ملخص
كتاب «نقد كتب الحديث» هو أحد مؤلفات أحد الكتّاب المعاصرين، والذي سعى فيه، حسب تصوره، إلى التعريف بالأحاديث الموضوعة الموجودة في المصادر الروائية الشيعية. إن التدقيق في المنهج العملي للمؤلف يكشف أن بعض الروايات الموجودة في المصادر الروائية قد تم نقدها عن طريق الخطأ، وعُرّفت بشكل غير صحيح على أنها أحاديث موضوعة. والعلة الأهم في هذه المسألة هي عدم استعانة المؤلف بمناهج فقه الحديث لفهم محتوى الروايات. وهذا يعني أنه في بعض الأحيان، يُنسب إلى الرواية محتوى لم يكن هو المراد الجدي للمعصوم من بيانها. وهذا الفهم الناقص هو ما يؤدي إلى أن يبدو الاستنباط من الرواية متعارضًا مع الأصول العقلية أو الآيات القرآنية. لذا، يضطر المؤلف إلى الحكم بوضع الرواية. في حين أنه لو رُوعيت موازين فقه الحديث، خاصةً بالالتفات إلى تشكيل أسرة الحديث، لأمكن فهم المعنى الحقيقي للروايات بشكل صحيح، وفي حالة الكشف عن هذا المفهوم، بطبيعة الحال، لن ينشأ التعارض المذكور، وسيكون محتوى الرواية قابلاً للاستفادة بالنسبة للباحث في الحديث. في هذه المقالة، تم السعي من خلال طرح نماذج من انتقادات السيد الطباطبائي لكتب الحديث، إلى دراسة إشكالاته في فهم الحديث بسبب عدم تشكيل أسرة الحديث أو عدم مراعاة سائر موازين فقه الحديث، وبيان مدى خطورة وإشكالية مثل هذا النقد.
المقدمة
في العقود الأخيرة، تزايد الاهتمام بنقد الروايات في كتب الحديث بين المفكرين الدينيين. وقد كانت الخلفيات الكلامية والعقائدية لنقد الروايات – التي تركزت بشكل أساسي على فضائل ومناقب الرسول الأكرم (ص) وأهل البيت (ع) – دائمًا في صدارة الانتقادات المتنية للأحاديث، حيث سعى النقاد من وراء «نقد الحديث» إلى تحقيق أهداف كلامية خاصة بهم.
في هذا السياق، يُعد مصطفى حسيني الطباطبائي من بين الذين تناولوا مسألة نقد الحديث، حيث قام بدراسة جوامع الحديث الشيعية من حيث سند ومتن رواياتها بشكل موردي. وقد نشر أثره بعنوان «نقد كتب الحديث» في عام 1379هـ.ش. كما أن له مؤلفات أخرى في الموضوعات القرآنية.1
إن انتقاداته لكتب الحديث قابلة للنقد والبحث من زوايا مختلفة، مثل كيفية الاستفادة من قواعد فقه الحديث في فهم الروايات، والمباني الرجالية، والمباحث الكلامية والفقهية وغيرها، الأمر الذي لا يتسع له مقال واحد. ستتناول هذه المقالة بحث مسألة كيف يمكن لعدم مراعاة قواعد فقه الحديث بشكل صحيح أن يؤثر سلبًا على نقد الحديث، وكيف يمكن أن تُتهم الروايات المعتبرة بالوضع؟ فهل روعيت قواعد فقه الحديث في فهم الروايات من قبل الناقد المحترم؟ وإذا لم يحدث ذلك، فما هي الآثار التي تركها ذلك على آرائه الحديثية؟
كمقدمة للبحث، من الضروري الانتباه إلى نقطتين أساسيتين. الأولى هي التعريف الموجز والتعرف العام على كتاب «نقد كتب الحديث»، والثانية هي تحديد سلوك الباحثين في الحديث عند نسبة رواية ما إلى ظاهرة الجعل والوضع.
التعريف بالكتاب ومنهج المؤلف في الحكم بوضع الروايات
في هذا الكتاب، يتناول المؤلف في البداية دراسة روايات تشير إلى تسرب الروايات الموضوعة إلى مجموعة الروايات الصحيحة، ويقدم تحذيرات للشيعة من مغبة الوقوع في مثل هذه الروايات. ثم يواصل الكاتب، بعد تعداد معاييره الأساسية في نقد الحديث (في الفصل الأخير)، بتقديم روايات من مجامع حديثية شيعية مهمة، يرى أنها موضوعة بشكل قاطع. والكتب التي تناولها بالدراسة في هذا المؤلف هي:
الكافي، من لا يحضره الفقيه، وسائر كتب الشيخ الصدوق، بحار الأنوار، وسائر كتب العلامة المجلسي، وسائل الشيعة، الأحاديث التفسيرية والأدعية.
منهج المؤلف في هذا الكتاب هو أنه يبدأ بالتعريف الموجز بكل محدّث، ثم يختار عدة روايات من كتبه ويحدد أسباب بطلان كل رواية. يمكن تلخيص منهج السيد الطباطبائي في نقد الروايات على النحو التالي:
دراسة رجال الرواية ورد الروايات ذات السند الضعيف.
نقد ورد الرواية في حال وجود تعارض (ولو ظاهري) مع آيات القرآن.
نقد ورد الرواية في حال وجود تعارض مع إجماع الأمة الإسلامية.
نقد ورد الرواية في حال وجود تعارض مع العقل.
نقد ورد الرواية في حال وجود تعارض مع العلوم التجريبية أو التاريخ الصحيح.
إضافة إلى ما سبق، يقدم السيد الطباطبائي 5 طرق أخرى لتحديد الروايات الموضوعة:
الروايات التي تنقل، من وجهة نظره، ثوابًا عظيمًا لعمل صغير.
الروايات التي تشجع الناس على ارتكاب الذنوب.
الروايات التي تبالغ في شأن أهل البيت (ع) أو تقصّر في حقهم.
الروايات التي تذكر صراحةً مطاعن في أعداء أهل البيت.
على الأقل فئة من الروايات التي تتعارض مع روايات أخرى.
على الرغم من أن بعض المعايير التي أعلنها المؤلف مقبولة لدى معظم الباحثين في الحديث، إلا أنه بسبب استخدامه الخاص لهذه المعايير، وكذلك الأساليب غير المحكمة في فقه الحديث في فهم مفاهيم الروايات ورفع الإشكاليات المحتملة فيها، فإن العديد من الروايات الصحيحة والقابلة للاستفادة قد تعرضت لإهماله ووصمت بالوضع.
كما أنه يتهم أحيانًا مؤلفي الكتب الروائية بالسذاجة، ويهينهم بسبب نقلهم للروايات، مما يسبب إزعاجًا للقراء المطلعين على مسائل الحديث. (حسيني طباطبائي، 1379). لكن النقطة الأهم في «نقد كتب الحديث» هي تعميم النقد من الروايات إلى الكتاب بأكمله. أي أن المؤلف يشير إلى أن هذه الانتقادات ما هي إلا غيض من فيض، وأن هذا النوع من المحتوى متوفر بكثرة في الكتب موضع النقد، ويدعو الباحثين في الحديث إلى توخي الحذر عند استخدام كتب الحديث، وبهذه الطريقة يخلق نوعًا من التشاؤم تجاه الكتب الحديثية. على سبيل المثال، بعد نقد 10 روايات من كتاب بحار الأنوار، يكتب: «فاقرأ أنت الحديث المفصل من هذا المجمل!» (المصدر نفسه، 95).
أو في مقدمة نقده للتفاسير الروائية يكتب: «نحن ننقد عشرة نماذج من الأحاديث التفسيرية التي وردت في هذه الكتب، ونوضح مخالفتها لمتن القرآن. وهذا النوع من الأحاديث يوجد بكثرة في الكتب المذكورة.» (المصدر نفسه، 112).
مثل هذا المنهج، من حيث كونه استقراءً ناقصًا، يفتقر منطقيًا إلى القيمة العلمية ويقلل بشدة من المصداقية العلمية للكتاب. فبتقديم عشرة نماذج من روايات يُحتمل أنها موضوعة من كتب يحتوي كل منها على آلاف الروايات، لا يمكن التشكيك في مجمل تلك الكتب. كما أن استخدام الألفاظ الكيفية للتعبير عن حجم الروايات «الموضوعة» في المصادر الروائية قابل للنقد أيضًا. بعبارة أخرى، يمكن أن يُسأل الكاتب المذكور: من بين آلاف الروايات الموجودة في التفاسير المأثورة، كم عدد الروايات التي يمكن اعتبارها موضوعة حتى تستحق وصف «الكثيرة»؟
إضافة إلى ذلك، يبدو أن المؤلف في هذا النوع من أدبياته يسعى بطريقة ما إلى رفض قسم كبير من الروايات ليتمكن من إثبات مبانيه الكلامية في إنكار فضائل أهل البيت (ع) في ظل غياب الروايات المعتبرة.
احتياط المحدثين في الحكم على الروايات بالوضع
تُطلق الرواية الموضوعة أو المجعولة عند علماء الشيعة على حكاية قول أو فعل أو تقرير للمعصوم يكون راويها قد اختلقها. وهذا لا يعني أن كل حديث يرويه كاذب يُعد حديثًا موضوعًا، لأن الكاذب أحيانًا يروي أقوالًا صحيحة. يُعرف الحديث الموضوع بإقرار واضعه أو بسخافة مضمونه، ولا يتم هذا التمييز إلا من قبل من هم على دراية تامة بأدبيات روايات أهل البيت وعلومهم، ويعرفون جيدًا معارضات كلامهم. (ميرداماد، 1422هـ، 276، 277).
يحتل الحديث الموضوع أدنى مرتبة بين الأحاديث الضعيفة. (سبحاني، 1432هـ، 119). بعبارة أخرى، لا يمكن اعتبار كل رواية ضعيفة موضوعة ومجعولة، بل يجب أن تقترن بهذه المسألة ضوابط أخرى ليُحكم على رواية بأنها مختلقة.
لقد كان هناك دائمًا حذر شديد بين الباحثين الشيعة في الحديث عند رد رواية ونسبتها إلى الوضع. حتى عند مواجهة الروايات المشكلة، كان المحدثون والفقهاء يبحثون دائمًا عن قراءة في فهم الرواية يمكن من خلالها إخراج الحديث من دائرة الوضع. حتى في حالة عدم التوصل إلى مثل هذا التوضيح، كانت سنة رد العلم بدلًا من رد الحديث شائعة بين فقهاء الشيعة منذ القدم. (مسعودي، 1390، 284، 285). لذلك، يعتقد الباحثون في الحديث أن: «الحكم بالجعل والوضع في الحديث يجب أن يتم حتمًا بعد اجتياز مراحل مختلفة ودراسة الاحتمالات المتعددة والسعي لمواءمة المتن مع المتون الشيعية الأصيلة، لا أن يُحكم عليه بالوضع بمجرد استبعاد محتواه.» (طباطبائي، 1390، 529).
إشكاليات فقه الحديث في كتاب «نقد كتب الحديث»
في النقد المحتوائي والمتني للروايات، الخطوة الأولى هي كشف المراد الجدي للمعصوم من بيان كل رواية. إذا لم تُجرَ مراحل فهم الحديث، أو ما يسمى بـ«فقه الحديث»، بشكل صحيح لكل رواية، فلا يمكن إجراء تقييم صحيح لصحة أو سقم محتوى تلك الرواية. في الواقع، «إن نسبة قول أو رأي إلى الشارع المقدس أمر مهم وجدير بالاعتبار، ويجب أن يتم بدقة وتأمل وتفحص كبير؛ وإلا فإنه يعتبر ‘افتراء على الله’، وهو ذنب عظيم جدًا.» (المصدر نفسه، 145).
فيما يلي، سنتناول دراسة أخطاء «فقه الحديث» للسيد الطباطبائي التي أدت إلى فهمه الخاطئ للرواية، واعتمادًا على هذا الفهم الخاطئ، حُكم على الرواية بالوضع دون وجه حق.
أ. الخطأ في فهم الروايات بسبب عدم تشكيل أسرة الحديث
أسرة الحديث، بالدرجة الأولى، هي جميع الروايات التي وردت في نفس موضوع الحديث، وبالدرجة الثانية، هي جميع الروايات التي ترتبط بالحديث الأصلي من جهة ما، وتحتوي على توضيح لأصل الحديث أو أجزائه. (معارف، 1388، 209). وقد طرح باحثون آخرون في الحديث التعريف التالي لأسرة الحديث:
«المقصود بتشكيل أسرة الحديث هو العثور على الأحاديث المتشابهة، ذات المضمون الواحد، والناظرة إلى موضوع محوري واحد، وكذلك فهم علاقاتها ببعضها البعض لكشف معناها.» (مسعودي، 1389، 151).
على أي حال، فإن عدم تشكيل أسرة الحديث وبيان فهم شخصي لرواية واحدة دون الانتباه إلى القرائن الأخرى هو خطأ كبير في فقه الحديث. المسألة التي تظهر في أثر السيد الطباطبائي هي أنه أحيانًا يتخذ المفهوم الذي يتبادر إلى ذهنه من الرواية معيارًا للعمل، ثم ينتقد الرواية دون وجه حق. في حين أنه كان من الممكن استخلاص استنباطات أخرى من الرواية، بشرط أن تخضع للتحليل والبحث ضمن أسرة الحديث. فيما يلي، سنقوم بدراسة مثالين من هذه الحالات في الكتاب المذكور.
نقد أثر الصلاة على رسول الله وأهل بيته الأطهار وأثر زيارة الإمام الحسين (ع)
في قسم من كتاب نقد الحديث، تناول السيد الطباطبائي نقد كتب الأدعية والزيارات، وكتب ما يلي:
في كتاب «مصباح المتهجد» للشيخ أبي جعفر الطوسي، ضمن تعقيبات وأدعية يوم الجمعة، ورد:
«عنه (أبي عبد الله الصادق – عليه السلام) من قال بعد صلاة الفجر أو بعد صلاة الظهر – اللهم اجعل صلاتك وصلاة ملائكتك ورسلك على محمد وآل محمد لم يكتب عليه ذنب سنة». يعني: «روي عن الإمام أبي عبد الله الصادق (ع) أن من قال… لا يكتب عليه ذنب لمدة سنة».
كل من يقول بعد صلاة الصبح أو صلاة الظهر: اللهم اجعل صلاتك وصلوات ملائكتك ورسلك على محمد وآل محمد (ص)، لا يُكتب له ذنب لمدة سنة واحدة!
هذه الرواية وردت أيضًا في كتاب «مفاتيح الجنان» نقلًا عن الشيخ الطوسي.
لم يذكر الشيخ الطوسي سند روايته حتى يمكن التعليق عليه، ولكن فساد متن الرواية واضح. فبمجرد الصلاة على محمد وآل محمد، تُعطّل محرمات الله لمدة سنة كاملة، ويُشجّع الناس على ارتكاب الذنوب، ويُقوّض هدف الشريعة المتمثل في خلق التقوى وتهذيب النفس. خاصة إذا كرر شخص هذه الصلاة كل عام، فمن المفترض ألا يُسجل له ذنب حتى نهاية حياته! إذن، هذا الدعاء قد صُنع لنسخ المحرمات، ولا شك أن مقام الإمام الصادق -عليه السلام- أرفع من أن يقول مثل هذا الكلام في فضل الصلاة المذكورة. (حسيني طباطبائي، 1379، 143، 144).
يُلاحظ ما يشبه هذه الرواية في أقسام أخرى من كتاب السيد الطباطبائي تحت العنوان نفسه. على سبيل المثال، في قسم نقد كتب الأدعية من كتابه، ينتقد رواية أخرى مشابهة لهذه ويعتبرها موضوعة:
يذكر الشيخ الطوسي في «مصباح المتهجد» خلال أعمال شهر شعبان:
«روى محمد بن مارد التميمي قال قال لنا أبو جعفر (ع) من زار قبر الحسين (ع) في النصف من شعبان غفرت له ذنوبه ولم تكتب عليه سيئة في سنته حتى يحول عليه الحول». (شيخ طوسي، 1411هـ، 830/2) يعني: «روى محمد بن مارد التميمي أن أبا جعفر الباقر (ع) قال لنا: من زار قبر الحسين (ع) في النصف من شعبان، غُفرت له ذنوبه، ولن تُكتب عليه سيئة في تلك السنة حتى يمر عليه عام كامل!»
هذه الرواية أيضًا من جنس الروايات السابقة، ولها دور مؤثر في تشجيع الناس على ارتكاب السيئات. (حسيني طباطبائي، 1379، 150).
يُلاحظ أن السيد مصطفى الطباطبائي قد عرض فهمه للرواية أولًا، ثم انتقد هذا المفهوم. السؤال الأساسي هنا هو: هل اتبع سماحته مناهج فقه الحديث للفهم الصحيح لهذه الرواية بشكل صحيح؟ إن النقاط التالية جديرة بالتأمل في نقد فهمه، وبالتالي خطئه في اعتبار هذه الرواية موضوعة:
بتشكيل أسرة لهذين الحديثين، نجد أن عدم كتابة الذنب يختلف عن مغفرته. توجد روايات مشابهة لهذه الرواية حيث يمنح الله عباده المؤمنين فرصة لمحو ذنوبهم بالاستغفار والتوبة. في بعض هذه الروايات، يُصرح بأن الله يأمر الملائكة بعدم كتابة ذنب العبد المذنب لفترة معينة، حتى إذا تاب، لا يُسجل ذلك العمل في صحيفة أعماله أصلًا. ولكن إذا لم يتب في تلك المهلة، يُسجل الذنب عليه. مثل هذه الرواية:
«عن أبي عبد الله (ع) يقول: ما من مؤمن يذنب ذنبًا إلا أجله الله عز وجل سبع ساعات من النهار، فإن هو تاب لم يكتب عليه شيء، وإن هو لم يفعل كتب الله عليه سيئة. فأتاه عباد البصري فقال له: بلغنا أنك قلت ما من عبد يذنب ذنبًا إلا أجله الله عز وجل سبع ساعات من النهار. فقال: ليس هكذا قلت، ولكني قلت: ما من مؤمن، وكذلك كان قولي.» (الكليني، 1407هـ، 439/2).
وفي رواية أخرى:
«علي بن إبراهيم عن أبيه وأبو علي الأشعري ومحمد بن يحيى جميعًا عن الحسين بن إسحاق عن علي بن مهزيار عن فضالة بن أيوب عن عبد الصمد بن بشير عن أبي عبد الله (ع) قال: العبد المؤمن إذا أذنب ذنبًا أجله الله سبع ساعات، فإن استغفر الله لم يكتب عليه شيء، وإن مضت الساعات ولم يستغفر كتبت عليه سيئة، وإن المؤمن ليذكر ذنبه بعد عشرين سنة حتى يستغفر ربه فيغفر له، وإن الكافر لينساه من ساعته.» (المصدر نفسه، 437/2).
لذا، فإن هذه الروايات لا تسعى إلى القول بأنه بمجرد ذكر الصلاة أو زيارة حضرة أبي عبد الله (ع)، يغفر الله جميع ذنوب عبده للعام القادم، بل الحديث عن مهلة يمنحها الله لعبده المؤمن للاستغفار. بعبارة أخرى، عدم كتابة الذنب لا يعني أنه قد غُفر، بل يعني وجود فرصة للاستغفار وعدم تسجيله.
زيارة الإمام الحسين (ع) ليست عملًا فارغًا من المحتوى أو بسيطًا. وكذلك الصلاة ليست ذكرًا عاديًا لا خصوصية له. يُلاحظ أن اعتبار هاتين الروايتين موضوعتين يخدم آراء السيد الطباطبائي الكلامية في نفي صفات وخصائص أهل البيت ومحبتهم وولائهم، حيث تم وضعهما تحت سيف النقد والوضع. وهذا آفة عظيمة في فقه الحديث. في الواقع، يبدو أن قرار إعلان وضع الرواية بناءً على آرائه الكلامية قد تم اتخاذه قبل أي دراسة للرواية. هذا في حين أن الله تعالى في قرآنه قد تكفل بذكر الصلاة، وجعل الملائكة معه، وأمر المؤمنين أيضًا باتباع هذه الفريضة. (الأحزاب: 56). كما أن خصائص وآثار زيارة الإمام الحسين (ع) لا تقتصر على هذه الرواية الواحدة، بل تشكل قسمًا مهمًا من كتب المزار والزيارات.
وقد عرّف علماء الحديث مثل هذا التعامل مع الروايات بأنه من الآفات المتعلقة بالباحث في نقد الأحاديث، لأن أحد العوامل المؤثرة في النقد غير الصحيح هو دوافع ورغبات الناقد الداخلية. فأحيانًا، يسعى ناقد الحديث للوصول إلى هدف محدد مسبقًا (مثل إنكار فضل الصلاة على محمد وآل محمد أو زيارة حضرة أبي عبد الله (ع)) فيلجأ إلى اختلاق الإشكالات في الحديث، ومن أجل استبعاد الحديث أو الأحاديث غير المتوافقة مع مقصده، يعمد إلى النقد السندي والدلالي. (مسعودي، 1390، 292؛ طباطبائي، 1390، 417، 418).
٢. رد الروايات الواردة في ذيل الآية ٢٦ من سورة البقرة في التفاسير الروائية
من الروايات الأخرى التي حكم السيد الطباطبائي بوضعها، رواية في تفسير علي بن إبراهيم القمي في تفسير الآية 26 من سورة البقرة. الآية 26 من سورة البقرة هي كالتالي:
«إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ».1
يقول السيد حسيني الطباطبائي بخصوص الروايات الواردة في ذيل هذه الآية في تفسير علي بن إبراهيم القمي: «في تفسير ‘علي بن إبراهيم القمي’ ذيل آية: ‘إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا’ (البقرة: 26) ‘إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا ببعوضة فما فوقها’، نقرأ أن المفسر المذكور يكتب: حدثني أبي، عن النضر بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن المعلى بن خنيس، عن أبي عبد الله (ع): إن هذا المثل ضربه الله لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فالبعوضة أمير المؤمنين وما فوقه رسول الله، والدليل على ذلك قوله: ‘فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم’، يعني أمير المؤمنين كما أخذ رسول الله الميثاق عليهم. (قمي، 1367، 35).
عن أبي عبد الله الصادق (ع) أنه قال: إن هذا المثل ضربه الله لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع). فالمراد بالبعوضة هو علي (ع)، وما فوق البعوضة هو رسول الله (ص). ودليل ذلك قوله في تتمة الآية: ‘فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم’، أي (يعلمون أن) أمير المؤمنين (هو الحق) كما أخذ رسول الله (ص) الميثاق له من أصحابه.
عن هذا التفسير الغريب يجب أن نقول: الآية موضع البحث وردت في مقام التحقير لا التكريم، وتقول إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا لهداية الخلق بشيء حقير كالبعوضة (كما ضرب مثلًا بالعنكبوت في إحدى سور القرآن). وهنا، وضع علي (ع) مكان البعوضة يُعد إهانة لذلك الإمام العظيم.
يُعد هذا التفسير غير مناسب تمامًا. خاصة وأن مفسري القرآن فسروا ‘فما فوقها’ بأنها كائن يفوق البعوضة في الحقارة والصغر. كما كتب الشيخ الطبرسي في ‘تفسير مجمع البيان’: ‘قيل فما فوقها في الصغر والقلة لأن الغرض ههنا الصغر’. أي ‘قيل إن المقصود بـ ‘فما فوقها’ هو في الصغر والدقة لأن غرض (الله) هنا هو ضرب المثل بشيء صغير’. وهذا التفسير يبدو صحيحًا، لأنه إذا كان الله لا يستحيي من ضرب المثل بكائن حقير كالبعوضة، فبالتأكيد لن يستحيي من ضرب المثل بأشياء أكبر مثل الأسد والجمل والفيل… ولا حاجة لذكر هذا الموضوع. ولكن لضرب المثل بكائنات أحقر من البعوضة، يبقى مجال للتوضيح. بهذا التوضيح، فإن اعتبار مصداق (فما فوقها) رسول الله، يؤدي إلى معنى أن مقام الرسول الأكرم (ع) أقل وأدنى من أمير المؤمنين (ع)، وهذا المعنى يخالف ضرورة الإسلام وقول علي – عليه السلام – نفسه…» (حسيني طباطبائي، 1379، 113، 114).
في نقد منهج السيد الطباطبائي، يمكن دراسة مسائل فقه الحديث التالية:
المسألة الأولى التي تتبادر إلى الذهن هي مراجعة المصادر التي أشار إليها. على سبيل المثال، عند مراجعة تفسير مجمع البيان، نلاحظ أنه قد نقل رأي الشيخ الطبرسي بشكل مجتزأ وحرّف وجهة نظره. مثل هذا الأسلوب بعيد عن الضوابط العلمية التي يستخدمها أحيانًا مؤلف «نقد كتب الحديث».
في تفسير هذه الآية الشريفة في مجمع البيان نقرأ: «قوله ما بعوضة فما فوقها أي ما هو أعظم منها عن قتادة وابن جريج وقيل فما فوقها في الصغر» (الطبرسي، 1372، 165/1)، أي أن الكلام الإلهي الذي قال: «بعوضة وما فوقها» يعني شيئًا أكبر من البعوضة كما نُقل عن قتادة وابن جريج، وقال البعض إن المقصود بما فوق البعوضة هو من حيث الصغر.
يُلاحظ أن الشيخ الطبرسي باستخدام تعبير «قيل» قد طرحه كاحتمال أضعف، وفي الواقع، فإن رأيه التفسيري الأساسي هو ما أشار إليه في البداية. أي أن الطبرسي أيضًا يفهم من عبارة «ما فوقها» شيئًا أكبر منها، ثم يطرح كونها أصغر كاحتمال ضعيف. لكن لوحظ أن السيد الطباطبائي، دون الإشارة إلى القول الأول والأساسي، قد قدم فقط الاحتمال الضعيف الذي طرحه الطبرسي على أنه الرأي التفسيري لمجمع البيان.
النقطة المهمة الأخرى هي عدم تشكيل أسرة الحديث لفهم معنى هذه الرواية، وهو ما تكرر مرة أخرى من قبله. ببحث بسيط في المصادر الروائية، نجد أن محتوى هذا الحديث قد تم تناوله في روايات أخرى، وحتى أن مجموعة من الشيعة الذين وجدوا صعوبة في فهم هذه الرواية، قد سألوا أهل البيت (ع) عن معناها. على سبيل المثال:
ذات يوم، كان الإمام الباقر (ع) يوصي: اذكرونا بأسمائنا وألقابنا وأوصافنا، ولا تنسبوا أوصافنا إلى أعدائنا، فإن الله يثيبكم على ذلك ثوابًا جزيلًا. في تلك الرواية، سُئل الإمام -عليه السلام-: بعض شيعتكم وأصدقائكم يظنون أن «البعوضة» في سورة البقرة، الآية 26، هي علي (ع)، و«ما فوقها» وهو الذباب هو النبي (ص)!
فأوضح الإمام الباقر (ع): سمع هؤلاء شيئًا لم يضعوه على وجهه. إنما كان رسول الله (ص) جالسًا ذات يوم هو وعلي (ع) إذ سمع قائلًا يقول: ما شاء الله وما شاء محمد، وسمع آخر يقول: ما شاء الله وما شاء علي. فقال رسول الله (ص): لا تقرنوا محمدًا وعليًا بالله عز وجل، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم ما شاء محمد، ما شاء الله ثم ما شاء علي. إن مشيئة الله هي القاهرة التي لا تساوى ولا تكافأ ولا تدانى، وما محمد رسول الله (ص) في الله وفي قدرته إلا كذبابة تطير في هذه الممالك الواسعة، وما علي في الله وفي قدرته إلا كبعوضة في جملة هذه الممالك… (التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري، 209). أي أنهم سمعوا شيئًا ولكنهم لم يفهموه بشكل صحيح. ذات يوم كان الرسول (ص) جالسًا مع علي (ع)، فسمع قائلًا يقول: ما شاء الله وما شاء محمد يقع، وآخر يقول: ما شاء الله وما شاء علي يحدث. فقال الرسول (ص): لا تضعوا محمدًا وعليًا في مرتبة الله وقولوا: كل ما شاء الله وكل ما شاء محمد… وكل ما شاء الله وكل ما شاء علي…
أي كل ما يشاء الله يكون، ومحمد يريد ما شاء الله، وعلي كذلك. فإن مشيئة الله هي القاهرة والغالبة التي لا مثيل لها ولا نظير ولا معادل ولا قريب منها، ومحمد رسول الله لا يعدو كونه ذبابة تطير في هذه الممالك الواسعة مقارنة بالله وقدرته، وعلي ليس إلا بعوضة تطير في هذا العالم الفسيح أمام الله وقدرته.
عدم الالتفات إلى دقائق تاريخ الحديث
من الإشكالات الأخرى الموجودة في أثر السيد الطباطبائي عدم الاهتمام بتاريخ الحديث الشيعي لفهم الروايات ونقدها. إذ إن أحد أسس فهم ونقد الحديث هو دراسة ارتباطه بالظروف التاريخية لعصر صدوره. الظروف الثقافية والاجتماعية والسياسية لعصر صدور الحديث بشكل عام، وأسباب صدور أو ورود الحديث بشكل خاص، هي من العوامل المهمة في فهم ونقد الروايات، وتعتبر في الواقع من القرائن المنفصلة للأحاديث. (معارف، 1388، 163) والمثالان التاليان شاهدان على هذا الادعاء:
قضية «ثلاثين ألف سؤال شرعي» في مجلس الإمام الجواد
في تاريخ الحديث الشيعي، اكتسبت بعض المصطلحات مفهومًا خاصًا، واستخدام تلك المصطلحات في الروايات يحمل دلالة خاصة، والباحث في الحديث، دون الانتباه إلى تلك الدلالة، يقع في خطأ في فهم الرواية. فإذا كان سيف النقد في يد الباحث وأراد أن يحكم بالوضع والجعل على الحديث، فستكون النتيجة كارثية. لأنه بعد الفهم غير الصحيح للرواية، يتم وضع الروايات ذات الدلالة الصحيحة في زمرة الروايات الموضوعة دون وجه حق. على سبيل المثال، يكتب السيد الطباطبائي في نقد رواية من كتاب الكافي:
«أورد الشيخ الكليني في ‘باب مولد أبي جعفر محمد بن علي الثاني’ من أصول الكافي حديثًا غريبًا آخر على هذا النحو:
علي بن إبراهيم، عن أبيه قال: استأذن على أبي جعفر (ع) قوم من أهل النواحي من الشيعة فأذن لهم فدخلوا فسألوه في مجلس واحد عن ثلاثين ألف مسألة فأجاب (ع) وله عشر سنين».
يعني: «روى علي بن إبراهيم عن أبيه أنه قال: استأذنت جماعة من الشيعة من مدن بعيدة على أبي جعفر الثاني (الإمام الجواد ع)، فأذن لهم بالدخول. فدخلوا عليه وسألوه في مجلس واحد عن ثلاثين ألف مسألة، فأجاب عنها جميعًا وهو ابن عشر سنين!».
هذه الرواية من حيث السند مقطوعة، لأن والد علي بن إبراهيم، وهو إبراهيم بن هاشم القمي، لم يُعلم عمن سمع هذه الحكاية؛ خاصة وأنه لا يشير إلى حضوره في ذلك المجلس. أما متن الرواية فيدل بوضوح على كذبها، فكيف يمكن الإجابة على ثلاثين ألف مسألة في مجلس واحد؟ لنفترض أن جواب المسائل كان سهلًا على الإمام الجواد (ع)، ولكن كيف تمكن السائلون من طرح ثلاثين ألف مسألة في مجلس واحد؟ هل استمر ذلك المجلس لعدة ليالٍ وأيام؟!» (حسيني طباطبائي، 1379، 47، 48).
النقاط التالية هي رؤوس أقلام لآفات فقه الحديث التي ذكرها في اعتباره هذه الرواية موضوعة:
كما في الحالات السابقة، من الضروري في البداية تشكيل أسرة حديث لهذه الرواية. يمكن رؤية أثر هذه الرواية مع نفس الراوي، أي علي بن إبراهيم القمي، في مصادر روائية أخرى. بالطبع، متن الرواية أكثر تفصيلًا مقارنة بنقل الكليني، ويظهر أن القصة نُقلت من طرق مختلفة وفي مجالس مختلفة عن علي بن إبراهيم القمي.
«علي بن إبراهيم بن هاشم قال حدثني أبي قال لما مات أبو الحسن الرضا (ع) حججنا فدخلنا على أبي جعفر عليه السلام وقد حضر خلق من الشيعة ومن كل بلد لينظروا إلى أبي جعفر فدخل عمه عبد الله بن موسى وكان شيخا كبيرا نبيلا عليه ثياب خشنة وبين عينيه سجادة فجلس وخرج أبو جعفر من الحجرة وعليه قميص قصب ورداء قصب ونعل جدد [حذو] بيضاء فقام عبد الله فاستقبله وقبل بين عينيه وقام الشيعة وقعد أبو جعفر على كرسي ونظر الناس بعضهم إلى بعض وقد تحيروا لصغر سنه فابتدر رجل من القوم فقال لعمه : … فتعجب الناس وقالوا يا سيدنا أتأذن لنا أن نسألك ؟ قال نعم فسألوه في مجلس عن ثلاثين ألف مسألة فأجابهم فيها وله تسع سنين». (مفيد، 1413هـ، 102).
ترجمة: يروي علي بن إبراهيم عن أبيه أنه بعد وفاة الإمام الرضا عليه السلام، حجوا ودخلوا على الإمام الجواد عليه السلام، وقد حضر جمع من الشيعة من كل منطقة ليلتقوا به. فدخل عمه عبد الله بن موسى، وكان شيخًا جليلًا يرتدي ثيابًا خشنة وعلى جبهته أثر السجود. جلس عبد الله، ثم خرج أبو جعفر (الإمام الجواد ع) من غرفته مرتديًا قميصًا فاخرًا ونعلًا أبيض. فقام عبد الله واستقبله وقبّل بين عينيه. وقام الشيعة احترامًا للإمام. جلس الإمام على كرسي، ونظر الناس إلى بعضهم البعض متعجبين من صغر سنه. فسأل رجل من القوم عمه سؤالًا، وبعد أن انتهى عبد الله من جوابه، عاتبه الإمام (ع) بشدة على إجابته في مسألة لا يعلمها. تنبه عبد الله من هذا التنبيه واستغفر. تعجب الناس من هذا الموقف بين الإمام وعبد الله، وقالوا: يا سيدنا، هل تأذن لنا أن نسألك؟ فأذن الإمام الجواد (ع). فسألوه في مجلس واحد عن «ثلاثين ألف مسألة»، فأجابهم عنها، وكان عمره آنذاك تسع سنوات فقط.
يُلاحظ في رواية أسرة إبراهيم بن هاشم أنه يشير مباشرة إلى حضوره في هذا المجلس. لو أن السيد الطباطبائي شكّل أسرة الحديث، لما أشار أبدًا إلى عدم حضور إبراهيم بن هاشم في المجلس. لكن عدم تشكيل أسرة الحديث والتعجل في الحكم قد أدى إلى هذا الاعتراض الواهي. على الرغم من أن ذكر هذه النقطة ليس خاليًا من الفائدة، فعندما يشير راوٍ إلى حادثة ما، فإنه يؤكد ضمنيًا حضوره في ذلك المجلس ولا حاجة للإشارة المباشرة، وهذا الاعتراض من السيد الطباطبائي، حتى في غياب مثل هذه الرواية المشابهة في كتاب الاختصاص، لا قيمة له.
النقطة المهمة التي أغفلها الناقد المحترم هي الدلالة الخاصة بـ «ثلاثين ألف حديث». فمنذ زمن الإمام الكاظم (ع)، حيث نشأت الشكوك والشبهات حول إمامة أهل البيت (ع) لدى بعض الشيعة، وظهر مدّعون كاذبون للإمامة، ابتُكرت طريقة بين فقهاء الشيعة يمكن من خلالها اختبار مدعي الإمامة. (بهبودي، 29). كانت الطريقة هي طرح أسئلة صعبة في مختلف أبواب الفقه والعقيدة، لا يقدر على الإجابة الصحيحة عنها إلا الإمام المعصوم.
بلغ عدد هذه الأسئلة في زمن الإمام الرضا (ع) حوالي خمسة عشر ألف رواية. بعد شهادة الإمام موسى بن جعفر (ع) وظهور الواقفية، كانت إحدى طرق كشف إمامة الإمام الرضا عليه السلام هي سؤاله عن هذه المسائل. يقول محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني: «عندما اختلف الناس في أمر إمامة الرضا (ع)، جمعت الأسئلة التي سُئلها وأجاب عنها، فبلغ عددها خمسة عشر ألفًا.» (الطوسي، 1411هـ، 73). كما ذكر النجاشي هذا الكتاب ضمن أعمال محمد بن عيسى. (النجاشي، 1365، 334).
تزايد عدد أسئلة هذه المجموعة تدريجيًا، وعند شهادة الإمام الرضا عليه السلام، وصل إلى حوالي ثلاثين ألف حديث. عُرفت هذه المجموعة من الأسئلة في تاريخ الحديث بـ«المسائل المجربة». (معارف، 1392، 295).
بالنظر إلى هذه النقطة البسيطة في تاريخ الحديث، يمكن قراءة الرواية بشكل مختلف: «روى علي بن إبراهيم عن أبيه أنه قال: جاءت جماعة من الشيعة من مدن بعيدة واستأذنوا للدخول على الإمام الجواد (ع). أذن لهم فدخلوا عليه، وفي مجلس واحد، سألوه عن أسئلة من ‘الثلاثين ألف مسألة’، فأجاب عنها جميعًا وهو ابن عشر سنين».
في الواقع، من مجموعة الأسئلة التي كانت تُعرف بعددها بـ«ثلاثين ألف مسألة»، سُئل الإمام الجواد (ع) عددًا من الأسئلة، حتى يتم إثبات إمامته بإجابته عليها. قرينة أخرى لفهم الرواية بهذه الطريقة هي وجود عبارة «وله عشر سنين» في نهاية هذه الرواية، أو عبارة «وله تسع سنين» في الرواية الثانية والمشابهة. في الواقع، كان بعض الشيعة، نظرًا لصغر سن الإمام في بداية إمامته، يشككون في هذه المسألة. (كما هو مصرح به في الرواية الثانية). لذا، لجأوا إلى المسائل المجربة لرفع شبهاتهم، وبإجابة الإمام الكاملة على تلك المسائل، زالت شبهاتهم.
بناءً على ذلك، فإن الرواية ليست بصدد القول بأن الإمام أجاب على كل ثلاثين ألف مسألة في مجلس واحد، بل تهدف إلى بيان أن الشيعة اختاروا أسئلة من مجموعة «الثلاثين ألف مسألة» وسألوها الإمام في مجلس واحد، حتى لا تكون لديه فرصة للتفكير أو التشاور مع آخر بشأن هذه الأسئلة وتقديم الإجابة في مجلس آخر. ولكن عندما واجهوا علم الإمام الواسع في الإجابة على الأسئلة المختارة من مجموعة «الثلاثين ألف سؤال»، صدقوه واعترفوا بإمامته.
يُلاحظ أن عدم معرفة هذه النقطة التاريخية، التي تؤدي إلى فهم صحيح للحديث، قد دفع الناقد المحترم إلى إنكار الحديث ووصفه بالكذب. بصرف النظر عن هذه النقطة في تاريخ الحديث، حتى لو كان فهمنا للرواية هو أن ثلاثين ألف سؤال سُئلت من الإمام وأجاب عنها جميعًا في مجلس واحد، فقد قدم شراح الكافي وجوهًا ومعاني مختلفة لهذه المسألة، والانتباه إلى أي منها يمكن أن يمنع الباحث في الحديث من إنكار الرواية:
قد يكون عدد الثلاثين ألفًا للكثرة، وليس المقصود العدد الفعلي للأسئلة، بل يشير هذا العدد إلى كثرة أسئلة السائلين.
أعد الناس أسئلة متعددة ليسألوها الإمام (ع). وعندما كان يُسأل أحدها ويجيب الإمام، كانت إجابته تشمل إجابات على العديد من أسئلة الأفراد الآخرين.
الاحتمال الآخر هو أنه من إجابات الإمام (ع) يمكن استنباط أحكام كثيرة. في الواقع، من الأصول التي ذكرها، يمكن استخراج فروع كثيرة. في هذه الحالة أيضًا، يمكن لإجابة قصيرة أن تكون جوابًا لأسئلة كثيرة. (المجلسي، 1404هـ، 104/6، 105).
٢. ضعف معرفة الناقد بمنهج تدوين الجوامع الحديثية
من الانتقادات الأخرى الموجهة لكتاب «نقد كتب الحديث» عدم معرفة المؤلف بكيفية تأليف الجوامع الحديثية ومدى دقة وتأمل المحدثين في تدوينها. الناقد المحترم في الأقسام الأولى من كتابه، بالإشارة إلى الروايات التي تخبر بوجود روايات موضوعة بين روايات الشيعة (في الفصل الأول) وإقرار علماء الإمامية بوقوع ظاهرة الوضع (في الفصل الثاني)، يصل إلى نتيجة أنه يجب السعي لتنقية روايات الجوامع الحديثية ويعتبر نفسه من رواد هذه المبادرة. في حين أنه من المؤكد أن المحدثين العظام الذين نقلوا الروايات المذكورة وشهدوا على وقوع ظاهرة الجعل والوضع في روايات الإمامية، قد اختاروا الروايات الموجودة في كتبهم بناءً على معاييرهم الخاصة من بين كم هائل من الروايات الموجودة (معارف، 1388، 44)، وقد استغرقوا وقتًا طويلاً لهذا الاختيار والتأليف. كما أن الكليني قضى عشرين عامًا لتأليف كتاب الكافي. (النجاشي، 1365، 377).
بالطبع، نحن لسنا بصدد القول هنا إنه لم يقع أي خطأ في هذا الاختيار، بل يجب الانتباه إلى أنه بالاعتماد النسبي على المحدثين العظام الذين قاموا بهذا الاختيار، لا يمكن الادعاء أبدًا بأن العديد من روايات الكتب الأربعة مصابة بآفة الجعل، بل الفرض هو أن:
أولًا، التنقية الأولية للروايات قد تمت في الجوامع الحديثية، خاصة الكتب الأربعة، والأصل هو صحة روايات هذه الجوامع ما لم يثبت خلاف ذلك. الروايات الموجودة حول الجعل الواسع من قبل الغلاة في روايات أهل البيت (ع) ودس تلك الروايات الموضوعة بين الأحاديث الصحيحة كانت موضع اهتمام جامعي الروايات، وبشكل طبيعي، في عملية تدوين الجوامع، تم تحديد الروايات الموضوعة التي تسللت إلى الأصول الأربعمائة من قبلهم، وربما تسلل عدد قليل جدًا منها إلى الجوامع الروائية. عدم الانتباه إلى هذه المسألة التاريخية قد أدى إلى أن يطبق السيد الطباطبائي الروايات المتعلقة بوضع الأحاديث على الكتب الأربعة والكتب التي تلتها بشكل خاطئ، ويستنتج أن عددًا كبيرًا من الروايات الموضوعة قد تسلل إلى الكتب الأربعة وآثار المحدثين الثلاثة الأوائل.
ثانيًا، الانتباه إلى أن عامل التقية كان مؤثرًا في بيان بعض الجمل من قبل أهل البيت (ع)، وفي بعض الحالات وفي التعارض المستقر في الروايات، يمكن أن يكون حلاً للباحث في الحديث حتى يحمل إحدى الروايتين على التقية دون اعتبار أي منهما موضوعة. هذه المسألة كانت موضع اهتمام العديد من الباحثين في الحديث على مر التاريخ. (الطوسي، 1417هـ، 146). وحتى في كيفية تمييز الروايات التقية وكيفية صدور الحكم الشرعي في حالة تعارض هذا النوع من الروايات مع سائر الروايات، وضع الأصوليون قواعد.
وقد أرسوا قواعد لذلك. (الأنصاري، 1419هـ، 601/1).
مسألة النسخ أيضًا، في رأي بعض الباحثين في الحديث، هي سبب هذا التعارض (رباني، 1383، 168)، ويمكن أن تكون جوابًا لبعض إشكالات السيد الطباطبائي على الروايات.
لقد أقدم مؤلفو الجوامع الحديثية، مع علمهم بهذه المسألة، على أحد هذين الطريقين: إما أنهم، مثل الشيخ الكليني، استفادوا من أصل التخيير واختاروا مجموعة من الروايات وامتنعوا عن نقل الطرف المقابل، أو أنهم، مثل الشيخ الطوسي، نقلوا الروايات المتعارضة وحلوا تعارضها من خلال الجمع بين الروايات أو ترجيح فئة على أخرى. على أي حال، كانت هذه المسألة موضع اهتمام أصحاب الحديث منذ بداية تاريخ الحديث الشيعي، وقُدمت لها حلول متعددة. في حين أن السيد الطباطبائي صراحةً اعتبر أحد طرفي الأحاديث المتعارضة على الأقل موضوعًا. فهو يكتب: «الميزان السابع لمعرفة الأحاديث الكاذبة هو تعارض حديثين مع بعضهما البعض، فمن المؤكد أن كليهما لا يمكن أن يكون صحيحًا.» (حسيني طباطبائي، 1379، 158).
عدم الالتفات إلى دلالة الروايات
قبل نقد رواية وإصدار حكم بالوضع والجعل عليها، من الضروري أن ينتبه الباحث في الحديث إلى دلالتها أيضًا. إن اعتبار رواية موضوعة بناءً على عبارة واحدة فقط ودون الانتباه إلى محتواها الكامل، خاصة في تتمة الرواية، هو آفة تُلاحظ في «نقد كتب الحديث». على سبيل المثال، نذكر مثالين:
دعاء شهر رجب
يكتب الناقد المحترم في كتابه:
«هناك دعاء مشهور يُقرأ في شهر رجب بعد الصلوات. نجد هذا الدعاء في ‘مفاتيح الجنان’، ولكن أصله في كتاب ‘إقبال الأعمال’ لابن طاووس ورد على النحو التالي:
أخبرني محمد بن سنان عن محمد سجاد في حديث طويل قال: قلت لأبي عبد الله الصادق (ع): فديتك، هذا شهر رجب، علمني دعاء ينفعني الله به. فقال أبو عبد الله الصادق (ع): اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، وفي كل يوم من رجب صباحًا ومساءً وبعد صلواتك في النهار والليل، اقرأ هذا الدعاء: يا من أرجوه لكل خير وآمن سخطه من كل شر… يا من أرجوه لكل خير وآمن من سخطه عند كل عثرة…!
… الجملة الثانية من متن هذا الدعاء (بالصيغ التي رويت بها) تتعارض مع القرآن الكريم.
كما وردت في مفاتيح الجنان بصيغة ‘وآمن سخطه عند كل شر…’، أي: ‘يا من أكون آمنًا ومطمئنًا من غضبه عند كل شر وزلة!’. بينما يقول الله تعالى في القرآن المجيد: ‘فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ’ (الأعراف: 99). ‘فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون!’
الشخص المؤمن بمجرد أن يقع في زلة وشر وذنب، يخاف من غضب الله وعقابه، ويلجأ إلى الاستغفار والتوبة، لا أن يكون آمنًا ومطمئنًا من عذاب الحق في كل عمل خاطئ! … على أي حال، أثر هذا الدعاء الخاطئ هو أنه يخدع وجدان الإنسان، لأنه عند الزلة والمعصية، لا يجعله خائفًا من الله، ولا يحثه على التوبة والرجوع إلى الحق، وذلك هو الخسران المبين.»
في نقد مطالب السيد حسيني الطباطبائي، النقاط التالية جديرة بالتأمل:
بنظرة على هذا الدعاء الشريف في المصادر المذكورة، نجد أن هذا الدعاء في جميع أجزائه يسعى إلى نيل كل خير الدنيا والآخرة، وخاصة العفو الإلهي، ويطلب الأمان من كل شرور الدنيا والآخرة من الله. في هذا الدعاء الشريف، يطلب العبد الخائف العفو والمغفرة من الله. خاصة في الجزء الأخير من هذا الدعاء الذي نقرأ فيه: يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا النعماء والجود، يا ذا المن والطول، حرم شيبتي على النار.
لذا، فإن دلالة هذا الدعاء ليست أبدًا نحو الأمان من مكر الله، واستدلال الفقيه الحديثي الناقد المحترم معيب.
مثل هذه العبارة تظهر أيضًا في روايات أخرى، ولفهمها بشكل أفضل، من الضروري تشكيل أسرة حديث مرة أخرى. إحدى هذه الروايات، وهي من نفس الأسرة، هي كالتالي: «يا من أرجوه لكل خير – ويا من آمن سخطه عند كل عثرة ويا من يعطي بالقليل الكثير يا من أعطى من سأله» (الكليني، 1407هـ، 585/2). عندما وصل الشارحون إلى هذا الجزء من كتاب الكافي، ذكروا معانٍ متعددة لـ«آمن سخطه» يمكن الإشارة إلى ما يلي منها:
المقصود بالسخط هو ما يؤدي إلى الخلود في جهنم. (المجلسي، 1404هـ، 459/12). بهذا المفهوم، يكون معنى الدعاء: «أنا آمن من الخلود في جهنم بفضل لطف الله، مع أني لو حوسبت بعدله، لاستحقت الخلود في النار».
المراد بالأمان هو الأمل والرجاء بالعفو والمغفرة من الله. (المصدر نفسه). وبهذا، يمكن فهم الدعاء أيضًا على النحو التالي: «من السخط الإلهي، [لدي أمل] بالمغفرة». هذا المعنى، بالنظر إلى وجود كلمة «أرجو» في بداية نفس الدعاء، أقرب إلى الذهن. في الواقع، «أرجو» موجودة تقديرًا في «آمن» أيضًا.
ذكر هذه النقطة مفيد أيضًا، وهو أن «القوم الخاسرين» أساسًا لا يدعون ولا يسعون إلى نيل رضا الله في أيام شهر رجب المبارك حتى يعتبر أمانهم من السخط الإلهي من عملهم. يبدو أن الناقد المحترم قد أخطأ أيضًا في فهمه للآية الشريفة.
كما ذُكر في مقدمة المقال، طالما يمكن النظر في وجوه من المعنى للرواية بحيث لا تتعارض مع العقل والقرآن الكريم، فإن واجب الباحث في الحديث هو حمل الرواية على ذلك المعنى. حتى لو كان ذلك المعنى أبعد من ظاهر الرواية. في هذه الرواية، التي لا يسود فيها مثل هذا الوضع، والاستنباطات المذكورة من هذا الدعاء محتملة وعقلانية تمامًا. لكن يُلاحظ أن السيد الطباطبائي قد سلك طريق اعتبار الرواية موضوعة، غافلًا عن أنه بمثل هذا النقد، تُبعد معارف قيمة مثل هذا الدعاء الشريف عن متناول المهتمين دون وجه حق.
٢. مغفرة الشيعة ومحبي أمير المؤمنين ومحبي محبيهم
من الروايات الأخرى التي انتقدها السيد الطباطبائي واعتبرها موضوعة، رواية من كتاب عيون أخبار الرضا، والتي تناولها ضمن نقد آثار الشيخ الصدوق. يكتب حسيني الطباطبائي:
في كتاب «عيون أخبار الرضا» للشيخ الصدوق، ورد:
«وبهذا الإسناد قال قال رسول الله (ص): يا علي إن الله تعالى قد غفر لك ولأهلك ولشيعتك ومحبي شيعتك ومحبي محبي شيعتك.» (الصدوق، 1378، 47/2).
يعني: «بهذا الإسناد (الذي سبق ذكره) قال النبي (ص): يا علي، إن الله تعالى قد غفر لك ولأهلك ولأتباعك ولأصدقاء أتباعك ولأصدقاء أصدقاء أتباعك (جميعًا)!».
في هذا الحديث، كما تلاحظون، حدثت مبالغة مدهشة. يُعلن أن كل من (حتى لو كان كافرًا وظالمًا وفاسقًا) يحب أصدقاء الشيعة، فهو مغفور له عند الله سبحانه. لا شك أن هذا الكلام ليس كلامًا نبويًا (ص)، وكذبه واضح لدرجة أنه لا يحتاج إلى دراسة السند. (حسيني طباطبائي، 1379، 72، 73).
عند مواجهة مثل هذا الحديث، نلاحظ مرة أخرى أنه بسبب عدم بذل جهود فقه الحديث اللازمة لفهم محتوى الحديث، نُسب إليه معنى، ثم هوجم هذا المحتوى دون قيود محتملة وردت في روايات أخرى، واعتُبر موضوعًا. النقاط التالية جديرة بالاهتمام في دراسة ونقد هذه الرواية من قبل الناقد المحترم:
لفظ «الشيعة» في الروايات يُستخدم بمعنيين. المعنى الأول يُطلق على من يقبلون بالخلافة المباشرة لأمير المؤمنين (ع) بعد رسول الله، ويعترفون بقيادة وزعامة أهل البيت على المجتمع. هذا هو المعنى العام للشيعة. ولكن في معنى أخص، أحيانًا يطلق أهل البيت (ع) هذا اللفظ القيم على أفراد قد لا يكونون في مقام العمل يتبعون أهل البيت بالتبعية اللازمة، ويعارضونهم بشدة. (الصدوق، 1362، 3؛ المجلسي، 1403، 158/65)، واعتبروا هذا اللقب جديرًا فقط بذلك الجزء من أصدقائهم الذين تزينوا بخصائص التابع الحقيقي في مقام العمل. معظم روايات كتاب «صفات الشيعة» للشيخ الصدوق مخصصة لهذا الأمر المهم. لذا، فإن مغفرة مثل هؤلاء الأفراد ليست بعيدة عن الذهن ولا مبالغًا فيها بأي حال.
إمكانية شفاعة الشيعة الحقيقيين لأصدقائهم وأهل بيتهم نُقلت في روايات متعددة. مثلًا، في حديث لوح جابر في بيان خصائص شيعة الإمام الجواد عليه السلام نقرأ: «لا يؤمن عبد به إلا جعلت الجنة مثواه وشفعته في سبعين من أهل بيته كلهم قد استوجبوا النار». (الكليني، 1407هـ، 528/1). بالطبع، هذه الشفاعة ستتم بإذن إلهي.
لم يتم تحديد وقت مغفرة أصدقاء الشيعة وأصدقاء أصدقاء الشيعة في هذه الرواية. وبذلك، فإن أحد المعاني المحتملة للرواية هو أن الله سيغفر لمثل هؤلاء الأفراد في النهاية. لكن وقت هذه المغفرة قد يكون بعد تحمل بعض العقوبات من قبلهم في عالم البرزخ أو في القيامة. روايات أخرى تشير إلى عذاب بعض الشيعة في جهنم لتطهيرهم من دنس الذنوب، تؤكد وجود مثل هذا الاحتمال. (المجلسي، 1403هـ، 154/65). في الواقع، سيكون معنى الرواية المذكورة أن الشيعة ومحبي الشيعة سيكونون في أمان من الخلود في النار. لا أنهم غير مسؤولين عن ذنوبهم وأخطائهم، ويمكنهم التهرب من عبء ذلك بمجرد الاعتماد على محبة أهل البيت أو شيعتهم.
بالإضافة إلى ما سبق، كان يمكن للانتباه إلى دلالة الرواية أن يغير من توجه الناقد المحترم في اعتبار الرواية موضوعة. لأن هذه الرواية الشريفة ليست في مقام تشجيع الشيعة وتجرئتهم على المعصية، ولا تعتبر محبة أهل البيت كافية للسعادة والنجاة. بل دلالة الحديث هي بيان قيمة جوهر الإيمان والمعرفة بولاية أمير المؤمنين (ع). هذه الرواية بصدد بيان أن ولاية أهل البيت (ع) جوهر ثمين يؤدي في النهاية إلى النجاة والهداية. لذا، يجب تقديره والهمة في الحفاظ عليه.
الخاتمة
1. الشرط المسبق لنقد الحديث هو الفهم الصحيح للحديث، والذي يمكن الوصول إليه بمبادئ فقه الحديث. أحد أهم الأساليب لفهم رواية هو تشكيل أسرة الحديث. كما أن عدم الانتباه إلى دلالة حديث بسبب عدم الاهتمام بصدره وذيله هو خطأ مهم في نقد الروايات. في كتاب «نقد كتب الحديث» لمصطفى حسيني الطباطبائي، في بعض المواضع، وبدون مراعاة هذه القواعد المهمة لفقه الحديث، تم استنباط مفاهيم غير صائبة من الروايات، وبناءً على هذا الفهم الخاطئ، وجهت تهمة الوضع إلى الروايات، وهو أسلوب غير علمي.
2. الانتباه إلى تاريخ الحديث ومفهوم بعض المصطلحات الخاصة في الروايات يمكن أن يؤدي إلى فهم أفضل للحديث. عدم الانتباه إلى هذا الموضوع أدى إلى نقد غير مبرر لبعض الروايات من قبل مؤلف «نقد كتب الحديث».
3. عدم الانتباه إلى أسباب التعارض بين الروايات أدى إلى أن يعتبر السيد الطباطبائي أحد طرفي الأحاديث المتعارضة موضوعًا، وهذا خطأ كبير. أولًا، في كثير من الحالات يكون التعارض ظاهريًا، وبقليل من التأمل يمكن الاستفادة من طرق الجمع بين الروايتين. ثانيًا، في حالة التعارض المستقر، مسائل مثل التقية ونسخ الأحكام هي موضع اهتمام الفقهاء والباحثين في الحديث، والتي بموجب قواعد، يمكن اختيار الروايات التي هي مناط العمل ورفع التعارض.
4. على فرض صحة جميع انتقادات السيد الطباطبائي للروايات – وهو ما تم إظهار خلافه في نماذج مختلفة خلال هذه المقالة، وهذه المقالة لم تتسع لتناول جميع الحالات – فإن التعميم غير المبرر لهذه المسألة على جميع كتب الحديث ليس فقط مثالًا بارزًا للاستقراء الناقص وسببًا لعدم علمية نقد الروايات، بل يعتبر أيضًا عملًا غير أخلاقي. لأن الحديث من أهم الموروثات الموثوقة في كشف الحقائق الدينية والأحكام الإلهية، وإضعافه بهذا الشكل يسبب تشاؤمًا غير مبرر لدى المخاطبين تجاه هذا التراث العظيم.
الهوامش
1. لقد كُتبت مقالات عديدة في نقد آراء سماحته. من بينها يمكن الإشارة إلى مقال «رأي الأخباريين والأصوليين في تفسير القرآن». (فائق، 1391، 169). كما تناولت مدونة ‘قرآنيان’ دراسة بعض الأحاديث التي طرحها السيد الطباطبائي ونقدت آراءه. هذه المدونة تنشر موادها تحت إشراف السيد محمد تقي حسيني ورجاني، وقد استُخدمت بعض مواد هذه المدونة لتكملة هذه المقالة. ومع ذلك، في دراسة آراء سماحته في نقد كتب الحديث، لم يُخصص حتى الآن أثر مستقل لتصنيف إشكاليات فقه الحديث لديه في نقد كتب الحديث.