ملخص
إن أداة تعريف علم الأصول هي إحدى مقاربات معرفة المسألة الأصولية، وقد ذكر الأصوليون أكثر من عشرة تعاريف. وبما أن هذه التعاريف كانت عرفية وغير منطقية، فقد أدت جهود الأصوليين في هذا المجال إلى إطالة المباحث الأصولية. وعليه، من الضروري دراسة المسألة الأصولية بمعزل عن تعريفها. إن الالتفات إلى كلية وشمولية مسائل علم الأصول في عملية الاستنباط والتوجه الخاص في تقديم ملاك واحد جامع للمسألة الأصولية يُعد من خصائص الرؤية في مدرسة النائيني الأصولية. وبناءً على ذلك، فإن دراسة وتحليل هذه المدرسة يمكن أن يؤدي إلى تقديم ملاك دقيق ومنضبط. وقد استخدم البحث الحالي المنهج الوصفي التحليلي. إن نتيجة تقييم الآراء المطروحة في مدرسة المحقق النائيني الأصولية هي أنه بناءً على عدم افتراض مسائل الأصول مسبقًا والاهتمام بغرض تدوين علم الأصول واستنادًا إلى «اللابشرط من حيث المادة الفقهية»، يمكن تبني مقاربة جديدة لملاك المسألة الأصولية وبيانها على النحو التالي: «العناصر المشتركة في الاستدلال الفقهي التي تختص بالباب الفقهي». هذا الملاك يتضمن ثلاثة قيود: «الاشتراك»، و«في الاستدلال الفقهي»، و«الاختصاص بالباب الفقهي»، ويمكن اعتباره ملاكًا وضابطًا دقيقًا في معرفة المسألة الأصولية.
المقدمة
يُعد تعريف علم الأصول إحدى مقدمات علم الأصول التي أولاها الأصوليون بحثًا مستفيضًا، ويمكن اعتبار ثمرتها في تحديد مسائل علم الأصول. لقد سعى كل واحد من الأصوليين، نظرًا لعدم كون التعاريف السابقة جامعة ومانعة، إلى تقديم تعريف مناسب، حتى وصل عدد التعاريف المقدمة لعلم الأصول إلى أكثر من عشرة. وبما أن أيًا من هذه التعاريف لم يكن تعريفًا منطقيًا، بل كانت تعاريف لغوية أو عرفية، يمكن القول بأن هذا النزاع بين الأصوليين يفتقر إلى أساس متين؛ لأنه بوجود الخاصية التي تتسم بها التعاريف غير المنطقية والعرفية، يمكن القول بأن جهود الأصوليين في هذا المجال أدت إلى إطالة المباحث الأصولية، ولم يكن لهذه النقوض والإبرامات التي جرت في تعريف علم الأصول ثمرة تذكر. بالنظر الدقيق وتقييم الإشكاليات في هذا المجال، يُلاحظ أن ذكر مثل هذه المقدمة لعلم الأصول بعنوان تعريف علم الأصول بهذه السعة لم يكن ضروريًا، بالإضافة إلى أن الخوض في مثل هذه المطالب يستلزم وقتًا طويلًا من الباحث الأصولي. من أهم آثار تعاريف علم الأصول والدقة البالغة للأصوليين في تعريفه، هو معرفة المسألة الأصولية. لا يمكن اعتبار تعاريف علم الأصول مؤشرًا ومعيارًا دقيقًا لتمييز المسألة الأصولية. لذلك، لتقديم ملاك دقيق، يجب تجاوز التعاريف ودراسة ملاك المسألة الأصولية بشكل مستقل. في هذه الحالة، بمنهجية جديدة في تبيين ملاك مسائل علم الأصول، يمكن تجاوز نزاعات الأصوليين والتأكيد على تقديم ملاك للمسألة الأصولية. إن تقديم وتبيين ملاك دقيق للمسألة الأصولية يُعد من المسائل المعرفية، ومثل هذه المنهجية الجديدة يمكن أن تقدم مقياسًا ومعيارًا دقيقًا لتحديد المسألة الأصولية. ولتقديم ملاك وضابطة للمسائل الأصولية، تحظى مدرسة الميرزا النائيني بمكانة مهمة بسبب تأكيدها على كلية وشمولية مسائل علم الأصول. في هذه المدرسة، بُذلت جهود لتقديم المسائل الأصولية ضمن ملاك واحد وجامع لتشمل جميع مسائل علم الأصول. إن تحليل ونقد آراء المحقق النائيني وتلامذته يمكن أن يكون خطوة مهمة للوصول إلى ملاك منسجم ودقيق للظفر بملاك المسألة الأصولية. والآن، السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما هو ملاك المسألة الأصولية في مدرسة الميرزا النائيني وكيف يمكن الوصول إلى ملاك دقيق للمسألة الأصولية؟ في مجال الإجابة على هذا السؤال، لم يتم العثور على بحث مستقل.
1. رأي الميرزا النائيني في عرض ملاك المسألة الأصولية
عرض الميرزا النائيني، ضمن تعريفه لعلم الأصول، أول ملاك لتشخيص المسألة الأصولية على النحو التالي: «العلم بالقواعد التي إذا انضمت إليها صغرياتها أنتجت نتيجة فقهية وهو الحكم الكلي الشرعي الثابت لموضوعه المقدر وجوده على ما هو الشأن في القضايا الحقيقية». (الخوئي، ١٤١٩، ج ١، ص ٣) المقصود بالقواعد في هذه العبارة هو الكبريات التي تُبحث في المنطق الأرسطي. ببيان أن كل استدلال فقهي يتكون من صغرى وكبرى. صغريات البحث ليست قطعًا مسائل أصولية ولم تؤخذ من المسألة الأصولية؛ بل أُخذت من علوم مثل الفقه والرجال. من هنا، فإن ما يقع في كبرى الاستدلال يُحسب مسألة أصولية. (النائيني، ١٤٠٦، ج ١، ص ١٨) يعتقد النائيني أن خبر الواحد يتوقف على أمور من قبيل معرفة معاني الألفاظ، وسلسلة سند الخبر، وتشخيص الرواة، وتمييز الثقة عن غيره، وهو ما يُستخدم لحجية الخبر واستنباط الحكم الشرعي. (الجزائري، ١٤١٣، ج ٨، ص ١٢٠) على سبيل المثال، وجوب الصلاة، مثل الخبر، يتوقف على معرفة بنية الكلمات ومحل إعرابها وتمييز الفاعل من المفعول والمبتدأ من الخبر. موقع هذه الأمور هو صغريات الاستدلال، وما هو مرتبط بعلم الأصول يقع في كبرى الاستدلال، مثل «كل خبر ثقة حجة». من هنا، فإن علم الرجال يتناول فقط وثاقة زرارة؛ أما علم الأصول فيبحث هذه المسألة على النحو التالي: كل ثقة حجة. لهذا السبب، اعتبر المحقق النائيني ملاك علم الأصول «ما يقع كبرى في عملية الاستدلال»، وهو الحكم الكلي الشرعي مقابل الحكم الفرعي، لا الحكم الأصلي.
الإشكال على ملاك النائيني من قبل المرحوم الشهيد الصدر
من أسباب اختيار الميرزا النائيني لمثل هذا القيد، يمكن القول بأن مراده بالكلي في عقيدته هو «الجعل» في مقابل «المجعول»؛ لأن النائيني استخدم مصطلح «الجعل والمجعول». يمكن توضيح المقصود بـ«الجعل» بذكر مثال: «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» (آل عمران/٩٧). بمجرد نزول هذه الآية، يثبت حكم كلي ويُحسب واجبًا شرعيًا؛ ولكن قد لا يكون في زمن نزول الآية شخص مستطيع للحج موجودًا، وبهذا لا يكون تكليف الوجوب على عاتق أي من المكلفين. مثال آخر هو صلاة الظهر، فلو لم يوجبها الشارع قبل حلول الوقت لجرى نفس البيان؛ ولكن لو نزلت الآية قبل ساعة من حلول وقت صلاة الظهر، لأصبحت صلاة الظهر واجبة. في ذلك الوقت (وقت نزول حكم وجوب صلاة الظهر)، لم تكن واجبة على أي من المكلفين، لأن صلاة الظهر مشروطة بالزوال ولم يأتِ وقت الظهر. (اللنكراني، ١٣٧٩، الجلسة ١٣) يعتقد الميرزا النائيني أن استنباط مثل هذا الجعل الكلي هو المقصود، أما وجوبه على شخص معين فليس هو المقصود. ما هو مهم هو استنباط وجوب الصلاة والحج والصوم، ووجوبه على فرد معين خارج عن عملية الاستنباط. لهذا السبب، قيّد النائيني عملية الاستنباط باستنباط الحكم الكلي مقابل الحكم الجزئي المتعلق بشخص معين. وقد عبّر عن هذا الحكم الجزئي بـ«المجعول». من هنا، يكون الجعل أحيانًا فعليًا والمجعول غير فعلي، بمعنى أن شروط التكليف لم تتحقق ليجب على فرد معين.
إشكال المرحوم الشهيد الصدر على ملاك النائيني
اعتبر الشهيد الصدر أن ملاك الميرزا النائيني فيه إشكال، ويعتقد أن لازم مثل هذا الملاك هو خروج كثير من مسائل علم الأصول. مسائل لا شك في أصوليتها ولا تقع في كبرى الاستدلال؛ بل تقع في صغرى البحث. على سبيل المثال، «الأمر ظاهر في الوجوب» وهي مسألة أصولية معروفة وأدرجها الأصوليون في بحث «صيغة أو مادة الأمر ظاهرة في الوجوب»، وهي من أهم مسائل علم الأصول، لا تقع في كبرى القياس. (الصدر، ١٤١٧، ج ١، ص ٢٧) من هذه المسألة، بضم صغرى إليها، يُستنتج حكم كلي، ولكن بناءً على الملاك الذي قدمه الميرزا النائيني، لا تُعرف كمسألة أصولية ولا تقع في عملية الاستنباط. والسبب هو أنه إذا كان خبر مثل خبر زرارة يتضمن أمرًا مثل «صلِّ»، فهو خبر ثقة أُمر فيه بالصلاة، وهذا الأمر هو صغرى الاستدلال وكبراه هي «كل أمر ظاهر في الوجوب». بناءً على هذا، تكون النتيجة «هذا الخبر ظاهر في الوجوب». إذن، لدينا قضية تخبر وظاهرها يفيد الوجوب. ويبيّن الشهيد الصدر أن كل من يقول بحجية كل ظهور، يواجه في هذه الحالة خبر زرارة الذي ظاهره في الوجوب أو الحرمة. ولكن الاستدلال به يصح عندما تكون نتيجة القياس الأول صغرى، وتُضم إليها قضية «كل ظاهر حجة»، لا قضية «الأمر ظاهر في الوجوب» التي تكون في هذه الحالة مخالفة لمباني المرحوم الميرزا (القمی، ١٢٩٩، ج٢، ص١٧٥) وجميع الأصوليين الذين يعتقدون أن بحث الأوامر والنواهي من مسائل علم الأصول. خلاصة القول، يعتقد الشهيد الصدر أن الملاك الذي ذكره المرحوم النائيني، على الرغم من أنه يخرج الكثير من مسائل علم الرجال واللغة والنحو والصرف من علم الأصول، فإنه في المقابل، الكثير من المسائل الأصولية التي لا تصل إلى حكم كلي إلا بضم كبرى، ستدخل في علم الأصول. كذلك، بناءً على الملاك المذكور، مسألة اجتماع الأمر والنهي ومسألة «اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده»، وهما من أهم مسائل علم الأصول، ستخرجان من مسائل هذا العلم. والسبب هو أن هذه المسائل لتحقيق صغرى لكبرى أخرى، فلأن اجتماع الأمر والنهي محال، أي دليل الأمر يتعارض مع دليل النهي، ويُطرح هذا السؤال: أي من الأمر أو النهي يُقدَّم؟ من هنا، تُبحث المسألة في باب التعارض، لأنه في هذا الباب سيُحدَّد تقديم أي من الأمر والنهي على الآخر. لهذا السبب، يحقق بحث اجتماع الأمر والنهي صغرى باب التعارض. وقد فعل ذلك، وفي هذه الحالة ستكون مسألة التعارض أصولية، أما مسألة اجتماع الأمر والنهي، فلأنها لم تقع كبرى للقياس، ستخرج؛ لأنه بناءً على ملاك المرحوم النائيني، المسألة الأصولية هي ما تقع كبرى في قياس الاستنباط. بناءً على هذا الملاك، سيخرج عدد كبير من المباحث الأصولية من علم الأصول.
1-1. الدراسة والنقد
اعتقد الشهيد الصدر أن لازم ملاك المحقق النائيني هو خروج الكثير من المسائل الأصولية. هذا النقد يرد على كلام الشهيد الصدر بأنه افترض أن الكثير من مسائل علم الأصول مسلم بها، وبناءً على ذلك حكم بخروج هذه المسائل من علم الأصول. لقد أورد الميرزا النائيني مباحث الأوامر والنواهي مع أنها خارجة عن علم الأصول؛ لأنه عندما يريد أن يبحث عن الكبرى في الاستدلال على الحكم الشرعي، افترض أن هذه المباحث تتوقف على صغرى، وهذه الصغريات قد أسستها علوم أخرى مثل علم اللغة والرجال، ولأنه لم يجدها في علم آخر، أوردها بالضرورة استطرادًا. بناءً على ذلك، فإن إشكال الشهيد الصدر القائم على خروج بعض المسائل المسلم بها أصوليًا هو مصادرة على المطلوب. نعم، أشار الميرزا النائيني في كتاب الفوائد، بناءً على مبناه، إلى خروج بعض المسائل مثل القواعد الفقهية. لأن القواعد الفقهية أحكام كلية ولا يُستنبط منها حكم كلي ولا تقع في «الكبريات». في هذه الحالة، الأحكام الكلية هي نفس السير من العام إلى الخاص الذي يُبحث في علم المنطق. (التبريزي، ١٣١٣، ج ١، ص ٤٣٦؛ الفياض، ١٤٢٨، ج ١، ص ١٦). هنا قد يُطرح سؤال وهو أنه بناءً على هذا المبنى، ستكثر المباحث الاستطرادية في علم الأصول. الجواب هو أن هذا الإشكال لا يخدش في الملاك المذكور، لأن نصف مباحث علم الأصول استطرادية. على سبيل المثال، بناءً على رأي المشهور، بحث القطع وحجيته، وهو من الأبواب التفصيلية لعلم الأصول، ليس مسألة أصولية؛ على الرغم من أن بعض الأصوليين عدّوه من مسائل علم الأصول. (الموسوي الخميني، ١٣٨١، ج ٢، ص ٨١)
2. رأي المحقق الخوئي في عرض ملاك المسألة الأصولية
كذلك، مسألة الحسن والقبح العقليين، والأمر بين الأمرين والتفويض والجبر والإرادة، والبحث في أن طلب الشيء هو نفس الإرادة أم غيرها، وكثير من المباحث الأخرى ستكون استطرادية. من عوامل وجود مثل هذه المباحث الاستطرادية في علم الأصول يمكن ذكر عدم وجود مباحث مستقلة في الكلام والفلسفة والتاريخ والتفسير في الحوزات العلمية. مع ذلك، فإن الفقيه عندما يصل إلى مسألة تتعلق باستنباط حكم شرعي، إذا كانت تلك المسألة تفسيرية أيضًا، يلزم نفسه بدراستها في علم الأصول؛ لأنه لم يجدها ولم يبحثها من قبل. خلاصة القول، إن إشكال الشهيد الصدر في هذا المورد على ملاك الميرزا النائيني ليس دقيقًا. الجدير بالذكر أن إشكال الشهيد الصدر على ملاك الميرزا النائيني القائم على وقوع المسألة الأصولية في كبرى القياس، لا يزال واردًا؛ لأنه في عملية الاستنباط، تخرج بعض المسائل التي اعتبرها النائيني أصولية. لقد قال في الجزء الأول من كتاب الفوائد إن مسألة «ظهور الأمر في الوجوب والنهي في الحرمة» من مسائل علم الأصول؛ ولكن بالنظر إلى التوضيحات المقدمة القائمة على كبرى القياس في عملية الاستنباط، فإن مثل هذه المسألة تخرج عن الملاك الذي قدمه الميرزا النائيني.
2. رأي المحقق الخوئي في عرض ملاك المسألة الأصولية
الملاك الثاني للمسألة الأصولية هو وفقًا لرأي المحقق الخوئي. هذا الرأي يعتمد على مقاربة واقعية واعتبار مسائل علم الأصول مسلمة، ويسعى لتقديم ملاك قائم على قضية خارجية يكون جامعًا لكل المسائل الموجودة في علم الأصول. لقد بيّن في تبيين ملاك المسألة الأصولية أن المسألة الأصولية هي التي إذا ضُمّت صغراها أيضًا، أدت إلى حكم فقهي كلي. الشرط الآخر لكون المسألة أصولية هو أن تكون المسألة الأصولية وحدها، دون الحاجة إلى مسألة أخرى، هي المقصودة. على سبيل المثال، «ظهور الأمر في الوجوب» لكي يصل إلى نتيجة، يحتاج إلى ضم مسألة أصولية أخرى هي «كل ظهور حجة». من هنا، المسألة الأصولية بهذا الشرط، أي أن لا تُضم إليها مسألة أصولية أخرى، ستكون مسألة أصولية.
2-1. الدراسة والنقد
يعتقد سماحته أن ملاك المسألة الأصولية يقوم على ركنين. الركن الأول هو أن تطبيق الأحكام الشرعية ليس على نحو التطبيق بل على نحو الاستنباط. الفرق بينهما هو أنه في التطبيق، يوجد حكم واحد له مصاديق متعددة؛ أما الاستنباط فهو حكم واحد يُؤخذ من حكم آخر لم يكن جزءًا منه؛ بل هو حكم آخر. على سبيل المثال، «خبر الثقة حجة» هي كبرى يُستنبط منها وجوب الصلاة أو الصوم. لذا، المستنبِط ليس هو الصلاة الواجبة لتنطبق على شخص معين مثل زيد. الركن الثاني للمسألة الأصولية يبيّنه سماحته على النحو التالي: «أن يكون وقوعها في طريق الحكم بنفسها من دون حاجة إلى ضم كبرى أصولية أخرى، وعليه فالمسألة الأصولية هي المسألة التي تتصف بذلك». (الخوئي، ١٤١٠، ج ١، ص ١٢) من هنا، على الرغم من أن مسائل العلوم الأخرى تقع في عملية الاستنباط، إلا أنها ليست بنفسها؛ بل بضم كبرى أخرى تكون مسألة أصولية. على سبيل المثال، «زرارة ثقة» تحتاج إلى ضم «كل خبر ثقة حجة»، فإذا ضُم إليهما «هذا خبر زرارة»، يُتوصل إلى الحكم الشرعي. بالنظر إلى ما سبق، فإن ملاك المسألة الأصولية هو أن تقع المسألة بنفسها ومنفردة دون الحاجة إلى ضم مسألة أخرى في عملية استنباط الحكم الشرعي. هذا الملاك هو نفس ملاك الميرزا النائيني؛ بالإضافة إلى أنه يحمل قيد عدم الانضمام في كبرى القياس. يعترف المحقق الخوئي بأن الكثير من مباحث الصحيح والأعم والمشتق خارجة عن هذا الضابط المقدم. (الخوئي، ١٤١٠، ج ١، ص ١٣) من هنا، فإن الضابطة أيضًا ليست خالية من الإشكال، ولا يزال الكثير من مباحث علم الأصول تخرج بهذه الضابطة. كما أن لازم الملاك المقدم هو أن لا تكون حجية الظهور من مسائل علم الأصول. ببيان أن حجية الظهور لا تخرج عن حالتين ولا يُتصور شق ثالث؛ لأن «هذا الأمر ظاهر في الوجوب» إما أن يحتاج إلى ضم «كل ظاهر حجة» أو لا يحتاج. إذا افترضنا أنه لا يحتاج إلى مثل هذا الضم، فإن «كل ظاهر حجة» لن تكون مسألة أصولية بعد. وإذا افترضنا أنه يحتاج إلى ضم، فإن «كل أمر ظاهر في الوجوب» لن تكون مسألة أصولية. وقد اختار المحقق الخوئي الشق الأول ويعتقد أن «كل أمر ظاهر في الوجوب» هي مسألة أصولية ويجب ضم «كل ظاهر حجة» إليها. (الهاشمي الشاهرودي، ١٤١٩، ج ١، ص ٢٤) ببيان أنه اعتبرها مسألة مفروغًا عنها ومسلمة ولم يعتبرها مسألة أصولية بحيث يخدش ضمها في الملاك. من هنا، اضطر سماحته للفرار من الإشكال إلى التخلي عن كبرى مثل حجية الظهور وعدم اعتبارها مسألة أصولية. بناءً على ما قيل، يجب على المحقق الخوئي بشأن المسائل الضميمة أن يقول إن مثل هذه المسائل كحجية الظهور ليست من مسائل علم الأصول، أو أن يتخلى عن كبرى مثل حجية الظهور ويقول إنها خارجة عن مسائل الأصول حتى لا يرد إشكال على مبناه. كما بُيّن، يعتقد سماحته أن حجية الظهور ليست من مسائل علم الأصول؛ بل تُحسب من مسلمات العلم، وإذا لم تكن من المسلمات، لزال أساس كل الشرائع. (الهاشمي الشاهرودي، ١٤١٩، ج ١، ص ٢٤) في نقد هذا الرأي، يمكن القول إن لازم اعتبار مسألة ما من المسلمات والبديهيات في أي علم، هو إخراج عشرات المسائل من ذلك العلم التي بُحثت فيه بشكل خاص. بهذا الترتيب، تُحسب الكثير من مسائل علم النحو والفلسفة من المسلمات والقطعيات، ولازم ذلك خروج هذه المسائل من ذلك العلم. على سبيل المثال، مسألة «اجتماع النقيضين محال» من المسلمات ولا تحتاج إلى دليل؛ لكن كونها مسألة في علم المنطق من الواضحات. كذلك، إذا عُدّ «الظهور حجة» من المسلمات، يبرز هذا السؤال: لماذا يوجد خلاف واسع بين الأصوليين حولها، وخصوصًا المحقق الخوئي الذي بحث بالتفصيل في مبحث حجية الظهور؟
3. منهجية جديدة في تقديم ملاك المسألة الأصولية
يبدو أنه من خلال اعتماد منهجين، وهما عدم افتراض مسائل الأصول مسبقًا والاهتمام بغرض تدوين علم الأصول، يمكن الوصول إلى ملاك دقيق في المسألة الأصولية. المنهج الأول هو أنه لا ينبغي النظر إلى ما هو معروف كمسألة بين الأصوليين ثم محاولة تبرير كونها مسألة؛ (هادوي طهراني، دون تاريخ، ص ١٨٥) لأن هذا يعني إقامة الدليل بعد وقوع الفعل. إن عدم الاهتمام بهذا المنهج أدى إلى أن الملاكات المقدمة من قبل بعض الأصوليين خالية من الدقة والفائدة؛ كما ورد في تقديم الملاك من قبل الميرزا النائيني أن المسألة الأصولية هي ما تكون كبرى الاستدلال وكل ما يقع صغرى، ليس مسألة أصولية بعد. (عبد الساتر، ١٤١٧، ج ١، ص ٥٣) هذه النظرية تشير إلى أن الكثير من مسائل علم الأصول قد افتُرضت مسبقًا وبناءً عليها، قُدم مثل هذا الملاك. من هنا، قام الشهيد الصدر بدراسة الملاكات المقدمة من الأصوليين، واعتبر الضوابط المقدمة بمثابة تبرير للمسائل الموجودة في علم الأصول. بناءً على ذلك، من الضروري ألا يكون المنهج تجاه مسائل الأصول تبريريًا وتصحيحيًا للواقع الخارجي؛ بل يجب الاهتمام بتقديم ملاك دقيق ومتقن. المنهج الثاني هو أن يكون الملاك المقدم منسجمًا مع غرض تدوين علم الأصول. لكل علم غرض، وكما يرى صاحب الكفاية، تمايز العلوم يتم بالأهداف والأغراض. بهذا البيان، يتضح أن الاهتمام بغرض وهدف علم الأصول يمكن أن يكون عنصرًا ومنهجًا مهمًا في تقديم ملاك دقيق للمسألة العلمية. (الرشتي، حبيب الله بن محمد علي، ج ١، ص ٣٢؛ الخراساني، محمد كاظم بن حسين، ١٤٠٩، ج ١، ص ٧) لهذا السبب، يجب على من هو في مقام تقديم ملاك المسألة الأصولية أن يولي اهتمامًا خاصًا لغرض علم الأصول وأن يكون الملاك المقدم منسجمًا مع غرض وهدف علم الأصول.
4. تبيين ملاك المسألة الأصولية المبني على «اللابشرط من حيث المادة الفقهية»
إن الاهتمام بمقدمات اللابشرط يمكن أن يكون دليلًا دقيقًا لتقديم ملاك أصولي. من خلال تبيين العناصر المعرفية وبمساعدتها، يمكن بيان معيار دقيق للملاك الأصولي. تُقسم المقدمات بشكل عام إلى خمسة أقسام. القسم الأول من المقدمات هو ما لا يختص بعلم الفقه أو علم آخر ويشمل جميع العلوم. لا يمكن العثور على علم لا يحتاج إلى مثل هذه المقدمات. هذه المقدمات تشبه الشكل الأول من القياس المنطقي الذي تحتاجه جميع العلوم مثل الفقه، والكلام، والفلسفة، والحقوق لعملية الاستدلال. يُصطلح على هذه المقدمات بـ«اللابشرط» من حيث المادة، وهي كالقوالب التي توضع فيها المواد الكلامية، الفقهية، والحقوقية. (سند، ١٣٩٤، ج ٢، ص ٢٢٥) القسم الثاني من المقدمات هو مقدمات «بشرط شيء»؛ أي مقدمات مشروطة بمادة معينة. هذه المقدمات بالنسبة لمقدمات القسم الأول تُحسب «لابشرط». من حيث وجود مادة معينة، تُلحظ «بشرط شيء»، وكونها «لابشرط» أيضًا بسبب وجود مواد متعددة مندرجة تحتها. الحيثيات المختلفة تسبب تعدد العلوم. توضيح ذلك أن الموضوع يُنظر إليه من جهة وجوده التام ومن حيث هو هو، ويكون شيئًا؛ أما من حيث الحيثيات المتعددة فيكون متعددًا. (الحائري، دون تاريخ، ج ١، ص ٨) بناءً على ذلك، القسم الثاني وإن كان «بشرط شيء»؛ إلا أن علومًا كثيرة مندرجة تحته، وبالتالي يُحسب «لابشرط» من حيث هذه العلوم ولا يتنافى مع نوع آخر من اللحاظ الذي هو «بشرط شيء». بناءً على ذلك، مقدمات القسم الأول مشتركة بين جميع العلوم، والقسم الثاني من المقدمات مشترك بين أكثر من علم واحد ولا يكون مشتركًا في جميع العلوم. التقسيم الثالث للمقدمات هو مقدمات مشتركة في علم واحد ومندرجة تحت موضوع علم واحد. على سبيل المثال، علم الفقه، موضوعه فعل المكلف، الذي يُبحث فيه أحيانًا عن فعل معين ومحدد للمكلف؛ مثل «الربا حرام» أو «لحم الأرنب حلال». وأحيانًا لا يكون فعل معين هو المقصود ويُبحث عن شيء معين. بمطالعة كل الفقه، يُستنتج أن هناك عنصرًا واحدًا ومشتركًا مثل عنوان الحلية، الذي يُبحث في كل باب فقهي هل هذا الشيء حلال أم لا. هذا الشمول يشمل جميع أبواب الفقه. (الحائري، ج ١، ص ٢١) بهذا التوضيح، يتضح أن الفقه علم واحد، وبهذا السبب يتميز هذا القسم عن القسم الثاني. القسم الأول كان مشتركًا في جميع العلوم، والذي عُبر عنه بـ«اللابشرط» المطلق، والقسم الثاني أيضًا «لابشرط» صنفي، والقسم الثالث من جهة «بشرط شيء» ومن جهة أخرى يُعد «لابشرط». على سبيل المثال، «خبر الثقة حجة» أو «الظهور حجة» أو «الاستصحاب حجة» تُحسب «بشرط شيء»؛ لأنها في نتيجة الاستصحاب ليست هيئة؛ بل مادة. خبر الثقة و… أيضًا مادة. ولكن إذا نُظر إلى هذا الاستصحاب نفسه مع أبواب الفقه (من أول باب الطهارة إلى آخر باب الديات)، فإنه يُحسب «لابشرط»، وكما أن الاستصحاب يجري في الأحكام التكليفية، يجري أيضًا في الأحكام الوضعية. كما أن هذا الاستصحاب يجري في العبادات والمعاملات. بناءً على ذلك، هذه المقدمات من حيث المادة الفقهية هي «لابشرط»، والفرق بين هذا القسم والقسم الأول هو أن القسم الأول من المقدمات كان «لابشرط» من حيث المادة بشكل مطلق. من هنا، مقدمات القسم الثالث «لابشرط» بشكل مطلق من حيث كونها فقهية. لأن تلك المقدمات ليست خاصة بباب الضمان، أو الوكالة، أو التجارة، بل لها شمول. إذن، القسم الثالث «لابشرط» من جهة المادة الفقهية؛ على الرغم من أن هذه المقدمات نفسها بلحاظ ما ستكون «بشرط شيء»، لأنها من مقدمات مثل الاستصحاب أو خبر الثقة أو الظهور أو… يُتحدث عنها. نتيجة لذلك، كان القسم الأول «لابشرط» مطلقًا، والقسم الثاني «لابشرط» الذي تندرج تحته علوم كثيرة، والقسم الثالث «لابشرط» الذي يندرج تحته علم الفقه فقط. يمكن تصور «لابشرط» القسم الثالث على نوعين. النوع الأول هو أن يكون «بشرط شيء» من حيث نوعية الحكم المستفاد من المادة الفقهية، مثل صيغة «افعل» التي تكون بعنوان «بشرط شيء» من حيث نوع الحكم، والتي لم يثبت بها الكراهة وثبت بها الوجوب فقط. النوع الثاني هو أن يُنظر إليها بصورة «لابشرط» من حيث نوعية الحكم المستفاد من المادة الفقهية، مثل حجية خبر الواحد والاستصحاب. (المظفر، ١٤٠٥، ج ١، ص ١٨٩) حجية خبر الثقة تثبت الحرمة، الوجوب، الاستحباب، والكراهة، وأحيانًا يثبت به حكم تكليفي ووضعي. بواسطة الاستصحاب أيضًا، يثبت أحيانًا الطهارة أو النجاسة، وأحيانًا حكم تكليفي أو وضعي. بناءً على ذلك، خبر الثقة والاستصحاب من حيث نوع الحكم «لابشرط شيء». (الآشتياني، ١٤٠٣، ج ٢، ص ٢٢١) بهذا الترتيب، النوع الأول مع أنه «لابشرط» من حيث المادة الفقهية، فهو «لابشرط» من حيث نوع الحكم أيضًا. أما النوع الثاني الذي هو «لابشرط» من حيث المادة الفقهية، فهو «بشرط شيء» من حيث نوع الحكم. مثل هذه المسألة هي «صيغة الأمر ظاهرة في الوجوب»، ولكن لا يمكن استخدامها في الحرمة، لأن صيغة الأمر قد عُيّنت لموارد الوجوب، ولكن بما أن الفقه ليس له باب معين ومحدد، فهي تجري في جميع أبواب الفقه. القسم الرابع من المقدمات هو أن يكون في عملية الاستدلال على الحكم الشرعي عنصر مشترك؛ بحيث يكون «لابشرط» من حيث باب فقهي واحد، مثل باب الديات أو النكاح أو… باب الديات أو الأبواب الأخرى التي تُحسب جزءًا من أجزاء علم الفقه، ولكن ليست كل الفقه. (الحيدري، ١٤٢٨، ج ١، ص ٥٩) بناءً على ذلك، في القسم الرابع، البحث عن مثل هذه الأمور المشتركة، ليس في علم واحد، بل فقط في باب واحد من ذلك العلم. على سبيل المثال، عندما يُبحث في باب التجارة، فإن أصلاً مثل «أصل اللزوم في العقود» يوجب لزوم العقود التي يسعى المتعاملان إلى فسخها دون دليل. مثل هذا الأصل هو مسألة من مسائل باب العقود، وفي كل باب يوجد أكثر من عشرات المسائل من هذا القبيل. ذكر هذه النقطة مهم وهو أنه في بعض الأحيان تكون بعض القواعد والأصول مشتركة بين أبواب الفقه؛ لكن هذا لا يعني أنها مسألة أصولية، لأن المسألة الأصولية هي ما تكون «لابشرط من حيث المادة الفقهية»، مثل قاعدة «لا ضرر ولا ضرار».
5. دراسة وتطبيق ملاك المسألة الأصولية المبني على «اللابشرط من حيث المادة الفقهية» مع رأي الشهيد الصدر
على أساس عدم الافتراض المسبق للمسائل الأصولية وكذلك الاهتمام بغرض تدوين علم الأصول الذي مر بيانه، والمبني على «اللابشرط من حيث المادة الفقهية»، تتم دراسة وتقييم رأي الشهيد الصدر في معرفة المسألة الأصولية الذي تم بيانه ضمن تعريف علم الأصول. لقد بيّن الشهيد الصدر في عرض ملاك المسألة الأصولية ضمن تعريف علم الأصول ما يلي: «علم الأصول هو العلم بالعناصر المشتركة في الاستدلال الفقهي خاصة التي يستعملها الفقيه كدليل على الجعل الشرعي الكلي». (الصدر، ١٣٧٠، ج ٣، ص ٢٩) في بيان الشهيد الصدر، أُشير إلى قيدين، القيد الأول هو الاشتراك، والذي مع التقرير الذي تم بيانه من ملاك المسألة الأصولية، ستشمل هذه العبارة اللابشرط المطلق والبشرط شيء واللابشرط من جهة المادة الفقهية. القيد الثاني في الاستدلال الفقهي، يخرج القسمين الرابع (في عملية الاستدلال على حكم شرعي يكون عنصر مشترك بحيث يكون لابشرط من حيث باب فقهي واحد، مثل باب الديات أو النكاح) والخامس (المقدمات المتعلقة بمسألة خاصة، مثل مسألة الغسل الارتماسي في باب الصوم)؛ لأنه كما تم بيانه، هذان القسمان (الرابع والخامس) يجريان في الاستدلال الفقهي في باب خاص أو مسألة خاصة. في القسم الرابع (البحث عن مثل هذه الأمور المشتركة؛ ليس في علم واحد، بل فقط في باب واحد من ذلك العلم) الاستدلال الفقهي في باب معين وفي القسم الخامس في مسألة خاصة.
الدراسة والنقد
بناءً على التقرير الذي بُيّن من ملاك الأصولي، فإن «اللابشرط من حيث المادة الفقهية» يشمل فقط المسألة الفقهية. الآن لإخراج القسم الأول (المقدمات المشتركة بين جميع العلوم) والقسم الثاني (المقدمات المشتركة بين أكثر من علم واحد)، يُطرح هذا السؤال: إن قيد «الاشتراك» يشمل هذين القسمين أيضًا، فكيف يمكن اعتبار هذين مسألة أصولية، في حين أن هاتين ليستا مسألتين أصوليتين؟ توضيح هذا المطلب هو أنه بواسطة قيد «خاصة»، يُخرج القسم الأول والثاني. بناءً على ذلك، يبقى فقط القسم الثالث (المقدمات المشتركة في علم واحد والمندرجة تحت موضوع علم واحد) الذي يُنظر إليه بصورة «لابشرط»؛ مثل حجية خبر الواحد والاستصحاب. (الإيرواني، ٢٠٠٧، ج ١، ص ٤٨١) نتيجة لذلك، بالنظر إلى القيود الثلاثة «الاشتراك»، و«الاستعمال في الاستدلال الفقهي»، و«الاختصاص بالباب الفقهي»، يمكن تقرير ملاك المسألة الأصولية على النحو التالي: «العناصر المشتركة في الاستدلال الفقهي خاصة». أهم نقد يرد على مثل هذا الملاك هو رأي المحقق السيستاني بالشرح التالي: «إذا كان المقصود من العنصر المشترك في هذا الملاك هو الدخول في جميع أبواب الفقه، فإن هذا الموضوع لن يكون متوافقًا ومنطقيًا مع القوانين الأصولية» (السيستاني، ١٤١٤، ص ١٢٧). في الواقع، أصل الإشكال يعود إلى معنى ومقصد الاشتراك. ببيان أنه إذا كان المراد من الاشتراك هو الحضور في جميع المسائل الفقهية، ففي هذه الحالة لا توجد مثل هذه المسألة التي تجري في جميع المسائل الفقهية. وإذا كان المراد هو المشاركة في بعض أبواب الفقه، ففي هذه الحالة، بعض الظهورات اللغوية في أكثر أبواب الفقه تجري. الجواب هو أن هذه الظهورات إما «بشرط شيء» من حيث المادة أو ليست كذلك. إذا كان مثل هذا الظهور اللغوي «بشرط شيء» من حيث المادة، فإن الشهيد الصدر بالنظر إلى التقرير الذي قدمه، قد جعل «اللابشرط من حيث المادة» هو الملاك؛ على الرغم من أن ذلك المطلب «بشرط شيء» من حيث المادة، لذا بهذا البيان ستلتزم بأصوليته. بعبارة أخرى، الشهيد الصدر لا يعتقد بمثل هذا الشيء وهو أن المسألة الأصولية هي ما تكون مشتركة في جميع أبواب الفقه وقطعًا لم يكن مثل هذا التعبير مراده. الإشكال المهم الآخر للمحقق السيستاني هو أن بعض الظهورات اللغوية في بعض أبواب الفقه مثل ظهور كلمة «يحرم» أو «لا بأس» أو أمثالها ستندرج في المسألة الأصولية، مع أن هذه لا تُحسب من مسائل علم الأصول. (السيستاني، ١٤١٤، ص ١٢٧) في الرد على هذا الإشكال، يمكن القول إن هذه الظهورات اللغوية هي مسائل أصولية. لأن الحرمة قد لُحظت «لابشرط من حيث المادة الفقهية»، وعلى الرغم من أنها «بشرط شيء» من حيث نوع الحكم، من قبيل النهي أو الأمر، فإن النهي «لابشرط من حيث المادة الفقهية»، ولكنه «بشرط شيء» من حيث نوع الحكم، لأنه دال على النهي وليس له استعمال آخر في غير الحرمة. من هنا، لم يُستعمل في الوجوب وهو مختص بالحرمة ويقع في مقابل الأمر والاستحباب والكراهة.
الخاتمة
توصل هذا البحث من خلال دراسة ونقد وتحليل الآراء المطروحة في مدرسة المحقق النائيني الأصولية إلى نتيجة مفادها أنه على أساس عدم الافتراض المسبق للمسائل الأصولية والاهتمام بغرض تدوين علم الأصول، والمبني على «اللابشرط من حيث المادة الفقهية»، يمكن تبني منهجية جديدة لملاك المسألة الأصولية وبيانها على النحو التالي: «العناصر المشتركة في الاستدلال الفقهي التي تختص بالباب الفقهي». هذا الملاك الذي يشتمل على ثلاثة قيود: «الاشتراك»، و«في الاستدلال الفقهي»، و«الاختصاص بالباب الفقهي»، يمكن اعتباره ملاكًا وضابطًا دقيقًا في معرفة المسألة الأصولية، والذي يُستفاد من جزء من التعريف الذي قدمه الشهيد الصدر لعلم الأصول. إذا تم اعتبار ملاك المسألة الأصولية «لابشرط من حيث المادة الفقهية» ولم يُستخدم في علم آخر، بل استُخدم فقط في عملية الاستنباط الفقهي، فإن القواعد والأصول المشتركة الأخرى بين أبواب الفقه لن تكون مسائل أصولية؛ لأن المسألة الأصولية هي ما تكون «لابشرط من حيث المادة الفقهية». من هنا، فإن قاعدة مثل «لا ضرر ولا ضرار»، على الرغم من أنها تُطرح في معظم أبواب الفقه، إلا أنها ليست «لابشرط من حيث المادة الفقهية»، مثل قاعدة الطهارة التي لا يمكن اعتبارها مسألة أصولية.
المصادر
1. الآشتياني، محمد حسين (١٤٠٣هـ). بحر الفوائد. الطبعة الأولى. قم: مكتبة آية الله المرعشي النجفي العامة.
2. الموسوي الخوئي، أبو القاسم (١٤١٩هـ). أجود التقريرات، تقريراً لأبحاث الأستاذ الأكبر إمام المحققين المجدد الميرزا محمد حسين الغروي النائيني. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة صاحب الأمر.
3. الإيرواني، باقر (٢٠٠٧م). الحلقة الثالثة في أسلوبها الثاني. الطبعة الأولى. قم: محبين.
4. التبريزي، موسى بن جعفر (١٣١٣ش). أوثق الوسائل في شرح الرسائل. طبعة حجرية.
5. الجزائري، محمد جعفر (١٤١٣هـ). منتهى الدراية في توضيح الكفاية. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة دار الكتاب (الجزائري).
6. الحائري، علي أكبر. تحقيق الحلقة الثانية.
7. الحيدري، سيد كمال (١٤٢٨هـ). الدروس شرح الحلقة الثانية. الطبعة الأولى. قم: دار فراقد.
8. الخراساني، محمد كاظم بن حسين (١٤٠٩هـ). كفاية الأصول. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.
9. الخميني، روح الله (١٣٨١ش). تهذيب الأصول. الطبعة الأولى. طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.
10. الخوئي، سيد أبو القاسم (١٤١٠هـ). محاضرات في أصول الفقه، بقلم سيد علي هاشمي شاهرودي. الطبعة الأولى. قم: أنصاريان.
11. الخوئي، سيد أبو القاسم؛ هاشمي شاهرودي، علي (١٤١٩هـ). دراسات في علم الأصول. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي.
12. الرشتي، حبيب الله بن محمد علي. بدائع الأفكار. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.
13. السند، محمد (١٣٩٤ش). سند العروة الوثقى، كتاب الاجتهاد والتقليد. الطبعة الأولى. طهران: دار الكوخ.
14. السيستاني، علي (١٤١٤هـ). الرافد في علم الأصول. الطبعة الأولى. قم: مكتب آية الله العظمى السيد السيستاني.
15. الصدر، سيد محمد باقر (١٣٧٠ش). دروس في علم الأصول. الطبعة الأولى. قم: دار الصدر.
16. عبد الساتر، حسن (١٤١٧هـ). بحوث في علم الأصول، تمهيد في مباحث الدليل اللفظي. الطبعة الأولى. قم: الدار الإسلامية.
17. الفياض، حسن محمد (١٤٢٨هـ). شرح الحلقة الثالثة. دار المصطفى. الطبعة الأولى. قم: لإحياء التراث.
18. القمي، أبو القاسم (١٢٩٩هـ). الحاشية على قوانين الأصول (حاشية قزويني، على بن إسماعيل). الطبعة الأولى. طهران: مطبعة حاجي إبراهيم تبريزي.
19. المظفر، محمد رضا (١٤٠٥هـ). أصول الفقه. الطبعة الأولى. قم: صادق حسن زاده مراغي.
20. النائيني، محمد حسين (١٤٠٦هـ). فوائد الأصول. الطبعة الأولى. قم: جماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم، مؤسسة النشر الإسلامي.
21. هادوي طهراني، مهدي. مباني كلامي اجتهاد در برداشت از قرآن كريم. الطبعة الأولى. قم: خانه خرد.
22. https://fazellankarani.com/persian/lessons/2135، تم الاطلاع عليه بتاريخ 1401/3/22