تحليل لإشكالية «الولاية الإذنية» في كتاب المكاسب للشيخ الأنصاري وأثرها في الفقه السياسي

الملخص

تمثل ولاية الفقيه المحور الأساسي للفقه السياسي الشيعي. ومن الطبيعي أن لا تكون بعض أبعاد وتفاصيل هذه النظرية محل إجماع، وأن يوجد خلاف في الرأي بين الفقهاء حولها. إن لتاريخ هذا البحث ومسار تطوراته والتعرف على الأفكار المحورية فيه دورًا هامًا في الفهم العميق لمضامينه. ومن نقاط التحول في طرح هذا البحث في الحوزات العلمية، بحث ولاية الفقيه للشيخ الأنصاري في كتابه المكاسب. ونظرًا لأن نظريات الشيخ الأنصاري، وخاصة كتابه المكاسب، لا تزال تعد من أركان الفكر الأصولي والفقهي الشيعي المعاصر، فمن الطبيعي أن يكون لآرائه وطريقة بحثه تأثير كبير على فهم الفقهاء المعاصرين لهذه النظرية. لم يطرح الشيخ هذا البحث بالطريقة التي يطرحها الفقهاء تحت عنوان «فقه الدولة» أو «الأحكام السلطانية»، بل اختار له قالبًا وأدبيات خاصة. يسعى هذا المقال إلى إثبات أن الأدبيات الغامضة والتصنيف غير المألوف الذي استخدمه الشيخ الأنصاري في هذا البحث قد تسبب في خلاف واسع في فهم مراده، مما أدى إلى أن يحمل بعض الفقهاء كلامه على ولاية الفقيه المطلقة، بينما يراه آخرون نافيًا لها. من جهة أخرى، أدى قبول هذا التصنيف والإطار لطرح هذه المسألة إلى نوع من الاضطراب والإجمال وعدم الانتظام في عرض مباحث الفقه السياسي في الحوزات العلمية. في هذا المقال، ومن خلال دراسة مقارنة لآراء شراح المكاسب، تم تحديد مواطن الخلاف في هذه المباحث واستكشافها، كما تم تحليل تأثير مباحث الشيخ الأنصاري على فهم بعض كبار فقهاء الأصول لولاية الفقيه.

المقدمة

تُعد ولاية الفقيه محور الفكر السياسي الشيعي في عصر الغيبة، وبفضل العلاقة الوثيقة بين هذه النظرية والنظام الكلامي الشيعي، تُعتبر أساس ومنطلق قيام الثورة والجمهورية الإسلامية في إيران. هذا البحث الفقهي ذو الأبعاد الكلامية العميقة، للأسف، لم يلقَ في أجواء الحوزات العلمية الاهتمام الكافي الذي يستحقه، ولم تُنقَّح أبعاده المختلفة. وبشكل خاص، لا يزال قسم من الحوزات العلمية، بمنهج خاص يتسم بـ«التحرز من السياسة»، يتجنب الخوض والتعمق في مباحث الفقه السياسي، ولا يتناول هذا البحث المهم في الفقه أصلًا؛ ولذلك، فإن أقصى ما يُطرح من هذه المباحث هو بنفس الإجمال التقليدي على هامش مطالب الشيخ الأنصاري. إلا أن هذا البيان المجمل لموقع الحكومة والأحكام الأساسية، يتسم بأدبيات غامضة، مغلقة، ومثيرة للخلاف، ولم يُعرض في إطار مقبول. على سبيل المثال، يعتبر أعلامٌ كالإمام الخميني وصاحب الجواهر ولاية الفقيه من بديهيات الفقه، ويرى كثير من الأعلام، ومنهم المحقق الكركي والنراقي، أنها إجماعية. هذا الادعاء بالبداهة يأتي في حين أن فقهاء كبارًا في الحوزة، مثل آية الله الخوئي والآخوند الخراساني والخوانساري، في الطرف المقابل، ينكرون مثل هذه الولاية، بل ويدّعون عكس ذلك، أي أن الرأي المشهور هو عدم ثبوت الولاية. كما أن التحقيق في ألفاظ مثل «الأمور العامة»، و«الأمور الحسبية»، و«الولاية المطلقة»، و«الولاية الاستقلالية»، و«الولاية الإذنية» يظهر أن هذه الألفاظ لم تكن لها معانٍ اصطلاحية متفق عليها وموحدة، وكان لكل فقيه فهمه الخاص لهذه المصطلحات. فكم من فقيهٍ ردّ رأي فقيه آخر بأدلة متعددة، بينما لم يفهم مقصوده أصلًا. إن تفاسير العلماء لآراء الفقهاء المعاصرين مليئة بالتناقض، وكل مجموعة من تلاميذ هؤلاء الفقهاء الكبار تقدم نظرية خاصة حول الآراء السياسية لأستاذها؛ بحيث إن نظريات أعلام مثل «الشيخ الأنصاري»، و«الآخوند الخراساني»، و«النائيني»، وحتى «السيد الخوئي» و«الشهيد الصدر» وغيرهم، هي محل خلاف، وكل تيار يقدم تعريفًا خاصًا لآراء هؤلاء الأعلام. هذا الأمر لا يليق أبدًا بفقه الشيعة الشامخ، الحيوي، والفاعل. وعلى الرغم من وجود الآثار المكتوبة لهؤلاء الأعلام، فإن وجود مثل هذه الاختلافات في آرائهم أمر غريب حقًا. لا شك أن تنقيح البحث بشكل واضح، وطرح جميع أبعاد مسألة ما، وتوضيح المصطلحات بشكل شفاف، يمكن أن يمنع وقوع مثل هذه الأحداث.

أ) تاريخ الفقه السياسي ومكانة بحث ولاية الفقيه للشيخ الأنصاري فيه

الحكومة وأحكامها هي أحد أبواب الفقه، ومنذ القدم، تناولها أهل السنة، وإن بشكل محدود، في كتب مثل «فقه الخلافة» و«الأحكام السلطانية» وغيرها. أما في الأوساط الشيعية، فبسبب المبنى الكلامي الخاص للشيعة في هذا الباب واختصاص الحكومة بالإمام المعصوم (ع)، وانتظار الظهور القريب للإمام المنتظر (عج)، وبسبب كون الشيعة الإثني عشرية في أقلية وعدم وجود أرض خاصة بهم ليقيموا فيها حكومتهم الشيعية، لم تُطرح مباحث الفقه السياسي بشكل مفصل لعدة قرون، وبطبيعة الحال لم يُكتب أثر مستقل خاص أو باب فقهي خاص بها؛ بل طُرحت النيابة العامة للفقهاء عن الإمام المعصوم (عج) كمسألة مشهورة أو حتى إجماعية، بشكل مجمل وإشاري، ضمن المسائل الحكومية العامة. في العصر الصفوي، مع تشكيل إيران الحديثة على أساس المذهب الشيعي الرسمي، طُرح سؤال مكانة الحكومة ومشروعيتها كسؤال جدي في ساحة الفقه الشيعي. كان المرحوم المحقق الكركي أول فقيه تناول هذا الباب بشكل رسمي، وأبدى رأيه فيه وإن باختصار. فقد طرح هذا البحث رسميًا من خلال طرح نيابة الفقهاء العامة وإجماعيتها. لكن بسبب عدم وجود مكانة اجتماعية لعلماء الشيعة، خاصة مع التوجه الصوفي السائد في الحكومة والمجتمع، والمنهج الأخباري الحاكم في الحوزة في الفترات اللاحقة، لم يُطرح هذا البحث بشكل مفصل أبدًا، وبطبيعة الحال لم تتوفر الأرضية الاجتماعية لتحققه. ونتيجة لذلك، على الرغم من وجود هذه النظرية والمباحث الهامشية حولها في المسائل الحكومية مثل «الوجوب العيني لصلاة الجمعة» و«الأراضي الخراجية» وغيرها، لم يُكتب أي أثر مستقل في الفقه السياسي مثل «الأحكام السلطانية» و«فقه الدولة»، وظلت تلك المباحث المتناثرة في الأبواب الاجتماعية والسياسية للفقه تُطرح بقليل من التفصيل الإضافي. إن تراجع التصوف، وهزيمة الأخباريين، وصعود القاجاريين الذين كانوا يفتقرون إلى المكانة الصوفية التي كانت للصفويين، كان سببًا في حضور العلماء بشكل أوسع وأكثر استقلالية في المجتمع. وأدى وقوع حروب إيران وروسيا، والبيانات والرسائل الجهادية، إلى توسع طرح مسائل الفقه السياسي في المجتمع. حتى قام المرحوم النراقي في كتاب «عوائد الأيام» لأول مرة بطرح بحث ولاية الفقيه كقاعدة فقهية، وطرح مباحث في حوالي خمسين صفحة في موضوع أحكام ووظائف الفقيه. وقد اعتبر في هذا القسم من كتابه، بأدبيات فقهية محكمة، واضحة، وقاطعة، وممزوجة بالنظام الكلامي الشيعي، أن الحكومة في عصر الغيبة هي من شأن الفقهاء. ورغم أن بحثه أدى إلى رواج بحث السياسة والولاية في الفقه، إلا أن هذا البحث ظل بحثًا فرعيًا في المباحث المتناثرة في الفقه. والنقطة المهمة في هذا البحث هي أنه لم يطرحه بموضوع «فقه السياسة» أو «فقه الولاية» كما يليق به، أي أنه لم يطرح المباحث الحكومية بمعزل عمن يتصدى لها ثم يحدد في ذيلها المتصدي؛ بل كان محور بحثه هو وظائف الفقيه وأحكامها، ولو لم يكن للفقيه مثل هذه الوظائف، لما أشار إلى الحكومة ووظائفها والمتصدي لها. كما هو الحال في مباحث الكثير من الفقهاء بعده الذين لا يقولون بولاية الفقيه. ثم جاء الشيخ الأنصاري في بحث المكاسب وبمناسبة شروط المتعاقدين، وتناول بحث الولاية على المحجورين، وبمناسبة هذا البحث، طرح بحث ولاية الفقيه كولاية الحاكم بشكل مفصل نسبيًا. ورغم أن بحثه لم يتناول بشكل خاص مسألة السياسة، بل تطرق إليها ضمنًا، إلا أنه أحدث تحولًا جديًا في أجواء الحوزة؛ فمن ناحية، كانت مكانة الشيخ الأنصاري في الحوزة عالية جدًا، ومن ناحية أخرى، سرعان ما تحول كتاب المكاسب إلى كتاب دراسي في الحوزة، وأصبح بحث ولاية الفقيه رسميًا جزءًا من المتون الدراسية الحوزوية. وبطبيعة الحال، اضطر الكثير من شراح المكاسب والأساتذة إلى البحث وإبداء الرأي فيه. هذا الأمر نفسه كان سببًا في انتشار هذا البحث في أجواء الحوزة. ورغم ذلك، كما سيأتي، فإن الأدبيات المغلقة والمعقدة للشيخ الأنصاري وطرحه لهذا البحث في قالب مصطلحين غير مألوفين نسبيًا هما «الولاية الاستقلالية» و«الولاية الإذنية» تسببا في استنباطات مختلفة من كلامه، وأديا إلى نشوء خلاف كبير في هذا الباب. بالطبع، النقطة المهمة في هذا الباب هي أن قالب بحث الشيخ الأنصاري قُبل بالكامل، وأن نوع الفقهاء الكبار بعده طرحوا بحث ولاية الفقيه في قالب «الولاية الاستقلالية» و«الولاية الإذنية». ورغم أن عددًا قليلًا من الأعلام، ومنهم المرحوم النائيني والإمام الخميني، غيروا إطار طرح البحث على الرغم من طرحه في حاشية المكاسب. فقد قسم المرحوم النائيني وظائف الفقيه المختلفة بنظرة حكومية إلى ثلاث فئات: وظائف المفتي، ووظائف القاضي، ووظائف الوالي، ثم بحثها بالتفصيل. حتى عصر المشروطة، طُرح بحث الفقه السياسي مرة أخرى من زاوية مشروعية أساس المشروطة، وكتبت رسائل كثيرة، منها رسالة «تنبيه الأمة» القيمة للمرحوم النائيني. وأدى الخلاف الشديد بين العلماء حول المشروطة وكيفية مشروعيتها إلى تعميق مباحث الفقه السياسي في أجواء الحوزة. ولكن للأسف، تناولت هذه الرسائل بشكل خاص بحث المشروطة، وظل بحث أساس مشروعية النظام السياسي يُطرح فيها ضمنًا. ومع هدوء قضية المشروطة والهزيمة المأساوية لأنصار هذه النظرية وميل حوزة النجف نحو التيار المعارض لتدخل العلماء في السياسة، تراجع البحث السياسي بشدة، وبطبيعة الحال، حدث نوع من ابتعاد العلماء عن السياسة. ورغم أن آية الله البروجردي في تلك الفترة في قم كان قائلًا بولاية الفقيه المطلقة، إلا أن الحوزات العلمية عمليًا لم تدخل السياسة والمباحث السياسية بشكل واسع، واكتفت بتلك الحواشي على كتاب المكاسب.

الخلاف غير المألوف في فهم مقصود الشيخ الأنصاري

على الرغم من كل عظمة الشيخ الأنصاري والمكانة الرفيعة لكتابه المكاسب، فإن بحث ولاية الفقيه في هذا الكتاب قد نُظم بطريقة جعلته ساحة للآراء، وأوجد خلافًا جديًا في مقصود كلام الشيخ بين الأساتذة وشراح المكاسب؛ بحيث يمكن القول إنه قلّما يوجد بحث في المكاسب قد أصابه مثل هذا الخلاف الواسع. ففي حين أن القسم الأعظم من شراح المكاسب والفقهاء الكبار يعتبرون الشيخ الأنصاري في كتاب المكاسب مخالفًا للولاية العامة للفقيه، فإن عددًا من كبار الأساتذة والشراح قد عنونوا نظرية الشيخ الأنصاري بعمومية ولاية الفقيه. فآية الله النائيني، ومكارم الشيرازي، والطاهري الخرم آبادي وغيرهم يعتقدون أن الشيخ الأنصاري في المكاسب قائل بالولاية المطلقة، وهذا غير الخلافات الجزئية في هذا الصدد حيث يكون لكل فقيه استنباطه الخاص من كلامه، وهو ما سيأتي لاحقًا.

ب) استعراض تحليلي لآراء الشارحين لنظرية الشيخ الأنصاري في المكاسب

طرح الشيخ الأنصاري بحث ولاية الفقيه في قالب الولاية الاستقلالية ولزوم الإذن. خلافًا للمباحث الأخرى التي عادة ما يفصّل فيها الشيخ الأنصاري ويضرب الأمثلة ويقسم الاحتمالات المختلفة في موضوع البحث، فإنه في هذا البحث لم يذكر أولًا أقسام الولاية المتصورة والمطروحة ويبين أحكامها المختلفة؛ بل ذكر نوعًا واحدًا فقط من الولاية، وهو «الولاية الاستقلالية»، وعرّفها بإيجاز، ثم انتقل بتغيير المسألة والمكلف إلى تكليف الناس. وكأنه يريد أن يبين مسألتين من تكاليف الفقهاء وتكاليف الناس. في هذا البحث، طُرح أولًا كمقدمة بحث اعتقادي-فقهي حول ولاية الأئمة (ع) وشأن ولايتهم، وبالمقابل، بُحث تكليف الناس تجاههم. ثم دخل الشيخ في صلب البحث وطرح تكليف الفقهاء في ذيل الولاية الاستقلالية، وأعلن رفضها بتأكيد شديد مع ذكر المثل المشهور «دون إثباته خرط القتاد». ولكن في مقابل هذا الرد للولاية الاستقلالية للفقهاء، فإنه يعتبر الناس مسؤولين أمام الفقهاء، ويقول بلزوم استئذانهم من الفقهاء في الأمور العامة والأمور المشكوكة. وقد اعتبر بعض شراح المكاسب في تحليل «لزوم استئذان الناس» أنه يلازم نوعًا من الولاية للفقهاء، وسموها «الولاية الإذنية». ولتسهيل البحث، يُستخدم هذا المصطلح الفقهي في هذا المقال، مع التأكيد على أن الشيخ الأنصاري لم يستخدم هذا المصطلح.

1. تصور العلاقة بين الولاية الإذنية والاستقلالية

يعرّف الشيخ الأنصاري في بحث الولاية الاستقلالية هذا النوع من الولاية بإيجاز. أما فيما يتعلق بالولاية الإذنية، فإنه يسكت عنها، لا يعرّفها ولا يضع لها اسمًا خاصًا. ولكنه بالنظر إلى موارد لزوم الإذن وموارد الولاية الاستقلالية، يلتفت إلى العلاقة بينهما، ويصورها كعام وخاص من وجه. «الولاية تتصوّر على وجهين: الأول: استقلال الولي بالتصرف مع قطع النظر عن كون تصرف غيره منوطاً بإذنه أو غير منوط به، ومرجع هذا إلى كون نظره سبباً في جواز تصرفه. الثاني: عدم استقلال غيره بالتصرف، وكون تصرف الغير منوطاً بإذنه وإن لم يكن هو مستقلاً بالتصرّف.» (الأنصاري، 1415هـ «ب»، ج3، ص546). أ) الولاية الاستقلالية: أي أن يتصرف بشكل مستقل، وهي إشارة إلى حيث يستطيع الفقيه أن يتصرف بشكل مستقل. ب) لزوم الإذن (الولاية الإذنية): أي إذا أراد غير الفقيه أن يتصرف، فيجب عليه أن يأخذ الإذن من الفقيه. بالنظر إلى علاقة العموم والخصوص من وجه بين مواردهما، تنشأ ثلاثة أقسام: الاستقلالية فقط: وهي الموارد التي يستطيع الفقيه أن يتصرف فيها بشكل مستقل، وغير الفقيه إما لا يلزم عليه (شهيدي، 1375هـ، ج2، ص326؛ قمي، 1413هـ، ج2، ص470) أو لا يستطيع (إيرواني، 1406هـ، ص154) أن يأخذ إذنًا؛ مثل القضاء الذي لا يستطيع غير الفقيه أن يأخذ إذنًا فيه. أو التصرفات في الأمور الشخصية على فرض القول بالولاية الشاملة للفقيه، حيث لا يلزم في هذه الموارد أن يأخذ الآخرون إذنًا من الفقيه. الاستقلالية – الإذنية: يستطيع الفقيه أن يتصرف بشكل مستقل؛ ولكن الآخرين أيضًا إذا أرادوا أن يتصرفوا، يجب عليهم أن يأخذوا إذنًا؛ مثل حفظ مال اليتيم. الإذنية فقط: كل من أراد أن يتصرف، يجب عليه حتمًا أن يأخذ الإذن من الطرف المقابل، مثل التقاص. من الواضح أنه في الولاية الاستقلالية، يكون الولي نفسه له ولاية على هذه الأمور، وبطبيعة الحال إذا كان بإمكانه شرعًا تفويضها للآخرين، فإن حق التفويض هو جزء من الولاية الاستقلالية. في الواقع، الولاية على الإذن هي جزء من الولاية الاستقلالية؛ مثلًا، كما أن الفقيه نفسه له الحق في إدارة الوقف، فإنه يستطيع أن يفوض إدارته لآخر وينصب له متوليًا. إذن، في كل الولايات الاستقلالية، توجد أيضًا ولاية على الإذن. (النائيني، 1373هـ، ج1، ص327). أما الولاية على الإذن بدون الولاية الاستقلالية أو بالتعبير المشهور «الولاية غير الاستقلالية»، فهي بطبيعتها حق محدود، وفقط في التصرفات المشروعة للآخرين التي تحتاج إلى إشراف، يمكن تصورها؛ مثل الولاية على الإذن في زواج البكر لأبيها.

2. مراد الشيخ الأنصاري من الولاية الاستقلالية

مراد الشيخ الأنصاري من الولاية الاستقلالية هو «السلطنة على أموال الناس وأنفسهم» أو ما يعرف بـ«الولاية الجامعة على الأموال والأنفس». (الأنصاري، 1415هـ «ب»، ج3، ص553). يثبت الشيخ مثل هذا المقام للأئمة المعصومين (ع)؛ ولكنه ينفيه بشدة عن الفقهاء. هذا المستوى من الولاية هو ولاية قصوى، وفهم العلماء لهذا المستوى من الولاية يستدعي الاهتمام. فقد طرح الفقهاء الكبار ثلاث مراتب وثلاثة مستويات من هذا النوع من الولاية، واعتبروا أن المقصود من الولاية الاستقلالية هو هذه الرتبة من الولاية. هذه المراتب هي: الولاية الجامعة المالكية: وهي أن يكون للفرد، مثل الله تعالى، ولاية وسلطة مالكية على نفس ومال المولى عليه، ويستطيع أن يفعل به ما يشاء؛ حتى أنه لا يكون ملزمًا بمراعاة أحكام الشرع في حقه. مثل أن يقتله متى شاء، أو يزوّج امرأة منه لشخص آخر دون مراعاة أحكام الشرع، وهكذا. يرى الشيخ عبد الكريم الحائري، بالاعتماد على بعض تصرفات أهل البيت (ع) الولائية، مثل أمر بعض الأصحاب بالدخول في تنور النار، أو أمر حيوان كالأسد بأكل شخص ما، أن هذا المقام ثابت لأهل البيت (ع)، وضمنيًا يرى أن مقصود الشيخ الأنصاري من الولاية الاستقلالية هو هذا النوع من الولاية. (آراكي، 1415هـ، ج2، ص19). الولاية الجامعة المالكية في نطاق الشرع: أي أن يكون للولي صلاحية القيام بأي تصرف في إطار أحكام الشرع، كما أن مالك المال له مثل هذه الصلاحية؛ مثلًا، يهب مال من يشاء لآخر، أو يطلق زوجة من يشاء ويزوجها لآخر، ولا يكون ملزمًا بمراعاة مصلحة الشخص أو نوع المجتمع. (الموسوي الخلخالي، 1425هـ، ص351). الولاية الجامعة المالكية في نطاق الشرع والمصلحة: أي مثل الأب الذي له ولاية على ابنه الصغير، يستطيع – في إطار الشرع – أن يقوم بأي عمل يكون فيه مصلحة له؛ مثلًا، يطلق زوجة شخص اختار زوجة غير صالحة، بدون رضاه، أو يزوجه من زوجة صالحة بدون إذنه، أو ينفق أموال الناس في طريق مصلحتهم – بدون رضاهم – وهكذا. يعتبر المرحوم الآخوند أن مقصود الشيخ من الولاية الاستقلالية هو هذا النوع من الولاية، ويعبر عنها بـ«الولاية على الأمور الجزئية». (الخراساني، 1406هـ، ص93). ومن المثير للاهتمام أن المرحوم الآخوند لا يثبت حتى هذا النوع من الولاية لأهل البيت (ع) أيضًا (نفس المصدر). بغض النظر عن المقصود الحقيقي للشيخ الأنصاري من المدى الأقصى لهذه الولاية، فإن المهم هو أن هذه المستويات الثلاثة من الولاية لا علاقة لها بالولاية السياسية؛ لأن الولاية السياسية تأتي في رتبة بعدها، وتكون فقط في الأمور العامة وبشرط المشروعية والمصلحة.

3. الغموض في الولاية الإذنية وأسبابه

على الرغم من وجود خلاف طفيف بين الشراح في بحث الولاية الاستقلالية، إلا أن هذه الخلافات في بحث الولاية الإذنية تزداد بشكل غريب. قبل الدخول في بحث الآراء المختلفة، نبحث أولًا عن جذور هذه الخلافات، ونتعمق في أسباب كون هذه المباحث للشيخ الأنصاري مثيرة للخلاف: عند طرح بحث ما، يُسعى إلى تقسيم مفهوم بشكل دقيق، وأن تكون الأقسام جامعة ومانعة قدر الإمكان. الشيخ الأنصاري، بعدم التمييز بين أقسام ومراتب الولاية المختلفة وطرح نوع واحد فقط من الولاية، يطرح عمليًا جزءًا صغيرًا من البحث، ويترك الباقي في إطار الإجمال. عندما يكون مفهومان عامين من وجه، ويُنفى أحدهما بجدية تامة ويُثبت الطرف الآخر، يجب تحديد تكليف القسم المشترك بشكل منفصل؛ خاصة إذا كان هذا القسم المشترك نفسه يتكون من عدة أقسام. عدم التصريح بحكم القسم المشترك قد تحول إلى نقطة عمياء في هذا البحث. الكثير من المحشين، تبعًا للولاية الاستقلالية، نفوا ولاية الفقيه عن كل القسم المشترك، وفي المقابل، أثبت البعض منهم الكل أو أجزاء منه تبعًا للولاية الإذنية. استخدام المفاهيم المضللة أو المنزلقة: الشيخ الأنصاري، باستخدام كلمتين شائعتي الاستخدام في الأدبيات الفقهية، هما «الاستقلالية» و«الإذن»، وعدم تعريفهما بدقة، ومن ناحية أخرى، استخدامها في مصاديق غير متعارف عليها، جعل هذا البحث عمليًا أكثر تعقيدًا من ذي قبل. على الرغم من أن مباحث الشيخ الأنصاري كانت ناظرة إلى المباحث المطروحة في الحوزات العلمية في ذلك اليوم، إلا أن الشيخ لم يتناول هذه الآراء بالتفصيل في هذا البحث، وليس من الواضح من خلال هذه الأدبيات، آراء أي عالم يردها وأيها يثبتها. عدم التوضيح في مبنى الولاية الاستقلالية والإذنية: في المعاملات، لكل حق جهة خاصة، ويُعمل به بناءً على أساس خاص؛ مثلًا، الشخص المخول بالتصرف في مال ما هو المالك أو خلفاؤه أو القاضي أو الحاكم؛ أي أن منصب صاحب الحق واضح تمامًا. للأسف، الشيخ الأنصاري، وتبعه الكثير من الشراح، لم يطرحوا المنصب الحقوقي للفقيه في هذا البحث بشكل واضح. في الواقع، لم يُطرح البحث بشكل منهجي وصحيح. والأكثر إشكالًا هو أن الشيخ الأنصاري في القسم الأول، يرد جميع الأدلة الدالة على الولاية الاستقلالية، وبشكل جازم، يرى أن أقصى دلالتها هي إثبات وظيفة تبليغ الأحكام للفقهاء، وفي القسم الثاني، يرد نظرية الوظيفة الحصرية للتبليغ للفقهاء بنفس هذه الأدلة، ويثبت لهم الولاية الإذنية المطلقة. بعض الشراح، ومنهم المرحوم الإيرواني، أشاروا بوضوح إلى هذا القسم، ووصفوا مثل هذا التفصيل بالباطل، واعتبروا آراء الشيخ فيه متهافتة ومضطربة. (الإيرواني، 1406هـ، ص156). الغموض في الشكل العام للبحث: ليس من الواضح ما إذا كان الشيخ الأنصاري يريد، مثل المرحوم النراقي، أن يبين قاعدة فقهية أو أن يبين وظائف الفقيه. سيُطرح هذا البحث لاحقًا بشكل مفصل.

4. أشهر التفاسير لـ«الولاية الإذنية» للشيخ الأنصاري

يطرح الشيخ الأنصاري لزوم الإذن (الولاية الإذنية) في مقابل الولاية الاستقلالية، وبنفيها يثبت تلك الولاية الإذنية؛ ولكن تبين أن الولاية الاستقلالية هي ولاية عامة تشمل الأمور الجزئية الشخصية، والأمور العامة الصغرى، والأمور العامة، والأمور الدينية، وكما صرح الشيخ نفسه، فإن هذه الأمور مع الولاية الإذنية لها نقاط اشتراك كثيرة. الآن، إلى أي مدى يشمل نفي الولاية الاستقلالية الولاية الإذنية أيضًا؟ بالنظر إلى هذا القدر من المشتركات، توجد عدة نظريات:

1. الولاية غير الاستقلالية في الأمور الحسبية (الإشراف المحدود)

في هذه النظرية، بالاعتماد على نفي الولاية الاستقلالية، تُسلب جميع الولايات الاستقلالية من الفقيه، وتُفسر الولاية الإذنية بأنها ولاية غير استقلالية. ونتيجة لذلك، فإن الولاية الإذنية تكون فقط في الأمور التي يجب على الفقيه أن يأذن فيها للآخرين؛ أي أن الفقيه لا يحق له أن يتدخل بشكل مستقل في أي أمر، ومصطلحًا لا ولاية له على أي أمر؛ بل يجب عليه فقط أن يشرف على بعض الأمور، وهذه الأمور تتم بإذنه من قبل الآخرين. في المقابل، حق الإشراف هذا موجود له فقط في الأمور الحسبية الصغرى، وفي هذه الأمور يجب على الناس أن يأخذوا منه الإذن. بالطبع، لا يستطيع الفقيه أن يأذن لنفسه؛ لأنه في هذه الحالة تصبح ولايته مستقلة؛ بل الناس هم الذين يجب أن يكون لهم فقيه كمشرف وكشرط لصحة ومشروعية التصرفات عند التصرف في الأمور الحسبية الصغرى. هذا الأمر يعني أن الأمور العامة والحكومية خارجة تمامًا عن ولاية الفقيه، وبطبيعة الحال، لا يُحدد تكليفها. هل هذه الأمور تُترك للسلاطين أم لعدول المؤمنين أم…؟ في هذه النظرية، بالإضافة إلى كلمة نفي «الاستقلال» و«الإذن» التي يُفهم منها «عدم الاستقلالية»، استُخدمت في كلام الشيخ الأنصاري في تعريف كلمة الولاية الاستقلالية كلمة «سبب»، وللإذن كلمة «شرط» (مرجع هذا [الاستقلالي] إلى كون نظره سبباً في جواز تصرفه… [الإذني] مرجع كون نظره شرطاً إلى آخره). في الأدبيات المعهودة في الحوزات، «السبب» يعني «العلة»، ونوع المحشين أيضًا فهموا الولاية الاستقلالية بهذا المعنى، أي أن رأي الولي هو العلة التامة لجواز العمل، ولا يحتاج إلى أي شيء آخر من شروط إضافية. في المقابل، «العلة» و«الشرط» وُضعا كجزء صغير من العلة التامة. هؤلاء المحشون استنتجوا من كلام الشيخ الأنصاري أنه في الولاية الإذنية، تكون الولاية في الواقع مع الآخرين، والفقيه فقط في حد الشرط ومانح المشروعية وشبيه بالمشرف. في مشروع ما، العلة الأساسية لإنجاز المشروع هي الفريق العامل، والمشرفون فقط يشرفون على حسن إنجاز العمل. وقد تبنى المرحوم الشهيدي هذه النظرية. وقد استخدم السيد موسوي الخلخالي في بحث الولاية الإذنية نفس هذا المعنى، وعنون نطاقها بالأمور الحسبية: «وفي هذه الصورة تكون ولايتهم ولاية غير استقلالية ويعبر عنها بولاية الإذن»، و«ولاية الفقيه في الإذن (النظارة والإشراف على الأمور الاجتماعية)». كما استنبط السيد محمد الشيرازي هذا المعنى من كلام الشيخ. ويبدو أن عبارة السيد الآراكي نقلًا عن الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري هي أنهم فهموا هذا المعنى من كلام الشيخ. وفي هذا السياق، انتقد الكثير من الأعلام الشيخ الأنصاري لتضمينه بعض موارد الولاية الاستقلالية تحت الولاية الإذنية (غير الاستقلالية). الآخوند الخراساني، والنائيني، والمرحوم الأصفهاني، والمرحوم الإيرواني، والسيد الجزائري المروج وجهوا هذا النقد للشيخ الأنصاري. بالطبع، هذا التفسير مخالف للشهرة العظيمة التي تصل إلى حد إجماع علماء الشيعة على ولاية الفقهاء على الأمور الحسبية بشكل استقلالي، ومخالف تمامًا لآراء الشيخ الأنصاري في آثاره الأخرى التي يقول فيها بالولاية العامة، وحتى أنه يتعارض مع كلام آخر للشيخ الأنصاري في هذا الكتاب نفسه الذي يفسر فيه الإذن بمعنى التوكيل، الاستنابة، نصب القيم، وغير ذلك؛ لأن هذه التصرفات كلها تصرفات استقلالية، والشيخ يثبتها.

2. الولاية الاستقلالية في الأمور الحسبية الصغرى

هؤلاء المحشون، بالنظر إلى الانتقادات السابقة، لم يفسروا نفي الولاية الاستقلالية بمعنى نفي جميع مراتبها؛ بل خصصوا هذا النفي فقط لرتبة الولاية على الأمور الجزئية والشخصية ورتبة الولاية العامة على الأمور الحكومية، وفسروا نفيها بأنه يلازم قبول نظرية الولاية على الأمور الحسبية. وفقًا لتفسير من المرحوم الآخوند الخراساني، فقد قبل هذه النظرية، والكثير من أعلام الجيل اللاحق، ومنهم المرحوم الآقا ضياء الإيرواني، والمرحوم الأصفهاني، والمرحوم المامقاني، يتبنون هذا الرأي. ورغم أن ظاهر عبارات المرحوم الآخوند قد يكون كذلك، إلا أن هذا الرأي يتعارض مع أقوال أخرى للآخوند الخراساني، والكثير من الأعلام يعتبرون الآخوند قائلًا بالولاية المطلقة. في الأجيال اللاحقة، المحقق الخوئي، والكلانتر، والطباطبائي القمي فسروا كلام الشيخ بهذا المعنى. بالطبع، يجب الانتباه إلى أن هذا النوع من الأعلام لا يصرحون بآرائهم؛ بل عادة ما يردون الولاية العامة، ويثبتون في بحث الروايات أو الأصل العملي لزوم إرجاع هذه الأمور إلى الفقيه. ومن جهة أخرى، لا يحددون صراحة تكليف الحكومة والأمور العامة، ولا يعرفونها صراحة بأنها متروكة للناس. ونتيجة لذلك، تكون نظريتهم السياسية غير واضحة في الواقع.

3. الولاية الاستقلالية في الأمور الحسبية وغير الاستقلالية في الأمور العامة

بالنظر إلى عبارات الشيخ الأنصاري في لزوم استئذان المجتمع من الفقيه في الأمور التي يُرجع فيها عرفًا إلى الرئيس، فسر هؤلاء الأعلام هذا الإذن بمعنى ولاية الفقيه غير الاستقلالية في هذا المجال؛ ونتيجة لذلك، يجب على الناس أن يأخذوا الإذن من الفقيه في الأمور الحكومية؛ لا أن يكون الفقيه وليًا استقلاليًا على المجتمع. هذه النظرية لا وجود لها صراحة بين الشراح.

4. ولاية الفقيه الاستقلالية على المجتمع

تدعي هذه النظرية أن مقصود الشيخ الأنصاري من الولاية الإذنية هو نفسه الولاية الاستقلالية العامة؛ لأن: أولًا، عبارات الشيخ الأنصاري في كتاب المكاسب في توضيح الولاية الإذنية هي نصب الفقيه كحاكم مثل حكام الولايات في عصر المعصومين (ع)، أو نصب سلطان يجب على الناس أن يرجعوا إليه في الأمور التي يرجعون فيها إلى رئيسهم أو سلطانهم. ثانيًا، صرح الشيخ في تعريف الولاية الإذنية بأن هذا الإذن يمكن أن يكون على نحو «النصب، التوكيل، الاستنابة، و…»، وهي أمور باتفاق الفقهاء من سنخ الولاية الاستقلالية، لا غير الاستقلالية. ثالثًا، أكد هو نفسه أن هذه الولاية الاستقلالية مع الولاية الإذنية تربطهما علاقة عام وخاص من وجه؛ وبالتالي لا ينبغي أن يكون مقصوده من الولاية الإذنية الولاية غير الاستقلالية؛ لأن الولاية الاستقلالية وغير الاستقلالية علاقتهما التباين. رابعًا، فسر الإذن صراحة بمعنى الرجوع؛ الرجوع إلى الرئيس، لا أخذ الإجازة من الرئيس، وواضح أن الرجوع إلى الرئيس والسلطان في أمور المجتمع عرفًا يكون في قالب الولاية الاستقلالية. الرئيس هو ولي المجتمع، لا مشرف على حاكم المجتمع. خامسًا، يصرح الشيخ في كتبه الأخرى بولاية الفقيه العامة، والقاعدة العقلائية هي أن رأيه لم يتغير في هذا الكتاب. «لأن المتبادر عرفاً من لفظ «الحاكم» هو المتسلّط على الإطلاق، فهو نظير قول السلطان لأهل بلدة: جعلت فلاناً حاكماً عليكم، حيث يفهم منه تسلطه على الرعية في جميع ما له دخل في أوامر السلطان جزئياً أو كلياً». (الأنصاري، 1415هـ «أ»، ص48؛ همو، 1415هـ«ج»، ص149). ونتيجة لذلك، فإن الولاية الاستقلالية التي تُنفى عن الفقيه هي نفس رتبة الولاية على الأمور الجزئية والشخصية لأفراد المجتمع؛ ومن هنا، في هذه النظرية، فُسر الإذن بالرجوع، ومن لزوم مراجعة الناس في الأمور التي يرجعون فيها إلى الرئيس، استُنبط نصب الفقيه بمعنى الرئيس. والفقيه أيضًا ينصب أفرادًا كوكيل، ونائب، ومتولٍ لأمور المجتمع؛ لأنه لا يمكن لرئيس المجتمع أن يقوم بكل أعمال المجتمع بالمباشرة. المرحوم النائيني، وآية الله مكارم الشيرازي، وآية الله الطاهري الخرم آبادي، والسيد الشيخ محسن الآراكي وغيرهم، قد استحسنوا هذا التفسير من كلامه.

5. رد القاعدة الأولى وقبول القاعدة الثانية للنراقي

بهذا المعنى، لا يريد الشيخ الأنصاري أن يوضح وظيفة الفقيه بشكل مباشر أو أن يبين أحكام وشروط الحاكم الإسلامي، بل هو ناظر إلى القاعدتين في كتاب عوائد الأيام للمرحوم النراقي ويبحثهما، ويريد أن يناقش القاعدتين الفقهيتين اللتين طرحهما في ذلك الكتاب. وبالطبع، يتناول ضمنيًا بحث حدود ولاية الفقيه؛ ونتيجة لذلك، فإن الولاية الاستقلالية والإذنية للشيخ الأنصاري ليس لهما مفهوم لفظي خاص أو اصطلاحي خاص، ولا ينبغي الاعتماد عليهما لفهم كلام الشيخ بدقة. هاتان القاعدتان هما: القاعدة الأولى: عمومية ولاية الفقيه: القاعدة الأولى للملا النراقي هي أن «كل ما كان للإمام فهو للفقيه، إلا ما خرج بالدليل». يثبت النراقي، بالاعتماد على مفهوم «النيابة العامة» الإجماعي في الشيعة، عمومية نيابة الفقهاء عن الأئمة المعصومين (ع)، إلا في الموارد التي يوجد فيها دليل خاص على أنها من اختصاصات الإمام (ع). الوظيفة الأساسية لهذه القاعدة هي في الموارد التي تكون فيها مشروعية تصرف ما مشكوكة، مثل الوجوب العيني لصلاة الجمعة في عصر الغيبة و… . المشهور بين العلماء، بسبب عدم وجود دليل أو تعارض الأدلة في هذه الموارد المشكوكة، بالاعتماد على أصل عدم الصحة وعدم الولاية، لم يعتبروا مشروعية مثل هذه الأمور قابلة للإثبات. ونتيجة لذلك، فإن الفقيه أيضًا، كنائب للإمام المعصوم (ع)، لا يحق له الدخول في مثل هذه المجالات. ولكن إذا ثبتت هذه القاعدة، فإنها تصبح دليلًا على مشروعية هذه الأمور، ويثبت جوازها للفقيه أيضًا. الشيخ الأنصاري وأكثر فقهاء الشيعة، مع قبولهم للولاية العامة للفقهاء، لم يقبلوا مثل هذه القاعدة؛ لأن مثل هذه الأمور لا ترتبط كثيرًا ببحث الحكومة في عصر الغيبة والأمور الاجتماعية الضرورية للمجتمع، وعادة ما تكون أمورًا تعبدية دينية؛ ولذلك، فإن القاعدة الأولى تسعى أساسًا إلى إثبات مشروعية الأمور المشكوكة، لا تعيين وظائف الفقيه. بالطبع، إذا ثبتت القاعدة، فإن نطاق صلاحيات الفقيه يمكن أن يتوسع كثيرًا. القاعدة الثانية: عمومية لزوم الإذن في الأمور العامة والمشروعة: يحدد الملا النراقي في القاعدة الثانية وظيفة المجتمع من حيث لزوم مراجعة الفقيه في الأمور المشروعة العامة التي ليس لها متصدٍ خاص. خلافًا للقاعدة الأولى التي كان استخدامها في أمور «مشكوكة المشروعية»، فإن موارد هذه القاعدة في أمور ثبتت مشروعيتها بأدلة أخرى، والبحث الأساسي هو في «تشخيص المتصدي» لها. يعرّف الشيخ في التعريف العام لهذه الموارد بالاعتماد على عدم وجود مكلف خاص أو عام، وكونها حكومية، ويعرّفها بالقاعدة العامة «الأمور التي يُرجع فيها عرفًا إلى الحكام». القاعدة العامة في هذه الأمور هي أنه إذا لم يكن إذن الفقيه ممكنًا، فإنه يجب على عدول المؤمنين أو غيرهم أن يقوموا بها؛ مثل حفظ النفس والمال، وحفظ الأموال الموقوفة، و… . يذكر النراقي جميع هذه الأمور من تكاليف الفقيه التي لا يجوز للأفراد العاديين التصرف فيها بدون إذن الفقيه. والشيخ الأنصاري أيضًا قبل هذه القاعدة، وأكد أن أخذ الإذن من الفقيه هو من باب أخذ الإذن من الحاكم؛ لأن الفقيه سلطان أو حاكم منصوب من قبل الإمام (ع). ومن الطبيعي أن يكون إذن الفقيه في هذه الأمور – حسب المورد – مختلفًا. في بعض الموارد مثل الأوقاف العامة و…، يجب على الفقيه أن ينصب لهم متوليًا، وفيما يتعلق بالأيتام والمجانين والأشخاص الذين لا راعي لهم، يجب على الفقيه أن ينصب لهم قيمًا، وفي أمور مثل الخمس وسهم الإمام، يجب على الفقيه أن يوصلها إلى أهلها. الشيخ الأنصاري، خلافًا للقاعدة الأولى، يلتزم بشدة بهذه القاعدة، ويثبتها بالأدلة النقلية والأصول العملية. ورغم أن الشيخ الأنصاري يبحث في نطاق صلاحيات المجتمع، إلا أنه في ضمن ذلك، يعرّف الفقيه كحاكم وسلطان، ويمنح الإذن في هذه الأمور للفقيه.

ج) أثر الغموض في كلام الشيخ الأنصاري على الفقه السياسي الشيعي المعاصر

لا شك أن الشيخ الأنصاري وأفكاره من أكثر الآثار تأثيرًا في فقه الشيعة. إن العظمة العلمية للشيخ الأنصاري، وتلقيبه بخاتم الفقهاء والمجتهدين، إلى جانب تحول كتابه المكاسب إلى كتاب دراسي في الحوزات العلمية لمدة تقارب المئة عام، كانت كافية لتثقيل ظل فكر الشيخ على الحوزات العلمية. اقتران هذه العظمة مع حصر أوسع بحث في الفقه السياسي في هوامش آثاره، ضاعف من تأثير فكره. وكما ذُكر، على الرغم من توجهه الحكومي نحو الفقه السياسي وقوله بالولاية العامة للفقيه في آثاره الأخرى، إلا أن أدبياته الخاصة والمبهمة للغاية في هذا البحث، للأسف، تسببت في آثار غريبة على الفقه السياسي الشيعي المعاصر. ربما يمكن تلخيص هذه الآثار في عدة نقاط:

1. الطرح غير المناسب للفقه السياسي وعدم تأصيله النظري

مسألة السياسة في حد ذاتها مسألة معقدة وصعبة حقًا في جميع المذاهب الفكرية. خاصة في عالم الإسلام، حيث يرتبط هذا البحث بالمباحث الكلامية والسياسية للمجتمع، مما يضاعف من تعقيدها. لذلك، تتطلب المباحث السياسية دخولًا دقيقًا وشفافًا وشاملًا. يجب توضيح كل منصب ومنصب بشكل واضح، وتوضيح واجبات وشروط التصدي له، وأساس العمل فيه بشكل جيد، وخاصة علاقاته مع أركان السلطة الأخرى بشكل جيد. للأسف، طُرح القسم الأكبر من بحث الفقه السياسي الشيعي المعاصر في القالب الضيق للمكاسب؛ بحث محدود بمسائل محدودة وغير شاملة. على الرغم من أن بعض الأعلام مثل آية الله النائيني والإمام الخميني، بالخروج من إطار الشيخ الأنصاري، نظموا بحث الفقه السياسي بإيجاز، ووضعوا وظائف الفقيه في أفق أعلى، وحاولوا تأصيل كل من وظائف الفقيه في كتاب المكاسب ونسبتها إلى مكانتها الخاصة، إلا أن معظم الفقهاء المعاصرين عرضوا بحث الحكومة الإسلامية في نفس هذا الإطار. ونتيجة لذلك، كان همهم الأساسي هو تحديد تكليف مباحث المكاسب في حدود «شروط المتعاقدين»، وتبعه، وبشكل استطرادي، تناولوا المباحث العامة لوظائف الفقيه، لا حتى الفقه السياسي ومسألة الحكومة؛ ولذلك، سكت الكثير من هؤلاء الأعلام عن الحكومة وأبعادها، ولم يروا أي لزوم لتحديد تكليف الحكومة في عصر الغيبة. الكثير منهم فقط ردوا أدلة الشيخ الأنصاري والقائلين بولاية الفقيه، وفي المقابل لم يقدموا نظرية، ولم يأتوا بدليل على رأيهم غير المعلن؛ لأنهم لم يروا المقام مناسبًا لهذا البحث، وتركوه لبحث لم يُنقَّح أبدًا؛ ولذلك، فإن إحدى معضلات الفقه السياسي الشيعي اليوم هي ادعاءات الإجماع والنقولات المتضادة فيه. تيار ما، على سبيل المثال، يرى أن الولاية العامة للفقيه إجماعية، والطرف المقابل يدعي الشهرة وأحيانًا الإجماع على عدم ولاية الفقيه العامة. ومن إجمال كلام هؤلاء الأعلام، يستنبط كل شخص استنباطًا ويستخرج نظرية. والمثال البارز على ذلك هو بحث الشيخ الأنصاري نفسه، ثم تلاميذه مثل الآخوند الخراساني، الذي يعد اليوم أحد أكثر المباحث رواجًا في الحوزة هو بحث نظرية سياسة هؤلاء. كل شخص من وجهة نظره ينسب إليهم نظرية، ويستنبط لها آلاف الشواهد والإشارات من كلام هؤلاء العلماء الكبار.

2. الألفاظ المبهمة وإيجاد المغالطة اللفظية المشتركة

تعريف الألفاظ ووضوح الأدبيات هو أحد أركان ازدهار وتنقيح أي بحث. للأسف، أوجد الشيخ الأنصاري باستخدام كلمات غير مألوفة وغريبة في هذا البحث، معضلة في الفقه السياسي، حيث وضع نظريته ونظرية الكثير من كبار الفقهاء بعده في هالة من الغموض والإجمال. «الولاية الاستقلالية»، «الولاية الإذنية»، «الأمور العامة»، «الأمور الحسبية»، «الولاية المطلقة»، «النيابة العامة»، وغيرها… هي مصطلحات لا يمكن الاستناد إليها إطلاقًا في الفقه السياسي. كل من هذه المصطلحات له عدة معانٍ، وفي النهاية ليس من الواضح إلى أي معنى يستند كل من هؤلاء الأعلام. تلاميذ فقيه ما ينسبون كل منهم نظرية إلى أستاذهم، وكل منهم يقيم عدة استدلالات على نظريته.

3. الأدبيات الجدلية للشيخ الأنصاري والتشكيك في الروايات

إحدى الخصائص المميزة لأدبيات الشيخ الأنصاري هي نوع من الذهاب والإياب بين الأقوال؛ بحيث يبدأ بنظرية يعتبرها كنظريته، ويثبتها بكل قوة، ثم ينتقدها، ويقوي أدلة المنكرين. ثم لأنه ناقد لنقاد النظرية الأولى يهاجمهم وينقدهم… وفي النهاية بـ«فتأمل» يترك المستمع في حيرة. في النهاية، ما هي نظرية الشيخ نفسه؟! هذه الأدبيات للشيخ الأنصاري في بحث ولاية الفقيه زادت الطين بلة. في البداية، يرد الشيخ جميع الأدلة الدالة على ولاية الفقهاء، ويدعي بجدية أن وظيفة الفقهاء الوحيدة بناءً على الروايات هي «التبليغ والقضاء والإفتاء». وفي بحث الولاية الإذنية، يرد هذه النظرية نفسها، ويتعامل مع هذه الروايات بطريقة أخرى، ثم بنقل استشكال في كليتها، يترك البحث وينتقل إلى البحث التالي. يجب على قارئ الكتاب أن يبحث في هذه الثنايا ويحار ليجد نظرية الشيخ؟! إن إيجاد الحيرة في المخاطب عمليًا يسبب ضعف الظهورات، ويحرم الأفراد الوسواسيين أو الأفراد الذين لديهم ميل كبير للأصول العملية من نعمة الاستفادة من الروايات. ونتيجة هذا التوجه هو الميل الشديد لقسم كبير من حوزة النجف إلى الأصول العملية في بحث ولاية الفقيه؛ لأن دلالة جميع الروايات مشوبة بالخدش، ولا مفر إلا من الأصول العملية. ونتيجة هذا التوجه هو إثبات أهم وأصعب بحث فقهي، أي أساس الحكومة، بالأصل العملي؟! بغض النظر عن نتيجته، فإنه يظهر أفول الفقه السياسي، فأي مسألة تثبت بأي دليل؟

4. الخلط بين الولاية الاستقلالية والولاية العامة

ربما تكون أكثر إشكالات بحث الشيخ الأنصاري في طريقة طرحه هذه هي الكارثة المتمثلة في خلط نظرية المرحوم خنفر وقاعدة المرحوم النراقي ونظرية الولاية العامة للفقيه. ذُكر أن الشيخ الأنصاري لا يحدد مقصوده من هذا البحث، ومن نقد أي عالم، وأي نظرية فقهية؛ بينما في تلك الفترة في حوزة النجف العلمية، كانت هناك ثلاث نظريات مهمة وثلاثة مباحث مهمة حول ولاية الفقيه. نظرية المرحوم خنفر الذي كان يدعي أن للفقيه ولاية مطلقة حتى على الأمور الشخصية للمؤمنين، وفي مناظرته ومباحثته المشهورة مع صاحب الجواهر، قال له في رده على المرحوم خنفر: إذا كان للفقيه مثل هذا المقام، فأنا طلقت زوجتك، فرد المرحوم خنفر بنوع من المزاح بأن الحكم الكلي ثابت، المشكلة هي أنك لست فقيهًا: «[قال صاحب الجواهر] إن كان الأمر كما تزعم فزوجتك طالق، فأجابه بأنّ الإشكال صغروي». (موسوي خميني، بي تا، ص53). ويبدو أنه لم يكن لأحد غيره مثل هذا الرأي. على الرغم من أن الأدبيات الغريبة لكاشف الغطاء في رسالته الجهادية إلى فتح علي شاه ليست بعيدة عن مثل هذا الرأي. يكتب في تلك الرسالة: «… لملك هذا الزمان وفريد هذا العصر، عبدنا المعترف بعبوديتنا والسالك في دفع أعدائنا… من توفير الجيوش والأسلحة و…». (فراهاني، 1380، ص164). شاه الزمان الذي هو عبد، فالأمة مكانها معلوم. النظرية الثانية: قاعدة المرحوم النراقي التي تدعي نوعًا من عمومية النيابة، وأرادت بهذه العمومية حل الكثير من المشكلات الفقهية وإثبات مشروعية الكثير من الأمور. النظرية الثالثة: عمومية ولاية الفقيه على أمور المجتمع التي اعتبرها صاحب الجواهر من بديهيات الفقه، والشيخ الأنصاري يعتقد بها بشدة في كتبه الأخرى. في مثل هذا الفضاء، يقوم الشيخ الأنصاري بنقد مدمر وبأدبيات خطابية تاريخية «دون إثباته خرط القتاد» بتدمير نظرية خصمه. إن الأدبيات المبهمة والمجملة للشيخ الأنصاري لم تدمر بوضوح نظرية المرحوم خنفر فحسب، بل دمرت معها قسمًا كبيرًا من نظام الفقه السياسي التقليدي للشيعة. هزيمة علماء السياسة، خاصة في خضم حروب إيران وروسيا، والأسوأ من ذلك بكثير، كارثة المشروطة، أدت إلى نفور قسم كبير من الفقهاء من السياسة والنظريات التي تضع الفقهاء على رأس السياسة. وفي مثل هذا الجو، تُخلط هذه المفاهيم الثلاثة معًا، وتُرفض جملة واحدة. وتصبح الحكومة والسياسة جزءًا من الولاية المطلقة للإمام والولاية الاستقلالية، وتُعتبر أمرًا غير مقبول في عصر الغيبة. وهو أمر يذكره الإمام الخميني بحسرة وتعجب، لماذا لا يفصل الفقهاء وظائف الحاكم عن الوظائف الخاصة بالإمام المعصوم (ع). (موسوي خميني، 1421هـ، ج2، ص626).

النتيجة

يجب اعتبار كتاب المكاسب للشيخ الأنصاري نقطة تحول في تاريخ الفقه السياسي الشيعي. فقد أدخل هذا الكتاب بحث ولاية الفقيه إلى المتون الدراسية في الحوزات العلمية، ودفع الكثير من العلماء إلى تناوله. على الرغم من أن الكثير من الأعلام يعتقدون أن الشيخ الأنصاري كان قائلًا بولاية الفقيه المطلقة، إلا أن أولًا، الطرح غير المناسب لهذه المسألة المهمة تسبب في أن يُدرج «كتاب السياسة»، الذي يحتاج إلى كتاب مستقل، تحت باب المكاسب، ويُعتبر مسألة فرعية. ثانيًا، تسبب باستخدامه كلمات مبهمة مثل «الولاية الإذنية» و«الولاية الاستقلالية» وطرح المسألة في إطار غير مكتمل، في نوع من الارتباك في فهم مقصود كلامه في هذا القسم من كتاب المكاسب؛ بحيث أن الكثير من شراح المكاسب يعتبرونه مخالفًا لولاية الفقيه المطلقة، وينسبون إليه أقوالًا مختلفة. ثالثًا، تسببت هيمنته العلمية في أن يصبح القالب والإطار غير المكتمل لطرحه للمسألة ومصطلحاته المبهمة مقبولة لدى الكثير من الفقهاء بعده. هذا الطرح المبهم تسبب في انهيار أساس الفهم الجماعي لدى كبار علماء حوزة النجف للسياسة، وتاريخ السياسة في التشيع، وفي النهاية الفقه السياسي. لذلك، من ضرورات الحوزة العلمية في توسيع وتعميق بحث الفقه السياسي، تنقيح مباحث الشيخ الأنصاري قدر الإمكان. رحمة الله عليه ورزقنا الله من علمه وتقواه.

الهوامش

1. السيد محمد هادي پيشوائي، دكتوراه في الفقه السياسي، وباحث في الحوزة والجامعة؛ pishvaei.smh@iran.ir.

Scroll to Top