الملخص: تعدّ روايات كون الزكاة وسخاً وحرمتها على بني هاشم من الروايات المشهورة التي وردت بعبارات مختلفة في المصادر الحديثية الشيعية والسنية، ورغم شهرتها، لم يُلتفت كثيراً إلى اعتبارها السندي ومضمونها. يسعى هذا البحث، من خلال تقييم اعتبار الروايات المذكورة سنداً ومضموناً ودراسة الآراء المطروحة، إلى التوصل إلى نتيجة مفادها أن معظم هذه الروايات من حيث السند تواجه إشكال عدم وثاقة الرواة والإرسال، ومن حيث المضمون، تتعارض مع الآيات التي تبيّن أن الله سبحانه ورسوله هما آخذا الزكاة، والآيات التي ألغت التمييز العنصري وجعلت التقوى معياراً لتفاضل الناس. كما أن معظم الباحثين في قسم الآراء المطروحة، مع قبولهم لأصل الروايات، قد عمدوا إلى تأويل مفهوم “الأوساخ”. وهي تأويلات لا تتطابق مع المصادر اللغوية ولا تجيب عن الإشكالات المتنية الواردة عليها. بناءً على نتائج البحث، فإن بني العباس، لإضفاء الشرعية على حكومتهم الظالمة ونهب سهم الخمس من الغنائم الذي كان يمثل مبالغ طائلة نظراً لفتوحات ذلك العصر، قاموا بوضع روايات وسّعوا من خلالها مفهوم أهل البيت، وأظهروا الزكاة بمظهر الوسخ والقذارة وحرمتها على بني هاشم، واستبدلوها بالخمس، محاولين بذلك إظهار أنفسهم بمظهر المتميزين عن سائر الناس.
۱. طرح الإشكالية
من الضروريات للفهم الصحيح للمسائل الفقهية والكلامية، والتي حظيت دائماً باهتمام المفكرين الإسلاميين في التحليل الدقيق للتعاليم الدينية، هو البحث في الروايات. في تقييم الروايات وتحليلها، تعدّ الدراسة السندية والمتنية كلاهما أمراً ضرورياً، والغفلة عن أي منهما يمكن أن يؤدي إلى فهم خاطئ لأحاديث النبي (ص) والأئمة المعصومين (ع). ومن بين الروايات الجديرة بالتأمل في المصادر الحديثية الشيعية والسنية، والتي توجد حولها آراء مختلفة، الروايات المعروفة بـ «الصَّدَقَةُ مِن أَوْسَاخِ أَيْدِي النَّاسِ». ففي هذه الطائفة من الروايات، حُرّمت الزكاة على بعض أقرباء رسول الله (ص) واستُبدل بها الخمس. النقطة الجديرة بالتأمل في هذه الروايات هي علة هذا التحريم، حيث ذُكر أنه لما كانت الصدقة من «أَوْسَاخِ النَّاسِ» أو «أَوْسَاخِ أَيْدِي النَّاسِ» – أي وسخ أيدي الناس – أراد الله أن يتنزه ذلك الفريق المذكور عنها؛ لذا، بدلاً من الارتزاق من الزكاة، استبدل لهم الارتزاق من الخمس الذي يخلو من الوسخ والقذارة. هذا في حين أن الخمس والزكاة كلاهما نوع من الضريبة الشرعية. يهدف هذا البحث إلى الاعتماد على الآيات القرآنية وسائر الروايات الواردة في موضوع الزكاة، وضمن دراسة هذه الروايات سنداً ومتناً، أن يقيّم الآراء المطروحة ويجيب عن هذا السؤال: هل الزكاة في الواقع وسخ وقذارة، وهل مُنع بنو هاشم منها لمجرد قرابتهم من رسول الله (ص)؟
إن الدراسات التي أُجريت حتى الآن حول روايات «الصَّدَقَةُ مِن أَوْسَاخِ أَيْدِي النَّاسِ» كانت في الغالب تنصبّ على مفهوم الروايات وتبيين كون الزكاة وسخاً، ولم تُجرَ دراسة كاملة حول تقييم اعتبارها السندي ودراستها التحليلية. على سبيل المثال، مقالة “التبيين التاريخي لمنع الصدقات عن بني هاشم في عصر النزول” (1399هـ.ش) لوحيد باصري، دون تقييم اعتبار الروايات المذكورة وضمن قبول صدور مثل هذه الروايات عن النبي (ص) بشأن منع الزكاة عن بني هاشم، اعتبرتها تدبيراً حكيماً من النبي الإسلام (ص) لإزالة أي شائبة أو تصور نفعي في الثقافة القبلية للعرب. مقالة أخرى بعنوان “الخطاب القبلي ودوره في التغيير الدلالي لمفهوم أهل البيت (ع) وذوي القربى وتأثيره في البحث عن الهوية الهاشمية (180-230هـ)” لوحيد باصري وآيينه وند، تناولت بالبحث المراد من أهل البيت وذوي القربى، ورأت أن توسيع هذا المفهوم ليشمل بني هاشم يعود إلى أزمنة لاحقة لرسول الله (ص)، وخاصة في عهد حكام بني العباس. وفي مقالة “دراسة فقهية وتاريخية لحرمة الصدقة على السادات” (1378هـ.ش) لمحمد علي خيراللهي، تم التأكيد على قذارة الزكاة وحرمتها على بني هاشم، ولم يُقدم جواب للأسئلة المذكورة. وفي مقالة “الزهد في حياة الإمام الخميني ومسألة الشأن” (1378هـ.ش) لأحمد عابديني، مع قبول الروايات، عُلّل تعبير الزكاة بالوسخ والقذارة بكراهة بني هاشم لعمالة الزكاة. في البحث الحالي، بالإضافة إلى تتبع الروايات في المصادر الحديثية للفريقين وتقييم اعتبارها السندي، تم تقييم مختلف الآراء حول مفاد تلك الروايات من حيث المضمون، وبُيّن تعارضها مع القرآن الكريم وسائر الروايات.
۲. دراسة روايات «الصَّدَقَةُ مِنْ أَوْسَاخِ أَيْدِي النَّاسِ»
تنقسم هذه الروايات في تصنيف عام إلى 7 فئات على النحو التالي:
أ) الروايات التي اعتبرت الزكاة أوساخاً ومنعت أهل البيت (ع) منها لكرامتهم. ب) الروايات التي اعتبرت الزكاة أوساخاً وحرّمتها على آل محمد (ع). ج) الروايات التي اعتبرت الزكاة أوساخاً ومنعت أبناء عبد المطلب منها لقرابتهم من رسول الله (ص)، وجعلت الخمس بديلاً عنها لكرامتهم. د) الروايات التي شبّهت الزكاة بغسالة البراز واعتبرتها من الأوساخ. هـ) الروايات التي منعت بني هاشم من العمل في جمع الزكاة لكونها أوساخاً. و) الروايات التي تؤكد على حرمة الزكاة على بني العباس. ز) الروايات التي حرّمت الزكاة على النبي والأئمة من بعده فقط، دون اعتبارها أوساخاً.
توجد هذه الروايات في مصادر الشيعة وأهل السنة. وبما أن الروايات ذُكرت بأسانيد ومتون مختلفة، فسيتم في هذا القسم، بالإضافة إلى ذكر سند الروايات المذكورة وتقييم اعتبارها، تناول المفهوم العام لكل رواية:
۱-۲. الحديث الأول
عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ الْيَمَانِيِّ عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ع يَقُولُ: «نَحْنُ وَ اللَّهِ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ بِذِي الْقُرْبَى الَّذِينَ قَرَنَهُمُ اللَّهُ بِنَفْسِهِ وَ نَبِيِّهِ ص فَقَالَ مَا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ مِنَّا خاصَّةً وَ لَمْ يَجْعَلْ لَنا سَهْماً فِي الصَّدَقَةِ أَكْرَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَ أَكْرَمَنا أَنْ يُطْعِمَنا أَوْساخَ ما فِي أَيْدِي النَّاسِ» (الكليني، 1407ق، 1: 539) والله نحن المقصودون بذي القربى الذين قرنهم الله بنفسه ونبيه (ص) في آية الفيء… لم يجعل الله لنا سهماً في الزكاة، وأكرم نبيه وأكرمنا أن نطعم من أوساخ أيدي الناس.
من وجهة نظر علماء الرجال، أبان بن أبي عياش ضعيف ولا ينبغي الاعتداد بأقواله (ابن الغضائري، 1364 ش، 36؛ ابن قارياغدي، 1429ق، 1: 549)، لذا فهذا الحديث ضعيف من حيث السند. أما من حيث المضمون، فقد عُبّر في هذا الحديث عن الزكاة بـ «أَوْسَاخِ أَيْدِي النَّاسِ»، ومُنع أهل البيت منها لكرامتهم دون ذكر بني هاشم.
۲-۲. الحديث الثاني
قَالَ سُلَيْمُ بْنُ قَيْسٍ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ عِ يُحَدِّثُنِي وَ يَقُولُ: «… لَمْ يَجْعَلْ لَنا فِي سَهْمِ الصَّدَقَةِ نَصِيباً وَ أَكْرَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ص وَ أَكْرَمَنا أَنْ يُطْعِمَنا أَوْسَاخَ أَيْدِي النَّاسِ» (الهلالي، 1405ق، 2: 723) لم يجعل الله لنا نصيباً في سهم الزكاة، وأكرم نبيه (ص) وأكرمنا أن نطعم من أوساخ أيدي الناس. بما أن طريق هذا الحديث في كتاب سليم بن قيس الهلالي هو أبان بن أبي عياش؛ فهذا الحديث أيضاً ضعيف من حيث السند. أما من حيث المضمون، فقد عُبّر في هذا الحديث عن الزكاة بأوساخ أيدي الناس، ومُنع أهل البيت منها لكرامتهم دون ذكر بني هاشم.
۳-۲. الحديث الثالث
عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ ع قَالَ: «إِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ هَذَا الْخُمْسَ خَاصَّةً لَهُمْ دُونَ مَسَاكِينِ النَّاسِ وَ أَبْنَاءِ سَبِيلِهِمْ عِوَضاً لَهُمْ مِنْ صَدَقَاتِ النَّاسِ تَنْزِيهاً مِنَ اللَّهِ لَهُمْ لِقَرَابَتِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ص وَ كَرَامَةً مِنَ اللَّهِ لَهُمْ عَنْ أَوْسَاخِ النَّاسِ فَجَعَلَ لَهُمْ خَاصَّةً مِنْ عِنْدِهِ مَا يُغْنِيهِمْ بِهِ عَنْ أَنْ يُصَيِّرَهُمْ فِي مَوْضِعِ الذُّلِّ وَ الْمَسْكَنَةِ وَ لَا بَأْسَ بِصَدَقَاتِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُمُ الْخُمُسَ هُمْ قَرَابَةُ النَّبِيِّ ص الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فَقَالَ وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وَ هُمْ بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» (الكليني، 1407ق، 1: 540) إنما جعل الله لهم هذا الخمس خاصة دون مساكين الناس وأبناء سبيلهم، عوضاً لهم من صدقات الناس، تنزيهاً من الله لهم لقرابتهم برسول الله (ص) وكرامة من الله لهم عن أوساخ الناس… فجعل لهم خاصة من عنده ما يغنيهم به عن أن يصيرهم في موضع الذل والمسكنة… هؤلاء هم بنو عبد المطلب الذين جعل الله لهم الخمس لقرابتهم بالنبي (ص).
هذا الحديث مرسل لوجود عبارة «بَعْضِ أَصْحَابِنَا»، ومن حيث المضمون، بالإضافة إلى اعتبار الزكاة «أَوْسَاخَ النَّاسِ»، مُنع أبناء عبد المطلب منها لقرابتهم برسول الله (ص)، وجُعل الخمس بديلاً عنها لكرامتهم.
٤-۲. الحديث الرابع
عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ حَرِيزٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ وَ أَبِي بَصِيرٍ وَ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص: «إِنَّ الصَّدَقَةَ أَوْسَاخُ أَيْدِي النَّاسِ وَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَيَّ مِنْهَا وَ مِنْ غَيْرِهَا مَا قَدْ حَرَّمَهُ وَ إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ …» (الكليني، 1407ق، 4: 58) إن الزكاة أوساخ أيدي الناس، وإن الله قد حرّمها عليّ… وإن الزكاة لا تحل لبني عبد المطلب. في السند المذكور، يوجد بعض كبار صحابة الإمام الباقر والإمام الصادق (ع)، وكلهم ثقات: محمد بن مسلم (النجاشي، 1365 ق، 323)، أبو بصير (النجاشي، 1365ق، 441؛ خاني مقدم وآخرون، 1398ش، 199)، زرارة (النجاشي، 1365ق، 175). كما تم توثيق حماد بن عيسى وعلي بن إبراهيم (النجاشي، 1365ق، 142، 259؛ الطوسي، 1420ق، 156). أما إبراهيم بن هاشم، والد علي بن إبراهيم، فرغم عدم ورود جرح أو تعديل له في مصادر الرجال المتقدمة، إلا أن العلامة الحلي يعتبر أقواله صحيحة (الحلي، 1411ق، 5). بناءً على ما ذُكر، فإن الحديث صحيح من حيث السند، ومضمونه كالحديث السابق، فمع وصف الزكاة بأنها أوساخ الناس، مُنع بنو عبد المطلب منها.
۵-۲. الحديث الخامس
الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْهَاشِمِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَحْمَرِ وَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُنْدَارَ عَنِ السَّيَّارِيِّ عَنْ بَعْضِ الْبَغْدَادِيِّينَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ بِلَالٍ قَالَ: «… لَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ صَانَنَا عَنِ الصَّدَقَةِ وَهِيَ أَوْسَاخُ أَيْدِي النَّاسِ» (الكليني، 1407ق، 5: 345). في الحديث المذكور، قال الإمام الصادق (ع) في معرض رده على أحد الخوارج: إن الله عز وجل صاننا عن الزكاة وهي وسخ أيدي الناس.
سند هذه الرواية ضعيف لوجود أشخاص مثل إبراهيم بن إسحاق الأحمر، الذي وصفه الشيخ الطوسي بأنه محدّث ضعيف وغير معتمد في نقل الرواية، وقيل إنه متهم بالغلو في دينه (الطوسي، 1420ق، 16). وكذلك بسبب وجود السياري (أحمد بن محمد بن سيار)، الذي ضعّفه النجاشي وقال إنه ضعيف الحديث وفاسد المذهب (النجاشي، 1365ق، 80).
في مضمون هذا الحديث أيضاً، عُبّر عن الزكاة بأوساخ أيدي الناس، واعتُبر تحريمها نوعاً من الفضيلة، ولكن لم يُصرّح بأن هذه الفضيلة تشمل جميع بني هاشم أم تقتصر على أهل البيت (ع) فقط.
٦-۲. الحديث السادس
عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ الْهِلَالِي قَالَ: خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع فَقَالَ: «… لَمْ يَجْعَلْ لَنَا فِي سَهْمِ الصَّدَقَةِ نَصِيباً أَكْرَمَ اللَّهُ رَسُولَهُ ص وَ أَكْرَمَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ أَنْ يُطْعِمَنَا مِنْ أَوْسَاخِ النَّاسِ …» (الكليني، 1407ق، 8، 58-63) خطب أمير المؤمنين (ع) فقال: … لم يجعل الله لنا نصيباً في سهم الصدقة، أكرم الله رسوله (ص) وأكرمنا أهل البيت أن نطعم من أوساخ الناس. هذه الرواية مرسلة لأن إبراهيم بن عثمان كان من أصحاب الإمام محمد الباقر (ع) ولم يكن بإمكانه الرواية عن سليم بن قيس مباشرة. وفي المضمون أيضاً، كالروايات السابقة، عُبّر عن الزكاة بـ «أَوْسَاخِ أَيْدِي النَّاسِ»، واعتُبر تحريمها نوعاً من الفضيلة لأهل البيت (ع).
۷-۲. الحديث السابع
وَ قالَ سُفيان بن عيينه قُلتُ لأبي عبد الله (ع): «أَكُلُّ الأنبياءِ وَ أَولادِهِم حُرِّمَت عَلَيهِم الصَّدَقَة ؟ فَقالَ : لا ، أَو مَا سَمِعتَ قَولَ إخوة يوسف (ع) وَ تَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ حَلَّتْ لَهم الصَّدَقَة، وَحُرِّمَت عَليهم الغنائم، وَحُرِّمَت عَلينا الصَّدَقَةِ لِأَنَّهَا أَوْسَاخُ أَيْدِي النَّاس» (الصدوق، 1415ق، 177) يقول سفيان بن عيينة: قلت للإمام الصادق (ع): هل حُرّمت الزكاة على جميع الأنبياء وأولادهم؟ فقال (ع): لا، ألم تسمع قول إخوة يوسف (ع): “وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ”؟ فحلّت لهم الصدقة وحُرّمت عليهم الغنائم، وحُرّمت علينا الزكاة لأنها أوساخ أيدي الناس.
سند الحديث مرسل لأن الشيخ الصدوق لم يذكر الرواة بينه وبين سفيان. وفي مصادر الرجال، ذُكر سفيان بن عيينة كأحد أصحاب الإمام الصادق (ع) (البرقي، 1342ش، 41) ولكن لم يُذكر مدح أو قدح بشأنه. في مضمون الحديث، عُبّر عن الزكاة بـ «أوساخ الناس»، وذُكر أحد الفروق بين النبي الإسلام (ص) والأئمة (ع) وسائر الأنبياء بأن الصدقة كانت حلالاً على الأنبياء السابقين وحراماً عليهم الغنائم، بينما حُرّمت الزكاة على النبي (ص) والأئمة (ع) لكونها أوساخاً.
۸-۲. الحديث الثامن
تتعلق هذه الرواية بمناظرة الإمام الرضا (ع) مع بعض العلماء في مجلس المأمون العباسي في بيان الفرق بين العترة والأمة: «حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْن شَاذَوَيْهِ الْمُؤَدِّبُ وَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْرُورٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِي عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرَّيَّانِ بْنِ الصَّلْتِ … لِأَنَّ الصَّدَقَةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ وَهِيَ أَوْسَاخُ أَيْدِي النَّاسِ» (الصدوق، 1378ق، 1: 228). الزكاة محرمة على محمد وآله، وهي أوساخ أيدي الناس ولا تحل لهم. نظراً لاتصال سند الرواة، ولكون رواة هذا الحديث: جعفر بن محمد بن مسرور (النجاشي، 1365ق، 123)، الريان بن الصلت (النجاشي، 1365 ق، 165)، محمد بن عبد الله الحميري (النجاشي، 1365ق، 354)، عبد الله بن جعفر الحميري (الطوسي، 1420ق، 293)، كلهم ثقات، فإن سند الرواية صحيح. من حيث المضمون، في هذه الرواية، خُصّ تحريم الزكاة بمحمد وآل محمد (ع)، وذُكرت العلة في ذلك بأنها «أوساخ». هذه الروايات الثماني هي جميع الأحاديث المطروحة في المصادر الشيعية، وبناءً على الدراسة السندية، يمكن القول إن حديثين فقط صحيحان من حيث السند، والستة الأخرى ضعيفة. وفي مصادر أهل السنة أيضاً، توجد روايات عُبّر فيها عن الصدقة بـ «أَوْسَاخِ أَيْدِي النَّاسِ»، منها الأحاديث التي سيتم دراستها لاحقاً.
۹-۲ . الحديث التاسع
عَنْ مَالِكٍ، عَن زيد بن أسلم، عَن أَبيهِ، أَنَّه قَالَ: قَالَ عَبد اللهِ بنِ الأَرْقَمِ: أَدَلَّلَنِي عَلَى بَعِيرِ مِنَ المَطَايَا اسْتَحْمَلَ عَلَيْهِ أَمِيرُ المُؤمنين. فَقُلتُ: نَعَم. جُمَلاً من الصَّدَقَةِ. فَقَالَ عَبدُ الله بن الأرقم: أَتُحِبُّ أَنَّ رَجُلًا بادِنا في يوم حارٍ غَسَلَ لَكَ مَا تَحتَ إِزارِهِ وَرَفَعَيهِ ثُمَّ اعطاكَهُ فَشَرَبتَهُ ؟ قال: فَغَضَبْتُ وَقُلتُ: يَغفرُ اللهُ لَكَ. أَتَقُولَ لِى مثل هذا ؟ فَقَالَ عَبد الله بن الأرقم: إِنَّما الصَّدَقَة أَوْسَاخُ النَّاسِ يَعْسِلُونَها عَنهُم» (مالك بن انس، 1406ق، 2: 1001). في هذه الرواية، شبّه عبد الله بن الأرقم الصدقة بالماء الذي يغسل به الإنسان مدفوعه ويختلط به ذلك الماء. ينتهي سند هذه الرواية إلى عبد الله بن الأرقم، وليس إلى رسول الله (ص)، مما يشير إلى أنه رأي شخصي له، ولا يعتبر حديثاً أصلاً.
۱۰-۲. الحديث العاشر
عن مالك: أَنَّه بَلَغَهُ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لا تَحِلُّ الصَّدَقَة لَآلِ مُحمدٍ إِنَّمَا هِي أَوْسَاخُ النَّاسِ» (مَالک بن انس، 1406ق، 2: ح 1000): الزكاة لا تحل لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس. سند الحديث مرسل لأن مالك بن أنس نسبه إلى رسول الله (ص) دون أي واسطة.
۱۱-۲. الحديث الحادي عشر
في بعض المصادر أيضاً، يُعزى منشأ هذه الروايات إلى طلب العباس بن عبد المطلب وبعض آخرين من بني هاشم من رسول الله (ص) للعمل في جمع الزكاة، وجواب النبي (ص) السلبي بسبب كون الزكاة أوساخاً (السجستاني، دون تاريخ، 3: 147).
سند الرواية المذكورة «حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ ابْنِ نَوْفَلِ الْهَاشِمِيُّ، أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ رَبِيعَةَ بْنَ الْحَارِثِ، وَعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَلِلْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ» صحيح عند أهل السنة (المصدر نفسه). ولكن من وجهة نظر الشيعة، فإنه يواجه ضعفاً في السند لوجود أشخاص مثل ابن شهاب الزهري.
۳. دراسة ونقد الآراء ۱-۳. الرأي الأول في هذا الرأي، مع ترجمة كلمة “أوساخ” إلى القذارة والوسخ، يُعتبر تخصيص الخمس لبني هاشم بدلاً عن الزكاة كرامةً لهم، ويُعدّ كون الصدقة وسخاً وحرمتها على بني هاشم مسألة قطعية بسبب التصريح بها في أحاديث الشيعة وأهل السنة (خيراللهي، 1387ش، 116-126). في نقد هذا الرأي، ومع التغاضي عن سند هذه الروايات، يجب القول: إذا كانت “الأوساخ” بمعنى القذارة، ومُنع بنو هاشم منها بسبب قرابتهم من رسول الله (ص) لكون الزكاة قذرة وملوثة، فإن ذلك يواجه الإشكالات التالية:
أ) عدم انسجام مضمون الروايات مع آيات القرآن يتعارض حمل مفاد هذه الأحاديث مع آيات مختلفة من القرآن، منها:
۱. نفت الآيات القرآنية أي تفاضل بين الناس على أساس العرق، أو الأرض، أو لون البشرة، أو الثروة، وغيرها، وجعلت “التقوى” المعيار الوحيد لذلك، وهذا يتعارض مع تخصيص امتياز لأقرباء رسول الله (ص) لمجرد القرابة: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (الحجرات: 13) أيها الناس، إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير. ۲. يبيّن الله تعالى في آية الكرامة الشخصية السامية للنوع البشري والمواهب الإلهية الممنوحة له: «وَ لَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَ فَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا» (الإسراء: 70)؛ ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً. الكرامة في هذه الآية تتعلق بحقيقة الإنسان ولا تختص بشخص معين، وهذا يبيّن كون الكرامة ذاتية للنوع الإنساني (جوادي آملي، 1366ش، 62) بمعنى أن الله تعالى خلق ذات الإنسان كريمة وحسنة، لكي، بالالتفات إلى هذه القيمة الفائقة، لا يلوّث جوهره بسهولة ولا يبيع نفسه بثمن بخس. وبناءً على هذا، فإن الكرامة الذاتية تشمل السادة وغير السادة جميعاً.
لذا، فإن هذه الآية تتناقض مع أن يجعل الله بعض الناس، لمجرد فقرهم، مستحقين للارتزاق من النجاسات، وفئة أخرى، لمجرد قرابتهم من النبي (ص)، مستحقين للارتزاق من الطيبات. بناءً على هذا، يمكن القول إن الله تعالى لم يرد أبداً كرامة فئة من الناس (بني هاشم، أهل البيت، و…) في مقابل إذلال الآخرين.
۳. طبقاً لآيات القرآن الكريم، كل ما هو طاهر يختص بذات الله، والطاهرات، سواء كانت أعمالاً أم نيات، تصعد إليه، والمتلقي لها هو الله تعالى: «مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ» (فاطر: 10) من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً، إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه، والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور. كما يصف القرآن الكريم الله بأنه متلقي الصدقات: «أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَ يَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَ أَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» (التوبة: 104) ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم. من مجموع مضمون الآيتين يمكن استنتاج أنه من المحال أن يكون الله متلقياً لشيء قذر وملوث، وهذا يتناقض مع كون الصدقات قذرة وملوثة. ٤. في بعض آيات القرآن، وُصف رسول الله (ص) أيضاً، كالله سبحانه، بأنه متلقٍ للصدقات: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلَّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنْ لَهُمْ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (التوبة: 103) خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصلّ عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم.
٥. طبقاً لبعض آيات القرآن الكريم، الصدقة عامل للطهارة والتزكية، فكيف يمكن لشيء هو نفسه مطهِّر أن يكون قذراً وملوثاً؟ «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا …» (التوبة: 103) خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها…
٦. يأمر القرآن الكريم المؤمنين بأن يرتزقوا من الأشياء الطيبة ويتجنبوا الخبائث، وهذا الأمر يتنافى مع قذارة الزكاة وتلوثها وجوازها للمؤمنين الفقراء: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ» (البقرة: 172) يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم. «وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ» (الأعراف: 157): ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث.
۷. نسب الله تعالى في القرآن كلاً من محق الربا وإنماء الصدقات إلى نفسه: «يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ» (البقرة: 276) يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم. بناءً على الآية المذكورة، فإن مقابلة «يَمْحَقُ … الرِّبَا» بـ «يُرْبِي الصَّدَقَاتِ» وختام الآية «وَ اللهُ لا يُحِبُّ …» يثبت طيبة الصدقات.
ب) عدم الانسجام المتني لروايات «الصَّدَقَةُ مِنْ أَوْسَاخِ أَيْدِي النَّاسِ» إن اختلاف العبارات في الأحاديث المتقدمة بحيث أن الدراسة المضمونية تكشف عن اضطراب في المتن ووجود تعارض بينها. على سبيل المثال، في بعض الروايات تأكيد على حرمة الصدقات على رسول الله (ص) والأئمة (ع) من بعده وخروج سائر بني هاشم من الحكم المذكور، وفي بعضها الآخر شملت جميع بني هاشم، وفي بعض الحالات ورد الحكم المذكور فيما يتعلق بـ “بني عبد المطلب”.
۲-۳. الرأي الثاني اعتبر السيد الرضي في تبريره لتعبير “الأوساخ” عن الزكاة أنه نوع من المجاز، وفي بيان هذا التبرير يقول: عندما يُفصل مال كزكاة عن سائر الأموال، فإن هذا الفصل يؤدي إلى طهارة سائر الأموال، كالماء الذي يزيل الأوساخ ولكنه في تطهير الأوساخ يُصاب هو نفسه بالنجاسة، أو لأنه غالباً ما يدفع الناس زكاة أموالهم من أقل الأشياء قيمة المتعلقة بالزكاة وليس من أفضلها، لذا، من باب المجاز، عُبّر عن الزكاة بأوساخ أيدي الناس (السيد الرضي، 1422ق، 390). على الرغم من أن السيد الرضي لم يقدم سنداً لإثبات رأيه، إلا أنه يبدو أن رأيه يتوافق مع رواية زيد بن أرقم أو أنه مستمد منها بشكل ما (مالك بن أنس، 1406ق، 2: 1001) والتي ثبت في محلها أنها رأي شخصي لزيد انعكس في الموطأ وليس له أساس روائي. من ناحية أخرى، ربما يكون تبرير السيد الرضي مستمداً من الآية 103 من سورة التوبة، حيث يقول الله: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها» (التوبة: 103) ففي هذه الحالة يجب القول إن التطهير والتزكية في هذه الآية يتعلقان بروح دافع الزكاة وليس بالأموال، وثانياً، هل الأموال الأولية نجسة حتى تطهر بفصل الزكاة منها وتنتقل نجاساتها إلى الزكاة؟ لذلك، يمكن استنتاج أن تبرير السيد الرضي لا يخلو من إشكال، إذ لا وجه للشبه بين الزكاة والغسالة حتى يُراد منها المجاز.
كما أن الاستدلال بأنه لما كانت الزكاة تُدفع من أقل الأموال قيمة فهي من باب المجاز أوساخ، يستلزم أن الزكاة في الحقيقة ليست أوساخاً. بعبارة أخرى، لازم هذا الرأي أنه بتصحيح رؤية المؤمنين ودفع الزكاة من أفضل الأموال، فإن أخذها على أهل البيت (ع) لا إشكال فيه؛ بينما حرمة الزكاة على أهل البيت (ع) لم تُشترط بأمر.
۳-۳. الرأي الثالث خلافاً للرأيين السابقين، يسعى هذا الرأي إلى البحث عن العلة الأصلية لمنع الصدقة عن بني هاشم. وفقاً لهذا الرأي، فإن المقصود بـ «أَوْسَاخِ أَيْدِي النَّاسِ» هو كدّ الناس، وأن عدم جواز الصدقات على بني هاشم ليس بسبب نجاسة أموال الصدقات أو اختلاف طبيعة بني هاشم أو امتيازات نسبية، بل هو تدبير حكيم من النبي الإسلام (ص) لإزالة أي شائبة أو ذهنية نفعية في الثقافة القبلية للعرب. لم يستعمل النبي (ص) أياً من الهاشميين الذين أسلموا في فتح مكة أو لم تكن لهم سابقة في الإسلام في أي منصب. ولم يقتصر منع الصدقات على استهلاكها فحسب، بل منع النبي (ص) أي ارتباط لبني هاشم بمسألة الصدقات (باصري، 1399ش، 14). من وجهة نظر أنصار هذا الرأي، فإن تركيب «أَوْسَاخُ النَّاسِ»، الذي ورد في المصدر الأول بهذه الصيغة وفي المصادر اللاحقة بصيغة «أَوْسَاخُ أَيْدِي النَّاسِ» مرة واحدة فقط في الرد على الهاشميين الذين طالبوا بالعمالة والاستفادة من الصدقات، يمكن أن يشير إلى كراهة أو شبهة كانت موجودة من جانب دافعي الصدقات ومؤدي الزكاة، وتحديداً الأعراب البدو، بسبب عدم كفاية معرفتهم بحكمة الصدقة والزكاة. كون هذه الأموال “وسخ أيدي الناس” يمكن أن يعني أنه لما كان الأعراب يحصلون على هذه الأموال بكدّ وجهد كبير من عرق جبينهم، كانوا يتضايقون من دفعها للآخرين أو يكرهون ذلك. على أي حال، لا يمكن أن تكون “أوساخ الناس” بمعنى نجاسة المال الذي تعلقت به الصدقة (المصدر نفسه، 24).
على الرغم من أن سعي صاحب هذا الرأي لكشف علة هذا التمييز جدير بالثناء، إلا أنه، بصرف النظر عن تجاهل الإشكالات السندية والاضطراب الموجود في الروايات ومفادها، لم يُقدم في هذا الرأي وجه لترجمة أو فهم كلمة “أوساخ” بمعنى “كدّ اليد” من مصادر اللغة وغيرها.
٤-۳. الرأي الرابع على الرغم من أن هذا الرأي يتفق مع الرأي الثالث من حيث النتيجة، وكلاهما يعتبر تعبير «أَوْسَاخُ أَيْدِي النَّاسِ» عن الزكاة يهدف إلى إيجاد تنفير لدى بني هاشم من عمالة الزكاة، إلا أنهما يختلفان من حيث الأدلة المقدمة؛ لذا يُطرح كرأي رابع. بناءً على هذا الرأي، أراد بنو هاشم أن يتولوا مسؤولية جمع أموال الزكاة ليخصصوا لأنفسهم بذلك سهم «الْعَامِلِينَ عَلَيْها». لذلك، ربما قال النبي الأكرم (ص) هذا الكلام لتنفر طباعهم ويمتنعوا عن فكرة جمع الزكاة وفكرة أكل الزكاة بشكل عام (السيستاني، 1414ق، 1: 70؛ عابديني، 1378ش، 265-354). يجيب هذا الرأي على إشكال اتهام النبي (ص) بخلاف الواقع في تحريم الزكاة على بني هاشم وتحليل الخمس لهم، بتوضيح المسألة بأن النبي (ص) لم يأمر بخلاف الواقع، إذ أن هناك فرقاً بين مال الزكاة ومال الخمس. ففي الزكاة الواجبة، يصبح المكلف مالكاً للمال أولاً، وبعد أن يمتلكه لمدة سنة، يُكلَّف بدفع مقدار منه كزكاة. إذاً، كان المال في البداية ملكاً له، ثم تعيّن عليه دفع الزكاة، ولهذا السبب لا يدفعها البعض عن طيب نفس ورضا… أما مال الخمس الذي أساسه الغنيمة، فيُؤخذ من الكفار ويُقسم إلى خمسة أقسام، قسم منها هو الخمس والباقي يُوزع بين المقاتلين. لذلك، تختلف نظرة المجتمع إلى مال الزكاة الذي فُصل من ممتلكات الناس، ومال الخمس الذي فُصل قبل التوزيع. ولم يُرد النبي الأكرم (ص) حتى هذا الحد أن يستفيد بنو هاشم من الزكاة، لئلا يتبادر إلى ذهن أحد أنه (ص) أصبح نبياً وشكل حكومة وسنّ قوانين ليعتني بأقربائه (عابديني، 1378ش، 265-354).
في نقد هذا الرأي يمكن القول: ألم يكن بإمكان رسول الله (ص) أن يُفهم بني هاشم بطريقة أخرى أن هذا العمل ليس في صالحهم، وهل كان السبيل الوحيد هو التعبير عن الزكاة بالقذارة والوسخ لإيجاد التنفير لديهم؟ كما أن ادعاء الكاتب في بيان الفرق بين الخمس والزكاة لا يصح إلا إذا كان الخمس يتعلق بالغنائم فقط، هذا في حين أنه طبقاً للمباني الشيعية، يتعلق الخمس بأرباح المكاسب أيضاً، وباعتباره فائض الدخل والمصاريف، يُدفع كالزكاة بعد مرور سنة وهو في ملكية المالك. لذا فإن تبرير الكاتب لا يخلو من إشكال.
٤. الرأي المختار إن دراسة الروايات التي تحكي عن كون الزكاة قذرة وملوثة واستبدال الخمس بها لبني هاشم (كما تم تناوله في المباحث السابقة) تواجه إشكالات من حيث السند (عدم وثاقة الرواة أو الإرسال) وكذلك من حيث المضمون (التضاد مع آيات القرآن الكريم وسائر الروايات). في مقابل هذه الروايات، توجد روايات تخلو من هذه الإشكالات. في هذه الروايات، أولاً: اقتصر استبدال الخمس بالزكاة على أهل البيت (ع) فقط ولم يشمل سائر بني هاشم. ثانياً: لم يكن هذا الأمر بسبب كون الزكاة قذرة وملوثة أو بسبب قرابتهم من حضرة الرسول (ص). على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى الروايات التالية:
أ) … قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص: «إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ وَأُمِرْنَا بِإِسْبَاغِ [الوضوء] …» (علي بن موسى الرضا، 1406ق، 46). لنا أهل البيت لا تحل الصدقة، وأُمرنا بإسباغ [الوضوء]. نقل الحديث المذكور أحمد بن عامر عن الإمام الرضا (ع)، وهو بدوره عن أجداده الطاهرين وعن رسول الله (ص). تُعرف مجموعة الروايات المنقولة عن أحمد بن عامر عن الإمام الرضا (ع) بصحيفة الإمام الرضا (ع) وهي مؤيدة من قبل رجالي الشيعة المتقدم، النجاشي (النجاشي، 1365ق، 100). جد أحمد بن عامر من شهداء كربلاء (المصدر نفسه، 100). في هذا الحديث، ضمن تعريف الإمام الرضا (ع) لنفسه بأنه من أهل البيت، حرّم الصدقة عليهم.
ب) «الْعَيَّاشِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ع قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْنَا الصَّدَقَةَ أَبَدَلَنَا بِهَا الْخُمُسِ فَالصَّدَقَةُ عَلَيْنَا حَرَامٌ وَ الْخُمْسُ لَنَا فَرِيضَةٌ وَ الْكَرَامَةُ لَنَا حَلَالٌ» (العياشي، 1380ق، 2: 64): روى العياشي في تفسيره بسلسلة سنده عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: إن الله الذي لا إله إلا هو لما حرّم علينا الصدقة أبدلنا بها الخمس، فالصدقة علينا حرام والخمس لنا فريضة والكرامة لنا حلال. فيما يتعلق برجال هذه الرواية، يجب القول إن محمد بن مسعود العياشي من الثقات الذين وُصفوا في مصادر الرجال الشيعية بأوصاف مثل: جليل القدر، واسع الأخبار، وبصير بالرواية (الطوسي، 1420ق، 396). عيسى بن عبد الله العلوي، على الرغم من عدم ورود وصف له في كتب الرجال المتقدمة، إلا أن رواية الشيخ الصدوق والعياشي والبرقي عنه تدل على حسنه وكماله (نمازي الشاهرودي، 1405ق، 6: 166). عبد الله بن الفضل العلوي، والد عيسى بن عبد الله، من تلاميذ الإمام الصادق (ع) ومن الرواة الثقات وله كتاب (النجاشي، 1365ق، 223).
بناءً على ما تقدم، فإن هذا الحديث لا إشكال فيه من حيث السند، ومن حيث المضمون أيضاً، دون أن يُعبَّر عن الزكاة بالأوساخ، أُكِّد على حرمة الزكاة على أهل البيت (ع) وليس على جميع بني هاشم، واستُبدل بها الخمس. في هذه الرواية، ذُكرت علة ذلك بأنها كرامة الأئمة (ع).
من مقابلة الصدقة بالخمس في هذه الرواية وذكر “الكرامة” للخمس، يُفهم أن في الخمس كرامة ليست في الزكاة، لا أن الزكاة وسخ، وأن منع الزكاة عن أهل البيت هو لئلا يقعوا في المذلة. توضيح ذلك أن أهل البيت (ع) الذين بلغوا مقام العصمة ويحملون بعد رسول الله (ص) مصباح هداية البشرية، يجب أن تكون لديهم موارد اقتصادية يستفيدون منها لنشر الدين الإلهي. ونظراً لأن مصرف الزكاة الأساسي هم الفقراء، ودفعها إليهم يكون مصحوباً بنوع من الترحم، فإن الله سبحانه، باستبدال الخمس بالزكاة – وهو حق في أصل المال لله ولرسوله ولأهل بيته – لم يترك أهل البيت في موضع ذل وفقر وترحم الآخرين. بناءً على ما ذُكر، فإن حرمة الصدقات لا تُعتبر امتيازاً لبعض أقرباء النبي (أهل البيت)، لأن علة هذا الأمر ليست القرابة من النبي، بل المكانة والشأن الذي كانوا يتمتعون به. أما سائر بني هاشم فليس لديهم خصوصية تجعلهم يُستثنون من استهلاك الزكاة كأهل البيت، ومجرد القرابة من رسول الله (ص) لا توجب امتيازاً خاصاً. وهذا عدم الاستثناء يتوافق مع الآيات القرآنية التي تنص على أن معيار كرامة العباد هو التقوى وليس المسائل القومية والعرقية (الحجرات: 13).
۱-۴. بنو العباس ولقب أهل البيت يبدو أن بني العباس، لتبرير حكومتهم الظالمة شرعاً، ولإظهار أنفسهم بمظهر المتميزين عن سائر الناس، ولجلب منافع الخمس نظراً للفتوحات والغنائم الهائلة في ذلك العصر، قد أجروا تغييرات في هذه الروايات، مثل التوسع في مفهوم أهل البيت وذي القربى، وإظهار الزكاة بمظهر الوسخ، وتخصيص الخمس لبني هاشم.
أ – التوسع في مفهوم أهل البيت يقتصر مفهوم أهل البيت وآل محمد على الأفراد الذين بلغوا مقام العصمة كرسول الله (ص) وأصبحوا أئمة هدى، وهؤلاء ليسوا سوى الذين ذُكروا في آية التطهير بهذا اللقب: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» (الأحزاب: 33)؛ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً (وهم بحسب روايات الشيعة والسنة: محمد، علي، فاطمة، الحسن، والحسين عليهم السلام) (أنصاريان، 1381ش، 422).
طبقاً لرأي مفسري الشيعة وأهل السنة، فإن المقصود بأهل البيت هم الإمام علي (ع)، والسيدة فاطمة الزهراء (س)، والإمام الحسن والإمام الحسين (ع). (الطبري، 1420ق، 22: 5؛ ابن أبي حاتم، 1419ق، 9: 3131؛ الطبراني، 2008م، 5: 192؛ الثعلبي، 1422ق، 8: 42؛ الطبرسي، 1372ش، 8: 560؛ الطباطبائي، 1417ق، 16: 311؛ الحسين بن علي (ع)، 1430ق، 1: 238-430). ومع ذلك، سعى بنو العباس إلى توسيع مصاديق هذا اللقب. وتعود محاولاتهم في توسيع مصاديق هذا اللقب إلى سنوات قبل وصول هذه الأسرة إلى الحكم. ويُعدّ حوار عبد الله بن عباس مع الخليفة الثاني شاهداً على هذا الادعاء. ففي حوار عبد الله بن عباس مع الخليفة الثاني بشأن خلافته، واستناداً إلى آية التطهير، وسّع لقب أهل البيت ليشمل جميع بني هاشم، بما في ذلك أسرة بني العباس: «… فَقالَ عُمر …. يا ابن عباس اَبَت قُلُوبُكُم يا بني هاشم إِلا غَشَّاً في أمر قريش لا يَزولَ وَ حَمْداً عَلَيْها لا يَحُول فَقالَ ابن عباس مهلا يا أمير المؤمنين لا تنسب هاشماً إلى الغش فَإِنَّ قُلوبهم من قلب رسولِ الله الذي طَهَّره اللهُ وَ زَكاه وَ هُم أَهْلَ الْبَيْتِ الَّذِينَ قَالَ اللهُ تعالى لهم إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطهيراً …» (ابن أبي الحديد، 1404ق، 12: 54): “يا بن عباس، أبت قلوبكم يا بني هاشم إلا غشاً في أمر قريش لا يزول، وحقداً عليها لا يحول. فقال ابن عباس: مهلاً يا أمير المؤمنين، لا تنسب هاشماً إلى الغش، فإن قلوبهم من قلب رسول الله الذي طهّره الله وزكّاه، وهم أهل البيت الذين قال الله تعالى لهم: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً…”. فيما بعد، نجحت أسرة بني العباس، بشعار “الرضا من آل محمد” الخادع (البلاذري، 1417ق، 4: 130)، في خداع الناس والاستيلاء على الحكم. ولم تكتفِ هذه الأسرة بالاستيلاء على الحكم، بل سعت من خلال الدعاية إلى إظهار نفسها كوريث شرعي وحيد لرسول الله (ص)، بل وحتى إلى عدم اعتبار الإمام الحسن (ع) والإمام الحسين (ع) من ذرية رسول الله (ص). وكان حكام بني العباس، ومنهم هارون الرشيد، يسعون دائماً، بالإضافة إلى التباهي بانتسابهم إلى مقام الرسالة، إلى إنكار كون الأئمة من ذرية النبي. فقد قال يوماً للإمام الكاظم (ع): كيف تدّعون أنكم أبناء النبي وأنتم أبناء علي (ع)؛ فكل امرئ يُنسب إلى جده لأبيه لا إلى جده لأمه؟! فأثبت الإمام الكاظم (ع)، بالاستناد إلى الآيات 84 إلى 86 من سورة الأنعام، أن أبناء البنت يُعتبرون ذرية أيضاً. ففي الآيات المذكورة، ذُكر حضرة عيسى (ع) كذرية لحضرة إبراهيم على الرغم من أنه ينتسب إليه عن طريق أمه (الصدوق، 1378ش، 1: 82).
ب – وضع روايات «أَوْسَاخُ أَيْدِي النَّاسِ» في مصادر أهل السنة، يرتبط الطرح الأولي لهذه الروايات بالعباس بن عبد المطلب. ففي كتاب سنن أبي داود، بعد ذكر روايات في مدح العباس بن عبد المطلب، ورد أن العباس وربيعة بن الحارث أرسلا ابنيهما الفضل وعبد المطلب إلى رسول الله (ص) ليطلبا منه أن يجعلهما عاملين على الزكاة، ولكن النبي (ص) رفض طلبهما، معتبراً الزكاة وسخ أيدي الناس، وقال إنها حرام على آل محمد. ثم أمر بأن تُدفع تكاليف زواجهما من الخمس (السجستاني، دون تاريخ، 3: 147). في هذه الرواية، أُطلق على ابني العباس وربيعة لقب آل محمد، وعُبّر عن الزكاة بوسخ أيدي الناس، واستُبدل بها الخمس. بعد التوسع في مفهوم أهل البيت، كان لإظهار الزكاة بمظهر الوسخ والقذارة وتحريمها على بني هاشم (باعتبار ذلك كرامة لهم) دور كبير في تمييز بني العباس، باعتبارهم الأسرة الحاكمة من بني هاشم، وإظهارهم كفئة منفصلة ومتميزة عن سائر الناس. وكان هذا الأمر غطاءً شرعياً مناسباً لظلمهم، كما مهّد الطريق لتخصيص سهم الخمس من غنائم الفتوحات (نظراً للثروة الهائلة لغنائم الفتوحات في ذلك الزمان).
من الشواهد الروائية على هذا الوضع وجود روايات تؤكد على حرمة الزكاة على بني العباس: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِوُلْدِ الْعَبَّاسِ – وَلَا لِنُظَرَائِهِمْ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» (الحر العاملي، 1419ق، 9: 269) لا تحل الصدقة لأولاد العباس ولا لنظرائهم من بني هاشم.
كما تشير دراسة المصادر التاريخية إلى أن خلفاء بني العباس اعتبروا أنفسهم فقط مستحقين لتلقي الخمس وحرموا الأئمة (ع) منه، لدرجة أن الشيعة كانوا يوصلون سهم الخمس إلى الأئمة سراً. وفي بعض الأحيان، نظراً للضغط السياسي من الخلافة العباسية، كان الشيعة يتجنبون إرسال المال في شكل خمس ويرسلونه إلى الإمام في شكل هدايا. ووفقاً لتقرير الشيخ المفيد، قال الإمام الكاظم (ع) لهارون: “إن أسلافكم منعونا الخمس الذي أشار إليه كتاب الله، فضاق بنا الأمر، وحُرّمت علينا الصدقة بسبب استبدال الخمس بها، فنحن مضطرون لقبول الهدية” (المفيد، 1413ق، 55).
لمواجهة إجراءات بني العباس، قام أهل البيت (ع) ببيان أحاديث تحصر حرمة الزكاة في النبي (ص) والأئمة (ع) وليس سائر بني هاشم: «مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي خَدِيجَةَ سَالِمِ بْنِ مُكْرَمِ الْجَمَّالِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَنَّهُ قَالَ : أَعْطُوا الزَّكَاةَ مَنْ أَرَادَهَا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَإِنَّهَا تَحِلُّ لَهُمْ وَإِنَّمَا تَحْرُمُ عَلَى النَّبِيِّ ص وَ عَلَى الْإِمَامِ الَّذِي مِنْ بَعْدِهِ وَ عَلَى الْأَئِمَّةِ (ع)»: أعطوا الزكاة لمن أرادها من بني هاشم فإنها تحل لهم، وإنما تحرم على النبي (ص) وعلى الإمام الذي من بعده وعلى الأئمة (ع) (الحر العاملي، 1409ق، 9: 269). يبدو أن مثل هذه الروايات صدرت بهدف إبطال مفعول الروايات الموضوعة من قبل بني العباس.
۵. الاستنتاج
بناءً على الدراسات المتعلقة بروايات «الصَّدَقَةُ مِنْ أَوْسَاخِ أَيْدِي النَّاسِ»، التي تبيّن كون الزكاة قذرة وملوثة واستبدال الخمس بها لبني هاشم كرامةً لهم، يُستنتج ما يلي:
۱- تشير دراسة هذه الروايات إلى وجود إشكال سندي في معظمها؛ كالإرسال، وضعف الراوي بسبب اتهامه بالغلو، وغير ذلك. والأحاديث الصحيحة سنداً تتعارض مضموناً مع آيات من القرآن الكريم. فالآيات التي تعتبر الإنسان ذا كرامة ذاتية، وتجعل أساس التفاضل بين الناس التقوى وليس العرق أو اللون أو القرابة من النبي (ص) ونحو ذلك، وكذلك الآيات التي تعبّر عن الزكاة بالطيبات وتصف الله ورسوله بأنهما آخذاها، وتوصي المؤمنين، فقراء كانوا أم أغنياء، بالاستفادة من الطيبات، تتعارض مع هذه الروايات. ۲- بالإضافة إلى هذه الروايات، توجد أحاديث لم يُذكر فيها الزكاة بأنها قذرة وملوثة، ولم يُحكم فيها بتفضيل وكرامة جميع بني هاشم، بل منعت أهل البيت (ع) فقط من استهلاك الزكاة؛ وسبب ذلك هو مقام عصمة أهل البيت (ع)، وحملهم لمصباح هداية البشرية بعد النبي (ص)، وضرورة أن تكون لديهم موارد اقتصادية يستفيدون منها لنشر الدين الإلهي. ۳- يبدو أنه نظراً لأن مصرف الزكاة الأساسي هم الفقراء، ودفعها إليهم يكون مصحوباً بنوع من الترحم، فإن الله سبحانه، باستبدال الخمس بالزكاة، قد أبعد أهل البيت عن موضع الذل والفقر وترحم الآخرين. ٤- قام بنو العباس بتوسيع مصاديق لقب “أهل البيت” ليوهموا بأن المراد به جميع بني هاشم، ثم بوضع روايات، ضمن إظهار الزكاة بمظهر الوسخ والقذارة وتحريمها على بني هاشم واستبدال الخمس بها كرامة لهم، سعوا إلى تمييز أنفسهم، باعتبارهم الأسرة الحاكمة من بني هاشم، عن سائر الناس، ليكون هذا الأمر غطاءً شرعياً مناسباً لمظالمهم وخداع الناس ونهب سهم الخمس من الغنائم الذي كان يمثل مبالغ طائلة نظراً لفتوحات ذلك العصر.
المصادر والمراجع
- القرآن الكريم. ترجمة حسين أنصاريان، قم، أسوة، 1383ش.
- ابن أبي الحديد، عبد الحميد بن هبة الله، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، قم، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 1404ق.
- ابن أبي حاتم، عبد الرحمن بن محمد، تفسير القرآن العظيم، الرياض، مكتبة نزار مصطفى، 1419ق.
- ابن غضائري الواسطي البغدادي، أحمد بن حسين، الرجال لابن الغضائري، قم، دار الحديث، 1364ش.
- ابن قارياغدي، محمد حسين، البضاعة المزجاة (شرح روضة الكافي)، قم، دار الحديث، 1429ق.
- باصري، وحيد. “تبيين تاريخي ممنوعيت صدقات بر بني هاشم در عصر نزول”. تاريخ وتمدن اسلامي 16، 31 (1399ش): 3-26. doi:10.30495/jhcin.2020.16288
- ـــــــــــــــ ، صادق آيينه وند و كبرى روشنفكر. “الخطاب القبلي ودوره في التغيير الدلالي لمفهوم اهل البيت (ع) وذوي القربى وتأثيره في البحث عن الهوية الهاشمية”. دراسات في العلوم الانسانيه 25، 1 (1440ق): 37-55.
- البرقي، أحمد، رجال البرقي، طهران، جامعة طهران، 1342ش.
- البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف، بيروت، دار الفكر، 1417ق.
- الثعلبي، أحمد، الكشف والبيان، لبنان، دار إحياء التراث العربي، 1422ق.
- جوادي آملي، عبد الله، كرامت در قرآن، طهران، رجاء، 1366ش.
- الحر العاملي، محمد، وسائل الشيعة، قم، مؤسسة آل البيت (ع)، 1409ق.
- الحسين بن علي (ع)، تفسير الإمام الحسين عليه السلام (التفسير الأثري التطبيقي)، كربلاء، العتبة الحسينية المقدسة، 1430ق.
- الحلي، الحسن، رجال العلامة الحلي، النجف، دار الذخائر، 1411ق.
- خاني مقدم، مهيار ومحمد تقي دياري بيدگلي. “تحليل سندي ومحتوايي حديث «قُولُوا فينا ما شِئْتُمْ …» با رويكردي به نفي غلو از ساحت اهل بيت (ع)”. مطالعات فهم حديث 5، 10 (1398ش): 193-210. doi:10.30479/mfh.2019.1674
- خيراللهي، محمد علي. “بررسي فقهي وتاريخي حرمت صدقه”. فقه وتاريخ تمدن 18 (1387ش): 116-126.
- السجستاني، أبو داود، سنن. تحقيق محمد محيي الدين، بيروت، المكتبة العصرية، دون تاريخ.
- السيد الرضي، محمد بن الحسين، المجازات النبوية، قم، دار الحديث، 1422ق.
- السيستاني، علي، الرافد في علم الأصول (محاضرات السيد علي السيستاني). تحقيق عدنان قطيفي، قم، مكتبة آية الله السيستاني، 1414ق.
- الصدوق، محمد بن علي، المقنع، قم، مؤسسة الإمام المهدي (عج)، 1415ق.
- ـــــــــــــــ ، عيون أخبار الرضا عليه السلام، طهران، جهان، 1378ق.
- الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم، جامعة المدرسين، 1417ق.
- الطبراني، سليمان، تفسير القرآن العظيم، الأردن، دار الكتاب الثقافي، 2008م.
- الطبرسي، الفضل، مجمع البيان في تفسير القرآن، طهران، ناصر خسرو، 1372ش.
- الطبري، محمد، جامع البيان في تأويل القرآن، بيروت، دار المعرفة، 1412ق.
- الطوسي، محمد، فهرست كتب الشيعة وأصولهم، قم، مكتبة المحقق الطباطبائي، 1420ق.
- عابديني، أحمد. “امام خميني، ساده زيستي ومسأله شأن”. فقه 21 (1378ش): 265-354.
- علي بن موسى، الإمام الثامن (ع)، صحيفة الإمام الرضا عليه السلام، مشهد، المؤتمر العالمي للإمام الرضا (ع)، 1406ق.
- العياشي، محمد بن مسعود، تفسير العياشي، طهران، مكتبة العلمية الإسلامية، 1380ق.
- الكليني، محمد، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1407ق.
- مالك بن أنس، الموطأ، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1406ق.
- المفيد، محمد، الاختصاص، قم، مؤتمر الشيخ المفيد، 1413ق.
- النجاشي، أحمد، رجال النجاشي، قم، جامعة المدرسين، 1365ق.
- نمازي الشاهرودي، علي، مستدركات علم رجال الحديث، طهران، (ابن المؤلف)، 1405ق.
- الهلالي، سليم، سليم بن قيس الهلالي، قم، الهادي، 1405ق.