الاجتهاد من منظور معرفة الوجود القائمة على الفضيلة

المستخلص

تبحث نظرية المعرفة الحالية في المرجعية المعرفية من خلال مقاربات مختلفة. من بين هذه المقاربات، نظرية المعرفة القائمة على الفضيلة. تركز هذه النظرة على تأثير السمات الأخلاقية والعقلانية للفاعل العارف في تكوين وتكوّن المعرفة وتبحث فيها. بعض مقاربات نظرية المعرفة القائمة على الفضيلة تجعل السمات الأخلاقية والعقلانية للفاعل العارف معيارًا لتقييم المعرفة أيضًا. يهدف هذا المقال إلى تحليل الاجتهاد، بوصفه مرجعية معرفية، من منظور هذه المقاربة المعرفية بشكل تحليلي-وصفي. بناءً على هذه المقاربة، يُعتبر الاجتهاد، بوصفه ملكة نفسانية، فضيلة عقلانية. يرى بعض علماء الأصول أنه يجب على الفاعل العارف، لكي يتمتع بالاجتهاد أو ليصل به إلى الكمال، أن يتحلى أيضًا بالسمات الأخلاقية. تُبحث هذه النظرة في إطار دراسة ماهية القوة القدسية وصلتها بالاجتهاد. بالإضافة إلى ذلك، تُتابع ماهية العدالة وتأثيرها على الوثاقة المعرفية للمرجع. القوة القدسية والعدالة من المصطلحات المستخدمة في التراث الفلسفي والأخلاقي؛ ولكن علماء الأصول والفقهاء استفادوا منها في المباحث الأصولية والفقهية بتبيين مناسب.

مقدمة

تُعد نظرية المعرفة القائمة على الفضيلة من المقاربات الحديثة التي تتناول وظائف الفضائل الأخلاقية والعقلانية في نظرية المعرفة، وبشكل خاص في المرجعية المعرفية.

أهم مؤشر لهذه المقاربة هو تقييم وتقدير الفاعل العارف بوصفه عاملاً معرفيًا. وبناءً على الأهمية التي يحظى بها تقييم العامل المعرفي في المعرفة، يمكن تقديم تفسيرات متعددة لنظرية المعرفة القائمة على الفضيلة. الشكل الضعيف لهذه المقاربة لا يعتبر الاتصاف بالفضيلة معيارًا لصحة المعرفة. لذا، على الرغم من أنها تولي اهتمامًا لسمات الفاعل العارف، إلا أن المعرفة الصحيحة يمكن تقييمها أيضًا بشكل مستقل عن العامل، ولا يعتمد تقييم العمل من الناحية المفاهيمية على سماته. بعبارة أخرى، تقييم العمل المعرفي ليس مشروطًا بشخص فاضل، وصحته مستقلة عن صحة العامل، ويُقيَّم الحسن الفعلي بمعزل عن الحسن الفاعلي. لنظرية الفضيلة شكل قوي أيضًا. هذا يعني أن الحسن الفعلي يعتمد على الحسن الفاعلي، ويُقيَّم العمل المعرفي، أي المعرفة، بناءً على سمات العارف (الحسن الفاعلي). في هذه المقاربة لنظرية المعرفة القائمة على الفضيلة، تُعرَّف المعرفة أو الاعتقاد المبرر بناءً على الفضيلة أو الفعل الفاضل.

أي الفضائل هي المقصودة؟ بناءً على أحد التقسيمات، تُقسم الفضائل إلى فضائل أخلاقية وعقلانية. ولكن يختلف علماء نظرية المعرفة في تحديد مصداق الفضيلة العقلانية.

وفقًا لبعض آراء نظرية المعرفة القائمة على الفضيلة، الفضيلة هي ميزة عميقة ومستقرة ومكتسبة، تستلزم دافعًا خاصًا لتحقيق الهدف والمطلوب، وتنجح في إيجاده بشكل موثوق. فيما يتعلق بالنجاح والوصول إلى المعرفة، نواجه مقاربتين: المقاربة الداخلية التي لا تعتبر الوصول إلى المعرفة خارج نطاق الفاعل العارف وتعتبره نتيجة للنشاط المعرفي مثل التفكير. في المقابل، المقاربة الخارجية تعتبر الوصول إلى المعرفة خارج نطاق الفاعل العارف ولا تعتبره مجرد نتيجة للنشاط المعرفي. أحيانًا تُقسم المعرفة، فيما يتعلق بسبب تكوّنها، إلى معرفة بدرجة عالية ومعرفة بدرجة منخفضة.

في النظرة القائمة على الفضيلة، الفضيلة راسخة في النفس، وبعبارة أخرى، أصبحت ملكة. وليس من الضروري أن تكون الفضيلة وسطًا بين الإفراط والتفريط.

في التراث الإسلامي، يمكن تصور إمكانيات متعددة لتناول دور الفضائل العقلانية والأخلاقية في نظرية المعرفة. في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى المباحث الأصولية والفقهية حول الاجتهاد وعلاقته بالقوة القدسية والعدالة.

بعض الآراء الأصولية تعرّف الاجتهاد بناءً على مصطلح “الملكة”. وإن لم يُلحظ هذا المصطلح في التعريف، فإنه يحصل عادةً للمستنبط، ولسمة الرسوخ في النفس أهمية في الاستنباط. وربما تؤدي قوة ملكة الاجتهاد إلى الأعلمية والأهلية للرجوع. من الواضح أن هذه السمة ناظرة إلى القوى المعرفية، وبشكل خاص تُعتبر ميزة وفضيلة عقلانية. ربما يمكن القول إن هذه الفضيلة بالاسم المذكور تختص بمجال الفقه.

نقطة أخرى هي أن بعض علماء الأصول تناولوا دراسة علاقة الاجتهاد بالفضائل الأخلاقية، وكذلك بالفضائل العقلانية التي لا تختص بمجال واحد وتقع تحت عنوان “القوة القدسية”. على الرغم من أن مصطلح “القوة القدسية” كان مستخدمًا في الفقه قبل المحقق البهبهاني، إلا أنه هو أول من تناول بالتفصيل تبيين القوة القدسية وصلتها بالاجتهاد وبيّن طريق اكتسابها. فيما بعد، اعتبرها تلامذته مثل الميرزا القمي والمرحوم النراقي أيضًا من شروط الاجتهاد. هذا المقال يبحث، في حدود المجال، التأثير المعرفي للقوة القدسية، التي تتضمن فضائل أخلاقية وعقلانية، على الاجتهاد. بالإضافة إلى ذلك، بُحثت، بقدر الإمكان والمجال، ماهية العدالة بوصفها فضيلة خُلقية وتأثيرها على الوثاقة المعرفية للمرجع. يرى الشيخ الأنصاري أن أشهر الآراء الأصولية حول العدالة تعرّفها بناءً على الملكة النفسانية وتعتبرها ملازمة للتقوى.

  1. الاجتهاد بوصفه فضيلة عقلانية

المعنى اللغوي للاجتهاد يتضمن الجد والجهد. وبالنسبة لمعناه الاصطلاحي في الفقه، نواجه على الأقل نوعين من التعريفات: تعريف يعرّف الاجتهاد بناءً على ملكة نفسانية، وتعريف يعرّف الاجتهاد، بناءً على المعنى اللغوي، بمعنى السعي والجهد أو بذل أقصى الجهد، بهدف الحصول على الأحكام الشرعية أو الظن بالحكم الشرعي. تشير هذه التعريفات إلى أنه، أولاً، تثبت للنفس في الاجتهاد ملكة ناظرة إلى القوى المعرفية. ثانيًا، هذا المعنى يتضمن بذل أقصى الجهد والسعي في استخدام القوى المعرفية. يرى المحقق العراقي أن الاختلاف في تعريف الاجتهاد لا ينشأ من اختلاف علماء الأصول في حقيقة الاجتهاد، بل كل التعريفات تشير إلى بُعد من أبعاد الاجتهاد. من حيث إن استخراج الأحكام والوظائف الفعلية لا يتم إلا عن طريق القوة الراسخة في تنقيح القواعد النظرية وتطبيقها في الموارد، عُرّف الاجتهاد بناءً على الملكة. ومن حيث إن تطبيق القواعد في مقام الاستنباط مصحوب بتحمل المشقة، عُبّر عنه ببذل أقصى الجهد.

بناءً على ذلك، يمكن اعتبار الاجتهاد، في إطار نظريات المعرفة الحديثة، فضيلة عقلانية؛ لأنه حالة نفسانية مستقرة ومكتسبة، يُستخدم بهدف معرفي؛ فالاجتهاد حالة راسخة ومكتسبة وتهدف إلى الحصول على الحكم الشرعي. كما أن بعض علماء الأصول اعتبروا شروطًا مثل الأعلمية، التي لها طبيعة معرفية حتمًا، شرطًا لتقليد المجتهد لكونها أقرب إلى الواقع، واعتبروها من أحكام المستقلات العقلية.

  1. ماهية القوة القدسية وعلاقتها بالاجتهاد بوصفه فضيلة عقلانية

في الفلسفة والكلام الإسلامي، يُطلق على أعلى مراتب الحدس، التي بواسطتها يتلقى الفاعل العارف المعلومات، “القوة القدسية”. يُعتبر الحدس نوعًا من التعلم يقع في مقابل التفكير، وله مراتب كثيرة من حيث الكيفية، مثل سرعة الوصول إلى المطلوب المعرفي، والكمية. في الواقع، الوصول إلى الحد الأوسط يتم أحيانًا بالتفكير وأحيانًا بدونه. يُطلق على هذه المرتبة من الحدس “القدرة القدسية” للتأكيد على كونها إلهية وموهوبة وعطائية.

في التراث الأصولي، عُرّف الاجتهاد أحيانًا بناءً على القوة القدسية. بعض علماء الأصول أقاموا تطابقًا بينهما. وفي بعض الحالات، اعتبروا القوة القدسية من مقومات أو شروط تعريف الاجتهاد، وقصدوا بها القدرة على إرجاع الفروع إلى الأصول. “الاجتهاد: هو استفراغ الوسع في تحصيل الحكم الشرعي الفرعي من أدلتها لمن عرف الأدلة وأحوالها، وكان له القوة القدسية التي يتمكن بها عن مطلق رد الفرع إلى الأصل.”

لا يعتبر الميرزا القمي القوة القدسية حالة نفسانية مكتسبة، بل يعتبرها استعدادًا غريزيًا وموهوبًا يمكن زيادته وتقويته بالممارسة والتعليم. على سبيل المثال، أحيانًا يكون الشخص ماهرًا في علم الطب ولكنه غير قادر على معالجة المريض، لأن تطبيق الطب ليس منوطًا بالتعلم فقط، بل يحتاج إلى استعداد موهوب. على هذا القياس، بالإضافة إلى امتلاك العلوم التي يحتاجها المجتهد، فهو بحاجة إلى استعداد غريزي وموهوب، وبفقده لا يمكنه إرجاع الفروع إلى الأصول، وإرجاع الجزئيات إلى الكليات، والترجيح عند التعارض.

أول من استخدم مصطلح “القوة القدسية” في مباحث الأصول هو المرحوم الوحيد البهبهاني، واعتبره من شروط الاجتهاد. يجب الانتباه إلى أن الاجتهاد في اللغة بمعنى الجهد والسعي، والاجتهاد في الاصطلاح بمعنى استنباط واستخراج الأحكام من الأدلة، وهو ما يستلزم على الأقل امتلاك ملكة راسخة في النفس وحالة ذهنية تُكتسب نتيجة لاكتساب المهارة والممارسة في استخراج الأحكام من الأدلة واستخدام علوم مختلفة ومتناسبة. ولكنه، بالإضافة إلى الإلمام والمهارة في بعض العلوم المتناسبة مع المجال الذي يسعى فيه المجتهد للوصول إلى المطلوب، يشترط الاجتهاد أيضًا بالقوة القدسية، بحيث إذا افتقدها المجتهد، فلن يكون الإلمام والتمكن من العلوم الأخرى وامتلاك المهارات مفيدًا. وبامتلاك هذه القوة، يمكنه الاستفادة من الأدلة والأمارات في سياق الاجتهاد، وبأقل قدر من الانتباه يدرك الإشكال وحله. وفي حال فقدان القوة القدسية، لن يستفيد من تنبيه البديهيات وأدلة الأمور النظرية.

من وجهة نظره، تشتمل القوة القدسية على أمور:

أ) ألا يكون قد أُصيب باعوجاج في السليقة بسبب تقليد أو شبهة؛ لأنه كما أن الحواس الظاهرية مثل البصر أو الذوق تُصاب بآفة أو تعاني من آفة ذاتية، فترى، على سبيل المثال، المرئيات خضراء أو يكون طعم المذوقات مرًا في ذائقته، فإن الفهم أيضًا يُصاب بالاعوجاج بسبب علل. يرى المحقق البهبهاني أن طريق معرفة هذا الاعوجاج هو أن يعرض فهمه على فهم واجتهاد الفقهاء الآخرين. فإذا كان اجتهاده مخالفًا للفقهاء، اتهم فهمه. يرى البهبهاني أنه من الممكن أن يعتبر هذا الشخص مثل هذا العمل تقليدًا ويحرّمه على نفسه، ولكن من الضروري، لكي يصبح مجتهدًا فاضلاً، أن يفعل ذلك ويعتبر هذه الإلقاءات شيطانية.

ب) ألا يكون ميالاً للجدل والاعتراض؛ لأن مثل هذا الميل إما أن يكون بسبب الظهور وإظهار الفضل، أو بسبب مرض روحي، وفي هذه الحالة لا يمكن للشخص أن يميز الطريق الصحيح من الخاطئ.

ج) ألا يكون لجوجًا وعنيدًا. كثير من الناس عندما يحكمون في بادئ الأمر بحكم ما عن غفلة أو تقليد أو شبهة، ولأن همتهم ليست على متابعة الحق، لا يسعون لتصحيحه، ويلجّون ويكابرون في رأيهم، ويستندون إلى أي دليل واهٍ، وحتى ينكرون البديهي ويدّعون خلاف البداهة. لذا، بمثل هذا الميل، يتزعزعون في النظريات القطعية والظنيات بأدنى قصور أو تقصير.

د) ألا يكون مستبدًا برأيه؛ لأن الطالب قد يصرّ في البداية على رأيه رغم قلة اطلاعه وحتى قصوره في طلب العلم، وبسبب هذه السمة لا يتلقى كلام المجتهدين. على هذا القياس، لا ينبغي للمجتهد أيضًا أن يصرّ على رأي في بادئ الأمر؛ بل يجب أن يتأمل.

هـ) ألا يعاني من زيادة وإفراط في حدة الذهن؛ بحيث لا يصل إلى الجزم.

و) ألا يكون بليدًا؛ أي ألا يكون بحيث لا يدرك المشكلات والدقائق، ويميل إلى كل قول، ويفرّط في استخدام قواه المعرفية، ولا يسعى فقط وراء رأي الآخرين؛ بل يكون حاذقًا وذا فطنة، ويميز الحق من الباطل، ويرجع الفروع إلى الأصول، ويعرف في كل فرع إلى أي أصل يحتاج، ويعرف محل جريان ومقدار وكيفية مسائل أصول الفقه في الآيات والأخبار.

ز) ألا ينشغل أولاً ولمدة طويلة بعلوم مثل الرياضيات والكلام التي يصاحبها الدقة ويختلف منهجها عن الفقه؛ لأن فهمهم الفقهي سيصاب بالإشكال.

ح) وألا يأنس الذهن بالتأويل في الآيات والروايات، بحيث تكون المعاني التأويلية مساوية للمعنى الظاهري وتمنع من الاطمئنان بالظاهر.

ط) وألا يكون جريئًا في الفتوى أكثر من اللازم، مثل الطبيب الذي تؤدي جرأته المفرطة إلى خسارة الأرواح.

ي) وألا يحتاط أكثر من اللازم، لأن ذلك يخل بالفهم الفقهي.

هذا القول يعني أن قدرة المجتهد على استنباط الأحكام، الناشئة عن حالته الذهنية الراسخة بوصفها فضيلة عقلانية، تتوقف على القوة القدسية، وأن الفضيلة العقلانية المذكورة في مجال الدين والمعتقدات الدينية مشروطة بهذه القوة. في الواقع، للقوة القدسية وظيفتان: 1. استقامة الفكر. 2. تمهيد الطريق لهداية المجتهد المعرفية من قبل الله.

من الواضح أن ما بيّنه المحقق البهبهاني في مقام القوة القدسية يتضمن بعض السمات العقلانية والأخلاقية. على سبيل المثال، عدم اعوجاج السليقة، وعدم البلادة، وعدم حدة الذهن، وعدم الدقة المفرطة، وعدم الإكثار في الاحتمال، يمكن اعتبارها أحكامًا ناظرة إلى القوة المعرفية. واعتبار عدم اللجاجة، وعدم الاستبداد بالرأي، وعدم الميل للجدل، وعدم الجرأة أو الاحتياط المفرط في الإفتاء من الأحكام الناظرة إلى القوى الأخلاقية، وبعبارة أخرى، من الأخلاقيات في مقام اكتساب العلم. يمكن القول إنه، في رأي المرحوم البهبهاني، القوة القدسية هي حالة نفسانية تتشكل من أداء الواجبات وترك الأخطاء المعرفية والأخلاقية، ولا تؤثر فقط على الاجتهاد، بل تُعتبر في رأيه من شروط أو مقومات الاجتهاد.

يرى المرحوم علي كاشف الغطاء أن ملكة الاجتهاد تنحل إلى قوتين: (1) قوة تُكتسب من تحصيل معرفة العلوم التي يحتاجها الاجتهاد. (2) القوة القدسية، وهي قوة الفهم وزيادة الإدراك، وتمكّن المجتهد من إرجاع الجزئيات إلى الكليات، وتطبيق القواعد الأصولية، وغير ذلك.

3-1. طريق اكتساب القوة القدسية من وجهة نظر المحقق البهبهاني

يرى المرحوم الوحيد البهبهاني أن طريق اكتساب هذه القوة هو تهذيب الأخلاق وجهاد النفس. بعبارة أخرى، يعتبر طريق اكتساب القوة القدسية هو جهاد النفس، والطلب والتضرع إلى الله، والاستمداد من الأرواح المقدسة للمعصومين، وفي المرتبة التالية، الاستمداد من أرواح الفقهاء؛ بحيث يجب إظهار الأدب والمحبة تجاههم وإقامة صلة قلبية. يبيّن المحقق البهبهاني سبب الاستمداد من المعصومين والفقهاء بأنه إذا أُقيمت صلة قلبية مع هذه الأرواح، التي هي أحياء عند الله، تُفتح أبواب الفيض والكمال، وينشرح القلب بنور المعرفة والعلم، لأنه “فإنه نور يقذفه الله في قلب من يشاء”. وهو في مقام التوضيح، يعتبر الإعراض عن الفقهاء والنفور منهم موجبًا للحرمان من الوصول إلى الفقه والدخول في وادي الحيرة والضلالة والجهالة والحماقة الشديدة، وهو ما يمكن ملاحظته بالتجربة في بعض الأفراد.

يضع المحقق البهبهاني الاستمداد الإلهي والتضرع والتوسل والشفاعة بالنفوس المقدسة إلى جانب تحصيل العلوم عن طريق المذاكرة والمطالعة، ويؤكد على تخليص القلب من الميل والنفور. “وأما تحصيل العلوم فبالشروع في المذاكرة والمطالعة، مع الاستمداد من الله تعالى والتضرع إليه والتوسل والتشفع بالنفوس المقدسة، وتخلية القلب عن الميل والنفرة، فما وجد من المسائل المسلمة غير المشكلة أخذها، وأما المشكلة والخلافية فيجتهد فيها بحسب وسعه”.

يبيّن شرطية القوة القدسية بأن العلم، وخاصة علم الفقه، لا يستقر في قلب إنسان دنيء. “لابد من صرف مدة من العمر في تهذيب الأخلاق، لما عرفت من اشتراط القوة القدسية. ولأن العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء، سيما الفقه، والنور لا يقذف في قلب رديء”.

في هذا السياق، يعتبر السيد جمال الكلبايكاني أن القدرة الأكبر في الأصول توجب كمالاً وسيطرة أكبر في الاستنباط، ولكنه يعتبر وجود السليقة المستقيمة في مقام التطبيق موجبًا لحسن الاستنباط، ولهذا السبب يعتبر استقامة السليقة معتبرة في الاجتهاد. أهمية الاستقامة في السليقة تبلغ حدًا أنه بفقدانها يكثر الخطأ في مقام تطبيق الكبريات، وفاقد هذه السمة ليس مجتهدًا وإن كان متبحرًا في علم الأصول ومتمكنًا في تنقيح ودقة وتأسيس المباني. لذا، لا مفر من الملكة القدسية التي لا طريق لتحصيلها إلا التقوى والممارسة على ترك المحرمات الإلهية.

“كلما كمل علم الأصول كمل الاقتدار على الاستنباط، وكل من دقق النظر في علم الأصول وحصلت له الإحاطة بالجهات والخصوصيات المتعلقة بالمسائل الأصولية، كان أقوى أساسًا وأتقن مدركًا. ومع وجود السليقة المستقيمة فيه في مقام التطبيق وضم الكبريات إلى صغرياتها، يكون أجود استنباطًا. ولذا تُعتبر استقامة السليقة في المجتهد، وإن لم يكن كذلك كثر خطؤه في مقام الضم والتطبيق، واستخراج الأحكام الإلهية من غير مداركها، ولا يكون مثله مجتهدًا وإن كان متبحرًا في الأصول مقتدرًا على تنقيح المباني الأصولية مسلطًا على التحقيق والتدقيق في تشييد المباني وتأسيسها. بل لابد له في هذا المقام من ملكة قدسية لا تحصل إلا بالتقوى والممارسة على ترك المحرمات الإلهية”.

3-2. دليل المحقق البهبهاني على توقف الاجتهاد على القوة القدسية

من بيان المرحوم البهبهاني، يمكن استخلاص ثلاثة أدلة على الأقل لتوقف الاجتهاد على القوة القدسية، التي تشتمل هي نفسها على سمات أخلاقية وعقلانية:

(1) يرى أن السمات الأخلاقية السلبية ليست فقط مهلكة وتنزل بالشخص عن شأن الإنسانية وتجعله أدنى من البهائم، بل إن بعض الذمائم الأخلاقية مثل الحسد والكبر والعصبية والعجب والرياء هي آفة العلم وتؤثر سلبًا في اكتساب العلم. بالرجوع إلى المصادر الروائية، يمكن العثور على شواهد لهذا الادعاء. على سبيل المثال، تُذكر بعض الحالات: بعض الأحاديث اعتبرت العجب مفسدًا للعقل ومانعًا من اكتساب العلم: “العجب يفسد العقل”، “العجب صارف عن طلب العلم”. وحديث يعتبر اللجوج فاقدًا للرأي والنظر: “اللجوج لا رأي له”. وأحاديث تعتبر التكبر موجبًا للإخلال في عملية التعلم والقوى المعرفية: “لا يتعلم من يتكبر”، “شر آفات العقل الكبر”. وأحاديث تعتبر الغضب مفسدًا للعقل ووظائف العقل: “الغضب يفسد الألباب”؛ “أحضر الناس جوابًا من لا يغضب”؛ “شدة الغضب تغيير المنطق وتقطع مادة الحجة وتفرق الفهم”.

(2) يرى المحقق البهبهاني أن بعض الأحاديث تشير إلى أن شرط حصول الاجتهاد وتحقق القوة القدسية هو المجاهدة والرياضة الكثيرة؛ لأنه ورد أنه لا يحل الإفتاء لمن لم يطلب من الله صفاء الباطن والظاهر وإخلاص العمل والبرهان والدليل من جانب الله.

(3) يرى أن العدالة، التي هي شرط المفتي، لا تُكتسب بسهولة.

3-3. كون القوة القدسية موهوبة

على الرغم من أن جميع القائلين بالقوة القدسية لم يصرحوا بكونها عطائية، إلا أن البعض، مثل الشهيد الثاني، أكدوا على كونها موهوبة:

“ولا يكون ذلك كله إلا بهبة من الله تعالى إلهية وقوة منه قدسية توصله إلى هذه البغية، وتبلغه هذه الرتبة، وهي العمدة في فقه دين الله تعالى. ولا حيلة للعبد فيها، بل هي منحة إلهية ونفحة ربانية يخص بها من يشاء من عباده، إلا أن للجد والمجاهدة والتوجه إلى الله تعالى، والانقطاع إليه أثرًا بيّنًا في إفاضتها من الجناب القدسي {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}”.

توجد عبارات تصرح أيضًا بكون القوة القدسية غير مكتسبة:

“أهم ما يتوقف عليه الاجتهاد هو وجود القوة القدسية التي يتمكن بها من رد الفروع إلى الأصول واستنباطها منها، واستقامة السليقة التي يتمكن بها من فهم المراد من كلمات أهل بيت العصمة وإشاراتهم. وهذه القوة وتلك الاستقامة من الملكات النفسانية التي لا تحصل بالكسب، وإنما هي بيد الله سبحانه يؤتيها لمن يشاء من عباده في مبدأ الفطرة حسبما تقتضيه حكمته وإرادته. ولعله إلى هذا أُشير بما ورد من أن العلم ليس بكثرة التعلم وإنما هو نور يقذفه الله بقلب من يشاء”.

3-4. معيارية القوة القدسية

على الرغم من أن بعض عبارات المحقق البهبهاني تؤكد على أهمية القوة القدسية، إلا أنه لم يصرح بمعياريتها. ولكن عبارات بعض القائلين بالقوة القدسية تصرح بالمعيارية:

“لابد مع ما قدمناه من حصول تلك القوة القدسية والملكة الأصلية التي هي المعيار، وعليها المدار في الإيراد والإصدار، وبها يحصل التمييز بين الغث والسمين والعاطل الثمين، والغوص على لآلئ تلك البحار، والاقتطاف من جنى تلك الثمار، واستنباط ما يصل إليه عمله ويدركه فهمه من خبايا الأسرار. فكم ترك الأول للآخر كما هو في المثل السائر، وتلك القوة بيده سبحانه يؤتيها من يشاء”.

3-5. تأثير القوة القدسية على السلامة من الخطأ أو قوة الفهم

يعتبر الشهيد الأول القوة القدسية من بين الشروط التي تجعل القاضي في مأمن من الخطأ.

“ويُشترط في القاضي …. الاستقلال بالإفتاء، بأن يعلم المقدمات السبع: الكلام، والأصول، والنحو، واللغة، والتصريف، وشرائط الحد والبرهان. واختصاصه بقوة قدسية يأمن معها الغلط، ويعلم الأصول الأربعة: الكتاب والسنة والإجماع، ودلالة العقل”.

في المقابل، لا يعتبر معظم علماء الأصول أن القوة القدسية توجب عدم وجود خطأ معرفي، بل يعتبرونها بمعنى امتلاك قوة فهم:

“إن المعتبر هو قوة الفهم وليس المعتبر مطابقة الفهم للواقع، فخطأ المجتهد في المسألة لا يوجب سلب الملكة القدسية عنه”.

يستخدم علماء الأصول تعابير مختلفة لقوة الفهم تدل على قابلية الفهم للشدة والضعف؛ على سبيل المثال، ينسبون “جودة النظر”، “استقامة الفهم”، “سرعة الفهم”، “الفطانة”، “حسن الإدراك” إلى القوة القدسية. في هذه الحالة، يصبح مثل هذا الفاعل العارف، نتيجة للممارسة، ذا جودة فهم وسرعة انتقال للذهن، وهو ما يُعتبر فضيلة عقلانية مضاعفة على الفضيلة المذكورة سابقًا.

لهذا السبب، يعتبر بعض الأعلام أيضًا هذه القوة شرطًا للأعلمية وموجبة لكون المجتهد أفهم؛ لأنه بهذه القوة يجتهد المجتهد بإتقان نظر واستقامة فكر.

من الواضح أن الأعلمية تُعتبر شرطًا للمرجع لكونها أقرب إلى الواقع. لهذا السبب، لازم اشتراط القوة القدسية هو أن الفاعل العارف الذي يمتلك القوة القدسية تكون آراؤه أقرب إلى الواقع، وكلما كانت القوة القدسية أقوى، زاد احتمال الإصابة بالواقع.

بالطبع، قوة الفهم لا تعني أن كل من يمتلك القوة القدسية والأمور المتضمنة فيها يصل إلى الواقع، بل تعني أن غالب الفقهاء الذين يخالفون ذلك الرأي لا ينكرون إمكانية صحته.

“ولا يذهب عليك أن المراد بالاستقامة ليس إصابة نفس الأمر، وإلا فيلزم الحكم باعوجاج سليقة أغلب الفقهاء بسبب اختلافهم في رد الفروع إلى الأصول. بل المراد أن يكون ذلك الرد مما لا يأبى صحته الأفهام الغالبة، وإن كان مرجوحًا عند من خالفه في الرد. فمرجوحية أحد الأقوال المتخالفة أو كثير منها بالنسبة إلى الآخر ليس معناه عدم الاستقامة، ولا يلزم منه الحكم باعوجاج طبع صاحبه”.

3-6. رأي المحقق الأصفهاني حول تأثير القوة القدسية في الاجتهاد

على الأقل، خالف بعض الأعلام مثل المحقق الأصفهاني رأي الوحيد البهبهاني. يرى المرحوم الأصفهاني أن قوة الاستنباط لا تحصل إلا بسبب معرفة العلوم التي يتوقف عليها الاستنباط، ولا توجد في الاجتهاد قوة تُسمى القوة القدسية وتكون بمثابة نور من جانب الله وهداية إلهية؛ لأن الاجتهاد بمعنى بذل أقصى الجهد العلمي للحصول على الحجة على الحكم، وهو قابل للتحصيل للعادل والفاسق، والمؤمن والمنافق.

“القوة على الاستنباط فإنها تحصل دائمًا بسبب معرفة العلوم التي يتوقف عليها الاستنباط، لا بنفس الاستنباط، فإنه يستحيل بلا قوة عليه. ولا يخفى أنه ليست ملكة الاستنباط إلا تلك القوة الحاصلة من معرفة ما ذُكر، لا قوة أخرى تسمى بالقوة القدسية وأنها نور يقذفه الله في قلب من يشاء. فإن الاجتهاد – بمعنى: استفراغ الوسع في تحصيل الحجة على الحكم – ممكن الحصول للعادل، والفاسق والمؤمن والمنافق، لتسببه عن أعمال القوة النظرية الحاصلة من إتقان العلوم النظرية الدخيلة في تحصيل الحجة على الحكم، من دون حاجة إلى قوة قدسية إلهية أو قذف نور منه تعالى في قلب المستنبط”.

3-7. دراسة تأثير القوة القدسية على الاجتهاد ووظيفتها

في مقام الدراسة، يمكن القول إنه على الرغم من أن أعلامًا مثل المرحوم الغروي الأصفهاني أنكروا القوة القدسية ودورها في الاجتهاد، إلا أنه من ناحية أخرى، يعتبر أعلام مثل الشيخ الأنصاري، والشيخ جعفر كاشف الغطاء، والسيد جمال الكلبايكاني، وحتى في العصر المعاصر بعض الفقهاء، القوة القدسية من شروط الاجتهاد، ويستخدمون هذا المصطلح بالتوضيح الذي ذكره الميرزا القمي.

يبدو أن استخدام القوة القدسية في الأصول يرجع إلى فترة يمكن اعتبارها فترة انتقال من الإخبارية إلى الأصولية، وكان لا يزال هناك أفراد يعيشون حياة علمية بنفس النهج الإخباري، وربما كانت المواقف غير المنصفة تسبب إخلالاً كبيرًا في الفهم. لهذا السبب، في هذه الفترة، اعتبر المرحوم الوحيد البهبهاني وتلامذته مثل الملا أحمد النراقي، وحتى في فترات لاحقة حيث من المحتمل جدًا أن الإخباريين كانوا لا يزالون موجودين، القوة القدسية من شروط الاجتهاد. ولكن مع تضاؤل الإخبارية، قلّت ملاحظة القوة القدسية كشرط أو مقوم للاجتهاد في التراث الأصولي.

يقبل آية الله الميرزا هاشم الآملي، بعد بيان رأي المحقق البهبهاني، تأثير القوة القدسية على المعرفة ويعتبرها شرط كمال الاجتهاد. بعبارة أخرى، على الرغم من أن عنوان المجتهد يصدق على فاقد تلك القوة، إلا أن المجتهد يحتاج إليها للفهم. بالطبع، يذكر أيضًا أن القوة القدسية ذات هوية أخلاقية ولا تختص بالمجتهد؛ بل كل طالب علم يحتاج إلى هذه الأخلاقيات في مجال المعرفة. لهذا السبب، ليست شرطًا خاصًا بالمجتهد في مقام الاستنباط.

ربما يمكن القول إن بيان المحقق الأصفهاني حول القوة القدسية ناظر إلى أن الاجتهاد، وفقًا للتعاريف المعهودة، يعتمد على التمرين والممارسة في تطبيق قواعد الفقه وأصول الاستنباط، وأن ملكة الاجتهاد تتحقق بالجهد العلمي، وليس حصولها منوطًا بشكل تام بالأمور المعنوية، وليس الأمر أنه إذا لم تكن هناك تقوى، فلن يحصل الاجتهاد. لهذا السبب، هو في مقام نقد رأي يعتبرها موهوبة بشكل كامل. على سبيل المثال، الشهيد الثاني، بعد تعداد العلوم التي يحتاجها الاجتهاد، يعتبر تعلمها سهلاً، ولكنه يعتبر القوة التي بواسطتها يرد المجتهد الفروع إلى الأصول ويستنبط الفروع من الأصول موهوبة.

“نعم يُشترط مع ذلك كله أن يكون له قوة يتمكن بها من رد الفروع إلى أصولها واستنباطها منها، أي القوة القدسية، وهذه هي العمدة في هذا الباب. وإلا فتحصيل تلك المقدمات قد صارت في زماننا سهلة لكثرة ما حققه العلماء والفقهاء فيها وفي بيان استعمالها. وإنما تلك القوة بيد الله تعالى يؤتيها من يشاء من عباده على وفق حكمته ومراده. ولكثرة المجاهدة والممارسة لأهلها مدخل عظيم في تحصيلها. {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}”.

خلافًا لبعض القائلين بأن القوة القدسية موهوبة وغير مكتسبة، يؤكد الميرزا القمي، على الرغم من أنه يعتبر الاستعداد لازمًا لها وبالتالي يعتبرها موهوبة، على دور الجهد العلمي أيضًا في اكتساب القوة القدسية.

“فإن معرفة العلوم السابقة غير كافية في ذلك، بل هي أمر غريزي موهوبي يختص ببعض النفوس دون بعض. فإذا كانت هذه الحالة موجودة في نفس وانضم إليها معرفة [العلوم] السابقة، فيحصل له ملكة الفقه، يعني قوة رد جزئياته إلى كلياته. وأصل تلك الحالة لا يحصل بالكسب، بل له مدخلية في زيادتها وتقويتها. إذا أردت معرفة ذلك فلاحظ من ليس له الطبع الموزون، فإنه لا ينفعه تعلم علم العروض، وكذلك سائر العلوم. فربما يصير شخص ماهرًا في علم الطب ولا يقدر على معالجة المرض.”

تدل المصادر الدينية الداخلية (الآيات والروايات) على تأثير الأخلاقيات والقوة القدسية وطريق تهذيب النفس على الفهم، ويلزم قبول تأثير الأخلاقيات السلبية والإيجابية في تكوين المعرفة في الجملة. ولكن لا ينبغي جعلها معيارًا لتقييم الفهم. بعبارة أخرى، لا ينبغي جعل مبنى التقييم هو السمات العقلانية للفاعل العارف والحسن الأخلاقي للفاعل، بل يجب، لتقييم أي اعتقاد، بما في ذلك المعتقدات الدينية، جعل الأمور المعرفية مثل أصول الفقه والمنطق وسائر العلوم التي يحتاجها الاجتهاد مبنى للتقييم؛ لأنه في غير هذه الحالة، يُسد باب البحث العلمي، ويمكن لكل فقيه أن يستند في المباحث العلمية إلى الإشراق والإمداد الإلهي دون أن يُعرض رأيه للتقييم بناءً على العلوم التي يحتاجها الاجتهاد.

الخارجانية واعتبار تقييم المعرفة خارج المتناول، أو جعل الأمور غير المعرفية معيارًا مثل تقييم الفضائل والرذائل الأخلاقية والعقلانية بدلاً من المعرفة، أو التأكيد على كون القوى المعرفية موهوبة؛ مثل القوة القدسية، هي من بين مقاربات نظرية المعرفة التي تجعل تقييم المعرفة بلا معيار وتؤدي بنوع ما إلى النسبية المعرفية. بالطبع، هذا لا يعني عدم تأثير الأمر غير المعرفي على الاعتقاد بوصفه ظاهرة نفسية تتعلق بالقضية، بل لا ينبغي جعل هذه الأمور معيارًا للتقييم المعرفي للاعتقاد أو القضية.

كما أُشير سابقًا، بعض مقاربات نظرية المعرفة القائمة على الفضيلة تقسم المعرفة إلى معرفة بدرجة عالية ومعرفة بدرجة منخفضة. يشير المرحوم البهبهاني أيضًا في بعض المواضع إلى هذه النقطة، ولهذا السبب، بسبب اشتراط الاجتهاد بالقوة القدسية، لا يعتبره قابلاً للتحصيل للأفراد الدنيئين وفاقدي القوة القدسية. أما المحقق الأصفهاني، فبهذه النقطة وهي أن الاجتهاد ممكن لأفراد مثل الفاسق والمنافق أيضًا، لا يعتبر الاجتهاد على الأقل من مصاديق العلوم ذات الدرجة العالية.

  1. العدالة كشرط للمرجع

ذكرت معظم المصادر الأصولية والفقهية للاجتهاد نوعين من الشروط: شرط ناظر إلى تعلم علوم مثل العربية والمنطق والتفسير وغيرها، وفي هذا السياق يحتاج طالب الاجتهاد بشكل أكبر إلى تعلم الأصول والرجال. وشروط ناظرة إلى سمات المجتهد؛ البلوغ، والعقل، والذكورة، والإسلام، والإيمان، وطهارة المولد، والعدالة، تُعتبر من بين سمات المجتهد. تُعتبر هذه السمات شرطًا للاجتهاد من حيث إن المجتهد يقع في مقام الإفتاء والمرجعية العلمية. هذا يعني أنه في نظر علماء الأصول، صدق عنوان الاجتهاد، بوصفه عملية معرفية للفاعل العارف، ليس مشروطًا بالعدالة.

يرى المحقق الأصفهاني أن معيار الحجية هو الثقة، وإذا لم يوجد دليل خاص مثل الإجماع على هذه السمات، فجميع الأدلة قابلة للنقاش. يرى أن دليل اعتبار الفتوى هو نفس دليل اعتبار الخبر، والمعيار في الخبر هو كونه ثقة. شرط العدالة، بناءً على رواية باب الإفتاء، هو للأمان من الخيانة والكذب، وليس شرطًا تعبديًا وليس له موضوعية. بعبارة أخرى، إذا كان الفاسق الموثوق به مأمونًا من الخيانة والكذب، فالعدالة غير معتبرة.

4-1. علاقة العدالة، بوصفها سمة نفسية، بالوثاقة المعرفية للمرجع

على الرغم من أن المرحوم الأصفهاني يعتبر الوثاقة بمعنى الأمان من الخيانة والكذب؛ إلا أنه يبدو أنه يمكن افتراض الوثاقة على الأقل بمعنى قلة الخطأ المعرفي أيضًا. لأنه بطبيعة الحال، لا يثق الإنسان بمن خطؤه أكثر من الحد المتعارف عليه، وإن لم يكن هذا الخطأ عمدًا. لذا، يمكن دراسة العلاقة بين العدالة والوثاقة بالمعنى المقصود. قبل دراسة هذه المسألة، يلزم تناول ماهية العدالة. العدالة في اللغة بمعنى الاستواء والاستقامة، ولدى علماء الأصول ستة تعريفات على الأقل: أحيانًا استُخدمت العدالة للدلالة على الملكة النفسانية التي توجب أداء الواجبات وترك المحرمات. وفي بعض الحالات، عُرّفت العدالة بأداء الواجبات وترك المحرمات الناشئ عن الملكة النفسانية. في تعريف آخر، العدالة بمعنى أداء الواجبات وترك المحرمات. وأحيانًا أيضًا، عُرّفت العدالة بالاستقامة في مقام العمل بأداء الواجبات وترك المحرمات بدافع إلهي وبأسلوب مستمر. وفي تعريفين آخرين، حُددت العدالة بالإسلام دون مشاهدة فسق، والإسلام مع حسن الظاهر. في الواقع، التعريفان الأخيران، بدلاً من أن يكونا ناظرين إلى مفهوم العدالة، ناظران إلى تحديد صاحب العدالة. يرى الأستاذ الشهيدي أنه بما أن كلمة “عادل” وردت في الروايات إلى جانب كلمات أخرى مثل “مرضي” و”خير” و”صالح” و”عفيف” و”صائن” وما شابهها، وهي أوصاف للفعل، فإن كون الشخص عادلاً هو أيضًا صفة للفعل. لذا، التعريف الأول الذي اعتبر العدالة مجرد ملكة نفسانية غير مقبول. التعريف الثالث أيضًا، لأنه لا يتضمن الدافع والنية الإلهية، لا يصدق على فاعل الواجبات وتارك المحرمات بدون دافع إلهي، عادل ومرضي وما شابه ذلك. يرى الأستاذ الشهيدي أنه لا فرق بين التعريف الثاني والرابع، خاصة إذا شمل مصطلح “الملكة النفسانية”، بالإضافة إلى أنه يشمل أداء التكاليف دون مشقة، أداء التكاليف المستمر مع المشقة وبدافع إلهي أيضًا.

بأدنى تتبع في الآثار الأصولية التي تتناول بيان أقوال المفهوم، يمكن إدراك أنه في معظم التعاريف المعتبرة لدى الأعلام، لُوحظ مفهوم الملكة تصريحًا أو بشكل غير مصرح به، وفي بعض الحالات اعتُبرت هذه التعاريف واحدة. على سبيل المثال، في التعريف الرابع للعدالة، لم يُستخدم مصطلح “الملكة”، بينما يعتبر الأستاذ الشهيدي التعريف الثاني والرابع واحدًا؛ لأنه إذا كانت الاستقامة على أداء أو ترك عمل ما مصحوبة بالاستمرار، فإنها تؤدي عادةً إلى ملكة نفسانية. لهذا السبب، يدل لحاظ الاستقامة والاستمرار في التعريف الرابع على إشراب مفهوم الرسوخ في النفس في التعريف. بعبارة أخرى، توجد علاقة بين أداء وترك العمل ودافع الإنسان ونيته. كلما زاد تكرار أو ترك العمل، زاد رسوخ العمل أو الترك في النفس، وبواسطة النية، تنشأ صلة بين النفس والعمل بناءً على قاعدة السراية (تأثير سمات العامل في العمل) والوراثة (تأثر العامل بالعمل ورسوخ سمات العمل في العامل). وهذا يدل على شدة وضعف صدق مفهوم العدالة على المصاديق.

الآن، يُطرح هذا السؤال: عند علماء الأصول، بأي قدر من استمرار أداء أو ترك العمل، توجب العدالة الوثاقة المعرفية؟ من المسلم به أن العدالة أحيانًا ترسخ في النفس بحيث تحكم القوة العقلية على القوى التحريكية (الغضبية والشهوية)، وتكون القوى في حالة اعتدال، وبعبارة أخرى، تكون النفس جامعة لفضائل القوة الغضبية والقوة الشهوية، ولهذا السبب لا تُخل القوى التحريكية في عملية المعرفة. من الواضح أن مثل هذه الوثاقة لا تحصل لجميع أصحاب العدالة. بالطبع، العدالة اللازمة للوثوق المعرفي والأمان من الكذب للمرجع، بناءً على تناسبها مع المقام الخطير للمرجعية، وإن لم تختلف طبيعتها عن اشتراط العدالة في مقامات أخرى مثل الشهادة أو إمامة الجماعة، إلا أنه بما أن العدالة تقبل الشدة والضعف، فإن مراتب من العدالة معتبرة للمرجع بحيث لا تُخل بسهولة. “فالعدالة المعتبرة عندهم في المرجع لابد أن تكون بمرتبة لا تزاحم ولا تغلب. والإنصاف أنه يصعب جدًا بقاء العدالة للمرجع العام للفتوى إذا لم يكن بمرتبة عالية ذات مراقبة ومحاسبة، فإن ذلك مزلة الأقدام ومخطرة الرجال العظام.”

لتبيين الآراء حول العلاقة بين العدالة والوثاقة المعرفية، يمكن متابعة البحث في باب عدم الحرص على الدنيا. على الرغم من أن صاحب “العروة” اعتبر هذا الشرط إلى جانب العدالة من شروط المرجع؛ إلا أن بعض الأعلام لا يعتبرون هذا الشرط زائدًا على العدالة، لأن هذه السمة، بناءً على ما ورد في الروايات، هي نفسها أو من مصاديق العدالة. ولكن في مسألة نسبة الحرص على الدنيا، بوصفه أحد مصاديق العدالة، إلى الوثاقة المعرفية، نواجه رأيين. يرى الأستاذ الشهيدي أن حب الدنيا على نوعين: أحيانًا يكون الحب في المحرمات، وهو ما يُخالف العدالة؛ ولكن أحيانًا يكون الحب في المباحات. يرى أنه إذا أُحرزت عدالة الفقيه، فإن حبه الدنيوي للحلال لا يمنع عقلاً من الوثوق به. “حيث إنه لو أُحرزت عدالة فقيه وإنما كان في نفسه حب الجاه والمال ويحاول الوصول إليهما بالطرق المباحة، لم يمنع ذلك عن الوثوق العقلائي به، فإنه نظير سائر الأوصاف الشخصية من الجبن أو الشجاعة ونحوهما. فقد يكون تشخيص الإنسان متأثرًا من أوصافه الشخصية، لكن المفروض أنه ليس بمرتبة يمنع عن الوثوق النوعي به”.

في المقابل، يعتبر رأي آخر أن الحب الشديد، دون تقسيمه إلى حلال وحرام، يوجب عدم الوثوق المعرفي وزيادة الخطأ عن الحد المتعارف عليه. جعل آية الله الشبيري هذا الوثوق شرطًا للمرجعية في الرسالة العملية، وبيّن أن منشأه هو عدم وجود حب شديد للدنيا.

بهذه النظرة، يبرز سؤال: إذا كان فقدان العدالة، على الأقل في مصداق طلب الدنيا الشديد، يوجب عدم الوثوق المعرفي للمجتهد، فلماذا ذُكر هذا الشرط من شروط المفتي ولم يُذكر في شروط المجتهد؟ أولاً، يمكن الإجابة بناءً على مكانته الاجتماعية وخطورتها، بأن الوثوق المعرفي بهذه الدقة ليس شرطًا في المجتهد، ولكنه اشتُرط في الفتوى. ثانيًا، ربما يمكن القول إن فهم المجتهد غير العادل أو الذي لديه حب شديد للدنيا حجة لنفسه؛ ولكنه على الأقل ليس حجة لغيره من الأفراد الذين يعلمون بإخلاله المعرفي نتيجة لعدم العدالة أو الحب الشديد للدنيا.

4-2. مراعاة العدالة في مقام الإفتاء

أحيانًا تكون العدالة كلية وفي جميع المجالات، ولكن من الممكن أن يراعي الفاعل العارف العدالة في مقام التعليم والتعلم، بالتمرين والسيطرة على القوى التحريكية ومنع التأثير السلبي لهذه القوى على المعرفة، دون أن يصل إلى العدالة الكلية. من ناحية أخرى، من الممكن أن يكون الفاعل العارف عادلاً في مجالات أخرى ولكنه لا يستطيع في مقام المعرفة منع تأثير الحب والبغض الدنيوي.

تستند هذه النظرة إلى تعدد أو ازدواج الشخصيات، وهو ما يقبله بعض العلماء المسلمين مثل العلامة الطباطبائي. يسعى فخر الرازي إلى إقامة كسر وانكسار بين آثار الطاعات والمعاصي والفضائل والرذائل؛ ولكن العلامة الطباطبائي لا يعتبر هذه المقاربة صحيحة بشكل دائم؛ لأنه يرى أن الفضائل والرذائل أحيانًا تتصالح، ودون أن يكون هناك صراع ونزاع، يصبح الإنسان ذا ملكات فاضلة وكذلك ملكات رذيلة، وكل منها يعمل بمقتضاه دون تدخل أو مزاحمة في عمل الآخر. في البحث الحاضر أيضًا، على الرغم من أنه من الممكن ألا يكون الفاعل العارف ذا تقوى كلية ودائمة، وبعبارة أخرى، ألا يتمتع بالعدالة الكلية في قوى النفس، إلا أنه يمكن افتراض أنه في مجال ما، مثل عملية المعرفة، يسيطر على قواه التحريكية والخُلقية ولا يدع الأهواء تؤثر سلبًا في مقام تقييم الاستدلال أو طلب العلم أو سائر عملياته المعرفية. لهذا السبب، يعتبر آية الله الشبيري الحب الشديد، الذي منشؤه القوى الغضبية والشهوية، قابلاً للجمع مع التقوى.

يمكن افتراض أنه على الرغم من أن المرجع لا يتمتع بالعدالة الكلية أو ملكة التقوى نفسها، إلا أنه بمراعاة العدالة في عملية الاجتهاد يتمتع بالوثاقة المعرفية. النقطة المهمة هي أنه بسبب أهمية هذا المنصب واحتمال الخطأ المعرفي غير العمدي، ربما يضع العقلاء شروطًا أصعب ولا يكتفون بالعدالة والوثاقة الجزئية، ويعتبرون امتلاك العدالة الكلية شرطًا. ربما لهذا السبب، تصف بعض الروايات المعتبرة عن الإمام الصادق (ع) الفقيه بأنه زاهد في الدنيا وراغب في الآخرة ومتمسك بسنة النبي (ص). من الواضح أن الزهد هنا بمعنى عدم الاكتراث بالدنيا واحتقارها، لا ترك الدنيا والإعراض عنها. في هذا السياق، من لا يزهد في الدنيا لا يمكنه، بسبب فقدان الوثوق اللازم للإفتاء، أن يتولى هذا المنصب. هذا الوثوق، بالإضافة إلى الأمان من الكذب والخيانة، يشمل الأمور المعرفية غير الاختيارية مثل السهو، والضبط، والنسيان، وما شابه ذلك. كما أن بعض كتب الرجال أيضًا تعتبر كون الشخص ثقة أعم من كونه اختياريًا أو غير اختياري، وفقًا للتوضيح المتقدم.

4-3. نسبة سمة العدالة في أصول الفقه والفضائل الأخلاقية

بناءً على أحد التقسيمات في بعض كتب الأصول، تُقسم العدالة إلى أخلاقية وشرعية. على سبيل المثال، يبيّن المحقق الأصفهاني أن العدالة الأخلاقية هي اعتدال القوى وحكم العقل على سائر القوى، أي الشهوية والغضبية. يرى أن العدالة الأخلاقية لا تتحقق للجميع، وأن العدالة الشرعية، التي هي شرط في بعض الأمور مثل المرجعية، تختلف عن العدالة الأخلاقية. بعبارة أخرى، دائرة العدالة الشرعية أوسع من العدالة الأخلاقية. وهو يسعى فيما بعد لإظهار أن ما تشير إليه بعض الروايات من بعض السمات مثل الستر والعفاف وكف النفس عن بعض الشهوات، يُعتبر فضيلة للقوة الشهوية؛ ولكن هذا لا يعني أن جميع الفضائل مجتمعة في الشخص. يرى أن اجتناب الكبائر أيضًا، الذي هو من شروط العدالة الشرعية، ليس من الضروري أن يكون ناشئًا عن ملكة نفسانية، بل ربما يكون منشؤه كف النفس والخوف من العقاب المترتب على الكبائر، وليس ناشئًا عن فضيلة النفس، وهذا القدر كافٍ للعدالة الشرعية.

تمييز العدالة الشرعية والأخلاقية، بناءً على أنه لا حاجة للملكة في العدالة الشرعية، موضع تأمل. لأنه، في رأي الشيخ الأنصاري، يُعتبر تعريف العلامة الحلي أشهر تعريف للعدالة، وهو مُقدم بناءً على مفهومي الملكة والملازمة للتقوى. بالإضافة إلى ذلك، كما قيل سابقًا، فإن استمرار الكف عن الكبائر، وإن كان عن خوف، يوفر عادةً أرضية لتكوّن الملكة. علاوة على ذلك، يصرح بعض علماء الأصول المعاصرين بأن عدم وجود الرذائل المحرمة مثل الكبر والحسد وامتلاك الفضائل الواجبة يُعتبر من شروط العدالة الشرعية، ولا يمكن، بمجرد أن الصفات ليست في الاختيار، عدم قبول اشتراطها في العدالة الشرعية. بالطبع، لا يعتبرون الفضائل المستحبة والرذائل لازمة للعدالة الشرعية.

تشير هذه النقاط إلى أن، أولاً، طبيعة العدالة الشرعية والأخلاقية ليست مختلفة. ثانيًا، ذلك القدر من العدالة الأخلاقية اللازم للعدالة الشرعية قابل للتبيين. نقطة أخرى هي أن المحقق الأصفهاني، الذي يؤكد على تمييز العدالة الأخلاقية والشرعية، يبيّن أن الشهوات لها تدخل في الفهم والإدراكات. من الواضح أن هذا الإخلال له ارتباط مباشر بالعدالة الأخلاقية، لأن العدالة الأخلاقية، التي تعني حكم العقل على القوى الشهوية والغضبية، توجب أن يدقق الفقيه في مقام الاستنباط. بالإضافة إلى ذلك، الحب والبغض والمنافع الشخصية والجماعية لا تمنع أبدًا استنباطه، بل يستنبط ما هو أقرب إلى الواقع ورأي الشارع.

تدل هذه النقطة على أن مراحل من العدالة الأخلاقية، التي تشتمل على الفضائل والابتعاد عن الرذائل، تنطبق على العدالة الشرعية، وتبدو لازمة للوثوق المعرفي للمرجع.

  1. العلاقة بين العدالة والقوة القدسية

اعتبر عموم علماء الأصول والفقهاء الشيعة العدالة، على الرغم من اختلاف التعريفات، شرطًا للمرجعية العلمية. ولكن القوة القدسية، كمقوم أو شرط للاجتهاد، تبدأ بشكل أوسع من الفترة المتأخرة للأصول ومع أعلام مثل المحقق البهبهاني، وتقلّ العناية بها في الأدوار اللاحقة. اعتبر بعض علماء الأصول شرط عدالة المجتهد، المستفاد من بعض الروايات، هو نفس القوة القدسية، وأقاموا تطابقًا بين العدالة والقوة القدسية.

في المقابل، يعتبر البعض الآخر القوة القدسية أخص وأرفع من العدالة.

العدالة، بناءً على رأي المشهور، تشتمل على ملكات نفسانية ناشئة عن أداء الواجبات وترك المحرمات وامتلاك الفضائل الأخلاقية الواجبة وعدم وجود الرذائل الحرام. والنتيجة الحتمية لمثل هذه الحالة هي عدم وجود حب شديد للدنيا والورع في مقام الإفتاء. بالتوضيح الذي بيّنه المحقق البهبهاني، تشتمل القوة القدسية على ملكات أخلاقية وسمات عقلانية، ولهذا السبب ستكون أخص من العدالة، وربما يختلفان في الطبيعة.

بالإضافة إلى الاختلاف في طبيعة العدالة والقوة القدسية، فقد سلكتا مسارين مختلفين في وظيفة وعملية الاجتهاد والمرجعية. يرى المحقق البهبهاني أن القوة القدسية، كشرط للاجتهاد الذي طريق الحصول عليه هو التقوى، أهم من سائر الشروط المعرفية؛ أي العلوم اللازمة، وبدونها لن تكون سائر شروط الاجتهاد قابلة للانتفاع:

“ومن الشرائط، القوة القدسية، والملكة القوية، وهو أصل الشرائط. لو وُجد، ينفع باقي الشرائط ويُنتفع من الأدلة والأمارات والتنبيهات، بل وبأدنى إشارة يتفطن بالاختلالات وعلاجها، بل بأدنى توجه من النفس يتفطن بالاحتياج إلى الشرائط، ويدري أنها لعلاج الاختلالات، وأن العلاج لابد منه، وأنه منحصر في الشرائط. ولو لم يوجد، لم ينفع تنبيه للبديهيات، ولا دليل للنظريات، كما نشاهد الآن”.

لازم هذا الرأي هو أنه كلما زادت تقوى المجتهد، كان أقوى في الاجتهاد؛ لأنه يتمتع بقوة قدسية أقوى، وهي الأكثر تأثيرًا بين شروط الاجتهاد. يمكن ملاحظة هذه النقطة في بعض الآثار. النقطة الجديرة بالاهتمام هي أنه يعتبر القوة القدسية لازمة لجميع العلوم.

“لابد في الفقه بل في جميع العلوم من التقوى، ومن الممتنع حصول الدرجة القصوى في الفقه بدون التقوى وربط القلب بعالم الأسرار. وكيف يتأتى القوة القدسية وهي من توابع العصمة لمن كان بعيدًا عن المبدأ الأعلى؟ وكيف يتيسر ذلك لمن كان في عداد كثير من الناس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل سبيلاً؟ ومع ذلك لابد في الفقه بل في جميع العلوم من حسن القريحة وجودة الإدراك واستقامة السليقة”.

في هذا السياق، يؤكد صاحب “المعالم” بشكل أكبر على القوة القدسية ويعتبرها بديلة للعلوم المعيارية مثل المنطق:

“وأن يعرف شرائط البرهان لامتناع الاستدلال بدونه إلا من فاز بقوة قدسية تغنيه عن ذلك”.

بالطبع، تعرضت فكرة استبدال القوة القدسية للنقد من قبل بعض الشارحين:

“أن الفائزين بالقوة القدسية لا حاجة لهم في استدلالاتهم إلى مراعاة قوانين الإنتاج وشروطه ولو إجمالاً، بل يفيد أنهم بقوتهم القدسية بريئون عن إقامة البرهان بمعونة شروطها المقررة، عارون عن استحضارها حتى على جهة الإجمال… وفي هذه الدعاوى كلها من الفساد”.

في المقابل، ليس الأمر أن جميع علماء الأصول يعتبرون زيادة العدالة موجبة لزيادة الوثوق المعرفي، أي قلة الخطأ المعرفي. على سبيل المثال، يفرق المحقق الأصفهاني بين معيار وشرط الحجية. يرى أن معيار الحجية هو العلم، لا العدالة؛ لأنه بحكم العقل والعقلاء، يرجع الجاهل إلى العالم. لذا، من كان المعيار فيه أقوى، كانت حجيته أقوى، وكون الشخص أقوى في الشرط، مثل العدالة، لا يوجب كونه أقوى في الفتوى.

“ينبغي أن يُعلم أن ملاك الحجية أمر وشروطها أمر آخر. فإن العلم والمعرفة ملاك الحجية، ولأجلهما يحكم العقل والعقلاء برجوع الجاهل إلى العالم. فمن كان الملاك فيه أقوى كانت حجيته أقوى. بخلاف العدالة في العمل وسائر الشرائط، فإنها وإن كانت معتبرة في حجية الفتوى، لكنها ليست ملاك الحجية ومناط الطريقية. فتفاوت المجتهدين في الشرائط قوة وضعفًا لا يوجب أقوائية الحجية في فتاواهما”.

في المقابل، يرى بعض علماء الأصول تأثير زيادة العدالة على زيادة الوثوق المعرفي. فهم يعتبرون للورع، الذي يعني الابتعاد عن الذنوب والشبهات ويتناسب مع معنى العدالة وربما يكون من أركانها، شأن وثوق معرفي في طول الأعلمية. هذا القول يعني أن زيادة الابتعاد عن الشبهات في مقام الاستنباط لمن هو أعلم توجب زيادة الوثوق المعرفي.

“ظاهر كلمات القدماء هو مرجحية الأورعية في طول الأعلمية، ويُستفاد من كلماتهم أن حكمهم بذلك من جهة زيادة الوثوق. فكما أن الأعلمية موجبة لازدياد الوثوق، كذلك الأورعية… وأن الأورعية توجب ازدياد الدقة والتحقيق في مستند فتواه وملاحظة جميع الخصوصيات”.

وفقًا للرأي الأخير، فإن زيادة عدالة وورع المرجع، بالإضافة إلى الأمان من الكذب، توجب زيادة الوثوق المعرفي وقلة الخطأ المعرفي، وبعبارة أخرى، تؤثر في تكوين التفقه. ولكن شرط العدالة والورع، كسمة للمرجع الذي يحمل المعرفة، لم يحل أبدًا محل تقييم آراء المرجع. بل في هذه الحالات أيضًا، أُرجعت الأورعية إلى موضوع معرفي قابل للتقييم، ولا تُغني السمات الأخلاقية للمرجع الآخرين عن تقييم آرائه.

بناءً على ذلك، فإن طريق الوصول إلى الأعلم، كسمة للمجتهد تجعله مرجعًا للآخرين، هو من خلال تقييم فكره وآرائه، لا من خلال تقييم فضائله العقلانية والأخلاقية؛ وإن كانت هذه السمات تساعد في الوصول إلى هذا المقام العلمي وتلعب دورًا في تكوينه.

الخلاصة

على الرغم من أن بحث الاجتهاد والتقليد يبدو مشابهًا لنظريات المعرفة الحديثة، مثل تبيين المرجعية المعرفية في إطار وجهة نظر نظرية المعرفة القائمة على الفضيلة؛ إلا أنه يجب الانتباه إلى أنهما يختلفان في المباني والأدلة. على سبيل المثال، مباحث الفضائل العقلانية والأخلاقية في باب الاجتهاد والتقليد لا تُعتبر وجهة نظر معارضة للاستدلال، بينما تُعدّ نظرية المعرفة القائمة على الفضيلة نوعًا من الهروب من الدليل واللجوء إلى الفضائل بدلاً منه.

يرى بعض الفقهاء والأصوليين أن القوة القدسية، التي تُكتسب عن طريق التقوى، إما شرط للاجتهاد أو شرط لكماله. هذا يعني أن التقوى ليست فقط لازمة لثقة فتوى المجتهد في نسبتها إلى الشرع وانتفاء الكذب، بل إن أصل فهم المجتهد أو فهمه الأفضل مشروط بها في رأي البعض.

القوة القدسية، كشرط أو مقوم للاجتهاد، هي مزيج من الفضائل الأخلاقية والعقلانية التي يمكن أن تؤثر في الاجتهاد أو في إيصاله إلى الكمال. ولكن لا ينبغي أن تكون الفضائل العقلانية والأخلاقية مبنى لتقييم المعرفة.

توجب القوة القدسية زيادة قوة الفهم لدى المجتهد، وبفقدانها يكثر خطؤه المعرفي. بالطبع، لازم امتلاك القوة القدسية ليس الإصابة الدائمة بالواقع، بل يعني أن غالب الفقهاء المخالفين لذلك الرأي لا ينكرون إمكانية صحته.

التأكيد على كون القوة القدسية موهوبة، بمعنى أنها تحصل عن طريق التقوى والإفاضة الإلهية، يُعتبر نوعًا من الخارجانية، ويوجب أن يكون الاجتهاد مزيجًا من الخارجانية والداخلانية المعرفية. بناءً على كونها إفاضية، يعتبر بعض علماء الأصول الاجتهاد موجبًا لمعرفة بدرجة عالية لا تحصل للفاسق والمنافق. بالطبع، هذه النقطة موضع نقاش.

بناءً على رأي بعض علماء الأصول، فإن العدالة، كشرط للمرجع ذي الأبعاد الأخلاقية، بالإضافة إلى الأمان من الكذب، توجب الوثاقة المعرفية للمرجع.

بناءً على رأي بعض علماء الأصول، توجب زيادة العدالة زيادة الوثوق المعرفي في طول الأعلمية. بمعنى أن كون الشخص أورع يوجب زيادة الدقة والتحقيق، ويؤثر في الأعلمية.

المصادر

  1. ابن شهيد الثاني، حسن بن زين الدين (بلا تاريخ). معالم الدين وملاذ المجتهدين.
  2. آمدي التميمي، عبد الواحد (1373 ش). غرر الحكم ودرر الكلم. تحقيق مير سيد جلال الدين محدث الأرموي.
  3. آملی، ميرزا هاشم (1388ش). الاجتهاد والتقليد.
  4. آملی، ميرزا هاشم (1395ق). مجمع الأفكار ومطرح الأنظار.
  5. بحراني، يوسف بن أحمد (1423ق). الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية.
  6. برقي، أحمد بن محمد بن خالد (1371ق). المحاسن.
  7. حكيم، محمد تقي (1429ق). الأصول العامة في الفقه المقارن.
  8. حكيم، محسن (1374 ش). مستمسك العروة الوثقى.
  9. خوئي، سيد أبو القاسم (1407ق). التنقيح.
  10. سيستاني، علي (1437ق). الاجتهاد والتقليد والاحتياط.
  11. شبیری زنجاني، سيد موسى (1380ش). علم دراية، رجال و تراجم.
  12. شبیری زنجاني، سيد موسى (بلا تاريخ). خارج أصول.
  13. شهرزوري، شمس الدين (1383ش). رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية.
  14. شهيد أول، محمد بن مكي (1430ق). موسوعة الشهيد الأول.
  15. شهيد ثاني، زين الدين بن علي (1415ق). منية المريد في أدب المفيد والمستفيد.
  16. شهيد ثاني، زين الدين بن علي (بلا تاريخ). الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية.
  17. شهيدي پور، محمد تقي (1427ق). أبحاث أصولية (الاجتهاد والتقليد).
  18. شيخ أنصاري، مرتضى بن محمد أمين (1404ق). مجموعة رسائل فقهية وأصولية.
  19. شيخ أنصاري، مرتضى بن محمد أمين (1414ق). رسائل فقهية.
  20. شيخ بهائي، محمد بن عز الدين (1423ق). زبدة الأصول.
  21. طباطبائي (المجاهد)، سيد محمد (1396ق). مفاتيح الأصول.
  22. طباطبائي، سيد محمد حسين (1417ق). الميزان في تفسير القرآن.
  23. عراقي، ضياء الدين (1417ق). نهاية الأفكار.
  24. عراقي، ضياء الدين (1388 ش). الاجتهاد والتقليد.
  25. علامة حلي، حسن بن يوسف (1404ق). مبادئ الوصول.
  26. غروي أصفهاني، محمد حسين (1409ق). بحوث في الأصول.
  27. غروي أصفهاني، محمد حسين (1429ق). نهاية الدراية في شرح الكفاية.
  28. فيض كاشاني، ملامحسن (1395ش). مفاتيح الشرائع.
  29. قزويني، علي بن اسماعيل (1422ق). تعليقة على معالم الأصول.
  30. كاشف الغطاء، جعفر بن خضر (1319ق). حق المبين في تصويب المجتهدين وتخطئة الإخباريين.
  31. كاشف الغطاء، أحمد (1423ق). سفينة النجاة ومشكاة الهدى ومصباح السعادات.
  32. كاشف الغطاء، علي (1381ق). النور الساطع في الفقه النافع.
  33. کلباسي، محمد (بلا تاريخ). رسائل المحقق الكلباسي.
  34. مجلسي، محمد باقر (1403ق). بحار الأنوار.
  35. محقق حلي، جعفر بن حسن (1423ق). معارج الأصول.
  36. محمدي ري شهري، محمد (1375 ش). ميزان الحكمة. ترجمة حميدرضا شيخي.
  37. مصباح يزدي، محمد تقي (1405ق). تعليقة على نهاية الحكمة.
  38. مظفر، محمد رضا (1387 ش). عقائد الإمامية.
  39. مكارم شيرازي، ناصر (1385ش). دائرة المعارف فقه مقارن.
  40. ملك زاده، محمد حسين (1443ق). ما هو الاجتهاد.
  41. موسوي گلپایگانی، سيد جمال الدين (بلا تاريخ). رسائل.
  42. ميرزاي قمي، أبو القاسم (1430ق). القوانين المحكمة.
  43. نراقي، ملا أحمد (بلا تاريخ). شرح تجريد الأصول.
  44. وحيد بهبهاني، محمد باقر (1415ق). الفوائد الحائرية.
  45. وحيد بهبهاني، محمد باقر (1416ق). الرسائل الأصولية.
  46. Vahid, Hamid (2011), “Externalism/Internalism”, in: Bernecker, Sven, Pritchard, Duncan, The Routledge Companion to Epistemology, London: Routledge.
  47. Zagzebsk, Linda (2000), “Virtues of the Mind”, in: Sosa, Ernest, Kim, Jaegwon, Epistemology, Massachusetts: Blackwell Publishers Inc.
  48. Zagzebsk, Linda (1996), Virtues of the Mind (An Inquire into the Nature of Virtue), New York: Cambridge University Press.
  49. Zagzebsk, Lind (2004), Divine Motivation Theory, New York: Cambridge University Press.
  50. Zagzebsk, Linda (2009) On Epistemology, Belmont, Wadsworth/Broadviwe, CA.
  51. Zagzebsk, Linda (2012), Epistemic Authority, Oxford: Oxford University Press.
  52. Zagzebski, Linda (1993), Intellectual Virtue in Religious Epistemology, in Faith in Theory and Practice, edited by E. Radcliffe and C. white, Illinois: Open Court.

Scroll to Top