تحليل سيرة العقلاء في قبول الخبر الواحد لتحديد مؤشرات تقييم التوثيقات الرجالية

ملخص

إن إحدى طرق إضفاء الاعتبار على التوصيفات الرجالية هي الاستناد إلى حجية خبر الواحد. تحتل حجية خبر الواحد، بوصفها إحدى المسائل الأساسية في أصول الفقه، مباحث واسعة في مباني الاعتبار وشروطه. يعتمد بعض الرجاليين على هذا المبنى لاعتبار توصيفاتهم، لكنهم لم يولوا اهتمامًا كافيًا للاختلاف في مباني الاعتبار ومؤشرات حجية خبر الواحد، وتأثير ذلك على تقييم التوصيفات. هذا التجاهل يزيد من احتمال الخطأ في تمييز التوصيفات المعتبرة عن غير المعتبرة. يهدف هذا البحث، لسد هذه الثغرة، إلى تحليل أحد هذه المباني (سيرة العقلاء في قبول خبر الواحد) والاستفادة منه كأداة لتحديد مؤشرات تقييم اعتبار التوصيفات الرجالية. منهج هذا البحث تطبيقي من حيث الهدف، وتحليلي من حيث التنفيذ، ويعتمد على البيانات الكيفية. تظهر نتائج البحث أن حجية خبر الواحد عند العقلاء تستلزم مراعاة مؤشرات دقيقة. من بين هذه المؤشرات: وثاقة المخبر كشرط أساسي لاعتبار الخبر، وعدم تأثر حجية الخبر بجنس المخبر، وعدم الحاجة إلى تعدد المخبرين. كما أن الأخبار الحدسية لا تُقبل لعدم قطعيتها، واعتبار الخبر منوط بتوافقه مع المصادر الأخرى من خلال الفحص عن المعارض. يقدم هذا التحقيق، من خلال عرض هذه المؤشرات، أساسًا لتقوية الصلة بين علمي الأصول والرجال، ويطرح إطارًا علميًا لتقييم اعتبار التوصيفات الرجالية. على وجه الخصوص، يمكن استخدام نتائج هذا البحث في التقييم الدقيق للتوصيفات الرجالية وتمييز المعتبر منها عن غير المعتبر.

مقدمة

تُعدّ حجية خبر الواحد من المباني المهمة في علم الرجال، والتي يُستفاد منها لإضفاء الاعتبار على توصيفات الرجاليين. وبعبارة أخرى، يستند الرجاليون في قبولهم لتوصيفات المتقدمين منهم حول رواة الحديث، في كثير من الموارد، إلى حجية خبر الواحد. لكن المشكلة هنا هي أن خبر الواحد نفسه لا يمتلك حجية ذاتية، ويحتاج في اعتباره إلى أدلة ومبانٍ محددة.

في الواقع، كما أن التوصيفات الرجالية لا يمكن أن تكون معتبرة بدون دليل، فإن مبنى حجية خبر الواحد نفسه لن يكون حجةً بدون دليل مستند ومعتبر. من هذا المنطلق، تم تناول هذه المسألة في علم الأصول، وذُكرت مبانٍ مختلفة لإثبات حجية خبر الواحد، يقدم كل منها مؤشرات مختلفة لتمييز الخبر المعتبر عن غير المعتبر. على الرغم من أن هذه الاختلافات لها تأثيرات مباشرة على تقييم صحة واعتبار الخبر والتوصيفات الرجالية، إلا أن الرجاليين عادةً لا يلتفتون إلى الفروق الموجودة في مباني حجية خبر الواحد، وفي كثير من الحالات، يعتبرون التوصيفات الرجالية معتبرة بناءً على افتراض مسبق لحجية خبر الواحد.

على سبيل المثال، العبارة التالية المنقولة من كتاب “اعتبارسنجی احادیث شیعه” (تقييم اعتبار أحاديث الشيعة) توضح هذا التوجه: “بناءً على هذا المبنى، الذي يشترط وثاقة الراوي فقط كما في الفقه، وليس صحة المذهب، فإن توثيقات أشخاص مثل علي بن الحسن بن فضال وأحمد بن محمد بن سعيد ابن عقدة حجة أيضًا، ولها القدرة على معارضة تضعيفات علماء مثل النجاشي وابن الغضائري”. في هذا النص، لم يتم الالتفات إلى الفروق الموجودة في مباني حجية خبر الواحد، حيث تم في هذه النظرة قبول مجرد الوثاقة كمعيار للاعتبار، ولم يتم الالتفات إلى المؤشرات الأخرى أو الآثار المتضاربة. هذه الثغرة موجودة على نطاق واسع في التحليلات الرجالية، ويمكن أن تترك آثارًا سلبية على تقييم صحة الروايات.

في سائر الكتب الرجالية أيضًا، على الرغم من الإشارة إلى مبنى حجية خبر الواحد، لم تحظَ هذه المسألة بالاهتمام الذي تستحقه. كتب مثل “تنقيح المقال في علم الرجال”، “منتهى المقال في الدراية والرجال”، “بحوث في علم الرجال”، “الفوائد الرجالية”، “سبک‌شناسی دانش رجال الحديث” (منهجية علم الرجال)، و”استناد در روش شناخت رجال اسناد” (الاستناد في منهج معرفة رجال الأسانيد)، قد بيّنت مبنى حجية خبر الواحد، لكن هذه الأعمال تناولت المسألة بشكل عام فقط، وأولت اهتمامًا أقل لتفاصيل تأثيراتها على تقييم اعتبار التوصيفات الرجالية. كذلك، كتاب “مباني حجية آراء رجالي” (مباني حجية الآراء الرجالية) لسيف الله صرامي، باعتباره المصدر الوحيد الذي تناول هذا المبنى بشكل أكثر تفصيلًا، لم يتمكن من الخوض في تفاصيل تأثير كل مبنى من مباني حجية خبر الواحد على تقييم التوصيفات الرجالية بسبب اتساع الموضوع وضيق مساحة الكتاب.

بالنظر إلى هذه الثغرة، ومع التأكيد على أن كل مبنى لحجية خبر الواحد يمكن أن يقدم معاييره الخاصة لتمييز الخبر المعتبر عن غير المعتبر، من الضروري دراسة كل مبنى من مباني الحجية على حدة وتحديد مؤشرات تقييم اعتبار الخبر وفقًا لكل مبنى.

لذلك، يسعى هذا البحث، باستخدام المنهج التحليلي والاستفادة من المصادر المكتبية والرقمية، إلى تحليل سيرة العقلاء في قبول خبر الواحد، وتحديد المعايير المناسبة لتمييز الخبر المعتبر عن غير المعتبر، وبهذه الطريقة يوفر أداة لتحديد مؤشرات تقييم التوصيفات الرجالية. يمكن لنتائج هذا البحث أن تمهد الطريق لتعزيز الدقة في تقييم توصيفات الرجاليين.

١. تحديد المفاهيم

استُخدمت بعض المصطلحات والمفاهيم في عنوان المقال أو متنه، والتي يعد فهم تفاصيلها ضروريًا لنقل المفاهيم بشكل صحيح؛ لذا، قبل الدخول في صلب البحث، لا بد من توضيح المفاهيم الأساسية المستخدمة في هذا المقال.

١-١. الحجية (الاعتبار)

الحجية مصدر جعلي من كلمة “حجة”. و”حجة” في اللغة تُستخدم بمعنيين: مصدري وغير مصدري. الحجة بالمعنى المصدري تعني “الاحتجاج” و”الاستدلال” (الزبيدي، ١٤١٤هـ، ج ٣، ص ٣١٨)، والحجة بالمعنى غير المصدري تعني وجه الظفر (الفراهيدي، ١٤٠٩هـ، ج ٣، ص ١٠)، أي البرهان والدليل (الزبيدي، ١٤١٤هـ، ج ٣، ص ٣١٦). في علم الأصول، الحجية تعني اعتبار ووثاقة دليل لإثبات أو نفي أمر ما، بشرط ألا يصل اعتبار هذا الدليل إلى درجة القطع. (المظفر، ١٤٢٩هـ، ص ٣٧٠) بعبارة أخرى، الحجة المقبولة لدى الفقهاء هي دليل يمكن الاعتماد عليه لاستنباط حكم شرعي.

الاعتبار في علم الرجال: في الدراسات الرجالية، يعني الاعتبار قبول توصيفات الرجاليين كدليل لإثبات وجود أو عدم وجود صفات مثل الوثاقة أو الضعف في راوٍ ما. هذا القبول لا يعني اليقين والقطع بصحة هذا التوصيف، بل يعني أنه يُفترض أن ما ذكره الرجالي مطابق للواقع.

على سبيل المثال، عندما يُقال: “كلام النجاشي حجة”، فهذا يعني أنه إذا قال النجاشي: “فلان راوٍ ثقة”، فإن هذا القول يُقبل كأساس للتقييم ويُفترض أن الواقع كذلك، ما لم يوجد دليل معتبر على خلافه.

إضفاء الاعتبار على توصيفات الرجاليين: يحدث إضفاء الاعتبار عندما يُستخدم توصيف رجالي لتحديد صفات راوٍ ما، ولكن بما أن هذا التوصيف ليس حجة بحد ذاته، فلا يمكن العمل به مباشرة. في هذه المرحلة، يجب استخدام أدلة معتبرة لتأكيد اعتبار التوصيف. بعبارة أخرى، في عملية إضفاء الاعتبار، يُسعى إلى تأييد التوصيفات التي لم تكن معتبرة في البداية، وذلك بالاستعانة بأدلة مقبولة الاعتبار. على سبيل المثال، إذا قال الشيخ الطوسي إن راويًا ضعيف، فإن هذا القول لن يكون قابلاً للاستناد إليه بمفرده ما لم تؤيده أدلة أخرى.

هذه الأدلة عادةً ما تقدم مؤشرات يكون وجودها في التوصيف شرطًا ضروريًا لاعتباره. تعمل هذه المؤشرات كمعايير يتم على أساسها تقييم التوصيفات. وتتم عملية التحقق من وجود هذه المؤشرات في التوصيف في مرحلة تقييم الاعتبار.

تقييم اعتبار التوصيفات الرجالية: تقييم الاعتبار هي مرحلة تلي إضفاء الاعتبار. في هذه المرحلة، يتم فحص التوصيفات بناءً على المؤشرات المستخلصة من الأدلة المعتبرة، لتحديد ما إذا كانت متوافقة مع المعايير المحددة أم لا. إذا تطابق التوصيف مع هذه المؤشرات، يُعتبر معتبرًا، وإلا فيُعتبر غير معتبر ويُستبعد.

هاتان المرحلتان معًا تُنشئان عملية دقيقة ومنظمة لفحص وتقييم التوصيفات الرجالية. فمن ناحية، يمنح إضفاء الاعتبار حجية للتوصيفات التي كانت فاقدة للاعتبار في البداية، ومن ناحية أخرى، يقيس تقييم الاعتبار مدى تطابق هذه التوصيفات مع مؤشرات الاعتبار ويحدد النتيجة النهائية. هذا الإطار يشكل أساس الاستخدام العلمي والمنهجي للبيانات الرجالية في البحوث الرجالية.

١-٢. سيرة العقلاء

تُطلق السيرة في اصطلاح مشهور الأصوليين على البناء العملي للناس، وسلوكهم وتصرفهم الشائع والمستمر تجاه فعل أو ترك عمل ما. (جناتي، ١٣٧٠ش، ص ٤١٣؛ النائيني، ١٣٧٦هـ، ج ٣، ص ١٩٢؛ الصدر، ١٤١٩هـ، ج ٢، ص ١٣٨) إلا أن الشهيد الصدر قد وسّع معنى السيرة ليشمل الارتكاز أيضًا؛ (الصدر، ١٤١٧هـ، ج ٤، ص ٢٣٤) بمعنى أنه في بعض الأحيان يكون لدى العقلاء في زمن الشارع ارتكاز خاص، على الرغم من عدم وجود سلوك وعمل خارجي في زمن الشارع وفقًا لهذا الارتكاز بسبب مانع ما؛ ولكن نفس الارتكاز الموجود في زمن الشارع يسمى سيرة.

تنقسم السيرة إلى قسمين: سيرة المتشرعة وسيرة العقلاء. يوجد فرق بين هاتين السيرتين من حيث الموضوع والحكم. من حيث الموضوع، منشأ سيرة المتشرعة هو الالتزام بعقيدة ودين، مثل احترام الصليب عند المسيحيين؛ بخلاف سيرة العقلاء التي ليس منشؤها دينًا أو عقيدة؛ بل لها مبادئ أخرى؛ بعبارة أخرى، لا دخل للمذهب أو العرق أو النحلة الفكرية في السلوك العملي للعقلاء. من حيث الحكم، سيرة المتشرعة حجة بنفسها؛ مثل الإجماع الكاشف عن رأي المعصوم؛ أما سيرة العقلاء فتحتاج إلى إمضاء الشارع. (المظفر، ١٤٢٩هـ، ص ٥١٤)

١-٣. البينة

“البينة” في اللغة تعني الأمر الواضح، الحجة والبرهان. (الزبيدي، ١٤١٤هـ، ج ١٨، ص ٨٤-٨٥) في الواقع، كل ما يوضح ويكشف مسألة مبهمة يسمى “بينة”. في الاصطلاح الفقهي والحقوقي، يُطلق على الشهود المعتبرين شرعًا “بينة”. (هاشمي الشاهرودي، ١٣٨٢ش، ج ٢، ص ٢١٩) غالبًا ما يُقصد بالبينة رجلان عادلان؛ ولكن يمكن أن يكون رجل عادل وامرأتان عادلتان أو أربع نساء عادلات أو الشاهد واليمين بينة أيضًا. (هاشمي الشاهرودي، ١٣٨٢ش، ج ٢، ص ٢٢٠)

البينة وخبر الواحد كلاهما من طرق إثبات الموضوعات الشرعية. تُستخدم البينة وشهادة رجلين عادلين في الغالب في باب القضاء؛ ولكن جمهور الفقهاء قد قبلوا اعتبار خبر الرجلين العادلين ليس فقط في باب القضاء، بل في جميع الموضوعات، إلى درجة أنهم يذكرونها كقاعدة لعموم حجية البينة. (البجنوردي، ١٣٧٧ش، ج ٣، ص ٩) عندما يُطرح بحث اعتبار خبر الواحد في الموضوعات في مقابل البينة، يكون قصدهم الخبر الذي لا تتوفر فيه أحد شروط العدالة أو التعدد أو الذكورة.

٢. مكانة مبنى حجية خبر الواحد في إضفاء الاعتبار على التوصيفات الرجالية

من المسائل الجذرية في علم الرجال تحديد مبنى اعتبار وقبول التوصيفات الرجالية. هذه التوصيفات التي يقدمها علماء الرجال تشمل خصائص مثل الوثاقة، الضعف، أو مذهب الرواة. على سبيل المثال، يقول النجاشي في كتابه إن فلانًا الراوي “ثقة” أو فلانًا الراوي “واقفي المذهب”. لكن هذه التوصيفات لا حجية لها ذاتيًا، وقبولها يتطلب دليلًا معتبرًا ومحددًا.

٢-١. مباني إضفاء الاعتبار على التوصيفات الرجالية

طرح الرجاليون والأصوليون مباني متنوعة لإضفاء الاعتبار على التوصيفات الرجالية. أهم هذه المباني هي:

٢-١-١. اعتبار الاطمئنان والعلم العرفي

وفقًا لهذا المبنى، إذا حصل اطمئنان عرفي بصحة التوصيف، فإن ذلك يكفي للحجية. هذا الاطمئنان ينشأ عادةً من كثرة الشواهد أو وثاقة القائل. (السند، ١٤٢٩هـ، ص ٨٥؛ الشبيري، ١٤٠٢هـ، ص ٣٢٩)

٢-١-٢. اعتبار خبر الواحد الثقة

يستند هذا المبنى إلى حجية خبر الواحد المنقول بواسطة راوٍ ثقة. يعتقد الرجاليون أنه إذا ورد خبر واحد من شخص ثقة، فإن قبوله مبرر بسبب وثاقة الناقل. (السند، ١٤٢٩هـ، ص ٩٣؛ الشبيري، ١٤٠٢هـ، ص ٣٣٠)

٢-١-٣. اعتبار شهادة العدلين

في هذه الطريقة، إذا شهد شاهدان عادلان (عدلان) على صحة توصيف ما، فإن ذلك التوصيف يُعتبر معتبرًا. (السند، ١٤٢٩هـ، ص ٩٣)

٢-١-٤. اعتبار رأي الخبراء

في هذا المبنى، يُقبل رأي الخبراء في علم الرجال كدليل للحجية. (الشبيري، ١٤٠٢هـ، ص ٣٤٢)

٢-١-٥. اعتبار الظنون في الرجال من باب الانسداد الصغير

في الحالات التي يحدد فيها الشارع المقدس طريقًا للوصول إلى الأحكام الشرعية، ولكن تحقيق ذلك الطريق يتطلب شروطًا صعبة تجعل تنفيذ الحكم غير ممكن عمليًا، يُطلق على هذا الوضع الانسداد الصغير. في مثل هذه الحالة، يدرك العقل والعرف أن الشارع لم يقصد التضييق وقد وسّع الشروط.

في علم الرجال أيضًا، تسود هذه القاعدة. مع افتراض أن الشارع المقدس قد جعل طريق الوصول إلى الأحكام هو أخبار الرواة العدول، إذا تم التشديد المفرط في إحراز عدالة الراوي ولم تُعتبر الظنون الناتجة عن التوصيفات الرجالية المعتبرة، فسيصبح مسار الوصول إلى الأحكام الشرعية محدودًا لدرجة أنه سيتعارض عرفًا مع هدف الشارع. لذلك، من باب الانسداد الصغير، يستنتج العقل كفاية الظن بعدالة الراوي حتى لا يُسد مسار الوصول إلى الأحكام الشرعية. (الشبيري، ١٤٠٢هـ، ص ٣٤٣) بشكل عام، في علوم مثل علم الرجال حيث لا يوجد دليل علمي أو علمي كافٍ، يُقبل الظن في ذلك العلم كدليل معتبر بالضرورة.

٢-١-٦. اعتبار مطلق الظنون من باب الانسداد الكبير

في هذا المبنى، تُعتبر جميع الظنون التي يتم الحصول عليها بشأن صحة التوصيفات حجة دون قيود. يُطرح الانسداد الكبير عندما يوجد علم إجمالي بالتكاليف الشرعية، ولكن الطرق القطعية للوصول إلى هذه التكاليف غير كافية. في مثل هذه الظروف، لا يمكن للشارع أن يكتفي باليقين فقط، ولا بد أن يعتبر الظنون أيضًا. هذا الاعتبار يشمل الظنون الناتجة عن التوصيفات الرجالية، خاصة عندما يكون هذا الظن قويًا. بالطبع، يجب الانتباه إلى أنه في حالة كفاية الظنون القوية، لا ينبغي العمل بالظنون الأضعف. (الشبيري، ١٤٠٢هـ، ص ٣٤٥)

بعبارة أخرى، يُطلق الانسداد الكبير على الحالة التي لا يوجد فيها دليل علمي أو علمي كافٍ بالنسبة لمعظم الأحكام، ونتيجة لذلك، يُقبل الظن بشكل مطلق كحجة. عندما يكون الظن المطلق حجة، يسري هذا الاعتبار على جميع العلوم المتعلقة بالأحكام الشرعية، بما في ذلك علم الرجال.

بشكل عام، يكمن الفرق بين الانسداد الكبير والانسداد الصغير في نظرتهما إلى حجية الظنون. في نظرية الانسداد الكبير، تكون الظنون حجة بشكل مطلق، ما لم يوجد دليل خاص على عدم حجية ظن معين. أما في الانسداد الصغير، فتختص الحجية بظن خاص فقط، لأن عدم حجية ذلك الظن الخاص يجعل كشف وتنفيذ الحكم الشرعي غير ممكن عمليًا. هذا التمييز يتيح فهمًا أدق لهاتين النظريتين ويساعد المخاطب على التمييز بوضوح بين هذين المبنيين.

٢-٢. ترتيب وأولوية المباني

هذه المباني ليست في مرتبة واحدة وفي عرض بعضها البعض، بل هناك ترتيب وأولوية خاصة بينها. على سبيل المثال، الفقيه الذي يؤمن بالانفتاح، لا يلجأ إلى مبنى حجية خبر الواحد إلا إذا لم يكن هناك اطمئنان عرفي (بناءً على رأي المشهور في حجية الاطمئنان) أو أدلة أقوى. الترتيب المذكور موضح في المخطط الشجري التالي:

ترتيب مباني حجية القول الرجالي: ينقسم إلى قسمين رئيسيين: الانسدادي وغير الانسدادي.

١. الانسدادي: ينقسم إلى الانسداد الكبير والانسداد الصغير.

٢. غير الانسدادي: ينقسم إلى القطع (وهو نادر الحصول في المباحث الرجالية) والظن.

الظن: ينقسم إلى حالة حصول الاطمئنان (الذي هو علم عرفي وقائم مقام القطع) وحالة عدم حصول الاطمئنان.

في حالة عدم حصول الاطمئنان: هناك ثلاثة مبانٍ متوازية (في عرض بعضها)، وهي شهادة العدلين، خبر الواحد، وقول الخبير. هذا يعني أنه إذا أحرز المجتهد حجية أي من هذه الطرق، يمكنه استخدام أي منها لإثبات التوصيفات الرجالية ولا يوجد ترتيب بينها.

٢-٣. الاستناد إلى حجية خبر الواحد

إحدى أبرز طرق إضفاء الاعتبار على التوصيفات الرجالية هي الاستناد إلى حجية خبر الواحد. لاحظ الرجاليون أن علماء الأصول يعتبرون خبر الواحد حجة؛ لذا، استدلوا بأنه بما أن التوصيفات الرجالية هي نوع من خبر الواحد، فيجب أن تكون هذه التوصيفات حجة أيضًا. بناءً على هذا، إذا قدم رجالي معتبر مثل النجاشي أو الشيخ الطوسي تقريرًا وتوصيفًا حول وثاقة أو ضعف راوٍ ما، فإن هذا التقرير، مثل خبر الواحد في علم الأصول، يكتسب الحجية ويمكن العمل به.

٢-٤. تحليل مكانة مبنى حجية خبر الواحد

على الرغم من أن التوصيفات الرجالية تُعتبر نوعًا من خبر الواحد، إلا أن هذا السؤال الأساسي يُطرح: هل خبر الواحد حجة تحت أي ظرف؟ وإذا قُبلت حجية خبر الواحد، فهل يمكن لهذه الحجية أن تضمن بشكل مطلق اعتبار التوصيفات الرجالية؟

للإجابة على هذا السؤال، يجب متابعة اتجاهين في البحث:

أولًا، يجب الالتفات إلى أدلة وشروط حجية خبر الواحد. حجية خبر الواحد ليست معتبرة ذاتيًا ومطلقًا، بل تحتاج إلى مبنى يحدد معايير اعتبارها. إذا كان مبنى حجية خبر الواحد قائمًا على أساس أن خبر الثقة حجة، ففي هذه الحالة، يكفي إحراز وثاقة الموصِّف. أما إذا كان دليل حجية خبر الواحد هو ضرورة عدالة المخبر، فلن تكون الوثاقة كافية وحدها، وسيكون إحراز العدالة ضروريًا أيضًا.

على سبيل المثال، ابن عقدة، أحد المصادر الرجالية المهمة للشيخ الطوسي، قدم تقارير متعددة عن الرواة. ولكن إذا لم تُحرز عدالته، فلا يمكن الاعتماد على توصيفاته، حتى لو قُبلت وثاقته. والأهم من ذلك، في الحالات التي لا يكون من المعلوم ما إذا كانت معلومات الشيخ الطوسي مأخوذة مباشرة من ابن عقدة أو من مصدر آخر، فإن عدم اليقين هذا يؤثر أيضًا على اعتبار محتويات رجال الشيخ الطوسي.

بناءً على ذلك، فإن حجية خبر الواحد هي مجرد وسيط لإضفاء الاعتبار ولا يمكنها أن تعمل كمعيار رئيسي لاعتبار التوصيفات الرجالية بشكل مستقل. كونها وسيطًا يعني أن خبر الواحد يجب أن يُحلل ضمن إطار مبنى حجيته، وعلى أساس ذلك، تُحدد الشروط والمؤشرات اللازمة لقبول التوصيفات الرجالية.

ثانيًا، يجب الانتباه إلى الاختلافات في تفسير طبيعة هذه التوصيفات. اعتبر بعض العلماء التوصيفات الرجالية من قبيل الموضوعات المحضة. لكن فريقًا آخر من العلماء يعتبرونها من الموضوعات التي تقع في طريق الكشف عن الأحكام الشرعية. (الشهيدي، ج ٢، ص ٣٨٠) للعثور على إجابة لهذا السؤال حول ما إذا كان مبنى حجية خبر الواحد ينطبق على كلتا المجموعتين أم لا، يجب التدقيق في مبنى قبول خبر الواحد. إذا كان ذلك المبنى ودليل الاعتبار يعتبر خبر الواحد معتبرًا في كلا النوعين من الموضوعات، فيمكن الاعتماد على التوصيفات الرجالية كنوع من خبر الواحد بناءً على رأي كلتا المجموعتين. هذا التحليل يظهر أن مجرد القبول العام لحجية خبر الواحد لا يمكن أن يضمن اعتبار جميع التوصيفات الرجالية. للوصول إلى تقييم دقيق، من الضروري دراسة كل من مباني حجية خبر الواحد والشروط الخاصة لإضفاء الاعتبار على التوصيفات الرجالية بشكل دقيق. هذا الاهتمام بفروق المباني وتأثيرها يلعب دورًا مهمًا في صحة ودقة التقييمات الرجالية.

٣. سيرة العقلاء: دليل حجية خبر الواحد

خبر الواحد هو أحد أهم مصادر استنباط الأحكام الشرعية، وكانت حجيته دائمًا موضوع بحث ونقاش. قدم الفقهاء أدلة متعددة من القرآن والسنة والإجماع وسيرة العقلاء لإثبات حجية هذا المصدر. من بين هذه الأدلة، تحتل سيرة العقلاء مكانة خاصة، ويعتبرها الكثير من الفقهاء الدليل الأكثر إتقانًا (الخوئي، ١٤١٨هـ، ج ٤٧، ص ٢٢٩)، بل الدليل الوحيد (الخميني، ١٣٨١ش، ج ٢، ص ٤٧٢) لإثبات حجية خبر الواحد.

لفهم دور سيرة العقلاء في إثبات حجية خبر الواحد بشكل أفضل، يجب توضيح نقطتين رئيسيتين: أولاً، يجب توضيح طبيعة حجية سيرة العقلاء. هل سيرة العقلاء حجة بحد ذاتها أم أن حجيتها تحتاج إلى إمضاء الشارع؟ ثانيًا، يجب توضيح مفاد سيرة العقلاء. على ماذا تدل سيرة العقلاء؟ هل تدل سيرة العقلاء على حجية خبر الواحد بشكل مطلق أم أن حجيتها مشروطة بظروف خاصة؟ الإجابة على هذه الأسئلة هي مفتاح الفهم الدقيق لمكانة سيرة العقلاء في إثبات حجية خبر الواحد.

في تتمة هذا البحث، سنتناول دراسة مفصلة لهذين السؤالين.

٣-١. حجية سيرة العقلاء في قبول خبر الواحد ومجالاتها

لا تتمتع سيرة العقلاء بحجية ذاتية، واعتبارها يتطلب إمضاء وتأييد الشارع. بعبارة أخرى، لا يمكن الاستناد إلى سيرة العقلاء إلا إذا وجدت أدلة على موافقة وتأييد الشارع لها. طرح الفقهاء طرقًا مختلفة لإحراز هذه الموافقة، منها: الإمضاء الصريح للشارع في النصوص الدينية، وسكوت الشارع أمام سيرة كانت جارية في زمانه، وغير ذلك.

أحيانًا، يكفي عدم الردع لإحراز موافقة الشارع، كما في الحالات التي يكون فيها منهج الشارع وسيرته مطابقًا لطريقة العقلاء. أي أن الشارع يكون متحد المسلك مع العقلاء ويتصرف مثلهم، وكذلك في الحالات التي لا يكون فيها الشارع متحد المسلك مع العقلاء؛ ولكن العقلاء في جميع أمورهم، حتى الأمور الشرعية، يعملون بهذه السيرة، فإذا لم يكن هناك مانع من الردع، فإن عدم الردع يكفي لحجية مثل هذه السيرة. ولكن في بعض الحالات، لا يكون عدم الردع كافيًا، ويجب إثبات حجية السيرة بدليل قطعي. (المظفر، ١٤٢٩هـ، ص ٥١٤)

يعتقد بعض الفقهاء أن سكوت الشارع وعدم ردعه أمام سيرة العقلاء في قبول خبر الواحد يكفي كدليل على حجيتها. (الخميني، ١٣٨١ش، ج ٢، ص ٤٧٢-٤٧٦) ومع ذلك، هناك خلاف في تحديد حدود هذا السكوت والحالات التي تكون فيها سيرة العقلاء حجة: يعتقد فريق من الفقهاء أنه لا يوجد دليل محكم لردع سيرة العقلاء في قبول خبر الواحد. بعبارة أخرى، من وجهة نظر هذا الفريق، كان الشارع موافقًا بشكل عام على قبول العقلاء لخبر الواحد ولم يضع له أي قيود. لكن فريقًا آخر من الفقهاء يعتقد أن الشارع قد فرق بين الأحكام والموضوعات، وكان موافقًا على قبول خبر الواحد من قبل العقلاء في ساحة الأحكام فقط. بعبارة أخرى، يعتقد هذا الفريق أن الشارع قد عارض قبول خبر الواحد كدليل في ساحة الموضوعات، وحصر حجيته في ساحة الأحكام فقط. (راجع: الصدر، ١٤٣٤هـ، ج ١٠، ص ١٠٠-١٠٢)

الدليل الرئيسي للفريق الثاني القائل بوجود رادع في ساحة الموضوعات هو رواية مسعدة بن صدقة. هذه الرواية، ببيانها أن كل شيء حلال ما لم يثبت حرمته بشكل قطعي من خلال الاستبانة أو شهادة شاهدين عادلين (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج ٥، ص ٣١٣، ح ٤٠)، يبدو أنها تتحدى حجية خبر الواحد وتردع سيرة العقلاء في هذا المجال.

النقاش الرئيسي يدور حول ما إذا كانت هذه الرواية يمكن أن تكون، كدليل رادع، نافية لسيرة العقلاء في قبول خبر الواحد كدليل كافٍ لإثبات الموضوعات أم لا؟ يوجد رأيان عامان في هذا الصدد.

رأي الموافقين لرادعية خبر مسعدة: يعتقد فريق من الفقهاء أن هذه الرواية، كدليل رادع، تنفي حجية خبر الواحد في الموضوعات. يعتقدون أن الحصر الموجود في الرواية هو حصر حقيقي، وهناك طريقان فقط لإثبات الموضوعات: العلم الوجداني وشهادة شاهدين عادلين. (الروحاني، ١٣٨٩ش، ج ٤، ص ١٤٨)

رأي المخالفين لرادعية خبر مسعدة: يعارض فريق آخر من الفقهاء رأي الرادعية، ويقدمون الأدلة التالية على عدم صلاحية هذه الرواية في ردع سيرة العقلاء:

  • الإشكال في سند الرواية: أورد بعض المحققين إشكالاً على سند رواية مسعدة. (الخوئي، ١٤١٨هـ، ج ٢، ص ٢٦٢؛ الصدر، ١٤٣٤هـ، ج ١٠، ص ٩٦)
  • تفسير مختلف لكلمة “بينة”: يعتقد بعض الفقهاء أن المعنى اللغوي لكلمة “بينة” هو المراد في هذه الرواية وليس معناها الاصطلاحي (شهادة شاهدين عادلين). (الخوئي، ١٤١٨هـ، ج ٢، ص ٢٦٢؛ نفسه، ١٤١٨هـ، ج ١٧، ص ٣٨٣)
  • نفي الحصر الحقيقي: يعتقد فريق آخر من الفقهاء أن الحصر الموجود في الرواية ليس حصرًا حقيقيًا وهناك طرق أخرى أيضًا لإثبات الموضوعات. (الفاضل اللنكراني، ١٤٣٢هـ، ج ٤، ص ١٥٩)
  • ضرورة تعدد الروايات لردع سيرة العقلاء: يرى بعض أهل الدقة أيضًا أن ردع سيرة العقلاء يتطلب تعدد الروايات، ورواية واحدة أو اثنتين لا يمكنها وحدها أن تنقض سيرة العقلاء. (الصدر، ١٤٣٤هـ، ج ١٠، ص ١٠٠)

يتركز النزاع الرئيسي في هذا البحث على معنى كلمة “بينة” ونوع الحصر الموجود في الرواية. يستند أنصار كلا الرأيين إلى قرائن وشواهد من النصوص الروائية والفقهية لإثبات وجهة نظرهم.

بشكل عام، بحث رادعية رواية مسعدة بن صدقة هو بحث معقد ومتعدد الأوجه يتطلب دراسة دقيقة وعميقة لأبعاده المختلفة. الأدلة والاستدلالات المقدمة من كلا الطرفين لها نقاط قوة وضعف خاصة بها، ولا يمكن تفضيل أحدها على الآخر بسهولة.

ومع ذلك، بعد دراسة دقيقة للأدلة والاستدلالات المقدمة، يبدو أن أدلة المخالفين لرادعية هذه الرواية أكثر إحكامًا وقابلية للتبرير. لذلك، مع الافتراض المسبق للحجية المطلقة لسيرة العقلاء في قبول خبر الواحد، سنواصل في هذا البحث تحليلًا أعمق لمفاد السيرة ونتائجها في إضفاء الاعتبار على التوصيفات الرجالية.

٣-٢. مفاد سيرة العقلاء

توجد نظريتان حول مفاد ومحتوى سيرة العقلاء في حجية خبر الواحد:

١) النظرية الأولى: مطلق الخبر (دون فرق بين الأغراض الشخصية والأغراض المولوية) الذي يكون في مأمن من الكذب ويكون المخبر صادقًا في قوله، هو حجة. (مصطفى الخميني، ١٣٧٦ش، ج ٦، ص ٥٠٠)

٢) النظرية الثانية: نظرية تقول إن العقلاء يفرقون بين الأغراض الشخصية والأغراض المولوية. هم في أغراضهم الشخصية يسعون للوصول إلى الواقع، واعتمادهم على خبر الثقة يكون بالمقدار الذي يوصلهم إلى الواقع. بعبارة أخرى، في الأغراض الشخصية، الوصول إلى الواقع مهم جدًا للعقلاء، ولذلك يحتاطون ولا يعملون بخبر الثقة حتى يصلوا إلى الوثوق والاطمئنان الشخصي؛ ولكن في الأغراض المولوية التي هي مقام الاحتجاج، يعتمدون على خبر الثقة.

تحت النظرية الثانية، يوجد قولان:

  • يعتمد العقلاء في الأغراض المولوية مطلقًا على خبر الثقة؛ حتى لو وجد ظن بالخلاف. (الخوئي، ١٤١٨هـ، ج ٤٧، ص ١٣٧)
  • يعتمد العقلاء في الأغراض المولوية على خبر الثقة؛ بشرط أن يحصل من كلامه اطمئنان نوعي. (الشبيري، بلا تا، ج ١١، ص ٣٧٩٠)

٤. الفروق في المقاربات لتفسير مفاد سيرة العقلاء وأثرها في صياغة مؤشرات تقييم اعتبار التوصيفات الرجالية

سبق أن تم بحث مفاد سيرة العقلاء في قبول خبر الواحد والنظريات المختلفة حولها. كما لوحظ، هناك ثلاث نظريات رئيسية مطروحة في هذا المجال. في هذا القسم، سيتم السعي لدراسة تأثير هذه النظريات على صياغة مؤشرات تقييم اعتبار التوصيفات الرجالية. بعبارة أخرى، الهدف هو تحديد مدى إمكانية كل من هذه النظريات الثلاث أن تكون أساسًا مستقلاً لصياغة مؤشرات تقييم الاعتبار.

تظهر الدراسات أن النظرية الثالثة، القائمة على الاطمئنان، لا يمكن أن يكون لها أثر مستقل في هذا المجال؛ لأن هذه النظرية في الواقع تعود إلى مبنى الاطمئنان في إضفاء الاعتبار على التوصيفات الرجالية، وطالما حصل الاطمئنان، فلا حاجة للاستناد إلى حجية خبر الواحد.

أما في المقابل، فإن النظريتين الأولى والثانية اللتين تؤكدان على حجية مطلق الخبر أو حجية الخبر في الأغراض المولوية، يمكن أن تُستخدما كأسس مستقلة لإضفاء الاعتبار على التوصيفات الرجالية. وهذا يعني أنه إذا لم يحصل اطمئنان من قول الرجالي، فوفقًا لكلتا النظريتين المذكورتين، ستكون التوصيفات الرجالية حجة من باب حجية خبر الواحد.

٥. مؤشرات تقييم اعتبار التوصيفات الرجالية

كما تم بحثه في القسم السابق، من بين النظريات المختلفة حول حجية خبر الواحد، يمكن الاعتماد على نظريتي حجية مطلق الخبر وحجية الخبر في الأغراض المولوية كأسس مستقلة لإضفاء الاعتبار على التوصيفات الرجالية. في هذا القسم، وبهدف البحث الرئيسي، أي صياغة مؤشرات لتقييم اعتبار التوصيفات الرجالية بناءً على سيرة العقلاء في قبول خبر الواحد، سيتم تناول الموضوع.

نظرًا لغلبة الدوافع المولوية في التوصيفات الرجالية، سيكون تأثير كلتا النظريتين المذكورتين على مؤشرات تقييم اعتبار التوصيفات الرجالية متشابهًا. بعبارة أخرى، سواء بناءً على نظرية حجية مطلق الخبر أو نظرية حجية الخبر في الأغراض المولوية، سيتم النظر في مؤشرات متماثلة للخبر والمخبر وحالات التعارض، ليتمكن من خلالها تقييم اعتبار التوصيفات الرجالية.

فيما يلي، سيتم دراسة هذه المؤشرات بالتفصيل في ثلاثة مجالات رئيسية: مؤشرات المخبر، مؤشرات الخبر، والمؤشرات المتعلقة بحالات التعارض.

٥-١. مؤشرات المخبر

في دراسة اعتبار التوصيفات الرجالية، يلعب دور المخبر أهمية بالغة. إذ قد تُعتبر الخصائص الشخصية، والجنس، وعدد المخبرين عوامل مؤثرة في درجة الثقة بالخبر وتوصيفهم. من هذا المنطلق، فإن التحديد الدقيق لهذه الخصائص ضروري لتقييم اعتبار التوصيفات. في هذا القسم، من خلال تحليل سيرة العقلاء في قبول خبر الواحد، تم استخلاص مؤشرات لتقييم المخبرين، ليتمكن من خلالها تمييز التوصيفات الرجالية المعتبرة عن غير المعتبرة.

٥-١-١. المؤشر الأول: الوثاقة

في الخطوة الأولى من دراسة مؤشرات المخبر، يمكن الإشارة إلى الوثاقة باعتبارها أهم مؤشر لقبول الخبر. يعتقد العقلاء أنه للتأكد من صحة خبر ما، هناك حاجة إلى سمتين أساسيتين فقط: الصدق والضبط. الصدق يعني قول الحقيقة وعدم وجود دافع للكذب، والضبط يعني امتلاك ذاكرة قوية لتذكر المعلومات بدقة. بعبارة أخرى، يعتقد العقلاء أن الشخص الذي يكون صادقًا عادةً ويتذكر المعلومات بدقة، يستحق الثقة وخبره قابل للقبول. هاتان السمتان وحدهما كافيتان لضمان مطابقة الخبر للواقع، ولا حاجة لدراسة خصائص الراوي الأخرى، مثل العدالة.

يعتبر بعض العلماء عدالة المخبر شرطًا لقبول الخبر. لكن العقلاء يخالفون هذا الرأي. العدالة تعني الاعتقاد والالتزام العملي بالحق في أصول الدين وفروعه، (السيد المرتضى، ١٤٠٥هـ، ج ٣، ص ٣١٠) بينما ترتبط الوثاقة بقابلية الاعتماد على الخبر. يعتقد العقلاء أن كون الراوي فاسقًا أو خارجًا عن الدين لا يعني بالضرورة عدم وثاقته في نقل الخبر. (الخوئي، ١٤١٨هـ، ج ٢، ص ٢٦٦) بناءً على ذلك، من وجهة نظر العقلاء، فإن الوثاقة وليس العدالة هي المعيار الأساسي لقبول الخبر.

بشكل عام، يعتقد العقلاء أن الخبر أداة لاكتساب المعلومات عن العالم المحيط، وهدفهم الأساسي من قبول الخبر هو الحصول على معلومات صحيحة ودقيقة. لهذا السبب، هم يهتمون فقط بتلك الخصائص للمخبر التي تؤثر بشكل مباشر على قابلية الاعتماد على الخبر، ويعتبرون الخصائص الأخرى في هذا المجال ثانوية. لهذا السبب، فإن الشخص الذي يكون ثقة، بسبب صفة الوثاقة، يكون موضع ثقة العقلاء.

في النهاية، يجب القول إنه كما يعتبر العقلاء وثاقة المخبر المؤشر والمعيار الأساسي لقبول خبر ما، ففي تقييم اعتبار التوصيفات الرجالية يجب أيضًا البحث عن هذا المؤشر. بعبارة أخرى، لضمان صحة المعلومات التي يقدمها الرجاليون عن رواة الحديث، يجب الانتباه إلى درجة وثاقة وقابلية اعتماد الموصِّف.

فيما يتعلق بوثاقة الموصِّفين، يجب الانتباه إلى نقطتين:

النقطة الأولى هي أنه لكي يكون الرجالي “ضابطًا”، لا يكفي مجرد أن تكون ذاكرته وحفظه أكثر من سهوه وخطئه. على سبيل المثال، إذا كان شخص يخطئ بنسبة ٤٠٪ وكانت قدرته على الحفظ أكثر بقليل من أخطائه، فإن هذا القدر من الحفظ لا يكفي لكونه ضابطًا. الضبط يعني ألا يكون أضعف من المعتاد. المعتاد مثلاً في هذا الحد هو أن يخطئ الشخص بنسبة ٢٠٪ على الأكثر؛ إذا كان أكثر من هذا المقدار، فإن العقلاء لا يعتبرون مثل هذا الشخص ضابطًا.

النقطة الثانية هي أن “صحة المذهب” ليست من شروط الاعتماد على التوصيف والخبر. يعتقد البعض أنه بالإضافة إلى الصدق والضبط، فإن صحة المذهب شرط لازم للاعتماد على الخبر، لكن هذا الشرط محل نقاش، لأن العقلاء لا يشترطون مثل هذا الشرط. على سبيل المثال، على الرغم من أن مذهب ابن عقدة يُذكر بأنه زيدي جارودي، (النجاشي، ١٣٦٥ش، ص ٩٤؛ الطوسي، ١٤٢٧هـ، ص ٤٠٩) إلا أن هذا الأمر لا يمنع من قبول توصيفاته عن رواة الحديث.

٥-١-٢. المؤشر الثاني: عدم تأثير الجنس (كونه امرأة أو رجلاً)

المؤشر الثاني من بين مؤشرات المخبر هو عدم تأثير جنس المخبر على اعتبار الخبر. بعبارة أخرى، يعتقد العقلاء أن جنس الفرد الذي ينقل الخبر لا ينبغي أن يكون معيارًا لقبوله أو رده. بل ما يهم هو وثاقة وقابلية اعتماد المخبر.

يمكن فهم هذا الرأي بأمثلة بسيطة. لنفترض أن شخصًا يبحث عن متجر معين ويسأل أحد المارة عن عنوانه. في هذه الحالة، لا يهم جنس المار (امرأة أو رجلاً). ما يجلب ثقة الشخص هو التأكد من صدق المار، لأنه ليس لديه سبب للكذب.

بالطبع، يجب الانتباه إلى أنه في بعض الأحكام الشرعية الخاصة، مثل الشهادة في المحكمة، قد توجد اختلافات بين شهادة الرجل والمرأة لها أدلتها الفقهية الخاصة. (الخميني، ١٣٩٢ش، ج ٢، ص ٤٧٨) لكن هذه الاستثناءات لا تخل بالمبدأ العام للمساواة بين الجنسين في اعتبار الخبر.

بناءً على ما ذُكر، يمكن استنتاج أنه في التوصيفات الرجالية أيضًا، لا ينبغي التمييز بين الموصِّف الرجل والمرأة. بعبارة أبسط، إذا وصلنا توصيف من امرأة عن رواة الحديث، فيجب اعتباره معتبرًا مثل توصيف الرجل، بناءً على سيرة العقلاء في قبول خبر الواحد.

بالطبع، نظرًا لأن الغالبية العظمى من الرجاليين عبر التاريخ كانوا رجالاً، فإن هذا المبدأ لا يُحدث تغييرًا كبيرًا في عملية الجرح والتعديل للرواة عمليًا.

٥-١-٣. المؤشر الثالث: عدم الحاجة إلى التعدد

في سياق دراسة مؤشرات المخبر، يتم تناول المؤشر الثالث في هذا المجال. بناءً على هذا المؤشر، إذا شاهد شخص يتمتع بصفات الصدق والذاكرة القوية حدثًا ونقل خبره للآخرين، حتى لو كان الشاهد الوحيد على ذلك الحدث، فإن العقلاء سيثقون بخبره. هذا المؤشر متوافق مع نظرية حجية مطلق الخبر ومع نظرية حجية الخبر في الأغراض المولوية، ولتأكيد هذا القول، يمكن ذكر عدة أمثلة.

يمكن ملاحظة اهتمام العقلاء بالمؤشر الثالث في مقام الاحتجاج (الأغراض المولوية) بوضوح. على سبيل المثال، لنفترض أنه في قرية نائية، لا توجد وسائل إعلام، والمصدر الوحيد للمعلومات هو النقل الشفهي بين الأهالي. إذا أعلن شخص موثوق ومعتمد خبرًا عن وقوع أو عدم وقوع حدث مهم مثل اجتماع القرية، فإن باقي الأهالي سيعتمدون على ذلك الخبر دون تردد ويتخذون قراراتهم بناءً عليه. حتى لو سُمع هذا الخبر من شخص واحد فقط، فبسبب وثاقة وصدق المخبر، يكون مقبولاً لدى الأهالي.

في الحياة اليومية أيضًا (الأغراض الشخصية)، يمكن رؤية هذا السلوك. تخيل أن شخصًا في طريق عودته إلى المنزل يسمع من جاره الموثوق والصادق خبرًا مفاجئًا ومهمًا. مثلاً، يخبره الجار أن والده قد مرض ونُقل إلى المستشفى. في هذه الظروف، يعتمد الشخص الذي تلقى الخبر دون تردد على خبر جاره، وللتأكد أكثر يذهب إلى المستشفى. في هذا المثال، حتى لو أكد شخص واحد فقط هذا الخبر، فإن الشخص الذي تلقى الخبر سيعمل بخبره بناءً على ثقته في جاره.

أحد مؤيدات المؤشر الثالث هو تأكيد العلماء على شرط تعدد الخبر. لقد حاولوا، بالاستناد إلى أدلة مثل رواية مسعدة، أن يظهروا أنه في الشريعة، لقبول الخبر، يجب أن يكون الخبر متعددًا. (ميرزا هاشم الآملي، ١٣٩٥هـ، ج ٣، ص ١٣٦) هذا التأكيد يظهر أنهم كانوا على علم بأن العقلاء في كثير من الحالات يكتفون بخبر فرد واحد موثوق. هذه النقطة تؤكد بوضوح أنه إذا لم نقبل الدليل المانع من قبول سيرة العقلاء، ففي الظروف التي يتمتع فيها المخبر بالوثاقة وقابلية الاعتماد، تنتفي الحاجة إلى تعدد الخبر، ويمكن اعتبار هذه السمة أحد المؤشرات المهمة في قبول الخبر.

لهذا المبدأ تأثير كبير في علم الرجال والفقه. لأن العديد من الرواة تم توثيقهم بتوثيق عام واحد فقط أو بواسطة راوٍ واحد بشكل خاص. على سبيل المثال، الراوي المعروف، المثنى بن عبد السلام، تم توثيقه مرة واحدة فقط وذلك بواسطة الكشي. (الكشي، ١٤٠٤هـ، ج ٢، ص ٦٢٩) بالإضافة إلى ذلك، لم يشمل المثنى بن عبد السلام أي من التوثيقات العامة. بناءً على أن شرط تعدد المخبر غير صادق عليه؛ إذا اعتُبر تعدد المخبر شرطًا لازمًا لحجية خبر الواحد، فسيخرج الكثير من رواياته من دائرة استنباط الفقيه.

٥-٢. مؤشرات الخبر

حتى الآن، تم تناول المؤشرات المتعلقة بالمخبر وتم تقديم ثلاثة مؤشرات رئيسية في هذا المجال. ومع ذلك، لا يقتصر اعتبار التوصيفات على خصائص المخبر فقط؛ بل يجب أن يستوفي الخبر نفسه معايير محددة للقبول. الآن، يتم دراسة المؤشرات المرتبطة بجودة الخبر. تلعب هذه المؤشرات دورًا مهمًا في تحليل وفصل الأخبار المعتبرة عن غير المعتبرة وتساعد على تقديم نهج أكثر دقة في تقييم اعتبار التوصيفات.

٥-٢-١. المؤشر الأول: عدم كون الخبر حدسيًا

عدم كون الخبر حدسيًا هو المؤشر الأول من بين المؤشرات المتعلقة بالخبر. يُظهر تحليل سيرة العقلاء أن هذا المؤشر هو أحد المؤشرات الرئيسية في قبول الأخبار. يقوم العقلاء، من أجل إضفاء الاعتبار على الأخبار، بتقييم منشأ ومصدر الوصول إلى مدلول الخبر بدقة. هم يقبلون فقط الأخبار التي يكون منشؤها حسيًا، أو قريبًا من الحس، بحيث ينخفض احتمال الخطأ إلى أدنى حد ممكن.

النقطة الرئيسية في سيرة العقلاء هي أن احتمال الخطأ في الأخبار الحسية منخفض بشكل كبير. (الآشتياني، ١٤٢٩هـ، ج ٢، ص ٩٧) يأخذ العقلاء هذه السمة في الاعتبار ويطبقون أصل عدم الخطأ على الخبر الحسي ويرتبون الأثر على مثل هذه الأخبار. (الأنصاري، ١٤٢٨هـ، ج ١، ص ١٨٢) يعود الاعتماد على الأخبار الحسية إلى ارتباطها المباشر بالواقع الخارجي وعدم تدخل الاجتهاد أو الاستنتاج الذهني في عملية الحصول عليها. في المقابل، الأخبار الحدسية التي يكون منشؤها استنتاجات عقلية أو اجتهادية، (الصدر، ١٤١٩هـ، ج ٢، ص ١١١) تفقد اعتبارها عند العقلاء بسبب زيادة احتمال الخطأ.

النقطة الأهم هي أن العقلاء حتى في الحالات التي يكون فيها الخبر قريبًا من الحس، بسبب قربه من المنشأ الحسي وانخفاض احتمال الخطأ، يعتبرونه في حكم الخبر الحسي ويعتبرونه معتبرًا. (الخوئي، ١٤١٨هـ، ج ٤٧، ص ١٥٧) هذا التمييز الدقيق بين أنواع الأخبار هو أساس اتخاذ قرارهم بالاعتماد على خبر ما أو رده.

تقدم سيرة العقلاء هذه توجيهًا واضحًا لتقييم التوصيفات الرجالية. التوصيفات التي تستند إلى مشاهدات مباشرة أو بيانات قريبة من الحس تكون معتبرة من وجهة نظر العقلاء. أما التوصيفات التي تُنظم بناءً على التحليل، الاجتهاد، أو التصورات الذهنية، فتُعتبر فاقدة للاعتبار. يوفر هذا النهج العقلي معيارًا أساسيًا للتمييز بين التوصيفات المعتبرة وغير المعتبرة ويمكن استخدامه كأحد المؤشرات الرئيسية في علم الرجال.

إن للتبعات العملية للمؤشر الثالث في علم الرجال، تحليل سيرة العقلاء فيما يتعلق بعدم الاعتماد على الأخبار الحدسية وقبول الأخبار الحسية أو القريبة من الحس، تبعات مهمة في علم الرجال وتؤثر بشكل مباشر على كيفية تقييم التوصيفات الرجالية. فيما يلي، يتم دراسة ثلاث تبعات رئيسية لهذا النهج:

١. تحدي الاعتبار العام للتوصيفات الرجالية: إحدى النتائج الرئيسية لهذا المبدأ هي الطعن في اعتبار جميع التوصيفات الرجالية. من الممكن أن يكون الكثير من هذه التوصيفات قد قُدمت بناءً على حدس وتخمين الرجاليين، خاصة في الحالات التي لم تُقدم لهم شواهد حسية أو قريبة من الحس. بناءً على هذا التحليل، كلما وجد احتمال لكون التوصيف حدسيًا ولم يُرفع هذا الاحتمال بشكل قطعي، لا يمكن قبوله كتوصيف معتبر. بالطبع، يعتقد المرحوم الخوئي أن مجرد احتمال كون الخبر حدسيًا لا يمنع من حجيته، وفقط في حالة إحراز كونه حدسيًا بشكل قطعي، تسمح سيرة العقلاء بترتيب الأثر عليه. (الخوئي، ١٣٧٢ش، ج ١، ص ٤١)

٢. عدم اعتبار بعض توصيفات الرجاليين المتقدمين: تُقسم توصيفات الرجاليين المتقدمين، خاصة علماء ما قبل القرن السابع الهجري، إلى فئتين: حدسية وغير حدسية.أ) التوصيفات الحدسية: هذه الفئة من التوصيفات، التي تستند في الغالب إلى الظن والتخمين، فاقدة للاعتبار. ثلاث نماذج من التوصيفات الحدسية التي توجد في مصادر الرجاليين المتقدمين هي:

  • التضعيف بسبب الغلو: إذا كان أساس تضعيف الراوي مجرد تهمة الغلو، فإن مثل هذا التضعيف غير مقبول.
  • التضعيف بسبب الارتباط بالغلاة: مجرد ارتباط الراوي بأشخاص لديهم أفكار غالية ليس دليلاً على تضعيفه.
  • التضعيف بناءً على تحليل المتن: بعض توصيفات الرجاليين التي تستند إلى تشابه السلوك أو القول مع الغلاة، ليست معتبرة بسبب احتمال الظن والتهمة.

ب) التوصيفات غير الحدسية: هذه التوصيفات التي لا يكون كونها حسية أو حدسية واضحًا، تُعتبر معتبرة بناءً على أصالة الحس، ما لم يثبت خلاف ذلك.

٣. محدودية قبول توصيفات الرجاليين المتأخرين: توصيفات الرجاليين المتأخرين، خاصة من القرن السابع الهجري فصاعدًا، في تقييم الرواة المتقدمين، فاقدة للاعتبار. عادةً ما تُدرس توصيفات هذه المجموعة في ثلاث فئات:

  1. نقل عبارات الرجاليين المتقدمين.
  2. توصيف الأساتذة، المعاصرين، والمقربين من زمانهم.
  3. توصيف الرواة القدماء والمتقدمين.

المشكلة الرئيسية تكمن في الوضع الثالث، حيث يقوم الرجاليون المتأخرون بتقييم الرواة القدماء. في هذه الحالة، يعتمدون عادةً على شواهد غير قطعية ومبانٍ اجتهادية، وهذه الشواهد تفتقر إلى القطعية اللازمة وتُعتبر توصيفات ظنية وحدسية؛ وبالتالي، فإن مثل هذه التوصيفات مشمولة بأصل عدم حجية الأخبار الحدسية ولا يمكن الاعتماد عليها.

٥-٢-٢. توافق الخبر مع المصادر الأخرى (ضرورة الفحص عن المعارض)

توافق الخبر مع المصادر الأخرى هو المؤشر الثاني من بين المؤشرات المرتبطة بالخبر. عندما توجد مصادر مختلفة لتلقي الخبر، يسعى العقلاء بشكل طبيعي للتأكد من عدم وجود تعارض محتمل بين الأخبار من خلال مقارنة وتطبيق الخبر مع المصادر المعتبرة الأخرى. هذا السلوك نابع من حساسية العقلاء تجاه رفع التعارض وضمان صحة الخبر. ومع ذلك، فإن هذه القاعدة مقبولة بشكل عام في سيرة العقلاء وتحتاج إلى دراسة تفصيلية في مقامين: مقام العلم الإجمالي ومقام احتمال التعارض. (الخميني، ١٤٠٠هـ، ج ٢، ص ٢٧٤)

مقام العلم الإجمالي بوجود التعارض: في الحالات التي يوجد فيها علم إجمالي بوجود تعارض بين الأخبار أو الأقوال، فإن الفحص عن المعارض من وجهة نظر العقلاء قطعي وضروري. في مثل هذه الظروف، يتجاوز وجود التعارض حد الفرضية والاحتمال ويصل إلى حد العلم. هذا العلم الإجمالي يوجب إجراء دراسة دقيقة بين المصادر. بناءً على هذا، لا يمكن الاعتماد على مصدر واحد فقط واتخاذ قرار دون فحص الأخبار الأخرى. في هذا المقام، تتفق كلتا النظريتين في تفسير سيرة العقلاء على ضرورة الفحص عن المعارض ولا يوجد خلاف في هذا الشأن.

مقام احتمال التعارض: في هذا المقام، يُطرح فقط احتمال وجود معارض ولا يوجد علم إجمالي بوجود تعارض. في مثل هذه الظروف، تقدم تفسيرات مختلفة لسيرة العقلاء نتائج متباينة:

  • النظرية الأولى: تعتقد هذه النظرية أن مطلق خبر الثقة حجة عند العقلاء، سواء كان في الأغراض الشخصية أو المولوية. لكن هذه الحجية محدودة بالحالات التي لا يوجد فيها احتمال تعارض بين الأخبار. في الواقع، يرى العقلاء أن الفحص عن المعارض ضروري للاعتماد على خبر الثقة في مقام احتمال التعارض؛ لأنه بدون هذا الفحص، لا تتشكل الثقة بالخبر عند العقلاء؛ وبالتالي، وفقًا لهذه النظرية، حتى في مقام احتمال التعارض، يكون الفحص عن المعارض إلزاميًا.
  • النظرية الثانية: تعتقد هذه النظرية أنه في الأغراض المولوية، مطلق خبر الثقة حجة، حتى لو كان هناك احتمال للتعارض أو الخلاف. بعبارة أخرى، وفقًا لهذه النظرية، يعتمد العقلاء في الأغراض المولوية على خبر الثقة على الرغم من وجود احتمال للخلاف ولا يرون حاجة للفحص عن المعارض.

بشكل عام، بناءً على هاتين النظريتين، يتم الحصول على نتائج مختلفة في مقام احتمال التعارض. وفقًا للنظرية الأولى، يكون الفحص عن المعارض ضروريًا حتى في هذا المقام، وبدونه لا يعتمد العقلاء على الخبر. أما النظرية الثانية، فلا تلزم بالفحص وتقبل حجية مطلق خبر الثقة في الأغراض المولوية.

يُطرح بحث الفحص عن المعارض في علم الرجال أيضًا بشكل جدي. بعبارة أخرى، كما يهتم العقلاء بضرورة الفحص عن المعارض في قبول خبر الواحد، فإن هذه القاعدة تسري في علم الرجال أيضًا. السؤال الأساسي هو أنه إذا وجد فقيه في كتاب مثل رجال النجاشي أن النجاشي قد وثق راويًا ما، فهل يمكنه الاكتفاء بهذا التوثيق، أم يجب عليه دراسة توصيفات سائر الرجاليين أيضًا؟

الجواب هو أنه بافتراض وجود علم إجمالي بالتعارض بين التوصيفات الرجالية، يصبح الفحص عن المعارض ضروريًا؛ لأن مقام العلم الإجمالي، من حيث الرتبة، مقدم على مقام احتمال التعارض. في مثل هذه الظروف، لا يجيز العقلاء لأحد أن يعتمد على خبر واحد دون دراسة التعارضات المحتملة.

نتيجة لذلك، لتوثيق أو تضعيف راوٍ ما، لا يمكن الاستناد إلى توصيف رجالي واحد فقط. بل يجب دراسة جميع توصيفات الرجاليين للتأكد من أن التوصيف المعني ليس في تعارض مع التوصيفات الأخرى. لأن العقلاء لا يعتمدون على الخبر إلا بمثل هذا النهج.

في الختام، تجدر الإشارة إلى أن حيثية البحث في ما نحن فيه تختلف عن حيثية بحث التعارض. في ما نحن فيه، طالما لم يتم الفحص عن المقيد والخاص و…، لا يكون المطلق والعام حجة، ولكن في بحث التعادل والتراجيح، عندما يتم الفحص بالمقدار المتعارف عليه، يتحول ذلك المطلق أو العام إلى حجة فعلية. الآن إذا تحول ذلك المطلق إلى حجة فعلية وظهر بعد ذلك مقيد، فسيتم كشف الحكم من البداية والنهاية. (الخميني، ١٤٠٠هـ، ج ٢، ص ٢٧٧)

الخاتمة

هدف هذا البحث هو تحديد مؤشرات تقييم اعتبار التوصيفات الرجالية، وقد تمت دراسة سيرة العقلاء في قبول خبر الواحد كإطار نظري. أظهرت النتائج أن العقلاء، لقبول خبر الواحد، يعتبرون مراعاة معايير مثل وثاقة المخبر، وعدم كون الخبر حدسيًا، وتوافقه مع المصادر الأخرى، ضرورية. يمكن تفصيل هذه المعايير على النحو التالي:

١. مؤشرات المخبر:

  • وثاقة المخبر شرط أساسي.
  • جنس المخبر ليس له تأثير على اعتبار الخبر.
  • لا حاجة لتعدد المخبرين.

٢. المؤشرات المتعلقة بالخبر:

  • الأخبار الحدسية مرفوضة لعدم قطعيتها.
  • دراسة التعارضات المحتملة (الفحص عن المعارض) إلزامية لاعتبار الخبر.

تظهر هذه النتائج أنه إذا كان مبنى حجية خبر الواحد هو سيرة العقلاء، فإن مراعاة هذه المؤشرات ستكون ضرورية. ولكن يجب التذكير بأن هذه المؤشرات تعتمد على المبدأ النظري للبحث؛ بمعنى أنه مع تغيير مبنى حجية خبر الواحد، قد تصبح مؤشرات أخرى ضرورية أو قد تتغير أولوية المؤشرات.

بالإضافة إلى ذلك، تُعتبر نتائج البحث خطوة في اتجاه تعزيز الصلة بين علم الأصول وعلم الرجال، حيث تظهر أن الدقة في المبادئ النظرية يمكن أن تساهم في تحسين طرق تقييم التوصيفات الرجالية. كما يوفر هذا التحقيق إطارًا عمليًا لتمييز التوصيفات المعتبرة عن غير المعتبرة، مما يمكن أن يقلل من الأخطاء المحتملة في التحليلات الرجالية.

تحديات البحث

في مسار هذا البحث، واجهنا تحديات مختلفة تتطلب دقة وحلاً دقيقًا. كان أحد أهم التحديات هو المضي قدمًا في مسار منطقي من مبنى حجية خبر الواحد إلى استخلاص مؤشرات تقييم التوصيفات الرجالية. كان هدف هذا البحث تحديد مؤشرات تقييم اعتبار التوصيفات الرجالية بناءً على مبنى حجية خبر الواحد. لتحقيق هذا الهدف، كان من الضروري أولاً دراسة المباني المختلفة لإضفاء الاعتبار على التوصيفات الرجالية. بعد ذلك، تم تركيز الاهتمام الرئيسي على مبنى حجية خبر الواحد.

ومع ذلك، فإن خبر الواحد ليس له حجية ذاتية، ولإثبات اعتباره، كان يجب تقديم أدلة معتبرة. في هذا السياق، لجأنا إلى سيرة العقلاء. لكن سيرة العقلاء أيضًا، بدون إمضاء الشارع، ليس لها اعتبار، لذا كان يجب الحديث عن إمضاء الشارع لقبول سيرة العقلاء. بعد ذلك، دخلنا في المقاربات المختلفة في سيرة العقلاء، حيث يفسر كل منها سيرة العقلاء بطريقة مختلفة.

التحدي الآخر للبحث كان المضي قدمًا في هذا المسار المنطقي بطريقة يتمكن بها القارئ من مواكبته بسهولة. لتجنب إرباك القارئ وإرهاقه، اضطررنا في بعض الحالات إلى استخدام عبارات مثل “سيرة العقلاء في قبول خبر الواحد”. هذه العبارة كانت للتأكيد على أن حجية خبر الواحد تعتمد في النهاية على سيرة العقلاء.

قد يؤدي الاستخدام المتكرر لهذا التعبير في بعض الحالات إلى إطالة الجمل أو صعوبة في فهم القصد، لكننا كنا مضطرين لاستخدام هذه العبارة. بما أن سيرة العقلاء يمكن أن تكون دليلًا على اعتبار خبر الواحد ودليلًا على اعتبار رأي الخبير، فلو استخدمنا سيرة العقلاء بشكل مطلق، كان من المحتمل ألا يتم تمييز المفاهيم المتشابهة عن بعضها البعض وتختلط بدليل اعتبار رأي الخبير. لذلك، للحفاظ على الدقة في التمييز بين هذين المجالين، كان استخدام هذا التعبير ضروريًا.

كانت هذه المسائل والتحديات من بين أهم الصعوبات التي واجهناها في عملية كتابة هذا البحث. نأمل أن نكون قد تمكنا من التغلب على هذه التعقيدات وتقديم مسار البحث بشكل كامل ومفهوم.

مقترحات وبحوث مستقبلية

في النهاية، يُقترح أن تتناول البحوث المستقبلية دراسة تأثير سائر مباني حجية خبر الواحد على مؤشرات تقييم التوصيفات الرجالية، وأن تبحث في إمكانية تطبيق هذه المؤشرات على مقاربات مختلفة.

المصادر

* القرآن الكريم

١. الأنصاري، مرتضى (١٤٢٨هـ). فرائد الأصول. قم: مجمع الفكر الإسلامي.

٢. الآشتياني، محمد حسن بن جعفر (١٤٢٩هـ). بحر الفوائد في شرح الفرائد / طبعة جديدة. بيروت: مؤسسة التاريخ العربي.

٣. الآملي، ميرزا هاشم (١٣٩٥هـ). مجمع الأفكار ومطرح الأنظار. قم: المطبعة العلمية.

٤. البجنوردي، حسن (١٣٧٧ش). القواعد الفقهية. قم: نشر الهادي.

٥. جناتي، محمد إبراهيم (١٣٧٠ش). منابع اجتهاد از دیدگاه مذاهب اسلامی. طهران: كيهان.

٦. الخميني، روح الله، قائد الثورة ومؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية (١٣٨١ش). تهذيب الأصول. طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قدس سره).

٧. الخميني، روح الله، قائد الثورة ومؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية (١٣٩٢ش). تحرير الوسيلة. قم: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قدس سره).

٨. الخميني، روح الله، قائد الثورة ومؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية (١٤٠٠ش). موسوعة الإمام الخميني قدس سره الشريف. قم: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قدس سره).

٩. الخوئي، أبو القاسم (١٣٧٢ش). معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة. (د.م): (د.ن).

١٠. الخوئي، أبو القاسم (١٤١٨هـ). موسوعة الإمام الخوئي. قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي.

١١. الروحاني، محمد صادق (١٣٨٩ش). زبدة الأصول. قم: كلبه شروق.

١٢. الزبيدي، مرتضى (١٤١٤هـ – ١٩٩٤م). تاج العروس من جواهر القاموس. بيروت: دار الفكر.

١٣. السند، محمد (١٤٢٩هـ). بحوث في مباني علم الرجال. الطبعة الثانية، قم: مدين.

١٤. السيد المرتضى، علي بن حسين (١٤٠٥هـ). رسائل الشريف المرتضى (إبطال العمل بأخبار الآحاد). قم: دار القرآن الكريم.

١٥. الشبيري الزنجاني، محمد جواد (١٤٠٢ش). استناد در روش شناخت رجال اسناد. قم: انتشارات مركز فقهى امام محمد باقر (ع).

١٦. الشبيري الزنجاني، موسى (بلا تاريخ). كتاب النكاح. قم: مؤسسة پژوهشي رای پرداز.

١٧. الشهيدي، محمد تقي (بلا تاريخ). مباحث الحجج.

١٨. الصدر، محمد باقر (١٤١٧هـ). بحوث في علم الأصول (الهاشمي الشاهرودي). قم: مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي.

١٩. الصدر، محمد باقر (١٤١٩هـ). دروس في علم الأصول. قم: مجمع الفكر الإسلامي.

٢٠. الصدر، محمد باقر (١٤٣٤هـ). موسوعة الشهيد السيد محمد باقر الصدر. قم: پژوهشگاه علمي تخصصي شهيد صدر، دار الصدر.

٢١. الطوسي، محمد بن حسن (١٤٢٧هـ). رجال الطوسي. قم: جماعة المدرسين في الحوزة العلمية، مؤسسة النشر الإسلامي.

٢٢. الفاضل الموحدي اللنكراني، محمد (١٤٣٢هـ). تفصيل الشريعة (الطهارة). قم: مركز فقه الأئمة الأطهار (ع).

٢٣. الفراهيدي، خليل بن أحمد (١٤٠٩هـ). العين. قم: مؤسسة دار الهجرة.

٢٤. الكشي، محمد بن عمر (١٤٠٤هـ). اختيار معرفة الرجال. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث.

٢٥. الكليني، محمد بن يعقوب (١٤٠٧هـ). الكافي. طهران: دار الكتب الإسلامية.

٢٦. المظفر، محمد رضا (١٣٨٧ش-١٤٢٩هـ). أصول الفقه في مباحث الألفاظ والملازمات العقلية ومباحث الحجة والأصول العملية. قم: بوستان كتاب.

٢٧. النجاشي، أحمد بن علي (١٣٦٥ش). رجال النجاشي. قم: جماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم، مؤسسة النشر الإسلامي.

٢٨. الهاشمي الشاهرودي، محمود (١٣٨٢ش). فرهنگ فقه مطابق مذهب اهل بيت (ع). قم: مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي بر مذهب اهل بيت (ع).

Scroll to Top