الملخص: إن فهم الحديث في ظل علم فقه الحديث ينبثق من مبادئ أولية تنظم عملية فهم الحديث وسيرها. وإلى جانب جهود المحدثين في سبيل فهم الروايات كنص ديني، فإن علم الهيرمونطيقا، على الرغم من اختلافاتهِ الدورية والنظرية، هو أيضاً محاولة لفهم النص. ومن هذا المنطلق، فإن مقارنة ومطابقة هذين المجالين توضح نقاط الاشتراك والافتراق بينهما، وتمهد السبيل للاستفادة من نقاط القوة وتجنب نقاط الضعف. في هذا البحث، تمّت دراسة المبادئ الفقهية الحديثية عند آية الله جوادي آملي مقارنةً بعملية فهم النص في آراء بول ريكور الهيرمونطيقية، وذلك بأسلوب وصفي-تحليلي ومنهج مقارن. وتُظهر نتائج البحث أن بول ريكور، من خلال طرح مفهوم تباعد النص عن المؤلف، يعتبر غاية التفسير تملك النص من قبل المفسر، مما يؤدي في النهاية إلى تفسير المفسر لذاتهِ. أما في مبادئ فقه الحديث عند آية الله جوادي آملي، فإنّ العناية بالمؤلف وخصائصه ومميزاته أمرٌ ضروريٌّ للتقرب من المراد الجاد للمتكلم. ففي آراء بول ريكور، يحتل النص مكانة خاصة بالنسبة للمؤلف والمفسر، وتنبثق معانٍ جديدة من عالم النص. بينما في مبادئ فقه الحديث عند آية الله جوادي آملي، يكون لكل من الاهتمام بالنص وطبقاته المعنوية، وخصائص المؤلف وحجية روايات المعصومين (عليهم السلام)، وكذلك مستوى فهم المخاطب وقدرته على الاجتهاد، نصيبٌ محددٌ في بلوغ مقصد المتكلم.
- طرح المسألة
على الرغم من أن الروايات في بنيتها الأولية كانت شفوية وقولية، إلا أنها مع تدوينها أصبحت نصاً متاحاً للمخاطبين في عصور مختلفة. واليوم، فإن رجوع المحدث والمفسر إلى الروايات يُعدّ من جنس الرجوع إلى نص ثابت. وبما أن الروايات في معتقد المسلمين تُعد مصدراً لاستنباط وتلقي الدين والمسائل المتعلقة به، فإن الرجوع إلى النصوص الروائية يتمّ بهدف فهم المعنى المستتر فيها وتلقيه. ومن هذا المنطلق، فإنها تحتاج إلى قواعد لفهم النص، وكذلك إلى عملية لاكتشاف المعنى المراد. 1
ومن هنا تنشأ مباحث فقه الحديث في التعامل مع الروايات وفهمها. أما في الفكر الغربي، فإن الجهود المبذولة في مواجهة النص وتفسيره تتجلى في علم الهيرمونطيقا. فقد طُرحت الهيرمونطيقا في الفكر الفلسفي الغربي كعلم مستقل، واحتلت مكانة مرموقة في مجال الفكر البشري. وبما أن المسألة الأساسية في الهيرمونطيقا، بغض النظر عن اتجاهاتها المختلفة، هي فهم النص وتفسيره، 2 فإنها تتوافق من هذا الجانب مع جهود المفسرين والمحدثين الذين يسعون إلى فهم النص واكتشاف قواعد فهمه. وتشمل الهيرمونطيقا فترات مختلفة، وتتضمن اتجاهات متباينة من حيث المنهجية أو المعرفية، بناءً على آراء الفلاسفة والباحثين في هذا المجال. لذلك، يتناول هذا البحث من بين هذه الفترات فترة الهيرمونطيقا المعاصرة، وتُتخذ آراء بول ريكور كأحد أبرز الهيرمونطيقيين في هذه الفترة أساساً للدراسة، 3 وذلك بهدف الوصول إلى نتائج مناسبة في نطاق أضيق. ومن جهة أخرى، تُدرس في مباحث فقه الحديث مبادئ آية الله جوادي آملي في فهم الروايات. ومن خلال مقارنة هذين المجالين بمنهج وصفي تحليلي، سيتضح لنا مجالات الاشتراك والافتراق بين مبادئ وقواعد فهم النص في هيرمونطيقا بول ريكور ومبادئ فقه الحديث عند آية الله جوادي آملي. 4ويرتبط هذا البحث من جهة بمباحث فقه الحديث، ومن جهة أخرى بمباحث الهيرمونطيقا. 5 وقد أُجريت في كلا المجالين بحوث مستقلة، وكُتبت في هذه البحوث عن المبادئ والأصول والأساليب أو التحديات في كلا المجالين، وكذلك نقود حول بعض المسائل. 6
أما فيما يتعلق بالدراسة المقارنة للهيرمونطيقا مع أصول الفقه والتفسير ومباحث فقه الحديث، فيمكن الإشارة إلى عدد من الدراسات التي أُجريت:
-
كتاب “عوامل فهم النص في علم الهيرمونطيقا وعلم أصول الاستنباط من وجهة نظر بول ريكور والمحقق الإصفهاني” 7 للمؤلف حميدرضا حسني.
-
مقالة “مقدمة لمبادئ فهم النص من وجهة نظر المحقق الإصفهاني والهيرمونطيقا” 8 لحميدرضا حسني.
-
مقالة “تأثير الفهم المسبق على فهم النص: نظرة مقارنة لآراء الهيرمونطيقا الفلسفية والمفكرين الإسلاميين” 9 لمحمد قاسم عرفاني.
-
مقالة “تأثير الهيرمونطيقا ومبادئها على مباحث أصول الفقه” 10 لمحمد عرب صالحي.
-
مقالة “علاقة الفهم الفقهي للنصوص الوحيانية بعلم الدلالة والهيرمونطيقا” 11 لمحمد جواد سلمانبور.
-
مقالة “دور الافتراض المسبق في فهم النص من وجهة نظر آية الله الطباطبائي وغادامير” 12 لسهيلا آبيار وزملاؤها.
-
مقالة “دراسة مقارنة للمبادئ المشتركة لتفسير القرآن والهيرمونطيقا الكلاسيكية” 13 لعلي رضا آزاد وجهانغير مسعودي.
-
رسالة ماجستير بعنوان “دراسة مقارنة للمبادئ التفسيرية لآية الله الطباطبائي وهيرمونطيقا بول ريكور” 14 لمالك محمدزاده مشيزي. في هذه الرسالة، أُشير إلى أوجه التشابه مثل النص المحوري، وتجنب التفسير بالرأي، والتمييز بين المعنى والمصداق في تطبيق آراء العلامة الطباطبائي وبول ريكور. 15 وقد أشار الكاتب إلى أنه على الرغم من وجود هذه التشابهات، فإن آراءهما تتباعد في بعض النقاط. فعلى سبيل المثال، منهج العلامة الطباطبائي في تفسير القرآن بالقرآن نص محوري مع الأخذ في الاعتبار الحضور الدائم للمؤلف في النص، بينما منهج ريكور نص محوري مع الأخذ في الاعتبار “موت المؤلف” ومفهوم “المؤلف الضمني”. 16 ويرجع ذلك إلى أن أحد نقاط الاختلاف بينهما هو نوع النظرة إلى النص الإلهي والنص البشري. فالعلّامة الطباطبائي يميّز بين النص الإلهي والنص البشري. 17 بينما يرى ريكور في نظرة عامة أن النص البشري والإلهي متساويان. 18 ومن أوجه الاختلاف الأخرى التي يشير إليها الكاتب 19 كيفية التحقق من صحة التفاسير، حيث يعتبر العلامة الطباطبائي أن معيار التفسير هو النص نفسه، وإذا قُدم دليل من القرآن نفسه على صحة التفسير، فإن هذا التفسير يُعتبر صحيحاً. 20 أما من وجهة نظر ريكور، فإن صحة التفاسير تعتمد على قابلية الإبطال (Falsifiability)، وليست بالضرورة معتمدة على النص نفسه، وقد تتدخل دلائل خارجية في صحة التفسير. 21
-
مقالة “مبادئ فقه الحديث في ظلال الصحيفة السجادية على ضوء نموذج الهيرمونطيقا الموضوعية عند بيتي وهيرش” 22 لفاطمة جيان.
-
رسالة ماجستير بعنوان “دراسة مقارنة للمبادئ المشتركة لفقه الحديث والهيرمونطيقا الكلاسيكية” 23 لإحسان مقدم.
-
رسالة ماجستير بعنوان “دراسة مقارنة للهيرمونطيقا الكلاسيكية ومنهج فقه الحديث عند آية الله المجلسي والشيخ البهائي” 24 لرؤيا عظيمي.
-
رسالة ماجستير بعنوان “دراسة مقارنة لمبادئ فهم الحديث عند آية الله المجلسي بالنظر إلى “مرآة العقول” (مع التركيز على أصول الكافي ومبادئ فهم النص عند شلايرماخر)” 25 لزهرا أحمدي.
وفيما يتعلق بدراسة مبادئ ومنهجيات فقه الحديث عند آية الله جوادي آملي، يمكن الإشارة إلى رسالة دكتوراه بعنوان “فهم الأحاديث التفسيرية في تفسير تسنيم” 26 بقلم طاهرة ناجي، والتي تتناول دراسة مبادئ ومنهجيات آية الله جوادي آملي في التعامل مع الروايات التفسيرية. كما نُشرت مقالة بعنوان “دراسة مبادئ فقه الحديث للأستاذ جوادي آملي مع التركيز على تفسير تسنيم” 27 بقلم طاهرة ناجي وزملاؤها. ولكن لم تُجرَ دراسة تتناول المقارنة بين مبادئ فقه الحديث عند آية الله جوادي آملي وآراء بول ريكور الهيرمونطيقية. 28 لذلك، في هذا البحث، مع الأخذ في الاعتبار هذا الموضوع، سيتم استخلاص عملية فهم النص وتلقي المعنى في آراء فقه الحديث عند آية الله جوادي آملي، وكذلك آراء بول ريكور، وستُعرض النتائج المستخلصة من مقارنتهما وتطبيقهما. 29 وتندرج هذه الدراسة، التي تُجرى بمنهج وصفي-تحليلي، ضمن البحوث المقارنة. 30 وتُتيح الدراسات المقارنة إمكانية تحليل المسائل في مجالين مستقلين، حيث يمكن أن تكون النتائج المستخلصة من هذه المقارنة مؤثرة في فهم أكمل وأدق لكل من مجالات الدراسة. 31 ومن ناحية أخرى، يمكن الاستفادة من قدرات كل مجال في استخدام المنهجيات أو تقديم المبادئ والقواعد الخاصة لتعزيز المجال المقابل. 32 وبناءً على ذلك، سيتم في هذه المقالة أولاً تقديم الإطار المفاهيمي للبحث مع شرح موجز لفقه الحديث والهيرمونطيقا، ثم الإشارة إلى مبادئ فقه الحديث وعملية فهم النص في آراء آية الله جوادي آملي، ومقارنتها بقواعد فهم النص من وجهة نظر بول ريكور. 33 ثم سيتم في كل قسم الإشارة إلى النتائج المستخلصة من المقارنة التي تمت. 34 وفي الختام، سيتم تقديم خلاصة عامة لنقاط الاشتراك والافتراق بين هذين المجالين. 35 وسيتم عرض المحتوى في ثلاثة أقسام: المؤلف، والنص، والمفسر.
-
الإطار المفاهيمي للبحث
2.1. فقه الحديث
فقه الحديث مركب من كلمة “فقه” بمعناها اللغوي، و”الحديث” بمعناها الاصطلاحي. 36 وقد عُرّف “الفقه” لغةً بمعنى إدراك الشيء والعلم به 37 (ابن فارس، 1404هـ، 4: 444)، والفهم 38 (جوهري، 1376هـ، 6: 2243)، والفهم بتأمل ودقة 39 (مصطفوي، 1426هـ، 9: 135). أما “الحديث” اصطلاحاً، فيشير إلى قول المعصوم (عليه السلام) وفعله وتقريره 40 (إصفهاني غروي، 1374هـ.ش، 80؛ شهيد ثاني، 1408هـ، 50). وبناءً على هذه المعاني، فإن فقه الحديث هو علم يتناول دراسة متن الحديث، ويوضح قواعد فهمه وعملية فهمه، ويقربنا من المراد الأصلي للمتكلم 41 (مسعودي، 1396هـ.ش، 30). وهذا العلم هو مسار وعملية. 42 وفي هذه العملية، بالإضافة إلى شرح مفردات الحديث، نسعى إلى فهم المعنى الصحيح والعميق واستنباط أمور جديدة من الحديث 43 (مدير شانه چي، 1377هـ.ش، 2).
وفي الاستنباط والاستفادة من الروايات، وبما أن النصوص الروائية مقارنة بالقرآن ليست قطعية السند، فإن من يقصد الاستفادة من هذه النصوص يجب عليه أولاً أن يتأكد من صدور هذا النص عن المعصوم. وهذه العملية، التي تتمّ لفهم صحة الصدور وصولاً إلى إدراك مقصد المتكلم، هي نفسها عملية فقه الحديث التي تسعى بشكل عام إلى فهم الحديث. ولذلك، فإن نتيجة ومقصد 44 فقه الحديث هو الفهم والإدراك الذي يتمّ من الروايات في قالب النص والخطاب المكتوب. 45
2.2. آية الله جوادي آملي والاستفادة من الروايات
آية الله جوادي آملي هو من العلماء المعاصرين، وهو صاحب تفسير “تسنيم” 46 وعشرات المؤلفات في مجالات القرآن والحديث والمسائل المتعلقة بهما. وقد بُني تفسير “تسنيم” على منهج تفسير القرآن بالقرآن؛ 47 إلا أن هذا لا يمنع من استخدام الروايات في المباحث التفسيرية. وهو من المفسرين الذين يعتقدون بمنهج تفسير القرآن بالقرآن، ويرى أن القرآن لا يحتاج في تفسيره إلى غيره 48 (جوادي آملي، 1388هـ.ش (أ)، 1: 138). ومع ذلك، فإن تفسير “تسنيم” الذي تشكّل ببياناته، هو مصدر للروايات التفسيرية، وقد أكد هو على أنه لا يمكن فهم مفاد القرآن دون الرجوع إلى الروايات 49 (المصدر نفسه، 164). ويُعدّ مدى استخدام الروايات وشمولية الاستفادة منها لفهم الآية في تفسير “تسنيم” أمراً ذا أهمية. وحل هذه الازدواجية يكمن في المعنى الذي يقدمه للتفسير. فمن وجهة نظره، التفسير يعني: “كشف وجه الكلام الذي بُني على قانون المحاورة، ومعناه ليس واضحاً للمخاطب” 50 (المصدر نفسه، 53). وبما أن القرآن واضح لا غموض فيه، فإنه من هذه الناحية لا يحتاج إلى التفسير الروائي 51 (جوادي آملي، 1388هـ.ش (ب)، 389). ومع ذلك، تُستخدم الروايات لتبيين التفاصيل وتوضيح كليات آيات القرآن 52 (جوادي آملي، 1388هـ.ش (أ)، 1: 140).
كما أن الروايات في مقابل الاستنتاجات التفسيرية، لها جانب تأييدي أكبر. وفي هذا السياق، فإن مطابقة أو تقديم مصاديق وردت في الروايات توضح مفهوم الآية بشكل أكبر. وبالطبع، فإن استخدام آية الله جوادي آملي للروايات لا يقتصر على الروايات التفسيرية في التسنيم، بل إنه استفاد من الروايات في مباحثه الفقهية والأخلاقية وغيرها التي قدمها. 53 وبشكل عام، فإن الروايات والنصوص النقلية تشكل أحد أضلاع الهندسة المعرفية في نظره. فمن وجهة نظره، فإن العقل والنقل والشهود هي الأضلاع الثلاثة لهندسة المعرفة الدينية، وكل منها قسيم للآخر في فهم الدين 54 (جوادي آملي، 1388هـ.ش (أ)، 12: 641). 55
إن الاستفادة من الروايات تتطلب عملية تؤدي إلى فهم الحديث. 56 هذه العملية تنبع من مبادئ فقه الحديث. فالمفسرون والمحدثون لديهم مبادئ مشتركة في فقه الحديث، وفي بعض الأحيان قد يتوصل الباحث في الحديث إلى مبادئ خاصة به في عملية فهم الحديث. 57 وفي هذا البحث، ومع الأخذ في الاعتبار المجال المتاح لهذه الدراسة، نشير إلى عدة مبادئ من مبادئ فقه الحديث عند آية الله جوادي آملي، والتي تحتل مكانة أهم بين المبادئ التي طرحها. 58 والمبادئ هي مجموعة من الافتراضات المسبقة الاعتقادية والكلامية واللغوية والتاريخية والعلمية للباحث بالنسبة لفهم النص والمؤلف والعناصر الأخرى المتداخلة في عملية الفهم، والتي يعتمد عليها الباحث في بحثه. ويجب على الباحث أولاً تحديد وجهة نظره حول هذه المبادئ، والبحث ضمن إطارها. 59 ويبدو أن كلمة “مبادئ” قد أُطلقت تدريجياً في استعمال الباحثين في العلوم على الافتراضات المسبقة الكبرى والأصول المسلّمة الكلامية والفلسفية، وحتى على أدلة إثبات نظرية معينة 60 (شايان مهر، 1379هـ.ش، 523).
2.3. الهيرمونطيقا
الهيرمونطيقا مشتقة لغةً من الكلمة اليونانية “Hermeneuein” بمعنى “التفسير” 61 (Bruns, 1992, 30). أما فيما يتعلق بالمعنى الاصطلاحي للهيرمونطيقا، فنظراً لتعدد عصور هذا العلم واتساع الآراء المطروحة واختلاف وجهات النظر، لا يمكن تقديم تعريف واحد جامع للهيرمونطيقا. ومع ذلك، يمكن في سياق مباحث الهيرمونطيقا التوصل إلى مؤشرات وعوامل توضح النطاق المفاهيمي لهذا المجال، كمسائل مثل طبيعة النص، وقصد فهم النص، وكيفية تأثر الفهم بالافتراضات المسبقة 62 والمعتقدات السابقة. ومن خلال هذه المباحث، يمكن اعتبار ثلاثة عناصر رئيسية في الهيرمونطيقا وهي: النص، والمؤلف، والمفسر، وقد أُبديت آراء مختلفة في عصور الهيرمونطيقا المتعددة حول علاقة هذه المكونات بفهم النص، أو أصالة كل منها في عملية التفسير. 63 فعلى سبيل المثال، وبناءً على أي من هذه العناصر تُعطى الأصالة، نشأت الهيرمونطيقا المرتكزة على المؤلف، والهيرمونطيقا المرتكزة على النص، والهيرمونطيقا المرتكزة على المفسر. ففي الهيرمونطيقا المرتكزة على المؤلف، يستخدم المفسر، بالإضافة إلى التفسير اللغوي، التفسير النفسي، ويتوصل من خلاله إلى ذهنية المؤلف بالنظر إلى حياته وعصره، وتساعد جميع هذه العوامل المفسر على فهم معنى النص 64 (ديتلتاي، 1388هـ.ش، 76).
تأثرت الهيرمونطيقا التي تركز على المفسر بأفكار “كانت” 65 (Bleicher, 1980, 98). والعامل المحدد لمعنى النص في هذا التوجه هو المفسر وعلومه وبصيرته. 66 ففي هذا التوجه، المهم هو المعنى الذي يتلقاه المفسر أو المخاطب، ولا يوجد معنى في ما وراء النص يسعى المفسر إلى تلقيه أو يمكن مطابقة فهم المفسر والمخاطب به. لذلك، في هذا الفهم، جميع الفهوم متساوية القيمة ولا تفضل إحداها على الأخرى، لأنها يمكن أن تكون فهماً للنص يعتمد على نظرة المفسر وعلمه وبصيرته 67 (أحمدي، 1377هـ.ش، 582). وفي الهيرمونطيقا التي تركز على النص، فإن الأصالة للنص. 68 ويمكن ملاحظة الميل إلى أحد هذه المجالات في آراء الهيرمونطيقيين، أو في بعض الحالات، ملاحظة مزيج من التوجهات.
في تصنيف آخر، يمكن تقسيم عصور الهيرمونطيقا إلى ثلاثة مراحل: العتيق، الكلاسيكي، والمعاصر. 69 تركزت الأفكار الهيرمونطيقية في البداية، وفي المرحلة الأولى، على فهم وتفسير النصوص المقدسة. 70 وكان الهدف في هذه المرحلة هو كشف معنى النص وإزالة الغموض الدلالي. 71 وفي هذه المرحلة، التي تعود إلى القرون الوسطى وما قبلها، لم تدخل النقاشات الفلسفية النقدية في المباحث الهيرمونطيقية 72(حسني، 1393هـ.ش، 3). كما لم تكن الهيرمونطيقا تُطرح بشكل جدي كفرع خاص من المعرفة. وفي هذه المرحلة، كانت الهيرمونطيقا تساعد في إزالة سوء الفهم من خلال توضيح الغموض. المرحلة التالية هي مرحلة الهيرمونطيقا الحديثة أو الهيرمونطيقا الكلاسيكية التي تشكلت في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في الغرب. ومن مؤسسي هذه المرحلة يمكن الإشارة إلى “شلايرماخر” و”فيلهلم ديلتاي”. وقد سُعي في هذه المرحلة إلى استخدام الهيرمونطيقا كطريقة ومنهج في مباحث العلوم الاجتماعية 73 والعلوم الإنسانية. ومن وجهة نظر ديلتاي، الهيرمونطيقا علم 74 (Groundin, 1994, 84-86) يتولى تقديم الأسس المنهجية للعلوم الإنسانية.
لذلك، لم تعد الهيرمونطيقا مقتصرة على النصوص الدينية، بل دخلت مجالات أخرى. فعلى سبيل المثال، في هذه المرحلة، استخدم فهم النص كطريقة لفهم وجود الإنسان أيضاً. وكان الأصل في هذه المرحلة هو سوء الفهم، وما يمنع هذا الفهم الخاطئ هو استخدام الهيرمونطيقا وقواعدها في فهم النص. وقد أدى تطور الهيرمونطيقا الحديثة إلى الهيرمونطيقا المعاصرة. ومن أبرز فلاسفة هذه المرحلة “مارتن هايدغر”، 75و”هانز غادامير”، و”بول ريكور”. وتُعرف هذه المرحلة أيضاً باسم “الهيرمونطيقا الفلسفية”. 76 وتستفيد الهيرمونطيقا في هذه المرحلة أيضاً من مباحث فينومينولوجيا هوسرل والأنطولوجيا. 77 والعنصر المهم الآخر في هذه المرحلة هو التوجه التاريخي. التغيير الأساسي في هذه المرحلة هو أن الفهم لم يقتصر على معرفة الأشياء والأمور الأخرى، بل نظر إلى الفهم كطريقة لوجود الإنسان في العالم. أي أن مسار الهيرمونطيقا قد تحول من المباحث المنهجية التي أسسها ديلتاي وشلايرماخر نحو المباحث الوجودية والأنطولوجية 78 (حسني، 1393هـ.ش، 4-6).
لكن مباحث الهيرمونطيقا لم تتوقف عند هذا الحد. ففي السنوات الأخيرة، نهض البعض بمعارضة النسبية، التي تُعدّ من خصائص الهيرمونطيقا الفلسفية، وطرحوا مباحث جديدة بالاستناد إلى الموضوعية التي طُرحت في الهيرمونطيقا الكلاسيكية، 79 وتشكّلت “الهيرمونطيقا النيوكلاسيكية” 80 (Palmer, 1969, 45-65).
2.4. بول ريكور والهيرمونطيقا
بول ريكور (1913-2005م) من بين الهيرمونطيقيين الذين تشمل أعمالهم وآراؤهم نطاقًا متنوعًا من الموضوعات. 81 وقد أكمل ريكور آراءه بدمج وتطوير مباحث الفلسفة واللسانيات في مجالات متنوعة. 82 فعلى سبيل المثال، استفاد من مباحث اللسانيات البنيوية في منظور سوسور، ونظرية فعل الكلام عند جون أوستن وجون سيرل، ومباحث الخطاب في آراء ميشيل فوكو، وآراء آخرين. 83 ويسعى بول ريكور إلى الاستفادة من نقاط القوة في كل من النظريات الموجودة وإزالة عيوبها. 84 فعلى سبيل المثال، على عكس الهيرمونطيقيين مثل غادامير، رأى ريكور أن فهم النص ممكن، ونظم مباحثه الهيرمونطيقية بدمج مباحث الهيرمونطيقا القديمة التي كانت تتناول تفسير النصوص المقدسة، وكذلك الطرق العملية التي تجعل فهم النص ممكناً. 85
نظرًا لنقاط الضعف التي اعترت اللسانيات البنيوية من حيث اختزال اللغة إلى جوانب بنيوية وإهمال الخصائص والميزات التي تتمتع بها اللغة كـ”خطاب” في التجارب اللغوية اليومية، قدم ريكور أسسًا جديدة في منهجه تجاه اللغة لاستكمال المنهج البنيوي للغة. وبدلاً من إعطاء الأصالة للغة، يؤكد ريكور على أهمية وتفوق “الخطاب” و”التكلم”. 86 وبهذه النظرة، يؤكد في الواقع على دور المتكلم والمتحدث، والجانب الإخباري للغة، ومرجعها ومحكها الذي تم إهماله من منظور البنيوية 87 (حسني، 1393هـ.ش، 53-55).
لذلك، من بين المفاهيم التي لها أهمية في معرفة هيرمونطيقا ريكور، مفهوم “الخطاب”. 88 وهذا المفهوم له معانٍ واستخدامات متعددة، ويختلف تعريفه باختلاف الزاوية التي يُنظر منها إليه. فعندما يستخدم الخطاب كتحليل لبنية النصوص والخطابات، يُشار إليه بتحليل الخطاب. وفي تحليل الخطاب، يُقصد معرفة المعنى المركزي للكلام أو النص، وتساعد العوامل غير اللغوية أو سياق الموقف في التحليل الصحيح. وفي هذه النظرة، يُعدّ تحليل الخطاب أداة ومنهجاً لفهم محتوى النص وبنيته 89 (كوبلي، 1387هـ.ش، 3: 600). 90
من وجهة نظر ريكور، الخطاب حدث وأمر مستحدث؛ أي أنه وقوع أمر يحدث بالتكلم. وهنا، تكتسب اللغة بعداً زمانياً 91 (Ricoeur, 1990, 133). وفي هذا السياق، فإن الخطابات الشفوية هي أحداث عابرة، أما الخطابات المكتوبة، فبما أنها ثابتة ومتشكلة في قالب نص، فإنها لا تزول بعد وقوعها وتكون قابلة للدراسة. 92 في تعريف ريكور للخطاب، عنصرا “الحدث” و”المعنى” لهما مكانة. 93 وبناءً على هذه المفاهيم، فإن الخطاب أمر زمني يُدرك في الحاضر، وهو عملية ديناميكية يتم فيها إنتاج معانٍ جديدة من خلال تركيب المفردات. ويشير كون الخطاب حدثاً إلى وجود المتكلم وفاعل الخطاب الذي تُروى الأقوال عنه. 94 أي أن شخصاً قد عبّر عن نفسه في قالب الكلام أو الكتابة 95 (حسني، 1393هـ.ش، 66-67).
لذلك، في الخطاب، تكتسب الضمائر الشخصية ومن هو المتحدث معنىً 96 (Ricoeur, 2000, 254; Ricoeur, 2003, 30)، وهو أمر كان بلا معنى في اللسانيات البنيوية. وهذا الأمر يظهر خاصية أخرى للخطاب، وهي وجود مخاطب. فالخطاب له متكلم ومتلقي. والمتلقون هم الطرف المقابل في الخطاب الذي يمكن تلقيه عبر الكلام أو الكتابة. وفي عملية الخطاب، يشير المتكلم أو الكاتب إلى عالم من المعنى للمخاطب أو المتلقين. 97 وهو عالم يتكون من البنية اللغوية والعوامل غير اللغوية التي يحكي عنها الخطاب. 98
ومن هذا المنطلق، فإن عملية الخطاب من وجهة نظر ريكور تمر بمرحلتين. 99 في المرحلة الأولى، تدخل المفردات والنظام اللغوي مرحلة المعنى، والتي تُسمى “عتبة المعنى”. 100 وفي المرحلة التالية، يشير الخطاب إلى مصداق ومحك خاص، ويحكي عنه. وتُسمى هذه المرحلة “عتبة المحك” 101 (Ricoeur, 2000, 4). والمعنى الذي ينتج في الخطاب من وجهة نظر ريكور يتحقق من خلال فعل الكلام. وفي هذه النظرة، الكلام كفعل ينقل المعنى من خلال سلوك منظم. 102 لذلك، يُقصد بفعل الكلام أو الفعل القولي الفعل الذي ينتج عن قول مقصود. 103 ومن أمثلة ذلك: إلقاء التحية، والاعتذار، والسؤال، ووصف شيء ما، والأمر، وغير ذلك (Searle, 1969, 68).
وفيما يلي، لغرض الدراسة المقارنة بين مبادئ فقه الحديث عند آية الله جوادي آملي وآراء بول ريكور الهيرمونطيقية، سيتم عرض الآراء في ثلاثة محاور: النص، والمؤلف، والمفسر. 104
مكانة النص في عملية فهم النص
النص من وجهة نظر ريكور هو خطاب تمّ تثبيته بالكتابة 105 (Ricoeur, 1990 (b), 145). أي أن كل نص هو صورة متجمدة من الخطاب. ويقصد ريكور بالنص تسجيل مباشر لشيء كان يمكن أن يُقال شفهياً. أي أن النص المكتوب ليس من الدرجة الثانية بالنسبة للكلام، بل هو أصل الكلام نفسه، ويتمتع بالأصالة 106 (حسني، 1393هـ.ش، 78). وبالتالي فإن الكتابة هي تسجيل مباشر وغير وسيط لمراد. 107
يُعرّف العلامة جوادي آملي “السنة” بأنها أعم من تقرير المعصوم (عليه السلام) وقوله وفعله. 108 وبالتالي، فإن المراد من السنة ليس خصوص الحديث اللفظي 109 (جوادي آملي، 1388هـ.ش (أ)، 1: 136). وعلى أي حال، فإن ما هو متاح للمحدث والمفسر هو الصورة المكتوبة لنفس السنة التي تحكي عن قول المعصوم (عليه السلام) وفعله وتقريره. لذلك، فإن الروايات والأحاديث كنص متاح هي تجسيد لنفس الخطاب الشفوي في نقل الروايات.
في آراء ريكور، عندما يحل النص محل الخطاب، تتغير طريقة حكاية اللغة للعالم 110 (Ricoeur, 1990, 147). فعند التكلم، وبما أن المتكلم والمستمع كلاهما حاضران، وحاضران في البيئة المحيطة أيضاً، فإن المعنى الحقيقي للألفاظ يرتبط بمحكها وينطبق عليها. 111 وفي مثل هذه الظروف، يُتاح فهم قصد المتكلم وتطبيقه على الخطاب الجاري، وذلك لأن إمكانية السؤال والحوار موجودة لتوضيح جوانب الخطاب، كما أن العناصر غير اللغوية مثل الإيماء والإشارة وتعبيرات الوجه وسياق الحديث تتيح فهم قصد المتكلم. أما في النص، حيث الكلام ثابت، فإن هذه الإمكانية غير موجودة. وهنا ينتهي الاتحاد بين المصاديق الخارجية وعملية الحكاية التي كانت موجودة أثناء التكلم. ونتيجة هذه العملية هي تبعية محتوى النص للقارئ، وعلى القارئ أن يتوصل إلى القصد الأصلي للمتكلم 112 (حسني، 1393هـ.ش، 79-81). 113
يقترب ريكور هنا من نظرية “موت المؤلف”. 114 وفي هذه الحالة، عند قراءة كتاب، يجب افتراض أن مؤلفه قد مات حالياً. 115 يقر ريكور بأن النص قد أنشأه مؤلف، ولكنه يرى أنه في لحظة مواجهة النص، يجب إقصاء المؤلف. 116 في حين أنه بناءً على مبادئ فقه الحديث عند آية الله جوادي آملي، كما تجلى الله في القرآن الذي هو كلام الله، كذلك تجلى الأئمة (عليهم السلام) كخلفاء إلهيين في كلامهم 117 (جوادي آملي، 1388هـ.ش (أ)، 1: 148). 118 والأصل في أهمية الروايات كنصوص دينية هو أهمية ومكانة مؤلفيها. 119 فالروايات عند المسلمين، كمصدر من مصادر استنباط المعارف الدينية، لها مكانة خاصة، وهذا الأمر عند الشيعة يرجع إلى صدور الروايات عن المعصومين (عليهم السلام). 120 وبما أن ريكور في نظرة عامة لا يفرق بين النصوص الدينية والنصوص البشرية، فإنه يقبل نظرية “موت المؤلف” كقاعدة عامة، ويفسر النص بناءً عليها. بينما جزء من عملية فقه الحديث هو تحديد أصل الصدور، لأنه في النص الديني، فإن المتكلم في النص له أهمية خاصة. 121
في عملية فهم النص، لا يعتبر ريكور النص خالياً من المحكات والمصاديق الخارجية، بل يرى أن مهمة القراءة وتفسير النص هي إيجاد المصداق للنص، والذي يتحقق من خلال التفسير. 122 123 (Ricoeur, 1990, 149) وذلك لأن كل خطاب، من وجهة نظر ريكور، بالإضافة إلى المعنى، له محك يشير إليه الخطاب أو يحكي عنه. 124 ومن ثم، فإن الخطاب له عالم يدل عليه. والمراد من “عالم النص” هو مجموع المحكات، أو المصاديق، أو المدلولات الخارجية للنصوص التي يقرأها القارئون، ويفهمونها، ويستمتعون بها 125 (Ricoeur, 1976, 37).
من منظور آية الله جوادي آملي، باب فهم روايات المعصومين (عليهم السلام) مفتوح للجميع 126 (جوادي آملي، 1388هـ.ش (أ)، 1: 325)؛ إلا أن الانتباه إلى نقطتين ضروري في هذا الصدد. أولاً: أن الفهم العام للروايات ليس من نوع الفهم الكنهي، لأن الفهم الكنهي لعلوم أهل البيت (عليهم السلام) غير ميسر لغير المعصوم، وذلك لأنهم يخبرون عن “لَدُنْ”، 127 و”أم الكتاب”، و”كتاب مبين”. ومع ذلك، وبما أن باب الفهم ليس مغلقاً، فيجب عند التعامل مع الأحاديث وفهمها مراعاة قيد “بقدر طاقة البشر” 128 (المصدر نفسه، 146).
والنقطة الثانية هي أن الوصول إلى هذا القدر من الفهم، في حدود وسع المخاطب، مصحوب بصعوبة، لأن معارف أهل البيت (عليهم السلام)، شأنها شأن مطالب القرآن الكريم، “قول ثقيل”، وفهم مثل هذا القول صعب على البشر العادي؛ لأن أصل كليهما من عند الله العليم الحكيم 129 (المصدر نفسه، 144). إذن، نحن أمام نص أولاً: فهمه بالكامل غير ممكن، وثانياً: الفهم الممكن منه يتم بصعوبة. 130 ولهذا الفهم مبادئ تجعل عملية الفهم ممكنة. 131
وضع اللفظ لروح المعنى
من مبادئ فقه الحديث عند آية الله جوادي آملي في التعامل مع الحديث، قاعدة “وضع اللفظ لروح المعنى”. 132 فمن وجهة نظره، الألفاظ قد وضعت للمفاهيم الجامعة والعامة، والتي يمكن تطبيقها على المصاديق المادية وغير المادية 133 (جوادي آملي، 1388هـ.ش (أ)، 2: 215؛ 134 هو، 1389هـ.ش (د)، 55؛ 135 هو، 1388هـ.ش (ب)، 400). أي أن الكلمات، بالإضافة إلى معناها الظاهري، قابلة للانطباق على معانٍ أخرى. فكما ينتقل الإنسان من كل مصداق إلى مصداق أعلى وأفضل، 136 هذا هو ما يعبر عن أن الألفاظ قد وضعت لأرواح المعاني لا لأجساد المعاني 137 (جوادي آملي، 1384هـ.ش، 172). 138
بقبول هذا الأصل، تستخدم الألفاظ في المعاني العامة، وتكون قابلة للانطباق على مصاديق أخرى في سياقات مختلفة. فعلى سبيل المثال، كلمة “باب” بمعناها الجامع يمكن أن تطلق على الأبواب الصناعية الكبيرة، على الرغم من أن هذه الأبواب لم تكن موجودة في زمن وضع هذه الكلمة؛ كما أن تطبيقها على الإنسان الكامل كأمير المؤمنين (عليه السلام) ممكن دون الحاجة إلى قرينة 139 (جوادي آملي، 1389هـ.ش (ج)، 1: 275). 140
يتم هذا الاستنتاج بناءً على اعتبار قضيتين: الأولى أن خصوصيات الألفاظ المادية لم تؤخذ في الاعتبار عند وضعها، والقضية الثانية هي مراعاة روح المعنى المشترك بين المصاديق المختلفة 141 (ناجي صدره وزملاؤها، 1396هـ.ش، 67). وقاعدة روح المعنى لا تستند إلى برهان عقلي أو نقلي، ويعتبرها آية الله جوادي آملي مستندة إلى الحدس 142 (جوادي آملي، 1388هـ.ش (أ)، 12: 46). ويُبين أن وضع الألفاظ، سواء كان تعيينياً أو تعينياً، طبقاً للمشاهدة لما يحدث في عصرنا، ومطابقاً لـ”حدس” الحال الماضي استناداً إلى تشابه الأزمان، يكون على هذا النحو: “إذا وُضع لفظ لمعنى ينطبق على أداة صناعية، 143 فإن استعمال ذلك اللفظ حقيقة، وانطباق ذلك المعنى على مصاديق متنوعة ومتطورة صحيح وجائز، مع أن تحولات كثيرة قد حدثت وتحدث في هذا الصدد، ولا يُطرح أبداً احتمال الخطأ أو المجاز بتبدل مادة إلى مادة أخرى، ولا بتحول صورة إلى صورة أخرى، أو صناعة إلى صناعة أخرى، مع الحفاظ على صحة الاستعمال وتحقيق الهدف. وهذا الأمر هو نفسه وضع اللفظ للمفهوم العام لـ”روح المعنى” وهدفه” 144 (جوادي آملي، 1388هـ.ش (أ)، 13: 213). 145
تطبيق هذه القاعدة في التعامل مع الألفاظ في فهم روايات المعصومين يكمن في أن “بما أن اللفظ قد وضع لمفهوم عام، فإن كل مصداق يمكنه تحقيق روح المعنى وهدفه، فإن تطبيق ذلك المعنى والمفهوم على المصداق المذكور حقيقة؛ 146 وليس مجازاً. إلا إذا أقيم شاهد على الحصر في مصداق معين” 147 (جوادي آملي، 1393هـ.ش، 127). وفي هذه الحالة، فإن الاستخدام التوسعي والمجازي يصبح حقيقة بمرور الزمن والتكرار. فعلى سبيل المثال، الرزق المعنوي، كـالرزق المادي، يدخل ضمن المعنى العام للفظ “الرزق”، والكل وما شابه ذلك 148 (جوادي آملي، 1388هـ.ش (أ)، 12: 72). وبالتالي، تُنزّه روايات المعصومين (عليهم السلام) عن المبالغة، والمغالاة، والمجاز، وما إلى ذلك. وفي هذه الحالة، لا تخرج ألفاظ النصوص المقدسة عن معناها الحقيقي، وتُستخدم في نفس المعنى 149 (شيواپور، 1394هـ.ش، 70). 150
إذا افترضنا أن الألفاظ وُضعت فقط لمصاديق خاصة موجودة في الخارج، أي أننا لم نأخذ بقاعدة “روح المعنى”، فإن استخدام الألفاظ سيظل محصوراً في نطاق ضيق ومفاهيم قديمة، 151 وفي هذه الحالة، فإن تطبيقها على غير المصاديق التقليدية والصناعية، أو الأفراد المجردة والمادية، سيحتاج إلى قرينة 152 (جوادي آملي، 1389هـ.ش (ج)، 1: 274). 153
لا يمكن العثور على قاعدة “وضع اللفظ لروح المعنى” بشكل محدد في آراء ريكور. 154 ومع ذلك، من وجهة نظر بول ريكور، لا يتحقق المعنى الحقيقي للكلمات إلا في الجملة، والمعاني المنسوبة إلى الكلمة في معاجم اللغة تتجسد في الجملة. 155 ويتحقق هذا الأمر من خلال السياق والظروف المحيطة بالجملة 156 (Ricoeur, 1990 (c), 149).
ومن ثم، يمكن القول إن للفظ معنى يمكن اعتباره، يجد مصداقه واستخدامه في الجملة. فمن وجهة نظر ريكور، تكتسب الكلمات في كل استخدام جديد معاني جديدة أو فروقات دقيقة في المعنى، دون أن تفقد معانيها السابقة 157 (حسني، 1393هـ.ش، 113). لذلك، تكتسب الكلمات في كل استخدام معنى مختلفاً عن الاستخدام السابق، وفي الوقت نفسه تكون مستعدة لقبول معانٍ جديدة في الاستخدامات اللاحقة 158 (Ricoeur, 2003, 142).
2.3. نظام تعدد المعاني في الروايات
مبدأ آخر يظهر في مباحث 159 فقه الحديث عند آية الله جوادي آملي هو “نظام تعدد المعاني في الروايات”. فالروايات يمكن أن تكون لها طبقات معنوية، وهذا يعني أن الكلمات والمفردات الواردة في متن الروايات تحمل وتعبر عن معانٍ مختلفة. وهذا الأمر يقترب من مفهوم بطنية الروايات وتأويلها. فمن وجهة نظر آية الله جوادي آملي، الروايات، وخاصة الروايات الأخلاقية والروايات التوحيدية، مثل آيات القرآن، لها ظاهر وباطن وتأويل وتنزيل 160 (جوادي آملي، 1388هـ.ش (أ)، 1: 145؛ 161 هو، 1388هـ.ش (ب)، 393؛ 162 هو، 1383هـ.ش، 175).
والوصول إلى الباطن يتم مع الحفاظ على ظواهر الألفاظ، 163 ومثل هذا المبدأ لا يعني مخالفة المعنى الظاهري 164 (جوادي آملي، 1388هـ.ش (ج)، 140). فالنص، بالنظر إلى معنى المفردات المستخدمة، يمكن أن يتحمل طبقات معنوية مختلفة ومستويات دلالية متعددة 165 (جوادي آملي، 1389هـ.ش (ب)، 225)، ويمكن للحديث الشريف المتبحر أن يصل إلى هذه البطون. قبول نظام تعدد المعاني في الروايات من المبادئ المهمة في فقه الحديث عند آية الله جوادي آملي. وفي حال عدم قبول هذا المبدأ، يُغلق باب فهم المعاني العميقة والطبقات الداخلية لكلام المعصومين (عليهم السلام) على الإنسان، ولا يجد المفسر والمحدث سبيلاً لاكتشاف مراد المتكلم الذي يقع في الطبقات العليا وفي الطبقات الأخرى من النص. 166
ويمكن ملاحظة نظام تعدد المعاني في آراء بول ريكور 167167 بشكل ما في مفهوم “الاستعارة” الذي يشير إليه ريكور. فالاستعارة من وجهة نظر ريكور هي وجود تعارض بين تعبيرين في الجملة ينشأ عن خرق قاعدة لغوية. ويؤدي هذا التناقض إلى ابتكار وإبداع معنى في الجملة 168 (حسني، 1393هـ.ش، 111). ولا يعتبر ريكور الاستعارة جزءاً من الجملة، بل يعتقد أن الاستعارة موجودة بشكل كامن في الجملة، وعلى المفسر أن يكتشفها ويفهمها في عملية تفسيرية 169 (المصدر نفسه، 107). فمن وجهة نظر بول ريكور، المعنى الحقيقي للكلمات لا يتحقق إلا في الجملة، والمعاني المنسوبة إلى الكلمة في معاجم اللغة 170 تتجسد في الجملة. 171 ويتحقق هذا الأمر من خلال السياق والظروف المحيطة بالجملة 172 (Ricoeur, 1990).
ومن وجهة نظر ريكور، فإن الكلمات في كل استخدام جديد تكتسب معاني جديدة أو فروقًا دقيقة في المعنى دون أن تفقد معانيها السابقة. 173173 وهذا التوسع الدلالي والدلالة على أكثر من معنى هو نفسه مسألة تعدد المعاني والاشتراك اللفظي 174 (حسني، 1393هـ.ش، 113). لذا، تكتسب الكلمات في كل استخدام معنى مختلفًا عن الاستخدام السابق، وفي الوقت نفسه تكون مستعدة لقبول معانٍ جديدة في الاستخدامات اللاحقة 175 (Ricoeur, 2003, 142). فالاستعارة والرمز هما نوع من ظاهرة تعدد المعاني.
من جهة أخرى، يجمع ريكور بين وجهة نظر شلايرماخر الذي كان يرى وجود معنى نهائي أصلي وحتمي للنص ويسميه المعنى الأساسي للنص، ووجهة نظر غادامير الذي كان يعتقد بتعدد المعاني للنص، 176 على الرغم من أنه لا يقبل أياً من النظريتين بالكامل 177 (حسني، 1393هـ.ش، 219). فمن وجهة نظر ريكور، فإن وجود خالق واحد ومصدر واحد للنص، وهو في الواقع المؤلف الضمني للنص، يتيح تعدد وجهات النظر والمنظورات للنص. والوحدة التي تجمع هذه المنظورات المتعددة هي المؤلف الضمني 178 (حسني، 1393هـ.ش، 218). وفي هذه النظرة، على الرغم من أن النص له معنى واحد، إلا أن كل مفسر ينظر إليه من منظوره الخاص، 179 وبالتالي فإن النص يحتمل التفاسير والفهم المتعددة والمحتملة 180 (Bontekeo, 1996, 145).
3. عملية تفسير النص والقوس الهيرمونطيقي
يضع ريكور عملية تفسير النص في ثلاث مراحل: المرحلة الأولى، التي تُسمى “التبيين”، وتخصّص لتحليل البنية اللغوية للنص. وفي هذه المرحلة، يتم تخمين المعنى الأولي للنص. ووظيفة التبيين هي توضيح الافتراضات المسبقة 181 الأولية وتأكيدها أو عدم تأكيدها. 182 وفي المرحلة الثانية، يتم “فهم” المعنى المُنشأ في النص بواسطة فعل الكلام والأفعال الحين بيانية، وهي قصد المؤلف. ويقصد ريكور بـ”فهم” النص إدراك مراد المؤلف والكاتب الذي يسميه ريكور “المؤلف الضمني للنص”. ويؤكد ريكور أن المفسر لا يسعى إلى فهم الخلفية التي أُنشئ فيها النص، ولا الأسباب النفسية والذهنية التي كانت وراء النص، بل المقصود بفهم النص هو فهم الأبعاد الوجودية للمفسر نفسه في مواجهة النص. 183183183183
وبالتالي، فإن الفهم من وجهة نظر ريكور يعني عرض المفسر لنفسه على النص وإحداث توسع وجودي فيه، لا مجرد الكشف عن المعنى الخفي للنص. وفي عملية فهم النص، يتم الانتقال من معنى النص إلى محكم النص، أي الانتقال مما يقوله النص إلى ما يقوله عنه. 184 وفي المرحلة الثالثة، يصبح النص ملكاً للقارئ. 185185185185 وتُسمى هذه المراحل الثلاث للتفسير بـ”القوس الهيرمونطيقي” عند ريكور. 186 ويعتقد أن عملية التفسير تنتهي بتملك النص واكتشاف محكمه، وينفتح عالم النص على القارئ. وتبدأ هذه العملية من النص وتنتهي بتجربة يتلقاها المفسر من النص 187 (حسني، 1393هـ.ش، 178-187). 188 وما يُتملّك 189 ليس المعنى الذهني الذي يقصده المؤلف، بل هو عالم ما وراء النص 190 (Ricoeur, 1990, 143). و”تملك النص” لا يعني حق الملكية على النص، بل يعني أن معنى النص ليس خاصًا بشخص معين 191 (Ricoeur, 1990 (d), 192).
يراعي آية الله جوادي آملي عند التعامل مع نصوص الروايات ثلاثة أركان: “أصل الصدور”، و”جهة الصدور”، و”الدلالة على المحتوى” 192(جوادي آملي، 1388هـ.ش (أ)، 1: 156-158). وفي عملية فقه الحديث لديه، بعد التأكد من أصل الصدور 193193 و جهة الصدور، يسعى للوصول إلى المحتوى الذي يدل عليه النص وإدراك قصد المتكلم. بينما محصل القوس الهيرمونطيقي الذي يطرحه بول ريكور هو تملك النص، وما يُحصّل في هذا التملك هو عالم يحكي عنه النص، وقد استطاع المفسر الوصول إليه. في حين أن المقصود من عملية فقه الحديث هو فهم قصد المتكلم، وإذا كان ما ينتج عن عملية فهم النص بعيداً عن قصد المتكلم، فإنه لا يُعتبر قابلاً للاستناد.
4. مكانة المؤلف في عملية فهم النص
من وجهة نظر 194 آية الله جوادي آملي، كما تجلى الله في القرآن الذي هو كلام الله، كذلك تجلى الأئمة (عليهم السلام) كخلفاء إلهيين في كلامهم 195 (جوادي آملي، 1388هـ.ش (أ)، 1: 148). ومن ثم، فإن نسبة نصوص الروايات في نظره إلى مؤلفيها كـ”مَجلّى” للمؤلف. 196وهدف فقه الحديث هو كشف المراد الجاد لمثل هذا المتكلم.
4.1. المعصوم (عليه السلام) والعلم الإلهي
من المبادئ الكلامية لآية الله جوادي آملي في التعامل مع الحديث، مكانة المؤلف ومسألة علمه وعصمته. يرى آية الله جوادي آملي بخصوص الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) أن أقوالهم ليست صادرة عن هوى النفس أو كلام مضطرب، بل إنهم لا يتكلمون حتى عن طريق الاستدلال والاجتهاد والاستنباط، لأن هذه الطرق ليست معصومة من القصور والخطأ؛ 197 بل إن كلامهم يكون وفق الوحي والإلهام الإلهي وعن علم. 198 وهذا العلم يُفاض عليهم من قبل الله عن طريق الملائكة أو وساطة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، أو بطرق أخرى. لذلك، لا يتكلمون ولا يحكمون أبداً بناءً على الظن والقياس 199 (جوادي آملي، 1389هـ.ش (أ)، 14: 266). ونجد هذا المعنى في قول للإمام الصادق (عليه السلام) حيث يقول: “والله ما نقول بأهوائنا ولا نقول برأينا ولا نقول إلا ما قال ربنا” 200 (صفار، 1404هـ، 1: 300). ومن هذه التصريحات، يمكن استنتاج أن من مبادئه الكلامية في التعامل مع الأحاديث، اعتقاده بعصمة أهل البيت (عليهم السلام) في شؤون مختلفة، منها الكلام، وأن علمهم علم إلهي. وبناءً على هذا المبدأ، يمكن الاعتماد على روايات الأئمة (عليهم السلام) بعد التحقق من الجانب الرجالي والدلالي. 201
4.2. حجية الروايات
بما أن الروايات قد تعرضت عبر التاريخ، وفي مسار تحولها من السنة الشفوية إلى السنة المكتوبة، لشوائب مثل الوضع والتصحيف والنقل بالمعنى وغير ذلك، 202 لذا يجب توخي الحذر عند التعامل معها. ومن ثم، يرى آية الله جوادي آملي أنه في الأحكام العملية التي يقبل فيها التعبد، إذا كانت الروايات بصورة خبر مفرد ولم تكن مصحوبة بقرائن قطعية، فإنها قابلة للاستناد. أما حجية كلام 203 المعصوم (عليه السلام) في المسائل الاعتقادية التي لا مجال فيها للتعبد، فإنها لا تكتسب اعتباراً بالظن والتخمين، 204 وبالتالي تحتاج في هذا المجال إلى القطع واليقين. 205 ولذلك، فإن “الروايات التي تتمتع باليقين والقطع في أركانها الثلاثة؛ 206 أي في “أصل الصدور” و”جهة الصدور” و”الدلالة على المحتوى” تكون قطعية. بمعنى أنها من حيث السند خبر متواتر أو خبر واحد محفوف بقرينة قطعية، ومن حيث جهة الصدور نعلم يقيناً أنها بصدد بيان المعارف الحقيقية ولم تصدر عن تقية، ومن حيث الدلالة فهي نص وليست ظاهرة، فإنها تكون حجة. أما الروايات التي لا تتمتع بالأركان الثلاثة المذكورة وتفيد الظن والتخمين، فإنها تكون مقبولة بحد الاحتمال فقط في حال عدم كونها من معارف أصول الدين، وشملت مسائل يكفي فيها الإيمان الإجمالي بها، أو كانت تعبر عن بعض 207 المسائل العلمية والآيات الإلهية في الخلق. فمثل هذه الروايات لا تتمتع بحجية تعبدية” 208 (جوادي آملي، 1388هـ.ش (أ)، 1: 156-158). 209
وبالنظر إلى الظروف التي عاشها الأئمة المعصومون، فإنهم كانوا في بعض الأحيان يصدرون حكماً أو قولاً بناءً على التقية أو مصلحة أخرى. ومن ثم، فإن أحد المعايير الرئيسية في التعامل مع الحديث هو معرفة جهة صدور الرواية. 210 لذلك، فإن الانتباه إلى الظروف التي تشكل فيها الخطاب وتكلم فيه المتكلم يؤثر في فهم القصد الأصلي للمتكلم. 211 لكن بول ريكور يسلك مساراً آخر في فهم النص من خلال طرح مفهوم “الفارق الزماني”.
4.3. بول ريكور والفارق الزماني للنص
إن الخطاب المكتوب وعملية الكتابة يؤديان إلى استقلال النص وابتعاده عن قصد المؤلف ونيته، وهو ما يُعرف بـ”التباعد” (Distanciation) في تعبيرات ريكور. 212 ومن ثم، فإن النص من وجهة نظر ريكور هو عبارة عن علاقة بالمؤلف “في” ومن خلال التباعد 213 (Ricoeur, 1990, 131). ولذلك، في ولادة النص، يحدث أول تباعد عن مؤلفه. والتباعد الثاني عن المخاطب أو المخاطبين الذين كانوا حاضرين في الخطاب الشفوي. فالنص المكتوب يمكنه عرض معناه 214214 لعدد غير محدود من القراء والمفسرين 215 (Ricoeur, 1976, 31).
من وجهة نظر ريكور، فإن التفسير ليس تكراراً للمخاطب الأول أو القارئ الأول، بل هو حدث جديد ومواجهة جديدة مع مقصد النص 216(Ricoeur, 1976, 2). وبالنظر إلى الفارق بين النص وعملية التكلم، فإن الفارق الثالث يتعلق باستقلال النص عن الظروف والخصائص المحيطة بالمتكلم والمستمع أثناء إنتاج الخطاب. والمقصود هو التباعد عن الموقف الخاص وسياق نشأة النص. هذه العناصر الثلاثة تشكل مفهوم “التباعد” في هيرمونطيقا بول ريكور. وتُبين هذه الفكرة أنه على عكس الهيرمونطيقيين مثل ديلتاي، الذين 217 اعتبروا في عملية فهم النص الاهتمام بسياق الموقف وإعادة بناء ذهنية وقصد المؤلف والظروف الاجتماعية الأخرى في زمن صدور النص ضرورياً، فإن النص بسبب مرور التاريخ يبتعد عن هذه الأمور، ولفهم نص معين، يجب الانتباه إلى ما يعبر عنه النص مباشرة والتوجه إلى ما وراء النص. 218
يشير ريكور في عملية فهم النص إلى “المؤلف الحقيقي” 219 و”المؤلف الضمني”. 220 فالمؤلف الحقيقي هو الإنسان الذي تُعرف سيرته الذاتية وله حضور فيزيائي. 221 أما المؤلف الضمني فهو الشكل الذي تشكل من مجموعة التقنيات التي بواسطتها أُنشئ النص، والذي يُعرف بـ”أسلوب النص”. وتفسير النص ومعرفة أسلوبه يكشف عن هذه التقنيات والمؤلف الضمني. لأنه أثناء التفسير، يُعرف المؤلف نفسه، وكذلك التقنيات والأسلوب الذي نشأ. 222
المؤلف الحقيقي هو من أُنشئ النص بقصده ونيته. 223 وكما ذُكر، ففي لحظة مواجهة النص، ونظراً لوجود تباعد بين النص والمؤلف، فإن قصد المؤلف الحقيقي لا يهم ولا يمكن الوصول إليه. 224224 أما ما يهم فهو النص وعلاقته بالمفسر والمتلقي. 225 والمؤلف الضمني هو نفسه قصد المؤلف الذي ثبت في النص المكتوب. 226 ومهمة التفسير هي كشف قصد المؤلف الضمني. ويتحقق هذا الأمر من خلال التبيين والدراسة المنظمة للنص 227 (حسني، 1393هـ.ش، 148-150). 228
في الختام، يجب القول إن ريكور، على الرغم من اعتقاده بـ”التباعد” بين النص والمؤلف، فإنه يشير إلى دور المؤلف في النص من خلال طرحه لمفهوم “المؤلف الضمني”. 229 فمن وجهة نظر ريكور، فإن وجود خالق ومُنشئ واحد ومصدر للنص، وهو في الواقع المؤلف الضمني للنص، يتيح زوايا ومنظورات مختلفة للنص. والوحدة الجامعة لهذه المنظورات المتعددة هي المؤلف الضمني 230 (حسني، 1393هـ.ش، 218). وفي هذه النظرة، على الرغم من أن النص له معنى واحد، إلا أن كل 231 مفسر ينظر إليه من منظوره الخاص. ومن ثم، فإن النص يحتمل تفاسير وفهوماً مختلفة ومحتملة 232 (Bontekeo, 1996, 145).
المؤلف الذي يقصده ريكور يرتبط بتفسير النص وأسلوبه. وأسلوب النص وهويته يعبران عن هوية المؤلف وتفرده وتميزه. بمعنى آخر، بما أن فردية المؤلف وذهنيته تظهر في النص، فإن فهم النص، على الرغم من ما يقوله الرومانسيون، لا يستلزم معرفة قصد المؤلف وإعادة بنائه في ذهن المفسر، بل يجب فهم قصد المؤلف في النص وفي علاقته به 233 (حسني، 1393هـ.ش، 154). 234
5. مكانة المفسر في عملية فهم النص
من وجهة نظر ريكور، في عملية التفسير، تؤدي “ملكية النص” إلى “تفسير المفسر لذاته”. 235235235235 وهذا يعني أن المفسر يواجه عالم النص، ويدرك ذاته بشكل أفضل، أو يبدأ في فهم نفسه، ويتوصل إلى إدراك يختلف عن إدراكه السابق لذاته 236 (Valdus, 1991).
نقطة أخرى هي أن بول ريكور، في عملية التحقق من صحة التفسير، لا يسعى إلى تحديد التفسير الأصح، بل يسعى، من خلال توضيح التخمينات الأولية لمعنى النص، إلى تحديد أي تفسير يتمتع باحتمالية صحة أعلى مقارنة بالتفاسير الأخرى 237 (Ricoeur, 1990, 212). وبالتالي، لا يسعى ريكور إلى التمييز بين التفسير الصحيح والفاسد، بل من وجهة نظره، لا يمكن إلا معرفة احتمالية الخطأ أو الصواب في النص 238 (حسني، 1393هـ.ش، 221). 239239
5.1. مستويات مختلفة للمخاطب
قلنا 240 أن آية الله جوادي آملي، عند التعامل مع نصوص الروايات، يعتقد أن عملية فهم الروايات تتسم بالصعوبة. ومن وجهة نظره، فإن هذه الصعوبة ليست متساوية للجميع. وبتعبير آخر، يمكن القول أنه يعتقد بوجود مستويات مختلفة للمخاطب والمفسر. فعلى سبيل المثال، يذكر أن الباحث في الحديث إذا كان محروماً من العلوم البرهانية والعلوم الشهودية، ولم يستفد منها كفاية، فإنه سيواجه صعوبات في فهم الأحاديث 241 (جوادي آملي، 1388هـ.ش (أ)، 1: 148).
وهذا يؤدي إلى سوء الفهم وسوء الفهم في الروايات. 242 واختلاف مستويات الفهم هو أحد أسباب الاختلاف في الروايات أيضاً؛ 243 لأن المعصوم (عليه السلام) كان يتكلم مع المخاطب بقدر فهمه. 244 وهذا الأمر بحد ذاته شاهد آخر على نظام تعدد المعاني في الروايات، لأنه يظهر أن الروايات تتحمل طبقات معنوية مختلفة. 245 وإذا شعر المعصوم (عليه السلام) أن بعض الحاضرين لديهم قدرة أقل، ولا يمكنهم استيعاب المطالب العالية، فإنه كان يقوم فوراً بإصلاح الوضع حتى لا يحدث أي مشكلة لأحد 246 (هو، 1389هـ.ش (ج)، 3: 82). 247
ويعتبر آية الله جوادي آملي وجود قدرات فهم متفاوتة دليلاً على رد رأي الأخبارية، الذين يعتقدون بأنه لا يجوز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر آيات القرآن والروايات النبوية دون روايات الأئمة 248 (استرآبادي، 1424هـ، 47: 48). ويوضح أن هذا النمط من التفكير غير مقبول ليس فقط في فهم الروايات بل في فهم القرآن أيضاً، لأن الأفهام مختلفة، والوحي الإلهي مثل مطر الرحمة الذي ينزل من سماء الغيب، وقلوب المفسرين مثل أوعية مختلفة، يستفيد كل شخص بقدر سعته. 249 وفهم كل مستوى من المعارف الإلهية، سواء في القرآن أو في روايات المعصومين (عليهم السلام)، يمهد الطريق لفهم المستويات الأعلى 250 (جوادي آملي، 1388هـ.ش (ب)، 545). 251
5.2. اجتهاد المفسر والمخاطب
من مبادئ فقه الحديث عند آية الله جوادي آملي “الاجتهاد”. 252 والاجتهاد من وجهة نظره يعني: “البحث والتحقيق في النصوص النقلية وفي ثنايا البراهين العقلية، والتجميع النهائي وتقديم فكر جديد ونظرية جديدة” 253 (جوادي آملي، 1388هـ.ش (أ)، 4: 107). 254والروايات من نوع النصوص التي تطلب الاجتهاد. فمن وجهة نظر آية الله جوادي آملي، الرواية ليست كتاب دعاء يُقرأ فقط، بل هي مثيرة للتساؤل، ومحفزة للتأمل، وتحتوي على دقائق وظرافت تتطلب الاجتهاد والتدقيق والبحث العلمي لتصبح دراية. 255 وكما يوصي القادة الإلهيون بـ”اعرضوا الأحاديث على العقل والدراية لا على العقل والرواية” 256 (هو، 1389هـ.ش (ب)، 220). 257
العقل من المصادر التي يمكن عرض الروايات عليها، والمقصود بالعقل هو العقل البرهاني. يجب عرض الروايات على العقل البرهاني؛ 258وهو نفس البرهان الذي تثبت به التوحيد والوحي والنبوة والعصمة والإعجاز. فإذا كان نتاج رواية مخالفاً للأصول الأولية التي يدل عليها العقل والبرهان العقلي، فلا سبيل لقبولها” 259 (هو، 1392هـ.ش (أ)، 31: 513). 260
يمكن للعقل، في حدود قدرته، أن يدرك دقائق حقائق العالم ولطائف القرآن والحديث 261 (هو، 1389هـ.ش (ب)، 263). وبالطبع، فإن استخدام العقل كمصدر معرفي والاستفادة من المنهج العقلي يجب أن يستندا إلى أسس قوية. وإلا، فإن الباحث في الحديث لن يصل إلى فهم كامل وصحيح للنصوص الدينية 262 (المصدر نفسه، 196). ومن ثمار الاجتهاد في التعامل مع الأحاديث يمكن الإشارة إلى فهم باطن الروايات، وحل التعارض الأولي للروايات، واستنتاج الأصول الكلية، وتعميم مفاد الروايات، والحرية الفكرية في فهم الروايات 263 (ناجي صدره، 1396هـ.ش، 191-196). 264
يمكن فهم مفهوم الاجتهاد في التعامل مع النص من خلال مفهوم “تملك النص”. 265 هنا، المفسر أو المخاطب الذي يواجه النص، في المراحل الثلاث من القوس الهيرمونطيقي الذي يقصده بول ريكور، بعد “التبيين” و”الفهم”، يتملك النص. 266 وبالطبع، على الرغم من أن ريكور يعتبر “تملك النص” من قبل المفسر خاصية ذاتية للتفسير، إلا أنه يرى أيضاً إمكانية التفسير الخاطئ والفهم غير الصحيح للنص 267(Bontekeo, 1996, 140-141).
مثلما يعتبر ريكور النص مستقلاً عن المخاطبين الحاضرين في الخطاب الشفوي وظروف إنتاج النص، فإنه يؤمن أيضاً بـ”التباعد” عن قراء النص. ومن ثم، فإن معنى النص 268 لا يتوافق دائماً مع المعنى الذي ينسبه إليه المفسر والقارئ 269 (Bontekeo, 1996, 140). 270وهذا يعني أن احتمال سوء الفهم والتأويل الخاطئ للنص موجود. 271 وهنا يكتسب مفهوم “التبيين” في منظور ريكور أهمية في التحقق من صحة التخمينات الأولية. فبعض هذه التخمينات والفهم المسبق غير صحيح. 272 وبالطبع، فإن محاولة بول ريكور للابتعاد عن نسبية الهيرمونطيقا الفلسفية، التي تُطرح في آراء الهيرمونطيقيين مثل غادامير، لا تُسفر عن نتائج واضحة. 273 لأنه بالتوازي مع طرح مفهوم “التباعد” واستقلال النص عن المؤلف وإمكانية تلقي الفهم من منظورات مختلفة، لا يقدم ريكور معياراً واضحاً للتمييز بين الفهم الأصح مقارنة بالفهم الأخرى التي يمكن إسنادها إلى المؤلف 274 (حسني، 1393هـ.ش، 388). 275
وكما سبق ذكره، فإن صحة التفسير من وجهة نظره لا تعني بالضرورة تحديد التفسير الأصح، بل هو يهدف إلى تحديد أي تفسير يتمتع باحتمالية صحة أعلى، ولا يشير إلى صحة التفاسير المختلفة أو خطئها. 276276 وهذا بخلاف آية الله جوادي آملي الذي يسعى، مع الأخذ في الاعتبار مبادئ مثل عرض الروايات على القرآن، وكذلك الاستفادة من مصادر أخرى مثل العقل البرهاني والشهود الداخلي، إلى الفهم الصائب للنص ليقترب قدر طاقة البشر وسعيهم من مقصد المتكلم. 277
5.3. دور الافتراضات المسبقة للمفسر والمخاطب
من المبادئ الأخرى في فقه الحديث عند آية الله جوادي آملي ضرورة وجود مبادئ تصورية وتصديقية عند التعامل مع النص. 278 وهو يرى أنه لا يمكن تفسير النص المقدس، وكذلك سائر النصوص، بمعزل عن الفهم المسبق والافتراضات المسبقة والأصول المسلّمة. فإذا تعاملنا مع النص المقدس دون فهم مسبق، فلن نستفيد منه 279 (جوادي آملي، 1388هـ.ش (أ)، 1: 224). وبالطبع، فإن استخدام هذه الافتراضات المسبقة والأصول المسلّمة لا يعني فرض مبادئ ورأي 280 المفسر على النص، بل إن هذه الخطوط العريضة والمبادئ مستنبطة من القرآن والروايات والعقل 281 (المصدر نفسه، 18: 685).
ومن هذه الافتراضات المسبقة، يمكن الإشارة إلى الأصول والقواعد الاعتقادية المسلّمة. ويجب أن يكون العقل خالياً من الميول غير المبررة. ويجب الأخذ في الاعتبار أنه كما أن استنباط الحكم الشرعي من الدليل النقلي له شروط من حيث دراية الحديث ورجال السند، ولا يمكن 282 اعتبار كل رواية صحيحة واستخدامها دون دراسة الجوانب الثلاثة للصدور 283 و جهة الصدور و الدلالة، كذلك لا يمكن تسمية كل حدس وتخمين حكماً عقلياً ونسبته إلى العقل والدين؛ 284 لأن الحكم العقلي يختلف عن الميول والآراء والرغبات غير المبررة 285 (جوادي آملي، 1389هـ.ش (ه)، 239). 286
من وجهة نظر آية الله جوادي آملي، في فهم وتفسير الكتاب والسنة، العديد من المعلومات تُعدّ بمثابة رأس مال أولي وأصول ومبادئ للفهم الصحيح، فإذا أهملها الشخص المراجع وأراد مواجهة هذه النصوص بذهن خالٍ (بشكل عامي)، فإنه، على فرض إمكانية ذلك، سيؤدي إما إلى الجمود أو سوء الفهم. لذلك، يجب استخدام العقل البرهاني كأحد رؤوس الأموال البشرية في عملية فهم وتفسير مفاد الكتاب والسنة 287 (جوادي آملي، 1389هـ.ش (ب)، 197). 288
ربما يمكن القول إن بول ريكور، من خلال طرحه لمفهوم “التباعد” في مجالات المؤلف، والمخاطب، والخطاب الشفوي، والظروف التي تشكل فيها الخطاب، وتأكيده على النص وفهم النص نفسه، لا يرى مكانة للافتراضات المسبقة والأصول المسلّمة. 289 وذلك لأن المفسر، في مواجهة النص، يصل إلى “تفسير الذات”، وهذا عالم النص هو الذي يواجهه بمعنى جديد. 290 وعلى الرغم من أن ريكور يصف مهمة التفسير بأنها “إيجاد المصداق” للنص، ويتحدث عن خطاب “محكي”، إلا أنه لا يقدم تبريراً معقولاً ومنطقياً حول ماهية “المحكي” و”عالم النص”، وكيفية الوصول إلى هذا العالم، أو كيفية تشكله. 291
-
النتيجة
بالنظر إلى آراء ونظريات آية الله جوادي آملي وبول ريكور في مجال فهم النص والعوامل المؤثرة فيه، يمكن عرض الدراسة المقارنة لهما بشكل موجز في الجدول التالي: 292
جدول 1: دراسة مقارنة لعوامل فهم النص في آراء فقه الحديث عند آية الله جوادي آملي وآراء بول ريكور الهيرمونطيقية 293
| عوامل فهم النص | آية الله جوادي آملي | بول ريكور |
| المؤلف | – الاستفادة من المناهج الأخرى: على الرغم من أن آية الله جوادي آملي يعتمد منهج التفسير “القرآن بالقرآن”، إلا أنه لا يغفل دور الروايات في تبيين المفردات وتفصيل الكليات. 294 – ميزان استعمال الروايات: يشمل استعمال الروايات في جميع المباحث الاعتقادية والفقهية والأخلاقية وغيرها من الموضوعات التي يتناولها المؤلف. 295 – المعصوم (ع) والعلم الإلهي: يعتقد آية الله جوادي آملي أن الأئمة (ع) يتكلمون من منبع علم إلهي ووحي وإلهام، وليس من هوى النفس أو اجتهاد بشري، وأن أقوالهم معصومة ومبرأة من الخطأ. 296 – حجية الروايات: يميّز بين حجية الروايات في الأحكام العملية التي يمكن فيها التعبد (ويقبل فيها الخبر المفرد بوجود قرائن)، وبين حجيتها في المسائل الاعتقادية التي لا يقبل فيها الظن، بل تتطلب القطع واليقين. 297 ويعتبر الروايات ذات الأركان الثلاثة القطعية (أصل الصدور، وجهة الصدور، والدلالة على المحتوى) حجة. 298 – الاهتمام بظروف الصدور: يُشدد على أهمية فهم ظروف صدور الرواية (مثل التقية أو المصلحة) للوصول إلى مقصد المتكلم الأصلي. 299 | – تباعد النص عن المؤلف: يرى أن الخطاب المكتوب يؤدي إلى استقلال النص وتباعده عن قصد المؤلف ونيته (Distanciation). 300 – المؤلف الحقيقي والمؤلف الضمني: المؤلف الحقيقي هو الشخص ذو السيرة البيوغرافية، بينما المؤلف الضمني هو الذي تتشكل شخصيته من خلال فنون الكتابة وأسلوب النص. 301 – موت المؤلف: عند مواجهة النص، لا يُعير أهمية لقصد المؤلف الحقيقي، بل يُفترض “موت المؤلف” للتركيز على النص نفسه. 302302302302 – الكشف عن قصد المؤلف الضمني: رسالة التفسير هي كشف قصد المؤلف الضمني، الذي يتجسد في النص المكتوب، من خلال تبيين النص وتحليل بنيته. 303 – لا فرق بين النص الديني والبشري: لا يميز بين النصوص الدينية والبشرية في تطبيق نظرية تباعد المؤلف. 304 |
| النص | – السنة أعم من الحديث اللفظي: السنة تشمل قول المعصوم وفعله وتقريره، وليس فقط الحديث اللفظي. 305 – مكانة الروايات: الروايات هي نصوص تجلت فيها أقوال الأئمة (ع) وهي مصدر لاستنباط المعارف الدينية. 306 – وضع اللفظ لروح المعنى: الألفاظ وضعت للمفاهيم الجامعة والعامة التي يمكن تطبيقها على المصاديق المادية وغير المادية، وليست مقصورة على مصاديق محددة وقت الوضع. 307307307307 – نظام تعدد المعاني: الروايات (خاصة الأخلاقية والتوحيدية) لها طبقات معنوية (ظاهر، باطن، تأويل، تنزيل)، مما يتيح فهم معاني عميقة. 308 – صعوبة فهم الروايات: الوصول إلى فهم معاني الروايات ممكن “بقدر طاقة البشر” ولكن مصحوب بصعوبة نظراً لعمق معارف أهل البيت (ع). 309 | – النص كخطاب مُتَجمّد: النص هو خطاب شفوي تم تجميده وتثبيته بالكتابة. 310 – استقلالية النص: النص بعد الكتابة يستقل عن السياق والظروف التي قيل فيها، وعن المتكلم والمخاطب الأصلي. 311311311311 – إبداع معنى جديد: الكلمات في كل استخدام جديد تكتسب معاني جديدة أو فروق دقيقة، دون فقدان معانيها السابقة. 312 – الاستعارة وتعدد المعاني: الاستعارة هي تعارض بين تعبيرين يؤدي إلى ابتكار معنى جديد، وهي نوع من ظاهرة تعدد المعاني. 313313313313 – العالم المحكي: النص يشير إلى عالم من المعاني والمصاديق الخارجية التي يجب على القارئ اكتشافها وتأويلها. 314 – القوس الهيرمونطيقي: عملية التفسير تمر بثلاث مراحل: التبيين، والفهم (إدراك قصد المؤلف الضمني)، وتملك النص (إيجاد مصاديق النص في عالم القارئ). 315 |
| المفسر | – المخاطبون المتفاوتون: يرى أن مستويات فهم المخاطبين مختلفة، وأن المعصوم يتكلم بقدر فهمهم. 316 – الاجتهاد: ضرورة الاجتهاد والتحقيق في النصوص للوصول إلى فهم عميق ودقيق للروايات، وعرضها على العقل البرهاني. 317 – الاستناد إلى مصادر متعددة: استخدام القرآن والعقل والشهود كمصادر للحكم على صحة الفهم والاقتراب من المراد الأصلي للمتكلم. 318318 – ضرورة الفهم المسبق: يرى ضرورة وجود مبادئ تصورية وتصديقية (أصول وقواعد اعتقادية، العقل البرهاني) للمفسر قبل التعامل مع النص، لكن مع الحذر من فرض الرأي على النص. 319 – الهدف: الهدف هو الوصول إلى “الفهم الصائب” و”مراد المتكلم الأصلي”. 320320320320 | – تملك النص وتفسير الذات: غاية التفسير هي تملك النص من قبل المفسر، مما يؤدي إلى فهم المفسر لذاته بشكل أفضل من خلال مواجهة عالم النص. 321321321321321321321321321321321321321321321321 – غياب معيار قطعي للصحة: لا يقدم معياراً قاطعاً للتمييز بين التفسير الصحيح وغيره، بل يرى إمكانية تحديد أي تفسير يتمتع باحتمالية صحة أعلى. 322322322322 – النسبية: يقترب من مفهوم النسبية في الفهم، حيث يرى أن النص يحتمل تفاسير مختلفة ومحتملة. 323 – دور الافتراضات المسبقة: بسبب مفهوم “التباعد” واستقلال النص، يبدو أنه لا يرى دوراً كبيراً للافتراضات المسبقة في عملية التفسير، فالنقطة المهمة هي مواجهة عالم النص. 324 – عدم وضوح العالم المحكي: لا يقدم تبريراً منطقياً حول ماهية العالم المحكي أو كيفية الوصول إليه. 325 |
المصادر
- ابن فارس، أحمد. معجم مقاييس اللغة. تصحيح عبد السلام محمد هارون. قم: مكتب الإعلام الإسلامي، 1404هـ.
- أحمدي، بابك. هرمنوتيك مدرن: نيچه، هايدگر و ديگران. طهران: مركز، 1377هـ.ش.
- إصفهاني غروي، محمد حسين. نهاية الدراية في شرح الكفاية. قم: مؤسسة سيد الشهداء، 1374هـ.ش.
- جوادي آملي، عبدالله. حيات حقيقي انسان در قرآن. قم: اسراء، الطبعة السابعة، 1393هـ.ش.
- جوادي آملي، عبدالله. منزلت عقل در هندسه معرفت ديني. قم: اسراء، 1389هـ.ش (ب).
- جوادي آملي، عبدالله. ادب فناي مقربان. قم: اسراء، 1389هـ.ش (ج).
- جوادي آملي، عبدالله. تفسير انسان به انسان. قم: اسراء، 1389هـ.ش (د).
- جوادي آملي، عبدالله. ولايت فقيه. قم: اسراء، 1389هـ.ش (هـ).
- جوادي آملي، عبدالله. تسنيم. قم: اسراء، 1388هـ.ش (أ).
- جوادي آملي، عبدالله. تسنيم. قم: اسراء، 1389هـ.ش (أ).
- جوادي آملي، عبدالله. تسنيم. قم: اسراء، 1392هـ.ش (أ).
- جوادي آملي، عبدالله. قرآن در قرآن. قم: اسراء، 1388هـ.ش (ب).
- جوادي آملي، عبدالله. شمس الوحي تبريزي. قم: اسراء، 1388هـ.ش (ج).
- جوادي آملي، عبدالله. توحيد در قرآن. قم: اسراء، 1385هـ.ش.
- جوادي آملي، عبدالله. بنيان مرصوص امام خميني (ره). قم: اسراء، الطبعة الثامنة، 1384هـ.ش.
- جوادي آملي، عبدالله. توحيد در قرآن. قم: اسراء، 1383هـ.ش.
- جوادي آملي، عبدالله. سروش هدايت. قم: اسراء، 1381هـ.ش.
- جوهري، إسماعيل بن حماد. الصحاح. تصحيح أحمد عبد الغفور عطار. بيروت: دار العلم للملايين، 1376هـ.
- حسني، حميدرضا. عوامل فهم متن در دانش هرمنوتيك و علم اصول استنباط از ديدگاه پل ريكور و محقق اصفهاني. طهران: هرمس، 1393هـ.ش.
- ديتلتاي، ويلهلم. مقدمه بر علوم انساني. ترجمة منوچهر صانعي دره بيدي. طهران: ققنوس، 1388هـ.ش.
- شايان مهر، عليرضا. دائرة المعارف تطبيقي علوم اجتماعي. طهران: مؤسسة كيهان، 1379هـ.ش.
- شهيد ثاني، زين الدين علي. الرعاية في علم الدراية. تحقيق: عبد الحسين محمد علي بقال. قم: مكتبة آية الله المرعشي، 1408هـ.
- شيواپور، حامد. نظريه روح معنا در تفسير قرآن. قم: جامعة مفيد، 1394هـ.ش.
- صفار، محمد بن حسن. البصائر الدرجات في فضائل آل محمد. قم: مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 1404هـ.
- كليني، محمد بن يعقوب. الكافي. مصحح: علي أكبر غفاري ومحمد آخوندي. طهران: دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة، 1407هـ.
- كوبلي، پاول. نظريه هاي ارتباطات. ترجمة إحسان شاه قاسمي. طهران: پژوهشكده علوم انساني و مطالعات فرهنگي، 1387هـ.ش.
- مدير شانه چي، كاظم. علم الحديث و دراية الحديث. قم: دفتر انتشارات إسلامي جامعة مدرسين حوزه علميه، 1362هـ.ش.
- مسعودي، عبد الهادي. روش فهم حديث. طهران: سمت، الطبعة الحادية عشرة، 1396هـ.ش.
- مصطفوي، حسن. التحقيق في كلمات القرآن الكريم. بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة الثالثة، 1426هـ.
- ناجي صدره، طاهره. فهم احاديث تفسيري در احاديث تسنيم. رسالة دكتوراه، الهيات و معارف اسلامي، گرايش علوم قرآن و حديث. مرشد: سيد محسن موسوي، مستشار: محسن نورايي. جامعة مازندران، 1396هـ.ش.
- ناجي صدره، طاهره، سيد محسن موسوي، محسن نوراني، ومحمد هادي يدالله پور. “بررسي مباني فقه الحديث استاد جوادي آملي با تمركز بر تفسير تسنيم”. مطالعات فهم حديث 3، 6 (1396): 55-77.
- Bleicher, Josef. Contemporary Hermeneutics. London and New York: Routledge, 1980.
- Bontekoe, Roland. Dimensions of the Hermeneutics Circle. New Jersey: Humanity Press, 1996.
- Bruns, Gerald L. Hermeneutics Ancient and Modern. New Haven: Yale, 1992.
- Groudin, Jeen. Introduction of Philosophical Hermeneutics. Yale University Press, 1994.
- Palmer, Richard. Hermeneutics. North Western University Press, 1969.
- Ricoeur, Paul. The Conflict of Interpretations: Essays in Hermeneutics. Northwestern University Press, 2007.
- Ricoeur, Paul. The Rule of Metaphor: The Creation of Meaning in Language. London: Routledge, 2003.
- Ricoeur, Paul. Hermeneutics and Human Sciences (HHS), The hermeneutical function of distanciation. Translated by John Thompson. Cambridge: Cambridge University Press, 1990.
- Ricoeur, Paul. Hermeneutics and Human Sciences (HHS), what is a text? Explanation and understanding. Translated by John Thompson. Cambridge: Cambridge University Press, 1990 (b).
- Ricoeur, Paul. Hermeneutics and Human Sciences (HHS), Metaphor and the central problem of Hermeneutics. Translated by John Thompson. Cambridge: Cambridge University Press, 1990 (c).
- Ricoeur, Paul. Hermeneutics and Human Sciences (HHS), Appropriation. Translated by John Thompson. Cambridge: Cambridge University Press, 1990 (d).
- Ricoeur, Paul. Hermeneutics and Human Sciences (HHS), The model of text: meaningful action considered as a text. Translated by John Thompson. Cambridge: Cambridge University Press, 1990 (e).
- Ricoeur, Paul. Time and Narrative. Translated by Kathleen Blamey. Chicago: Chicago University Press, vol. 3, 1988.
- Ricoeur, Paul. Interpretation Theory: Discourse and the Surplus of Meaning. Fort Worth: Texas Christian University Press, 1976.326
- Searle, J.R. Speech Acts: an Essay in the Philosophy of Language. Cambridge: Cambridge University Press, 1969.
- Valdus, Mario. A Ricoeur Reader: Reflection and Invention. Harvester Wheatsheaf, 1990.