خلاصة
تبحث نظرية المعرفة المعاصرة في المرجعية المعرفية من خلال مقاربات مختلفة، ومن بين هذه المقاربات نظرية المعرفة القائمة على الفضيلة. يركز هذا المنهج على تأثير الخصائص الأخلاقية والعقلانية للفاعل العارف في تشكيل المعرفة وتكوينها، ويتناولها بالدراسة. وتعتبر بعض اتجاهات نظرية المعرفة الفضائلية الخصائص الأخلاقية والعقلانية للفاعل العارف معيارًا لتقييم المعرفة أيضًا. يهدف هذا البحث إلى تحليل الاجتهاد كمرجعية معرفية من منظور هذه المقاربة المعرفية بأسلوب تحليلي-وصفي. بناءً على هذه المقاربة، يُعتبر الاجتهاد، بوصفه ملكة نفسانية، فضيلة عقلانية. ويرى بعض الأصوليين أنه يجب على الفاعل العارف، للتمتع بالاجتهاد أو لإكماله، أن يتحلى بخصائص أخلاقية أيضًا. وتُدرس هذه النظرة في إطار بحث ماهية القوة القدسية وصلتها بالاجتهاد. بالإضافة إلى ذلك، يتم تتبع ماهية العدالة وتأثيرها في الوثاقة المعرفية للمرجع. إن القوة القدسية والعدالة من المصطلحات المستخدمة في التراث الفلسفي والأخلاقي، ولكن الأصوليين والفقهاء قد استفادوا منها في المباحث الأصولية والفقهية ببيان يتناسب معها.
المقدمة
تُعدّ نظرية المعرفة القائمة على الفضيلة (Virtue epistemology) من المقاربات الحديثة التي تتناول وظائف الفضائل الأخلاقية والعقلانية في نظرية المعرفة، وبشكل خاص في المرجعية المعرفية (Epistemic authority) (Zagzebsk, 2012, p.48; Zagzebsk, 2009, p.87).
إن المؤشر الأهم في هذه المقاربة هو تقييم الفاعل العارف بوصفه عاملًا معرفيًا، وبحسب الأهمية التي يُولِيها تقييم العامل المعرفي في المعرفة، يمكن تقديم صيغ متعددة لنظرية المعرفة الفضائلية؛ فالصيغة الضعيفة لهذه المقاربة لا تعتبر التحلي بالفضيلة معيارًا لصحة المعرفة. ومن ثم، على الرغم من أنها تولي اهتمامًا لخصائص الفاعل العارف، إلا أن المعرفة الصحيحة مستقلة عن الفاعل وقابلة للتقييم، وتقييم الفعل من الناحية المفاهيمية لا يعتمد على خصائصه. بعبارة أخرى، تقييم الفعل المعرفي ليس مشروطًا بشخصية الفاضل، وصحته مستقلة عن صحة الفاعل، والحسن الفعلي يُقيّم بمعزل عن الحسن الفاعلي. ولنظرية الفضيلة صيغة قوية أيضًا، وهذا يعني أن الحسن الفعلي مبني على الحسن الفاعلي، وتقييم الفعل المعرفي (أي المعرفة) يتم بناءً على خصائص العارف (الحسن الفاعلي). في هذه المقاربة لنظرية المعرفة الفضائلية، تُعرّف المعرفة أو الاعتقاد المبرر بناءً على الفضيلة أو الفعل الفاضل (Zagzebsk, 1993, p.73).
أما عن أي الفضائل هي المقصودة، فبناءً على تقسيم، تُقسّم الفضائل إلى فضائل أخلاقية وعقلانية، ولكن يختلف علماء المعرفة في تحديد مصداق الفضيلة العقلانية (Zagzebsk, 1996, p.78).
وفقًا لبعض آراء نظرية المعرفة الفضائلية، فإن الفضيلة هي ميزة عميقة ومستقرة ومكتسبة تستلزم دافعًا خاصًا لتحقيق الهدف والمطلوب، وتكون ناجحة في تحقيقه بشكل فعال (Zagzebsk, 2004, p.18). وفيما يتعلق بالنجاح والوصول إلى المعرفة، نواجه مقاربتين؛ المقاربة الداخلية (Internalist) التي لا ترى أن الوصول إلى المعرفة خارج عن متناول الفاعل العارف، وتعتبره نتيجة لنشاط معرفي كالتفكير. وفي المقابل، ترى المقاربة الخارجية (Externalist) أن الوصول إلى المعرفة خارج عن متناول الفاعل العارف، وتعتبره نتيجة لمجرد النشاط المعرفي (Vahid, 2011, p.144). وأحيانًا، تُقسّم المعرفة، بناءً على سبب تكونها، إلى درجة عالية ودرجة منخفضة (Zagzebsk, 1996, p.275).
في منظور الفضيلة، تكون الفضيلة راسخة في النفس، وبعبارة أخرى أصبحت ملكة، وليس من اللازم أن تكون الفضيلة وسطًا بين الإفراط والتفريط (مصباح، تعليقة، ١٤٠٥ق، ص١٧٧).
في التراث الإسلامي، يمكن تصور إمكانيات متعددة للبحث في دور الفضائل العقلانية والأخلاقية في نظرية المعرفة. وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى المباحث الأصولية والفقهية حول الاجتهاد وعلاقته بالقوة القدسية والعدالة.
بعض الآراء الأصولية تعرّف الاجتهاد بناءً على مصطلح “ملكة”. وإن لم يُلحظ هذا المصطلح في التعريف، فإنه يحصل للمستنبط عادةً، وتكتسب خاصية الرسوخ في النفس أهمية في الاستنباط. وقد تكون قوة ملكة الاجتهاد سببًا للأعلمية والأهلية للرجوع إليه. ومن الواضح أن هذه الخاصية تتعلق بالقوى المعرفية، وتُعتبر على وجه الخصوص ميزة وفضيلة عقلانية. وربما يمكن القول إن هذه الفضيلة تختص بمجال الفقه بالاسم المذكور آنفًا.
النقطة الأخرى هي أن بعض الأصوليين قد تناولوا دراسة علاقة الاجتهاد بالفضائل الأخلاقية، وكذلك الفضائل العقلانية التي لا تختص بمجال واحد، وتندرج تحت عنوان القوة القدسية. وعلى الرغم من أن مصطلح القوة القدسية كان مستخدمًا في الفقه قبل المحقق البهبهاني، إلا أنه كان أول من شرح بالتفصيل القوة القدسية وصلتها بالاجتهاد، وبيّن سبيل اكتسابها. وفيما بعد، تناول تلامذته، مثل الميرزا القمي والمرحوم النراقي، هذا الموضوع أيضًا.
٢. الاجتهاد بوصفه فضيلة عقلانية
يتضمن المعنى اللغوي للاجتهاد الجد والجهد، وبالنسبة لمعناه الاصطلاحي في الفقه، نواجه على الأقل نوعين من التعريفات؛ تعريف يعرّف الاجتهاد بناءً على ملكة نفسانية (الشيخ البهائي، ١٤٢٣ق، ص٣٩)، وتعريف يعرّفه بناءً على المعنى اللغوي، أي بمعنى السعي والجهد (المحقق الحلي، ١٤٢٣ق، ص٢٥٣) أو بذل غاية الجهد (العلامة الحلي، ١٤٠٤ق، ص٢٤٠) من أجل الحصول على الأحكام الشرعية أو الظن بالحكم الشرعي. تشير هذه التعريفات إلى أنه، أولاً، في الاجتهاد، تثبت ملكة متعلقة بالقوى المعرفية للنفس، وثانيًا، يتضمن هذا المعنى غاية الجد والسعي في استخدام القوى المعرفية. ويرى المحقق العراقي أن الاختلاف في تعريف الاجتهاد لا ينشأ من اختلاف الأصوليين في حقيقة الاجتهاد، بل إن جميع التعريفات تشير إلى بُعد من أبعاد الاجتهاد. فمن حيث إن استخراج الأحكام والوظائف الفعلية لا يتم إلا عن طريق قوة راسخة في تنقيح القواعد النظرية وتطبيقها في الموارد، يُعرّف الاجتهاد على أساس الملكة، ومن حيث إن تطبيق القواعد في مقام الاستنباط يصاحبه تحمل للمشقة، يُعبّر عنه ببذل غاية الجهد (العراقي، ١٤١٧ق، ج٤، ص٢١٦). بناءً على ذلك، يمكن اعتبار الاجتهاد، في إطار نظريات المعرفة الحديثة، فضيلة عقلانية؛ لأنه حالة نفسانية مستقرة ومكتسبة، يُستخدم لتحقيق هدف معرفي؛ (Zagzebsk, 2000, p.457) فالاجتهاد حالة راسخة، مكتسبة، وبهدف الحصول على الحكم الشرعي. كما أن بعض الأصوليين قد اعتبروا شروطًا مثل الأعلمية، التي لها ماهية معرفية بالتأكيد، شرطًا للتقليد من المجتهد لكونه أقرب إلى الواقع، واعتبروها من المستقلات العقلية (الآملي، ١٣٩٥ق، ج٥، ص٦٠).
٣. ماهية القوة القدسية وعلاقتها بالاجتهاد بوصفه فضيلة عقلانية
في الفلسفة والكلام الإسلامي، يُطلق على أعلى مراتب الحدس، التي يتلقى بها الفاعل العارف المعلومات، اسم القوة القدسية. والحدس هو نوع من التعلم يقابل التفكر، وله مراتب كثيرة من حيث الكيفية، مثل سرعة الوصول إلى المطلوب المعرفي، والكمية. ففي الواقع، الوصول إلى الحد الأوسط قد يحصل بالتفكر أحيانًا، وأحيانًا بدونه. (الشهرزوري، ١٣٨٣، ج٢، ص٤٨١). ويُطلق على هذه المرتبة من الحدس “القدرة القدسية” للتأكيد على كونها إلهية وموهوبة وعطائية. (المظفر، ١٣٨٧ش، ص٦٧ و٦٨).
في التراث الأصولي، يُعرّف الاجتهاد أحيانًا على أساس القوة القدسية. وقد أقام بعض الأصوليين تطابقًا بينهما (النراقي، [د.ت.]، ج٦، ص١٨٩). وفي حالات أخرى، اعتبروا القوة القدسية من مقومات أو شروط تعريف الاجتهاد، وفسروا ذلك بالقدرة على إرجاع الفروع إلى الأصول.
“الاجتهاد: هو استفراغ الوسع في تحصيل الحكم الشرعي الفرعي من أدلتها لمن عرف الأدلة وأحوالها، وكان له القوّة القدسيّة التي يتمكن بها عن مطلق ردّ الفرع إلى الأصل.” (الميرزا القمي، ١٤٣٠ق، ج٤، ص٢٣٥).
لا يعتبر الميرزا القمي القوة القدسية حالة نفسانية مكتسبة، بل يعتبرها استعدادًا غريزيًا وموهوبًا يزداد ويقوى بالممارسة والتعليم. على سبيل المثال، قد يمتلك شخص مهارة في علم الطب، ولكنه لا يملك القدرة على معالجة المريض؛ لأن تطبيق الطب لا يقتصر على التعلم، بل يتطلب استعدادًا موهوبًا. وعلى هذا القياس، بالإضافة إلى امتلاك العلوم المطلوبة، يحتاج المجتهد إلى استعداد غريزي وموهوبي، وبدونه لا يستطيع إرجاع الفروع إلى الأصول، وإحالة الجزئيات إلى الكليات، والترجيح عند التعارض. (نفس المصدر، ص٥٠١).
١-٣. سبيل تحصيل القوة القدسية من منظور المحقق البهبهاني
لأول مرة، استخدم المرحوم الوحيد البهبهاني مصطلح القوة القدسية في مباحث الأصول، وذكرها من شروط الاجتهاد. يجب الانتباه إلى أن الاجتهاد في اللغة يعني الجد والسعي، والاجتهاد في الاصطلاح يعني استنباط واستخراج الأحكام من الأدلة، وهو ما يستلزم على الأقل وجود ملكة راسخة في النفس وحالة ذهنية تحصل نتيجة اكتساب المهارة والممارسة في استخراج الأحكام من الأدلة وتوظيف علوم مختلفة ومناسبة. ولكن، بالإضافة إلى المعرفة والمهارة في بعض العلوم المتناسبة مع المجال الذي يسعى فيه المجتهد للوصول إلى المطلوب، يشترط الاجتهاد بالقوة القدسية أيضًا (الوحيد البهبهاني، ١٤١٦ق، ص٨٤ و٢١٨)، بحيث لو افتقر إليها المجتهد، فلن تكون المعرفة والسيطرة على العلوم الأخرى وامتلاك المهارات مفيدة، وباستخدام هذه القوة يمكنه الاستفادة من الأدلة والأمارات في سبيل الاجتهاد، وبأقل انتباه يدرك الإشكال وحله، وفي حال فقدان القوة القدسية لن يستفيد من تنبيه البديهيات وأدلة الأمور النظرية أيضًا. (الوحيد البهبهاني، ١٤١٥ق، ص٣٣٧).
من وجهة نظره، تشتمل القوة القدسية على أمور هي:
أ) ألا يكون قد أصابه اعوجاج في السليقة بسبب التقليد أو الشبهة؛ لأنه كما أن الحواس الظاهرة كالبصر أو الذوق تصاب بالآفة أو تعاني من آفة ذاتية، فترى مثلاً المرئيات خضراء أو تتذوق المذاقات مرة في ذائقته، كذلك الفهم يصيبه الاعوجاج لأسباب. ويرى المحقق البهبهاني أن طريق معرفة هذا الاعوجاج هو أن يعرض فهمه واجتهاده على فهم واجتهاد سائر الفقهاء. فإن كان اجتهاده مخالفًا للفقهاء، اتهم فهمه؛ ويرى البهبهاني أنه من الممكن أن يكون هذا الشخص مقلدًا، ويحرم على نفسه ذلك، ولكن من الضروري أن يفعل ذلك ليصبح مجتهدًا فاضلاً، وأن يعتبر هذه الإلقاءات شيطانية.
ب) ألا يكون مولعًا بالجدال والاعتراض؛ لأن هذا الميل إما بسبب الظهور وإظهار الفضل، وإما بسبب مرض نفسي، وفي هذه الحالة لا يستطيع الشخص تمييز الطريق الصحيح من الخاطئ.
ج) ألا يكون لجوجًا وعنيدًا. كثير من الناس عندما يحكمون في بداية الأمر حكمًا عن غفلة أو تقليد أو شبهة، لأن همتهم ليست على اتباع الحق، لا يسعون إلى التصحيح، ويلجّون ويكابرون على رأيهم، ويستندون إلى أي دليل واهٍ، بل وينكرون البديهي ويدّعون خلاف البداهة؛ لذا، بمثل هذا الميل، يتزعزعون في النظريات القطعية والظنيات بأدنى قصور أو تقصير.
د) ألا يكون مستبدًا برأيه؛ لأن طالب العلم قد يصر في البداية على رأيه رغم عدم علمه وحتى قصوره في طلب العلم، وبسبب هذه الخاصية، لا يتلقى كلام المجتهدين. وعلى هذا القياس، لا ينبغي للمجتهد أيضًا أن يصر على رأي في بداية الأمر؛ بل يجب أن يتأمل.
هـ) ألا يكون مصابًا بالإفراط والتفريط في حدة الذهن؛ بحيث لا يصل إلى الجزم.
و) ألا يكون بليدًا؛ أي ألا يكون على نحو لا يدرك المشكلات والدقائق، ويميل إلى كل كلام، ويفرط في استخدام قواه المعرفية، ولا يتبع إلا آراء الآخرين؛ بل يكون حاذقًا وذا فطنة، ويميز الحق من الباطل، ويرجع الفروع إلى الأصول، ويعلم في كل فرع إلى أي أصل يحتاج، ويعرف محل جريان ومقدار وكيفية مسائل أصول الفقه في الآيات والأخبار.
ز) ألا ينشغل أولاً ولمدة طويلة بعلوم مثل الرياضيات والكلام التي تتسم بالدقة وتختلف طريقتها عن الفقه؛ لأن فهمهم الفقهي سيواجه إشكالاً.
ح) ألا يأنس الذهن بالتأويل في الآيات والروايات بحيث تتساوى المعاني التأويلية مع المعنى الظاهري، وتمنع من الاطمئنان إلى الظاهر.
ط) ألا يكون جريئًا في الفتوى أكثر من اللازم، كطبيب تؤدي جرأته الزائدة إلى خسارة في الأرواح.
ي) ألا يفرط في الاحتياط، لأنه يخل بالفهم الفقهي (الوحيد البهبهاني، ١٤١٥ق، ص٣٣٧-٣٤٠).
يعني هذا الكلام أن قدرة المجتهد على استنباط الأحكام، الناشئة عن حالته الذهنية الراسخة كفضيلة عقلانية، تتوقف على القوة القدسية، والفضيلة العقلانية المذكورة في مجال الدين والمعتقدات الدينية مشروطة بهذه القوة.
في الواقع، للقوة القدسية وظيفتان: ١. استقامة الفكر؛ ٢. تهيئة لهداية معرفية للمجتهد من قبل الله. (الطباطبائي (المجاهد)، ١٣٩٦ق، ص٥٧٨).
من الواضح أن ما بيّنه المحقق البهبهاني في مقام القوة القدسية يتضمن بعض الخصائص العقلانية والأخلاقية. على سبيل المثال، يمكن اعتبار عدم اعوجاج السليقة، وعدم البلادة، وعدم حدة الذهن، وعدم الإفراط في الدقة، وعدم الإكثار من الاحتمال، من الأحكام المتعلقة بالقوى المعرفية، واعتبار عدم اللجاجة، وعدم الاستبداد بالرأي، وعدم الجدال، وعدم الجرأة أو الاحتياط المفرط في الإفتاء، من الأحكام المتعلقة بالقوى الأخلاقية، وبعبارة أخرى، من أخلاقيات اكتساب المعرفة. يمكن القول، في نظر المرحوم البهبهاني، إن القوة القدسية هي حالة نفسانية تتشكل من أداء الواجبات وترك الأخطاء المعرفية والأخلاقية، وهي لا تؤثر على الاجتهاد فحسب، بل تُعتبر في رأيه من شروط أو مقومات الاجتهاد.
في رأي المرحوم علي كاشف الغطاء، تنحل ملكة الاجتهاد إلى قوتين:
١) قوة تُكتسب من تحصيل علوم يحتاجها الاجتهاد.
٢) قوة قدسية هي قوة الفهم وزيادة الإدراك، وتُمكّن المجتهد من إرجاع الجزئيات إلى الكليات، وتطبيق القواعد الأصولية، و… (كاشف الغطاء، ١٣٨١ق، ج١، ص١٠٩).
٢-٣. دليل المحقق البهبهاني على توقف الاجتهاد على القوة القدسية
من بيان المرحوم البهبهاني، يمكن استخلاص ثلاثة أدلة على الأقل لتوقف الاجتهاد على القوة القدسية، التي تشمل بدورها خصائص أخلاقية وعقلانية؛
١) في رأيه، لا تهلك الخصائص الأخلاقية السلبية الشخص وتنزله عن شأن الإنسانية وتجعله أدنى من البهائم فحسب، بل إن بعض الرذائل الأخلاقية مثل الحسد والكبر والعصبية والعجب والرياء هي آفة العلم. (الوحيد البهبهاني، ١٤١٦ق، ص٨٤) ولها تأثير سلبي في اكتساب العلم.
بمراجعة المصادر الروائية، يمكن العثور على شواهد لهذا الادعاء. على سبيل المثال، يُشار إلى حالات: بعض الأحاديث اعتبرت العجب مفسدًا للعقل ومانعًا من اكتساب العلم؛ “العجب يفسد العقل”، “العجب صارف عن طلب العلم” (الري شهري، ١٣٧٥ش، ح١١٨٠٦، ح١١٨١)؛ وحديث يعتبر اللجوج فاقدًا للرأي والنظر؛ “اللجوج لا رأي له” (الآمدي، ١٣٧٣ش، ح٨٨٧). وتُعرّف أحاديث أخرى الكبر بأنه يخل بعملية التعلم والقوى المعرفية؛ “لا يتعلم من يتكبر” (نفس المصدر، ح١٠٥٨٦)، “شر آفات العقل الكبر” (نفس المصدر، ح٥٧٥٢)؛ وتبيّن أحاديث أخرى الغضب بأنه مفسد للعقل ووظائفه؛ “الغضب يفسد الألباب”؛ “أحضر الناس جوابًا من لا يغضب” (نفس المصدر، ح٢٩٥٠ وح١٣٥٦)؛ “شدة الغضب تغيّر المنطق وتقطع مادة الحجة وتفرق الفهم” (المجلسي، ١٤٠٣ق، ج٦٨، ص٤٢٨).
٢) في نظر المحقق البهبهاني، تشير بعض الأحاديث إلى أن شرط حصول الاجتهاد وتحقق القوة القدسية هو المجاهدة والرياضة الكثيرة؛ لأنه ورد أنه لا يحل الفتوى لمن لم يطلب من الله صفاء الباطن والظاهر، وإخلاص العمل، وبرهانًا ودليلاً من جانب الله. (المجلسي، ١٤٠٣ق، ج٢، ص١٢١).
٣) في رأيه، العدالة التي هي شرط المفتي، لا تُنال بسهولة. (الوحيد البهبهاني، ١٤١٦، ص٨٤ و٨٥).
٣-٣. كون القوة القدسية موهوبة
على الرغم من أن ليس كل القائلين بالقوة القدسية قد صرحوا بكونها عطائية، إلا أن البعض مثل الشهيد الثاني يؤكدون على كونها موهوبة:
“و لا يكون ذلك كله إلا بهبة من الله تعالى إلهية وقوة منه قدسية توصله إلى هذه البغية، وتبلغه هذه الرتبة، وهي العمدة في فقه دين الله تعالى. ولا حيلة للعبد فيها، بل هي منحة إلهية ونفحة ربانية يخص بها من يشاء من عباده، إلا أن للجد والمجاهدة والتوجه إلى الله تعالى، والانقطاع إليه أثرًا بيّنًا في إفاضتها من الجناب القدسي وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ الله لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ” (الشهيد الثاني، ١٤١٥ق، ص٣٨٧).
وتصرح عبارات أخرى أيضًا بكون القوة القدسية غير مكتسبة:
“أهم ما يتوقف عليه الاجتهاد هو وجود القوة القدسية التي يتمكن بها من رد الفروع إلى الأصول واستنباطها منها واستقامة السليقة التي يتمكن بها من فهم المراد من كلمات أهل بيت العصمة وإشاراتهم وهذه القوة وتلك الاستقامة من الملكات النفسانية التي لا تحصل بالكسب وإنما هي بيد الله سبحانه يؤتها لمن يشاء من عباده في مبدأ الفطرة حسبما تقتضيه حكمته وإرادته ولعله إلى هذا أشير بما ورد من أن العلم ليس بكثرة التعلم وإنما هو نور يقذفه الله بقلب من يشاء” (كاشف الغطاء، ١٤٢٣ق، ج١، ص١٢).
٤-٣. معيارية القوة القدسية
على الرغم من أن بعض عبارات المحقق البهبهاني تؤكد على أهمية القوة القدسية، إلا أنه لا يصرح بكونها معيارًا. ولكن عبارات بعض القائلين بالقوة القدسية تصرح بكونها معيارًا:
“لابد مع ما قدمناه من حصول تلك القوة القدسية والملكة الأصلية التي هي المعيار، وعليها المدار في الإيراد والإصدار، وبها يحصل التمييز بين الغث والسمين والعاطل الثمين والغوص على لآلئ تلك البحار، والاقتطاف من جنى تلك الثمار، واستنباط ما يصل إليه عمله ويدركه فهمه من خبايا الأسرار، فكم ترك الأول للآخر! كما هو في المثل السائر، وتلك القوة بيده سبحانه يؤتيها من يشاء.” (البحراني، ١٤٢٣ق، ج١، ص٢٨٣).
٥-٣. تأثير القوة القدسية على السلامة من الخطأ أو قوة الفهم
يعتبر الشهيد الأول القوة القدسية من الشروط التي تؤدي إلى سلامة القاضي من الخطأ:
“ويشترط في القاضي… الاستقلال بالإفتاء، بأن يعلم المقدمات السبع: الكلام، والأصول، والنحو، واللغة، والتصريف، وشرائط الحدّ والبرهان. واختصاصه بقوّة قدسية يأمن معها الغلط، ويعلم الأصول الأربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، ودلالة العقل.” (الشهيد الأول، ١٤٣٠ق، ج١٠، ص٤٩).
في المقابل، لا يرى معظم الأصوليين أن القوة القدسية تقتضي عدم الوقوع في خطأ معرفي، بل يعتبرونها بمعنى قوة الفهم:
“إن المعتبر هو قوة الفهم وليس المعتبر مطابقة الفهم للواقع فخطأ المجتهد في المسألة لا يوجب سلب الملكة القدسية عنه” (كاشف الغطاء، ١٣٨١ق، ج١، ص١١١).
يستخدم الأصوليون تعابير مختلفة لقوة الفهم تدل على قابليتها للشدة والضعف؛ على سبيل المثال، يستخدمون جودة النظر، واستقامة الفهم (الفيض الكاشاني، ١٣٩٥ش، ج١، ص٧١٠)، وسرعة الفهم (الميرزا القمي، ١٤٣٠ق، ج٤، ص٥٠١)، والفطانة، وحسن الإدراك (كاشف الغطاء، ١٣٨١ق، ج١، ص١١٠) وينسبونها إلى القوة القدسية.
في هذه الحالة، يصبح هذا الفاعل العارف بالممارسة ذا جودة فهم وسرعة انتقال ذهن، وهذه فضيلة عقلانية مضافة إلى الفضيلة المذكورة آنفًا. (الميرزا القمي، ١٤٣٠ق، ج٤، ص٥٠١ و٥٠٢).
ولهذا السبب، يعتبر بعض الأعلام هذه القوة شرطًا للأعلمية وسببًا لكون المجتهد أكثر فهمًا؛ لأن المجتهد بهذه القوة يجتهد بإتقان نظر واستقامة فكر. (الموسوي الكلبايكاني، د.ت.، ص٥).
من الواضح أن الأعلمية تُعتبر شرطًا للمرجعية لكونها أقرب إلى الواقع. (الآملي، ١٣٨٨ش، ص٣٠٣). وعليه، فإن لازم كون القوة القدسية شرطًا هو أن آراء الفاعل العارف الذي يمتلك القوة القدسية أقرب إلى الواقع، وكلما كانت القوة القدسية أقوى، زاد احتمال إصابته للواقع.
بالطبع، قوة الفهم لا تعني أن كل من يمتلك القوة القدسية وما تتضمنه من أمور يصل إلى الواقع، بل يعني أن غالبية الفقهاء الذين يخالفون ذلك الرأي لا ينكرون إمكانية صحته:
“ولا يذهب عليك أن المراد بالاستقامة ليس إصابة نفس الأمر، وإلا فيلزم الحكم باعوجاج سليقة أغلب الفقهاء بسبب اختلافهم في ردّ الفروع إلى الأصول، بل المراد أن يكون ذلك الردّ مما لا يأبى صحته الأفهام الغالبة، وإن كان مرجوحًا عند من خالفه في الرد فمرجوحية أحد الأقوال المتخالفة أو كثير منها بالنسبة إلى الآخر ليس معناه عدم الاستقامة، ولا يلزم منه الحكم باعوجاج طبع صاحبه” (الميرزا القمي، ١٤٣٠ق، ج٤، ص٥٠٢).
٦-٣. رأي المحقق الأصفهاني حول تأثير القوة القدسية في الاجتهاد
على الأقل، خالف بعض الأعلام مثل المحقق الأصفهاني رأي الوحيد البهبهاني. ففي رأي المرحوم الأصفهاني، تحصل قوة الاستنباط فقط بسبب معرفة العلوم التي يتوقف عليها الاستنباط، ولا توجد في الاجتهاد قوة تسمى القوة القدسية وتكون كنور من الله وهداية إلهية؛ لأن الاجتهاد بمعنى بذل أقصى الجهد العلمي للحصول على حجة على الحكم يمكن تحصيله للعادل والفاسق والمؤمن والمنافق.
“القوة على الاستنباط فإنها تحصل دائماً بسبب معرفة العلوم التي يتوقف عليها الاستنباط، لا بنفس الاستنباط، فإنه يستحيل بلا قوة عليه. ولا يخفى أنه ليست ملكة الاستنباط إلا تلك القوة الحاصلة من معرفة ما ذكر، لا قوة أخرى تسمى بالقوة القدسية وأنها نور يقذفه الله في قلب من يشاء، فإن الاجتهاد – بمعنى: استفراغ الوسع في تحصيل الحجة على الحكم – ممكن الحصول للعادل، والفاسق والمؤمن والمنافق، لتسببه عن أعمال القوة النظرية الحاصلة من إتقان العلوم النظرية الدخيلة في تحصيل الحجة على الحكم، من دون حاجة إلى قوة قدسية إلهية أو قذف نور منه تعالى في قلب المستنبط” (الغروي الأصفهاني، ١٤٢٩ق، ج٦، ص٣٦٣).
٧-٣. دراسة تأثير القوة القدسية على الاجتهاد ووظيفته
في مقام الدراسة، يمكن القول إنه على الرغم من أن أعلامًا مثل المرحوم الغروي الأصفهاني قد أنكروا القوة القدسية ودورها في الاجتهاد، إلا أن أعلامًا آخرين مثل الشيخ الأنصاري (ر.ك: الشيخ الأنصاري، ١٤٠٤ق، ص١٩ و٢١؛ الشيخ الأنصاري، ١٤١٤ق، ص١٤٧ و١٤٩)، والشيخ جعفر كاشف الغطاء (كاشف الغطاء، ١٣١٩ق، ص٩٢)، والسيد جمال الكلبايكاني (الموسوي الكلبايكاني، [د.ت.]، ص٥)، وحتى في العصر الحديث بعض الفقهاء، يعتبرون القوة القدسية من شروط الاجتهاد. (مكارم، ١٣٨٥ش، ج١، ص٣١٩)، ويستفيدون من هذا المصطلح بالشرح الذي قدمه الميرزا القمي.
يبدو أن استخدام القوة القدسية في الأصول يعود إلى فترة يمكن اعتبارها فترة انتقال من الإخبارية إلى الأصولية، حيث كان لا يزال هناك أفراد يعيشون بنفس المنهج الإخباري، وربما كانت المواقف غير المنصفة تسبب إخلالًا كبيرًا في الفهم؛ ولهذا السبب، في هذه الفترة، اعتبر المرحوم الوحيد البهبهاني وتلامذته مثل الملا أحمد النراقي (النراقي، [د.ت.]، ج٦، ص١٨٦)، وحتى فترات لاحقة يُحتمل أن الإخباريين كانوا لا يزالون موجودين، القوة القدسية من شروط الاجتهاد. ولكن مع تضاؤل الإخبارية، أصبحت القوة القدسية كشرط أو مقوم للاجتهاد أقل ملاحظة في التراث الأصولي.
آية الله الميرزا هاشم الآملي، بعد بيان رأي المحقق البهبهاني، يقبل بتأثير القوة القدسية على المعرفة ويعتبرها شرط كمال الاجتهاد. وبعبارة أخرى، على الرغم من أن عنوان المجتهد يصدق على فاقد هذه القوة، إلا أن المجتهد يحتاجها للفهم. وبالطبع، يذكر هذه النقطة أيضًا أن القوة القدسية لها هوية أخلاقية ولا تختص بالمجتهد؛ بل كل طالب علم يحتاج إلى هذه الأخلاقيات في مجال المعرفة، وبالتالي فهي ليست شرطًا خاصًا بالمجتهد في مقام الاستنباط. (ر.ك: الآملي، ١٣٨٨ش، ص٣٥٤).
ربما يمكن القول إن بيان المحقق الأصفهاني حول القوة القدسية يشير إلى أن الاجتهاد، وفقًا لتعاريفه المعتادة القائمة على التمرين والممارسة في استخدام قواعد الفقه والأصول، هو استنباط، وملكة الاجتهاد تتحقق بالجهد العلمي، وليس الأمر أن تحصيله منوط تمامًا بأمور معنوية، وليس الأمر أنه إن لم تكن هناك تقوى، فلن يحصل الاجتهاد. ومن ثم، فإنه في مقام نقد الرأي الذي يعتبرها موهوبة بالكامل (ملك زاده، ١٤٤٣ق، ص١١٤). على سبيل المثال، الشهيد الثاني، بعد أن يعدد العلوم المطلوبة للاجتهاد، يعتبر تعلمها سهلاً، ولكن القوة التي يستطيع بها المجتهد رد الفروع إلى الأصول واستنباط الفروع من الأصول هي موهوبة.
“نعم يشترط مع ذلك كله أن يكون له قوة يتمكن بها من رد الفروع إلى أصولها واستنباطها منها [أي قوة القدسية] وهذه هي العمدة في هذا الباب – وإلا فتحصيل تلك المقدمات قد صارت في زماننا سهلة لكثرة ما حققه العلماء والفقهاء فيها وفي بيان استعمالها وإنما تلك القوة بيد الله تعالى – يؤتيها من يشاء من عباده على وفق حكمته ومراده ولكثرة المجاهدة والممارسة لأهلها مدخل عظيم في تحصيلها – وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ -” (الشهيد الثاني، د.ت.، ج١، ص٢٣٧).
على عكس بعض القائلين بالقوة القدسية الذين يعتبرونها موهوبة وغير مكتسبة، فإن الميرزا القمي، على الرغم من أنه يعتبر الاستعداد لازمًا لها، وبالتالي يعتبرها موهوبة، إلا أنه يؤكد على دور الجهد العلمي في اكتساب القوة القدسية.
“فإن معرفة العلوم السابقة غير كافية في ذلك، بل هي أمر غريزي موهوبي يختص ببعض النفوس دون بعض، فإذا كانت هذه الحالة موجودة في نفس وانضم إليها معرفة [العلوم] السابقة، فيحصل له ملكة الفقه، يعني قوّة ردّ جزئياته إلى كلياته. وأصل تلك الحالة لا يحصل بالكسب، بل له مدخلية في زيادتها وتقويتها. إذا أردت معرفة ذلك فلاحظ من ليس له الطبع الموزون، فإنه لا ينفعه تعلّم علم العروض، وكذلك سائر العلوم، فربما يصير شخص ماهرًا في علم الطب ولا يقدر على معالجة المرض.” (الميرزا القمي، ١٤٣٠ق، ج٤، ص٥٠١).
تدل المصادر الدينية (الآيات والروايات) على تأثير الأخلاقيات والقوة القدسية وطريق تهذيب النفس على الفهم، ومن الضروري قبول تأثير الأخلاقيات السلبية والإيجابية في تكوين المعرفة؛ ولكن لا ينبغي أن تكون هي المحك والمعيار لتقييم الفهم؛ بعبارة أخرى، لا ينبغي أن يكون أساس التقييم هو الخصائص العقلانية للفاعل العارف وحسنه الأخلاقي، بل لتقييم أي اعتقاد، بما في ذلك المعتقدات الدينية، يجب أن تكون الأمور المعرفية؛ مثل أصول الفقه والمنطق والعلوم الأخرى التي يحتاجها الاجتهاد، هي أساس التقييم؛ لأنه في غير هذه الحالة، يُسد باب البحث العلمي، ويمكن لأي فقيه أن يستند في المباحث العلمية إلى الإشراق والإمداد الإلهي، دون أن يُخضع رأيه للتقييم على أساس العلوم المطلوبة للاجتهاد.
إن الاتجاه الخارجي (برون گرایی) واعتبار تقييم المعرفة خارجًا عن متناول اليد، أو جعل أمور غير معرفية مثل تقييم الفضائل والرذائل الأخلاقية والعقلانية معيارًا بدلاً من المعرفة، أو التأكيد على كون القوى المعرفية موهوبة؛ مثل القوة القدسية، هي من مقاربات نظرية المعرفة التي تجعل تقييم المعرفة بلا معيار، وتؤدي بطريقة ما إلى النسبية المعرفية. بالطبع، هذا لا يعني عدم تأثير الأمر غير المعرفي على الاعتقاد كظاهرة نفسية تتعلق بالقضية، بل لا ينبغي أن تكون هذه الأمور معيارًا لتقييم الاعتقاد أو القضية من الناحية المعرفية.
كما أشير سابقًا، تقسم بعض مقاربات نظرية المعرفة الفضائلية المعرفة إلى معرفة عالية الدرجة ومنخفضة الدرجة. ويشير المرحوم البهبهاني في بعض الحالات إلى هذه النقطة، وبسبب كون الاجتهاد مشروطًا بالقوة القدسية، لا يعتبره قابلاً للتحصيل للأشخاص الدونيين وفاقدي القوة القدسية، ولكن المحقق الأصفهاني، بهذه النقطة أن الاجتهاد ممكن لأشخاص مثل الفاسق والمنافق، على الأقل لا يعتبر الاجتهاد من مصاديق العلوم عالية الدرجة.
٤. العدالة بوصفها شرطًا للمرجعية
تذكر معظم المصادر الأصولية والفقهية نوعين من الشروط للاجتهاد؛ شرط يتعلق بتعلم علوم مثل العربية والمنطق والتفسير وغيرها، وفي هذا السياق، يحتاج طالب الاجتهاد إلى تعلم الأصول والرجال بشكل أكبر. وشروط تتعلق بخصائص المجتهد؛ فالبلوغ والعقل والذكورة والإسلام والإيمان وطهارة المولد والعدالة من بين خصائص المجتهد. وهذه الخصائص، من حيث إن المجتهد في مقام الإفتاء والمرجعية العلمية، تُعتبر شروطًا للاجتهاد. وهذا يعني أنه في نظر الأصوليين، صدق عنوان الاجتهاد كعملية معرفية للفاعل العارف ليس مشروطًا بالعدالة.
في رأي المحقق الأصفهاني، الملاك هو الثقة، وإن لم يكن هناك دليل خاص مثل الإجماع على هذه الخصائص، فإن جميع الأدلة قابلة للنقاش. (الغروي الأصفهاني، ١٤٠٩ق، ص٦٨). في رأيه، دليل اعتبار الفتوى هو نفس دليل اعتبار الخبر، والملاك في الخبر هو كون المخبر ثقة؛ وشرط العدالة بناءً على رواية باب الإفتاء هو للأمان من الخيانة والكذب، وهو ليس شرطًا تعبديًا ولا موضوعية له. بعبارة أخرى، إذا كان الفاسق موثوقًا به من الخيانة والكذب، فإن العدالة ليست معتبرة. (نفس المصدر، ص٦٩).
١-٤. نسبة العدالة كخاصية نفسية والوثاقة المعرفية للمرجع
على الرغم من أن المرحوم الأصفهاني يعتبر الوثاقة بمعنى الأمان من الخيانة والكذب؛ إلا أنه يبدو يمكن احتمال الوثاقة على الأقل بمعنى تقليل الخطأ المعرفي أيضًا. لأن الإنسان بطبيعته لا يثق بمن خطؤه أكثر من المعتاد، حتى لو لم يكن هذا الخطأ متعمدًا؛ (الشبیري، [د.ت.]، ج١، ص٢٠٧). لذا يمكن دراسة النسبة بين العدالة والوثاقة بالمعنى المقصود. وقبل دراسة هذه المسألة، من الضروري التطرق إلى ماهية العدالة. العدالة في اللغة تعني الاستواء والاستقامة، ولدى الأصوليين لها على الأقل ستة تعريفات؛ أحيانًا تُستخدم العدالة لوصف ملكة نفسانية تؤدي إلى فعل الواجبات وترك المحرمات؛ وفي حالات أخرى، تُعرّف العدالة بفعل الواجبات وترك المحرمات الناشئ عن ملكة نفسانية.
في تعريف آخر، العدالة بمعنى فعل الواجبات وترك المحرمات؛ وأحيانًا تُعرّف العدالة بالاستقامة في مقام العمل على فعل الواجبات وترك المحرمات بدافع إلهي وبطريقة مستمرة. وفي تعريفين آخرين، تُعرّف العدالة بالإسلام مع عدم مشاهدة فسق، والإسلام مع حسن الظاهر. وفي الواقع، التعريفان الأخيران بدلاً من أن يكونا ناظرين إلى مفهوم العدالة، هما ناظران إلى كيفية معرفة صاحب العدالة. (شهيدي پور، ١٤٢٧ق، ص٦٢٤-٦٣٤). ويرى الأستاذ شهيدي، بالنظر إلى أن كلمة “عادل” قد وردت في الروايات إلى جانب كلمات أخرى مثل مريض وخير وصالح وعفيف وصائن وما شابهها، والتي تُعتبر أوصافًا للفعل، فإن كون المرء عادلاً سيكون أيضًا صفة للفعل؛ لذا فإن التعريف الأول الذي اعتبر العدالة مجرد ملكة نفسانية ليس مقبولاً. والتعريف الثالث أيضًا، لأنه لا يتضمن دافعًا ونية إلهية، لا يصدق على فاعل الواجبات وتارك المحرمات بدون دافع إلهي، صفات مثل عادل ومريض وما شابه. ويرى الأستاذ شهيدي أنه لا فرق بين التعريف الثاني والرابع، خاصة إذا كانت كلمة “ملكة نفسانية”، بالإضافة إلى شمولها لأداء التكاليف دون مشقة، تشمل أيضًا أداء التكاليف المستمر مع مشقة وبدافع إلهي. (نفس المصدر).
بأدنى تتبع في آثار الأصوليين التي تتناول بيان أقوال المفهوم، يمكن ملاحظة أنه في معظم التعريفات المعتبرة لدى الأعلام، يُلحظ مفهوم الملكة تصريحًا أو تلميحًا، وفي بعض الحالات، تُعتبر هذه التعريفات واحدة. (ر.ك: الشيخ الأنصاري، ١٤١٤ق، ص١٠). على سبيل المثال، في التعريف الرابع للعدالة، لم تُستخدم كلمة “ملكة”، بينما يعتبر الأستاذ شهيدي التعريفين الثاني والرابع واحدًا؛ لأنه إذا كانت الاستقامة على فعل أو ترك عمل مصحوبة بالاستمرارية، فإنها تؤدي عادةً إلى ملكة نفسانية. ولهذا، فإن لحاظ الاستقامة والاستمرارية في التعريف الرابع هو إشارة إلى تشرب مفهوم الرسوخ في النفس في التعريف. بعبارة أخرى، تُقام علاقة بين فعل وترك العمل مع الإنسان، والدافع، والنية. كلما زاد تكرار الفعل أو الترك، ترسخ الفعل أو الترك في النفس، وبواسطة النية، تُقام علاقة بين النفس والعمل على أساس قاعدة السراية (تأثير خصائص الفاعل في العمل) والوراثة (تأثر الفاعل بالعمل ورسوخ خصائص العمل في الفاعل) (الطباطبائي، ١٤١٧ق، ج٢، ص١٥٠)، وهذا يحكي عن وجود شدة وضعف في صدق مفهوم العدالة على مصاديقه.
الآن يطرح هذا السؤال: عند الأصوليين، بأي قدر من استمرارية الفعل أو الترك، تصبح العدالة سببًا للوثاقة المعرفية؟ من المسلم به أن العدالة أحيانًا تترسخ في النفس بحيث تحكم القوة العقلية على القوى المحركة (الغضبية والشهوية)، وتكون القوى في حالة اعتدال، وبعبارة أخرى، تكون النفس جامعة لفضائل القوة الغضبية والقوة الشهوية، وبالتالي لا تخل القوى المحركة في عملية المعرفة. ومن الواضح أن مثل هذه الوثاقة لا تحصل لجميع أصحاب العدالة. بالطبع، العدالة اللازمة للوثاقة المعرفية والأمان من الكذب للمرجع، على أساس التناسب مع المقام الخطير للمرجعية، وإن كانت ماهيتها مختلفة عن شرط العدالة في مقامات أخرى مثل الشهادة أو إمامة الجماعة، ولكن بما أن العدالة تقبل الشدة والضعف، فإن مراتب من العدالة معتبرة للمرجع بحيث لا تختل بسهولة.
“فالعدالة المعتبرة عندهم في المرجع لابد أن تكون بمرتبة لا تزاحم ولا تغلب، والإنصاف أنه يصعب جدًا بقاء العدالة للمرجع العام للفتوى إذا لم يكن بمرتبة عالية ذات مراقبة ومحاسبة فإن ذلك مزلة الأقدام ومخطرة الرجال العظام.” (الحكيم، ١٣٧٤ش، ج١، ص٤٣).
لتبيين الآراء حول علاقة العدالة بالوثاقة المعرفية، يمكن تتبع البحث في باب عدم الحرص على الدنيا. على الرغم من أن صاحب العروة قد اعتبر هذا الشرط إلى جانب العدالة من شروط المرجعية؛ إلا أن بعض الأعلام لا يعتبرون هذا الشرط زائدًا على العدالة، لأن هذه الخاصية، بناءً على ما ورد في الروايات، هي نفسها [أو من مصاديق] العدالة. (الخوئي، ١٤٠٧ق، ج١، ص٢٣٦). ولكن فيما يتعلق بالعلاقة بين الحرص على الدنيا كأحد مصاديق العدالة والوثاقة المعرفية، نواجه رأيين.
يرى الأستاذ شهيدي أن حب الدنيا على نوعين؛ أحيانًا يكون الحب في المحرمات وهو ما يخالف العدالة؛ وأحيانًا يكون الحب في المباحات. في رأيه، إذا كانت عدالة الفقيه محرزة، فإن حبه الدنيوي للحلال لا يمنع من الوثوق به عقلاً. (شهيدي پور، ١٤٢٧ق، ص٦٢٠ و٦٢١). ومن الواضح أن مقصوده هو وثوق من نوع ما من الخطأ المعرفي.
“حيث إنه لو أحرز عدالة فقيه وإنما كان في نفسه حب الجاه والمال ويحاول الوصول إليهما بالطرق المباحة، لم يمنع ذلك عن الوثوق العقلائي به، فإنه نظير سائر الأوصاف الشخصية من الجبن أو الشجاعة ونحوهما، فقد يكون تشخيص الإنسان متأثرًا من أوصافه الشخصية، لكن المفروض أنه ليس بمرتبة يمنع عن الوثوق النوعي به” (نفس المصدر).
في مقابل رأي آخر، يعتبر الحب الشديد للدنيا، دون تقسيمه إلى حلال وحرام، سببًا لعدم الوثوق المعرفي وزيادة الخطأ عن الحد المعتاد. وقد وضع آية الله الشبيري هذا الوثوق شرطًا للمرجعية في رسالته العملية، وذكر أن منشأه هو عدم وجود حب شديد للدنيا. (الشبیري، [د.ت.]، ج١، ص٢٠٨).
بهذا الرأي، يطرح سؤال: إذا كان فقدان العدالة، على الأقل في مصداق حب الدنيا الشديد، يسبب عدم الوثوق المعرفي للمجتهد، فلماذا ذُكر هذا الشرط من شروط المفتي، ولم يُذكر في شروط المجتهد؟ أولاً، يمكن الإجابة بناءً على طابعه الاجتماعي والخطير، بأن الوثوق المعرفي بهذه الدقة ليس شرطًا في المجتهد، ولكنه شرط في الفتوى؛ وربما يمكن أن يكون الجواب الآخر هو أن فهم المجتهد غير العادل أو الذي لديه حب شديد للدنيا حجة على نفسه؛ ولكن على الأقل ليس حجة على الآخرين الذين يعلمون بإخلاله المعرفي بسبب عدم العدالة أو حب الدنيا الشديد.
٢-٤. مراعاة العدالة في مقام الإفتاء
أحيانًا تكون العدالة كلية وفي جميع المجالات، ولكن من الممكن أن يراعي الفاعل العارف العدالة في مقام التعليم والتعلم من خلال التدريب والسيطرة على القوى المحركة ومنع تأثيرها السلبي على المعرفة دون أن يصل إلى العدالة الكلية. ومن ناحية أخرى، من الممكن أن يكون الفاعل العارف عادلاً في مجالات أخرى، ولكنه لا يستطيع في مقام المعرفة أن يمنع تأثير حب وبغض الدنيا.
هذا الرأي مبني على تعدد أو ازدواج الشخصيات، وهو ما يقبله بعض العلماء المسلمين مثل العلامة الطباطبائي. يسعى الفخر الرازي إلى إقامة كسر وانكسار بين آثار الطاعات والمعاصي والفضائل والرذائل؛ ولكن العلامة الطباطبائي لا يرى هذا الرأي صحيحًا دائمًا؛ لأنه في رأيه، تتصالح الفضائل والرذائل أحيانًا، ويكون للإنسان ملكات فاضلة وملكات رذيلة دون أن يكون هناك صراع ونزاع بينها، وكل منها يعمل وفقًا لمقتضاه دون تدخل أو مزاحمة من الآخر. (الطباطبائي، ١٤١٧ق، ج٤، ص٣٣٠). في بحثنا الحالي أيضًا، على الرغم من أنه من الممكن ألا يكون للفاعل العارف تقوى كلية ودائمة، وبعبارة أخرى، لا يتمتع بالعدالة الكلية في قوى النفس، إلا أنه يمكن افتراض أنه في مجال مثل عملية المعرفة، يسيطر على قواه المحركة والخلقية، ولا يسمح للميول بأن يكون لها تأثير سلبي في مقام التقييم أو الاستدلال أو التعلم أو غيرها من العمليات المعرفية. ولهذا، يرى آية الله الشبيري أن الحب الشديد [الذي منشؤه القوى الغضبية والشهوية] يمكن جمعه مع التقوى. (الشبیري، د.ت.، ج١، ص٢٠٨).
يمكن افتراض أنه على الرغم من أن المرجع لا يمتلك العدالة الكلية أو ملكة التقوى، إلا أنه يتمتع بالوثاقة المعرفية من خلال مراعاة العدالة في عملية الاجتهاد. والنقطة المهمة هي أنه بسبب أهمية هذا المنصب واحتمال الخطأ المعرفي غير المتعمد، قد يعتبر العقلاء الشروط أكثر صرامة، ولا يكتفون بالعدالة والوثاقة الجزئية، ويشترطون التمتع بالعدالة الكلية.
وربما لهذا السبب، تروي بعض الروايات المعتبرة عن الإمام الصادق (عليه السلام) أن الفقيه هو الزاهد في الدنيا والراغب في الآخرة والمتمسك بسنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). (البرقي، ١٣٧١ق، ج١، ص٢٢٣). ومن الواضح أن الزهد هنا يعني عدم الاكتراث بالدنيا واحتقارها، وليس ترك الدنيا والإعراض عنها. (السيستاني، ١٤٣٧ق، ص٤٢٤). وفي هذا السياق، من لا زهد له في الدنيا، لا يمكنه أن يتولى هذا المنصب بسبب فقدان الوثوق المطلوب للإفتاء. وهذا الوثوق، بالإضافة إلى الأمان من الكذب والخيانة، يشمل أمورًا معرفية غير اختيارية مثل السهو، والضبط، والنسيان، وما شابه ذلك؛ كما أن بعض كتب الرجال تعتبر كون الشخص ثقة أعم من الاختياري وغير الاختياري وفقًا للشرح المتقدم. (ر.ك: الشبيري، ١٣٨٠ش، ص٣٦).
٣-٤. نسبة صفة العدالة في أصول الفقه والفضائل الأخلاقية
بناءً على تقسيم في بعض كتب الأصول، تُقسّم العدالة إلى أخلاقية وشرعية. على سبيل المثال، يبيّن المحقق الأصفهاني أن العدالة الأخلاقية هي اعتدال القوى وحكم العقل على القوى الأخرى أي الشهوية والغضبية. وفي رأيه، لا تتحقق العدالة الأخلاقية للجميع، والعدالة الشرعية المشروطة في بعض الأمور مثل المرجعية تختلف عن العدالة الأخلاقية. بعبارة أخرى، دائرة العدالة الشرعية أوسع من العدالة الأخلاقية. (الغروي الأصفهاني، ١٤٠٩ق، ص٧٠). ويحاول في تتمة كلامه أن يوضح أن ما تشير إليه بعض الروايات من خصائص مثل الستر والعفاف وكف النفس عن بعض الشهوات، يُعتبر من فضائل قوة الشهوة؛ ولكن هذا لا يعني أن جميع الفضائل تجتمع في الشخص. وفي رأيه، اجتناب الكبائر، وهو من شروط العدالة الشرعية، لا يلزم أن يكون ناشئًا من ملكة نفسانية، بل قد يكون له جذور في كف النفس والخوف من العقاب المترتب على الكبائر، ولا يكون ناشئًا من فضيلة النفس، وهذا المقدار كافٍ للعدالة الشرعية. (نفس المصدر، ص٧١).
إن التمييز بين العدالة الشرعية والأخلاقية على أساس عدم الحاجة إلى الملكة في العدالة الشرعية، محل تأمل. لأنه في رأي الشيخ الأنصاري، تعريف العلامة الحلي، وهو أشهر تعريف للعدالة، مبني على مفهومين هما الملكة والملازمة للتقوى. (الشيخ الأنصاري، ١٤١٤ق، ص٥). بالإضافة إلى ذلك، كما قيل سابقًا، الاستمرار في الكف عن الكبائر، حتى لو كان عن خوف، يهيئ عادةً لترسخ الملكة. وفضلاً عن ذلك، يصرح بعض الأصوليين المعاصرين بأن عدم وجود الرذائل المحرمة مثل الكبر والحسد والتمتع بالفضائل الواجبة، من شروط العدالة الشرعية، ولا يمكن رفض اشتراطها في العدالة الشرعية بمجرد أن الصفات ليست في الاختيار.
٥. النسبة بين العدالة والقوة القدسية
اعتبر عموم الأصوليين والفقهاء الشيعة العدالة، على الرغم من اختلاف التعريفات، شرطًا للمرجعية العلمية؛ أما القوة القدسية كمقوم أو شرط للاجتهاد، فقد بدأت بشكل أوسع منذ العصر المتأخر للأصول ومع أعلام مثل المحقق البهبهاني (الآملي، ١٣٨٨ش، ص٣٥٢)، وفي الأدوار اللاحقة أصبحت أقل اهتمامًا.
بعض الأصوليين اعتبروا شرط عدالة المجتهد، المستفاد من بعض الروايات، هو نفسه القوة القدسية، وأقاموا تطابقًا بين العدالة والقوة القدسية. (الموسوي الكلبايكاني، د.ت.، ص٢٧).
في المقابل، يعتبر البعض الآخر القوة القدسية أخص وأرفع من العدالة. (الموحدي، ج١، ص١٨٥).
العدالة، بناءً على الرأي المشهور، تشتمل على ملكات نفسانية ناشئة عن فعل الواجبات وترك المحرمات والتمتع بالفضائل الأخلاقية الواجبة وعدم وجود الرذائل الحرام، والتي نتيجتها الطبيعية هي عدم وجود حب شديد للدنيا والورع في مقام الإفتاء.
بالتوضيح الذي بيّنه المحقق البهبهاني، تشتمل القوة القدسية على ملكات أخلاقية وخصائص عقلانية، وبالتالي ستكون أخص من العدالة، وربما تختلف عنها ماهويًا.
بالإضافة إلى الاختلاف في الماهية، سلكت العدالة والقوة القدسية مسارين مختلفين في وظيفة وعملية الاجتهاد والمرجعية.
في رأي المحقق البهبهاني، القوة القدسية كشرط للاجتهاد، والتي طريق الحصول عليها هو التقوى، لها أهمية أكبر من الشروط المعرفية الأخرى؛ أي العلوم المطلوبة، وبدونها لن تكون شروط الاجتهاد الأخرى قابلة للانتفاع:
“ومن الشرائط، القوة القدسية، والملكة القوية وهو أصل الشرائط، لو وجد ينفع باقي الشرائط وينتفع من الأدلة والأمارات والتنبيهات، بل وبأدنى إشارة يتفطن بالاختلالات وعلاجها، بل بأدنى توجه من النفس يتفطن بالاحتياج إلى الشرائط، ويدري أنها لعلاج الاختلالات، وأنّ العلاج لا بدّ منه، وأنه منحصر في الشرائط، ولو لم يوجد لم ينفع تنبيه للبديهيات، ولا دليل للنظريات، كما نشاهد الآن” (الوحيد البهبهاني، ١٤١٥ق، ص٣٣٧).
لازم هذا الرأي هو أنه كلما زادت تقوى المجتهد، كان أقوى في الاجتهاد؛ لأنه يتمتع بقوة قدسية أقوى لها أكبر تأثير بين شروط الاجتهاد. ويمكن ملاحظة هذه النقطة في بعض الآثار. والنقطة الجديرة بالاهتمام هي أنه يعتبر القوة القدسية لازمة لجميع العلوم.
“لابد في الفقه بل في جميع العلوم من التقوى ومن الممتنع حصول الدرجة القصوى في الفقه بدون التقوى وربط القلب بعالم الأسرار وكيف يتأتى القوّة القدسية وهي من توابع العصمة لمن كان بعيدًا عن المبدأ الأعلى وكيف يتيسر ذلك لمن كان في عداد كثير من الناس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل سبيلاً ومع ذلك لابد في الفقه بل في جميع العلوم من حسن القريحة وجودة الإدراك واستقامة السليقة” (الكلباسي، د.ت.، ص٢٧).
في هذا السياق، يرى صاحب المعالم، بتأكيد أكبر على القوة القدسية، أنها تحل محل العلوم المعيارية مثل المنطق:
“وأن يعرف شرائط البرهان لامتناع الاستدلال بدونه إلا من فاز بقوة قدسية تغنيه عن ذلك” (ابن الشهيد الثاني، د.ت.، ص٢٤٠).
بالطبع، تعرضت فكرة استبدال القوة القدسية للنقد من قبل بعض الشارحين:
“أن الفائزين بالقوة القدسية لا حاجة لهم في استدلالاتهم إلى مراعاة قوانين الإنتاج وشروطه ولو إجمالاً، بل يفيد أنهم بقوتهم القدسيّة بريئون عن إقامة البرهان بمعونة شروطها المقررة عارون عن استحضارها حتى على جهة الإجمال… وفي هذه الدعاوى كلها من الفساد” (القزويني، ١٤٢٢ق، ج٧، ص٢٦٨ و٢٦٩).
في المقابل، ليس الأمر أن جميع الأصوليين يعتبرون العدالة الأكثر سببًا لوثوق معرفي أكبر، أي تقليل الخطأ المعرفي؛ على سبيل المثال، يفرق المحقق الأصفهاني بين ملاك وشرط الحجية. في رأيه، ملاك الحجية هو العلم، وليس العدالة. لأنه بحكم العقل والعقلاء، يرجع الجاهل إلى العالم؛ لذا، من كان الملاك فيه أقوى، كانت حجيته أقوى، وكونه أقوى في الشرط مثل العدالة، لا يوجب أقوائية في الفتوى.
“ينبغي أن يعلم أن ملاك الحجية أمر وشروطها أمر آخر، فإن العلم والمعرفة ملاك الحجية ولأجلهما يحكم العقل والعقلاء برجوع الجاهل إلى العالم، فمن كان الملاك فيه أقوى كانت حجيته أقوى، بخلاف العدالة في العمل وسائر الشرائط فإنها وإن كانت معتبرة في حجية الفتوى، لكنها ليست ملاك الحجية ومناط الطريقية، فتفاوت المجتهدين في الشرائط قوة وضعفًا لا يوجب أقوائية الحجية في فتاواهما” (الغروي الأصفهاني، ١٤٠٩ق، ص٦٤).
في المقابل، يرى بعض الأصوليين تأثيرًا أكبر للعدالة على الوثاقة المعرفية؛ فهم ينسبون للورع، الذي يعني الابتعاد عن الذنب والشبهات ويتناسب مع معنى العدالة، بل وقد يكون من أركانها، شأنًا وثوقيًا معرفيًا في طول الأعلمية. وهذا الكلام يعني أن الابتعاد الأكثر عن الشبهات في مقام الاستنباط، لمن هو أعلم، يوجب وثوقًا معرفيًا أكبر.
“ظاهر كلمات القدماء هو مرجحية الأورعية في طول الأعلمية، ويستفاد من كلماتهم أنّ حكمهم بذلك من جهة زيادة الوثوق، فكما أنّ الأعلمية موجبة لازدياد الوثوق كذلك الأورعية، و… أن الأورعية توجب ازدياد الدقة والتحقيق في مستند فتواه وملاحظة جميع الخصوصيات” (السيستاني، ١٤٣٧ق، ص٣٥٢).
وفقًا للرأي الأخير، فإن زيادة عدالة وورع المرجع، بالإضافة إلى الأمان من الكذب، توجب وثوقًا معرفيًا أكبر وتقليل الخطأ المعرفي، وبعبارة أخرى، لها تأثير في تكوّن التفقه، ولكن لم يُستبدل قط شرط العدالة والورع كخاصية للمرجع حامل المعرفة بتقييم آراء المرجع. بل في هذه الحالات أيضًا، أُرجع كون المرجع أورع إلى موضوع معرفي وقابل للتقييم، وخصائص المرجع الأخلاقية لا تغني الآخرين عن تقييم آرائه.
بناءً على ذلك، فإن طريق الوصول إلى الأعلم كخاصية للمجتهد تجعله محلاً لرجوع الآخرين، هو من خلال تقييم فكره وآرائه، وليس من خلال تقييم فضائله العقلانية والأخلاقية؛ على الرغم من أن هذه الخصائص تساعد في الوصول إلى هذا المقام العلمي وتلعب دورًا في تكوّنه.
الخاتمة والاستنتاجات
١. على الرغم من أن بحث الاجتهاد والتقليد يبدو له أوجه تشابه مع نظريات المعرفة الحديثة مثل تبيين المرجعية المعرفية في إطار رؤية نظرية المعرفة القائمة على الفضيلة؛ إلا أنه يجب الانتباه إلى وجود اختلافات في الأسس والأدلة؛ على سبيل المثال، لا تُعتبر مباحث الفضائل العقلانية والأخلاقية في باب الاجتهاد والتقليد رؤية معارضة للاستدلال، بينما تعتبر نظرية المعرفة القائمة على الفضيلة نوعًا من الهروب من الدليل واللجوء إلى الفضائل بدلاً منه.
٢. من وجهة نظر بعض الفقهاء والأصوليين، فإن القوة القدسية التي تُكتسب عن طريق التقوى، إما شرط للاجتهاد أو شرط لكماله. وهذا يعني أن التقوى ليست لازمة فقط لثقة فتوى المجتهد في نسبتها إلى الشرع وانتفاء الكذب، بل لدى البعض، أصل فهم المجتهد أو فهمه الأفضل مشروط بها.
٣. القوة القدسية كشرط أو مقوم للاجتهاد هي مزيج من الفضائل الأخلاقية والعقلانية يمكن أن يكون لها تأثير في الاجتهاد أو إكماله، ولكن لا ينبغي أن تكون الفضائل العقلانية والأخلاقية أساسًا لتقييم المعرفة.
٤. القوة القدسية تسبب زيادة قوة الفهم لدى المجتهد، وبفقدانها يزداد خطؤه المعرفي. بالطبع، لا يلزم من امتلاك القوة القدسية الإصابة الدائمة للواقع، بل يعني أن غالبية الفقهاء المخالفين لهذا الرأي لا ينكرون إمكانية صحته.
٥. التأكيد على كون القوة القدسية موهوبة، بمعنى أنها تحصل عن طريق التقوى والإفاضة الإلهية، يُعتبر نوعًا من الاتجاه الخارجي (برون گرایی)، ويؤدي إلى أن يكون الاجتهاد مزيجًا من المعرفة الخارجية والداخلية؛ وبناءً على كونها إفاضية، يرى بعض الأصوليين أن الاجتهاد يسبب معرفة عالية الدرجة لا تحصل للفاسق والمنافق. بالطبع، هذه النقطة محل نقاش.
٦. بناءً على رأي بعض الأصوليين، فإن العدالة كشرط للمرجعية، والتي لها أبعاد أخلاقية، بالإضافة إلى الأمان من الكذب، توجب الوثاقة المعرفية للمرجع.
٧. بناءً على رأي بعض الأصوليين، فإن زيادة العدالة توجب وثوقًا معرفيًا أكبر في طول الأعلمية. وهذا يعني أن كون المرء أورع يوجب دقة وتحقيقًا أكبر، وله تأثير في الأعلمية.
المصادر والمراجع
١. ابن الشهيد الثاني، حسن بن زين الدين (د.ت.). معالم الدين وملاذ المجتهدين. الطبعة التاسعة، قم: جامعة المدرسين في الحوزة العلمية.
٢. الآمدي التميمي، عبد الواحد (١٣٧٣ش). غرر الحكم ودرر الكلم. تحقيق مير سيد جلال الدين محدث الأرموي، طهران: جامعة طهران.
٣. الآملي، ميرزا هاشم (١٣٨٨ش). الاجتهاد والتقليد. الطبعة الأولى، قم: دفتر نشر نويد إسلام.
٤. الآملي، ميرزا هاشم (١٣٩٥ق). مجمع الأفكار ومطرح الأنظار. الطبعة الأولى، قم: المطبعة العلمية.
٥. البحراني، يوسف بن أحمد (١٤٢٣ق). الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية. الطبعة الأولى، بيروت: دار المصطفى لإحياء التراث.
٦. البرقي، أحمد بن محمد بن خالد (١٣٧١ق). المحاسن. الطبعة الثانية، قم: دار الكتب الإسلامية.
٧. الحكيم، محمد تقي (١٤٢٩ق). الأصول العامة في الفقه المقارن. المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، طهران.
٨. الحكيم، محسن (١٣٧٤ش). مستمسك العروة الوثقى. الطبعة الأولى، قم: دار التفسير.
٩. الخوئي، السيد أبو القاسم (١٤٠٧ق). التنقيح. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي.
١٠. السيستاني، علي (١٤٣٧ق). الاجتهاد والتقليد والاحتياط. الطبعة الأولى، منامة: مداد للثقافة والإعلام.
١١. الشبيري الزنجاني، السيد موسى (١٣٨٠ش). علم دراية رجال وتراجم. الطبعة الأولى، كاشان: محتشم.
١٢. الشبيري الزنجاني، السيد موسى (د.ت.). خارج أصول، الطبعة الأولى، قم: انتشارات مركز فقهي إمام محمد باقر.
١٣. الشهرزوري، شمس الدين (١٣٨٣ش). رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية. الطبعة الأولى، طهران: مؤسسة حكمة وفلسفة إيران.
١٤. الشهيد الأول، محمد بن مكي (١٤٣٠ق). موسوعة الشهيد الأول. الطبعة الأولى، قم: دفتر تبليغات إسلامي في الحوزة العلمية.
١٥. الشهيد الثاني، زين الدين بن علي (١٤١٥ق). منية المريد في أدب المفيد والمستفيد. الطبعة الثالثة، قم: مكتب الإعلام الإسلامي.
١٦. الشهيد الثاني، زين الدين بن علي (د.ت.). الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية. الطبعة الرابعة، د.م.: بينا.
١٧. شهيدي پور، محمد تقي (١٤٢٧ق). أبحاث أصولية (الاجتهاد والتقليد). قم: بينا.
١٨. الشيخ الأنصاري، مرتضى بن محمد أمين (١٤٠٤ق). مجموعة رسائل فقهية وأصولية. الطبعة الأولى، قم: مكتبة المفيد.
١٩. الشيخ الأنصاري، مرتضى بن محمد أمين (١٤١٤ق). رسائل فقهية. الطبعة الأولى، قم: مجمع الفكر الإسلامي.
٢٠. الشيخ البهائي، محمد بن عز الدين (١٤٢٣ق). زبدة الأصول. قم: المرصاد.
٢١. الطباطبائي (المجاهد)، السيد محمد (١٣٩٦ق). مفاتيح الأصول. قم: مؤسسة آل البيت.
٢٢. الطباطبائي، السيد محمد حسين (١٤١٧ق). الميزان في تفسير القرآن. بيروت: الأعلمي.
٢٣. العراقي، ضياء الدين (١٤١٧ق). نهاية الأفكار. الطبعة الثالثة، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
٢٤. العراقي، ضياء الدين (١٣٨٨ش). الاجتهاد والتقليد. نويد إسلام، قم.
٢٥. العلامة الحلي، حسن بن يوسف (١٤٠٤ق). مبادئ الوصول. قم: المطبعة العلمية.
٢٦. الغروي الأصفهاني، محمد حسين (١٤٠٩ق). بحوث في الأصول. الطبعة الثانية، قم: جامعة المدرسين في الحوزة العلمية.
٢٧. الغروي الأصفهاني، محمد حسين (١٤٢٩ق). نهاية الدراية في شرح الكفاية. الطبعة الثانية، لبنان: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.
٢٨. الفيض الكاشاني، ملا محسن (١٣٩٥ش). مفاتيح الشرائع. الطبعة الأولى، طهران: مدرسة عالي شهيد مطهري.
٢٩. القزويني، علي بن إسماعيل (١٤٢٢ق). تعليقة على معالم الأصول. الطبعة الأولى، قم: جماعة المدرسين في الحوزة العلمية.
٣٠. كاشف الغطاء، جعفر بن خضر (١٣١٩ق). حق المبين في تصويب المجتهدين وتخطئة الإخباريين. الطبعة الأولى، طهران: أحمد الشيرازي.
٣١. كاشف الغطاء، أحمد (١٤٢٣ق). سفينة النجاة ومشكاة الهدى ومصباح السعادات. الطبعة الأولى، النجف: مؤسسة كاشف الغطاء العامة.
٣٢. كاشف الغطاء، علي (١٣٨١ق). النور الساطع في الفقه النافع. الطبعة الأولى، النجف: مطبعة الآداب.
٣٣. الكلباسي، محمد (د.ت.). رسائل المحقق الكلباسي. قم: بينا.
٣٤. المجلسي، محمد باقر (١٤٠٣ق). بحار الأنوار. الطبعة الثانية، بيروت: دار الإحياء التراث العربي.
٣٥. المحقق الحلي، جعفر بن حسن (١٤٢٣ق). معارج الأصول. لندن: مؤسسة الإمام علي.
٣٦. محمدي الري شهري، محمد (١٣٧٥ش). ميزان الحكمة. ترجمة حميدرضا شيخي، قم: دار الحديث.
٣٧. مصباح يزدي، محمد تقي (١٤٠٥ق). تعليقة على نهاية الحكمة. قم: مؤسسة في راه حق.
٣٨. المظفر، محمد رضا (١٣٨٧ش). عقائد الإمامية. الطبعة الثانية عشرة، قم: أنصاريان.
٣٩. مكارم الشيرازي، ناصر (١٣٨٥ش). دائرة المعارف فقه مقارن. الطبعة الأولى، قم: مدرسة الإمام علي بن أبي طالب.
٤٠. ملك زاده، محمد حسين (١٤٤٣ق). ما هو الاجتهاد. الطبعة الأولى، البحرين: دار الوفاء للثقافة والإعلام.
٤١. الموسوي الكلبايكاني، السيد جمال الدين (د.ت.). رسائل. النجف: مطبعة الحيدرية.
٤٢. الميرزا القمي، أبو القاسم (١٤٣٠ق). القوانين المحكمة. الطبعة الأولى، قم: إحياء الكتب الإسلامية.
٤٣. النراقي، الملا أحمد (د.ت.). شرح تجريد الأصول. د.م.: د.ن.
٤٤. الوحيد البهبهاني، محمد باقر (١٤١٥ق). الفوائد الحائرية. قم: مجمع الفكر الإسلامي.
٤٥. الوحيد البهبهاني، محمد باقر (١٤١٦ق). الرسائل الأصولية. قم: مؤسسة العلامة المجدد الوحيد البهبهاني.
46. Vahid, Hamid (2011), «Externalism/Internalism», in: Bernecker, Sven, Pritchard, Duncan, The Routledge Companion to Epistemology, London: Routledge.
47. Zagzebsk, Linda (2000), «Virtues of the Mind», in: Sosa, Ernest, Kim, Jaegwon, Epistemology, Massachusetts: Blackwell Publishers Inc.
48. Zagzebsk, Linda (1996), Virtues of the Mind (An Inquire into the Nature of Virtue), New York :Cambridge University Press.
49. Zagzebsk, Lind (2004), Divine Motivation Theory, New York: Cambridge University Press.
50. Zagzebsk, Linda (2009) On Epistemology, Belmont, Wadsworth / Broadviwe, CA.
51. Zagzebsk, Linda (2012), Epistemic Authority, Oxford: Oxford University Press.
52. Zagzebski, Linda (1993), Intellectual. Virtue in Religious Epistemology, in Faith in Theory and Practice, edited by E. Radcliffe and C. white, Illinois: Open Court.