تبادر ثانوي. وقد نقل المحقق الرشتي هذه النظرية ونقدها (الرشتي، نفسه: ٧٣). ويبدو أن أفضل توجيه للمجاز المشهور هو هذا الرأي نفسه. وفي هذا الصدد، نأخذ بعين الاعتبار الحالات المختلفة لتقارن الشهرة بالمعنى المجازي:

1. أن يكون المعنى المجازي المقرون بالشهرة قرينة وقيداً للتبادر. وهذا الفرض باطل؛ لأن الشهرة لا يمكن أن تكون رابطاً بين المجاز والحقيقة؛ كما هي المشابهة والجزئية وغيرها من القرائن. وعلى فرض قبول هذه القرينة، يُعامل هذا المجاز كغيره من المجازات، ولا يوجد دليل آخر لتطبيق فارق بينه وبين سائر المجازات.

2. أن يكون المعنى المجازي في بستر الشهرة متبادراً إلى الذهن. وهذا الفرض لا يتم إلا حيث ينتقل الذهن من مجرى تبادر المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي. وفي غير هذه الحالة، سيكون اللفظ مشتركاً بين معنيين حقيقيين مستقلين عن بعضهما ولا يحتاجان إلى قرينة صارفة.

3. أن يتبادر المعنى المجازي المستند إلى عرف خاص للمتكلم إلى الذهن. وهذه هي الحقيقة الشرعية في خصوص ألفاظ الشارع، ولا علاقة لها بالمجاز المشهور. فمثلاً، لو قلنا إن الأوامر في لسان الشارع المقدس وأهل البيت شائعة في الاستحباب، فلا يمكن حملها على الوجوب لهذا السبب (الخاتون آبادي، الرسائل الفقهية ١٤١١: ٢/ ٣٧٢).

4-3. عدم وجود وصف المانعية في التبادر ودراسته

الإشكال الآخر للتبادر هو وجوده في جزء المعنى، والفرد، ولازم المعنى، والمجاز المشهور؛ بينما لا يُعد أي من هذه المعاني معنى حقيقياً للكلمة. فبالنسبة للمجاز المشهور، يرى البعض أن إشكاله يكمن في عدم مانعية التبادر (الفاضل الأردكاني، نفسه: ٣٢)؛ لأنه في هذه الحالة، يكون المعنى المجازي هو المتبادر إلى الذهن. ويرى البعض أن هذا الإشكال أهم من إشكال الجامعية (الرشتي، نفسه: ٧٢). وقد أُشير سابقاً إلى بعض الإجابات، وقُدمت النظرية المختارة التي تُطبق في هذا البحث أيضاً. أما بالنسبة لشبهة التبادر في جزء المعنى، والفرد، ولازم المعنى، فمن الصعب تتبع تاريخ هذه الشبهة إلى ما قبل قرنين؛ رغم أن الاستدلال بالتبادر بالنسبة للجزء واللازم له تاريخ طويل ويُلاحظ في ذيل بحث دلالة الأمر على الوجوب أو مفهوم الشرط (مثال: البصري، نفسه: ١/ ٥١؛ الطوسي، العدة ١٤١٧: ١/ ١٧٢؛ البزدوي، نفسه: ١/ ٢١-٢٢). نعم، في مسألة تخصيص العام، بُحث ما إذا كان العام المخصص يُستعمل في الخاص على نحو الحقيقة أم المجاز. كان الشيخ الطوسي يرى أن شمول العام للأجزاء على نحو الحقيقة، ولكن حصر العام في الجزء مجاز (الطوسي، نفسه: ١/ ٣٠٨). وربما كان هذا البحث مقدمة لأن يتحدث البهبهاني، في ذيل بحث جريان أصل العدم لإحراز معنى الموضوع له، عن كيفية الوضع في أجزاء الموضوع. كان يرى أن الأجزاء وإن كانت داخلة في ماهية الموضوع له، إلا أنها لا تملك وضعاً مستقلاً (البهبهاني، نفسه: ٤٨٣). عدم اختصاص الأجزاء بوضع مستقل، مع تبادرها عند إطلاق اللفظ، أدى إلى ظهور هذه الشبهة، وهي أن التبادر يجري في غير معنى الموضوع له. وبدراسة المصادر الأصولية والفقهية، يبدو أن السيد المجاهد من بين الذين ابتكروا طرح هذه المسألة كشبهة؛ وإن كان تعبيره يُشعر بأن هذه الشبهة كانت رائجة قبله أيضاً (المجاهد، نفسه: ٦٨). وتُلاحظ هذه الشبهة في كتابات تلميذه المعاصر محمد تقي الأصفهاني (الأصفهاني، نفسه: ٤٥). وقد قُدمت عدة إجابات على هذه الشبهات:

أ) ترتب تبادر الجزء واللازم والفرد على المعنى المطابقي: اعتبر السيد المجاهد والبهبهاني تبادر الجزء مشروطاً بتبادر الكل؛ كما أن الوضع التبعي متحد مع الوضع الاستقلالي، فتبادر الجزء تابع لتبادر الكل، وليس أن يقع تبادران. ودلالة اللفظ على المعنى باعتبار مجموع الأجزاء هي دلالة مطابقة، وباعتبار بعض الأجزاء هي دلالة تضمن. فالمغايرة بين فهم الجزء وفهم الكل اعتبارية، لا ذاتية (المجاهد، نفسه: ٦٩؛ الأصفهاني، نفسه: ٤٥). وقد ذكر المحقق المجاهد هذه الإجابة نفسها بشأن الدلالة الالتزامية. فبرأيه، كما أن دلالة اللفظ على الجزء متأخرة عن فهم الكل، فإن فهم المدلول الالتزامي أيضاً مترتب على تبادر المدلول المطابقي؛ لأن المدلول الالتزامي ليس لازم اللفظ، بل لازم المعنى (المجاهد، نفسه: ٦٩-٧٠). وبتعبير صاحب الفصول، تبادر لوازم المعنى ليس ناشئاً عن إطلاق اللفظ، بل عن إطلاق المعنى (الحائري الأصفهاني، نفسه: ٣٤). وفي ادامه، اعتبر السيد المجاهد إرادة الفرد من المطلق أيضاً من باب الدلالة الالتزامية للمطلق (المجاهد، نفسه: ٧٠)؛ وهي دلالة، بتعبير صاحب الفصول، معلولة لأمور خارجة عن ماهية المعنى (الحائري الأصفهاني، نفسه: ٣٤).

ب) ترتب تبادر الجزء واللازم والفرد على واسطة: بخلاف السيد المجاهد وصاحب الفصول اللذين عالجا المسألة من منظور التمييز بين التبادر الحقيقي كتبادر من اللفظ وتبادر الجزء واللازم والفرد كتبادر من المعنى، يرى الفاضل الأردكاني أن الفرق يكمن في استناد التبادر الثاني إلى واسطة، وهي المعنى الحقيقي للفظ. وفي رده على رأي بعض المحققين الذين اعتبروا تبادر الجزء متقدماً على الكل، يرى أن ذلك ناتج عن الخلط بين الوجود الخارجي والذهني للجزء والكل (الفاضل الأردكاني، نفسه: ٣٢-٣٣).

4-4. احتمال استناد التبادر إلى القرينة ودراسته

طُرح احتمال استناد التبادر إلى القرينة، سواء في جانب احتمال وجود القرينة أو قرينية الموجود، في البداية كدليل على عدم وقوع المجاز من قبل أبو إسحاق الإسفراييني (٤١٨هـ). كان يرى أن وقوع المجاز يستلزم خللاً في التفاهم؛ إذ يُحتمل دائماً أن يكون اللفظ قد استُعمل في معناه المجازي وبقيت قرينته خفية (الشوكاني، نفسه: ١/ ٤٤). ويُستفاد من هذا الرأي أن الإسفراييني، في فرض احتمال القرينة، كان يعتقد بعدم تبادر المعنى الحقيقي؛ وهي نظرية طُرحت لاحقاً بشكل رسمي من قبل الآمدي في مسألة احتمال القرينية الموجودة في الدور بين الحقيقة والمجاز (الآمدي، نفسه: ٢/ ١٣٤)، وكذلك الفخر الرازي والإسنوي (٧٧٣هـ) في مسألة تعارض حالات اللفظ (الفخر الرازي، نفسه: ١/ ٣٥٢؛ الإسنوي، نفسه: ٢٠٧). وبناءً عليه، كان الأصوليون يرفضون رأي التوقف بسبب مفسدة انسداد باب التفاهم (التفتازاني، شرح التلويح على التوضيح ١٤١٦: ١/ ٧١). ربما يمكن اعتبار الفاضل التوني أول عالم شيعي طرح هذه الشبهة في منتصف القرن الحادي عشر وأجاب عليها (التوني، الوافية ١٤١٥: ٦٠)؛ في زمن بدأ فيه فكر الشكوكية منذ نصف قرن، وأدى امتزاجه بالمنهج النقدي البروتستانتي في تفسير النصوص إلى تشكيل النظرة الهرمنيوطيقية تدريجياً.

4-4-1. الشك في وجود القرينة

الشك في وجود القرينة هو أحد جوانب شبهة احتمال استناد التبادر إلى القرينة. يمكن تتبع هذه الشبهة من زاويتين: احتمال الاستناد إلى مطلق القرائن الخاصة أو العامة، واحتمال الاستناد إلى خصوص الشهرة. قُدمت إجابات نذكرها بترتيب تاريخي:

أ) استقراء موارد الاستعمال: بعد أن يرسم الميرزا القمي صورة بحث التبادر في خصوص رجوع الجاهل إلى موارد استعمال اللفظ، يشير أولاً إلى وجود بعض القرائن الخفية في الكلام وبعض المسلمات المؤثرة في ذهن المفسر، وباشتراط إحراز استناد التبادر إلى اللفظ نفسه، يعتبر تجريده من القرائن والمسلمات أمراً صعباً. ولإزالة احتمال وجود قرائن خفية، يشترط استقراء موارد الاستعمال، ولإزالة احتمال الاستناد إلى المسلمات، يشترط الرجوع إلى العرف الخالي الذهن (الميرزا القمي، نفسه: ١/ ١٣). قوبلت هذه الإجابة باعتراض الإمام الخميني؛ لأن الاستقراء لا يفيد العلم. وعلاوة على ذلك، لا يوجد دليل شرعي أو عقلي على إحراز الوضع من خلاله (الإمام الخميني، مناهج الوصول: ١/ ١٢٦-١٢٧). وقد نُقد هذا الإشكال، الذي يتعلق في الغالب بالقرائن العامة (نفسه، تهذيب الأصول: ١/ ٤١)، من قبل الشهيد الصدر في كتاب «الأسس المنطقية للاستقراء»، واعتبر الاستقراء دليلاً علمياً. كما يعتبر الميرزا هاشم الآملي (١٤١٣هـ) الاستقراء دليلاً عقلياً على إحراز استناد التبادر إلى حاق اللفظ (الآملي، نفسه: ١/ ٦٢).

ب) الاستناد إلى بقاء ظهور اللفظ: يرى محمد تقي الأصفهاني أن احتمال استناد التبادر إلى القرينة يكون مُخلاً عندما يكون مساوياً لاحتمال استناد التبادر إلى الوضع (الأصفهاني، نفسه: ٤٤). ولفهم مراد الأصفهاني، من الضروري تقديم هذه المقدمة: هل كاشفية التبادر عن الوضع بالدلالة العقلية ومشروطة بإحراز عدم الاستناد إلى القرينة، أم هي من باب ظهور اللفظ؟ في الحالة الأولى، بعروض الخلل والترديد في مقدمات الدليل العقلي، تبقى الكاشفية غير تامة؛ ولكن وفقاً للمعيار الثاني، ما دام الظهور العرفي للكلام لم يختل، فإن التبادر سيكون كاشفاً، وبما أن احتمال وجود القرينة لا يضر بظهور الكلام، فإن التبادر مستند إلى الوضع.

ج) عدم احتمال استناد إلى قرينة خفية: طرح الشوكاني هذه النظرية ويقول: «إن تجويز خفاء القرينة أخفى من السها» (الجوهري، الصحاح تاج اللغة: ٤/ ٣؛ الشوكاني، نفسه: ١/ ٦٦). ويقول صاحب الفصول، باختياره هذه النظرية، إن هذا الاحتمال، لندرته، لا يخدش الظن الذي هو المعيار في إثبات وضع الألفاظ (الحائري الأصفهاني، نفسه: ٣٣). وهذا الدليل كالدليل السابق، ومبني على استناد التبادر الحقيقي إلى ظهور الكلام.

د) الاستناد إلى أصل عدم القرينة: يقول صاحب الفصول في توضيح هذا الدليل: قبل الاستعمال، لم تكن هناك قرينة، ونستصحب عدم القرينة هذا إلى حالة ما بعد الاستعمال. ويستنتج أن الأصل في التبادر هو كونه وضعياً؛ إلا إذا ثبت خلافه (الحائري الأصفهاني، نفسه: ٣٣). ويقسم الفاضل الأردكاني هذا البحث إلى ثلاث حالات: الشك في نصب القرينة، والشك في التفات المتكلم إلى القرينة الموجودة، والشك في دور صارفية هذه القرينة، ويُجري أصل عدم القرينة في الحالتين الأوليين؛ وإن كان يتخلى تماماً عن هذا الدليل في النهاية ويعتبر التبادر تابعاً لبقاء ظهور الكلام (الفاضل الأردكاني، نفسه: ٣٦). قوبل الاستناد إلى أصل عدم القرينة باعتراض بعض المحققين (التبريزي، نفسه: ١٤٨-١٤٩؛ الآخوند الخراساني، نفسه: ١٩؛ الإمام الخميني، نفسه: ١/ ١٢٧). وبرأيهم، إن كان أصل عدم القرينة من باب الاستصحاب، فهو يختص بالأحكام والموضوعات الشرعية، وإن كان من باب سيرة العقلاء، فهذا الأصل لا يجري إلا حيث يكون هناك تردد في مراد المتكلم (الحكيم، حقائق الأصول: ١/ ٤٣؛ الخوئي، نفسه: ١/ ١١٥). ويقول المحقق الرشتي، تبعاً لأستاذه الخوئي والميرزا الشيرازي، في الرد إن أصل عدم القرينة، كغيره من الأصول اللفظية، يُستخدم لإحراز الحقيقة والمجاز (الشيرازي، نفسه: ١/ ٩٢)، ويضيف أن هذا الأصل، في الواقع، يرجع إلى أصالة عدم المانع، وهو أمر عقلائي وعرفي (الرشتي، نفسه: ٢٧٢). وفيما يتعلق بالمجاز المشهور، يقول المحقق الرشتي، ببيان هذه الشبهة وهي أن أصل العدم لا يجري إلا في الأمور الوجودية كاحتمال الوضع، لا الأمور العدمية، إن التبادر الإطلاقي للفرد من الكلي الطبيعي وإن كان مستنداً إلى عدم القرينة، إلا أن أصل عدم وضع على الفرد يتعارض مع أصل عدم وضع على الطبيعة، ويتساقط الأصلان (نفسه: ٢٧٣). الإشكال الأخير لا يختص بالمحقق الرشتي، وقبله طرح الميرزا الشيرازي هذا الإشكال في أحد أقسام التبادر الإطلاقي، وهو تبادر الفرد غير المحتاج إلى قيد من المعنى الكلي، وقبله (الشيرازي، نفسه: ١/ ٩٠-٩٢). على أي حال، يذكر المحقق الإيرواني مطلب الرشتي الأول باطمئنان أكبر. فبرأيه، إن العرف بمجرد أن يلتفت إلى إطلاق اللفظ على معنى خاص، يعتبر مراد سائر إطلاقات اللفظ هو نفس المعنى، ولا يلتفت إلى احتمال اعتماد اللفظ على قرينة. وهذا يعني أن العرف يعتبر الإطلاق الأول مستنداً إلى الوضع، ويعتبر مراد سائر الإطلاقات هو نفس هذا المعنى الظاهر حقيقة (الإيرواني، نفسه: ١/ ٢٥). وبصرف النظر عن البحث في مطلق القرائن، وفي خصوص قرينة الشهرة، قُدمت عدة إجابات، بعضها مشترك مع الإجابات السابقة. فمثلاً، يعتبر ابن همام والسيد المجاهد استناد التبادر إلى الشهرة نادر الوقوع ويقولان بقلة المجاز المشهور (الأمير بادشاه، نفسه: ١/ ٢٨٦؛ المجاهد، نفسه: ٦٩)؛ وإن كان الفاضل الأردكاني يرد هذا الادعاء في خصوص إرادة الفرد من الطبيعة (الفاضل الأردكاني، نفسه: ٣٧)، أو يرجح الميرزا الشيرازي حل مشكلة التبادر الإطلاقي عن طريق استصحاب العدم الأزلي للقرينة. ثم يعتبر إجراء أصل عدم القرينة أمراً عقلائياً؛ وإن كان، كما ذُكر، لا يقبله إلا في ثلاث حالات من التردد في استناد التبادر إلى كثرة الاستعمال، أو غلبة الوجود، أو كمال الوجود، ويرد استناد إلى أصل العدم في فرض احتمال تبادر الفرد غير المحتاج إلى قيد (الشيرازي، نفسه: ١/ ٩١-٩٣). وفي مقابل هذه الإجابات المتشابهة إلى حد ما، يقدم الميرزا الرشتي رأياً مميزاً يمكن، مع قليل من التعديل، اعتباره أفضل إجابة لجميع الاحتمالات. فهو يقول إن احتمال استناد التبادر إلى الشهرة، بالنظر إلى أن التبادر الإطلاقي مقيد بلحاظ الشهرة، هو أساساً محال؛ لأن الإنسان لا يمكنه أن يتردد في علمه الوجداني (الرشتي، نفسه: ٧٢). بالإلهام من هذا الرأي، يمكن الاقتراب من تلخيص وإعلان الرأي النهائي في هذه الشبهة؛ ببيان هذه المقدمة: إن التبادر الإطلاقي ليس بمعنى الشهرة كقرينة، بل بمعنى حصول التبادر في بستر الشهرة. فجميع المعاني التي يذكرها الميرزا الشيرازي للتبادر تعود إلى هذه السمة. وبهذا الفرض، سنقول: يحدث التبادر الإطلاقي عندما يلتفت الذهن إلى العلاقة بين المعنى الحقيقي والمجازي، وبعبارة أخرى، قبل تبادر المعنى المجازي، يكون المعنى الحقيقي هو المتبادر. وهذه النقطة موجودة في جميع حالات المعاني المجازية، وهي أمر وجداني تماماً ولا شك فيه. وبعبارة أخرى: يمكن الوصول إلى التبادر بثلاث طرق، وفي جميعها يكون أمراً وجدانياً لا يقبل الشك: ١. تحويل العلم الارتكازي إلى تفصيلي؛ ٢. الاستعلام من العالم بالوضع، كسؤاله أو الرجوع إلى قول اللغوي، شريطة أن يكون في مقام بيان المعنى الحقيقي للكلمات؛ ٣. استقراء موارد الاستعمال؛ كالرجوع إلى الكتاب والسنة وسائر المتون العربية أو دراسة أقوال اللغويين. الحالة الأولى مباشرة، والحالة الثانية بواسطة خبر الواحد مستندة إلى علم وجداني. وفي الحالة الثالثة، ينتفي احتمال القرائن الخاصة بالوجدان؛ وإن كان احتمال وجود قرائن عامة يبقى قائماً؛ ولكن بفرض حصول تبادر حقيقي من هذه الاستعمالات، لا يوجد دليل على نفيه.

4-4-2. الشك في قرينية الموجود

فرض احتمال قرينية الموجود، سواء بمعنى التردد في استناد المتكلم إلى الأمر الموجود كقرينة، أو بصرف النظر عن اليقين باستناد المتكلم إلى الأمر الموجود، التردد في حدود دوره كقرينة صارفة أو معينة، هو من المباحث الأخرى التي تستدعي العناية. يُستفاد من ظاهر كلمات بعض المحققين أن تبادر المعنى في مثل هذا الفرض لا يمكن أن يكون علامة للمعنى الحقيقي؛ لأن الاحتمالات متساوية ولا يتشكل ظهور للكلام (الأصفهاني، نفسه: ٤٤). وفي المقابل، بفرض ادعاء نوعية ملاك الظن في الظهورات، وبفرض قلة استعمال المجاز في المحاورات العادية، يمكن استنتاج أن التبادر في الاستعمال العرفي مستند إلى حاق الألفاظ (راجع: الفاضل الأردكاني، نفسه: ٣٦). بالنظر إلى ما تقدم، يتضح أنه بفرض حصول التبادر من حاق اللفظ، لا يبقى مجال للتردد في منشأ انتزاع التبادر.

الهوامش

1. تاريخ الوصول: ١٦ ديسمبر ٢٠١٣م؛ تاريخ المصادقة: ٢٥ فبراير ٢٠١٤م.

2. أستاذ مشارك في جامعة المصطفى العالمية (Mzarvandi@Gmail.com).

3. طالب دكتوراه في فرع التفسير وعلوم القرآن (المؤلف المسؤول) (Sayedmk60@Gmail.com).

Scroll to Top