دراسة عدد الأحكام التكليفية والملازمة بينها

ملخص

يتناول هذا البحث مسألة حقيقة الحرمة، هل هي طلب الترك أم الزجر؛ بمعنى أن معنى النهي هو «لا ينبغي» أم «ينبغي ألّا (يفعل)»، وكذلك تم البحث في مسألة ما إذا كان في ترك الواجب مفسدة وفي ترك الحرام مصلحة أم لا. وفي هذا السياق، تم بحث ونقد وجوه النظر المختلفة، وكذلك الأقوال المتعددة في اقتضاء الأمر بالشيء لضده العام. إن لازمة بعض الأقوال هي إنكار كون الأحكام التكليفية خمسة، وأنها عملياً لا تتجاوز ثلاثة أحكام.

مقدمة

من المباحث الهامة في بحث تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد، دراسة كيفية وضع المصالح والمفاسد بشكل تطبيقي في الأحكام التكليفية الخمسة. على سبيل المثال، في فعل الواجب، هل توجد مصلحة أم ترك مفسدة؟ وفي ترك الواجب، هل توجد مفسدة أم ترك مصلحة؟

من المباحث الأخرى حول الأحكام التكليفية هو عددها. فبناءً على بعض المباني، ليس لدينا أكثر من ثلاثة أحكام تكليفية، ولكن وفقًا لمبانٍ أخرى، توجد خمسة أقسام للحكم التكليفي. وبناءً على كون الأحكام التكليفية خمسة، يُطرح في هذا البحث سؤال: هل توجد بين هذه الأحكام الخمسة علاقة اقتضائية أم لا؟ وذلك على النحو التالي: هل كل فعل واجب مساوق لترك فعل حرام، أي أن ترك الواجب حرام، وترك الحرام واجب، أم لا؟

الفصل الأول: توضيح إجمالي لتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد

حول تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد، توجد آراء مختلفة، ولإيضاح أصل البحث، نشير إليها بإيجاز:

1. الرأي الأول: مذهب الإنكار

ينسب هذا المذهب إلى الأشاعرة، على الرغم من وجود أتباع قليلين له خارج هذه المجموعة. يرى الأشاعرة، بناءً على مبانيهم الاعتقادية، أن الأحكام الشرعية لا تتبع مصالح ومفاسد واقعية؛ إذ يعتقدون أن أفعال الله لا تتبع غرضًا، وأن فاعلية الله منزهة عن الاستناد إلى علة، ولا شيء يمكن أن يقيد ذات الله وصفاته وأفعاله. فالحسن ما حسّنه الشارع، والقبيح ما قبّحه الشارع.

2. الرأي الثاني: مذهب الإثبات

في مقابل مذهب الإنكار، يوجد مذهب تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد الواقعية. وبناءً على هذا الرأي، فإن الأحكام الإلهية تتبع مصالح ومفاسد كانت موجودة مسبقًا في متعلقاتها، حتى وإن كانت تلك المصالح والمفاسد غير قابلة للإدراك والفهم. ينسب هذا الرأي إلى جميع العدلية، وأحيانًا إلى مشهورهم.

3. الرأي الثالث: مذهب تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد الواقعية أو تبعية التشريع للمصلحة في الجعل

يتبنى هذا الرأي كبار العلماء من أمثال المحقق الخراساني (رحمه الله) والمحقق الخوئي (قدس سره). وفقًا لهذا الرأي، فإن تشريع الله، كسائر أفعاله الإلهية، يتبع غرضًا ودافعًا، ولكن تأمين هذه المصلحة لا يقتصر على أن يأمر الله بالأفعال التي فيها مصلحة ملزمة، وينهى عن الأفعال التي فيها مفسدة ملزمة؛ بل أحيانًا يتحقق تأمين المصلحة المذكورة في نفس التشريع وصرف الأمر أو النهي.

الفصل الثاني: ماهية الحرمة

فيما يتعلق بماهية الحرمة، يُطرح هذا البحث: هل ماهية الحرمة ماهية سلبية أم أن النفي موجود في متعلقها؟ وبعبارة أخرى، هل معنى حرمة شرب الخمر هو «لا ينبغي» أم «ينبغي ألّا»؟ هذا هو نفس الخلاف الموجود حول حقيقة النهي، هل هو زجر أم طلب ترك؟

يذكر المحقق القزويني في حاشيته على المعالم كلمات القدماء حول حقيقة النهي، ونشير إلى بعضها:

«وعن المنتهى: الحق أنّ النهي القول الدال على طلب الترك على جهة الإستعلاء ونحوه ما في منية السيد بعين تلك العبارة، ومنهم من عرّفه بأنه طلب ترك الفعل بقول من العالي على سبيل الإستعلاء، ومنهم من عرّفه: بأنه طلب الترك بالقول على جهة الإستعلاء كما عن نهاية العلامة، ومنهم من عرّفه بأنه طلب ترك بالقول استعلاءاً كما أشار إليه البهائي في حاشية زبدته، ومنهم من عرّفه بأنه طلب كفّ عن فعل بالقول استعلاءاً كما عن غاية المأمول والفاضل الجواد في شرحه للزبدة، ومن الفضلاء من عرّفه بأنه طلب العالي من الداني ترك الفعل على سبيل الإلزام».

تُظهر هذه الكلمات أن الأصوليين غير المتأخرين كانوا يعتبرون النهي بمعنى الطلب، وإن كانوا يختلفون في أمور أخرى، مثل ما إذا كان متعلقه الترك أم الكف، وما إذا كان العلو والاستعلاء شرطًا فيه أم لا.

يكتب المرحوم المظفر في أصول الفقه: «و النهي معناه المطابقي هو الزجر والردع عما تعلّق به و فسره المتقدمون بطلب الترك وهو تفسير بلازم معناه ولكنّهم فرضوه كأنّ ذلك هو معناه المُطابقي و لذا إعترض بعضهم على ذلك فقال: إن طلب الترك محال فلابد أن يكون المطلوب الكف».

يبدو أن القول الصحيح، كما أذعن به متأخرو الأصوليين وهو المتبادر من النهي، هو أن حقيقة النهي هي الزجر، لا طلب الترك ولا طلب الكف. كما أورد المرحوم فريد الإسلام في مجمع الفرائد: «لا يخفى أنّ النهي مختلف مع الأمر سنخاً ومتغاير معه مفهوماً، فإنّ الأمر هو حمل الغير على المطلوب بإنشاء البعث والنهي هو ردعه ومنعه عنه بإنشاء الزجر، فالأول من قبيل تحريك الغير في الخارج والثانى من قبيل وقفه وحبسه عن الفعل وعلى ذلك فتفسير النهي بأنه طلب الترك كما هو المشتهر بين الأعلام مما لا وجه له، كما لا وجه للنزاع في أن متعلّق الطلب المستفاد من النهي هل هو الترك أو الكف كما هو واضح».

الفصل الثالث: هل في الواجب مصلحة وفي ترك الواجب مفسدة، وفي الحرام مفسدة وفي ترك الحرام مصلحة، أم لا؟

كما مر في الفصل الأول، توجد ثلاثة آراء حول تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد. وبالطبع، يسري هذا البحث أيضًا وفقًا لنظرية الأشاعرة؛ لأنه وفقًا لهذه النظرية، على الرغم من عدم وجود مصلحة أو مفسدة في فعل الواجبات والمحرمات ولا في تركها، إلا أنه بناءً على هذا الرأي أيضًا، بتعلق الأمر والنهي، تنشأ مصلحة ومفسدة في متعلقهما.

وفقًا لنظرية التبعية المطلقة للأحكام للمصالح والمفاسد في متعلق الأحكام، يمكن تصور الوجوه التالية:

١. الواجب دائمًا فيه مصلحة. هذا الوجه له أقسام:

أ. ترك الواجب دائمًا فيه مفسدة.

ب. ترك الواجب أحيانًا فيه مفسدة.

ج. ترك الواجب لا مفسدة فيه أبدًا.

٢. ليس من الضروري أن تكون هناك مصلحة في فعل الواجب، بل قد تكون المفسدة فقط في تركه.

٣. لا توجد مصلحة في فعل الواجب أبدًا، بل دائمًا المفسدة في ترك الواجب.

مع الأخذ في الاعتبار الوجوه التي مرت في الوجه الأول، يكون مجموع الوجوه في المسألة خمسة. عكس هذه الوجوه الخمسة يجري في مورد فعل الحرام وتركه. أي البحث في ما إذا كان فعل الحرام مشتملًا على مفسدة، وتركه مشتملًا على مصلحة، أم لا؟

دراسة الوجوه الخمسة

دراسة الوجه الأول

يقول الشيخ الأنصاري بهذه النظرية. يقول في بحث دوران بين المحذورين: «و أما أولوية دفع المفسدة فهي مسلّمة، لكن المصلحة الفائتة بترك الواجب أيضاً مفسدة وإلا لم يصلح للإلزام؛ إذ مجرد فوات المنفعة عن الشخص و كون حاله بعد الفوت كحاله فيما قبل الفوت لا يصلح وجهاً لإلزام شيءٍ على المكلّف ما لم يبلغ حداً يكون في فواته مفسدة وإلا لكان أصغر المحرمات أعظم من ترك أهم الفرائض مع أنه جعل ترك الصلاة أكبر الكبائر».

يبدو أنه لا يمكن القول: إذا لم تكن في ترك الواجب مفسدة، فإنه لا يصلح للإلزام؛ لأنه عندما يجب على الإنسان أن يصل في مسيرة حياته إلى درجة معينة من الكمال، فإن توقفه وعدم وصوله إلى تلك الدرجة الخاصة من الكمال ليس صحيحًا، وبالتالي يجعل الشارع في حقه الوجوب. وإن لم يكن المكلف بترك ذلك قد وقع في مفسدة بمعنى التراجع، بل هو ثابت في مكانه.

كما يبدو أنه لا يمكن القول بأن القول بعدم وجود مفسدة في ترك الواجب يستلزم أن يكون ارتكاب أصغر المحرمات أعظم من ترك أهم الواجبات؛ لأن المفسدة توجد فقط في ترك بعض الواجبات مثل الصلاة، وليس كل الواجبات كذلك. هذا الإشكال كان يرد لو أن القائل قال بعدم وجود مفسدة في ترك أي من الواجبات.

فضلًا عن أن هذا الوجه في نفسه بعيد وغير قابل للقبول؛ لأن مدعى هذا الوجه هو أن ترك كل مصلحة في العالم يؤدي إلى مفسدة، وكذلك ترك كل مفسدة في العالم يؤدي إلى مصلحة.

الآن نشير إلى بيان بعض أصحاب النظر في رد هذا الوجه:

١- المحقق الخراساني في رد كلام الميرزا القمي (رحمه الله) القائل بوجود مفسدة في ترك الواجب، أورد ما يلي: «ولا يخفى ما فيه، فإنّ الواجب ولو كان معيّناً ليس إلا لأجل أن في فعله مصلحة يلزم استيفاؤها من دون أن يكون في تركه مفسدة كما أن الحرام ليس إلا لأجل المفسدة في فعله بلا مصلحة في تركه».

٢- المحقق المراغي في العناوين الفقهية يكتب: «فرق بين الضرر الموجب للنقصان في إستعداد المكلّف عن أصل مقتضى الطبيعة الساذج كما في فعل الحرام وبين الضرر الناشئ عن فوات أمر زائد على مقتضاها كان لازماً تحصيله ودعت الحاجة إليه إحتياجاً ضرورياً فالواجب والحرام بالنسبة إلى العقاب سواء وأما بالنسبة إلى المفسدة الكامنة والتأثير الذاتي فما في الواجب نفع لا يجوز تركه و ما في الحرام ضرر يجب دفعه».

٣- المحقق الخوئي (قدس سره) أيضًا أورد في المحاضرات: «ضرورة انه لا مفسدة في ترك الواجب كما انه لا مصلحة في ترك الحرام فالمصلحة في فعل الواجب من دون أن تكون في تركه مفسدة كما أنّ المفسدة في فعل الحرام من دون أن تكون في تركه مصلحة وإلا لكان اللازم أن ينحل كل حكم إلى حكمين: أحدها: متعلق بالفعل والآخر متعلّق بالترك ولازم هذا أن يستحق عقابين عند ترك الواجب أو فعل الحرام ولا نظن أن يلتزم بذلك أحد».

دراسة الوجه الثاني

يبدو من بين كلمات الفقهاء التي مرت في دراسة الوجه الأول، أن كلام المحقق الخوئي وحده يمكن أن يُستخدم في رد هذا الوجه أيضًا؛ لأنه كما مر، يعتقد أنه إذا كان لترك الواجب مفسدة ولترك الحرام مصلحة، فإن لازم ذلك هو وجود حكمين واستحقاقين للعقوبة في كل حرام أو واجب، وهذا خلاف الضرورة. وهذه المسألة التي يعدها خلاف الضرورة لا تقتصر على حالة كون جميع الواجبات والمحرمات بهذه الصورة، بل إذا وُجد هذا الوضع في بعض الواجبات والمحرمات أيضًا، فإن هذا المحذور يثبت.

دراسة كلام المحقق الخوئي (قدس سره)

يبدو أن الملازمة التي ذكرها بين هذا المبنى وانحلال كل حكم إلى حكمين ليست صحيحة؛ أولاً لأنه من الممكن أن يلتزم شخص بأن المفسدة في ترك الواجب والمصلحة في ترك الحرام، ليستا مفسدة ومصلحة ملزمة تصل إلى حد جعل الحرمة والوجوب. وثانيًا: حتى لو وصلتا إلى حد الإلزام، فليس من اللازم أن يجعل الشارع حكم الحرمة والوجوب طبقًا لكل مصلحة ومفسدة إلزامية، بل من الممكن أن تكون المصلحة في عدم الجعل، أي على الرغم من أن الأحكام المجعولة تابعة للمصالح والمفاسد في المتعلق، لا للمصلحة في الجعل، ولكن من الممكن أن يكون عدم جعل الشارع مع وجود المصلحة والمفسدة في المتعلق بسبب مفسدة في نفس الجعل.

كذلك يبدو أن القول بأنه لا يوجد في ترك أي مصلحة مفسدة، ولا في ترك أي مفسدة مصلحة، مخالف للوجدان. نعم، هذا القول مقبول وهو أنه إذا كان لترك المصلحة مفسدة، فمفسدتها ليست من جهة ترك المصلحة؛ لأن ترك المصلحة يعني فوات المنفعة، ولكن من الممكن أن يقترن ترك المصلحة بوجود مفسدة لعلة خاصة، وكذلك الكلام في ملازمة ترك المفسدة بالمصلحة.

أما كلام المحقق الخراساني والمحقق المراغي، فليس له ظهور في الوجه الثاني؛ أي الظاهر أن مراد هذين الفقيهين هو عدم وجود ملازمة بين ترك المصلحة والمفسدة وبين ترك المفسدة والمصلحة، لا أن هذين الأمرين لا يجتمعان أبدًا.

دراسة الوجه الثالث

من المباحث السابقة اتضح أن القول بأنه لا يكون في ترك المصلحة مفسدة أبدًا، ولا في ترك المفسدة مصلحة أبدًا، هو قول يخالف الوجدان. بالإضافة إلى ذلك، يمكن الاستفادة من بعض الآيات والروايات بأن ترك بعض الواجبات فيه مفسدة. نشير إلى بعض هذه الآيات والروايات:

أ. يقول الله تعالى في سورة العنكبوت: «إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ». أي أن الصلاة تبعد الإنسان عن الفحشاء والمنكر والأعمال المفسدة. فمن يترك هذا الواجب، يقع في المفسدة، والفعل أو الترك الذي هو مقدمة للوقوع في المفسدة، يكون مفسدًا. فالصلاة، مع أنها من الواجبات، يوجد في تركها مفسدة. بالطبع، هذا الاحتمال موجود أيضًا وهو ألا تكون هناك مفسدة في ترك الصلاة، ولكنها لا تمنع المفسدة، فتنشأ المفسدة من أعمال أخرى. وهذا الاحتمال وارد في معظم الروايات التالية أيضًا.

ب. في الخطبة الشريفة للسيدة الزهراء (عليها السلام) ورد: «والصلاة تنزيهاً عن الكبر». أي أن الصلاة وجبت للتطهير من الكبر، ولأن في الكبر مفسدة، وترك الصلاة مقدمة للوقوع في الكبر، فإن في ترك الصلاة مفسدة. وكذلك في موضع آخر من هذه الخطبة، تقول: «والصيام تثبيتاً للإخلاص … وحرّم الله عزّ وجلّ الشرك إخلاصاً للربوبية». حيث عُللت وجوب الصوم وحرمة الشرك بالإخلاص وتثبيته. فإذا كان الإخلاص مصلحة، فيلزم أن يكون في ترك الشرك، وهو ترك للحرام، مصلحة. وإذا كان ترك الإخلاص مفسدة، فيلزم أن يكون في ترك الصوم، وهو ترك للواجب، مفسدة.

يؤيد هذا المطلب حديث ينقله الشيخ الصدوق (رحمه الله) في علل الشرائع عن الفضل بن شاذان النيشابوري. وإن كان الفضل يقول هذه المطالب من عند نفسه ولا ينسبها إلى الأئمة (عليهم السلام)، ولكن الظاهر أنه نقل هذا المطلب إما نقلاً باللفظ أو نقلاً بالمعنى من المعصومين (عليهم السلام)؛ إذ من المستبعد جدًا أن يكون الفضل بن شاذان قد قال هذه المطالب الطويلة في علل الأحكام من عند نفسه وباستخدام استنباطاته الشخصية.

والآن نشير إلى بعض فقراته التي تؤيد المطلوب:

أ. في مورد الصلاة يقول: «مع ما فيه من الإنزجار عن الفساد جدّاً … و حاجزاً و مانعاً عن أنواع الفساد».

في مورد الصلاة، وهي عمل واجب، يذكر أثر المنع من الفساد، وكما مر، ظهوره في أن تركها مقدمة للوقوع في المفسدة.

ب. في مورد صلاة الجماعة يقول: «مع ما فيه من المساعدة على البر والتقوى و الزجر عن كثير من معاصي الله عزوجل».

ج. في مورد الصوم يقول: «مع ما فيه من الإمساك عن الشهوات».

د. في مورد الحج يقول: «وترك قساوة القلب و خساسة الأنفس ونسيان الذكر … و حظر الأنفس عن الفساد».

دراسة الوجهين الرابع والخامس

هذان الوجهان يخالفان رأي الفقهاء الذين مر بيان كلماتهم القائل بأن هناك دائمًا مصلحة في الواجبات ومفسدة في المحرمات. كما أنهما يتنافيان مع بعض الآيات والروايات التي نشير إليها:

أ. يقول الله تعالى في سورة النحل: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ». بناءً على ظاهر هذه الآية الشريفة، كل عمل يتعلق به الأمر هو عدل وإحسان؛ تترتب عليه مصلحة أوجبت أن يأمر الله به. وكذلك كل عمل يتعلق به النهي هو فحشاء ومنكر، تترتب عليه مفسدة أوجبت أن يحرمه الله. إذن، دائمًا في الواجبات مصلحة، وفي المحرمات مفسدة، بينما وفقًا للوجهين الرابع والخامس، ليس من الضروري أن تكون هناك مصلحة في الواجب ومفسدة في الحرام.

ب. يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة: «فإنّه لم يأمرك إلا بحسن ولم ينهك إلا عن قبيح». في هذه الرواية، على نحو الحصر، تم تبيين أن كل عمل واجب هو حسن، وكل عمل حرام هو قبيح. ومن الواضح أن كل عمل حسن فيه مصلحة، وكل عمل قبيح فيه مفسدة، وترك المفسدة ليس فعلاً حسنًا، بل هو ترك للقبيح. وكذلك ترك المصلحة ليس فعلاً قبيحًا، بل هو ترك للحسن.

ج. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حجة الوداع: «والله ما من شيءٍ يُقربكم من الجنّة ويباعدكم من النار إلا و قد أمرتكم به وما من شيءٍ يُقربكم من النار ويُباعدكم من الجنة إلا وقد نهيتكم عنه».

في هذه الرواية الشريفة، تم تبيين أن للعمل الواجب خاصيتين: مقرب للإنسان من الجنة ومبعد له عن النار. الشيء الذي يقرب الإنسان من الجنة ويبعده عن النار هو فعل حسن وذو مصلحة، لا ترك المفسدة؛ لأن الإنسان بترك المفسدة لا يقترب من الجنة؛ لأنه ترك مفسدة كانت تقربه من النار، لا أنه بترك المفسدة اقترب من الجنة وابتعد عن النار. كذلك في هذه الرواية الشريفة، بُيّن أن للعمل الحرام خاصيتين: مقرب للإنسان من النار ومبعد له عن الجنة. الشيء الذي يقرب الإنسان من النار ويبعده عن الجنة هو فعل قبيح وذو مفسدة، لا ترك المصلحة؛ لأن بترك المصلحة يبقى الإنسان في مكانه وفي نفس الرتبة التي هو عليها ويُحرم من الوصول إلى تلك المصلحة، لا أنه يتراجع بترك المصلحة.

نتيجة دراسة هذه الوجوه الخمسة هي أن الوجه الصحيح من بينها هو الوجه الثاني، أي أن الواجب دائمًا مشتمل على مصلحة، وأحيانًا تكون في تركه مفسدة، وأحيانًا لا تكون في تركه مفسدة. وكذلك الحرام دائمًا مشتمل على مفسدة، وأحيانًا تكون في تركه مصلحة، وأحيانًا لا تكون في تركه مصلحة.

ولكن بناءً على هذا المبنى القائل بأن الأحكام أحيانًا تابعة للمصالح والمفاسد في نفس الجعل، دون أن تكون في متعلقها مصلحة أو مفسدة، وأحيانًا يوجب الشارع عملًا لأن في جعل وجوبه مصلحة، وإن لم تكن في متعلق الوجوب مصلحة ملزمة، في هذه الصورة، هذا المطلب قابل للتأمل، وهو أنه عندما يحرم الشارع عملًا ليس فيه مفسدة، فهل في جعل الحرمة لذلك العمل مصلحة، أم في عدم جعل الحرمة لذلك العمل مفسدة؟

الفصل الرابع: هل الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده العام أم لا؟ وهل النهي عن الشيء يقتضي الأمر بذلك الشيء أم لا؟

المراد بالضد العام هو النقيض المنطقي. مثلًا، الضد العام للصلاة هو عدم الصلاة. اختلف علماء الأصول في أن الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضده العام أم لا؟ بمعنى أنه إذا كانت الصلاة متعلق الأمر، فهل يقتضي ذلك أن يكون عدم الصلاة متعلق النهي أم لا؟ وكذلك في النهي، بمعنى أنه إذا كان الكذب منهيًا عنه، فهل لترك الكذب أمر أم لا؟

يقول المرحوم المظفر (رحمه الله) في هذا البحث: «اختلاف العلماء في الضد العام ليس من جهة أصل الاقتضاء وعدمه؛ لأن الظاهر أنهم متفقون على أصل الاقتضاء. اختلاف العلماء في كيفية الاقتضاء، وفيها أربعة أقوال:

١. الاقتضاء على نحو العينية.

٢. الاقتضاء على نحو الجزئية ودلالة التضمن.

٣. الاقتضاء على نحو اللزوم البين بالمعنى الأخص.

٤. الاقتضاء على نحو اللزوم البين بالمعنى الأعم أو غير البين».

وفي النهاية ينكر أصل الاقتضاء. والآن، بناءً على المطالب المتقدمة، نحلل ونبحث هذه الأقوال الخمسة بشكل منفصل:

1. القول بالعينية

بمعنى أن الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده العام؛ على سبيل المثال، الأمر بالصلاة هو عين النهي عن ترك الصلاة، وكذلك النهي عن الشيء هو عين الأمر بترك ذلك الشيء.

يقول المحقق الخوئي (قدس سره) في تبيين هذا القول: «فإن أريد من العينية في مقام الإثبات والدلالة أعني بها ان الأمر بشيء و النهي عن تركه يدلان على معنى واحد وانما الاختلاف بينهما في التعبير فقط بأن يكون المقصود من كل من «صل» و «لا تترك الصلوة» مثلاً ابراز كون الصلاة على ذمّة المكلّف و كونها واجباً فهذا مما لا إشكال فيه ولكن الظاهر ان العينية بذلك المعنى ليست مراداً للقائل بها. وإن أريد بها العينية في مقام الثبوت والواقع فيرد عليه: انه إن أريد من النهي عن الترك طلب تركه المنطبق على الفعل فانّ ترك الترك وإن كان مغايراً للفعل مفهوماً إلا انه عينه مصداقاً لأنه عنوان انتزاعي له فلا يمكن أن يُراد من النهي عن الترك طلب تركه لاستلزام ذلك النزاع في ان الأمر بالشيء يقتضي نفسه وهذا النزاع لا محصل له. وإن أريد بالنهي عن الترك، النهي الحقيقي الناشي عن مبغوضيّة متعلّقه فلا يمكن أن يُراد فيما نحن فيه لأنّ الأمر الحقيقي يباين النهي الحقيقي تبايناً ذاتياً فلا اشتراك بينهما لا في ناحية المبدأ ولا في ناحية الاعتبار ولا في ناحية المنتهى. أما من ناحية المبدأ فلأنّ الأمر تابع للمصلحة والنهي تابع للمفسدة وأما من ناحية الاعتبار فلأن حقيقة الأمر اعتبار المولى الفعل على ذمّة المكلف وابرازه في الخارج بمبرز كصيغة الأمر، وحقيقة النهي اعتبار المولى حرمة الفعل عليه وجعله محروماً عنه و إبرازه في الخارج بمبرز كصيغة النهي، وأما من ناحية المنتهى فلأنّ الأمر يمتثل بإتيان متعلّقه والنهي يمتثل بترك متعلقه».

هذا القول مبني على أننا في الفصل الثاني، نعتبر معنى الحرمة طلب الترك «ينبغي ألّا»، لا الزجر عن الفعل «لا ينبغي». بناءً على ذلك، سيكون معنى «صلِّ» و«لا تترك الصلاة» واحدًا؛ لأن معنى الأول هو طلب الصلاة، ومعنى الثاني هو طلب ترك ترك الصلاة، والصلاة وترك تركها لهما عينية في الخارج، وإن كانا متباينين مفهومًا.

إذن، بناءً على هذا القول، الأحكام التكليفية ثلاثة، لا خمسة، وهي: ١. يجب لزومًا. ٢. طلب غير لزومي. ٣. إباحة؛ لأن بناءً على هذا القول، تختلف الحرمة والوجوب فقط في المتعلق، بحيث يوجد في متعلق الحرمة ترك، ولكن حقيقة حكم الحرمة والوجوب حقيقة واحدة وهي مفهوم «الطلب» و«يجب». إذن، الوجوب والحرمة من حيث ذاتهما لهما عينية مفهومية، ومن حيث المتعلق لهما عينية مصداقية.

هذه النقطة أيضًا جديرة بالاهتمام، وهي أن هذا القول متصور بناءً على جميع المباني في تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد. حتى لو كان شخص قائلًا بتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد في المتعلق، ويعتبر الواجب مشتملًا على مصلحة والحرام مشتملًا على مفسدة، فإن ذلك لا يضر بالعينية. مثلًا، عندما يقول: «يجب ترك اللهو»، فهذه الجملة هي عين «يحرم اللهو»، وإن كان يُستفاد من الجملة الأولى وجود مصلحة في ترك اللهو، ومن الجملة الثانية وجود مفسدة في اللهو.

كما مر في الفصل الثاني، فإن معنى الحرمة هو «لا ينبغي»، لا «ينبغي ألّا». وكما أن معنى النهي هو الزجر لا طلب الترك، ومن الواضح أنه لا توجد عينية بين طلب الترك والزجر.

2. القول بالجزئية

بمعنى أن الأمر بالشيء، على نحو الجزئية ودلالة التضمن، يدل على النهي عن تركه، وكذلك النهي عن الشيء يدل بهذه الصورة على الأمر بتركه؛ لأن حقيقة الوجوب والحرمة حقيقة مركبة. حقيقة الوجوب هي طلب الشيء مع المنع من نقيضه، وحقيقة الحرمة هي طلب الترك مع المنع من نقيضه. بناءً على هذا القول، الحرمة جزء من معنى الوجوب، والوجوب جزء من حقيقة الحرمة. وأن المنع من الترك الموجود في الوجوب، إما بسبب مفسدة في ترك الواجب تم المنع من الترك لأجلها، أو بسبب فوات المصلحة الملزمة تم المنع من ترك الواجب.

في توضيح هذا القول، هذه النقطة ذات أهمية، وهي أنه إذا كانت حقيقة الحرمة، بناءً على هذا القول، هي طلب الترك، ففي هذه الصورة، تكون الحرمة جزءًا من الوجوب وعينًا له مصداقيًا. ولكن إذا اعتبرنا حقيقة الحرمة هي الزجر و«لا ينبغي»، فستكون الحرمة جزءًا من الوجوب فقط، لا عينه. إذن، بناءً على الفرض الأول، ستكون الأحكام التكليفية ثلاثة، وبناءً على الفرض الثاني، خمسة.

دراسة هذا القول

الأحكام التكليفية مثل الوجوب والحرمة بسيطة لا مركبة، بمعنى أن حقيقة الوجوب هي الطلب الشديد، وحقيقة الحرمة هي الزجر الشديد، والمنع من النقيض هو لازم ومعنى تحليلي لهما.

يرد المحقق الخوئي نفس الإشكال الذي أورده على القول بالعينية على هذا القول أيضًا: «ضرورة انه كما لا يكون النهي متّحداً مع الأمر في المراحل المتقدّمة، كذلك لا يمكن أن يكون جزؤه في تلك المراحل».

3. و 4. القول باللزوم البين بالمعنى الأخص أو بالمعنى الأعم أو غير البين

كما مر، فإن معنى الحرمة هو «لا ينبغي» و«الزجر»، والوجوب والحرمة مفاهيم بسيطة، فلا وجه للقول بالعينية والجزئية. الآن بحثنا يقع في هذا الواقع، وهو هل للأمر بالشيء ملازمة مع النهي عن ترك ذلك الشيء، وكذلك هل للنهي عن الشيء ملازمة مع الأمر بترك ذلك الشيء أم لا؟

بالطبع، القائلون بالملازمة هنا التزموا بها بصور مختلفة. بعضهم قال باللازم البين بالمعنى الأخص، وبعضهم بالمعنى الأعم، وبعضهم بغير البين. هذا المطلب أيضًا يجب أن يُبحث، وهو أنه إذا وُجدت ملازمة، فهل هي بين الوجوب والحرمة النفسية أم الحرمة الغيرية التي لا عقاب في مخالفتها. إذا قلنا إن لازم وجوب الشيء هو حرمة تركه وفيها مفسدة، فهذا يتوافق أكثر مع كون الحرمة نفسية. نتيجة لذلك، سيكون هذا الوجوب والحرمة في عرض بعضهما البعض، وكونهما عرضيين هو بلحاظ مقام الثبوت، وإلا فبلحاظ مقام الإثبات، نصل من وجوب الشيء إلى حرمة تركه. ولكن إذا قلنا إنه لا توجد مفسدة في تلك الحرمة، بل هو مجرد ترك للمصلحة، ففي هذه الصورة تصبح الحرمة غيرية وتكون في طول الوجوب؛ لأنه كما مر في الفصل الثالث، فإن الحرمة النفسية دائمًا تابعة لمفسدة في متعلقها.

دراسة هذا القول

يقول المحقق الخوئي (قدس سره) في دراسة هذا القول: «وأما دعوى الدلالة الإلتزامية باللزوم البين بالمعنى الأعمّ فهي أيضاً لا يمكن تصديقها لعدم الدليل عليها لا من العقل ولا من الشرع، أما من ناحية العقل فلأنّ مدعى الملازمة إما يدعي الحرمة النفسية أو الحرمة الغيرية وكلتا الدعويين فاسدة : أما الأولى فلأنّ الحرمة النفسية إنما تنشأ من مفسدة الزامية في متعلّقها ومن الواضح انه لا مفسدة في ترك الواجب ولو سلمناه أحياناً فلاكلية لذلك وأما الثانية فلعدم ملاك الحرمة الغيرية فيه أولاً لانتفاء المقدمية و كونها لغواً ثانياً لعدم ترتّب أثر عليها من العقاب و نحوه و بالجملة فإنّ كلّاً من الوجوب و الحرمة يحتاج إلى إعتبار مستقل والتفكيك بينهما في مقام الإعتبار بمكان من الإمكان و كذا لا يحكم العقل بالملازمة بين إرادة شيء و كراهة نقيضه؛ إذ قد يريد الإنسان شيئاً غافلاً عن تركه فكيف يكون كارها له. وأما من ناحية الشرع فلأنّ ما دلّ على وجوب شيء لا يدلّ على حرمة تركه و من هنا قلنا انه لا مفسدة في ترك الواجب ليكون تركه محرّماً كما انه لا مصلحة في ترك الحرام ليكون واجباً».

بالطبع، لبعض الروايات ظهور ابتدائي في اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن تركه، ونشير إلى هذه الروايات:

أ. عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «ولا صبر لكم عليه فاعملوا بما أحبّ الله واتركوا ما كره الله» حيث أمر في هذه الرواية بترك المكروهات أو المحرمات. أي أن كل عمل مكروه أو حرام، تركه مستحب أو واجب.

ب. في نهج البلاغة ورد: «لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولي عليكم أشراركم». حيث أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما عملان واجبان، قد حُرّم.

ج. عن إسماعيل بن جابر عن أبي عبد الله (عليه السلام): «فمهلاً مهلاً يا أهل الصلاح لا تتركوا أمر الله وأمر من أمركم بطاعته». حيث نُهي في هذه الرواية عن ترك أوامر الله، أي أن ترك الواجب حرام.

د. سمعت عليًا (عليه السلام) يقول: «لا تتركوا حج بيت ربّكم لا يخل منكم ما بقيتم». حيث ورد النهي عن ترك الحج، وهو عمل واجب. بالطبع، هذه الرواية ليست عامة وتختص بالحج.

في كلمات كثير من الفقهاء أيضًا، صُرّح بهذا الاقتضاء، ونشير إلى نماذج منها:

١. العلامة الحلي (رحمه الله) في تذكرة الفقهاء يقول: «يستحب للأب تعليم ولده الصغير و لا يحرم تركه». يُستفاد من كلامه أن علة عدم حرمة ترك التعليم هي أن التعليم ليس بواجب، أي لو كان التعليم واجبًا، لكان تركه حرامًا.

٢. الشهيد الأول (رحمه الله) في القواعد والفوائد يقول: «وكذا نقول في خصال الكفّارة لما وجب المشترك حرم ترك الجميع لاستلزامه ترك المشترك».

٣. الفاضل المقداد في التنقيح الرائع يقول: «لأن الوجوب والحرمة يتعاكسان في طرفي النقيض فما حرم تركه وجب فعله و بالعكس».

٤. المحقق الكركي (رحمه الله) في جامع المقاصد يقول: «وما وجب تركه ففعله منهي عنه».

٥. الوحيد البهبهاني (رحمه الله) في الحاشية على مدارك الأحكام يقول: «والواجب تركه حرام موجب للعقاب».

٦. المحقق النراقي (رحمه الله) في مشارق الأحكام يقول: «حرمة الترك فرع وجوب الفعل».

دراسة الروايات وكلمات الفقهاء

الظاهر أن مراد الروايات وكلمات الفقهاء من الواجب والحرام الذي يُلزم به هو واجب وحرام عرضي لا ذاتي؛ أي أن الشارع لا يجعل حكمًا طبقًا له، بل هو مجرد «ينبغي» و«لا ينبغي» عقلي ينتزعه العقل من «ينبغي» و«لا ينبغي» الشرعيين. مثلًا، عندما يجعل الشارع الوجوب للصلاة، ينتزع العقل «لا ينبغي» لترك الصلاة، دون أن يجعل الشارع حرمة لترك الصلاة.

ربما يشير كلام المحقق الأصفهاني (رحمه الله) إلى هذا المطلب، حيث يقول: «وإذا حرم ترك الردّ وجب نقيضه بوجوب عرضي لا بوجوب شرعي حقيقي لعدم انحلال التحريم إلى حرمة الفعل و وجوب الترك كعدم إنحلال الإيجاب إلى وجوب الفعل و حرمة الترك».

وكذلك يحتمل أن يكون مراد الفقهاء وجوبًا شرعيًا غيريًا لا يستحق عقابًا.

في نهاية هذا الفصل، تجدر الإشارة إلى أنه لا فرق في الاقتضاء وعدم الاقتضاء بين الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة؛ أي إذا كان حكم عقلي انتزاعي أو حكم شرعي غيري يجري في الواجبات والمحرمات، فإنه يجري في المستحبات والمكروهات أيضًا؛ بمعنى أنه إذا استُحب عمل، أصبح تركه مكروهًا، وإذا كُره عمل، أصبح تركه مستحبًا.

ولذا يقول الشهيد الأول (رحمه الله) في القواعد والفوائد: «الفائدة العاشرة: يجب ترك المحرمات ويستحب ترك المكروهات».

ولكن مع ذلك، يكتب أبو جعفر العاملي في استقصاء الاعتبار: «ويخطر في البال انّ الأمر بالشيء إذا اقتضى النهي عن ضدّه العام في الواجب ينبغي أن يقتضي النهي عن ضدّه العام في المندوب فيكون تركه مكروهاً وقد ذكرت هذا للوالد فأجاب، بأن ظاهر كلام الاصوليين في الوجوب والأمر كما ترى».

الفصل الخامس: ثمرات البحث

اشتمل هذا البحث على أربعة فصول. ظهرت ثمرة الفصل الأول والثاني في الفصل الثالث والرابع. والآن نتناول بعض ثمرات الفصل الثالث والرابع.

ثمرات الفصل الثالث

١. في بحث اجتماع الأمر والنهي، ذُكرت وجوه لتقديم النهي على الأمر، منها قاعدة «دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة». بتقريب أن الواجبات مشتملة على مصلحة والمحرمات مشتملة على مفسدة، فتكون مراعاة جانب الحرام أولى. ولكن إذا كان شخص مثل الميرزا القمي (رحمه الله) قائلًا بوجود مفسدة في ترك الواجب أيضًا، فإن هذه القاعدة لا تكون دليلًا على تقديم جانب الحرمة.

٢. بعض الألفاظ الدالة على البعد عن الله، مثل «اللعن»، التي استخدمت في الآيات والروايات بشأن بعض الأعمال، إذا قلنا إنه لا توجد مفسدة في ترك الواجب، فإن تعبير «اللعن» سيدل على الحرمة أو الأعم من الحرمة والكراهة، وسيشمل ترك العمل الواجب أو المستحب. ولكن إذا قلنا إن في ترك الواجب مفسدة، فإن تعابير مثل «اللعن» ستكون متوافقة مع ترك الواجب أيضًا.

ثمرات الفصل الرابع

١. المحقق الخراساني (رحمه الله) في بيان ثمرة بحث الضد العام يكتب: «تظهر الثمرة في أنّ نتيجة المسألة و هي النهي عن الضدّ بناءاً على الاقتضاء بضميمة أنّ النهي في العبادات يقتضي الفساد ينتج فساده إذا كان عبادة».

بالطبع، أنكر كثير من الأصوليين هذه الثمرة، والبحث فيها يطول.

٢. بعض الأخباريين في الشبهة البدوية بين الشبهة الوجوبية والتحريمية فصلوا، فقالوا بالبراءة في الأولى وبالاحتياط في الثانية. هذا التفصيل إما مبني على إنكار اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضده، أو أنه إذا قبلوا الاقتضاء، فيجب أن يعتبروا اللازم وجوبًا أو حرمة غيرية لا عقاب فيها، وفي هذه الحالة، لا يتوافق هذا التفصيل مع كون ذلك اللازم نفسيًا؛ لأنه إذا شُك مثلًا في وجوب رؤية الهلال، يُشك أيضًا في حرمة تركه، وإذا جرت البراءة في الوجوب، فلن يكون لها أي أثر؛ لأن المكلف يجب عليه الاحتياط من حيثية حرمة تركه.

النتيجة

١. القول الصحيح، كما أذعن به متأخرو الأصوليين والمتبادر من النهي، هو أن حقيقة النهي هي الزجر، لا طلب الترك ولا طلب الكف.

٢. الواجب دائمًا مشتمل على مصلحة، وأحيانًا تكون في تركه مفسدة، وأحيانًا لا تكون. وكذلك الحرام دائمًا مشتمل على مفسدة، وأحيانًا تكون في تركه مصلحة، وأحيانًا لا تكون.

٣. الأمر بالشيء لا يقتضي بأي وجه النهي عن ضده العام. فإذا كان فعل واجبًا، فليس تركه حرامًا لزومًا. وإذا كان فعل حرامًا، فليس تركه واجبًا لزومًا.

الهوامش

١. الخراساني، درر الفوائد في الحاشية على فرائد الأصول، ص ٤١٨.

٢. الخوئي، موسوعة الإمام الخوئي، ج ١، ص ٣٠.

٣. عليدوست، فقه و مصلحت، ص ١٤٩، ١٥٥، ١٥٨ و ١٥٩.

٤. الموسوي القزويني، تعليقة على معالم الأصول، ج ٤، ص ٤٨٥ و ٤٨٦.

٥. المظفر، أصول الفقه، ج ١، ص ٢٩٥.

٦. الكاشاني، مجمع الفرائد، ص ٢.

٧. الأنصاري، فرائد الأصول، ج ٢، ص ١٨٧.

٨. الخراساني، كفاية الأصول، ج ٢، ص ٦٥.

٩. المراغي، العناوين الفقهية، ج ٢، ص ٣٩٤.

١٠. الفياض، محاضرات في الأصول، ج ٤، ص ٤١١.

١١. «إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ» سورة العنكبوت، آية ٤٥.

١٢. الصدوق، علل الشرائع، ج ١، ص ٣٣٢.

١٣. نفس المصدر.

١٤. الصدوق، علل الشرائع، ج ١، ص ٣٤٢.

١٥. نفس المصدر، ص ٣٤٩.

١٦. نفس المصدر، ص ٣٥٩.

١٧. نفس المصدر، ص ٣٦٢.

١٨. «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ» سورة النحل، آية ٩٠.

١٩. نهج البلاغة، الرسالة ٣١.

٢٠. الكليني، الكافي، ج ٢، ص ٧٤.

٢١. المظفر، أصول الفقه، ج ١، ص ٢٥٩.

٢٢. الفياض، محاضرات في أصول الفقه، ج ٣، ص ٤٥-٤٧.

٢٣. الفياض، محاضرات في أصول الفقه، ج ٣، ص ٤٧.

٢٤. الفياض، محاضرات في أصول الفقه، ج ٣، ص ٤٩.

٢٥. الطوسي، الأمالي، ص ٢٨.

٢٦. نهج البلاغة، الرسالة ٤٧.

٢٧. الكليني، الكافي، ج ٨، ص ١٢.

٢٨. الطوسي، الأمالي، ص ٥٢٢.

٢٩. الحلي، تذكرة الفقهاء، ج ٣، ص ١١٧.

٣٠. الشهيد الأول، القواعد و الفوائد، ج ١، ص ١٩١.

٣١. الفاضل المقداد، التنقيح الرائع، ج ١، ص ٥٢٣.

٣٢. الكركي، جامع المقاصد، ج ٥، ص ١٣.

٣٣. الوحيد البهبهاني، الحاشية على مدارك الأحكام، ج ١، ص ٣٩١.

٣٤. النراقي، مشارق الأحكام، ص ٢٧٧.

٣٥. الأصفهاني، حاشية كتاب المكاسب، ج ١، ص ٣٤٤.

٣٦. نفس المصدر، ج ١، ص ٩٠.

٣٧. نفس المصدر، ج ٦، ص ٣١١.

٣٨. القمي، قوانين الأصول، ج ١، ص ١٥٣.

٣٩. الخراساني، كفاية الأصول، ج ١، ص ٢٤٥.

٤٠. البحراني، الحدائق الناضرة، ج ١، ص ٤٣.

المصادر

١. الأصفهاني، محمد حسين (١٤١٨ق)، حاشية كتاب المكاسب، قم، أنوار الهدى.

٢. الأنصاري، مرتضى (١٤٢٧ق)، فرائد الأصول، قم، مجمع الفكر الإسلامي.

٣. البحراني، يوسف بن أحمد (١٤٠٥ق)، الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، قم، دفتر انتشارات إسلامي.

٤. الحلي، الحسن بن يوسف (١٤١٤ق)، تذكرة الفقهاء، قم، مؤسسة آل البيت (ع).

٥. الخراساني، محمد كاظم (١٤٢٩ق)، كفاية الأصول، قم، مؤسسة نشر إسلامي.

٦. __________ (١٤١٠ق)، درر الفوائد في الحاشية على الفرائد، طهران، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي.

٧. الخوئي، السيد أبو القاسم (١٤١٨ق)، موسوعة الإمام الخوئي، قم، مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي.

٨. الشهيد الأول، محمد بن مكي (د.ت)، القواعد والفوائد، قم، مكتبة مفيد.

٩. الصدوق، محمد بن علي (١٣٨٤ش)، علل الشرائع، قم، مطبعة علمية.

١٠. الطوسي، محمد بن الحسن (١٤١٤ق)، أمالي، قم، دار الثقافة.

١١. العاملي، محمد بن الحسن (١٤١٩ق)، استقصاء الاعتبار في شرح الاستبصار، قم، مؤسسة آل البيت (ع).

١٢. عليدوست، أبو القاسم (١٣٨٨ش)، فقه و مصلحت، قم، پژوهشگاه فرهنگ و انديشه إسلامي.

١٣. الفاضل المقداد بن عبد الله السيوري (١٤٠٤ق)، التنقيح الرائع لمختصر الشرائع، قم، مكتبة آيت الله مرعشي.

١٤. فريد الإسلام الكاشاني، علي (١٣٦٨ق)، مجمع الفرائد، قم، چاپخانه أمير.

١٥. الفياض، محمد إسحاق (١٩٧٤م)، محاضرات في أصول الفقه، قم، دار الكتب العلمية.

١٦. الكركي، علي بن الحسين (١٤١٤ق)، جامع المقاصد في شرح القواعد، قم، مؤسسة آل البيت (ع).

١٧. الكليني، محمد بن يعقوب (١٤٠٧ق)، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية.

١٨. المراغي، السيد مير عبد الفتاح (١٤١٧ق)، العناوين الفقهية، قم، دفتر انتشارات إسلامي.

١٩. المظفر، محمد رضا (١٣٧٥ش)، أصول الفقه، قم، انتشارات إسماعيليان.

٢٠. الموسوي القزويني، سيد علي (١٤٢١ق)، تعليقة على معالم الأصول، قم، مؤسسة نشر إسلامي.

٢١. الميرزا القمي (١٣٧٨ق)، قوانين الأصول، قم، مكتبة علمية إسلامية.

٢٢. النراقي، مولى محمد (١٤٢٢ق)، مشارق الأحكام، قم، كنگره نراقيين.

٢٣. الوحيد البهبهاني، محمد باقر (١٤١٩ق)، الحاشية على مدارك الأحكام، قم، مؤسسة آل البيت.

Scroll to Top