الملخص
يعدّ تقوير رأس الإمام الحسين (ع) من الروايات العاشورائية التي ضاعفت من جسارة الأمويين على أهل البيت (ع). هذه الرواية التي وردت في مصادر القرن السادس والسابع، أي مقتل الحسين (ع) للخوارزمي وتذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي، بوصفها مصادر روائية-تاريخية ومناقبية، وليست من مصادر الدرجة الأولى، يمكن اعتبارها من المتفردات العاشورائية التي تستحق اهتمام الباحثين في هذا المجال. ويمثل توثيق هذه الرواية كنقلٍ من الأخبار التاريخية المسألة البحثية لهذا المقال. وقد تناول البحث الحالي هذه الرواية بمنهج تحليلي. ويُظهر مجموع النتائج أنه على الرغم من قلة المتفردات في هذين المصدرين، وفي الوقت نفسه، رحبت مصادر أخرى مثل نهاية الأرب للنويري ومرآة الجنان لليافعي وحتى المعاصرون بهذا النقل، إلا أنه على كل حال توجد شواهد تدعم قبول بعض المتفردات، خاصة فيما يتعلق بتقوير رأس الإمام الحسين (ع). وعلى الرغم من أن الكتب المذكورة لا تُعد من المصادر المتقدمة، إلا أن العثور على قرائن وشواهد من رواياتها المتفردة يمكن أن يكون محط تأمل وتحليل. إن عادة التقوير في النزاعات والصراعات، ووجود أخبار عن تقوير رؤوس بعض الشخصيات، والإشارة العابرة لبعض المؤلفين إلى التقوير، والاهتمام بضربة القضيب في مجلس يزيد، كلها تشير إلى وقوع هذا الفعل المنتهك للحرمة والمفجع، والذي يبرز مدى الفعل الجاهلي وغير الإسلامي للأمويين ويزيد من وحشيتهم في تاريخ حكمهم.
١. طرح المسألة
لا شك أن من تجليات المآسي الظالمة لحكم يزيد هي أحداث الكوفة والشام. فبعد تسيير قافلة الأسرى في اليوم الحادي عشر من المحرم من كربلاء نحو الكوفة، دخلوا المدينة في اليوم الثاني عشر من المحرم لقرب المسافة بينهما (المفيد، ١٤١٣هـ [أ]، ٢: ١١٤؛ الطبرسي، ١٣٩٠هـ، ٢٥١). ويبدو أن الأسرى قضوا ليلة الثاني عشر خلف أبواب الكوفة وخارج المدينة. ونتيجة للدعاية الأموية المسمومة ضد الإمام الحسين (ع) في الكوفة، ابتهج أهل الشام بهذا النصر وتوجهوا إلى الأزقة والأحياء لرؤية الأسرى، إلا أن خطب الإمام السجاد (ع) والسيدة زينب (س) وغيرهم (راجع: ابن طيفور، بلا تا، ٣٧-٣٩؛ المفيد، ١٤١٣هـ [ب]، ٣٢١-٣٢٤؛ الطوسي، ١٤١٤هـ، ٩١-٩٣) أدت إلى تعريف أهل الشام بآل البيت بشكل أفضل، وألحقت العار الأبدي بحكم الجور الأموي، وجعلت من أفعالهم الوحشية والمأساوية نقطة تحول في التاريخ، وسوّدت صحيفتهم أكثر من ذي قبل. وكان لدعاية اليزيديين، التي تعود جذورها إلى حكم معاوية، أثرها في أهل الشام أيضاً، حيث شرعوا في الرقص والاحتفال (الخوارزمي، بلا تا، ٦٨٦٧؛ الحسيني الموسوي، ١٤١٨هـ، ٢: ٣٧٩-٣٨١).
كما شهد مجلس يزيد إهانة وجسارة بحق الإمام وأهل بيته (الأندلسي، ١٤٠٤هـ، ٥: ١٢٤؛ الأصفهاني، بلا تا، ١٢٠؛ المغربي، ١٤٠٩هـ، ٣: ٢٦٧-٢٦٨؛ المفيد، ١٤١٣هـ [أ]، ٢: ١٢١)، وكان شرب الخمر والقمار أمام الرأس المطهر للإمام إهانة أخرى من يزيد، وقد ذكرت روايات المعصومين ذلك بمرارة في الشام (الصدوق، ١٤١٣هـ، ٤: ٤١٩؛ الصدوق، ١٣٧٨هـ، ٢: ٢٢، ٢٣؛ الشعيري، بلا تا، ١٥٤؛ المجلسي، ١٤٠٦هـ، ١٣: ٢٧٤؛ الحر العاملي، ١٤٠٩هـ، ٢٥: ٣٦٤؛ المجلسي، ١٤٠٣هـ، ٤٥: ١٧٦، ١٧٧؛ ٧٦: ٢٣٧). وفي النهاية، أضاف يزيد إلى صحيفته السوداء في التاريخ المشوش بسجنه لأهل البيت (الصفار، ١٤٠٤هـ، ١: ٣٣٧؛ ١: ٣٣٩؛ الصدوق، ١٣٧٦ش، ١٦٧-١٦٨؛ الفتال النيسابوري، ١٣٧٥ش، ١: ١٩٢). كما ارتكب ابن زياد سلوكيات منتهكة وغير لائقة تجاههم (سبط ابن الجوزي، ١٤١٨هـ، ٢٣١). ومن أفعال الأمويين الجسورة بحق رأس الإمام الحسين (ع) ما أشير إليه في بعض الروايات العاشورائية، ويعرف هذا الفعل بـ «التقوير».
إن ضرورة البحث في هذه المسألة تكمن في تحليلها كتقرير تاريخي-روائي، فإثباتها يمكن أن يضيف إلى وحشية الأمويين وجهلهم وفعلهم غير الإسلامي، وعدم إثباتها قد يكشف عن الوضع والجعل في الروايات التاريخية وعدم تحقيق الناقلين والمؤلفين في نقل الأخبار. يسعى البحث الحالي إلى دراسة هذا الفعل تحليلياً، والتحقق من صحته ومقدار اعتباره كخبر تاريخي مفجع. ومن هذا المنطلق، يتناول هذا المقال الأنواع المتعددة لهذه الرواية من منظور المصادر العاشورائية السنية والإمامية، وكذلك الاعتبار المضموني للرواية، مع التركيز على الأسئلة التالية ومناقشتها بأسلوب تحليلي: في أي المصادر ورد أول تقرير عن تقوير رأس الإمام الحسين (ع)؟ ما مدى اعتبار وصحة هذا التقرير؟ وعلى فرض وجود سند واعتبار، ما مدى قوة الأدلة المؤيدة أو النافية له؟
لم تُنشر أعمال كثيرة حول مصير الرأس المطهر للإمام الحسين (ع). فقد حلل رنجبر في مقالته «بحث حول مصير ومحل دفن الرأس المطهر للإمام الحسين (ع) ورؤوس الشهداء الآخرين» محل دفن شهداء كربلاء فقط (راجع: رنجبر، ١٣٨٩ش). كما اهتمت دراسات عاشورائية أخرى بمسألة دفن الرؤوس (راجع: پيشوائي، ١٣٩٦ش، ٢: ٥٨٩-٦٠٣؛ الريشهري، ١٣٩٥ش، ٢: ٣٧٩-٤٢١). ولكن بشكل عام، لم يُعثر في الأبحاث المنشورة، سواء كانت كتباً أم مقالات، على ما يركز على الإجابة عن المسألة التي يطرحها هذا البحث، أي «تقوير رأس الإمام الحسين (ع)».
ونتيجة لذلك، يسعى هذا البحث إلى الكشف عن أول مصدر لهذه الرواية، ومن ثم نقدها وتحليلها، ودراسة تواترها وأنواعها الروائية، وفي الختام، تحليل متنها بأدلة تاريخية وروائية متعددة، وتقديم استنتاجات جديدة في هذا الصدد.
٢. تخريج الرواية سنداً ومتناً
بالبحث في الكتب التاريخية أو حتى الحديثية المتقدمة، لا يمكن العثور على أثر لهذه الرواية في المصادر الأولية؛ ولكن من خلال تتبع المصادر والبحث في الكتب التاريخية، والكلامية، أو حتى الحديثية من الطبقة الثانية والمتأخرة، يبدو أن أول من نقل هذه الرواية في كتابه هو الخوارزمي في مقتل الحسين (ع) (ت ٥٦٨هـ) (الخوارزمي، بلا تا، ٢: ٥٨). كما تناولها سبط ابن الجوزي (ت ٦٥٤هـ) في تذكرة الخواص بتفصيل أكبر (سبط ابن الجوزي، ١٤١٨هـ، ٢٣٣). وكذلك النويري (ت ٧٣٣هـ) في نهاية الأرب (النويري، ١٤٢٣هـ، ٢٠: ٤٧٦) واليافعي (ت ٧٦٨هـ) في مرآة الجنان (اليافعي، بلا تا، ١: ١٠٩) قدّما متناً شبيهاً بالتقريرين السابقين. وقد وجدت هذه الرواية طريقها إلى المصادر الشيعية المتأخرة. كما استند إليها المتأخرون والمعاصرون من الشيعة، نظراً للمكانة البارزة لأصحاب الكتب المذكورة، في كتبهم، وإن كان بشكل عابر؛ ومن هذه الكتب شرح إحقاق الحق للحسيني المرعشي (ت ١٠١٩هـ)، (الحسيني المرعشي، بلا تا، ٣٣: ٧٠١)، ومدينة المعاجز للبحراني (ت ١١٠٧هـ)، (البحراني، ١٤١٣هـ، ٤: ١٠٣)، وناسخ التواريخ لسپهر (ت ١٢٩٧هـ)، (سپهر، ١٤٢٧هـ، ٣: ٦١)، والانتصار للعاملي (معاصر)، (العاملي، ١٤٢٢هـ، ٨: ٤٠٦)، ونفحات الأزهار للميلاني (معاصر) (الميلاني، ١٤١٤هـ، ١٩: ١٦٦).
لا يمكن الوصول إلى منظومة منظمة من الرواية إلا إذا أمكن تحديد مصادرها وفق منهج مكتباتي، ومع الأخذ في الاعتبار تواتر وأنواع الروايات، يمكن التوصل إلى قضايا أساسية لتوثيقها بناءً على القرائن، إلى جانب التوثيق القائم على الرواة. يعتمد البحث الحالي على هذه العناصر، وباستخدام منهج التأريخ القائم على المصدر، يتناول التوثيق والتحليل الشامل في هذا الخصوص:
كما ذُكر، سُجلت رواية التقوير من حيث الاعتبار في مصادر متزامنة تقريباً، مما يجعل دراسة أنواعها ضرورية.
أ) الخوارزمي (ت ٥٦٨هـ) يكتب:
«وَلَمَّا جِيءَ بِرَأْسِ الحُسَينِ إِلَى عُبَيْدِ اللهِ، طَلَبَ مَن يُقَوِّرُهُ وَ يُصْلِحُهُ، فَلَم يَجسر أحَدٌ عَلَى ذَلِكَ، وَ لَم يَحر أحَدٌ جَوَابًا، فَقَامَ طَارِقُ بنُ المُبَارَك1 فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَقَامَ بِهِ فَأَصْلَحَهُ وَ قَوَّرَهُ، فَنَصَبَهُ بِبَابِ دَارِهِ، وَ لِطَارِق هَذَا حَفِيدٌ كَاتِبٌ يُكَنَّى أَبَا يَعلِي، هَجَاهُ «العدوى» فَعَرضَ لَهُ بِذَلِكَ وَقَالَ:
عَمةُ اللَّهِ لَا تُعَابُ وَ لَكِن *** رُبَّمَا استقبحت عَلَى أَقوام
لَا يَلِيقُ الغنى بِوَجْهِ أَبِي يَعلِى *** وَ لَا نور بَهْجَةِ الإسلام
وَسخَ الثَّوبُ وَ العَمَامَةُ والبِرذُونُ *** وَ الوَجْهُ وَ القَفَا وَ الغُلَامِ
لا تسموا دَوَاته فَتُصِيبُوا *** مِن دِمَاءِ الحُسَينِ فِي الأقلام» (الخوارزمي، بلا تا، ٢: ٥٨)
ب) سبط ابن الجوزي (ت ٦٥٤هـ) أورد: «أنه لَمَّا حَضَرَ الرَّأْسُ بَينَ يَدَى ابن زياد أمَرَ حَجَّاماً فَقَالَ: قَوَّرَهُ فَقَوَّرَهُ وَ أَخْرَجَ لَعَادِيدَهُ وَ نَخَاعَهُ وَ مَا حَولَهُ مِنَ اللَّحْمِ فَقَامَ عمرو بن حريث المَحْزُومِي فَقَالَ: يا بن زياد، قَد بَلَعْتَ حَاجَتِكَ مِن هَذَا الرَّأْسِ فَهَبْ لِي ما ألقيتَ مِنهُ، فَقَالَ: مَا تَصْنَعُ بِهِ؟ فَقَالَ: أَوَارِيهِ، فَقَالَ: خُذْهُ، فَجَمَعَهُ فِي مِطْرَف خَرٍّ كَانَ عَلَيْهِ وَ حَمَلَهُ إِلَى دَارِهِ، فَغَسَّلَهُ وَ طَيبَهُ وَ كَفَّنَهُ وَ دَفَنَهُ عِندَهُ فِي دَارِهِ، وَهِي بِالكُوفَةِ تُعرَفُ بِدَارِ الخز دار عمرو بن حريث المَحْزُومِی» (سبط ابن الجوزي، ١٤١٨هـ، ٢٣٣).
ج) النويري (ت ٧٣٣هـ) يكتب أيضاً كأحد الأقوال في محل دفن الرأس:
«فَأَمَّا مَن قَالَ إِنَّهُ دُفِنَ بِدِمَشْقَ فَإِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّهُ لَمَّا قُتِلَ الحُسَينُ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ، وَ حُمِلَ رَأسُهُ إِلَى عُبَيْدِ اللهِ بنِ زِيَادَ بِالكُوفَةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَ قَصِدَ حَمَلَهُ إِلَى دِمَشْقَ، طَلَبَ مَن يُقَوِّرُهُ فَلَم يُجِبهُ إِلَّا طَارِقُ بنُ المُبَارك مَولَى بَنِي أَمَيَّةَ وَ كَانَ حَجَّامًا، فَفَعَلَ، وَقَد هَجَى أَبُو يعلى الكَاتِب، وَ هُوَ أَحَدُ أسبَاطِ طَارِق هَذَا، فَقِيلَ فِيهِ:
شَقَّ رَأْسِ الحُسَينِ جَدٌ أَبِي يَع *** لي وساط الدماغ بالإبهام» (النويري، ١٤٢٢هـ، ٢٠: ٤٧٦).
د) اليافعي (ت ٧٦٨هـ) في مرآة الجنان أورد تقريراً شبيهاً بالتقارير السابقة:
«ذَكَرُوا مَعَ ذَلِكَ مَا يَعِظُمُ مِن الزَّندَقَةِ وَ الفُجُورِ؛ وَ هُوَ أَنَّ عُبَيدَ اللَّهِ بنِ زِيَادٍ أَمَرَ أَن يُقوِّرَ الرَّأْسَ المُشَرِّفَ المُكَرَّمَ حَتَّى ينصبَ فِي الرُّمحِ، فَتَحامَى النَّاسُ عَن ذَلِكَ، فَقَامَ من بَينَ النَّاسِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ طَارِقُ بنُ المُبَارَك بَل هُوَ ابنُ المَشومِ المَدْمُومِ، فَقَوَّرَهُ وَ نَصَبَهُ بِبَابِ المَسجِدِ الجَامِعِ، وَ خَطَبَ خُطبَةً لَا يَحلُّ ذِكـرهــا» (اليافعي، بلا تا، ١: ١٠٩).
١-٢. التحليل الروائي للروايات
من الروايات الأربع المذكورة يمكن استخلاص النقاط التالية:
أ) طارق، بعد تقوير الرأس المطهر، نصبه على باب داره حسب رواية الخوارزمي، وعلى باب المسجد الجامع حسب رواية اليافعي، ويبدو أنه يمكن الجمع بينهما.
ب) حسب رواية سبط، دُفنت بقايا التقوير في دار عمرو بن حريث، ويبدو أن هذا هو سبب شهرة داره في الكوفة بسر عمرو بن حريث، بينما يبدو أن شهرة داره كانت بسبب صلب ميثم التمار (الثقفي الكوفي، ١٣٥٣ش، ٢: ٧٩٩).
ج) بناءً على رواية النويري، وعلى فرض إثبات دفن الرأس في دمشق، فإن التقوير تم بقصد حمله إلى دمشق بسبب طول المسافة. ورغم أنه لا حاجة لهذا الفرض، لأن المصادر، كما سيأتي، متفقة على رواية وجود الرأس عند يزيد.
٢-٢. دراسة لغوية واصطلاحية لمفردة التقوير
«قور» هو جذر كلمة «تقوير» التي هي على باب تفعيل في الثلاثي المزيد. المصادر اللغوية القديمة تعتبر أن مراد «قور» هو تدوير شيء (ابن فارس، ١٤١٠هـ، ٥: ٢٩)، والحفر، والقطع، والبتر، والفصل بين شيئين (الفراهيدي، ١٤٠٩هـ، ٥: ٢٠٥-٢٠٦؛ الزمخشري، ١٩٧٩م، ٥٢٧؛ ابن منظور، ١٤١٤هـ، ٥: ١٢٢؛ الطريحي، ١٣٧٥ش، ٣: ٤٦٤). ولأن هذا الفعل متعدٍ، يمكن أن يحدد المفعول به كقيد للفعل معنى الفعل بشكل أدق. على سبيل المثال، عندما يقال: قَوَّرتُ عَيْنَهُ، فهو للوقت الذي تُقتلع فيه العين من محجرها (الحموي، ١٩٩٥م، ٤: ٤١٠). أو حسب معنى ابن فارس، أي «تدوير الرأس» (ابن فارس، ١٤٠٤هـ، ٥: ٢٩)، فإنه إذا استُعمل في رأس طفل، يمكن أن يعني إصلاح شعر رأسه (ابن خلدون، ١٤٠٨هـ، ١: ٤٨٤).
كلمة «تقوير» في الاصطلاح إذا استُعملت للرأس، فستكون بمعنى إصلاح أو فصل شيء. وفي الروايات التي مرت، يصدق هذا المعنى.
استخدم الخوارزمي إلى جانب كلمة «تقوير» كلمة «يُصْلِحُهُ» و«فَأَصْلَحَهُ» (الخوارزمي، بلا تا، ٢: ٥٨)، والتي بقرينة الكلمة المصاحبة لها، سيكون معنى التقوير هو الإصلاح والترتيب. أما سبط ابن الجوزي، فبناءً على الرواية المنقولة، ينسب الفعل بالتفصيل إلى شخص حَجَّام، ويضيف قيوداً إلى عبارة «فَقَوَّرَهُ» بقوله: «و أخرَجَ لَعَادِيدَهُ وَ نَخَاعَهُ وَ مَا حَولَهُ مِن اللحم» (سبط ابن الجوزي، ١٤١٨هـ، ٢٣٣)، والتي بطبيعة الحال، بناءً على العطف الخاص على العام، ومع الأخذ في الاعتبار «من البيانية» في العبارة، فإنها تفيد إفراغ جميع لحوم داخل الرأس وكل ما يصدق على اللحم أو ما يشبهه. أما النويري، فقد استخدم الكلمة وحدها دون أي توضيح (النويري، ١٤٢٣هـ، ٢٠: ٤٧٦).
أما اليافعي، فقد سجل سبب التقوير بأنه لنصبه على الرمح (اليافعي، بلا تا، ١: ١٠٩)، والذي لا يبدو وجهه وارتباطه واضحين.
٣-٢. نقد المصادر وأسانيد الرواية
علم مصادر الرواية هو أداة آلية تستخدم لتوضيح كل كتاب من الكتب التي تتمحور حول الروايات، سواء كانت تاريخية أو حديثية، وبيان أسلوب ومنهجية كتابة كل منها مع ذكر هدفه. فيما يلي، سيتم تحليل المصادر الأولى للرواية قيد الدراسة:
١-٣-٢. تحليل ودراسة المصادر
من بين المصادر التي نقلت رواية التقوير، وبسبب تداخل المحتوى، سيتم التركيز على دراسة المصدرين الأولين، أي مقتل الخوارزمي وتذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي.
١-١-٣-٢. مقتل الحسين (ع) للخوارزمي
الموفق بن أحمد بن محمد البكري المكي الحنفي، المعروف بأخطب خوارزم، ولد حوالي عام ٤٨٤هـ وتوفي عام ٥٦٨هـ (الخطيب البغدادي، ١٤١٧هـ، ١٥: ٣٥٠؛ القفطي، ١٤٢٤هـ، ٣: ٣٣٢). المعلومات عن حياته قليلة، وقد سافر في طلب الحديث إلى مناطق فارس والحجاز ومصر والشام، وكان له مراسلات مع علماء عصره، وقد أجازوه بنقل الحديث، كما أجازهم هو بذلك (الطباطبائي، ١٤١٦هـ، ٥٤٠). أثنى عليه الكثير من الشيعة وأهل السنة، فالخطيب البغدادي (الخطيب البغدادي، ١٤١٧هـ، ١٥: ٣٤٩) والعلامة الأميني (الأميني، ١٣٨٧هـ، ٤: ٣٩٨) وصفوه بأنه محدث ذو أسانيد غزيرة، وخطيب مفوه، وخبير باللغة العربية والسيرة والتاريخ (لمزيد من الاطلاع، راجع: الطباطبائي، ١٤١٦هـ، ٥٤١). كتاب مناقب أبي حنيفة للخوارزمي، الذي ألفه في فضائل أبي حنيفة، هو شاهد قوي على مذهبه، ومع ذلك، كان ميالاً للتشيع ومحباً لأهل البيت (راجع: رنجبر، ١٣٨٣ش، ١٠٧). ذكر شراحه أساتذة كثرين له في تلقي الرواية ونقلها، وقد ذكر العلامة الأميني أسماء ٣٥ منهم (الأميني، ١٣٨٧هـ، ٣٩٩-٤٠). وذكر آخرون أن العدد يصل إلى ٦٥ (الخوارزمي، ١٤١٤هـ، ٢٠١٨). وذكر العلامة أن تلاميذه بلغوا سبعة (الأميني، ١٣٨٧هـ، ٤: ٤٠١-٤٠٢)، وذكر آخرون أنهم تسعة (الخوارزمي، ١٤١٤هـ، ٢١-٢٢). ألف الخوارزمي خلال حياته أعمالاً في التاريخ والفضائل ومناقب أهل البيت، وردت أسماؤها في الكتب كالتالي: الأربعين في مناقب النبي الأمين ووصيه أمير المؤمنين (ع)، مناقب الإمام أبي حنيفة، مقتل أمير المؤمنين (ع)، مقتل الحسين (ع)، رد الشمس لأمير المؤمنين (ع)، (ابن شهر آشوب، ١٣٧٩هـ، ٢: ٣٥٠)، قضايا أمير المؤمنين (ع) (نفسه)، وغيرها (راجع: نفسه، ٢٣٢٢؛ الطباطبائي، ١٤١٦هـ، ٥٤٢-٥٤٣). منهج الكتاب تاريخي روائي، حيث تُعرض معظم الروايات والأخبار التاريخية بسلسلة سند. ربما يمكن اعتباره أول كتاب موجود ألف بشكل مستقل في موضوع مقتل الإمام الحسين (ع). محتويات المجلد الأول هي: فضائل النبي، خديجة، فاطمة بنت أسد، أمير المؤمنين (ع)، السيدة الزهراء (س)، الإمام الحسن (ع)، الإمام الحسين (ع)، أخبار النبي عن أحوال الحسين (ع)، الحوادث التي وقعت بين الإمام الحسين (ع) والوليد ومروان، أحداث مكة ورسائل الكوفيين وقتل مسلم بن عقيل وخروج الإمام من مكة ونزوله أرض الطف. والمجلد الثاني يشمل: قتل الإمام، عقوبة القاتل، زيارة تربة الإمام، المراثي المنقولة في شهادة الإمام، وانتقام المختار. معظم محتوى الكتاب من الفصل التاسع إلى نهاية الفصل الحادي عشر، الذي يبدأ من بيعة معاوية ليزيد وينتهي بشهادة الإمام الحسين (ع) وأصحابه في كربلاء، مأخوذ من كتاب الفتوح لابن أعثم، وقد صرح الخوارزمي بذلك مراراً في كتابه. في بعض المواضع، بعد نقل رواية ابن أعثم، يضيف حديثاً أو رواية أخرى ثم يتابع رواية ابن أعثم: «قال أحمد بن أعثم الكوفي» (الخوارزمي، بلا تا، ٢: ٢٠٢، …). الروايات المضافة عادة ما تكون روايات ينقلها الخوارزمي مسندة عن مشايخه. وقد قبل الخوارزمي الروايات والأخبار التي أوردها في هذا الكتاب، ويبدو أنه لم يشر إلى ضعف رواية إلا في موضع واحد نقلاً عن غيره (نفسه، ٢: ٤)، وفي باقي المواضع لم يقم بدراسة ونقد سند ومتن الروايات. لذلك، على الرغم من أن هذا الأثر يحظى باهتمام الشيعة ويعتمدون عليه، إلا أن بعض رواياته من وجهة نظر عقائدية شيعية تُعتبر مجعولة وغير قابلة للاعتماد (لمزيد من الاطلاع، راجع: ١: ٧٦، ح ٢٣، ١٣٢؛ ٢: ٤، ٦، ٩٨). يعد الاهتمام بتفاصيل الحادثة من السمات المهمة لمقتل الخوارزمي، فقد قدم الخوارزمي روايات كثيرة حول وقائع العشرة الأولى من المحرم، وفي هذا السياق نقل روايات الطبري وابن أعثم وبعض شيوخه، وبعض هذه الروايات لا توجد في أعمال أخرى. تفاصيل معركة أصحاب الإمام أو أسر أهل البيت هي من الروايات التي لا يمكن العثور عليها في مصادر أخرى (للاطلاع على أمثلة، راجع: نفسه، ٢: ٤٤-٤٥). نقل الخوارزمي بعض الروايات المتعلقة بعاشوراء عن محدثين يمكن رؤيتها في كتب أخرى، لكنه نقلها بسند خاص به عن المحدثين. ورغم إمكانية رؤية إضافات عليها. فقد أورد في كيفية دخول الأسرى إلى الكوفة: «عندما وصل الأسرى إلى الكوفة، خرج الناس لرؤيتهم وهم يبكون ويتألمون، ثم قال علي بن الحسين (ع) وهو مريض ومقيد بالسلاسل: هؤلاء يبكون علينا، فمن قتلنا؟» (نفسه، ٢: ٤٥). كما روى خطبة السيدة زينب (س) أمام يزيد بسند عن شيخ من بني تميم الكوفة (نفسه، ٢: ٧١) وخطبة الإمام السجاد (ع) أمام خطيب أمره يزيد بشتم الإمام الحسين (ع) وأبيه، مرسلة وبصيغة «روي» (نفسه، ٢: ٦٩؛ وللمزيد من الأمثلة، راجع: ٤٣-٤٩). دخول الأسرى إلى الشام من باب الساعات من الأمور التي التزم الخوارزمي بذكرها لأول مرة، ولم تنقلها مصادر أخرى سوى مصادر القرن العاشر والحادي عشر والثاني عشر (نفسه، ٢: ٦٨؛ وراجع أيضاً: الحسيني الموسوي، ١٤١٨هـ، ٢: ٣٨٠؛ البحراني، ١٤١٣هـ، ٤: ١٠٩؛ البحراني الأصفهاني، ١٤١٣هـ، ١٧: ٤٢٨). فضيلة يوم عاشوراء التي لا حدود لها على سائر أيام السنة في ثلاثة أحاديث (الخوارزمي، بلا تا، ٢: ١-٥)، التوسعة على العيال في يوم عاشوراء (نفسه، ٢: ٥، ح ٤ و ٥)، يوم عاشوراء هو يوم ولادة فاطمة (س) والحسن (ع) والحسين (ع) (نفسه، ٢: ٦)، وفرار ابني جعفر الطيار من معسكر ابن زياد (نفسه، ٢: ٥٨٥٤) هي من الروايات الأخرى التي تُرى لأول مرة في مقتل الخوارزمي.
٢-١-٣-٢. تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي
شمس الدين أبو المظفر يوسف بن حسام الدين قزاوغلي بن عبد الله، المعروف بسبط ابن الجوزي، ولد ببغداد عام ٥٨١هـ وتوفي بدمشق عام ٦٥٤هـ (العسقلاني، ١٣٩٠هـ، ٦: ٣٢٨؛ الذهبي، ١٤١٣هـ، ٢٣: ٢٩٧؛ البغدادي، ١٩٥١م، ٢: ٥٥٤). وقد اعتبره بعض علماء أهل السنة مثل ابن حجر والذهبي رافضياً وأكدوا على ذلك (العسقلاني، ١٣٩٠هـ، ٦: ٣٢٨؛ الذهبي، ١٤١٣هـ، ٢٣: ٢٩٧؛ الذهبي، ١٣٨٢هـ، ٤: ٤٧١). ويبدو أن سبب هذا القول هو تأليفه لكتاب تذكرة الخواص (الميلاني، ١٤١٤هـ، ١: ٩٩). لكن آخرين اعتبروه حنبلياً في البداية ثم أصبح حنفي المذهب (الصفدي، ١٤٢٠هـ، ٢٩: ١٢١). تذكرة الخواص هو أهم أثر لسبط، وهو كتاب في ذكر مناقب علي بن أبي طالب (ع) والأئمة الاثني عشر. يبدأ الكتاب بذكر نسب الإمام علي بن أبي طالب (ع) (سبط ابن الجوزي، ١٤١٨هـ، ١٤). وجه تسمية علي (ع)، كنيته (نفسه، ١٥-١٧)، إيمان أبي طالب (نفسه، ٢٠١٧)، أم وأبناء علي (ع) (نفسه، ٢٠-٢٣، ٦٠٥٧)، فضائل وخلقته النورية (نفسه، ٥١)، حديث غدير خم (نفسه، ٢٣-٥٦)، أيام خلافته (نفسه، ٦٠-١٠٤)، هي من موضوعات الأبواب المتعلقة بالإمام علي (ع). وفي الأبواب التالية حتى نهاية الكتاب، يتناول حياة الأئمة (ع) وأوصافهم وفضائلهم (نفسه، ١٠٥-٣٣٧). نقل سبط ابن الجوزي روايته دون سند، وهي تشبه إلى حد كبير الروايات القصصية، لذا يمكن تشبيهها برواية السيد ابن طاووس التي لا تذكر سلسلة الأسانيد في نقل الأحداث، وتسعى إلى تقديم نص موحد ومختار من الأخبار التاريخية. لذلك، يبدو أن منهج سبط ابن الجوزي تركيبي وليس روائياً؛ رغم أنه استعان بعبارات تدل على طرق تحمل الحديث، مثل «أخبرنا» (نفسه، ١٩، ٢٢، ٣١، ٥٢، ٢٤٠، …)، «حدثنا» (نفسه، ٤٠)، «قرأت على» (نفسه، ١١٤، ١٤٦، ٣٣٠، ٣٣١)، «سماعاً» (نفسه، ٢١)، «إجازةً» (نفسه) وغيرها. الجزء الأكبر من روايته مأخوذ عن هشام بن محمد الكلبي (ت ٢٠٤/٢٠٦هـ). يروي سبط ابن الجوزي، مثل الطبري، جميع روايات أبي مخنف عن طريق هشام بن محمد الكلبي (راجع: نفسه، ٢٢٠، ٢٢١، ٢٢٤، ٢٢٩، ٢٣٠، ٢٣٢، ٢٣٤، ٢٣٦، ٢٣٨)، ويبدو أن أبا مخنف كتب هذه الروايات وأضاف هشام بعض الروايات إليها ورتبها ترتيباً جديداً، ثم قام أشخاص مثل الطبري وسبط بنقل مقتل أبي مخنف من كتابة هشام في تاريخهم؛ لأن الطبري وسبط ينقلان مباشرة عن هشام، بينما توفي هشام في عام ٢٠٤ أو ٢٠٦هـ (ابن النديم، بلا تا، ١٠٨؛ الذهبي، ١٣٨٢هـ، ٣: ٣٠٥)، وتوفي الطبري عام ٣١٠هـ (الذهبي، ١٣٨٢هـ، ٣: ٤٩٩؛ ابن خلكان، بلا تا، ٤: ١٩١)، وسبط عام ٦٥٤هـ (الذهبي، ١٤١٣هـ، ٢٣: ٢٩٧). بالطبع، ينقل أحياناً من المتقدمين عن ابن إسحاق (سبط ابن الجوزي، ١٤١٨هـ، ٢٢٠)، والواقدي (نفسه، ٢٢٤، ٢٢٧، ٢٣٢، ٢٤٠)، والمدائني (نفسه، ٢٢٩، ٢٣٠، ٢٣٢، ٢٤٤)، والشعبي (نفسه، ٢٣٠، ٢٣١، ٢٣٨، ٢٣٩، ٢٤١، ٢٤٤)، وابن أبي الدنيا (نفسه، ٢٣٢، ٢٣٥)، وغيرهم. والجدير بالذكر أنه قدم في مقتله ثلاثة أسانيد كاملة في ثلاث روايات (نفسه، ٢٤٠، ٢٤١، ٢٤٦). في الباب التاسع من كتابه، بعد نقل رواية عن سيرة الإمام الحسين (ع)، يتناول سبط ابن الجوزي حركة مسلم بن عقيل والإمام الحسين (ع) وفي النهاية أحداث العراق. وبعد مقتل الإمام وذكر أولاده، يفتح فصلاً عن عقوبة قتلة الإمام، وفي النهاية يورد معلومات جذابة عن يزيد تستحق الاهتمام (راجع: نفسه، ٢١٠-٢٦٢). أما في طريقة نقله للمرويات، فيظهر أن منهجه، مثل بعض المؤرخين كابن سعد وابن عساكر وغيرهم الذين كتبوا المقتل بانحياز لبني أمية، لم يكن كذلك، بل حاول بفضل ولائه لآل بيت النبي (ص) أن يجمع الروايات التي ترسم الصورة السوداء لبني أمية في التاريخ. ما يمكن فهمه من منهج سبط ابن الجوزي هو أنه، مثل أقرانه، وإن كان يجل مقام إمامة المعصومين (ع)، إلا أنه كان يعارض بشدة خلافتهم وحكمهم، وهذا ما يمكن استنتاجه من خلال قراءة مفهومية وكلية للكتاب (للاطلاع على أمثلة، راجع: نفسه، ٢٢٦؛ ٢٣٨). ولكنه في الوقت نفسه كان يؤمن بسخافة أفعال يزيد وأتباعه ووقاحتهم وجرأتهم (نفسه، ٢٦١)، لأن عقيدته كانت كعقيدة جده ابن الجوزي، وإن كان يمكن من خلال دراسة الكتاب أن ندرك أن عقيدته أقرب إلى وجهة نظر التشيع من عقيدة جده. يبدو أن سبط ابن الجوزي نقل روايته بالمعنى أيضاً ومن مصادر شفهية. حتى ما ينسبه إلى كتاب معين لم ينقله من الكتاب نفسه، بل نقله بناءً على كلام آخرين عن ذلك الكتاب، وهو ما يبدو في الوهلة الأولى من متفرداته، ولكن بمقارنته بروايات أخرى، يمكن العثور عليها بصيغة مختلفة وفي مقتل سبط كنقل بالمعنى. على سبيل المثال، يمكن ذكر قضايا إرسال الرؤوس والأسرى إلى ابن زياد (سبط ابن الجوزي، ١٤١٨هـ، ٢٣٠-٢٣١؛ يُقارن مع الطبري، ١٣٨٧هـ، ٥: ٤٥٥)، وجسارة ابن زياد على الأسرى (سبط ابن الجوزي، ١٤١٨هـ، ٢٣١؛ يُقارن مع الطبري، ١٣٨٧هـ، ٥: ٤٥٧-٤٥٨)، وإقامة النساء العزاء ثلاثة أيام بأمر يزيد (سبط ابن الجوزي، ١٤١٨هـ، ٢٣٦؛ يُقارن مع ابن سعد، ١٤١٤هـ، خامسة ١: ٤٨٩)، وطلب رجل شامي هبة ابنة الإمام له (سبط ابن الجوزي، ١٤١٨هـ، ٢٣٨؛ يُقارن مع الطبري، ١٣٨٧هـ، ٥: ٤٦١-٤٦٢)، وخروج الدم من تحت الأحجار (سبط ابن الجوزي، ١٤١٨هـ، ٢٤٦؛ يُقارن مع ابن سعد، ١٤١٤هـ، خامسة ١: ٥٠٦)، وغيرها. بمقارنة هذه الأمثلة بمصادر مثل طبقات ابن سعد وتاريخ الطبري، يمكن استنتاج أنه لخص الروايات ونقلها بالمعنى. وبالطبع، يمكن اعتبار بعض تفرّداته قطعية بمقارنتها بالقرائن الموجودة في المصادر السابقة له. لكن بعضها الآخر يحتاج إلى نقد جاد. وبناءً على تتبع وتقييم الكاتب، فإن متفردات تذكرة الخواص الروائية هي ست روايات ونقوله التحريفية الأخرى التي يمكن تتبعها في المصادر التي سبقته هي ثلاث عشرة رواية، أي ما مجموعه تسع عشرة حالة. متفرداته هي روايات مثل أن الإمام الحسين (ع) كان يسعى وراء الحكم وشخصاً دنيوياً (سبط ابن الجوزي، ١٤١٨هـ، ٢١٧، ٢٢٦)، وأن العباس بن علي (ع) كان أول قتيل من بني هاشم (نفسه، ٢٣٠)، واسوداد وجه حرملة بن كاهل حامل رأس العباس بن علي (ع) (نفسه، ٢٥٣)، وعمى ابن عباس بعد شهادة الإمام (نفسه، ١٤١). ومن المتفردات الخاصة بسبط ابن الجوزي طلب الماء للطفل الرضيع (نفسه، ٢٢٧)، والتي حظيت اليوم بشهرة واسعة. لذا، في الرد على من يعتبر رواية التقوير متفردة،2 لا يقبلها، فإن رواية طلب الماء للطفل الرضيع، التي لا يمكن تتبعها في المصادر المتقدمة، يمكن طرحها على أساس أن كل رواية متفردة تحتاج إلى شواهد وقرائن، ومجرد التفرد ليس دليلاً على الجعل أو الضعف. أما سبط ابن الجوزي فقد نقل هذه الرواية من كتاب «مقتل عبد الله بن عمرو الوراق» المولود عام ١٩٧هـ (الخطيب البغدادي، ١٤١٧هـ، ١٠: ٢٨؛ السمعاني، ١٣٨٢هـ، ١: ٩٥) والمتوفى عام ٢٧٤ (الخطيب البغدادي، ١٤١٧هـ، ١٠: ٢٨؛ السمعاني، ١٣٨٢هـ، ١: ٩٥؛ الذهبي، ١٤١٠هـ، ٢٠: ٣٧٧) أو ٢٧٧هـ (ابن الجوزي، ١٤١٢هـ، ١٢: ٢٦٣)؛ وهو كتاب غير موجود اليوم، وقد وثقه الخطيب البغدادي والسمعاني وابن الجوزي (الخطيب البغدادي، ١٤١٧هـ، ١٠: ٢٧؛ السمعاني، ١٣٨٢هـ، ١: ٩٤؛ ابن الجوزي، ١٤١٢هـ، ١٢: ٢٦٣). اسمه الكامل هو عبد الله بن عمرو بن عبد الرحمن بن بشر بن هلال الأنصاري البلخي الوراق. وقد وصفوه بأنه أديب ومؤرخ، ولد في بلخ وسكن بغداد (الخطيب البغدادي، ١٤١٧هـ، ١٠: ٢٨-٢٩؛ السمعاني، ١٣٨٢هـ، ١: ٩٤). نقل سبط ابن الجوزي في موضعين روايتين قصيرتين عن رأس الإمام، إحداهما التقوير والأخرى حضور الرأس أمام يزيد، من مقتله (سبط ابن الجوزي، ١٤١٨هـ، ٢٣٣ و ٢٣٩). وقد ذكره سبط في كلا الموضعين باسم «المقتل»، ويبدو أنه مقتل الإمام الحسين (ع). ونظراً لتاريخ وفاة الوراق وعدم ذكر سند حتى شهود رواية التقوير، فإن الرواية قيد البحث فاقدة للسند. ولكن بالنظر إلى المصدرين المهمين لرواية التقوير، أي مقتل الحسين (ع) للخوارزمي وتذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي في القرنين السادس والسابع، وتمسك المصادر اللاحقة بهما بمثل هذه الرواية، يمكن القول إنها من حيث المصدر والمؤلف كقرينة لقبول الرواية بحدها الأدنى قابلة للبحث والدراسة. لذلك، يجب الالتفات إلى كيفية الشواهد والقرائن الأخرى.
٣-٣. تحليل متن الرواية
المراد بـ «نقد المتن» هو دراسة ألفاظ ومفاهيم الرواية للتأكد من صدورها أو عدم صدورها، وهو يشمل الدراسات اللغوية والأدبية إلى جانب استكشاف السياقات الثقافية والاجتماعية لزمن صدور الرواية، وهذا النوع من الدراسات حول الصدور هو ما اشتهر بنقد المتن أو نقد المحتوى (لمزيد من الاطلاع، راجع: مهريزي، ١٣٨١هـ، ٣). ولا يعني النقد بالضرورة استبعاد رواية ما، فمن خلال الدراسة اللغوية لمصطلح النقد، يمكن تحديد قيمة المقولة قيد الدراسة، سواء من حيث القبول أو عدم القبول.3 فالرواية المذكورة، من خلال تحليلها في سياق وقوعها، تجد انسجامها المنطقي، وتتضح صحتها وسقمها.
١-٣-٣. الشواهد التاريخية لحادثة التقوير
على الرغم من أن هذه الرواية لم تُنقل في المصادر المتقدمة والمعتبرة، إلا أنه بصرف النظر عن فقدان السند الدقيق، توجد شواهد تاريخية على وقوع حادثة التقوير لا يمكن تجاهلها.
١-١-٣-٣. عادة التقوير في النزاعات
يبدو أن التقوير كان يُمارس كعادة تاريخية في الصراعات والنزاعات. ويبدو أن هذا الفعل الشنيع كان لغرضين: إما لتعذيب وكراهية وحقد على الشخص المذنب، أو لمنع تعفن وتلف لحوم داخل الرأس التي كان من الممكن أن تتحقق عند نقلها لمسافات طويلة؛ وربما كان الغرضان يتحققان معاً. في الماضي، عندما كان رأس مقطوع يُرسل ويُنقل إلى مكان آخر، كان ذلك بطبيعة الحال يتطلب بعداً مكانياً وزمانياً، لذا كانت الأجزاء اللحمية من الرأس تُفصل لمنع تعفنها. تكتسب هذه المسألة أهمية بالغة لأنه، حسب رواية، وصل الرأس المطهر للإمام الحسين (ع) إلى دمشق في اليوم الأول من صفر (البيروني، ١٤٢٢هـ، ٤٢٢). ومن الواضح أن رأس الإمام كان في طريقه من كربلاء والكوفة إلى الشام لمدة عشرين يوماً من اليوم العاشر من محرم إلى الأول من صفر. وإذا أضفنا إلى ذلك، حسب تحقيق أحد الباحثين بالاعتماد على الزيج والرياضيات، أن يوم عاشوراء يتوافق مع العشرين من مهر عام ٥٩ شمسي (في هذا الصدد، راجع: زماني قمشهاي، ١٣٨٣ش، ٦٥-٧٦)، فإن رأس المطهر لا بد أن يكون قد وصل إلى الشام في العاشر من آبان الموافق للأول من صفر. ويبدو أن درجة حرارة الجو في هذه الأيام وفي تلك المناطق الحارة مثل العراق حتى الشام تزيد من ضرورة هذا الأمر، خاصة إذا لم يكن وصول أهل البيت والرأس متزامناً، فإن طول مدة وصول أهل البيت إلى الشام وحضورهم ووجود الرأس المطهر في مجلس يزيد في السادس عشر من ربيع الأول [أي بعد ٦٦ يوماً من عاشوراء]، حسب رواية الطبري المتفردة في الكامل البهائي (الطبري الآملي، ١٣٨٣ش، ٦٣٦)، لا ينبغي إغفالها. النتيجة هي أنه في الماضي، عندما كان قطع الرأس لإحضاره إلى الحاكم الجائر أمراً شائعاً، فإن التقوير والإصلاح والترتيب يبدو طبيعياً وبديهياً، وللأسباب المذكورة كان أمراً مألوفاً. وبناءً على التوضيحات السابقة، من المحتمل أن يكون سبب عدم ذكر المقاتل الأخرى لرواية «تقوير» رأس الإمام الحسين (ع) في رواياتها هو أن الأمر كان مألوفاً وتقوير الرؤوس أمراً شائعاً، لذا لم يشعروا بالحاجة إلى الإبلاغ عنه.
أحد شواهد هذا الأمر كنموذج تاريخي هو تقوير رأس مروان بن محمد بن مروان بن الحكم عام ١٣٢هـ. فقد اكتفى الطبري وغيره من المؤرخين بالإخبار عن فصل رأس مروان دون الخوض في تفاصيل الواقعة (الطبري، ١٣٨٧هـ، ٧: ٤٤٢؛ ابن كثير، ١٤٢٢هـ، ١٠: ٤٦؛ ابن خلدون، ١٤٠٨هـ، ٣: ١٦٥). لكن البلاذري كتب عنه: «وَ لَمَّا نَفَضَ رَأس مَرْوَانَ وَ نَقَبَ لِيَخْرُجَ دِمَاغَهُ قَطَعَ لِسَانَهُ فَأَخَذَهُ هر، فَقَالَ صَالِحٌ: لَو لَم يرنَا الدَّهرُ مِن عَجَائِبِه إِلَّا لِسَان مَرْوَانَ فِي فَمِ هِرِّ، لَكَانَ فِي ذَلِكَ عبرَةٌ وَ مَوعِظَةٌ، ثُمَّ بَعَثَ بِرَأْسِهِ وَ خَاتَمِهِ مَعَ يَزِيدَ بنِ هَانِي الْكِنْدِي إِلَى أَبِي العَبَّاسِ، وَ هُوَ بِالحيرَةِ، فَنَصَبَهُ، وَ بَعَثَ بِه إِلَى خُرَاسَانَ» (البلاذري، ١٣٩٧هـ، ٩: ٣٢٣؛ وراجع أيضاً: ابن الطقطقي، ١٤١٨هـ، ١٤٦). أي عندما هزوا رأس مروان وثقبوه ليخرج مخه، قطعوا لسانه، فأخذته قطة وأكلته… ثم أرسلوا رأسه وخاتمه مع يزيد بن هاني الكندي إلى أبي العباس السفاح الذي كان في الحيرة، فنصب الرأس على رمح وفي النهاية أرسل إلى خراسان. كلمة «نفض» تدل على الهز للتنظيف من أي شيء (ابن فارس، ١٤٠٤هـ، ٥: ٤٦٢). وكلمة «نقب» تعني أيضاً ثقب وفتح أي شيء (الفراهيدي، ١٤٠٩هـ، ٥: ١٧٩؛ ابن فارس، ١٤٠٤هـ، ٥: ٤٦٥). استخدم اليعقوبي كلمة «قور» بدلاً من «نفض» أو «نقب». وقد نقل هذه الرواية هكذا: «… حــز رأسه، فَلَمَّا قَوَّرَ جَاءَهُ هِرٌ فَأَخَذَ لِسَانَهُ، وَ حملَ الرَّأْسِ إِلَى أَبِي العَبَّاسِ …» (اليعقوبي، بلا تا، ٢: ٣٤٦). أي قُطع رأسه، وعندما تم تقويره، جاءت قطة وأخذت لسانه، وفي النهاية أُرسل الرأس إلى أبي العباس. وقد صُورت كيفية قتل مروان وسحب لسانه في مصادر تاريخية أخرى (العمراني، ١٤٢١هـ، ٥٢-٥٣؛ ابن الأثير، ١٣٨٥هـ، ٥: ٤٢٦-٤٢٧). كان مكان قتل مروان في بوصير بمصر (اليعقوبي، بلا تا، ٢: ٣٤٦؛ الطبري، ١٣٨٧هـ، ٧: ٤٤١)، وأُرسل الرأس إلى أبي العباس السفاح في الحيرة، إحدى مدن العراق (البلاذري، ١٣٩٧هـ، ٩: ٣٢٣؛ وراجع أيضاً: ابن الطقطقي، ١٤١٨هـ، ١٤٦). المسافة بين بوصير، التي تقع شمال شرق مصر، والحيرة، التي تقع تقريباً في وسط جنوب العراق، تعادل عبور الأردن حالياً. إذن، نقل رأس مروان من بوصير إلى الحيرة، وهي آلاف الكيلومترات، كان يتطلب التقوير لمنع تعفن اللحوم داخل الرأس، وهذا أمر طبيعي وبديهي.
وفيما يتعلق بيحيى بن عمر العلوي وثورته عام ٢٥٠هـ، قيل أيضاً إنه عندما قُطع رأسه وأُرسل إلى دار محمد بن عبد الله الطاهري، كان قد تغير، فبحثوا عن شخص ليزيل لحمه ويقوره، ويخرج حدقته ولحم عنقه، لكن لم يجدوا أحداً. هرب القصابون، فبحثوا بين الجزارين الذين كانوا في السجن، فوجدوا واحداً ليقوم بذلك، لكن لم يرغب أحد في ذلك، إلا أحد عمال السجن الجدد يُدعى سهل بن صغدي، الذي قبل إخراج المخ والعينين، وقوره بيديه، ثم غسلوا الرأس بالصبر والمسك والكافور ووضعوه في القطن (الطبري، ١٣٨٧هـ، ٩: ٢٦٩؛ الرازي، ١٣٧٩ش، ٤: ٣٢٩). من البديهي أنه نظراً لعادة التقوير في النزاعات والصراعات، يُعتبر هذا الفعل أمراً جاهلياً وغير شرعي، ويجب اعتباره متناسباً مع الثقافة الجاهلية والعمل الوحشي والمذموم. بل يمكن إدراجه ضمن قانون «الثأر» غير الإسلامي عند العرب الجاهليين، وهو قانون يعني «الانتقام والدم الممتد» (راجع: عبدي ودادفر، ١٣٩٥ش، ٨٣)، حيث لم يكونوا يهدؤون حتى ينتقموا من عدوهم بأي شكل من الأشكال، بل كانوا يحرمون على أنفسهم النساء والعطر والخمر، ويعتقدون أن غليان الدم لا يهدأ إلا بالدم. وقد أنشد عبد العزى الشاعر الجاهلي شعراً يعكس هذا المفهوم: «إذا طلبنا ثأراً من قوم، لا نحلب ناقة حتى نشرب دماً» (البحتري، ١٩٦٧م، ٢٨). وعندما صدر أمر النبي وسائر المعصومين بحرمة المثلة بأعضاء الإنسان (ابن سعد، ١٤١٤هـ، ٥: ٦٨؛ اليعقوبي، بلا تا، ٢: ١٨٣؛ البلاذري، ١٣٩٧هـ، ٢: ٢٤٠، ٢٦٢؛ الطبري، ١٣٨٧هـ، ٤: ٥٤١؛ المفيد، ١٤١٣هـ [ج]: ٣٧٩، ٣٨٢، ٤٠٣، ٤٠٥) وحتى النهي عن المثلة بالحيوانات في التعاليم الدينية (راجع: الرضي، ١٤٠٧هـ، وصية [٤٧]، ٤٢٢)، فمن الطبيعي أن فعل التقوير إذا تحقق بغرض العداوة والبغضاء وروح الانتقام من أهل البيت، فإنه يعبر عن فعل جاهلي وعمل قاس ووحشي. على الرغم من أن الإسلام نجح في أمور مثل القضاء على الوثنية، ودفن البنات أحياء، والفساد والفجور، … ولم يتراجع العرب إلى الوراء، إلا أنه بعد النبي (ص) عادت روح سفك الدماء، والتعصب، والانتقام، والمنافسة، والحسد، والعداوة، والفخر بالنسب العربي، … وضربت جذورها من جديد، وحاولوا إظهارها بأشكال مختلفة من خلال تفسير عنيف للإسلام. يمكن ملاحظة ذروة هذه الروح في أداء الأمويين للتقاليد الجاهلية التي تركوها في عاشوراء (الأندلسي، ١٤٠٤هـ، ٥: ١٢٤؛ الأصفهاني، بلا تا، ١٢٠؛ المفيد، ١٤١٣هـ [أ]، ٢: ١٢١)، واعتبروها نتيجة لروح الوحشية والحقد الجاهلي. المآسي غير الإنسانية للأمويين في عاشوراء (راجع: ابن طاووس، ١٣٤٨ش، ١٣٢)، وحرة واقم ومذبحة اثني عشر ألفاً من أهل المدينة (البلاذري، ١٣٩٧هـ، ٥: ٣٢٥-٣٤٨؛ ابن أعثم الكوفي، ١٤١١هـ، ٥: ١٦٧-١٦٩)، وحادثة إحراق الكعبة (اليعقوبي، بلا تا، ٢: ٢٥١)، كلها حدثت بأمر يزيد. تأثير الأمويين في تفضيل العرب على العجم والقضاء على المساواة والأخوة مهد أيضاً لثقافة خطيرة، وهي ظهور تيار التعصب العربي باسم الشعوبية (المسعودي، ١٤٠٩هـ، ٢: ٢٦). لذلك، بالنظر إلى ما سبق، لا شك في وجود دوافع سياسية واجتماعية كثيرة للتحريف المتعمد للواقعة منذ البداية. ويمكن الإشارة على رأسها – وهو منشأ الكثير من التحريفات – إلى الحكم المزيف والاستبدادي للحزب الأموي على الأراضي الإسلامية لفترة طويلة نسبياً (راجع: رفعت، ١٣٩٩ش، ٦٣).
٢-٣-٣. استناد عبد الله بن علي وإشارته إلى تقوير رأس الإمام الحسين (ع)
أشار المسعودي، من المؤرخين البارزين والمتوفى عام ٣٤٦هـ، في كتابه مروج الذهب، ضمن أسر محمد بن مروان، إلى حدث تاريخي يستحق الاهتمام. فبعد مقتل مروان بن محمد عام ١٣٢هـ، أُسرت بناته وجواريه على يد عبد الله بن علي، عامل السفاح العباسي. وفي حوار بين إحدى بناته وعبد الله بن علي، طلبت العفو. فأجاب عبد الله: «لن أبقي منكم رجلاً ولا امرأة». ثم قال عبارات تستحق الاهتمام: «ألم يقتل عبيد الله بن زياد ابن الزنا مسلم بن عقيل بن أبي طالب في الكوفة؟ ألم يقتل يزيد بن معاوية حسيناً بن علي وأهل بيته على يد عمر بن سعد؟ ألم يأخذوا حرم رسول الله (ص) سبايا إلى يزيد، ولم يحملوا رأس الحسين أمامهم وقد ثقبوا دماغه بالرمح، وطافوا به على الرمح في المدن ونواحي الشام، حتى وصلوا به إلى يزيد، وكأنه رأس أحد الكفار؟ ألم يحتجزوا حرم النبي في مقام الأسرى، وجيش الشام الخشن والأجلاف يقفون يتفرجون عليهم، ويطلبون من يزيد أن يعطيهم حرم رسول الله (ص) إماءً؟ ألم يكن هذا إهانة لحق النبي (ص) وجسارة وجحوداً بحق الله عز وجل؟ فماذا أبقيتم من أهل بيتنا؟» (المسعودي، ١٤٠٩هـ، ٣: ٢٤٧؛ مع تغيير طفيف، راجع: ابن الأثير، ١٣٨٥ش، ٥: ٤٢٨). استخدم المتحدث في هذا القول عبارة «قَد ثُقِبَ دِمَاغُهُ» التي يمكن اعتبارها قرينة على التقوير. فبناءً على الرواية المذكورة، فإن نقل رأس الإمام قبل حضور حرم النبي (ص) إلى الشام تم في حالة تقوير لرأس الإمام، أي أن التقوير تم بعد شهادة الإمام وقبل وصول حرم رسول الله (ص)، وعُرض الرأس المقور في مدن الشام، وفي النهاية رآه يزيد أمامه. لذلك، لا يمكن أن يكون المراد بـ «قَد ثُقِبَ دِمَاغُهُ» هو القتل أو الضرب على رأس الإمام، كما استخدم ابن الأثير في الكامل كلمة «قد قرع» بدلاً من «قد ثُقب» (ابن الأثير، ١٣٨٥ش، ٥: ٤٢٨). لذلك، على الرغم من عدم ورود ذكر لمسألة التقوير في المصادر الأولية، إلا أن الاهتمام بالقرائن والشواهد دفع المؤرخين والمحدثين إلى ذكر مسألة التقوير في المصادر اللاحقة، وهو ما يُطلق عليه اصطلاحاً «التوسع في الحديث»، وهو كترميم مبنى تاريخي بناءً على الشواهد والمعلومات، والذي يُحتمل أن يكون صحيحاً، ولا يمكن اعتباره من قبيل الأخبار المجعولة والكاذبة.
٣-٣-٣. الالتفات إلى ضرب الأسنان الشريفة للإمام الحسين (ع) بالقضيب
نُقلت قضية ضرب يزيد بالقضيب في كتب الرواية والمقاتل المتعددة. فعندما خاطبت السيدة زينب (س) في الشام يزيد بن معاوية قائلة: «يا يزيد، أتضرب بقضيبك المنحني على [«ثغر» أو] ثنيتي أخي؟» (راجع: ابن طيفور، بلا تا، ٣٥؛ ابن أعثم الكوفي، ١٤١١هـ، ٥: ١٢٩؛ ابن الجوزي، ١٤١٢هـ، ٥: ٣٤١؛ الطبرسي، ١٤٠٣هـ، ٢: ٣٠٧، ٣٠٩؛ ابن نما الحلي، ١٤٠٦هـ، ١٠٠؛ ابن طاووس، ١٣٤٨ش، ١٧٩). رواية الاعتراض على ضرب «الثغر» أو «ثنايا» الإمام من قبل صحابة النبي (ص) واردة ومشهورة (راجع: البلاذري، ١٣٩٧هـ، ٣: ٢١٤، ٢١٥؛ الطبري، ١٣٨٧هـ، ٥: ٤٦٥؛ ابن أعثم الكوفي، ١٤١١هـ، ٥: ١٢٩؛ المفيد، ١٤١٣هـ [أ]، ٢: ١١٤؛ ابن الأثير، ١٣٨٥هـ، ٤: ٨٥). يطرح سؤال: لماذا ضرب يزيد «الثنايا»4 (راجع: الصاحب بن عباد، ١٤١٤هـ، ١٠: ١٨٠؛ ابن منظور، ١٤١٤هـ، ١٤: ١٢٣) وفي بعض الروايات «الثغر» (الفراهيدي، ١٤٠٩هـ، ٤: ٤٠٠؛ ابن فارس، ١٤٠٤هـ، ١: ٣٧٩) [أي السنين الأماميين] للإمام؟ يمكن العثور على الإجابة في رواية التقوير. «تقوير رأس الإمام الحسين (ع) المطهر» يظهر أن الجسارة على الرأس تضاعفت. عندما طلب يزيد الرأس المطهر للإمام مع أهل بيته من ابن زياد، قوروا رأس الإمام. إذن، قام ابن زياد بتسليم رأس الحسين (ع) إلى حَجَّام (أو دلاك، أي شخص يتعامل مع الدم) ليحلق ويفصل ويدور أجزاء لحم الرأس. وبالتالي، الإجابة على السؤال أعلاه هي أنه يمكن القول إنه بما أن الرأس المطهر لم يكن به موضع لحم، فقد ضرب يزيد في الشام بالقضيب على «الأسنان» (راجع: البلاذري، ١٣٩٧هـ، ٣: ٢١٤-٢١٦؛ الأصفهاني، بلا تا، ١١٩؛ الصدوق، ١٣٧٦ش، ١٦٥؛ الفتال النيسابوري، ١٣٧٥ش، ١: ١٩٠؛ ابن كثير، ١٤٢٢هـ، ٦: ٢٣٢؛ ابن عساكر، ١٤١٥هـ، ١٤: ٢٣٥؛ ٦٨: ٩٥) لأن الرأس كان «مقوراً»، ولكن هذا الاحتمال يحتاج إلى دراسة. نُقلت رواية ضرب القضيب على فم وأسنان أو شفتي الإمام بأشكال مختلفة. بعض المصادر تروي الحادثة في مجلس ابن زياد، حيث واجه ابن زياد اعتراض شخصين، أحدهما زيد بن أرقم (الدينوري، ١٣٦٨ش، ٢٦٠؛ البلاذري، ١٣٩٧هـ، ٢٠٧:٣؛ الطبري، ١٣٨٧هـ، ٥: ٤٥٦؛ الصدوق، ١٣٧٦ش، ١٦٥؛ المفيد، ١٤١٣هـ [أ]، ٢: ١١٤؛ الطوسي، ١٤١٤هـ، ٢٥٢؛ الطبرسي، ١٣٩٠هـ، ٢٥١؛ ابن نما الحلي، ١٤٠٦هـ، ٩٢؛ سبط ابن الجوزي، ١٤١٨هـ، ٢٣١؛ ابن الأثير، ١٣٨٥هـ، ٤: ٨١؛ ابن كثير، ١٤٢٢هـ، ٨: ١٩٠؛ ابن عساكر، ١٤١٥هـ، ٤١: ٣٦٥؛ ٦٨: ٩٥)، والآخر أنس بن مالك (سبط ابن الجوزي، ١٤١٨هـ، ٢٣١؛ المحلي، ١٤٢٣هـ، ١: ٢١٤؛ ابن نما الحلي، ١٤٠٦هـ، ٩١؛ الذهبي، ١٤١٠هـ، ٥: ١٦؛ الصالحي الشامي، ١٤١٤هـ، ١١: ٧٢؛ ابن كثير، ١٤٢٢هـ، ٦: ٢٣٢؛ ٨: ١٩٠؛ ابن عساكر، ١٤١٥هـ، ١٤: ٢٣٦). معظم هذه المصادر تتحدث عن الثنايا. بعضها يذكر الشفتين (سبط ابن الجوزي، ١٤١٨هـ، ٢٣١)، وبعضها يذكر الضرب على الثنايا مع اعتراض الصحابة على تقبيل النبي للشفتين في طفولة الإمام (البلاذري، ١٣٩٧هـ، ٣: ٢٠٧؛ ابن كثير، ١٤٢٢هـ، ٨: ١٩٠)، وبعضها يذكر أن ابن زياد ضرب الأنف (المحلي، ١٤٢٣هـ، ١: ٢١٤)، وبعضها يذكر إلى جانب الأنف، العينين والفم (ابن نما الحلي، ١٤٠٦هـ، ٩٢). أما اعتراض الشخصين في مجلس يزيد، فقد حظي أيضاً باهتمام المصادر. فمن بين المصادر الكثيرة، رواية أبي برزة الأسلمي كمعترض على يزيد هي الأكثر شيوعاً (ابن طيفور، بلا تا، ٣٤؛ ابن سعد، ١٤١٤هـ، خامسة ١: ٤٨٧؛ البلاذري، ١٣٩٧هـ، ٣: ٢١٤-٢١٥؛ الطبري، ١٣٨٧هـ، ٥: ٣٩٠؛ ابن أعثم الكوفي، ١٤١١هـ، ٥: ١٢٩؛ المسعودي، ١٤٠٩هـ، ٣: ٦٢؛ ابن شهر آشوب، ١٣٧٩هـ، ٤: ١١٤؛ ابن كثير، ١٤٢٢هـ، ٨: ١٩٢؛ ابن الجوزي، ١٤١٢هـ، ٥: ٣٤٢؛ ابن الأثير، ١٤٢٢هـ، ٤: ٨٥؛ ابن الأثير، ١٤٠٩هـ، ٥: ٤٣٤؛ ابن نما الحلي، ١٤٠٦هـ، ١٠٠؛ ابن طاووس، ١٣٤٨ش، ١٧٩). ونقلت بعض المصادر أيضاً رواية عن سمرة بن جندب (الخوارزمي، بلا تا، ٢: ٦٤؛ الحسيني الموسوي، ١٤١٨هـ، ٢: ٤٠٣)، بينما وفاته كانت عام ٥٨ (ابن عبد البر، ١٤١٢هـ، ٢: ٦٥٤؛ ابن الأثير، ١٤٠٩هـ، ٢: ٣٠٣؛ ابن الأثير، ١٣٨٥هـ، ٣: ٥٢٠؛ العسقلاني، ١٤١٥هـ، ٣: ١٥٠) أو ٥٩ (ابن الأثير، ١4٠٩هـ، ٢: ٣٠٣؛ الذهبي، ١٤١٠هـ، ٤: ٢٣٤؛ العسقلاني، ١٤١٥هـ، ٣: ١٥٠) أو بين عامي ٦٠ و ٦١ (الدينوري، ١٩٩٢م، ٣٠٥؛ الذهبي، ١٤١٠هـ، ٤: ٢٣٤؛ الحنبلي الدمشقي، ١٤٠٦هـ، ١: ٢٧٠)، ومن الطبيعي أن يكون حضوره في عام ٦١ مستبعداً (راجع: ابن الأثير، ١٤٠٩هـ، ٢: ٣٠٣). رواية أبي برزة الأسلمي أكثر تواتراً بكثير من زيد بن أرقم وأنس بن مالك في مجلس ابن زياد وسمرة بن جندب في مجلس يزيد. ورغم عدم وجود أي استبعاد لوقوع الفعل القبيح في كلا المجلسين واعتراض جميع هؤلاء الصحابة، إلا أن المسألة الأهم هي الضرب على الثنايا. ففي كلا مجلسي ابن زياد ويزيد، أكثر تعبير هو الضرب على الثنايا أو الثغر. فإذا كانت مسألة التقوير من قبل ابن زياد مسلمة، ففي مجلس يزيد بالتأكيد حضر رأس الإمام بحالة التقوير، ويكون الضرب على الثنايا أو الثغر طبيعياً، أما الضرب على الشفاه، إذا تم التقوير بالكامل، فسيكون بلا معنى. بالطبع، أورد البعض مثل سبط ابن الجوزي أن رأس الإمام «كَانَ مَخضُوبًا بِالسَّوَادِ»، ولكنه يكتب بعد نقل هذه العبارة: «قَالُوا وَ لَا يثبتُ فِي ذَلِكَ وَ أَنَّما غَيَّرته الشمس» (سبط ابن الجوزي، ١٤١٨هـ، ٢٣١). كما قال يزيد بعد الضرب بالقضيب: «مَا كُنتُ أَظُنُّ أَبَا عَبدِ اللَّهِ يبلغ هَذَا السِّنِّ. قَالَ: وَ إِذا لِحيتُهُ وَ رَأْسُهُ قَد فصل مِن الخِضَابِ الأسود» (ابن سعد، ١٤١٤هـ، خامسة ١: ٤٨٨؛ الذهبي، ١٤١٠هـ، ٥: ١٩). هذه العبارة تدل على أنه عندما أُحضر الرأس إلى مجلس يزيد، كانت المحاسن وبالتالي البشرة موجودة على وجه الإمام. والنقطة المهمة التي يجب مراعاتها هي أن كلمة «قَوَّرَه» وردت في عبارات المصادر، والتي يبدو أنها تشير إلى فصل أجزاء من حول العنق وما شابه لمنع التعفن والتلف، لكن حدود ذلك غير واضحة تماماً. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن نأخذ في الاعتبار أن الرأس المطهر للإمام وُضع أمام عدد لا يحصى من الناس ولم يشر أحد إلى قطع الشفاه، ومع ذلك، يجب الانتباه إلى أن عدم إشارة الرواة أو المشاهدين إلى الأحداث ليس دليلاً على عدم وقوعها، وعلى أي حال، يبدو أن هذه المسألة تواجه غموضاً. كما أنه من الطبيعي أن يؤدي جفاف الوجه والشفاه إلى رؤية الأسنان، لذا يمكن عدم قبول التقوير الكامل. بالطبع، توجد شواهد أخرى تتحدى هذه النقطة، وهو ما سيشار إليه. أما في مجلس ابن زياد، فمسألة التقوير والضرب أكثر إثارة للجدل. إذا كان حسب رواية سبط ابن الجوزي أنه عندما أحضر الرأس إلى ابن زياد أمر بالتقوير، فهذا يعني أن التقوير حدث قبل الضرب أو بعده، وهذا غير واضح تماماً. ولكن من عبارة: «لما حَضَرَ الرَّأْسُ بَينَ يدى ابن زياد أمَرَ حَجاماً فَقَالَ: قَوِّرَهُ فَقَوَّرَهُ»، يبدو أن فعل التقوير تم أولاً، ثم أحضر أهل البيت إلى مجلسه، وبعد ذلك تم الضرب. إذا كانت هذه المسألة مقبولة، فإن الضرب على الأسنان سيكون مسلماً به، والضرب على الشفاه أو الفم إذا كان التقوير كاملاً سيحتاج إلى دراسة. قد يعتبره البعض من باب المجاز، ولكن يبدو أن هذه الحالات ليست مجازية، بل أولاً، يمكن اعتبارها اختلافاً في فهم وتعبير الرواة، وأنهم استخدموا الألفاظ في معناها الموضوع له. فمراد الراوي من السن هو السن وليس الفم، لأن قصده نقل التاريخ والواقعة وليس خلق أثر أدبي. على سبيل المثال، إذا ضربت كرة وجه شخص ما وقام عدة أشخاص برواية ذلك، الأول يقول: ضربت الكرة أنف فلان، والثاني يقول: ضربت فمه، والثالث يقول: ضربت عينه، هذه ليست من قبيل المجاز، لأن المتحدثين لم يستخدموا الألفاظ في غير معناها الموضوع له، بل مرادهم من الأنف والفم والعين هو ذلك الجزء تحديداً وليس الوجه، لأن محور اهتمامهم هو ذلك الموضع من الجسد. وثانياً، إذا طرح أحدهم الفم حقاً وأراد السن، فقد ذكر الظرف وأراد المظروف، فالعلاقة هي المظروفية. وإذا قال الفم وأراد الشفة، فقد ذكر الكل وأراد الجزء، فالعلاقة هي الكلية. وإذا قال السن وأراد الشفة، فالعلاقة هي المجاورة. النتيجة هي أن هذه الروايات لا تدل على المجاز، بل ما رأوه نقلوه، أي أن كل شخص نقل الواقعة من زاوية رؤيته، أي أن فهم معظم الرواة كان السن، ربما لأنهم رأوا أسنان الإمام (ع) وبياضها، وهو ما لفت انتباههم. كما ورد في رواية عن أنس بن مالك أن ابن زياد أخذ قضيباً وضرب به على شفتي وأسنان الحسين (ع)؛ أسنان لم أرَ بجمالها؛ كأنها الدر (ابن عساكر، ١٤١٥هـ، ١٤: ٢٣٦). وكلمة «بين» في بعض الروايات جديرة بالاهتمام أيضاً، أي أن الضرب كان على الأسنان تحديداً. وقد نقل الطبري رواية مشابهة للبلاذري، كلاهما كتب أن الطبري أورد رواية أبي مخنف عن حميد بن مسلم عن ابن زياد، حيث كتب: «فَإِذا رَأْسُ الحُسَينِ مَوضُوعٌ بَينَ يَدَيْهِ، وَإِذا هُوَ يَنكُتُ بِقَضِيبٍ بَينَ ثنيَتَيهِ سَاعَه، فَلَمَّا رَآهُ زَيْدُ بنُ أرقم: لا ينجم عن نكته بِالقَضِيبِ، قَالَ لَهُ: اعل بهذا القَضِيبِ عَن هَاتَينِ الثَّنْيَتَينِ فَوِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَقَد رَأيتُ شَفَتَى رَسُولِ اللهِ (ص) عَلَى هَاتَينِ الشَّفَتَيْنِ يُقَبِّلُهُمَا» (الطبري، ١٣٨٧هـ، ٥: ٤٥٦ وراجع أيضاً: البلاذري، ١٣٩٧هـ، ٣: ٢٠٧؛ ابن الأثير، ١٣٨٥هـ، ٤: ٨١). أي كان رأس الحسين أمامه، يضرب بقضيب على أسنانه، فلما رأى زيد بن أرقم أن ابن زياد لا يكف عن الضرب، قال له: ارفع هذا القضيب عن هاتين الشفتين. بالطبع، أورد البلاذري «شفتين» بدلاً من «ثنيتين»، والذي يبدو أنه تصحيف بسبب تشابههما في الكتابة.
٤-٣-٣. الشاهد الروائي
أُشير إلى فعل التقوير المؤلم لرأس الإمام الحسين (ع) بتعابير أخرى في الروايات أيضاً. ففي أربع روايات صحيحة السند في كامل الزيارات لابن قولويه وروايتين صحيحة السند في علل الشرائع، تم التأكيد على أن ما حدث مشابه للحوادث التي وقعت لنبي يُدعى إسماعيل قد وقع أيضاً على الحسين بن علي (ع). القدر المتيقن من محتوى هذه الروايات الست هو أن الإمام الصادق (ع) قال: … إسماعيل ابن حزقيل النبي، أحد أنبياء الله، سلط عليه قومه، فكذبوه ثم قتلوه، وسلخوا جلد وجهه ورأسه، وفي تلك اللحظة حضر عنده ملاك يُدعى اسطاطائيل، وطلب أن يحقق أمنيته، فقال: أريد أن يصيبني من البلاء والمشقة ما يصيب الحسين (ع)، يجب أن أجعل الحسين (ع) أسوتي وقدوتي (ابن قولويه، ١٣٥٦هـ، ٦٥٦٤؛ الصدوق، ١٣٨٥هـ، ١: ٧٨). الكلمة المفتاحية المكررة تقريباً في كل الروايات الأربع هي هذا التعبير: «سَلَخُوا» أو «قَشَرُوا جِلْدَةَ وَجْهِهِ وَ فَرْوَةَ رَأْسِه». الكلمتان «سلخ» أو «قشر» مترادفتان (الفراهيدي، ١٤٠٩هـ، ٤: ١٩٨)، وكلمة «جِلْدَة» لبشرة الوجه (ابن منظور، ١٤١٤هـ، ٣: ١٢٥) وكلمة «فَرْوَة» لبشرة الرأس (الفراهيدي، ١٤٠٩هـ، ٨: ٢٨٧؛ ابن فارس، ١٤٠٤هـ، ٤: ٤٩٧) تُستخدمان. بصرف النظر عن المباحث المتقدمة في الأقسام السابقة، فإن مجموعة روايات ابن قولويه والشيخ الصدوق المذكورة تظهر أن التقوير تم بشكل كامل.
٥. الخاتمة
بناءً على ما ورد في تقييم الرواية قيد البحث، فإن النقاط التالية هي خلاصة هذا التحقيق:
١- رواية التقوير فاقدة لسند دقيق في المصادر السنية المتعلقة بالقرنين السادس والسابع، أي مقتل الخوارزمي وتذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي. ورغم أن سبط ابن الجوزي نقلها من كتاب المقتل لراوٍ بارز يُدعى عبد الله بن عمرو الوراق المتوفى عام ٢٧٤ أو ٢٧٧هـ، إلا أنه بسبب فقدان هذا الكتاب في المصادر الموجودة، لا يمكن العثور على سند دقيق لها.
٢- في مصادر مثل نهاية الأرب للنويري ومرآة الجنان لليافعي من مصادر القرن الثامن، نُقلت هذه الرواية أيضاً، ولكن من الطبيعي أن تكون هذه المصادر قد أخذتها ونقلتها من المصادر السابقة.
٣- ما يمكن استنتاجه من المصادر المذكورة هو أن مجمل رواياتها، بسبب وجود قرائن، يمكن الاعتماد عليها، وإن كانت متفرداتها تحتاج إلى تحليل ودراسة شاملة.
٤- رواية تقوير رأس سيد الشهداء (ع) يمكن الاعتماد عليها بناءً على الشواهد. كان هذا الفعل شائعاً في الحروب والنزاعات والصراعات، كما تثبت بعض الشواهد التاريخية هذا الأمر. وبالنظر إلى خبث الأمويين، سواء من حيث الحقد والعداوة مع بني هاشم، أو من حيث طول مسار الطريق ومنع تعفن اللحوم داخل الرأس المطهر، بصرف النظر عن الاعتقاد بطهارة جسد الإمام، فقد أقدموا على هذا الفعل الشنيع. بالإضافة إلى ذلك، يُعتبر هذا الفعل أمراً جاهلياً وغير شرعي، ويجب اعتباره متناسباً مع الثقافة الجاهلية والعمل الوحشي والمذموم. فبعد النبي (ص)، عادت روح سفك الدماء، والتعصب، والانتقام، والمنافسة، والحسد، والعداوة، والفخر بالنسب العربي، … وضربت جذورها من جديد، وحاولوا إظهارها بأشكال مختلفة من خلال تفسير عنيف للإسلام. يمكن ملاحظة ذروة هذه الروح في أداء الأمويين للتقاليد الجاهلية التي تركوها في عاشوراء، واعتبارها نتيجة لروح الانتقام والحقد الجاهلي للإسلام.
٥- كان للعباسيين استنادات في اعتراضهم على الأمويين بقتل الإمام الحسين (ع). أحد هذه الاستنادات حدثت خلال قتل مروان بن محمد بن مروان بن الحكم، والتي أُشير إليها بشكل عابر.
٦- بناءً على كيفية رواية ضرب القضيب على أسنان أو فم أو حتى شفتي الإمام الحسين (ع) في مجلس ابن زياد أو يزيد، فإنها تدل أيضاً على تقوير الرأس المطهر للإمام. ولا يمكن أن تكون رواية الفم والشفتين من قبيل المجاز بناءً على الأدلة القابلة للاستعادة في المنقولات.
المصادر
ابن أثير، أبو الحسن، أسد الغابة في معرفة الصحابة، بيروت، دار الفكر، ١٤٠٩هـ.
ابن أثير، الكامل في التاريخ، بيروت، دار صادر، ١٣٨٥هـ.
ابن أعثم الكوفي، أحمد بن علي، الفتوح، بيروت، دار الأضواء، ١٤١١هـ.
ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي، المنتظم، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤١٢هـ.
ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد، تاريخ ابن خلدون، بيروت، دار الفكر، ١٤٠٨هـ.
ابن خلكان، أحمد بن محمد، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق: إحسان عباس، لبنان، دار الثقافة، بلا تا.
ابن سعد، محمد، الطبقات الكبرى، طائف، مكتبة الصديق، ١٤١٤هـ.
ابن شهر آشوب المازندراني، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب (ع)، قم، علامة، ١٣٧٩هـ.
ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف، ترجمة: أحمد فهري زنجاني، طهران، جهان، ١٣٤٨ش.
ابن الطقطقي، محمد بن علي، الفخري، بيروت، دار القلم العربي، ١٤١٨هـ.
ابن طيفور، أبو الفضل بن أبي طاهر، بلاغات النساء، قم، مكتبة بصيرتي، بلا تا.
ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، بيروت، دار الجيل، ١٤١٢هـ.
ابن عساكر، علي بن حسن، تاريخ مدينة دمشق، بيروت، دار الفكر، ١٤١٥هـ.
ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، ١٤٠٤هـ.
ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات، نجف، دار المرتضوية، ١٣٥٦هـ.
ابن كثير الدمشقي، أبو الفداء إسماعيل، البداية والنهاية، بيروت، دار المعرفة، ١٤٢٢هـ.
ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت، دار الفكر، ١٤١٤هـ.
ابن النديم، محمد بن أبي يعقوب، الفهرست، تحقيق: رضا تجدد، بيجا، بينا، بلا تا.
ابن نما الحلي، جعفر بن محمد، مثير الأحزان، قم، مدرسة الإمام المهدي (عج)، ١٤٠٦هـ.
الأزدي، عبد الله بن محمد، كتاب الماء، طهران، مؤسسة مطالعات تاريخ پزشكي، ١٣٨٧ش.
الأصفهاني، أبو الفرج علي بن حسين، مقاتل الطالبيين، بيروت، دار المعرفة، بلا تا.
الأميني، عبد الحسين، الغدير في الكتاب والسنة والأدب، بيروت، دار الكتاب العربي، ١٣٨٧هـ.
الأندلسي، ابن عبد ربه، العقد الفريد، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤٠٤هـ.
البحتري، وليد بن عبيد، الحماسة، بيروت، دار الكتب العربي، ١٩٦٧م.
البحراني، سيد هاشم بن سليمان، مدينة المعاجز، قم، مؤسسة المعارف الإسلامية، ١٤١٣هـ.
البحراني الأصفهاني، عبد الله بن نور الدين، عوالم العلوم، قم، مؤسسة الإمام المهدي (عج)، ١٤١٣هـ.
البغدادي، إسماعيل باشا، هدية العارفين، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ١٩٥١م.
البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف، تحقيق: محمد باقر المحمودي، بيروت، دار التعارف، ١٣٩٧هـ.
البيروني، أبو ريحان، الآثار الباقية عن القرون الخالية، طهران، مركز نشر ميراث مكتوب، ١٤٢٢هـ.
الثقفي الكوفي، إبراهيم بن محمد، الغارات، تحقيق: جلال الدين حسيني أرموي، طهران، انجمن آثار ملي، ١٣٥٣ش.
الحر العاملي، محمد بن حسن، وسائل الشيعه، قم، مؤسسة آل البيت، ١٤٠٩هـ.
الحسيني الموسوي، محمد بن أبي طالب، تسلية المجالس وزينة المجالس، قم، مؤسسة المعارف الإسلامية، ١٤١٨هـ.
الحسيني المرعشي، سيد نور الله، إحقاق الحق وإزهاق الباطل، تعليق: سيد شهاب الدين المرعشي، قم، منشورات مكتبة آية الله المرعشي النجفي، بلا تا.
الحموي، شهاب الدين أبو عبد الله، معجم البلدان، بيروت، دار صادر، ١٩٩٥م.
الحنبلي الدمشقي، ابن العماد، شذرات الذهب، دمشق، دار ابن كثير، ١٤٠٦هـ.
الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي، تاريخ بغداد، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤١٧هـ.
الخوارزمي، موفق بن أحمد خطيب، المناقب، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، ١٤١٤هـ.
الخوارزمي، موفق بن أحمد خطيب، مقتل الحسين (ع)، قم، أنوار الهدى، بلا تا.
الدينوري، أبو حنيفة أحمد بن داود، الأخبار الطوال، قم، منشورات الرضي، ١٣٦٨ش.
الدينوري، أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، المعارف، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٢م.
الدينوري، عبد الله بن مسلم بن قتيبة، الإمامة والسياسة، بيروت، دار الأضواء، ١٤١٠هـ.
الذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام، تحقيق: عبد السلام تدمري، بيروت، دار الكتاب العربي، ١٤١٠هـ.
الذهبي، سير أعلام النبلاء، بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٤١٣هـ.
الذهبي، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، تحقيق: علي محمد البجاوي، بيروت، دار المعرفة، ١٣٨٢هـ.
الرازي، أبو علي مسكويه، تجارب الأمم، تحقيق: أبو القاسم إمامي، طهران، سروش، ١٣٧٩ش.
رفعت، محسن، «تحليلي نقادانه بر روايات عاشورايي سبط بن جوزي در تذكرة الخواص»، علوم حديث ٢٩، ١١١ (١٤٠٣): ٢٠٩-٢٢٦. doi:10.22034/HS.2024.50634.3305.
رفعت، محسن، «روايات عاشورايي بحار الأنوار علامه مجلسي در بوته نقد و بررسي»، مطالعات فهم حديث ٦، ١٢ (١٣٩٩): ١٦٣-١٩١. doi:10.30479/mfh.2020.2077.
رنجبر، محسن، «معرفي و بررسي مقتل الحسين (ع) نگاشتهي خوارزمي»، تاريخ در آينه پژوهش ١، ٤ (١٣٨٣): ١٠٣-١٣٤.
الزبيدي، محمد مرتضى، تاج العروس من جواهر القاموس، بيروت، دار الفكر، ١٤١٤هـ.
زماني قمشهاي، علي، «پژوهشي دربارهي تاريخ شمسي عاشورا»، تاريخ در آينه پژوهش، ٢(١٣٨٣): ٦٥-٧٦.
الزمخشري، محمود بن عمر، أساس البلاغة، بيروت، دار صادر، ١٩٧٩م.
سبط ابن الجوزي، يوسف بن قزأوغلي، تذكرة الخواص، قم، منشورات الشريف الرضي، ١٤١٨هـ.
سپهر، محمد تقي بن محمد علي، ناسخ التواريخ، مترجم: علي أشرف، قم، مدين، ١٤٢٧هـ.
السمعاني، أبو سعيد عبد الكريم بن محمد، الأنساب، حيدر آباد، مجلس دائرة المعارف العثمانية، ١٣٨٢هـ.
الشريف الرضي، محمد بن حسين، نهج البلاغة، قم، هجرت، ١٤٠٧هـ.
الشعيري، محمد بن محمد، جامع الأخبار، نجف، مطبعة حيدرية، بلا تا.
الصاحب بن عباد، إسماعيل، المحيط في اللغة، بيروت، عالم الكتاب، ١٤١٤هـ.
الصالحي الشامي، محمد بن يوسف، سبل الهدى، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤١٤هـ.
الصدوق، محمد بن علي، الأمالي، طهران، كتابچي، ١٣٧٦ش.
الصدوق، علل الشرائع، قم، كتابفروشي داوري، ١٣٨٥ش.
الصدوق، عيون أخبار الرضا (ع)، طهران، جهان، ١٣٧٨هـ.
الصدوق، من لا يحضره الفقيه، قم، دفتر انتشارات إسلامي، ١٤١٣هـ.
الصفار، محمد بن حسن، بصائر الدرجات في فضائل آل محمد (ص)، قم، مكتبة آية الله مرعشي نجفي، ١٤٠٤هـ.
الصفدي، صلاح الدين خليل، الوافي بالوفيات، بيروت، دار إحياء التراث، ١٤٢٠هـ.
الطباطبائي، سيد عبد العزيز، أهل البيت في المكتبة العربية، قم، آل البيت (ع)، ١٤١٦هـ.
الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج على أهل اللجاج، مشهد، مرتضى، ١٤٠٣هـ.
الطبرسي، فضل بن حسن، إعلام الورى بأعلام الهدى، طهران، إسلامية، ١٣٩٠هـ.
الطبري، عماد الدين، كامل بهايي، طهران، مرتضوي، ١٣٨٣ش.
الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري (تاريخ الأمم والملوك)، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، بيروت، دار التراث، ١٣٨٧هـ.
الطريحي، فخر الدين بن محمد، مجمع البحرين، طهران، مرتضوي، ١٣٧٥ش.
الطوسي، محمد بن حسن، الأمالي، تحقيق: مؤسسة البعثة، قم، دار الثقافة، ١٤١٤هـ.
العبدي، عيسى وسجاد دادفر، «تحول سنت ثأر در تاريخ اجتماعي عصر جاهليت»، تحقيقات تاريخ اجتماعي، ١١(١٣٩٦): ٧٩-١٠٠.
العسقلاني، أحمد بن علي، الإصابة في تمييز الصحابة، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤١٥هـ.
العسقلاني، لسان الميزان، بيروت، مؤسسة الأعلمي، ١٣٩٠هـ.
العمراني، محمد بن علي، الإنباء في أخبار الخلفاء، القاهرة، دار الآفاق العربية، ١٤٢١هـ.
الفتال النيسابوري، محمد بن أحمد، روضة الواعظين وبصيرة المتعظين، قم، رضي، ١٣٧٥ش.
الفراهيدي، خليل بن أحمد، كتاب العين، قم، هجرت، ١٤٠٩هـ.
القفطي، جمال الدين، إنباه الرواة على أنباه النحاة، بيروت، مكتبة عنصرية، ١٤٢٤هـ.
الكوراني العاملي، علي، الانتصار، بيروت، دار السيرة، ١٤٢٢هـ.
المجلسي، محمد تقي، روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه، قم، مؤسسه فرهنگي إسلامي كوشانبور، ١٤٠٦هـ.
المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار الجامعة لعلوم الأئمة الأطهار، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ١٤٠٣هـ.
المحلي، حميد بن أحمد، الحدائق الوردية في مناقب الأئمة الزيدية، تحقيق: مرتضى بن زيد محطوري، يمن، بينا، ١٤٢٣هـ.
المسعودي، علي بن حسين، مروج الذهب، قم، دار الهجرة، ١٤٠٩هـ.
المغربي، قاضي نعمان، شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار (ع)، تحقيق: محمد حسين حسيني جلالي، قم، جامعة مدرسين، ١٤٠٩هـ.
المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد [أ]، تحقيق: مؤسسة آل البيت (ع)، قم، كنگره شيخ مفيد، ١٤١٣هـ.
المفيد، الأمالي [ب]، قم، كنگره شيخ مفيد، ١٤١٣هـ.
المفيد، الجمل [ج]، تحقيق: علي مير شريفي، قم، كنگره شيخ مفيد، ١٤١٣هـ.
مهريزي، مهدي، «نقد متن (١) (پيشينه تاريخي)»، علوم حديث، ٢٦(١٣٨١): ٢-٣٠.
الميلاني، سيد علي، نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار، قم، مؤلف، ١٤١٤هـ.
النويري، شهاب الدين، نهاية الأرب في فنون الأدب، القاهرة، دار الكتب والوثائق القومية، ١٤٢٣هـ.
اليافعي، عبد الله بن أسعد، مرآة الجنان وعبرة اليقظان، بيروت، دار الكتب العلمية، بلا تا.
اليعقوبي، أحمد بن واضح، تاريخ اليعقوبي، بيروت، دار صادر، بلا تا.
الهوامش
1 لم يُعثر على شخص باسم طارق بن المبارك في مصادر أخرى. الجدير بالذكر أن هناك شخصاً بهذا الاسم في أواخر العصر الأموي، ولكن نظراً لاختلاف فترة وجوده، يبدو أنه لا يوجد دليل آخر سوى تشابه الأسماء (الطبري، ١٣٨٧هـ، ٦: ٥٣٢).
2 لنقد هذه المتفردات، راجع: «تحليل نقدي لروايات عاشوراء لسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص»، مجلة علوم الحديث.
3 إن ضرورة البحث في أي مجال من مجالات العلوم أمر لا يمكن إنكاره. ودراسة الرواية موضوع هذا البحث، بوصفها فاجعة مؤلمة ومحزنة في تاريخ الإسلام، ليست مستثناة من هذه القاعدة. ورغم أن تحليلها يتطلب أجواءً ثقيلة وحزينة، وقد تناول الكاتب تحليل رواياتها بقلب مفعم بالألم، إلا أنه رأى ضرورة دراستها كرواية تاريخية-روائية بناءً على القاعدة المذكورة. لذا، يعتذر الكاتب سلفاً عن أي تكدير لخاطر القراء، ويرى أن طرح مثل هذه المباحث لا يجوز إلا في الأوساط العلمية.
4 اعتبرت كتب اللغة أربعة أسنان ثنايا: السنان العلويان، والسنان الأدنى منهما، أي السنان السفليان من الفك البشري (الأزدي، ١٣٨٧ش، ١: ٢٢١؛ ابن منظور، ١٤١٤هـ، ١٤: ١٢٣؛ الزبيدي، ١٤١٤هـ، ١٩: ٢٥٧).