الخلاصة
بموازاة تقسيم العقل إلى قسمين، نظري وعملي، ينقسم واقع الدين إلى قسمين هما: الكائنات والخيرات. عندما يدرك العقل أصول الدين، يرى نفسه ملزماً بالاعتقاد القلبي بها. وتقع مسائل أصول الدين في مرتبتين. ففي الإدراك الإجمالي لأصول الدين، يكتفي العقل بنفسه، وتؤيد تعاليم الكتاب والسنة هذا الإدراك وتعززه. أما في الإدراك التفصيلي لأصول الدين، فإن العقل محتاج إلى التعليم والتأمل والاكتساب، ويتوفر لديه مصدران لا محدودان هما الكتاب والسنة. ومن شروط الاستفادة من هذين المصدرين امتلاك قوة وقدرة علمية مستقرة تعرف بالاجتهاد. وبما أن العقل في مقام الاكتساب معرض للخطأ، فإن الاجتهاد في متون الدين يوصلنا إلى إجابات حول مسائل المرتبة الثانية من أصول الدين، ولكنه في معظم الحالات لا يوصلنا إلى اليقين بمعناه الأخص. في هذا المقال، نحاول أن نبين كيف يمكن الاعتقاد بالنتائج الاجتهادية في مسائل أصول الدين الاكتسابية.
١. أصول الدين
الأصل في اللغة هو الأساس الذي يُبنى عليه غيره. والدين هو الله وكل ما يصدر عنه (بلا واسطة) ويتعلق به تعلقاً تاماً. وأصول الدين هي ذلك القسم من الدين الذي يمثل أساساً وقاعدة لسائر أقسام الدين، بحيث تتكئ تلك الأقسام على هذه القاعدة. وعلم أصول الدين، بوصفه علماً دينياً، هو العلم الذي ترتكز عليه في نهاية المطاف مفاهيم وقضايا واستدلالات العلوم الدينية الأخرى، كعلم الحديث وعلم الفقه وعلم التفسير وغيرها.
من بين أصول الدين، يوجد أصل واحد هو بمثابة “أصل الأصول”، وهو أساس جميع الأصول الأخرى: أصل وجود الله الواحد. فالله هو الفكرة المحورية في الدين، والتي بدونها لا تقوم سائر أفكار الدين، وبدون تصورها لا يرد إلى الأذهان تصور لسائر أفكار الدين. إن وجود الله هو الحقيقة الجوهرية في الدين، والتي لا يمكن تصديق حقائق الدين الأخرى بدون التصديق بها.
الأصل الثاني للدين يتعلق بأفعال الله. فكل فعل يصدر عن الله هو خير وعدل، ولا سبيل لأي سوء أو ظلم إلى فعله. وكل أوامر الله، سواء كانت أمراً أو نهياً، مبنية على واقعية الخير والشر، فالخيرات مرضية له والسيئات مكروهة لديه.
الأصل الثالث للدين يتعلق بإرسال الله شخصاً باسم النبي والرسول ليبلغ الناس كتاب الله الموحى إليه، والشريعة التي هي طريقه في كيفية العمل بأوامر الله ورسائله، ويهديهم على نحو مضمون إلى الله والسعادة والفلاح.
الأصل الرابع للدين هو نصب الله أناساً باسم الأئمة ليبلغوا كل ما أتى به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله، بعلم لدنّي وبخلافة عنه وبإذن من الله، وليكونوا حافظين له وشارحين ومفسرين ومطبقين، فيهتدوا بالناس على نحو مضمون من الخطأ، تماماً كالنبي والرسول، إلى الله والسعادة والفلاح.
الأصل الخامس للدين هو الرجوع إلى الله، بمعنى بعث الناس بعد الموت وحضورهم أمام الله لتحمل مسؤولياتهم وتحقق وعود الله بإقامة دار الآخرة.
يلاحظ أن الأصول الأربعة الأخيرة ترتكز على الأصل الأول؛ فبذلك يكون الأصل الأول للدين هو أصل الأصول وأساس الأسس في الدين. ومعنى هذا القول أن التقدم في نفس الأمر والواقع هو للأصل الأول، وإن كان في طريق الاستدلال، في سبيل الوصول إلى الواقع ونفس الأمر، يمكن الانتقال من أي أصل إلى الأصول الأخرى؛ أي أن الانتقال قد يكون أحياناً من المتقدم في الواقع ونفس الأمر إلى المتأخر، وأحياناً من المتأخر إلى المتقدم.
مع هذا التقدم والتأخر، فإن أصول الدين في الواقع متصاحبة ومترابطة بحيث لا سبيل إلى التفكيك والفصل بينها؛ لأن كل هذه الأصول تفصيل للأصل الأول المتعلق بالله وصفاته. وملاك امتناع الفصل والتفكيك بين أركان واقع الدين يرجع إلى الأصل الأول، بمعنى أن الأصل الأول حاضر في الأصول الأربعة الأخيرة، ومن هنا يدخل “الله” في واقع تلك الأصول الأربعة كعنصر مقوّم لها، بحيث لا يتصور انفصالها في الأذهان عن تصور الله، ولا تنقطع صلتها الهوياتية بالله في الأذهان.
الديانة أو التدين هو الاعتقاد القلبي بواقع الدين أو واقع أصول الدين. وهذا الاعتقاد هو التصديق القلبي بوجود الله الواحد، والتصديق القلبي بالعدل الإلهي، والتصديق القلبي بنبوة ورسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والتصديق القلبي بإمامة الأئمة الاثني عشر عليهم السلام، والتصديق القلبي بوجود عالم الآخرة. الدين حقيقة تشكل أصولها أسس وأركان تلك الحقيقة، وترتكز عليها جميع الحقائق في نهاية المطاف، والاعتقاد القلبي بهذه الحقيقة يحقق الديانة والتدين.
٢. مسائل أصول الدين
المقصود بمسائل أصول الدين، عندما توضع في مقابل قوة العقل، هي المسائل التي تكون هذه القوة تجاهها أولاً وبالذات في حالة معرفية، بحيث إن حصول هذه المعرفة يضع هذه القوة في موقع الاعتقاد القلبي. بعبارة أخرى، إن القوة المعرفية للعقل عندما تواجه حقائق أصول الدين، فإنها تكون في حالة تصديق قلبي أو اعتقاد قلبي، وهي أسمى حالة معرفية أو أرقى ارتباط بين قوة العقل والواقع. إلى جانب مسائل أصول الدين، توجد مسائل الدين العملية التي هي أولاً وبالذات ناظرة إلى العمل وتتوجه إلى العقل في مقام العمل. ورغم أن مسائل أصول الدين ليست عديمة التأثير على العمل، فإن ما يظهر من آثارها في العمل ليس في المرتبة الأولى أو بالذات؛ كما أن مسائل الدين العملية ليست منقطعة الصلة بمسائل أصول الدين، ولكن المقصود بالذات من المسائل العملية هو الجانب الفعلي والسلوكي منها. وبتعبير آخر، ترتبط أصول الدين بالبنى المعرفية للقوة العقلية، وعلى القوة العقلية أن تواجه أصول الدين من الناحية المعرفية، والوظيفة المركزية للقوة العقلية، أي القلب، هي الاعتقاد بأصول الدين، بمعنى أن تعتبر أصول الدين حقيقة قائمة بغض النظر عنها وعن اعتقادها. أما مسائل الدين العملية فترتبط بالبنى السلوكية للقوة العقلية، وعلى القوة العقلية أن تطابق نفسها من حيث السلوك والتصرف مع شريعة الدين. حينئذٍ، فإن اجتماع العقل بين المعرفة والسلوك المطابق للواقع، أي واقع الوجود وواقع الأخلاق، يضع صاحب العقل في أفضل موقع للديانة أو التدين.
٣. تقسيم مسائل أصول الدين
يمكن تقسيم مسائل أصول الدين إلى فئتين:
الفئة الأولى: هي المسائل التي يلزم الاعتقاد والتدين بها؛ لأنه بدونها لا يتصور الدين في الأذهان. القوة العقلية في هذه المرتبة من مسائل أصول الدين تمتلك، على نحو الاستقلال، القدرة على المعرفة التصورية والتصديقية بها. وهذا يعني أن الأصول العقلية الكامنة في طبيعة العقل تتيح لصاحب القوة العقلية أن يصدّق، دون وسيط، بأصل الأصول، أي وجود الله، والأصول التابعة له التي هي سائر أصول الدين.
إن طبيعة العقل بمجرد مواجهتها لنفسها وللعالم تتساءل عن فاعل الوجود، وهي قادرة على الانتقال من خلال تتبع الإجابات إلى الواقع. مثلاً، إذا قال صاحب العقل لنفسه إن موجدك هما والداك، فإن القوة العقلية تسأله فوراً: من موجدهما؟ هذا السؤال لا ينتهي بالنسبة له حتى يصل إلى خالق الوجود.
ولكن لا بد من الانتباه هنا إلى أن طبيعة العقل، بدون اكتساب ومجرد القدرة المعرفية المحضة، تجيب على كثير من مسائل هذه المرتبة من أصول الدين، وإن كان كل صاحب عقل لا يستطيع أن يستدل عليها بالتفصيل أو بلغة خاصة، كلغة أهل الكلام والفلسفة وسائر العلوم العقلية، وأن ينظمها تنظيماً فنياً ومنطقياً. مثلاً، كل من يقف أمام رسول الله يدرك أن مثل هذا الشخص يجب أن يكون معصوماً من كل خطأ وزلل؛ لأن احتمال الخطأ، ولو سهواً، يبعد العقل عن الثقة المطلقة بقوله وفعله وتقريره، ويضع العقل دائماً في موقع تجويز الخطأ بحق النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
هذا الاستدلال متقن وثابت وفي متناول الجميع. لا يستطيع العقل أن يثق ثقة غير مشروطة بمن يجوز عليه الخطأ؛ ولهذا، لو أن نبياً، على سبيل الفرض، أخطأ في عمل بسيط، لما استطاع العقل أن يثق به في إخباره عن الله، وبالتالي يبقى دائماً مجال للتردد والشك في العقل تجاه أخباره. كما أن العقل لا يستطيع أن يفرق بين المحسن والمسيء، ولا أن يقبل بأن يجزى كلاهما جزاءً واحداً عند الحاكم المثالي، أي الله. وهكذا، فإن الديانة أو الاعتقاد بالمرتبة الأولى من أصول الدين لازم وضروري لأن معرفة تلك الأصول لدى طبيعة العقل، بالعلم الإجمالي، في مقابل العلم التفصيلي، حاصلة، بحيث إن العقل في تصديقه واعتقاده القلبي بها ليس مشروطاً بتحصيل العلم؛ لأن الأصول الناقلة للعقل إلى الأصول أو واقع الدين مستقرة في هوية العقل بصورة فعالة. إذا أثير الحديث عن تحصيل العلم والمعرفة حول هذه المرتبة من مسائل أصول الدين، إلى جانب ذلك العلم الإجمالي، فإن المقصود هو تحصيل الاستدلالات النظرية والاكتسابية، والتي بالطبع ليس وجودها ضرورياً للاعتقاد بهذه المرتبة. هذه الاستدلالات الاكتسابية، من حيث إنها تحصل بنشاط عقلي خاص، وبسبب قابلية العقل للخطأ في مقام الاكتشافات النظرية، قد تكون ناتجة عن مقدمات تعاني من نقص أو خلل في إيصالها إلى الواقع. ولهذا، رغم أن الطرق المفتوحة نحو الحقائق الأساسية، أي أصول الدين، كثيرة، فإن العقل في مقام الاستدلالات الاكتسابية قد يعاني من قصور في إيجاد هذه الطرق أو من خطأ في مقدماته. بعبارة أخرى، كل استدلال اكتسابي أو نظري على المرتبة الأولى من مسائل أصول الدين يضعها نوعاً ما في وضعية مسائل المرتبة الثانية.
الفئة الثانية: من مسائل أصول الدين، هي مسائل المراتب التي تلي الفئة الأولى، والتي ترتبط بالمرتبة الأولى بنظام خاص، سواء في الواقع أو في العقل. هذه الفئة من مسائل أصول الدين، التي أطلقنا عليها إجمالاً مسائل المرتبة الثانية لأصول الدين، هي مسائل لا تكون إجاباتها متاحة بشكل مباشر أو بوساطة بسيطة للعقل العام أو طبيعة العقل، وعلى العقل للإجابة عليها أن يدخل في نشاط فكري ينظم في النهاية على شكل استدلالات برهانية، بشروط صورية ومادية. عدد مسائل هذه المرتبة غير محدود ولا يمكن تصور نهاية لها، ولهذا، على فرض أن القوة العقلية نجحت في معرفة الإجابة الصحيحة والمطابقة للواقع، فإن هذا التوفيق هو عملية تدريجية زمنية. إضافة إلى ذلك، وكما هو الحال في وضع العقل في جميع المعارف الاكتسابية والنظرية التي تحصل عن طريق الفكر وتنظيم المعلومات في البنى الصورية والمادية للقياس البرهاني، فإن هذه المعارف تقع في موضع احتمال الخطأ، دون أن تكون ملازمة للخطأ. كلما كانت إجابة هذه الفئة من مسائل أصول الدين أبعد عن الأسس العقلية المناظرة لأسس الواقع، كان احتمال الخطأ لدى العقل أكبر.
يبدو أنه يجب توضيح التمييز بين العقل العام والخاص بشكل أكبر؛ لأن في هذه العبارة نشهد نوعاً من الدور (إذا لم نكن على دراية بأسسها). احتمال الخطأ هو صفة لنفس العقل الذي يمتلك القدرة على تشخيص الخطأ ثم تصحيحه، وفي نفس الوقت لا يمكن اعتبار العقل في مقام تشخيص الخطأ وتصحيحه مصوناً من الخطأ أيضاً. ولهذا، فإن العقل، مع أنه يمتلك في اكتساباته إمكانية الوصول إلى الواقع، وبما أنه يجوز احتمال الخطأ في اكتسابه، فإنه يكون دائماً في اتصال اكتسابه المعرفي بالواقع في وضع مشروط. إن معرفة العقل ترتبط بالواقع بشرط ألا يكون قد وقع خطأ في عملية الاستدلال. عمل العقل في اكتساب الواقع ليس هو الخطأ، ولو لم يكن كذلك لما كانت المعرفة ممكنة للعقل، ولكن في نفس الوقت، العقل ليس مصوناً من الخطأ، وإنما يقوم بالعبور إلى الواقع بوجود شروط معينة أو ينتقل إليه الواقع بشروط معينة؛ وهي شروط قد لا تستوفى أحياناً في أنشطة العقل. ومن الواضح أن العقل لا يستطيع، على نحو الإطلاق، أن يعتقد أو يصدق صدقاً قلبياً (مطابقاً للواقع) أو يقيناً بنتائجه المعرفية التي يحتمل فيها الخطأ. ومن جهة أخرى، لا يستطيع العقل أن يلزم نفسه بمثل هذا التصديق؛ لأن شروط مثل هذا التكليف ليست في متناول العقل.
من أمثلة مسائل المرتبة الثانية لأصول الدين:
هل يخلق الله عوالم أخرى مثل هذا العالم؟
ما هو قصد الله من خلق الخلق؟
هل يبقي الله جميع الموجودات؟
هل الأنبياء على اتصال مباشر بالله دائماً؟
هل جميع الأنبياء في مرتبة واحدة؟
هل الأئمة عليهم السلام يشرفون علماً على جميع الأمور؟
هل الأئمة عليهم السلام مستغنون عن التعلم في كل الأمور؟
هل ننتقل بعد الموت إلى عالم شبيه بهذا العالم؟
هل لدينا علاقة مع البشر الآخرين في عالم ما بعد الموت؟
هل يمكننا في عالم ما بعد الموت أن نتواصل مع هذا العالم وأهله؟
هل لدينا ألم ولذة في عالم ما بعد الموت؟
هل لدينا حرية الإرادة في أفعالنا وأعمالنا في عالم ما بعد الموت؟
من الواضح أن تحصيل العلم والمعرفة للإجابة على مسائل هذه المرتبة هو من كمالات القوة العقلية، ولكن لا يمكن اعتبار تحصيل هذه المعرفة لازماً وواجباً على الجميع من أجل الديانة والتدين؛ لأنه لا يوجد دليل على هذا الإلزام فحسب، بل ولأن مثل هذا التحصيل ليس في مقدور الجميع، فلا يمكن فرض مثل هذا الإلزام على العقل.
٤. مصادر الإجابة على مسائل أصول الدين
بالنسبة لمسائل المرتبة الأولى من أصول الدين، فإن كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، التي بيّنها الأئمة عليهم السلام، هما مصدران لا محدودان؛ لأن هذين المصدرين من علم الله اللامتناهي. وعلم الله ليس مطابقاً للواقع فحسب، بل هو عين الواقع ومحيط بالواقع، والواقع جزء من نطاقه. هذا العلم يحيط بكل العوالم الممكنة وبكل وضع واقعي، ممكن ومفترض. لذلك، فإن العلم الموجود في الكتاب والسنة حول هذه المرتبة من أصول الدين، كما هو الحال في المراتب اللاحقة، لا حصر له ولا قياس أو حد أو نهاية. فحول وحدانية الله، وحول العودة إلى الله، وحول صفات كمال الله، وحول رسل الله، وردت تعاليم واسعة في هذه المصادر. من أمثلة احتجاجات القرآن على نبذ الآلهة الزائفة والهداية إلى الله الواحد، احتجاجات سيدنا إبراهيم عليه السلام؛ عندما غرب النجم، قال: لا أحب الآفلين. كيف يمكن الإذعان بربوبية موجود يأفل ويغرب؟ أو كيف يمكن الاعتماد على كلام بشر مثله، محدود ومعرض للخطأ، وإيكال هداية النفس إليه؟ أو كيف يمكن اعتبار غاية العالم هي الفناء، واعتبار الحياة الحاضرة لهواً وعبثاً وبلا غاية؟
ولكن إلى جانب هذه المصادر، يوجد مصدر داخل الأذهان، محدود ولكنه متقن، يقوم بمهمة معرفة مسائل المرتبة الأولى من أصول الدين على نحو الكفاية. هذا المصدر هو طبيعة العقل، التي متى تُركت لطبيعتها في مفاهيمها وقضاياها واستدلالاتها النقية والعامة والضرورية، فإنها تعبر إلى أصول الدين، التي هي أصول الواقع. ما هو موجود في طبيعة العقل يسوق الإنسان بلا واسطة نحو مبدأ وغاية الوجود والأخلاق؛ لأن مبدأ الوجود ومبدأ الأخلاق ونماذج الأخلاق الممكنة ووجود عالم الأخلاق والعالم المناسب لغاية الوجود كلها مستقرة كأفكار مثالية في طبيعة العقل.
إضافة إلى ذلك، فإن الاحتجاجات الواردة في المصادر اللامحدودة والمعصومة من الخطأ، أي كتاب الله وسنة المعصومين، مبنية على طبيعة العقل والمفاهيم والقضايا والأصول المدرجة فيها. ومن هنا، فإن الاحتجاجات المذكورة في متناول الجميع، بحيث إن نتيجة تلك الاحتجاجات تنفذ إلى الطبيعة العقلية لجميع أصحاب العقول، وإن كانت الإمكانات الخاصة لأصحاب العقول تضعهم في مراتب طولية في فهمها العام. وهكذا، حتى لو لم تصل رسائل المصدرين الأولين إلى العقل، فإن العقل قادر على إقامة دليل إجمالي على مسائل المرتبة الأولى من أصول الدين بشكل مقنع ومطمئن.
من المشهور أن رجلاً من الأعراب قال: “البعرة تدل على البعير، وأثر الأقدام يدل على المسير، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج، ألا تدلان على اللطيف الخبير؟”
هذا الاستدلال العام الذي يظهر ويتجلى بأدنى التفات في مقدمة القوة العقلية، عندما يقع في أيدي الفلاسفة المقتدرين في العلم العقلي، فإنه يتخذ صوراً تفصيلية ومتقنة عقلية. وفي نفس الوقت، فإن نتيجة هذا الاستدلال، سواء بصورته الإجمالية أو بصورته التفصيلية، متاحة على حد سواء لطبيعة العقل، بحيث تكون قائمة لدى جميع أصحاب العقول، في أي مرتبة كانوا.
كيف يستلزم كون مثل هذا الأمر ضرورياً عدم قابليته للخطأ؟
النقطة الجديرة بالاهتمام هي أن العقل، في هذه المرتبة من مسائل أصول الدين، لا يمكن أن يخطئ؛ لأن كل ما يوجد في مسار هذا العبور العقلي، تحت أي ظرف، حتى الظروف الافتراضية، هو غير قابل للخطأ وغير قابل للإبطال. وهكذا، فإن العقل بالنسبة لهذه المرتبة من أصول الدين هو مصدر ودليل في آن واحد. هو مصدر؛ لأن كل ما يلزم للعبور إلى الواقع في هذه المرتبة موجود في العقل نفسه؛ وهو دليل؛ لأن العقل يستطيع أن ينظم احتجاجه على هذا الواقع باستقلال وكفاية.
أما بالنسبة لمسائل المراتب التي تلي المرتبة الأولى من أصول الدين، فالعقل ليس مصدراً؛ لأن إجابات هذه المرتبة من المسائل، حتى لو تم الحصول عليها عن طريق العقل المحض، فإنها لا توجد أصلاً بالفعل في طبيعة العقل، بل يجب أن ترد الإجابات إليه. ولكن الكتاب والسنة في هذا المجال هما مصدران لا محدودان؛ لأن إجابة جميع هذه المسائل موجودة فيهما. من غير الممكن أن يطرح سؤال للبشر في نطاق أصول الدين، ولا يكون له جواب في مصادر الدين، أي كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومين عليهم السلام، التي هي امتداد لكتاب الله وترتبط بعلم لدني بالعلم الإلهي اللامتناهي. فمن غايات كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام هداية الناس إلى غاياتهم الوجودية، وكل سؤال قد يطرح على الإنسان في مسار الهداية، فإن جوابه مدرج في هذين المصدرين.
٥. تفسير الأدلة المستندة إلى مصادر الدين
محتوى ما ورد في مصدري الكتاب والسنة، بشكل عام، ينقسم إلى قسمين: النص والظاهر. النص هو ذلك الجزء من مضمون ومحتوى الكتاب والسنة الذي تجد فيه القوة العقلية يقيناً في مقصود صاحب المحتوى والمضمون. إجابة مسائل المرتبة الثانية من أصول الدين، إذا كانت مستندة إلى هذه الفئة من نصوص آيات القرآن والروايات قطعية الصدور عن المعصومين عليهم السلام، فإنها تدخل إجابة يقينية إلى القوة العقلية، وتضع العقل مرة أخرى في أفضل وضع معرفي. دليل العقل على الوصول إلى هذا الجزء من الواقع هو نص كتاب الله ونص الحديث الذي يكون صدوره عن المعصوم قطعياً؛ نصان يكون محتواهما واضحاً تماماً لطبيعة العقل. بامتلاك هذا الدليل، يمتلك العقل جميع الشروط اللازمة والكافية لمعرفة الواقع، بحيث لا يجيز لنفسه أي مجال للتردد أو احتمال الخطأ. آيات كتاب الله والأخبار المتواترة هي أمثلة على الأدلة قطعية الصدور، التي متى كانت في مرحلة الدلالة على مقصود صاحب النص، نصاً، فإنها تنقل الواقع إلى العقل بطريقة لا يستطيع معها صاحب العقل أن يجد لنفسه مبرراً لحالة التردد أو الظن.
الظاهر هو ذلك الجزء من مضمون ومحتوى القرآن والسنة الذي له سبق وأولوية في إيصال معنى إلى العقل، ولكن إمكانية وجود معنى آخر لذلك المحتوى لا تُطرد من ذهن المخاطب، ومن هنا فإنها تضع المخاطب في حالة الظن. في هذا المستوى، فإن الرجوع إلى الكتاب والسنة والاستفادة العقلية منهما يتطلبان قدرة علمية مستقرة، يُطلق عليها قدرة الاجتهاد. هذه القدرة تعتمد على شروط متعددة يأتي تفصيلها وتحقيقها في علم أصول الفقه. وهكذا، فإن العقل بعد دراسة مصدري الكتاب والسنة للمعصومين عليهم السلام، عندما يكون في مقام الاستدلال من هذين المصدرين، فإنه يضع أدلته من حيث الاستناد السندي ودلالة المتن في أربع فئات:
١. دليل قطعي الصدور وقطعي الدلالة.
٢. دليل قطعي الصدور، ولكنه ليس قطعي الدلالة.
٣. دليل ليس قطعي الصدور، ولكنه قطعي الدلالة.
٤. دليل ليس قطعي الصدور وليس قطعي الدلالة.
أدلة القسم الأول تدخل العقل فوراً ودون أي حاجة إلى إعمال نظر وتستقر فيه، بحيث يصدق العقل مضمونها ومحتواها تصديقاً لا يترك للطرف المقابل أي احتمال سوى احتمال الصفر. بعبارة أخرى، أدلة القسم الأول تكون كاشفيتها عن الواقع كاملة إلى درجة أنها تربط القوة المعرفية – دون الحاجة إلى حسابات وأنشطة تمهيدية للانتقال إلى الواقع – مباشرة بالواقع. مثال على هذا الدليل آية ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. كل من يواجه هذه الآية يدرك فوراً أن كتاب الله، الذي يتعلق بالله تعلقاً تاماً (قطعي الصدور)، ينسب صفتي العلم والحكمة إلى الله، وأي معنى آخر في الآية يكون إلى جانب هذا المحتوى القطعي واليقيني.
الآن، متى ما كان لدى العقل محتوى أدلة القسم الأول، الذي يكون بالنسبة له في وضع يقين منطقي، كدليل في يده، فإنه يستطيع، بل ويلزم، أن يصدقه تصديقاً قلبياً ويعتقد به؛ إذ لا يوجد أي مبرر لعدم التصديق، وجميع شروط تحقق الإيمان، ومنها انكشاف الواقع الذي هو أساسه، قد تحققت.
أما إذا كانت أدلة الأقسام من الثاني إلى الرابع في متناول العقل، والتي فيها احتمال التخطي عن الانتقال إلى الواقع، فإن الإيمان العقلي بمحتواها المستفاد منها على نحو مطلق وغير مقيد ليس ممكناً؛ لأن مثل هذا الإيمان، بسبب إمكانية التخطي أو إمكانية تخلف الأدلة عن الواقع، من حيث توسط الأنشطة الاجتهادية، ليس في مقدور العقل. ما يستطيع العقل أن يكون لديه في هذا الوضع من يقين معرفي ومنطقي هو أنه إذا كان الدليل المستفاد من مصادر الدين صادراً، وإذا كان هذا المعنى المستنبط هو نفس المعنى المقصود لصاحب المتن، فحينئذٍ ينكشف الواقع للعقل. لقد أصبح العقل متصلاً بالواقع، أو بعبارة أوضح، تساوى الواقع والعقل في هذا المحتوى الخاص. العقل لأنه لا يعلم ما إذا كانت هذه “الإذا” أو “الفرضيات” قد تحققت في الواقع أم لا، فإن الوضع الممكن الوحيد للعقل هو الإيمان المطلق أو الإيمان غير المقيد بالواقع؛ أي أن العقل يؤمن إيماناً مطلقاً بكل ما هو مقصود الله ورسله المعصومين، النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام، وبالنسبة لما في يده، أي الأدلة التي لا توقف احتمال الخلاف عند حد الصفر، يكون لديه “إيمان مقيد أو مشروط”. أي أنه يؤمن بذلك المحتوى إذا كان مطابقاً للواقع أو مطابقاً لمقصود الله ورسله المعصومين، وإذا لم يكن هذا المحتوى مطابقاً لمقصود الله ورسله المعصومين (= غير مطابق للواقع)، فإنه لا يؤمن به أو لا يعتقد به اعتقاداً قلبياً أو يقيناً.
في هذه الحالات، بما أن المفترض هو أن العقل قد سعى بكل طاقته للبحث عن مقومات وشروط الانتقال إلى الواقع وتوصل إلى محتوى، وإن كان يحتمل الخلاف فيه، ولكنه من حيث الاستدلال أقوى، فلا يمكنه أن يكون غير مبالٍ بكل هذا البحث والجهد المعرفي؛ بعبارة أخرى، لا يتمكن العقل من تجاهل النتيجة التي توصل إليها عبر القوانين والموازين العلمية، وأن يكون كمن لا يعلم بها أصلاً. صحيح أنه في مثل هذا الوضع، لا يملك العقل دليلاً يستطيع به أن يحافظ على موقعه بشكل غير مقيد وغير مشروط ويكون مصوناً من العزل عن موقعه، ولكن في نفس الوقت، يمكن للعقل أن يعتمد على هذا الدليل، وفي نفس الوقت، من خلال تلك القضية الشرطية، يحافظ على اتصاله بالواقع من حيث الوضع المعرفي وعلم النفس. وهكذا، فإن العقل بمواجهته لأدلة القسم الثاني إلى الرابع لا يستطيع أن يكون في وضع القطع واليقين المعرفي تجاه الواقع، بحيث ينفي احتمال الخلاف كلياً؛ لأن العقل في دليل القسم الثالث والرابع يعطي هذا الاحتمال بأنه ليس من مصادر الدين أصلاً، وفي دليل القسم الثاني والرابع يعطي هذا الاحتمال بأنه بغض النظر عن صدور هذا المحتوى من مصادر الدين أو بفرض صدوره من مصادر الدين، فإن المحتوى الذي توصل إليه ليس مقصود صاحب المتن أو الكلام. وبمجرد ألا يكون احتمال الخطأ في أحد الطرفين صفراً، فإن وضع العقل تجاه الطرف الآخر سيكون احتماله واحداً. وفقاً لقانون الاحتمال 0 ≤ p ≤ 1، فإن أدلة القسم الأول تضع العقل في احتمال واحد ولا تترك أي مجال للطرف المقابل، وبما أن جميع العوامل المعرفية لانتقال العقل إلى الواقع موجودة في هذا القسم من الأدلة، فإن العقل يقع في وضع اليقين المعرفي، بحيث لا يستطيع أصلاً تحريك الطرف المقابل من احتمال الصفر. وكل من أدلة القسم الثاني إلى الرابع تضع العقل بطريقة ما في وضع بين الواحد والصفر، وإن كانت تعطي لمضمونها أو لصدورها احتمالاً قريباً جداً من الواحد.
٦. رؤية الفلاسفة في تحقيق مسائل أصول الدين
رأينا أنه بعد تأمل العقل في مسائل المرتبة الأولى من أصول الدين وإدراك واقعها، يحل فيها تصديق عقلي أساسي: كل ما هو من جانب الله ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأوصياء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بملاك العلم اللامتناهي والصدق اللامحدود وغير المقيد وغير المشروط، هو مطابق للواقع، بل عين الواقع (من حيث إن الطرف الآخر من المطابقة، أي عدم المطابقة، غير مفترض بالنسبة لكلامهم)؛ ومن هنا فإن ما يصدر عنهم (سواء في المتن أو في الدلالة) هو متعلق الإيمان العقلي. لذلك، فإن العقل، بالإجمال، يؤمن ويعتقد اعتقاداً قلبياً أو يقيناً بكل ما يصدر عن مصادر الدين.
وفقاً لما سبق، فإن ابن سينا في بحث المعاد الجسماني، الذي هو من مسائل المرتبة الثانية من أصول الدين، قد جعل مصدر إدراك هذه الحقيقة، من حيث إنه لم يتمكن من توفير مقدماته العقلية في فلسفته، وفي نفس الوقت يعتبر الحقيقة المذكورة في متون الدين من القطعيات والضروريات، هو كتاب الله وكلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الذي هو نفسه صادق وقد شهد الله بصدقه: “يجب أن يعلم أن المعاد منه ما هو منقول من الشرع ولا سبيل إلى إثباته إلا طريق الشريعة وتصديق خبر النبوة، وهو الذي للبدن عند البعث، وخيرات البدن وشروره معلومة لا يحتاج إلى أن تعلم، وقد بسطت الشريعة الحقة التي أتانا بها نبينا وسيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وآله وسلم حال السعادة والشقاوة التي بحسب البدن. ومنه ما هو يدرك بالعقل والقياس البرهاني وقد صدقته النبوة وهو السعادة والشقاوة الثابتتان بالمقاييس اللتان للأنفس وإن كانت الأوهام منا تقصر عن تصورهما الآن لما نوضح من العلل…”.
تظهر العبارة السابقة أنه إذا شهد متن الدين، بصورة قطعية الصدور وقطعية الدلالة، على مسألة من مسائل المرتبة الثانية من أصول الدين، سواء تم تحصيل تلك المسألة عن طريق القياس البرهاني للعقل بشكل مستقل أم لم يتم تحصيلها؛ في الحالة الأولى، يصدق متن الدين على واقعية تلك النتيجة أو النتيجة البرهانية (وإن كان يجب أيضاً قياس مسار الوصول إلى تلك النتيجة بميزان متن الدين)، وفي الحالة الثانية، يضع الواقع في متناول العقل. على أي حال، من الواضح أن ابن سينا في مقام كشف الواقع، قد أسس لتصديق عقلي: كل ما يثبته أو يصدقه متن الدين، فهو واقع. بل يمكن القول إن ابن سينا في كشف الواقع بالنسبة لمسائل أصول الدين يعطي الأولوية لمتن الدين ويقيس نتيجة البراهين العقلية على أساس ضرورياته أو نصوصه. هذا الاهتمام الأساسي بمتن الدين يؤدي إما إلى اعتقاد لم يتم التوصل إليه ببرهان عقلي فلسفي، أو يؤدي إلى اعتقاد يشهد عليه كل من البرهان العقلي الفلسفي ومتن الدين بتصديقه، أو ينتهي إلى اعتقاد يشهد متن الدين على امتناعه وتنافيه. القسم الثالث هو ما يمكن تصديقه تصديقاً مشروطاً، على أساس التصديق الأساسي السابق. كذلك يقول الملا صدرا رحمه الله: “فألقينا زمام أمرنا إليه (= إلى الله) وإلى رسوله النذير المنذر، فكل ما بلغنا منه آمنا به وصدقناه ولم نحتل أن نخيل له وجهاً عقلياً ومسلكاً بحثياً بل اقتدينا بهداه وانتهينا بنهيه امتثالاً لقوله تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ حتى فتح الله على قلبنا ما فتح فافلح ببركة متابعته وأنجح”.
٧. رؤية محققي أصول الفقه في تحقيق أصول الدين
الشيخ الأنصاري رحمه الله جعل العنوان الخامس من بحث حجية مطلق الظن “في اعتبار الظن في أصول الدين”. بعد استعراض الآراء المختلفة في هذه المسألة، يرى الشيخ الأنصاري رحمه الله ضرورة توضيح محل البحث. فيقسم مسائل أصول الدين إلى قسمين:
الأول: تلك المسائل التي يكون الاعتقاد والتدين بها لازماً وواجباً على المكلف، دون أن يكون مشروطاً بحصول العلم. مصداق هذه المسائل هو المعارف أو أصول الدين بصورة إجمالية. لذلك، يلزم كل شخص أن يكون لديه اعتقاد قلبي بهذه المسائل بعد أن يصل إليها بالعلم واليقين. الاعتقاد بوجود الله الجامع لكل الكمالات والمنزه عن كل نقص، والاعتقاد بنبوة خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبإمامة الأئمة الاثني عشر عليهم السلام، والاعتقاد بالمعاد وجزاء العمل الصالح والسيء، لازم وضروري.
الثاني: تلك المسائل التي إذا حصل العلم بها، لزم على المكلف الاعتقاد والتدين بها، دون أن يكون تحصيل العلم بهذه التفاصيل واجباً. التفاصيل المتعلقة بالمعارف أو أصول الدين، مثل تفاصيل البرزخ والمعاد، هي من هذه المسائل. يرى الشيخ الأنصاري رحمه الله بشأن مسائل القسم الثاني أنه بما أن تحصيل المعرفة والعلم بهذه المسائل ليس لازماً، فلا يمكن الاعتقاد والتدين بالجواب الظني لها، بل يجب التوقف عن هذه المسائل، استناداً إلى دليل الأخبار الناهية عن القول بغير علم أو الآمرة بالتوقف.
لذلك، حتى لو كان سند إحدى هذه المسائل خبر واحد صحيح (وقطعي الدلالة)، فلا يمكن الاعتماد عليه في أصول الدين؛ لأن المفترض هو أن المكلف ليس عليه أي تكليف أصلاً بمعرفة جواب مثل هذه المسائل. ولكن إذا توصل المكلف إلى العلم بهذه المسائل، فيمكنه أن يعتقد ويتدين بها، مع أنه لا يمكن اعتبار تحصيل هذا العلم والمعرفة واجباً؛ لأن هذه المعرفة، بالإضافة إلى التمكن من الاجتهاد في متون الدين، تتطلب تمكناً من قوة نظرية أخرى لكي لا يكون استنباطها مخالفاً للبراهين العقلية، وهذه القدرة والتمكن نادران جداً.
بعض شراح كلام الشيخ، استناداً إلى بعض عباراته، فرقوا بين العمل بالأخبار بسبب وجود دليل خاص (ظن خاص) والعمل بالأخبار بسبب دليل الانسداد. وبناءً على الوجه الثاني، بما أنه لا يوجد تكليف بالاعتقاد بمسائل القسم الثاني، فلا يمكننا الاعتقاد بالإجابات المستفادة منها، على عكس الوجه الأول الذي يمكن فيه الاعتقاد بمحتوى ما تم التوصل إليه. معنى هذا الكلام هو أنه بمقتضى حجية خبر الواحد مثلاً، الذي يستند إلى دليل غير دليل الانسداد، يمكن الاعتقاد بمؤداه، وفي حال أخطأنا نكون معذورين.
كلام المحقق الخراساني رحمه الله، في كتاب كفاية الأصول، حول القسم الأول من مسائل أصول الدين يتوافق مع رأي الشيخ الأنصاري رحمه الله، ويعتبر الاعتقاد بها وتحصيل العلم لهذا الاعتقاد واجباً. أما بالنسبة للقسم الثاني من مسائل أصول الدين، فإن بيان المحقق الخراساني هو كالتالي: المطلوب في الفروع العملية هو عمل الجوارح؛ والمطلوب في أصول الدين هو العمل القلبي، أي الاعتقاد والتسليم بتلك الأصول. ولكن، هل بفرض انسداد باب القطع واليقين بمسائل أصول الدين، يمكن الاعتقاد القلبي بالإجابات الظنية عنها، كما يمكن في فرض انسداد باب القطع واليقين بالمسائل العملية ترتيب الأثر على الإجابات الظنية؟
هو لا يرى اشتراك المسائل العملية مع مسائل أصول الدين في اتباع الظن المطلق (ولكن على عكس الشيخ الأنصاري لا يتعرض للظنون الخاصة)، وعلى عكس الأولى، لا يجيز الظن المطلق في باب مسائل أصول الدين؛ لأن في مسائل أصول الدين، التي الاعتقاد بها مطلوب، هناك طريق مفتوح، وهو غير مفتوح في الفروع العملية. كلما لم يكن القطع واليقين في مسائل أصول الدين ممكناً، يمكن الاعتقاد إجمالاً بالواقع كما هو، ولكن في الفروع العملية التي يجب فيها استخدام الجوارح، لا يمكن الحصول على العلم بمطابقة العمل للواقع إلا بالاحتياط، الذي بفرض أنه ليس واجباً في الشرع ولا جائزاً في العقل، وبعد تجاوز الاحتياط، لا يوجد طريق للعمل المطابق للواقع أقرب من العمل بالظن. وهكذا، يمكن الاعتقاد بشيء نعلمه ونتيقن منه، وحيثما كان طريق العلم واليقين بمسائل أصول الدين مسدوداً، فإن طريق الاعتقاد، أي العمل القلبي، بما يشكل الواقع ممكن، ولا حاجة للاعتقاد بالمظنونات. بعبارة أخرى، بفرض وجود تكليف بوجوب الاعتقاد بالقسم الثاني من مسائل أصول الدين، فإننا نوجه الاعتقاد إلى واقعها.
ذهب بعض آخر من محققي علم أصول الفقه إلى أن الالتزام والعقد القلبي بمحتوى الظنون الخاصة، المتعلقة بالمرتبة الثانية من مسائل أصول الدين، التي ثبتت حجيتها سواء بمعنى جعل الطريقية أو بمعنى المنجزية والمعذرية، لا مانع منه. بالطبع، في حال كانت حجية الظنون مستندة إلى دليل الانسداد، فإن كلام المحقق الخراساني رحمه الله يكون مقبولاً.
٨. الاعتقاد القلبي أو الديانة بالتحقيقات في متون الدين
الاعتقاد القلبي، بمعنى اليقين بالواقع، ليس ممكناً تجاه شيء يقع في دائرة احتمال الخطأ؛ لأن القلب، كسائر القوى الإدراكية، يؤدي وظيفته الطبيعية بشكل صحيح. إذا اعتقد شخص يقيناً بشيء يحتمل خلافه، فقد قام بعمل شخصي، وليس عملاً مطابقاً لطبيعة العقل. لذلك، فإن الاعتقاد اليقيني والقلبي بما يحتمل الخلاف هو عين اليقين بشيء ظني. هذا العمل ليس ممكناً من القوة العقلية الجامعة؛ لأن العقل، كما أنه لا يضع الإدراك الحسي مكان الإدراك العقلي، فإنه لا يضع أحكام درجة من التصديق مكان درجة أخرى.
في هذه الحالات، أحد الطرق هو أن نجعل متعلق الاعتقاد القلبي قضية محتملة الخطأ، وذلك بالقدر الذي يوجد فيه إمكانية للخطأ؛ مثل إرجاع جميع القضايا الموجهة إلى القضية الضرورية في فلسفة السهروردي، مع فارق أن الجهة المدرجة في محمول القضية في فلسفة السهروردي ناظرة إلى الواقع ما وراء المدرِك، وهنا ما ورد في متعلق اليقين ناظر إلى الوضع المعرفي للفاعل المدرِك تجاه الواقع: “أتيقن بأن هذه القضية بصورة ظنية، مطابقة للواقع”، أو “اعتقادي القلبي هو أن هذه القضية بصورة ظنية (ظن خاص) مطابقة للواقع”.
في هذه الحالة، يكون الطريق إلى الواقع مفتوحاً، والذهن بنظريته لا يغلق على نفسه باب الواقع، ولا يُحبس في نظريته (على عكس القضايا المتعلقة بالقسم الأول من أصول الدين، التي لا يمكن فيها حبس العقل في الأذهان أصلاً، بل إن العقل يجد طريقه قطعاً إلى الخارج، وأي تردد أو خلاف لتلك الأصول لا طريق له إلى العقل، ولا يمكن للعقل أن يثبت بالدليل أنه وجد طريقه إلى الواقع بخلاف تلك الأصول)، ولا يتخلى عن القضية المذكورة، بل يسعى دائماً وراء شواهد إثباتية أو معارضة لها، أو يجد شواهد مؤيدة تزيد من درجات تأييدها، حتى يصل في النهاية، في حال الحصول على أدلة كافية، إلى “أتيقن بأن هذه القضية مطابقة للواقع”، وفي حال العثور على شاهد مخالف، يعيد نقد ومراجعة تلك القضية بذلك الشاهد.
الطريق الآخر هو أن نعتقد بكل ظن مستفاد من متون ومصادر الدين، وكذلك البراهين العقلية على مسائل المرتبة الثانية من أصول الدين، شريطة ألا يكون منافياً بشكل خاص لإجابات مسائل المرتبة الأولى، وشريطة ألا يكون مخالفاً للواقع بشكل عام. هذه العملية جارية في جميع العلوم المعرفية المتعلقة بالواقع. فالعالم يعتقد بنظريته المدعومة بالشواهد (أي يراها مطابقة للواقع) حتى يأتي وقت يظهر فيه الواقع عدم مطابقتها. ولكن أصعب مرحلة هي أن ننسب هذا الرأي الاكتسابي إلى متون الدين ونقول إن صاحب المتن قصد هذا قطعاً. إذا كان الاعتقاد أو الديانة بمعنى الاعتقاد بالواقع بالرجوع إلى مصادر الدين، فيمكن الاعتقاد بالظنون المحتملة جداً التي تُستفاد من مصادر الدين بالطريقة الاجتهادية، أي اعتبارها مطابقة للواقع، ولكن لا يمكن نسبة محتوى تلك الظنون بشكل قاطع إلى مصادر الدين؛ لأن الإنسان كلما أيّد شيئاً بمدارك محتملة، باحتمال كبير، فإنه يعتبر الواقع على أساسها حتى يطلعه الواقع نفسه على صحته أو سقمه. لذلك، يمكن طرح الاعتقاد في فروض الاحتمال الشديد لأحد الطرفين، مقترناً بالاحتمال الضعيف للطرف المقابل. فالبشر طالب لكشف الواقع ولا يمكنه أن يكون غير مبالٍ بالواقع. سواء وصل متن الدين إلى البشر أم لم يصل، فإن العقل يريد أن يفهم كيف خُلق العالم. ومن هنا فإن الفلسفات البشرية، إلى جانب الاهتمام بعالم الواقع، تتقدم حتى حدود العوالم المفترضة والعوالم المثالية وتدرس أحوالها. فالعقل لا يسكت أمام الأسئلة ويريد أن ينتقل إلى الواقع. إضافة إلى ذلك، فإن العقل في انتقاله إلى الواقع يحتاج إلى قضايا ومفاهيم. إذا حصل العقل على هذه المفاهيم والقضايا بأنشطته الخاصة، فإنه في حال وجد خطأ أو عدم تناسق فيها، يتخلى عن نظريته التي كان يؤمن بها سابقاً، ولا ينسبها بعد ذلك إلى الواقع. عندما نقبل أن ما قصده الله ورسله هو عين الواقع، فإننا نعتبر محتوى هذه المتون عين الواقع، والرجوع إليها مثل الرجوع إلى نظام التكوين. وكما أن الرجوع إلى التكوين بهدف كشف كيفيته وسببيته وأحداثه هو عمل عادي ومألوف للعقل، حيث يقدم في هذا المسار نظريات وتجارب واختبارات، ففي قسم فهم واقع مقصود المتون الدينية، يدخل العقل أيضاً بالتحقيق على شكل نظريات ورؤى واختبارات خاصة به؛ ما هو واقع، هو واقع، ولكن ما نفهمه يجب أن نثبت أنه مطابق للواقع. إذا لم تكن الأدلة كافية في هذا الاتجاه، ولكنها أطلعت العقل بشكل ما على الواقع، فلا إشكال في أن يعتبر العقل ما وجده واقعاً محتملاً، وليس بشكل غير مشروط. يمكن للعقل أن يعبر عن نتيجة تحقيقه بهذه الطريقة: “كما توصلت إليه حتى الآن بناءً على المدارك، فإن الواقع (المتن) هو على هذا النحو”. في هذه الحالة، لا يستطيع العقل أن يكون غير مبالٍ معرفياً بهذا الاستنباط، الذي يفترض أنه تم التوصل إليه وفقاً لموازين قانونية، أو أن يتجاهله. ولكن في حال اكتشاف خلافه، يعتقد العقل فوراً بالواقع الذي تجلى؛ لأن الدليل السابق كان مهماً للعقل من حيث إنه يربطه بالواقع. وهكذا، يمكن للعقل أن يقول بخصوص أي محتوى مستفاد من أدلة القسم الأول: أنا أعتقد اعتقاداً قلبياً بهذا وذاك المحتوى؛ وبخصوص المحتوى المستفاد من القسم الثاني إلى الرابع يقول: أنا أعتقد اعتقاداً قلبياً بهذا أو ذاك المحتوى، شريطة أن يكون أصحاب مصادر الدين قد أيدوه، ولو عُلم هذا التأييد لضَمِن مطابقة العقل للواقع.
الإيمان المشروط يكون في الحالات التي يكون فيها محتوى الدليل، مع امتلاكه خاصية الكشف عن الواقع، لا ينفي احتمال الخلاف أو احتمال التخطي عن الواقع، وهذا الاحتمال ناتج عن قصور موجود جائز الخطأ في مسار الوصول إلى مصادر الدين أو في مسار فهم المقاصد المدرجة في مصادر الدين. خاصية الكشف عن الواقع في هذا النوع من الأدلة وامتلاك الشروط اللازمة للعبور إلى الواقع من خلالها، وإن لم تكن شروطاً كافية للوصول إلى الواقع، تؤدي إلى أن يتابع العقل باهتمام مسار المعرفة والانتقال إلى الواقع من خلالها. حتى لو لم تكن هذه الأدلة موجودة، لكان العقل بصدد كشف الواقع حول المسائل المعنية، فكيف إذا كانت هناك أدلة من مصادر الدين، التي هي بيان للواقع، وإن كانت في حدود الشروط اللازمة، متاحة له. لذلك، يمكن القول مرة أخرى: حتى يكتشف خلافه، يمكن للعقل أن يعتقد اعتقاداً مقيداً وشرطياً بمحتوى الأدلة المذكورة. الاعتقاد والإيمان المشروط يؤديان إلى أن يقوم المحقق دائماً بوضع محتوى متعلق الإيمان المشروط إلى جانب أدلة أخرى ويدرسه باستمرار، وفي حال تأييده بأدلة أخرى يطمئن إليه أكثر، أو في حال تعارضه مع أدلة أخرى وتغير المحتوى، يسلب الاطمئنان من المحتوى السابق. وهكذا، سواء تحرك العقل نحو الواقع بشكل محض أو توجه نحو الواقع بالرجوع إلى مصادر الدين، ففي كلتا الحالتين، بالنسبة لتفاصيل الدين، يكون لديه دائماً ذلك التصديق الأساسي ويجعله حاكماً ومحيطاً بجميع أنشطته. ومن هنا، إذا عبر العقل في أنشطته المعرفية، بشكل يقيني وضروري، إلى الواقع، فإن الإيمان والاعتقاد القلبي يثبت له بشكل راسخ ومبني على ذلك التصديق الأساسي؛ بحيث يتعين ذلك الاعتقاد والتصديق الأساسي اللامحدود في الاعتقاد الخاص والمحدود، المنتهي إلى النشاط المعرفي الواصل إلى الواقع. وإذا تحرك العقل في أنشطته المعرفية، بشكل برهاني، وفي نفس الوقت محتمل الخطأ وليس خطأ، نحو الواقع واكتسبه باستدلال برهاني اكتسابي، الذي لا يمكن طرد إمكانية الخطأ منه، فإنه يؤمن ويعتقد بذلك الواقع بشكل مشروط، وله ذلك التصديق والإيمان المشروط، ولكن الشرط المقيد لهذا الإيمان هو نفس التصديق الأساسي وليس شيئاً آخر.
العقل في هذا الوضع يؤمن ويعتقد اعتقاداً قلبياً بنشاطه المعرفي، شريطة أن يكون ذلك النشاط مطابقاً لاعتقاده القلبي وإيمانه بتصديقه الأساسي. من الناحية الموضوعية، الواقع المستفاد عن طريق النشاط المعرفي للوضع الثاني يكون واقعاً إذا كان هو نفسه الواقع المدرج في مصادر الدين؛ وإذا لم يكن كذلك، فحتى في الوضع الثاني، فإن العقل من حيث الاعتقاد والتصديق والإيمان، لا يؤمن بذلك الاعتقاد القلبي ولا يؤمن به. لذلك، فإن طبيعة العقل لا تعتقد اعتقاداً قلبياً وإيماناً إلا بالواقع، ولكن بما أننا، من وجهة نظر العقل الخاص، نصل إلى الواقع عن طريق الصور العلمية الكاشفة عن الواقع، فإننا نسلك طرق العبور إلى الواقع لندخل فيه، ولكن بما أنه قد لا نكون قد سلكنا الطريق الصحيح بسبب جواز الخطأ، فإن العقل يعتني ويهتم بنتائجه العلمية بشكل مشروط ومقيد، أي بشرط أن تكون تلك النتائج العلمية قد ربطته بالواقع. ما مضى، كان الاعتقاد أو الديانة بمعنى الاعتقاد بواقع الدين على أساس مصادر الدين مع دخول النشاط العقلي الاجتهادي. حاصل الجهد الاكتشافي الاجتهادي هو الاعتقاد والإيمان المشروط بالنتائج المستفادة. أما إذا كان الاعتقاد أو الديانة بمعنى نسبة الأمر المكتشف من مصادر الدين إلى الله والمعصومين عليهم السلام، فبما أن العقل يجوز لنفسه احتمال الخطأ في أدلة القسم الثاني إلى الرابع، فإنه لا يستطيع أن يعتقد بذلك المحتوى؛ لأنه لا يستطيع أن ينسب ذلك المحتوى، دون احتمال الخطأ من طرف الله، إلى أصحاب مصادر الدين.
٩. الجمع والاستنتاج
لا يمكن الاعتقاد القلبي واليقيني إلا بما يتعلق به اليقين العقلي، بحيث لا تحتمل طبيعة العقل خلافه (من حيث إن خلافه لا يتوافق مع أصول العقل). لذلك، كل ما هو في معرض احتمال الخلاف، بما أنه لا يمكن اليقين به يقيناً عقلياً، فإنه ليس متعلقاً للاعتقاد اليقيني.
إذا نزلنا من مرحلة اليقين العقلي إلى مرتبة الظن العقلي المحتمل جداً، فيمكن قبول متعلقه واعتباره مطابقاً للواقع بشكل مشروط. إذا توصل العقل بأصوله وقواعده إلى أمر اكتسابي بالنسبة للواقع، فإن ذلك الأمر يقع في مرتبة الظن العقلي؛ لأن احتمال الطرف المقابل لم يُنفَ كلياً، ولكن لا يمكن تجاهل هذا الظن واعتباره كالجهل؛ لأن الظن العقلي مستند إلى مدارك تتوفر فيها الشروط اللازمة لكشف الواقع، وإن لم تكن شرطاً كافياً في تحديد الواقع. هذا الظن العقلي هو مرحلة من حركة العقل نحو كشف الواقع، والآيات الدالة على نفي اتباع الظن لا تشمله أصلاً؛ لأن أولاً، العقل مع وجود احتمال الطرف المقابل لا يتبع الظن والغمان المحض أصلاً؛ بل إن العقل يسعى فقط لاتباع الواقع. ومن هنا فإنه يعرض ظنه على محك الواقع، وبمجرد الوصول إلى الواقع، في حال لم يكن مطابقاً لظنه، فإنه يتخلى عن نظريته ويلتحق بالواقع. ثانياً، يمكن القول إن مدلول الآية يذم اتباع الظن والغمان الذي لا أساس له ولا مدرك، وقرينته هي الموارد التي لا يمكن لطبيعة العقل أن تقبلها بأي وجه، لأنها لا تتوافق مع أصولها وأسسها. بعبارة أخرى، الموارد المذكورة في القرآن ليست أموراً لا مدرك لها لصالحها فحسب، بل إن المدرك قائم على خلافها، بحيث إن طبيعة العقل لا تستطيع حتى أن تتصور تصوراً معقولاً لتلك الموارد.
الحواشي
١. الشهيد الثاني، معالم الأصول، ص ٢٣٨-٢٣٩.
٢. ابن سينا، الإلهيات من الشفاء، ص ٤٢٣.
٣. سورة الحشر، الآية ٧.
٤. الشيرازي، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، ج ١، ص ١١-١٢.
٥. الأنصاري، فرائد الأصول، ج ١، ص ٥٥٣.
٦. الأنصاري، فرائد الأصول، ج ١، ص ٥٣٣-٥٦٠.
٧. الفيروزآبادي، عناية الأصول، ج ٣، ص ٣٨٢.
٨. الفيروزآبادي، عناية الأصول، ج ٣، ص ٣٨٢.
٩. الخراساني، كفاية الأصول، ج ٢، ص ٣٨٢-٣٨٥.
١٠. واعظ حسيني، مصباح الأصول، ج ٢، ص ٢٣٨.
المصادر
١. ابن سينا (١٤٠٤ ق)، الشفاء (الإلهيات)، قم، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي.
٢. الأنصاري، الشيخ مرتضى (١٤٣٢ ق)، فرائد الأصول، قم، مجمع الفكر الإسلامي.
٣. الخراساني، الشيخ محمد كاظم (١٣٨٤)، كفاية الأصول، بتحقيق الشيخ عباس علي الزراعي السبزواري، قم، مؤسسة النشر الإسلامي.
٤. الشهيد الثاني، حسن بن زين الدين (١٣٦٤)، معالم الأصول، طهران، المكتبة العلمية الإسلامية.
٥. الشيرازي، صدر الدين (١٣٦٨)، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، قم، منشورات مصطفوي.
٦. الفيروزآبادي، السيد مرتضى (١٣٨٧)، عناية الأصول في شرح كفاية الأصول، قم، منشورات ضياء الفيروز آبادي.
٧. واعظ حسيني، السيد محمد سرور (١٤٠٩ ق)، مصباح الأصول، قم، مكتبة الداوري.