الملخص
في المجامع الروائية وكتب التفسير وأسباب النزول، تم ذكر سبب نزول للعديد من الآيات والسور. ولكن بما أن جميع روايات الأسباب لم تثبت صحتها، فقد دفع ذلك المحققين إلى الاهتمام بتقييم سندها ومحتواها. إن السور الاثنتي عشرة الأولى من الجزء 30 من القرآن مليئة بروايات أسباب النزول، والتي لم يجرَ حتى الآن تحقيق كافٍ ووافٍ في مجال تقييم سندها ومحتواها. في هذا المقال، وباستخدام المنهج الوصفي التحليلي، تم جمع جميع روايات هذا القسم – التي وردت في ذيل تسع سور – وتم نقدها ودراستها من حيث السند والمتن. وقد تبين من خلال الدراسة أن الروايات من حيث السند ضعيفة بسبب إشكال رجالي أو درائي واحد أو أكثر، مثل إرسال السند وانقطاعه، وضعف الرواة، وعدم إسناد الرواية إلى صحابي شاهد على النزول. أما من حيث المتن – باستثناء رواية الإمام الصادق (ع) في ذيل سورة عبس – فهي معلولة بسبب إشكال محتوائي واحد أو أكثر، مثل عدم صراحة تعبير الراوي في بيان سبب النزول، وعدم الانسجام مع سياق السورة، وعدم المطابقة مع آيات قرآنية أخرى، ومخالفة روايات ترتيب النزول، وعدم التوافق مع التاريخ القطعي، وعدم تأخر نزول الآيات عن الواقعة، وعدم تزامن القصة مع نزول الآيات، وعدم أهمية القصة، وعدم ملاءمتها لمكانة النبي (ص)، ووجود اضطراب واختلاف في الروايات الواردة في ذيل سورة واحدة. وفي النهاية، على فرض صحة هذه الروايات، يمكن القول على الأكثر إن معظمها يمثل اجتهادًا وتطبيقًا من الراوي على آيات القرآن.
المقدمة
في خضم الأحداث المليئة بالتقلبات في تاريخ الإسلام، نزل القرآن تدريجيًا، وكان سبب نزول بعض آياته وسوره مرتبطًا بأحداث أو أسئلة كانت تطرأ في المجتمع. تُعد أسباب النزول من المسائل المهمة التي حظيت باهتمام العلماء والمفكرين منذ القدم، وقد ذكروا لها فوائد عدة، منها: معرفة حكمة وتشريع الأحكام، ودفع توهم الحصر، وتخصيص الحكم بمورد سبب النزول، والمساعدة على الفهم الصحيح للآية، ومنع الاستنباطات الخاطئة من الآية، ومعرفة المبهمات، وتسهيل حفظ الآيات وتيسير فهمها (راجع: السيوطي، 1421هـ، 1/ 120-122؛ الزرقاني، 1/ 102-106). في المجامع الروائية وكتب التفسير وأسباب النزول، وردت روايات أسباب النزول للعديد من الآيات والسور. ويرى كثير من محققي العلوم الإسلامية أن السبيل الوحيد للوصول إلى علم أسباب النزول هو النقل والرواية، وأن أسباب النزول هي مجرد تقرير من الرواة الذين شهدوا النزول، ولا مجال للاجتهاد والاستنباط في هذا الأمر. لذا، فقد وضعوا حيز الاستنباط والاجتهاد في مقابل الروايات، وقدموا الروايات عليه (پیروزفر، 1384، 50). ولكن بما أن أسباب النزول ذات طبيعة روائية، فإنها كغيرها من الروايات، ليست كل المنقولات فيها صحيحة؛ لذا، فقد دفع ذلك الباحثين في القرآن والعلماء – خاصة في العصر الحاضر – إلى إلقاء نظرة أعمق عليها وتحليلها وتقييمها من زوايا وجوانب مختلفة، سندية ومحتوائية. ونظرًا لأن روايات سبب النزول، شأنها شأن سائر الروايات، لم تُدوَّن لما يقرب من قرن، وكانت تُنقل شفويًا، فقد ظهرت في روايات أسباب النزول خمسة عيوب واضحة نتيجة للنقل الشفوي، أو بسبب التعمد أو السهو من الرواة، وهي: 1. الوضع، 2. التحريف، 3. النقل بالمعنى غير الصواب، 4. التطبيق في غير محله، 5. التعارض. (نکونام، 1380، 151-152) لذلك، فإن نقد ودراسة روايات أسباب النزول، بمنهج سندي ومتني، هو أمر يستحق التحقيق والبحث، ولم يجرَ حتى الآن تحقيق كافٍ ووافٍ في هذا المجال. ولكن بما أن دراسة ونقد جميع روايات أسباب النزول يتطلب مجالًا واسعًا، فقد تم في هذا البحث دراسة وتقييم روايات أسباب النزول في سور الجزء 30 من القرآن الكريم؛ ولكن نظرًا لمحدودية المقالات، سيُقدَّم ثلثها فقط. لذا، يركز هذا البحث على السور الاثنتي عشرة الأولى من الجزء 30 – التي تشتمل على روايات كثيرة في هذا الموضوع. السور الـ12 الأولى من الجزء 30 من القرآن هي: النبأ، النازعات، عبس، التكوير، الانفطار، المطففين، الانشقاق، البروج، الطارق، الأعلى، الغاشية، والفجر. في هذا البحث، وباستخدام المنهج الوصفي التحليلي، تم جمع روايات أسباب نزول السور الـ12 الأولى من الجزء 30 من القرآن؛ وبالبحث في كتب التفسير وأسباب النزول، لم يُعثر على رواية لسبب النزول إلا لتسع سور فقط، وهي: النبأ، النازعات، عبس، التكوير، المطففين، الطارق، الأعلى، الغاشية، والفجر. في هذا المقال، تم أولاً جمع روايات أسباب النزول من مصادر التفسير والعلوم القرآنية وكتب أسباب النزول، وتُذكر تحت السور والآيات المتعلقة بها. في المرحلة الثانية، تُدرس الروايات واحدة تلو الأخرى، بترتيبها من بداية الجزء 30، أولاً من ناحية السند من خلال المجامع الرجالية للفريقين، ثم تُحلل وتُقيّم من ناحية المتن. يتم تقييم السند بناءً على معايير المصادر الدراية والرجالية المعتبرة لدى الفريقين، وفي التقييم المحتوائي، سيكون مبنى العلامة الطباطبائي هو المعيار؛ ومعياره هو عرض الرواية على القرآن وموافقتها له: «سبب النزول الذي يرد في ذيل آية، إذا لم يكن متواترًا أو خبرًا قطعي الصدور، يجب عرضه على الآية موضوع البحث، وفقط إذا كان مضمون الآية والقرائن المحيطة بها متوافقًا معه، يُعتمد على سبب النزول المذكور، وفي النهاية يجب تأييد وتصديق الرواية بالآية، لا أن توضع الآية تحت سلطة الرواية». (الطباطبائي، 1353، 92)
١. النبأ
لهذه السورة، نُقلت روايتان في سبب نزول الآيتين الأوليين:
1. قال مقاتل: كان رسول الله (ص) كلما أخبر قريشًا بخبر أو قص عليهم شيئًا من أخبار الأمم السابقة، أو وعظهم ونصحهم، سخروا منه؛ فنهى الله نبيه (ص) عن محادثتهم بالآية «وَ قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَ يُسْتَهْزَأُ بِها» إلى «حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ» (النساء: 140)؛ وبعد ذلك، كان رسول الله (ص) إذا وعظ أصحابه أو أخبرهم بأخبار الأمم السابقة، ودخل المشركون، امتنع عن الحديث. فقال المشركون: يا محمد، أقسم بالله إن كلامك عجيب، ونحن نرغب جدًا في سماع كلامك وحديثك. فقال النبي (ص): لقد نهاني الله أن أحدثكم أو أخبركم بشيء. ثم نزلت آية «عَمَّ يَتَساءَلُونَ، عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ». (مقاتل، 1423: 4/ 557؛ الطوسي، بي تا، 10/ 238)
2. نُقل عن الحسن البصري: عندما بُعث رسول الله (ص)، بدأ الناس يتساءلون عنه، فنزلت آية «عَمَّ يَتَساءَلُونَ، عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ». (الطبري، 1412هـ، 30/ 2؛ ابن أبي حاتم، 1371، 10/ 3394)
أ. دراسة السند
الرواية الأولى مرسلة وضعيفة، لأنها وردت في تفسير مقاتل بدون سند، وقد أوردها الشيخ الطوسي أيضًا بدون ذكر سند وباستخدام لفظ «قيل» الذي يشير إلى القول الضعيف. أما الرواية الثانية، فقد نقلها الطبري بسنده عن الحسن البصري، وهو تابعي ولم يصل إلى الصحابي الذي شهد نزول الآية، لذا تُعتبر الرواية مرسلة، بالإضافة إلى أن مرسلات الحسن البصري لا تُعتبر حجة. (المزي، 1413هـ، 6/ 126)
ب. دراسة المتن
فيما يتعلق بالرواية الأولى، أولاً؛ جاء في متن الرواية أن آيات سورة النبأ نزلت بعد نزول الآية 140 من سورة النساء؛ لذا، فإن قبول سبب النزول هذا يستلزم قبول افتراض خاطئ وهو أن سورة النبأ مدنية؛ بينما هي، حسب قول المفسرين، من السور المكية (الطوسي، بي تا، 10/ 237؛ فخر الرازي، 1420هـ، 31/ 5)، وأيضًا بالنظر إلى سياق الآيات التي تخاطب مشركي مكة (الطباطبائي، 1417هـ، 20/ 159)، وبالنظر إلى قرائن أخرى موجودة مثل قصر الآيات وإيجازها، ووجود لفظ «كلا» في السورة، ووصف الجنة والنار، وشدة التعبير المستخدم في الآيات، فإن كون السورة مكية يترجح. ثانيًا؛ الرواية المذكورة لا تتوافق مع مفهوم الآيات، إذ لم يأت في متن الرواية ذكر للتساؤل العام عن الخبر العظيم والاختلاف فيه. أما فيما يتعلق بالرواية الثانية، أولاً؛ جاء في متن الرواية «عندما بُعث النبي (ص) تساءل الناس عنه، ثم نزلت الآيات المذكورة»؛ لذا، يمكن استنتاج من هذه الرواية أن هذه التساؤلات طُرحت في أوائل البعثة، ولكن قبول هذه الرواية يستلزم أن تكون سورة النبأ من أوائل السور النازلة؛ بينما هي السورة الثمانون التي نزلت في السنة السادسة للبعثة. (نکونام، 1380، 308) ثانيًا؛ في هذه الرواية، لم يُذكر أي اختلاف بين السائلين، بينما جاء في الآية الثالثة من السورة: «الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ». ثالثًا؛ إذا كان المخاطبون هم المشركين، فيجب القول إنهم كانوا متفقين على إنكار النبي (ص) والله، لا مختلفين في القول. يكتب العلامة الطباطبائي: المراد بـ«النَّبَإِ الْعَظِيمِ» هو خبر البعث والقيامة، الذي في السور المكية، وخاصة السور التي نزلت في أوائل البعثة، ويؤيد هذا المعنى سياق آيات هذه السورة التي لم تتناول سوى مسألة القيامة، وأوصاف يوم الفصل، والاستدلال على حقيقتها وواقعها. (الطباطبائي، 1417هـ، 20/ 159)
٢. النازعات
في ذيل الآية 12 من سورة النازعات، وردت رواية واحدة لسبب النزول، وفي ذيل الآيات الأخيرة من هذه السورة، ورد سببان للنزول من خلال ثلاثة طرق.
٢. ١. الآية ١٢
قال محمد بن كعب: عندما نزلت آية «أَ إِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ» (النازعات: 10)، قال كفار قريش: لو أننا بُعثنا بعد الموت، لكنا بالتأكيد في خسران. ثم نزلت آية «قالُوا تِلْكَ إِذا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ». (السيوطي، بي تا، 226)
أ. دراسة السند
هذه الرواية نقلها سعيد بن منصور بدون ذكر سند وبصورة مرسلة عن محمد بن كعب.
ب. دراسة المتن
هذه السورة نزلت دفعة واحدة وبشكل متكامل، وليست أجزاءً متفرقة (دروزة، 1383، 5/ 410)؛ لذا، لا يمكن القبول بأن سورة النازعات نزلت حتى الآية الحادية عشرة ثم توقفت، وأن الآية الثانية عشرة نزلت بعد كلام المشركين، ثم نزلت الآيات التالية بعدها.
٢. ٢. الآيات ٤٢-٤٤
روايات سبب نزول الآيات الأخيرة من سورة النازعات وردت من ثلاثة طرق، ويمكن تقسيمها إلى تقريرين:
1. ينقل إسحاق بن راهويه بسنده عن عائشة: كان يُسأل النبي (ص) كثيرًا عن يوم القيامة حتى نزلت الآيات «فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكراها إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها»، وبعدها لم يُسأل رسول الله (ص) عنه. (ابن راهويه، 1412هـ، 2/ 270) هذه الرواية نقلها الشافعي (الشافعي، بي تا، 241) وعبد الرزاق الصنعاني (الصنعاني، 1410هـ، 3/ 347) بنفس السند، ولكن بحذف عائشة، عن عروة. يصحح الحاكم هذا الحديث ويقول: «كان ابن عيينة في أواخر عمره يروي هذا الحديث مرسلاً» (الحاكم، 1411هـ، 1/ 46). وقد نقل الطبري رواية مشابهة بسنده عن طارق بن شهاب.
2. روي عن ابن عباس: أن مشركي مكة سألوا النبي (ص) باستهزاء وسخرية عن وقت قيام الساعة؛ فنزلت آية «يَسَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيانَ مُرْسَنهَا». (القرطبي، 1405هـ، 19/ 209)
أ. دراسة السند
بشأن رواية عائشة، يجب القول إن في سندها عروة بن الزبير، وهو من الذين كانوا يضعون الحديث بأمر معاوية (ابن أبي الحديد، بي تا، 4/ 63-64). وسفيان بن عيينة، الراوي الآخر لهذا الحديث، نُسب إليه التدليس في الأسانيد (الذهبي، 1382، 2/ 170). بالإضافة إلى ذلك، توفيت عائشة عام 58 هـ عن عمر 66 عامًا (ابن سعد، بي تا، 8/ 78). لذا، فإن رواياتها في باب أسباب النزول المتعلقة بالسور المكية غير مقبولة، لأنها في تلك الفترة إما لم تكن موجودة أو كانت طفلة غير بالغة. وبناءً على ذلك، كانت عائشة عند نزول آيات هذه السورة طفلة في الثامنة من عمرها وغير بالغة، ولم تكن لديها شروط تحمل ونقل الحديث لعدم بلوغها؛ لأن سورة النازعات من آخر السور المكية وقد نزلت في السنة الثالثة عشرة للبعثة (آل غازي، 1382، 4/ 417؛ نكونام، 1380، 308). أما في سند رواية طارق بن شهاب، فيوجد إسماعيل بن أبي خالد البجلي الأحمسي الذي نُسب إليه التدليس (ابن حجر، 1415هـ، 28)، كما أن طارق بن شهاب من التابعين، فالرواية مرسلة. وفي سند رواية ابن عباس، يوجد الضحاك بن مزاحم الهلالي، وهو يروي هذا الحديث عن ابن عباس بلا واسطة، بينما لم يلتقِ ابن عباس (ابن أبي حاتم، 1371، 4/ 458-459؛ المزي، 1413هـ، 13/ 293-294). وقد ضعّف البعض الضحاك أيضًا (المزي، 1413هـ، 13/ 294). وجويبر بن سعيد الأزدي راوٍ آخر تم تضعيفه (البخاري، 1406هـ، 31؛ العقيلي، 1418هـ، 1/ 205؛ المزي، 1413هـ، 5/ 170). بالإضافة إلى هذه الإشكالات، كان ابن عباس عند وفاة النبي (ص) يبلغ من العمر 13 أو 15 عامًا (المزي، 1413هـ، 15/ 161)، وبناءً عليه، لم يكن عند نزول الآيات قد وُلد بعد، أو كان طفلاً غير بالغ.
ب. دراسة المتن
أولاً، جاء في متن الرواية الأولى أنه بعد نزول هذه الآيات لم يُسأل النبي (ص) مرة أخرى، بينما في الآية 63 من سورة الأحزاب المدنية، سُئل النبي (ص) عن يوم القيامة. ثانيًا، بالتدقيق في متن الروايتين الأولى والثانية، يمكن استنتاج أن أسباب النزول التي وردت لهذه الآيات لا تتوافق مع سياقها، لأن حاصل الروايات هو أن الآية جاءت جوابًا على سؤال الناس، بينما سياق الآية لا يفيد ذلك (الطباطبائي، 1417هـ، 20/ 198). ثالثًا، إن نظم السورة وارتباط آياتها يدل على أن سورة النازعات نزلت دفعة واحدة وبشكل متكامل (دروزة، 1383، 5/ 410)، بينما هذه الروايات لا تذكر سوى سبب نزول الآيات الختامية للسورة.
٣. عبس ١-١٠
الروايات تذكر أن سبب نزول سورة عبس وهذه الآيات هو النبي (ص): كان النبي (ص) يومًا جالسًا مع جماعة من سادات قريش يتحدث معهم. وفي تلك الأثناء، دخل عبد الله بن أم مكتوم، وهو رجل أعمى، وقال عند دخوله: يا رسول الله، علمني مما علمك الله. ودون أن ينتبه إلى أن النبي (ص) مشغول بالحديث ومنصرف إلى آخرين، كرر كلامه بصوت عالٍ وقاطع حديث رسول الله (ص) حتى ظهر أثر الاستياء على وجهه، وفكر في نفسه أن هؤلاء العظماء من قريش سيقولون الآن إن أتباع محمد هم من العميان والفقراء والعبيد. لذا، عبس النبي (ص) وأعرض عنه إلى القرشيين، وواصل حديثه. عاد ابن أم مكتوم بحزن وأسى. إثر ذلك، نزلت آيات «عَبَسَ وَ تَوَلَّى، أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى»، وعوتب النبي (ص) على إعراضه عن ابن أم مكتوم. وردت هذه الرواية من ستة طرق: 1. عائشة، 2. ابن عباس، 3. قتادة، 4. مجاهد، 5. الضحاك، 6. ابن زيد.
1. قالت عائشة: نزلت سورة عبس في ابن أم مكتوم الأعمى، عندما جاء إلى النبي (ص) وقال: يا رسول الله، أرشدني إلى الصراط المستقيم لأفلح. وفي تلك الحال، كان أحد كبار قريش جالسًا عند النبي (ص)، فأعرض النبي (ص) عن ابن أم مكتوم، وتوجه إلى ذلك الكبير وقال: ألا تدرك أهمية وقوة كلامي؟ فقال ذلك الغافل بلامبالاة وغفلة: لا. فأنزل الله آية «عَبَسَ وَ تَوَلَّى» (الترمذي، 1403، 5/ 103-104؛ الحاكم، 1411هـ، 2/ 514). ويضيف الترمذي والحاكم أن البعض روى هذا الحديث عن هشام بن عروة عن عروة بدون ذكر عائشة (نفس المصدر). كما روى ابن مردويه والسيوطي عن عائشة رواية مشابهة؛ الأول بواسطة مسروق عن عائشة، والثاني بواسطة ابن المنذر (السيوطي، 1404هـ، 6/ 314).
2. قال ابن عباس: كان النبي (ص) يومًا يتحدث مع عتبة بن ربيعة وأبي جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب، ويدعوهم إلى الله، وكان يسعى جاهدًا على أمل أن يسلموا. جاء رجل أعمى اسمه عبد الله بن أم مكتوم، وبينما كان النبي (ص) مشغولًا بإرشادهم، طلب منه أن يقرأ عليه آية من القرآن، ثم قال: يا رسول الله (ص)، علمني مما علمك الله. فأعرض عنه النبي (ص) وعبس في وجهه وتضايق من كلامه. لذا، توجه إلى القرشيين وواصل حديثه. حينها نزلت آيات «عَبَسَ وَ تَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمَى وَ ما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى». وبعد نزول هذه الآيات، كان النبي (ص) كلما رآه، بالغ في إكرامه (ابن أبي حاتم، 1371، 10/ 3399). وقد نقل ابن جرير هذه الرواية عن عطية العوفي عن ابن عباس (الطبري، 1412هـ، 30/ 32).
3. قال قتادة: جاء ابن أم مكتوم إلى النبي (ص) بينما كان يتحدث مع أبي بن خلف؛ فأعرض عن ابن أم مكتوم. وفي تلك اللحظة نزلت آيات «عَبَسَ وَ تَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى». وبعد ذلك، كان النبي (ص) يكرمه (الصنعاني، 1410هـ، 3/ 348). وقد نقل ابن جرير هذه الرواية بسند آخر عن قتادة (الطبري، 1412هـ، 30/ 32). ويعتقد ابن كثير أن قتادة نقل هذه الرواية عن أنس (ابن كثير، 1419هـ، 8/ 320).
4. نقل مجاهد: أن النبي (ص) اختلى بأحد كبراء قريش يدعوه إلى الله، وكان يأمل أن يسلم. وفي تلك الأثناء، دخل ابن أم مكتوم الأعمى. فلما رآه رسول الله (ص)، ظهرت على وجهه علامات الكراهة، وقال في نفسه: سيقول القرشيون إن أتباعه كلهم من العميان والفقراء والعبيد، فعبس. فنزلت آية «عَبَسَ وَ تَوَلَّى» إلى آخر الآيات (السيوطي، 1404هـ، 6/ 317).
5. قال الضحاك: كان النبي (ص) يسعى لدعوة رجل من مشركي قريش كان ذا ثروة كبيرة إلى الإسلام. وفي تلك الحال، دخل عبد الله بن أم مكتوم، وهو رجل أعمى من الأنصار، وبدأ يسأل. فتضايق النبي (ص) منه وأعرض عنه وتوجه إلى الثري. فوعظ الله رسوله. ثم أكرمه رسول الله (ص) (الطبري، 1412هـ، 30/ 33). وقد نقل ابن سعد رواية مشابهة عن يزيد بن هارون عن جويبر عن الضحاك (الزيلعي، 1414هـ، 4/ 157).
6. قال ابن زيد: سألته عن آية «عَبَسَ وَ تَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى»، فأجاب: جاء ابن أم مكتوم إلى النبي (ص) وهو أعمى وكان له دليل مبصر. فأشار رسول الله (ص) إلى دليله أن يمسكه، لكن ابن أم مكتوم كان يمانع وهو لا يرى، حتى تضايق رسول الله (ص). فعاتبه الله على هذا الفعل، فقال: «عَبَسَ وَ تَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى وَ ما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى» إلى آية «فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى» (الطبري، 1412هـ، 30/ 33).
أ. دراسة السند
1. في روايات عائشة، بالإضافة إلى عروة بن الزبير الذي مر الكلام عن ضعفه، فإن هشام بن عروة متهم بالتدليس (ابن حجر، 1415هـ، 2/ 267)، وقد وصفوه بالكذاب (المزي، 1413هـ، 24/ 415). وفي سند رواية مسروق، يوجد أحمد بن بشير القرشي المخزومي، وقد ضعفه النسائي والدارقطني في الحديث (نفس المصدر، 1/ 275). بالإضافة إلى ذلك، وكما مر، فإن روايات عائشة عن سبب نزول السور المكية غير مقبولة، فسورة عبس نزلت في السنة الثانية للبعثة بعد سورة النجم (الزمخشري، 1407هـ، 4/ 700؛ نكونام، 1380، 308).
2. في رواية ابن عباس، أولًا عطية بن سعد بن جنادة العوفي ضعفه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وأبو زرعة وأبو حاتم والدارقطني والنسائي وغيرهم من كبار المحدثين (المزي، 1413هـ، 20/ 147-148). والراوي الآخر حسن بن عطية العوفي مجروح أيضًا (نفس المصدر، 6/ 211؛ ابن حبان، بي تا، 1/ 234). وحسين بن حسن بن عطية الراوي الثالث ضعيف (الذهبي، 1382، 1/ 532). ومحمد بن سعد بن محمد بن الحسن بن عطية العوفي الراوي الرابع ضعيف (نفس المصدر، 3/ 560). ثانيًا، عبد الله بن عباس – كما مر – لم يكن حاضرًا عند نزول السور المكية.
3. في رواية قتادة، أولًا في سندها سعيد بن أبي عروبة الذي أصابه الاختلاط في آخر عشر سنوات من عمره (المزي، 1413هـ، 11/ 9)، وليس من الواضح ما إذا كان لقاء يزيد بن زريع بسعيد بن أبي عروبة قبل الاختلاط أم بعده. ثانيًا، كان قتادة مشهورًا بالتدليس (ابن حجر، 1415هـ، 43)، وهو من التابعين (المزي، 1413هـ، 23/ 517)، ولا يمكنه أن يكون شاهدًا على نزول الآيات. وعلى فرض قبول كلام ابن كثير بنقل الرواية عن أنس بن مالك، يجب القول إنه عندما حضر عند النبي (ص) في المدينة كان طفلًا في العاشرة، وعند وفاته كان عمره عشرين عامًا (نفس المصدر، 3/ 363)؛ لذا، لم يكن قد وُلد عند نزول سورة عبس. ووفقًا لرواية عن الإمام الصادق (ع)، كان أنس أحد ثلاثة كانوا يكذبون على النبي (ص). بالإضافة إلى ذلك، لم يكن أبو حنيفة يعتبر الصحابة مثل أنس وأبي هريرة «عدولًا» (ابن أبي الحديد، بي تا، 4/ 68).
4. رواية مجاهد فاقدة للسند، وهو أيضًا من التابعين.
5. في رواية الضحاك، الضحاك بن مزاحم الهلالي والراوي الآخر جويبر بن سعيد الأزدي – كما مر – ضعيفان، بالإضافة إلى أن الضحاك من التابعين ولا يمكنه أن يكون شاهدًا على النزول.
6. في رواية ابن زيد، أولًا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعفه كبار محدثي أهل السنة (المزي، 1413هـ، 17/ 117-118). ثانيًا، توفي عام 182 هـ وهو من أتباع التابعين، لذا فروايته مرسلة (نفس المصدر).
ب. دراسة المتن
أولًا، الروايات مضطربة؛ ففي متونها – التي تُنقل أحيانًا من شخص واحد عدة روايات – توجد اختلافات، مثلًا فيما يتعلق بالأشخاص الذين كانوا عند رسول الله، ففي رواية لعائشة جاء: «عند رسول الله رجل من عظماء المشركين»، وفي أخرى: «في مجلس فيه ناس من وجوه قريش منهم أبو جهل، وعتبة بن ربيعة»، وفي ثالثة: «عنده عتبة وشيبة». وفي رواية ابن عباس: «عتبة بن ربيعة وأبو جهل بن هشام وعباس بن عبد المطلب». وفي رواية قتادة: «أبي بن خلف». وفي رواية مجاهد: «صنديد من صناديد قريش». وفي رواية الضحاك: «رجل من مشركي قريش كثير المال». وفي رواية ابن زيد لم يُشر إلى مخاطب النبي (ص). وكذلك فيما يتعلق بسؤال ابن أم مكتوم وحتى كلام النبي (ص) معه ومع المشركين، ومجريات الحادثة، لا توجد أقوال متطابقة. بالإضافة إلى ذلك، في رواية الضحاك، ابن أم مكتوم رجل من الأنصار، بينما سورة عبس مكية، وعند نزولها لم يكن لمصطلح الأنصار والمهاجرين معناه الاصطلاحي. وكذلك في رواية ابن زيد، ذُكر دليل لابن أم مكتوم، بينما لم يُشر إليه في أي من الروايات الأخرى.
ثانيًا؛ من وجهة نظر العلامة الطباطبائي، الآيات ليس لها ظهور في دلالتها على النبي (ص)، وهي مجرد خبر لم يصرح بالمخبر عنه، بل المراد حسب الآيات غير النبي؛ لأن النبي (ص) لم يكن عابسًا مع أعدائه المخالفين، فكيف يكون مع المؤمنين طالبي الهداية؟ كيف يمكن أن يمدحه الله بشكل مطلق بخلق عظيم «وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» (القلم، 4) – التي نزلت قبل سورة عبس – ثم يعاتبه ويوبخه بسبب اهتمامه بالأثرياء – مع كفرهم – وإهماله للمحتاجين – مع إيمانهم ورغبتهم في الهداية. (الطباطبائي، 1417هـ، 20/ 203)
ثالثًا؛ قال الله قبل نزول سورة عبس، في الآية 29 من سورة النجم للنبي (ص): «فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَ لَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا». فلو كانت الآيات الأولى من سورة عبس تتعلق بالنبي (ص)، لكان في هذه الحالة لم يعمل بأمر الآية 29 من سورة النجم، وهذا يتنافى مع عصمة الأنبياء.
رابعًا؛ رُوي عن الإمام الصادق (ع) أن الآيات نزلت في رجل من بني أمية كان جالسًا عند النبي (ص)، فدخل ابن أم مكتوم وجلس بجانبه، فلما رآه ذلك الأموي، ابتعد عنه، وجمع نفسه، وعبس في وجهه، وأعرض، فوبخه الله سبحانه على هذا الفعل. (الطبرسي، 1372، 10/ 664)
٤. التكوير
في ذيل الآية 29 من سورة التكوير، وردت رواية بعدة طرق تذكر أن أبا جهل هو شأن نزولها. نقل سليمان بن موسى عن القاسم بن مخيمرة: عندما أنزل الله آية «لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ» (التكوير: 28)، قال أبو جهل: هذا الأمر باختيارنا، إن شئنا اتبعنا الطريق المستقيم وإن لم نشأ لم نتبعه. فنزلت آية «وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ» (التكوير: 29). (الصنعاني، 1410هـ، 3/ 353). وقد روى الطبري هذه الرواية بثلاثة طرق عن سليمان بن موسى (الطبري، 1412هـ، 30/ 53-54). وروى الثعلبي عن مالك بن سليمان عن بقية عن عمر بن محمد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة (الثعلبي، 1422هـ، 10/ 143-144).
أ. دراسة السند
1. في الطريق الأول، لم يسمع سليمان بن موسى من القاسم بن مخيمرة، ومن المحتمل أن يكون في هذا السند قد صُحّف موسى بن سليمان إلى سليمان بن موسى؛ لأن موسى بن سليمان من رواة حديث مخيمرة، والأوزاعي الذي ورد في هذا السند سمع الحديث من موسى بن سليمان (المزي، 1413هـ، 29/ 74). أما القاسم بن مخيمرة الهمداني فهو من التابعين الذين لم يسمعوا من أي صحابي (نفس المصدر، 23/ 444).
2. طريق سليمان بن موسى أيضًا معلول؛ إذ ضعفه كبار محدثي أهل السنة (راجع: البخاري، 1406هـ، 56؛ المزي، 1413هـ، 12/ 97؛ ابن أبي حاتم، 1371، 4/ 142؛ ابن حجر، 1415هـ، 1/ 393)، بالإضافة إلى أنه من التابعين ولا يمكنه أن يكون من شهود نزول الآية.
3. أبو هريرة لم يكن شاهدًا على نزول هذه الآيات؛ لأنه جاء إلى المدينة وأسلم في السنة السابعة للهجرة بعد فتح خيبر (شرف الدين، بي تا، 20). لذا، فإن روايته بشأن أسباب نزول السور المكية وبعض السور المدنية غير مقبولة. وبناءً عليه، فمن المؤكد أنه لم يكن موجودًا أصلًا في زمن نزول سورة التكوير، التي هي من أوائل السور النازلة في مكة (آل غازي، 1382، 1/ 123؛ نكونام، 1380، 308).
ب. دراسة المتن
سياق آيات سورة التكوير يدل على نزول كل الآيات دفعة واحدة، فمن المستبعد أن تكون الآية 28 قد نزلت في مرة، وأن أبا جهل بعد سماع الآية الثامنة والعشرين فهم فهمًا خاطئًا، ثم نزلت الآية الختامية لرفع ذلك الفهم، لأن «لِمَنْ» في آية «لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ» جار ومجرور متعلق بـ«ذكر» في الآية السابقة «إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ».[1]
٥. المطففين
بشأن الآيات الأولى من سورة المطففين والآيات من 29 إلى آخر السورة، وردت روايات في سبب النزول.
١.٥. الآية ١
في ذيل الآيات الأولى من هذه السورة، وردت ثلاث روايات لسبب النزول:
1. قال ابن عباس: عندما قدم رسول الله (ص) المدينة، كان أهلها من أخبث الناس كيلًا، فأنزل الله آية «وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ»، فأحسنوا الكيل بعد ذلك (ابن ماجه، بي تا، 2/ 748). كما نقل أبو الجارود رواية مماثلة عن الإمام الباقر (ع) (القمي، 1367، 2/ 420).
2. قال السدي: في أوائل هجرة النبي (ص)، كان في المدينة رجل يدعى أبو جهينة، له صاعان، يكتال بأحدهما ويُكيل بالآخر، فأنزل الله هذه الآية (الثعلبي، 1422هـ، 10/ 150).
3. في المدينة، كان التجار يطففون في الكيل، وكانت معاملاتهم على شكل قمار (عن طريق القرعة بالحصى واللمس والمخاطرة)، فنزلت هذه الآية، وذهب النبي (ص) إلى السوق وتلا الآيات (نفس المصدر، 10/ 150).
أ. دراسة السند
1. رواية ابن عباس ضعيفة بسبب وجود عكرمة، لأن الصحابة والتابعين وكبار العامة ضعفوه واتهموه بالكذب (المزي، 1413هـ، 20/ 277-299)، وكان على مذهب الخوارج (نفس المصدر)، وكان يكذب على مولاه ابن عباس (نفس المصدر، 280)، وقد وصفه ابن عباس بالخبيث (نفس المصدر، 277). بالإضافة إلى ذلك، سورة المطففين هي آخر سورة مكية ونزلت في السنة 13 للبعثة (دروزة، 1383، 5/ 507؛ نكونام، 1380، 308)، وابن عباس – كما مر في ذيل سورة النازعات – لم يكن بإمكانه أن يشهد نزول السور المكية. ورواية أبي الجارود ضعيفة أيضًا بسبب الجرح الشديد فيه (راجع: الكشي، 1348، 229-230).
2. فيما يتعلق برواية السدي، أولًا ضعفه كبار محدثي أهل السنة (راجع: المزي، 1413هـ، 3/ 135-137). ثانيًا، كان من التابعين ولا يمكنه أن يشهد نزول سورة المطففين.
3. الرواية الثالثة ذُكرت بدون سند.
ب. دراسة المتن
أولًا، تشير متون الروايات إلى أن سورة المطففين مدنية، بينما هي آخر سورة مكية ونزلت قبل دخول النبي (ص) إلى المدينة (آل غازي، 1382، 4/ 511). كما يدل أسلوب السورة على كونها مكية (دروزة، 1383، 5/ 509). ثانيًا، في التقرير الثالث، أشير إلى نفي المعاملات التي هي من قبيل القمار، بينما محتوى الآيات يشير فقط إلى التطفيف في الكيل والميزان. بالإضافة إلى ذلك، وفقًا للآية 219 من سورة البقرة، تم بيان مسألة حرمة القمار بعد سؤال الناس: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ…». ثالثًا، الاختلاف في محتوى روايات سبب النزول يدل على اضطراب في الحديث.
٥. ٢. الآيات ٢٩ إلى نهاية السورة
1. ينقل ابن عباس أن الآية 29 نزلت في أمير المؤمنين علي (ع)، عندما جاء مع جماعة إلى رسول الله (ص)؛ فرآهم جماعة من المشركين فبدأوا يضحكون ورجعوا إلى أصحابهم وأقرانهم وقالوا: رأينا الأصلع (يعني عليًا (ع)) وضحكنا عليه. فقبل أن يحضر علي (ع) مع أصحابه عند النبي (ص)، نزلت آية «إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ» (المطففين: 29) (الحسكاني، 1411هـ، 2/ 428). وقد روى الكلبي هذه الرواية بواسطة أبي صالح، مولى أم هانئ بنت أبي طالب، عن ابن عباس (نفس المصدر، 2/ 427).
2. نُقل عن الإمام الصادق (ع) أن سبب نزول هذه الآية إلى آخر السورة هو استهزاء جماعة من بني أمية والمنافقين بالإمام علي (ع)؛ وذلك أنهم كانوا في البداية يسخرون من الإمام علنًا، وبعد أن نزلت آيات في ذمهم، أصبحوا يتفاهمون أهدافهم الخبيثة بالإشارة والحاجب، فنزلت آية «وَ إِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ» (المطففين: 30) (نفس المصدر، 2/ 426-427). وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن المقصود بـ«إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا» هم كفار قريش، أي أبو جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وغيرهم من مترفي قريش، والمقصود بـ«كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا» هم أصحاب النبي (ص)، أي عمار وخباب وصهيب وبلال والمقداد وسلمان وابن مسعود وغيرهم (الميبدي، 1371، 10/ 419؛ فخر الرازي، 1420هـ، 31/ 94).
أ. دراسة السند
1. في الرواية الأولى لابن عباس، يوجد الضحاك بن مزاحم الذي مر الكلام عن ضعفه. وفي رواية الكلبي عن ابن عباس، يوجد أبو صالح، وقد ضعفه كبار المحدثين ورجال أهل السنة، وقال الكلبي: قال لي أبو صالح: كل حديث حدثتك به فهو كذب (المزي، 1413هـ، 7/ 4). بالإضافة إلى ذلك، وكما مر، فإن إمكانية رواية ابن عباس المباشرة منتفية.
2. في سند رواية الإمام الصادق (ع)، ضعّف ابن الغضائري والعلامة الحلي عبد الرحمن بن سالم (ابن الغضائري، 1364، 1/ 74؛ الحلي، 1411هـ، 239)، وضعّف الشيخ الطوسي محمد بن عيسى بن عبيد (الطوسي، 1381، 391، 448؛ الطوسي، بي تا، 402).
ب. دراسة المتن
أولًا، بالنظر إلى أن سورة المطففين نزلت دفعة واحدة وبشكل متكامل، لا يمكن القبول بأن الآيات المذكورة لها سبب نزول خاص، وأن هذه السورة نزلت على أجزاء متفرقة. ثانيًا، بالتدقيق في مجيء الفعلين «كانوا» و«يضحكون» معًا في الآية 29، مما يدل على الماضي المستمر، وبالنظر إلى مجيء الفعل المضارع «يضحكون» في الآية 34 من هذه السورة «فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ»، يمكن فهم هذه الحقيقة، وهي أنه في مشهد القيامة ويوم الحساب، يضحك المؤمنون على مصير ومكانة الكفار – وهذا بحد ذاته عذاب لهم – لأن السيرة المستمرة للمجرمين والكفار في الدنيا كانت الاستهزاء بالمؤمنين والسخرية من إيمانهم بالله. لذا، لو كان سبب نزول الآية هو استهزاء لمرة واحدة فقط، لكان ينبغي ذكر الفعل «ضحكوا» بدلًا من الفعلين «كانوا» و«يضحكون» في الآية 29. ويبدو أن هذه الروايات هي من باب الجري والتطبيق، وليست سبب نزول.
٦. الطارق
في ذيل الآيات الأولى من سورة الطارق والآية 5، وردت روايتان لسبب النزول بشكل منفصل.
١.٦. الآيات ١-٣
قال الكلبي: في ليلة كان أبو طالب مع رسول الله (ص) يأكل خبزًا ولبنًا. ظهر نجم مذنب في السماء واختفى. خاف أبو طالب وقال للنبي: ما هذا المشهد؟ قال النبي: نجم أُلقي من السماء، وهذه علامة من علامات الرب. ثم نزلت آيات «وَ السَّماءِ وَ الطَّارِقِ، وَ ما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ، النَّجْمُ الثَّاقِبُ» (الثعلبي، 1422هـ، 10/ 177).
أ. دراسة السند
بغض النظر عن كون الرواية بدون سند، فإن راويها هو الكلبي، وهو من التابعين ولا يمكنه أن يكون شاهدًا على نزول الآية.
ب. دراسة المتن
رواية سبب النزول المذكورة لا تتطابق مع هدف ومحتوى السورة، ولا يمكن القبول بأن هذه السورة نزلت إثر حادثة ما، لأن، أولًا، لا توجد في الآيات دلالة تؤيد ذلك. ثانيًا، سياق العديد من سور القرآن مثل البروج والبلد والشمس والتين والعصر هو أن الآيات تبدأ بقسم بمخلوقات الله، ثم يُذكر بعدها أمر مهم، دون أن يكون لها سبب نزول خاص.
٢.٦. الآية ٥
عن عكرمة في آية «فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ» (الطارق: 5)، رُوي أن مراد الآية هو أبو الأشدين الذي كان يقف على جلد ويقول: يا قريش! من استطاع أن يزيلني عن هذا الجلد فله كذا وكذا من الجزاء، وكان يقول: يدعي محمد أن خزنة جهنم تسعة عشر؛ أنا وحدي أكفيكم شر عشرة منهم، وأنتم اكفوني شر تسعة منهم (السيوطي، 1404هـ، 6/ 336).
أ. دراسة السند
الرواية منقولة عن عكرمة، وقد مر الكلام عن ضعف رواياته، بالإضافة إلى أن عكرمة من التابعين.
ب. دراسة المتن
أولًا، لا يوجد ارتباط كبير بين محتوى الرواية ومضمون الآية ليمكن تطبيق الآية على القصة المذكورة. ثانيًا، التعبير المستخدم في الرواية لنزول الآية لا يصرح بأن الآية نزلت مباشرة بعد وقوع الحادثة، بل يدل على بيان مصداق. ثالثًا، لم يُذكر في أي مكان أن هذه السورة نزلت مجزأة في قسمين. رابعًا، هذه الرواية وردت في ذيل الآيتين 5 و6 من سورة البلد أيضًا (المحقق، 1361، 862)، وهي لا تتطابق مع تلك الآيات أيضًا، وهذا بحد ذاته دليل على أن الرواة قد حملوا القصة المذكورة على الآيات وطبقوها عليها.
٧. سورة الأعلى
في ذيل آيات هذه السورة، توجد عدة روايات لسبب النزول، منها روايتان في ذيل الآية الأولى ورواية في ذيل الآية 6.
١.٧. الآية ١
1. قال ابن مسعود: عرض علي (ع) على رسول الله (ص) فقال: يا رسول الله، ماذا أقول في سجودي؟ فنزلت آية «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى» (الأعلى، 1)، ثم عرض فقال: يا رسول الله، ماذا أقول في ركوعي؟ فنزلت آية «فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ» (الواقعة: 74، 96؛ الحاقة: 52) (ابن شهر آشوب، 1376، 1/ 298).
2. يروي مجاهد في تفسيره بسنده، والطبراني في كتاب الدعاء بسند آخر عن أبي هريرة: قلنا لرسول الله (ص): ماذا نقول في سجودنا؟ فأنزل الله تعالى آية «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى»، فقال لنا النبي (ص) أن نقول في سجودنا: «سبحان ربي الأعلى» (مجاهد، بي تا، 2/ 751؛ الطبراني، 1413، 191).
أ. دراسة السند
الرواية الأولى نقلها ابن شهر آشوب بدون ذكر سند عن ابن مسعود، لذا فهي مرسلة وضعيفة. وفي الرواية الثانية في سند مجاهد والطبراني، يوجد «زيد بن الحواري العمي» الذي ضُعّف في كتب الرجال (المزي، 1413هـ، 10/ 58-59). وكذلك «محمد بن الفضل بن عطية العبسي» في سند مجاهد متهم بالكذب والوضع (نفس المصدر، 26/ 282-284). و«سلام بن سلم» أو «سلام الطويل» من رواة سند الطبراني مطعون فيه من قبل كثير من كبار المحدثين ورجال أهل السنة (نفس المصدر، 12/ 278-279). بالإضافة إلى ما سبق، أبو هريرة، كما مر، لا تتوفر فيه شروط نقل روايات أسباب نزول السور المكية، وسورة الأعلى هي من أوائل السور النازلة في مكة (الزمخشري، 1407هـ، 4/ 737؛ دروزة، 1383، 1/ 511).
ب. دراسة المتن
أولًا، سورة الأعلى هي السورة الثامنة التي نزلت على النبي (ص) (راجع: دروزة، 1383، 1/ 511؛ نكونام، 1380، 308). ومن المستبعد جدًا أنه منذ بداية الرسالة حتى نزول سورة الأعلى لم يُذكر شيء عن أذكار الركوع والسجود، لا بتعليم مباشر من النبي (ص) ولا بعد سؤال من الإمام علي (ع)، بل وفقًا للروايات، فإن الصلاة كانت مع البعثة، والإمام علي (ع) الذي كان عمره لا يتجاوز عشر سنوات، أقام مع النبي (ص) أول صلاة (راجع: الكليني، 1407هـ، 8/ 339). ثانيًا، في الرواية الأولى، آية «فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ» التي وردت في سورتي الواقعة (الآيتان 74 و96) والحاقة (الآية 52)، وفي روايات ترتيب النزول، سورة الواقعة هي السورة السادسة والأربعون النازلة، وسورة الحاقة هي السورة الثامنة والسبعون النازلة؛ بينما سورة الأعلى هي السورة الثامنة التي نزلت على النبي (نكونام، 1380، 308). فهذا المطلب مع متن الرواية الأولى التي تقول: بعد نزول ذكر السجود، سألنا ماذا نقرأ في الركوع، ثم نزلت آية «فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ»، لا يتوافق، لأن المسافة بين نزول هذه السور كبيرة. ثالثًا، ظاهر الروايات يدل على أن الآية الأولى فقط من سورة الأعلى نزلت إثر السؤال، بينما السورة كلها أو على الأقل الآيات الأولى منها لها سياق واحد ونزلت دفعة واحدة؛ إذ إن الآيات من الثانية إلى الرابعة «الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى وَ الَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى» تشير إلى صفات «رب الأعلى» بأنه الخالق، المسوي، المقدر، الهادي، والمخرج.
٢.٧. الآية ٦
يروي الطبراني بسنده عن ابن عباس: كلما كان جبريل يأتي بالوحي إلى النبي (ص)، لم يكن قد انتهى بعد، فكان النبي (ص) يكرره خوفًا من أن ينساه. فسأل جبريل: لماذا تفعل ذلك؟ فقال النبي (ص): أخشى أن أنسى. فأنزل الله «سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى». (الطبراني، 1405هـ، 12/ 94). وقد نقل هذه الرواية الثعلبي والبغوي والشوكاني بدون ذكر سند – مرسلة – عن الكلبي ومجاهد (الثعلبي، 1422هـ، 10/ 184؛ البغوي، بي تا، 4/ 476؛ الشوكاني، بي تا، 5/ 424).
أ. دراسة السند
في سند رواية الطبراني، «عمرو بن هاشم، أبو مالك الجنبي الكوفي» مجروح ومضعف (ابن حبان، بي تا، 2/ 77؛ المزي، 1413هـ، 22/ 274). بالإضافة إلى ذلك، جويبر والضحاك موجودان أيضًا في سند هذه الرواية، وكما مر، كلاهما ضعيف.
ب. دراسة المتن
أولًا، وردت هذه الرواية في ذيل الآيات 16-20 من سورة القيامة والآية 114 من سورة طه أيضًا. على فرض أن هذه الآية نزلت بسبب الخوف من النسيان، فما هو سبب نزول آيات سورة القيامة وطه؟ هل كان النبي (ص) لا يزال يخشى النسيان؟ هل لم يطمئن إلى وعد الله، وعصى أمر الله حتى يذكره الله ويعيد نفس المفاهيم بفارق عدة سور؟ ثانيًا، أساسًا لم يكن النبي (ص) يكرر الآيات خوفًا من نسيانها، لأنه كان يتلقى القرآن كله دفعة واحدة. وقد استشهد آية الله جوادي آملي بهذه الآيات لإثبات النزول الدفعي للقرآن وجمع الآيات في اللوح المحفوظ وأم الكتاب، وكتب: «الشاهد على وجود القرآن جمعًا في أم الكتاب آيات يُستفاد منها أن حضرة جبريل (ع) كلما عرض آيات القرآن على رسول الله (ص)، كان الرسول (ص) يعرفها مسبقًا. ظاهر هذه الآيات الشريفة التي تنهى عن الاستعجال في القراءة قبل انتهاء الوحي، هو أن النبي الأكرم (ص) كان يعلم بما سينزل لاحقًا، وإلا لما كان هناك معنى للعجلة في قراءة ما لم ينزل بعد». (جوادي آملي، 1378، 9/ 346).
٨. الغاشية
في ذيل الآية 17 من سورة الغاشية، نُقل عن قتادة: لما ذكر الله نعيم الجنة، تعجب الضالون، فأنزل الله «أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ». (الطبري، 1412هـ، 30/ 105).
أ. دراسة السند
أولًا، في سند الرواية يوجد سعيد بن أبي عروبة الذي مر الكلام عن ضعفه. ثانيًا، راوي هذه الرواية هو قتادة، وكما مر في ذيل سورة عبس، فإنه بالإضافة إلى شهرته بالتدليس، كان من التابعين ولا يمكنه أن يكون شاهدًا على نزول الآيات.
ب. دراسة المتن
أولًا، أسلوب السورة يدل على أنها نزلت دفعة واحدة. وكما يكتب دروزة: أسلوب ومحتوى السورة يقوي القول بأن هذه السورة نزلت دفعة واحدة (دروزة، 1383، 5/ 45). لذا، من المستبعد أن تكون آية في منتصف السورة قد نزلت بسبب نزول خاص. هذا بينما الآيات 18، 19 و20 تتبع سياق الآية 17، وتتحدث عن خلق السماء والجبال والأرض – التي خلقها أعجب بكثير من خلق الإبل. ثانيًا، سورة الغاشية هي السورة الثامنة والستون المكية (نكونام، 1380، 308). قبل هذه السورة، في سور مثل عبس وق وص والواقعة، ذُكرت الجنة، فمن المفترض أن تكون هذه المسألة قد طُرحت من قبل.
٩. الفجر
في ذيل الآية 27 من سورة الفجر، يروي الضحاك عن ابن عباس أن النبي (ص) قال: من يشتري بئر رومة ويجعل دلوه مع دلاء المسلمين، له الجنة. فاشتراها عثمان. فقال له النبي (ص): هل تجعلها سقاية للمسلمين؟ قال: نعم. فأنزل الله آية «يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ» في شأن عثمان. (ابن أبي حاتم، 1371، 10/ 3430).
أ. دراسة السند
في سند هذه الرواية، باستثناء الضحاك وابن عباس، لم يُذكر بقية سلسلة الرواة. بالإضافة إلى ذلك، فإن روايات الضحاك عن ابن عباس ضعيفة، كما مر في ذيل سورة النازعات.
ب. دراسة المتن
أولًا، فصل الآية 27 عن الآيات التالية والادعاء بنزولها منفصلة دون النظر إليها، هو ادعاء غير قابل للإثبات. إن النظر إلى سياق الآيات من 27 إلى 30 من سورة الفجر، يوضح بجلاء هذه الحقيقة، وهي أنه حتى لو كان نزول سورة الفجر دفعة واحدة محل شك، فلا يمكن الشك في نزول هذه الآيات الأربع دفعة واحدة. ثانيًا، سورة الفجر هي السورة العاشرة التي نزلت في مكة (راجع: دروزة، 1383، 5/ 507؛ نكونام، 1380، 308)، و«بئر رومة» هي بئر في وادي المدينة، قيل إن عثمان اشتراها وتصدق بها (راجع: ياقوت الحموي، 1995م، 1/ 299). ثالثًا، تعبير «نزلت هذه الآية في كذا» غالبًا ما يكون لبيان شأن النزول أو الموارد التي ينطبق عليها عموم الآية، أو لذكر مصاديق الآية. لذا، يمكن القول إن تعبير هذه الرواية أيضًا لا يصرح ببيان السبب. وعليه، لا يمكن قبول هذه الروايات كسبب لنزول الآية.[2]
النتيجة
1. بناءً على ما سبق، في السور الاثنتي عشرة الأولى من الجزء الثلاثين من القرآن، وردت روايات أسباب النزول لتسع سور فقط، بمجموع 24 رواية.
2. بغض النظر عن وجود رواة ضعفاء في سلسلة أسانيد هذه الروايات، فإن معظمها ينتهي إلى صحابي لم يكن شاهدًا على نزول الوحي، أو تُنقل عن تابعي، أو هي فاقدة للسند أساسًا.
3. من حيث المتن أيضًا، فإن العديد من الروايات تتعارض مع مفهوم وسياق آيات تلك السورة أو سور أخرى من القرآن، وروايات ترتيب النزول، والتاريخ القطعي، ومع نزول السورة دفعة واحدة، وهي غير متوافقة.
4. الحادثة المروية في بعض هذه الروايات ليست متزامنة مع زمن نزول الآيات، وتوجد فجوة زمنية كبيرة بينها وبين زمن نزول الآيات.
5. في ذيل بعض السور، وردت روايات قصصها تافهة لدرجة أن نزول الآيات بسببها يبدو بعيدًا ومستحيلًا.
6. لبعض الآيات والسور، توجد روايات، بالإضافة إلى أنها مروية عن راوٍ واحد، تعاني من اضطراب واختلاف شديد، وبعض هذه الروايات لا تتوافق مع عصمة ومقام النبي (ص) الرفيع.
7. عدم صراحة تعبير الراوي في ذيل بعض السور، لا يدل على سبب النزول، بل هو في الغالب بيان لمصداق وتفسير للآيات. ومن هذا المنطلق، حتى مع افتراض صحة الروايات، يمكن القول على الأكثر إن معظمها هو اجتهاد وتطبيق من الراوي على آيات القرآن. بناءً على ذلك، لم يُعثر على رواية صحيحة من حيث السند والمتن معًا، وفقط رواية الإمام الصادق (ع) في ذيل سورة عبس، هي المقبولة من حيث المحتوى.
8. مع وجود مثل هذه الآفات، يبدو أن روايات أسباب نزول السور قيد البحث لا تساعد في فهم الآيات فحسب، بل قد تبعد عن الفهم الصحيح للآيات.
المصادر
ابن أبي حاتم، عبد الرحمن بن محمد الرازي، الجرح والتعديل، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1371ش.
همو، تفسير القرآن العظيم، عربستان السعودية، مكتبة نزار مصطفى الباز، 1419هـ.
ابن أبي الحديد، عبد الحميد، شرح نهج البلاغة، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، دار إحياء الكتب العربية، بي تا.
ابن الغضائري، أحمد بن حسين، رجال ابن الغضائري، قم، مؤسسة إسماعيليان، 1364ش.
ابن حبان، أبو حاتم محمد، كتاب المجروحين، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، مكة، دار الباز للنشر والتوزيع، بي تا.
ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني، تقريب التهذيب، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلمية، چاپ دوم، 1415هـ.
همو، طبقات المدلسين، تحقيق: عاصم بن عبد الله القريوتي، الأردن، مكتبة المنار، چاپ أولى، بي تا.
ابن سعد، محمد، الطبقات الكبرى، بيروت، دار صادر، بي تا.
ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب، النجف، المكتبة الحيدرية، 1376ش.
ابن كثير، إسماعيل بن عمرو الدمشقي، تفسير القرآن العظيم، بيروت، دار الكتب العلمية، 1419هـ.
ابن ماجة، محمد بن يزيد القزويني، سنن ابن ماجة، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بي تا.
ابن راهويه، إسحاق، مسند ابن راهويه، تحقيق: حسين برد بلوسي، المدينة، مكتبة الإيمان، چاپ أولى، 1412هـ.
آل غازي، ملاحويش عبد القادر، بيان المعاني، دمشق، مطبعة الترقي، 1382ش.
البخاري، محمد بن إسماعيل، الضعفاء الصغير، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، بيروت، دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع، 1406هـ.
البغوي، أبو محمد حسين بن مسعود الفراء، تفسير البغوي (معالم التنزيل)، تحقيق: خالد عبد الرحمن العك، بيروت، دار المعرفة، بي تا.
البلخي، مقاتل بن سليمان، تفسير مقاتل بن سليمان، بيروت، دار إحياء التراث، 1423هـ.
البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين، شعب الإيمان، تحقيق: محمد السعيد بسيوني زغلول، بيروت، دار الكتب العلمية، چاپ أولى، 1410هـ.
بيروزفر، سهيلا، «حكم روايت صحابه از اسباب نزول»، نشرية علوم قرآن و حديث «علوم حديث»، 1384ش، ش 37، 38.
الترمذي، محمد، سنن الترمذي، تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان، بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، چاپ دوم، 1403هـ.
الثعلبي، أبو إسحاق أحمد بن محمد، تفسير الثعلبي، تحقيق: نظير الساعدي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، چاپ أولى، 1422هـ.
جوادي آملي، عبد الله، تسنيم، قم، إسراء، 1378ش.
الحاكم النيسابوري، أبو عبد الله، المستدرك على الصحيحين، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلمية، چاپ أولى، 1411هـ.
الحسكاني، عبيد الله بن أحمد، شواهد التنزيل لقواعد التفضيل، تحقيق: محمد باقر محمودي، طهران، سازمان چاپ و انتشارات وزارت ارشاد إسلامي، چاپ أولى، 1411هـ.
الحلي، حسن بن يوسف، رجال العلامة الحلي، قم، دار الذخائر، 1411هـ.
دروزة، محمد عزت، التفسير الحديث، القاهرة، إحياء الكتب العربية، 1383ش.
الذهبي، محمد بن أحمد، ميزان الاعتدال، تحقيق: علي محمد بجاوي، بيروت، دار المعرفة للطباعة والنشر، چاپ أولى، 1382ش.
الزرقاني، محمد عبد العظيم، مناهل العرفان في علوم القرآن، بيروت، دار إحياء التراث العربي، بي تا.
الزمخشري، محمود، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، بيروت، دار الكتاب العربي، 1407هـ.
الزيلعي، جمال الدين، تخريج الأحاديث والآثار، تحقيق: عبد الله بن عبد الرحمن السعد، الرياض، دار ابن خزيمة، چاپ أولى، 1414هـ.
السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن، الدر المنثور في تفسير المأثور، قم، كتابخانة آية الله مرعشي نجفي، 1404هـ.
همو، الإتقان في علوم القرآن، بيروت، دار الكتاب العربي، چاپ دوم، 1421هـ.
همو، لباب النقول، بيروت، دار إحياء العلوم، بي تا.
سيد شرف الدين، عبد الحسين، أبو هريرة، قم، مؤسسة أنصاريان للطباعة والنشر، چاپخانة بهمن، بي تا.
الشافعي، محمد بن إدريس، كتاب المسند، لبنان، بيروت، دار الكتب العلمية، بي تا.
الشوكاني، محمد بن علي، فتح القدير، بي جا، عالم الكتب، بي تا.
الصنعاني، عبد الرزاق، تفسير القرآن، تحقيق: مصطفى مسلم محمد، الرياض، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، چاپ أولى، 1410هـ.
الطباطبائي، سيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم، دفتر انتشارات إسلامي جامعة مدرسين حوزه علميه قم، 1417هـ.
همو، قرآن در إسلام، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1353ش.
الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير، تحقيق: حمدي عبد المجيد سلفي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، چاپ دوم، 1405هـ.
همو، كتاب الدعاء، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلمية، چاپ أولى، 1413هـ.
الطبرسي، فضل بن حسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، طهران، انتشارات ناصر خسرو، 1372ش.
الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير، جامع البيان في تفسير القرآن، بيروت، دار المعرفة، 1412هـ.
الطوسي، محمد بن حسن، التبيان في تفسير القرآن، بيروت، دار إحياء التراث، بي تا.
همو، رجال الطوسي، النجف، انتشارات حيدرية، 1381ش.
همو، الفهرست، النجف، المكتبة المرتضوية، بي تا.
العقيلي، محمد بن عمرو، ضعفاء العقيلي، تحقيق: عبد المعطى أمين قلعجي، بيروت، دار الكتب العلمية، چاپ دوم، 1418هـ.
غازي، عناية، أسباب النزول القرآني، بيروت، دار الجيل، چاپ أولى، 1411هـ.
فخر الرازي، أبو عبد الله محمد بن عمر، مفاتيح الغيب، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1420هـ.
القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: مصطفى سقا، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1405هـ.
القمي، علي بن إبراهيم، تفسير القمي، قم، دار الكتاب، 1367ش.
كماني، نجف آبادي، مهدي، «آسيب شناسي روايات أسباب نزول»، نشرية علوم قرآن وحديث «حسنا»، 1391ش، ش 12.
الكشي، محمد بن عمر، رجال الكشي، مشهد، انتشارات دانشگاه، 1348ش.
الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، تحقيق: علي أكبر غفاري ومحمد آخوندي، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1407هـ.
مجاهد بن جبر، تفسير مجاهد، تحقيق: عبد الرحمن طاهر بن محمد سورتي، إسلام آباد، مجمع البحوث الإسلامية، بي تا.
المحقق، محمد باقر، نمونه بينات در شأن نزول آيات، طهران، انتشارات إسلامي، 1361ش.
المزي، يوسف بن عبد الرحمن، تهذيب الكمال، تحقيق: بشار عواد معروف، بيروت، مؤسسة الرسالة، چاپ أولى، 1413هـ.
الميبدي، رشيد الدين أحمد بن أبي سعد، كشف الأسرار وعدة الأبرار، طهران، انتشارات أمير كبير، 1371ش.
نكونام، جعفر، درآمدي بر تاريخ گذاري قرآن، نشر هستي نما، طهران، چاپ أولى، 1380ش.
ياقوت الحموي، شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي، معجم البلدان، بيروت، دار صادر، 1995م.
الهوامش
1. إن «لِمَنْ» بدل من «لِلْعَالَمِينَ» في الآية 27، و«لِلْعَالَمِينَ» جار ومجرور متعلق بـ«ذكر»، وبناءً على هذا فإن «لِمَنْ» ستكون متعلقة بـ«ذكر».
2. عادةً ما تشتمل روايات أسباب النزول على نوعين من التعبير: الأول هو نقل الحادثة ثم إيراد فاء العطف (حدث كذا فنزلت هذه الآية)، والثاني يكون بأن يقول الراوي: (نزلت هذه الآية في كذا) ويذكر مكان ‘كذا’ الحادثة أو الشخص أو الجماعة. (الغازي، 1411هـ، 84-88) وبما أن النوع الثاني غالباً ما يكون لبيان شأن النزول أو الموارد التي ينطبق عليها عموم الآية أو لذكر مصاديقها، فإنه لا يحمل صراحة في بيان السبب، وربما يمكن القول إن ظهوره الأساسي هو في تفسير الآية. وعليه، لا يمكن قبول هذه الروايات كسبب لنزول الآية. (الكماني، 1391ش، 190)