الملخص: كُتبت منذ القِدم وحتى الآن مؤلفاتٌ حول توقيعات الإمام المهدي (ع). يوجد في المصادر الحديثية للشيعة الإمامية حوالي مئة توقيع للإمام المهدي (ع)، نُقل معظمها في كتابي “كمال الدين” للصدوق و”الغيبة” للطوسي. في غضون ذلك، وبصرف النظر عن رواية قصة توقيع الإمام المهدي (ع) بشأن فتوى فقهية للشيخ المفيد، والتي لا يتوفر نصها وهي رواية متأخرة وموضوعة، لم يُروَ للشيخ المفيد في عصر الغيبة الكبرى سوى توقيعين منسوبين إليه؛ وقد شكك بعض المفكرين في نسبتهما واعتبارهما. نظراً لعدم إجراء دراسة مستقلة حتى الآن حول اعتبار هذه التوقيعات المنسوبة للشيخ المفيد (الموجودة في كتاب الاحتجاج)، فمن الضروري الآن بحث ما يلي: 1- كيف هي الأسانيد الروائية والنسخية لهذه التوقيعات؟ 2- ما هو تاريخ متنها في المصادر الشيعية؟ 3- ما هو مدى اعتبار توقيعات الشيخ المفيد في الاحتجاج؟ 4- هل هذه التوقيعات مقبولة من حيث نسبتها إلى الشيخ المفيد؟ في البحث الحاضر، ومن خلال دراسة الأسانيد وتحليل البيانات، اتضح لأسباب متعددة أن هذه التوقيعات الصادرة في عصر الغيبة الكبرى ليست من الإمام المهدي (ع) وليست للشيخ المفيد، وأن نسبة التوقيعات إليه غير صحيحة ولا اعتبار لها.
1. طرح المسألة
يُطلق التوقيع على تأشير الرسالة وكتابة عبارة في ذيلها، وكذلك على الإجابات المكتوبة من قِبل الكبراء والأمراء على طلباتهم المكتوبة. يبدو أن مصطلح “التوقيع” قد ورد لأول مرة في رواية عن الإمام الكاظم (ع)، وفي زمن الإمام الرضا (ع) كان يُستخدم للإشارة إلى الملاحظات التي تُدوّن في متن مكتوب أصلي؛ ولكن بعد ذلك اتسع نطاق الاستخدام الاصطلاحي للتوقيع، حتى أُطلق على المذكرات المستقلة للإمام المهدي (ع) التي لم تكن مسبوقة بسؤال. وبالطبع، في الوقت الحاضر، وبسبب كثرة استخدام التوقيعات في مسألة المهدوية والغيبة، فإن مصطلح “التوقيع” ينصرف ابتداءً إلى توقيعات حضرة المهدي (ع).
يُظهر فحص مضامين التوقيعات المنسوبة إلى إمام العصر (ع) تنوعاً في الموضوعات المختلفة، معظمها يتضمن: نصب الوكلاء وبيان شخصيتهم وتقديم التوصيات إليهم؛ الإجابة على الأسئلة الفقهية، الكلامية، التفسيرية، الحديثية، والتاريخية، وتقديم المواعظ الأخلاقية؛ إعلان وصول الحقوق الشرعية والأموال المسلَّمة إلى الوكلاء وطلب الحقوق الشرعية؛ التعريف بالإمام (ع) للشيعة والرد على بعض الانتقادات الموجَّهة إليهم؛ إعلان وفاة أو تاريخ وفاة الأفراد، وكذلك رسائل التعزية في وفاة ممثلي الإمام؛ إعلان خيانة الخائنين، وغلو الغالين، وانحراف المنحرفين، والرد عليهم ولعنهم؛ محاسبة وانتقاد أداء بعض الأفراد والنهي عن الأمور غير الشرعية؛ وكذلك الإجابة على طلبات الدعاء من قِبل الشيعة وإعلان العفو وقبول عذر بعض الشيعة؛ الإجابة على الطلبات الجزئية المختلفة مثل طلب المال أو الكفن أو الخط أو تقسيط الحقوق الشرعية أو أداء الحج، السفر، الإنجاب، البيع والشراء، وكذلك الدفاع عن المظلوم والبشارة برفع الظلم عن الشيعة، وكذلك الأخبار والتنبؤات بالأمور الخفية والحوادث الجزئية أو الكلية المستقبلية. بالنظر إلى تنوع الموضوعات والوظائف الفقهية والعقائدية لهذه التوقيعات الصادرة عن الإمام المهدي (ع)، والأهم من كل ذلك، استناد علماء الدين إليها، فقد حظيت هذه الكتابات والتوقيعات بأهمية خاصة في تاريخ التشيع، لا سيما الإمامية، ولا تزال كذلك.
وقد أُلّفت كتب حول توقيعات الإمام المهدي (ع) منذ القدم وحتى الآن؛ مثل كتاب “قرب الإسناد إلى صاحب الأمر” لعبد الله بن جعفر الحميري القمي، وكذلك كتاب “المصابيح” للشيخ الصدوق الذي خُصّص جزء منه لتوقيعات الإمام المهدي (ع).
في المصادر الحديثية للشيعة الإمامية، يوجد حوالي مئة توقيع للإمام المهدي (ع)؛ نُقل معظمها في كتابي “كمال الدين” للصدوق و”الغيبة” للطوسي. ففي باب التوقيعات من “كمال الدين”، يوجد حوالي 49 توقيعاً، وفي “الغيبة” حوالي 43 توقيعاً؛ علماً بأن اثني عشر توقيعاً منها مكررة ومأخوذة من “كمال الدين”.
وفي السنوات الأخيرة، نُشرت كتب ومقالات حول توقيعات إمام العصر (ع)، مثل: “موسوعة توقيعات الإمام المهدي” (أكبر نجاد، 1427هـ)، “مجموعة من روايات وتوقيعات حضرة المهدي” (مجموعة موعود الثقافية، 1388هـ.ش)، “ماهية توقيعات حضرة المهدي (ع)” (صالحي، 1389هـ.ش)، “تحديات حجية صدور روايات وتوقيعات ولي العصر (ع) في فترة الغيبة الكبرى” (توكلي زاده، 1399هـ.ش). لم يُجرَ حتى الآن بحث مستقل حول توقيعات الناحية المقدسة إلى الشيخ المفيد؛ لذا، فإن هذا البحث هو أول دراسة مستقلة ومركزة تتناول مختلف أبعاد تقييم اعتبار هذه التوقيعات.
يمكن تصنيف التوقيعات المتعددة المنسوبة إلى إمام العصر (ع) من جوانب مختلفة، مثل: الموضوع، المخاطب، الوظيفة، وكذلك تاريخ الصدور. وبناءً على ذلك، وبالنظر إلى تقسيم فترة غيبة حضرة المهدي (ع) إلى غيبة صغرى وغيبة كبرى، يمكن أيضاً تصنيف التوقيعات المنسوبة إليه ودراستها ضمن هاتين الفترتين.
توجد الآن في المصادر والوثائق الشيعية توقيعات متعددة منسوبة إلى الإمام المهدي (ع) في عصر الغيبة الصغرى. بعض هذه التوقيعات مؤرخة، وهناك توقيعات كثيرة أخرى ليس تاريخها واضحاً؛ ولكن بناءً على قرائن يمكن استنتاج أنها صدرت في فترة الغيبة الصغرى.
في غضون ذلك، وبصرف النظر عن رواية قصة توقيع الإمام المهدي (ع) بشأن فتوى فقهية للشيخ المفيد (والتي لا يتوفر نصها، وهي رواية متأخرة، موضوعة ومزورة)، لم يُروَ للشيخ المفيد سوى توقيعين أو، بتعبير آخر، أربعة توقيعات، مؤرخة بعامي 410 و 412 للهجرة، وذلك في عصر الغيبة الكبرى؛ وقد شكك بعض المفكرين في نسبتها واعتبارها.
نظراً لعدم إجراء بحث مستقل حتى الآن حول اعتبار توقيعات الشيخ المفيد في كتاب “الاحتجاج”، فمن الضروري الآن بحث مدى صحة الأسانيد الروائية والنسخية لهذه التوقيعات، وما هو تاريخ متنها في المصادر الشيعية، وما هو مدى اعتبار توقيعات الشيخ المفيد في “الاحتجاج”، وهل هذه التوقيعات مقبولة من حيث نسبتها إلى الشيخ المفيد. يتناول هذا البحث، بعد ذكر مقدمات، دراسة وتقييم اعتبار توقيعات الشيخ المفيد بشكل خاص.
2. كتاب الاحتجاج
كتاب “الاحتجاج على أهل اللجاج”، المشهور بـ”الاحتجاج”، هو كتاب يتناول احتجاجات المعصومين الأربعة عشر (ع) وبعض أتباعهم مع المخالفين. معظم روايات وأحاديث الكتاب هي روايات طويلة جداً ويبدو أنها مركبة، أُلّفت في قالب حوارات ومناظرات في موضوعات متنوعة بهدف إثبات المرجعية العلمية ونقل فضائل ومناقب أهل البيت (ع).
نُظّمت النسخة الخطية القديمة لكتاب “الاحتجاج” في جزأين أو قسمين؛ الجزء الأول يشتمل على ثلاث وعشرين احتجاجاً وتسعة عناوين وموضوعات أخرى مختلفة، من قبيل “فصل في ذكر طرف…”، “ذكر طرف…” و”جواب مسائل…”؛ والجزء الثاني يشتمل على ست وعشرين احتجاجاً وعنوانين “خطبة…” و”ذكر طرف…”.
يعتمد جزء كبير من كتاب “الاحتجاج” على التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري (ع)؛ أي من بداية الكتاب حتى خطبة الغدير (حوالي 130 صفحة) وبعض الروايات الأخرى ضمن متن الكتاب. بعبارة أخرى، أكثر من 40 رواية من أصل 363 رواية في كتاب “الاحتجاج” مأخوذة من التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري (ع)؛ والذي أثبتت الأبحاث الحديثة أن مؤلف هذا التفسير هو في الواقع الحسن بن علي الأطروش الملقب بالناصر الكبير.
من المهم جداً أن نلاحظ أن كتاب “الاحتجاج” يحتوي على روايات كثيرة متفردة وفريدة لا توجد في آثار أخرى، وبعبارة أوضح، جزء من محتوى الكتاب لا يوجد في المصادر السابقة. ومن ناحية أخرى، فإن عدم إسناد روايات الكتاب قد أدى إلى استحالة الوصول إلى مصدر هذه المطالب. لهذا السبب وأسباب أخرى، أصبح كتابا “الاحتجاج” و”تفسير العسكري” موضع نقاش وجدال بين بعض علماء الشيعة، خاصة المتأخرين والمحدثين، من جوانب مختلفة.
3. توقيعات الشيخ المفيد في الاحتجاج
فيما يلي بيان لموقع تقرير وبنية توقيعات الشيخ المفيد:
1-3. موقع تقرير توقيعات الشيخ المفيد
إن مطالب وروايات كتاب الاحتجاج، في الغالب، مرتبة ترتيباً تاريخياً، وفي الغالب قد صُفّت وأُلّفت جنباً إلى جنب بشكل مرتب؛ بمعنى أن الروايات والاحتجاجات تبدأ بالنبي (ص) وتنتهي بالإمام المهدي (ع)، وقد روعي هذا النهج الترتيبي تقريباً في ذكر كل من التوقيعات. وبناءً على ذلك، في أواخر كتاب الاحتجاج، أي بعد فصل “احتجاج الحجة القائم المنتظر المهدي”، أُدرج حوالي عشرين توقيعاً للإمام المهدي (ع). وفي النسخ الحالية لكتاب الاحتجاج، وفي نهاية هذه المجموعة من التوقيعات، بدأ توقيعان (أو بمعنى أربعة) منسوبة إلى إمام العصر (ع) والشيخ المفيد، تحت هذا العنوان: “ذِكْرُ كِتَابٍ وَرَدَ مِنَ النَّاحِيَةِ الْمُقَدَّسَةِ حَرَسَهَا اللَّهُ وَ…”.
2-3. البنية الشكلية لتوقيعات الشيخ المفيد في كتاب الاحتجاج الموجود
في الكتب المطبوعة للاحتجاج، غالباً ما تُدرج عناوين التوقيعات وأصولها وفروعها متتالية وبقلم واحد ودون تمييز، مما يجعل التأمل في هذه التوقيعات مبهماً. ولكن هنا، من أجل فهم وتأمل أفضل، تُذكر هذه الحالات مفصولة ومميزة ومطابقة للنسخة الخطية القديمة.
1. التوقيع الأول المنسوب للشيخ المفيد
التوقيع الأول يقع في حوالي صفحتين ويتضمن ما يلي: أ- عنوان التوقيع. ب- توضيح قبل بداية الرسالة. ج- بداية التوقيع والسلام. د- خطبة الحمد. هـ- بداية موضوع الرسالة. و- نهاية التوقيع.
2. شبه التوقيع الثاني (الحاشية الأولى؛ أي تأييد التوقيع الأصلي الأول)
حوالي نصف صفحة ويتضمن ما يلي: أ- عنوان التوقيع. ب- التوقيع. ج- نهاية التوقيع.
3. التوقيع الثالث (أو بعبارة أخرى، التوقيع الأصلي الثاني)
يتضمن ما يلي: أ- عنوان التوقيع. ب- توضيح قبل بداية الرسالة. ج- بداية التوقيع والسلام. د- خطبة الحمد. هـ- بداية موضوع الرسالة. و- نهاية التوقيع.
4. شبه التوقيع الرابع (الحاشية الثانية؛ تأييد التوقيع الأصلي الثاني)
حوالي نصف صفحة ويتضمن ما يلي: أ- عنوان التوقيع. ب- التوقيع. ج- نهاية التوقيع.
3-3. إبهامات البنية الشكلية للتوقيعات وعدد هذه التوقيعات
من الناحية الشكلية، يمكن النظر إلى التوقيعات بطريقتين: الحالة الأولى هي أن نفترض أن متن الرسالة كتبه شخص واحد، ثم الإمضاء وتأييد الرسالة كتبهما شخص آخر. الحالة الثانية هي أن نعتبر كلاً من متن الرسالة الأصلي ومتن تأييدها توقيعاً واحداً. في الحالة الأولى، لدينا توقيعان وتأييدان؛ وفي الحالة الثانية، لدينا أربعة توقيعات.
إذا افترضنا صحة الحالة الأولى، فستبرز مشكلة عدم تطابق تاريخ متن الرسالة الثانية، أي 23 ذي الحجة 412 هـ، وتاريخ تأييد تلك الرسالة، أي أول شوال 412 هـ، حيث يفصل بينهما حوالي ثلاثة أشهر. وإذا افترضنا صحة الحالة الثانية، فستبرز مشكلة عدم وجود متن خاص في التوقيعين الثاني والرابع.
لحل مشكلة عدم تطابق التواريخ، يمكن تصور عدة احتمالات على الأقل:
1- التواريخ الموجودة في “الاحتجاج” أو مصدره هي من إضافات النساخ وفهمهم؛ أي أنها لا علاقة لها أساساً بالتوقيعات المنسوبة إلى الشيخ المفيد. أو مثلاً، التواريخ تتعلق بكتابة ونسخ التوقيعات في فترات لاحقة؛ أي أن استنساخ التوقيعات قد حدث في هذه التواريخ المذكورة. سنتحدث عن هذا قريباً. بناءً على ذلك، في الاحتمال الأول، نواجه في الواقع نصي رسالتين ونصي تأييد للرسالتين.
2- فُقد تأييد لمتن رسالة وكذلك متن أصلي لرسالة من بين هذه التوقيعات. بمعنى أن ترتيب التوقيعات والتأييدات كان كالتالي: 1. التوقيع الأول “أَيُّهَا الْوَلِيُّ الْمُخْلِصُ فِي الدِّينِ الْمَخْصُوصُ” بالإضافة إلى إمضاء التوقيع “هَذَا كِتَابُنَا إِلَيْكَ أَيُّهَا الْأَخُ الْوَلِيُّ وَالْمُخْلِصُ…”. 2. التوقيع الثاني، مفقود ولم يرد في كتاب الاحتجاج، ولكن إمضاءه ورد في الكتاب؛ أي “هَذَا كِتَابُنَا إِلَيْكَ أَيُّهَا الشَّيْخُ الْوَلِيُّ الْمُلْهَمُ لِلْحَقِّ…”. 3. التوقيع الثالث، “إِلَى النَّاصِرِ لِلْحَقِّ الدَّاعِي…”، الذي فُقد إمضاؤه وتأييده ولم يرد في كتاب الاحتجاج.
3- الحالة الثالثة، وهي الأفضل، هي أنه بصرف النظر عن سنة التواريخ التي حُرّفت ولا تتعلق بالتوقيعات؛ فإن تاريخ شهر صفر وذي الحجة وشوال للتوقيعات، مع قليل من التوضيح، يمكن أن يكون متعلقاً بالتوقيعات. بمعنى أن “بسم الله الرحمن الرحيم” قد فُقدت وحُذفت من بين التوقيع الأصلي الثاني أو بعبارة أخرى التوقيع الثالث للاحتجاج؛ بحيث يكون ترتيب التوقيعات والتأييدات مختلفاً عما سبق وعلى هذا النحو:
ألف- التوقيع (أ) في شهر صفر؛ وهو من شخصية حكومية مهمة إلى شخص أدنى منه رتبة.
بداية الرسالة: “سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْوَلِيُّ الْمُخْلِصُ فِي الدِّينِ الْمَخْصُوصُ…” بالإضافة إلى إمضاء وتأييد التوقيع الذي جاء بعد النص المكتوب الأول: “هَذَا كِتَابُنَا إِلَيْكَ أَيُّهَا الْأَخُ الْوَلِيُّ وَالْمُخْلِصُ فِي وُدِّنَا…”.
باء- التوقيع (ب) في شهر شوال؛ بدون بسملة (البسملة مفقودة)، وهو من شخصية حكومية مهمة إلى شخص أدنى منه رتبة.
بداية الرسالة: [بسم الله والسلام، مفقودان] “وَنَحْنُ نَعْهَدُ إِلَيْكَ أَيُّهَا الْوَلِيُّ الْمُخْلِصُ الْمُجَاهِدُ فِينَا الظَّالِمِينَ…”.
بالإضافة إلى إمضاء وتأييد التوقيع، الذي جاء في نهاية النص أعلاه: “هَذَا كِتَابُنَا إِلَيْكَ أَيُّهَا الشَّيْخُ الْوَلِيُّ الْمُلْهَمُ لِلْحَقِّ…”.
جيم- التوقيع (ج) في شهر ذي الحجة، وهو مكتوب من شخص أدنى رتبة إلى شخصية حكومية أعلى منه.
بداية الرسالة: “إِلَى النَّاصِرِ لِلْحَقِّ الدَّاعِي…”.
نهاية الرسالة: “…مَا اجْتَنَبُوا الْمَنْهِيَّ عَنْهُ مِنَ الذُّنُوبِ”. هذه الرسالة ليس لها تأييد، إما لأن الرسالة من شخص أدنى إلى أعلى، أو أنها كانت تحتوي على تأييد وفُقد.
4. سند وسابقة توقيعات الشيخ المفيد
قبل الخوض في السند الخاص بتوقيعات الشيخ المفيد، من الضروري تقديم معلومات عن سابقة كتاب “الاحتجاج” نفسه كخلفية لذلك.
1-4. سابقة الكتاب والمؤلف المنسوب إليه في المصادر
يمكن التأمل والتدقيق في سابقة كتاب “الاحتجاج” من خلال منهجين على الأقل:
1-1-4. التعريف بكتاب الاحتجاج والطبرسي في المصادر الرجالية والفهرسية
في المصادر الرجالية الأولية المتقدمة حتى القرن الخامس، لا يوجد تقرير واضح عن كتاب باسم “الاحتجاج”. وفي المصادر الرجالية الثانوية المتقدمة حتى القرن الثامن، والتي يفترض ويقتضي التزامن الزمني المحتمل لتأليف كتاب “الاحتجاج” أن يوجد فيها شيء ذو بال، لا يوجد سوى ذكر في “معالم العلماء” لابن شهر آشوب لاسم كتاب “الاحتجاج” كأحد مؤلفات أحمد بن علي الطبرسي، أستاذ ابن شهر آشوب. وبسبب عدم ذكر مزيد من المعلومات، لا يُعرف ما إذا كان الكتاب الحالي المسمى بـ”الاحتجاج” هو نفسه الكتاب المذكور في “معالم العلماء” أم أنه كتاب آخر يحمل نفس الاسم. بعبارة أخرى، ليس من المعلوم أن اسم كتاب “الاحتجاج” في هذا الذكر لأستاذه هو نفسه الكتاب المعروف بـ”الاحتجاج” الحالي والمتوفر لدينا. كذلك، عرّف السيد ابن طاووس (المتوفى 664 هـ) بكتاب “الاحتجاج” في كتابه “كشف المحجة” لابنه، وكتب: “كتاب الاحتجاج لأبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي”. هذا الذكر أيضاً لا يدل على تطابق الكتاب الحالي المتوفر لدينا مع الكتاب الذي يقصده. لذلك، يبدو أنه لو كان الكتاب المسمى بـ”الاحتجاج” الحالي موجوداً لدى علماء هذه الفترات، أي القرون السادس إلى الثامن الهجري، لكانوا قدموا وصفاً للمؤلف والكتاب ومحتواه.
وكذلك، لا يوجد في مصادر الرجال والتراجم الشيعية المتقدمة والمتأخرة أي معلومات تزيد على ذلك السطر الواحد عن أبي منصور الطبرسي الذي ورد في “معالم” ابن شهر آشوب. النتيجة هي أن أحمد بن علي الطبرسي مجهول لدى علماء الرجال والتراجم، ولا توجد معلومات عنه في مصادر الرجال والتراجم الشيعية. ومن ناحية أخرى، فإن نسبة كتاب “الاحتجاج” الحالي والمتداول إلى أبي منصور الطبرسي، أستاذ ابن شهر آشوب، ليست واضحة ولا مستدلة. كما أن الكتاب المسمى بـ”الاحتجاج” لم يكن معروفاً أو متداولاً بين علماء الرجال والتراجم الشيعة حتى القرن العاشر.
2-1-4. أقدم الإحالات إلى “الاحتجاج”
بالبحث في مصادر الشيعة الإمامية، تبيّن أن أقدم إحالة إلى هذا الكتاب تعود إلى الحسن بن محمد الديلمي (القرن الثامن) الذي كتب في “إرشاد القلوب”. كما يوجد حديثان بعنوان “ذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبْرِسِيُّ” وكذلك “وَ مِنْ كِتَابِ الْإِحْتِجَاجِ الطَّبْرِسِي” في كتاب “مختصر البصائر” للحسن بن سليمان الحلي (المتوفى بعد 802 هـ). وأيضًا يوجد حديثان بعنوان “قَالَ الطَّبْرِسِيُّ فِي احْتِجَاجِهِ” في كتاب “الصراط المستقيم” للنباطي العاملي (المتوفى 877 هـ).
2-4. قدم النسخة الخطية للاحتجاج
كتاب “الاحتجاج” الموجود والمنسوب إلى أبي منصور الطبرسي هو كتاب غزير النسخ، حيث تم حتى الآن التعريف بأكثر من مئة وسبعين نسخة خطية منه، تعود تواريخها إلى الفترة ما بين القرن الثامن والرابع عشر. وبالطبع، فإن معظم النسخ الخطية للكتاب متأخرة وتعود إلى القرون الحديثة. وبعبارة أخرى، لا توجد نسخ لكتاب “الاحتجاج” من القرنين السادس والسابع، ومن القرن الثامن توجد نسخة واحدة فقط، ومن القرن التاسع ثلاث نسخ، ومن القرن العاشر أربع نسخ، وبقية النسخ كلها تعود إلى القرن الحادي عشر وما بعده، وتتبع جميع هذه النسخ في أصلها إلى نسخة أو نسختين.
أقدم نسخة معروفة من “الاحتجاج” تعود إلى القرن الثامن، بتاريخ 736 للهجرة. كاتبها هو علي بن إبراهيم بن معلى، الذي دوّن تاريخ الكتابة بيوم الأحد 18 ذي الحجة 736 هـ. وتوجد أيضاً ملاحظة من إبراهيم بن جمعة بن إبراهيم الحائري (أو البخاري) بتاريخ 774 هـ، وكانت النسخة في حوزة عبد الحسين بن سلطان حسيني موسوي مدني حلي عام 914 هـ.
3-4. السند العام للكتاب وأسانيد الروايات وتوقيعات المفيد
لا يحتوي كتاب الاحتجاج الحالي على سند ابتدائي وعام في بداية النسخة الخطية (كما هو الحال في بعض كتب الحديث الأخرى مثل الكتاب المنسوب إلى سليم والتفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري (ع) التي لها أسانيد ابتدائية). والآن، بالنظر إلى تاريخ 736 هـ لأقدم نسخة خطية، وكذلك تاريخ القرن السادس الذي هو زمن تأليف وحياة المؤلف المجهول للكتاب، ليس من الواضح كيف انتقل الكتاب من يد إلى يد خلال هذه الفترة الممتدة لمئتي عام من النسخة إلى زمن المؤلف. وبناءً على ذلك، فإن كتاب الاحتجاج، من حيث محتواه العام ونسخته الخطية، يُعتبر نوعاً من “الوِجادة” غير المذكورة، وله إرسال نسخي طويل.
كما أن روايات هذا الكتاب، باستثناء بعض الحالات، كلها مرسلة. يكتب المؤلف في مقدمة الكتاب: “إني لم أورد بقية روايات الكتاب إلا روايات تفسير الإمام العسكري بدون سند؛ لأنها إما مجمع عليها، أو موافقة للعقل، أو مشهورة في كتب المخالف والموافق؛ وأوردت روايات التفسير المنسوب للإمام العسكري (ع) مع ذكر سندها في بدايتها، لأنها ليست كبقية روايات الكتاب من حيث الشهرة”.
على الرغم من تصريح مؤلف الكتاب بعدم وجود سند لمعظم روايات الكتاب، إلا أنه بالتدقيق في متن الكتاب سنجد أن الروايات والأحاديث الموجودة فيه تنقسم من حيث السند إلى ثلاث فئات: 1- روايات ذات أسانيد حديثية كاملة؛ أي، بصرف النظر عن حوالي أربعين رواية طويلة تقريباً مأخوذة من تفسير العسكري، وكلها لها سند واحد، فإن رواية “احتجاج يوم الغدير” أيضاً لها سند كامل، وهو عن مهدي المرعشي، أي نفس راوي تفسير العسكري. 2- روايات نُقل سندها بشكل ناقص، بحيث اقتصر على ذكر راويين أو ثلاثة. 3- روايات ومطالب أُدرجت بدون أي سند؛ مثل هذه التوقيعات المنسوبة للشيخ المفيد.
وبناءً على ذلك، يمكن تصنيف أسانيد روايات كتاب “الاحتجاج” إلى ثلاث فئات:
1-3-4. الأسانيد الكاملة في بعض روايات الاحتجاج
في نسخ متعددة من الكتاب الذي يُدعى “احتجاج الطبرسي”، يرد السند التالي لروايات التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري (ع) في أوائله: “حَدَّثَنِي بِهِ مَهْدِيُّ بْنُ أَبِي حَرْبٍ الْحُسَيْنِيُّ الْمَرْعَشِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الدُّورْيَسْتِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ بَابَوَيْهِ الْقُمِّيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْمُفَسِّرُ قَالَ حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَيَّارٍ وَكَانَا مِنَ الشِّيعَةِ الْإِمَامِيَّةِ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَسْكَرِيُّ (ع) قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ…”.
2-3-4. الأسانيد الناقصة في بعض روايات الاحتجاج
المقصود بالروايات ذات السند الناقص هي الأحاديث والروايات التي ذُكر جزء من أسانيدها الحديثية، ولكن هذه الأسانيد ليست تامة وكاملة؛ أي، على سبيل المثال، لم يُذكر اتصال رواتها من القرن الثاني إلى القرن السادس؛ مثل: “رَوَى عَمْرُو بْنُ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ (ع)”.
3-3-4. الروايات والأحاديث الخالية تماماً من السند
الروايات الخالية من السند هي الروايات والأحاديث التي إما أن يكون ناقلها مجهولاً أساساً، أو أن يُذكر فيها الناقل الأصلي فقط، مثل: “عن ابن عباس”.
تشمل هذه الروايات والأحاديث حجماً كبيراً من مادة كتاب “الاحتجاج”؛ والتي، خلافاً لادعاء مؤلفه في بداية الكتاب، ليست جميعها من الروايات المشهورة والموجودة في المصادر الحديثية، وكثير منها يُعد من متفردات الأحاديث. وكمثال على ذلك، هذه التوقيعات المنسوبة إلى الشيخ المفيد، والتي سيأتي ذكر سابقتها.
4-3-4. ملاحظة محتملة
بالنظر إلى التداخل وعدم التجانس في وضع الأسانيد وتشويشها في كتاب “الاحتجاج”، ليس من المستبعد أن تكون روايات وأحاديث الكتاب عند تأليفها كلها ذات أسانيد، ثم حُذفت لأسباب، كأن يكون لمنع النساخ اللاحقين من تمييز مذهب الرواة المتأخرين، من متن الكتاب، وأُضيفت حجة لتبرير هذا التلاعب والتحريف في بداية متن الكتاب ولعدم وجود هذه الأسانيد.
4-4. سابقة توقيعات المفيد في المصادر
بالبحث في المصادر الشيعية، يمكن تتبع التوقيعات المنسوبة إلى الشيخ المفيد في حالتين:
1-4-4. أقدم نقل ناقص للتوقيع
لم تكن توقيعات الشيخ المفيد الموجودة في كتاب “الاحتجاج” محل اهتمام المؤلفين الشيعة حتى القرن الحادي عشر الهجري لتأليف آثارهم، لدرجة أنه حتى مقتطفات وأجزاء من هذه التوقيعات لم يُعثر عليها في المصادر الشيعية المتقدمة والوسيطة؛ ما عدا ذكر واحد لهذه التوقيعات، وهو أيضاً ليس من كتاب “الاحتجاج” المنسوب للطبرسي.
أقدم مصدر، والمصدر الوحيد الذي ذكر جزءاً قصيراً ومركباً من التوقيعات المنسوبة للشيخ المفيد، هو كتاب “الخرائج والجرائح” لقطب الدين الراوندي (المتوفى 573 هـ)، هذا إذا لم يكن هذا الذكر ضمن حواشي وإضافات كتاب “الخرائج”. الراوندي من تلاميذ فضل بن حسن الطبرسي ومحمد بن حسن الطوسي (والد خواجه نصير الدين الطوسي).
لقد أورد حوالي سبعة أسطر من التوقيعات المنسوبة للشيخ المفيد على هذا النحو وفي موضع واحد: ثلاثة أسطر من التوقيع الأول، بالإضافة إلى سطر آخر من جزء آخر من التوقيع الأول، وكذلك في تتمة ذلك سطران من جزء من توقيع آخر منسوب للشيخ المفيد. نص التوقيعات في “خرائج” الراوندي هو كالتالي:
[من التوقيع الأول] “وَقَدْ كَتَبَ إِلَى الشَّيْخِ الْمُفِيدِ: نَحْنُ وَإِنْ كُنَّا ثَاوِينَ بِمَكَانِنَا النَّائِي عَنْ مَسَاكِنِ الظَّالِمِينَ حَسَبَ الَّذِي أَرَانَاهُ اللَّهُ لَنَا مِنَ الصَّلَاحِ وَلِشِيعَتِنَا الْمُؤْمِنِينَ فِي ذَلِكَ مَا دَامَتْ دَوْلَةُ الدُّنْيَا لِلْفَاسِقِينَ، فَإِنَّا نُحِيطُ عِلْماً بِأَنْبَائِكُمْ وَلَا يَعْزُبُ عَنَّا شَيْءٌ مِنْ أَخْبَارِكُمْ [؟] وَإِنَّا غَيْرُ مُهْمَلِينَ لِمُرَاعَاتِكُمْ وَلَا نَاسِينَ لِذِكْرِكُمْ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَنَزَلَ بِكُمُ اللَّأْوَاءُ وَاصْطَلَمَكُمُ الْأَعْدَاءُ [؟]” [من التوقيع الثاني] [؟] “وَلَوْ أَنَّ أَشْيَاعَنَا عَلَى اجْتِمَاعِ الْقُلُوبِ لَمَا تَأَخَّرَ عَنْهُمُ الْيُمْنُ بِلِقَائِنَا، فَمَا يُحْبَسُ عَنْهُمْ مُشَاهَدَتُنَا إِلَّا لِمَا يَتَّصِلُ بِنَا مِمَّا نَكْرَهُهُ [؟]”.
بالنظر إلى أن الذكر المتقدم ليس نقلاً عن كتاب “الاحتجاج” المنسوب للطبرسي، وأن قطب الراوندي لم يذكر شيئاً منه أساساً، وأن كتابه يبدو متقدماً على “الاحتجاج” المنسوب للطبرسي؛ فإن هذا الوضع يدل على أن التوقيعات المنسوبة للشيخ المفيد كانت موجودة في مصادر من القرن السادس، ولكن كيفية ووضع نصها الكامل ومحتواها الدقيق في تلك الفترة غير معروف. وبالطبع، هذا في حال كان، كما أُشير، هذا الذكر المقتطع للتوقيعات في كتاب “الخرائج والجرائح” أصيلاً وليس من إضافات حواشي الكتاب في القرون اللاحقة.
كما ذكرت بعض الآثار المتأخرة، مثل “لؤلؤة البحرين” للبحراني، أن ابن البطريق الحلي (المتوفى 600 هـ) كان له رسالة باسم “كتاب نهج العلوم إلى نفي المعدوم المعروف بسؤال أهل حلب”، ويبدو أنه أشار أو نقل، بمناسبة ما، التوقيعات المنسوبة لحضرة الحجة للشيخ المفيد. وحالياً، رسالة “سؤال أهل حلب” ليست في متناول اليد ليتمكن المرء من إصدار حكم صحيح ودقيق حول هذه المسألة. ولكن يبدو أن هذه التوقيعات كانت موجودة في القرن السادس، سواء كانت منسوبة للشيخ المفيد أو بدون نسبة إليه، وأن بعض المصادر أشارت إليها أو نقلتها.
2-4-4. أقدم نقل كامل للتوقيعات
قلنا إن توقيعات الشيخ المفيد لم تكن محل اهتمام المؤلفين، خاصة مؤلفي الشيعة الإمامية. وأول المصادر التي ذكرت هذه التوقيعات بشكل كامل تقريباً نقلاً عن كتاب “الاحتجاج” هي مصنفات تعود إلى القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين، مثل “نوادر الأخبار” للفيض الكاشاني و”بحار الأنوار” للمجلسي.
5. إبهامات التوقيعات المنسوبة إلى الشيخ المفيد
بصرف النظر عن المباحث السندية، يجب الانتباه إلى أن النسخة المطبوعة من كتاب “الاحتجاج” لم تُصحح بناءً على النسخ القديمة منه. فمثلاً، بعض الكلمات والعبارات في النص المطبوع لهذا الكتاب تختلف عن نسخة أردكان القديمة، وهذه الاختلافات، وإن كانت طفيفة، تقدم لنا خيوطاً جيدة لفهم متن التوقيعات. على سبيل المثال، في النسخة القديمة وردت عبارة “وَ لَا تُظْهِرْ عَلَى خَطِّنَا الَّذِي سَطَرْنَاهُ”، وفي النسخة المطبوعة أُدرجت عبارة “وَ لَا تُظْهِرْ عَلَى خَطِّنَا الَّذِي سَطَرْنَاهُ”. لذلك، من الضروري أولاً إجراء تصحيح جديد بناءً على النسخ القديمة لـ”الاحتجاج” لكي يكون بين أيدي الباحثين متن أكثر وثوقية قدر الإمكان.
ولكن على أي حال، سواء قرأنا متن النسخ القديمة لـ”الاحتجاج” أو متنه المطبوع بناءً على النسخ المتأخرة، فإن متن التوقيعات المنسوبة إلى الشيخ المفيد يكتنفه إبهامات متعددة، منها:
1-5. غموض متن التوقيعات
إن مفهوم ومعنى متن التوقيعات المنسوبة للشيخ المفيد، مع الأخذ في الاعتبار نسبتها إلى إمام العصر (ع) والشيخ المفيد، غامض ومبهم للغاية؛ لدرجة أن حتى مترجمي هذه التوقيعات لم يتمكنوا من فهم مراد متن الرسائل الأصلية بشكل صحيح. بمعنى أنه بصرف النظر عن صدر وذيل الرسالة، فإن متن الرسالة الأصلي، وخاصة العديد من المفردات المستخدمة فيه، غير مألوفة وغير مفهومة وغامضة؛ وكأنها نص مشفر وألغاز.
2-5. إبهامات التوضيح قبل الرسالة
في التوقيعين المنسوبين للشيخ المفيد، وردت جملتان قبل “بسم الله” في الرسالة؛ وفي كليهما تظهر إشكالات.
1-2-5. الإبهام في “قدس الله روحه ونور ضريحه”
في عنوان التوقيع الأول، ورد: “…عَلَى الشَّيْخِ الْمُفِيدِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ وَنَوَّرَ ضَرِيحَهُ”. وبعد ذلك وقبل “بسم الله” بداية الرسالة، ورد: “…الشَّيْخَ الْمُفِيدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ أَدَامَ اللَّهُ عِزَّهُ…”.
إذا لم يكن النص قبل البسملة جزءاً من الرسالة، وهو ما يُفترض عادةً، فهنا تبرز عدة حالات: 1. عنوان متن التوقيع والمطلب الذي يسبق البسملة كلاهما من كاتب النسخة، ويُعتبران من إضافات متن كتاب “الاحتجاج”. 2. عنوان متن التوقيع من كاتب النسخة، والمطلب الذي يسبق البسملة من مؤلف “الاحتجاج”. 3. عنوان متن التوقيع والمطلب الذي يسبق البسملة كلاهما من مؤلف “الاحتجاج”.
في الحالتين الأولى والثالثة، سينشأ تناقض بين ذكر “قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ وَنَوَّرَ ضَرِيحَهُ” و “أَدَامَ اللَّهُ عِزَّهُ”. وفي الحالة الثانية، يكون الأمر كالتالي: كاتب النسخة، الذي نسخها بتاريخ 736 هـ، دعا للشيخ المفيد الذي لم يكن حياً بدعاء للمتوفى. ومن ناحية أخرى، فإن مؤلف الكتاب دعا للشيخ المفيد الذي كان حياً بدعاء “الحياة”. في حين أن تأليف “الاحتجاج”، بالنظر إلى أسانيد تفسير العسكري وترجمة راوي الكتاب، أي مهدي المرعشي، كان بعد عام 539 هـ؛ وهذا التاريخ لا يتوافق مع زمن حياة الشيخ المفيد (المتوفى 413 هـ). بناءً على ذلك، يظهر تناقض في متن الكتاب في جميع الحالات الثلاث المذكورة أعلاه، إلا إذا اعتبرنا النص الذي يسبق البسملة في التوقيع جزءاً من التوقيع نفسه، وهو ما لا يتوافق أيضاً مع وجود “بسم الله” في التوقيع.
2-2-5. عبد الله المرابط
في التوقيع الرابع، أو بمعنى أدق التوقيع الثاني، قبل البسملة ورد: “مِنْ عَبْدِ اللَّهِ الْمُرَابِطِ فِي سَبِيلِهِ إِلَى مُلْهَمِ الْحَقِّ وَدَلِيلِهِ”. هذه الجملة فسرها البعض هكذا: من عبد الله، المرابط في… أي اعتبروا “عبد الله” اسماً و”المرابط” وصفاً له. وربما يكون “عبد الله المرابط” اسم شخص، وإن لم يُعثر على شخص بهذا الاسم؛ مع أنه ربما يكون هذا الاسم مصحفاً، ومثلاً أبي عبد الله بن المرابط المتوفى 485 هـ؛ وهو شخص معروف: ابن المرابط محمد بن خلف بن سعيد بن وهب، أبو عبد الله ابن المرابط: قاضي المرية (بالأندلس) ومفتيها وعالمها. من آثاره كتاب كبير في شرح الجامع الصحيح للبخاري.
وعليه، ففي هذا التوقيع، لا بد من تحديد هوية “عبد الله” هذا: هل هو راوي التوقيع أم وسيط وحامل الرسالة؟ أم كاتب الرسالة أو مؤلف الأثر الذي أُخذ منه التوقيع؟
6. أدلة تبين أن التوقيعات ليست للشيخ المفيد
بصرف النظر عن عدم انسجام متن التوقيعات المنسوبة للشيخ المفيد مع ترجمة حياته ومكانته وأوصافه الشخصية والاجتماعية (المتوفى 413 هـ) أساساً؛ يمكن تقديم أدلة تبين أن التوقيعات الموجودة في كتاب “الاحتجاج” ليست للشيخ المفيد؛ بعض تلك الأدلة هي:
1-6. اعتبار سند التوقيعات إلى الشيخ المفيد مخدوش
التوقيعات المنسوبة إلى الشيخ المفيد، بصرف النظر عن كونها لا تحمل أي سند روائي أو اتصالي، هي خبر واحد مرسل. بعبارة أخرى، لم ينقلها أفراد متعددون، وهذا النقل الموجود لها، واسطة نقله من القرن الخامس إلى القرن السادس، أي لأكثر من مئة عام، غير محدد وغير واضح. بعبارة أخرى، سند التوقيعات المنسوبة إلى الشيخ المفيد هو كالتالي: مجهول (صاحب كتاب الاحتجاج) عن مجهول (راوي التوقيع) نقل مطلباً تحت عنوان رسالة؛ وهذه الرسائل وُجدت بعد مئة عام في نسخة ما.
2-6. لم ترد التوقيعات المنسوبة للشيخ المفيد في آثاره الكثيرة
بلغت مؤلفات الشيخ المفيد، حسب “فهرست النجاشي”، 176 كتاباً ورسالة في عدة فروع علمية. وقد نُشرت مجموعة الآثار الموجودة للشيخ المفيد في مجموعة من أربعة عشر مجلداً بعنوان “مصنفات الشيخ المفيد” عام 1371هـ.ش من قبل المؤتمر العالمي للشيخ المفيد. ويمكن تقسيم هذه الكتب والرسائل وآثار الشيخ المفيد إلى عدة فئات:
1-2-6. آثار الشيخ المفيد غير المرتبطة بمسألة الغيبة والمهدوية
تشمل هذه الآثار كتب ورسائل الشيخ المفيد ذات التوجه الفقهي والأصولي، وهي: “أحكام النساء”، “الإشراف”، “الأعلام”، “تحريم ذبائح أهل الكتاب”، “التذكرة”، “خلاصة الإيجاز”، “الرد على أصحاب العدد”، “رسالة في المهر”، “المتعة”، “مختصر التذكرة”، “المزار”، “المسائل الصاغانية”، “المسائل الطوسية”، “مسائل العويص”، “المسح على الرجلين”، “المقنعة”، “النكت في مقدمات الأصول”.
في جميع هذه الآثار، لم يُعثر على أي اسم أو إشارة لمتن التوقيعات في “الاحتجاج” أو إشارة إليها.
2-2-6. آثار الشيخ المفيد المرتبطة بمسألة الغيبة والمهدوية
تشمل الآثار المرتبطة للشيخ المفيد بهذه المطالب (التوقيعات) معظم آثار الشيخ المفيد، لأن غالبية آثاره كلامية وتاريخية، وأغلبها تناول بحث الإمامة وتاريخ الإمامة والمسائل المتعلقة بها، وهي: “الإفصاح في إمامة”، “أقسام المولى”، “الأمالي”، “أوائل المقالات”، “إيمان أبي طالب”، “تزويج علي بنته من عمر”، “تفضيل أمير المؤمنين”، “الجمل”، “الحكايات”، “نحن معاشر الأنبياء”، “حول خبر مارية”، “في معنى المولى”، “في الإمامة وذكر أغلاط العامة”، “شرح المنام”، “عدم سهو النبي”، “الفصول العشرة”، “مسار الشيعة”، “مسألة في الإرادة”، “مسألتان في النص على علي”، “المسائل الجارودية”، “المسائل السروية”، “المسائل العكبرية”.
في جميع هذه الآثار أيضاً، لم يُعثر على أي اسم أو إشارة لمتن التوقيعات في “الاحتجاج” أو إشارة إليها.
3-2-6. آثار الشيخ المفيد حول المهدوية والغيبة
للشيخ المفيد، بالإضافة إلى الإشارات والمطالب المتفرقة التي أوردها في آثاره حول الغيبة والمهدوية، عدة آثار متخصصة أيضاً في هذه الموضوعات، حيث تناول الأثر كله أو جزء منه مسألة الغيبة والمهدوية.
1- “الإرشاد”: تناول الشيخ المفيد في الباب الثاني عشر من الكتاب تاريخ ميلاد الإمام المهدي (ع) وأدلة إمامته، وجزءاً من أخبار غيبته وآدابه عند الظهور ومدة دولته الإلهية، ومعجزاته وخوارق عاداته، وكذلك علامات ومدة أيام ظهوره، وبياناً من سيرته وطريقة حكمه، وبعض الأمور التي ستحدث في زمن دولته.
في هذا الأثر أيضاً، لم يُعثر على أي اسم أو إشارة لمتن التوقيعات في “الاحتجاج” أو إشارة إليها، مع أن هناك مواضع متعددة في الفصل الثاني عشر من الكتاب كان بإمكان الشيخ المفيد أن يشير فيها إلى وجود توقيعات لإمام العصر (ع) موجهة إليه.
2- “رسائل في الغيبة”: تناول الشيخ المفيد في هذه الرسائل، التي طُرحت على شكل سؤال وجواب، مسائل مثل وجود الإمام المهدي (عج)، وسبب الغيبة وظهور الإمام. وهذه الرسائل الأربع هي: “الرسالة الأولى”؛ هل حديث “مَنْ مَاتَ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ إِمَامَ زَمَانِهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً” صحيح؟ “الرسالة الثانية”؛ بالنظر إلى الاختلاف الموجود حول الإمام المهدي (عج)، ما هو دليلكم على وجوده؟ “الرسالة الثالثة”؛ إذا كان حديث 313 ناصراً للإمام المهدي (عج) صحيحاً، فلماذا لا يظهر الإمام؟ “الرسالة الرابعة”؛ ما هو سبب الغيبة؟
في هذه الرسائل أيضاً لم يُعثر على أي ذكر أو إشارة لمتن التوقيعات الواردة في “الاحتجاج” أو إشارة إليها؛ مع أنه، على سبيل المثال، كان بإمكان الشيخ المفيد في الفصل الذي يبيّن فيه أدلة وجود الإمام المهدي (ع) أن يشير ويستدل بهذه التوقيعات الصادرة من الناحية المقدسة إليه.
3- “المسائل العشر في الغيبة”: هو كتاب أُلّف جواباً على الشبهات التي كانت تُطرح حول وجود الإمام المهدي (عج)، وذلك في عشرة فصول، وهو أشمل آثار الشيخ المفيد في موضوع الغيبة والمهدوية.
في هذا الأثر أيضاً، لم يُعثر على أي اسم أو إشارة لمتن التوقيعات في “الاحتجاج” أو إشارة إليها، مع أن مطالب واستدلالات فصول من هذا الكتاب، مثل الفصول الثاني والخامس والسابع والتاسع، هي بحيث لو كان الشيخ المفيد قد تشرّف بتوقيعات من ناحية إمام العصر (ع)، لكان استفاد من هذه التوقيعات في مطالب واستدلالات هذه الفصول. على سبيل المثال، في الفصل الخامس من الكتاب، حيث استدل بارتباط “أشخاص كثيرين لهم اعتبار، وبعضهم يقبلهم علماء العامة أيضاً، وكلهم من بغداد وهمدان وأصفهان وقم والري ومرو ونيسابور والأهواز قد تشرّفوا بلقاء حضرته”، كان سيستفيد منها.
4-2-6. الآثار المنسوبة إلى الشيخ المفيد
تشمل الآثار المنسوبة إلى الشيخ المفيد تلك التي إما أُعيد بناؤها، أو ليست من تأليفه، أو أن نسبة تلك الكتب إليه مخدوشة وموضع شك. وهي: 1- الفصول المختارة: المؤلف السيد المرتضى، وقد استُفيد فيه من آثار الشيخ المفيد. 2- الكافئة: أُعيد بناؤها للشيخ المفيد. 3- النكت الاعتقادية: المؤلف مجهول؛ النسبة إلى الشيخ المفيد مخدوشة. 4- الاختصاص: المؤلف مجهول؛ النسبة إلى الشيخ المفيد مخدوشة. 5- تصحيح الاعتقاد.
في جميع هذه الآثار أيضاً، لم يُعثر على أي اسم أو إشارة لمتن التوقيعات في “الاحتجاج” أو إشارة إليها.
5-2-6. جواب إشكالين مُقدَّرين
1- قد يُشكل بأنه نظراً لأن تاريخ توقيعات الشيخ المفيد في كتاب “الاحتجاج” يعود إلى أواخر عمر الشيخ المفيد؛ فليس من المستبعد ألا تُدرج هذه التوقيعات في آثار الشيخ المفيد.
في الجواب يمكن القول: حتى لو اعتبرنا أن معظم آثار الشيخ المفيد كُتبت قبل عامي 410 و 412 هـ، فإن بعض آثار الشيخ المفيد الهامة في الغيبة تتوافق مع تاريخ التوقيعات أو حتى بعده. على سبيل المثال، تاريخ تأليف كتاب “المسائل العشر في الغيبة” وكتاب “الإرشاد” هو بعد تاريخ أحد توقيعات الشيخ المفيد في كتاب “الاحتجاج”، أو على الأقل متزامن معها.
في كتاب “المسائل العشر”، ورد في بداية ونهاية الفصل السادس: “…إِلَى وَقْتِنَا هَذَا وَهُوَ سَنَةُ عَشَرَةٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ” وأيضاً: “…وَإِلَى يَوْمِنَا هَذَا وَهُوَ سَنَةُ إِحْدَى عَشَرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ”. وبالطبع، هذا الاختلاف في التاريخ، إما بسبب سقوط كلمة “إحدى” في “سنة عشر وأربعمائة”، أو أنه يشمل تاريخ بداية التأليف ونهايته. وكذلك في بداية كتاب “الإرشاد”، قبل بدء مطالب الكتاب، ورد: “حَدَّثَنِي الشَّيْخُ السَّعِيدُ الْمُفِيدُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ فِي سَنَةِ إِحْدَى عَشَرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ قَالَ…”.
2- قد يُشكل بأنه ورد في توقيعات الشيخ المفيد أمر بإخفاء التوقيعات، فكان الشيخ المفيد مضطراً لإبعاد التوقيعات عن متناول الناس، وبالتالي لم يستطع نشرها في آثاره أو وضعها تحت تصرف تلاميذه لينقلوها في آثارهم.
هذا الإشكال يكون مقبولاً لو أن هذه التوقيعات لم تكن الآن في متناول الناس والجميع ولم تُنشر في كتاب “الاحتجاج”. وإذا قيل إن هذه التوقيعات قد كُشف عنها بعد قرون، وإن كشفها لم يتم أساساً من قبل الشيخ المفيد، يُقال: إذا كُشف عنها لاحقاً ومن قبل آخرين، فكيف عُرف أن هذه التوقيعات تتعلق بالشيخ المفيد؟ لأنه لم يُشر في متن التوقيعات إلى اسم الشيخ المفيد ليعرف من خلاله إلى أي شخص تتعلق هذه التوقيعات.
3-6. لم ترد هذه التوقيعات في آثار معاصري الشيخ المفيد وتلاميذه أيضاً
ولكن حتى لو قبلنا الإشكال المتعلق بآثار المفيد، فمن أجل رفع هذا الإشكال وزيادة الاهتمام بالمسألة، لا بد من البحث عن هذه التوقيعات في آثار معاصري الشيخ المفيد وتلاميذه أيضاً.
كان للشيخ المفيد معاصرون وتلاميذ كثر؛ مثل: السيد الرضي (المتوفى 406 هـ)؛ السيد المرتضى (المتوفى 436 هـ)؛ أبو الفتح الكراجكي (المتوفى 449 هـ)؛ النجاشي (المتوفى 450 هـ)؛ الشيخ الطوسي (المتوفى 460 هـ)؛ سلار الديلمي (المتوفى 463 هـ)؛ أبو يعلى محمد بن الحسن الجعفري (المتوفى 463 هـ) صهر الشيخ المفيد وخليفته.
يمكن تقسيم آثارهم إلى فئتين: 1- آثار غير مرتبطة بالغيبة والمهدوية. 2- آثار حول المهدوية والغيبة. وفي جميع هذه الآثار لم يُعثر على أي اسم أو إشارة لمتن التوقيعات في “الاحتجاج” أو إشارة إليها. مع أن كثيراً من هذه الآثار مرتبط بشكل ما بتوقيعات الشيخ المفيد، بل إن بعضها كتب كُتبت مباشرة في مسألة الغيبة والمهدوية، مثل: 1- “المقنع في الغيبة”، “الشافي في الإمامة”، و”رسالة في غيبة الحجة”، من آثار السيد المرتضى، وكلها أو جزء منها عن الإمام المهدي ومسألة الغيبة. 2- رسالة “البرهان على صحة طول عمر الإمام صاحب الزمان”، وهي جزء من كتاب “كنز الفوائد” لمحمد بن علي الكراجكي في موضوع غيبة الإمام المهدي (ع). 3- كتاب “الغيبة” للشيخ الطوسي، الذي نُظم في ثمانية فصول، ويتناول غيبة الإمام الثاني عشر للشيعة، وحتى أنه خصص في الفصل الرابع من الكتاب، أي “ما ظهر من جهته من التوقيعات على يدي سفرائه”، جزءاً لبعض التوقيعات التي وردت من جانب إمام العصر (ع).
في جميع هذه الآثار أيضاً، لم يُعثر على أي اسم أو إشارة لمتن توقيعات الشيخ المفيد المنقولة في كتاب “الاحتجاج” أو بمعزل عنه. مع أن بعض آثار الغيبة من تلك الفترة، مثل “المسألة في مولد صاحب الزمان” لأبي يعلى محمد الجعفري، ليست في متناول اليد ليتم فحصها.
4-6. لا وجود لتوقيعات المفيد في آثار الغيبة حتى القرن الحادي عشر
سبق أن مرّ بنا فحص مصادر الغيبة في القرن الخامس، ونتجنب تكراره. أما فحص وجود التوقيعات المنسوبة للشيخ المفيد في مصادر الغيبة من القرن السادس حتى القرن الحادي عشر الهجري على الأقل، فيُظهر أن هذه التوقيعات لا وجود لها في هذه الآثار أيضاً. وكما ذُكر سابقاً، فإن أول المصادر التي ذكرت هذه التوقيعات هي كتابا “نوادر الأخبار” للفيض الكاشاني و”بحار الأنوار” للمجلسي من القرن الحادي عشر والثاني عشر الهجريين.
إن عدم وجود التوقيعات المنسوبة للشيخ المفيد، بالنظر إلى مكانته وأهميته، يدل على أن هذه التوقيعات إما لم تكن موجودة في المصادر الشيعية ولم تكن في متناول علماء الإمامية، أو أنها لو كانت موجودة في بعض المصادر، فإن علماء الإمامية كانوا يعتبرونها موضوعة وغير مرتبطة بمسألة الإمام المهدي (ع).
7. أدلة تبين أن التوقيعات ليست من إمام العصر (ع)
للتوقيعات المنسوبة إلى الشيخ المفيد في “الاحتجاج” جانبان من حيث النسبة؛ أحدهما نسبتها إلى الشيخ المفيد، وقد مرّ بحثها؛ والآخر نسبة هذه التوقيعات إلى الإمام المهدي (ع). بعبارة أخرى، قد يقول قائل: نسلّم بأن هذه التوقيعات لا علاقة لها بالشيخ المفيد، ولكنها توقيعات من الإمام المهدي (ع) صدرت لشخصية لا نعرفها الآن. لذا، يبدو من الضروري بحث ما إذا كانت نسبة التوقيعات إلى إمام العصر (ع) صحيحة ومبررة أم لا.
بعض الأدلة التي تشير إلى أن هذه التوقيعات المنسوبة للمفيد ليست من إمام العصر (ع):
1-7. نفي توقيعات الغيبة الكبرى بواسطة آخر توقيع للغيبة الصغرى
قبل ستة أيام من وفاة علي بن محمد السمري، النائب الرابع والأخير من النواب الأربعة (326-329 هـ)، صدر توقيع من الإمام الثاني عشر (ع) أنهى الاتصال المباشر بين النواب والإمام الثاني عشر وفترة الغيبة الصغرى، وأُكّد فيه أن كل من يدعي الاتصال بإمام العصر (ع) فهو كاذب.
بناءً على هذا التوقيع الصادر في نهاية الغيبة الصغرى، يمكننا القول إن التوقيعات المنسوبة للشيخ المفيد إما موضوعة ومزورة، أو أنها ليست من الناحية المقدسة أساساً. بعبارة أخرى، حتى لو كانت هذه الرسائل تتعلق بالشيخ المفيد، فهي لم تصدر من الإمام المهدي (ع) إليه، بل كُتبت من شخص آخر للشيخ المفيد.
مع أنه يمكن الإشكال في اعتبار التوقيع الأخير لعلي السمري، فإن نفس الإشكالات أو ما يشبهها يرد على التوقيع المنسوب للشيخ المفيد أيضاً.
2-7. بنية وإطار المتن
إن إطار وبنية متن التوقيعين الأصليين المنسوبين للشيخ المفيد هي كالتالي:
1- بداية التوقيع والسلام: “بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. أَمَّا بَعْدُ، سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْوَلِيُّ الْمُخْلِصُ فِي الدِّينِ، الْمَخْصُوصُ فِينَا بِالْيَقِينِ”.
2- خطبة الحمد: “فَإِنَّا نَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَنَسْأَلُهُ الصَّلَاةَ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ”.
3- بداية موضوع الرسالة: “وَنُعْلِمُكَ – أَدَامَ اللَّهُ تَوْفِيقَكَ لِنُصْرَةِ الْحَقِّ، وَأَجْزَلَ مَثُوبَتَكَ عَلَى نُطْقِكَ عَنَّا بِالصِّدْقِ – أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَنَا فِي تَشْرِيفِكَ بِالْمُكَاتَبَةِ، وَتَكْلِيفِكَ مَا تُؤَدِّيهِ عَنَّا…”.
4- نهاية التوقيع: “…وَسَخَطِنَا، فَإِنَّ أَمْرَنَا بَغْتَةٌ فُجَاءَةٌ، حَيْثُ لَا تَنْفَعُهُ تَوْبَةٌ، وَلَا يُنْجِيهِ مِنْ عِقَابِنَا نَدَمٌ عَلَى حَوْبَةٍ. وَاللَّهُ يُلْهِمُكُمُ الرُّشْدَ، وَيَلْطُفُ لَكُمْ فِي التَّوْفِيقِ بِرَحْمَتِهِ”.
5- تأييد التوقيع: “هَذَا كِتَابُنَا إِلَيْكَ أَيُّهَا الْأَخُ الْوَلِيُّ، وَالْمُخْلِصُ فِي وُدِّنَا الصَّفِيُّ، وَالنَّاصِرُ لَنَا الْوَفِيُّ، حَرَسَكَ اللَّهُ بِعَيْنِهِ الَّتِي لَا تَنَامُ. فَاحْتَفِظْ بِهِ، وَلَا تُظْهِرْ عَلَى خَطِّنَا…”.
6- نهاية التأييد: “وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ”.
هذه البنية تنحصر في هذين التوقيعين، ولا توجد في سائر التوقيعات المنسوبة للإمام المهدي (ع) التي صدرت في الغيبة الصغرى. هذا الوضع نفسه يمكن أن يدل على أن كاتب التوقيع ليس على دراية بالتوقيعات الأخرى لإمام العصر (ع).
3-7. البنية الشكلية والمادية للرسالة حكومية
بالنظر إلى التوقيعات المنسوبة للشيخ المفيد في “الاحتجاج”، والتي لها بنية شكلية تتمثل في الرسالة وتأييد المتن (وقد أشير إليها سابقاً)، وكذلك بنية المتن، بدءاً من “البداية، والخطاب، ودعاء اللواحق للأشخاص” وصولاً إلى الألفاظ المستخدمة وترتيب الرسالة، يبدو أن هذه التوقيعات هي رسائل سلطانية. بمعنى أن أسلوب كتابة الرسالة وشكلها يدلان على فن إنشاء المكاتبات السلطانية والترسل الديواني، أكثر من كونها رسائل تُعرف بالإخوانيات التي تُتبادل بين الأصدقاء والأفراد غير السلطانيين.
وفي هذا السياق، فإن الشاهد الأبلغ على عدم نسبة التوقيعات إلى الإمام المهدي (ع) هو التأييد الذي يلي الرسالة الأصلية، أي “نُسْخَةُ التَّوْقِيعِ بِالْيَدِ الْعُلْيَا عَلَى صَاحِبِهَا أَفْضَلُ السَّلَامِ…”، والذي لم تكن هناك حاجة إليه في المراسلات بين الإمام المهدي (ع) والشيخ المفيد. هذا الأسلوب وهذه البنية في كتابة الرسائل لا يُلاحظان في التوقيعات الأخرى المنسوبة إلى الإمام المهدي (ع) في فترة الغيبة الصغرى.
8. النتيجة
التوقيعات المنسوبة للشيخ المفيد لها حالتان من الناحية الشكلية: الحالة الأولى هي أن نفترض أن نص الرسالة كتبه شخص واحد، ثم قام شخص آخر بالتوقيع والتصديق على الرسالة. الحالة الثانية هي أن نعتبر كلاً من نص “الرسالة الأصلية” ونص “التصديق” عليها توقيعاً مستقلاً. في الحالة الأولى، يكون لدينا توقيعان وتصديقان، وفي الحالة الثانية، يكون لدينا أربعة توقيعات.
لم تحظَ التوقيعات المنسوبة للشيخ المفيد في كتاب الاحتجاج باهتمام المؤلفين الشيعة في تأليف مصنفاتهم حتى القرن الحادي عشر الهجري؛ لدرجة أنه حتى المقتطفات والأجزاء من هذه التوقيعات لا توجد في المصادر الشيعية المتقدمة والوسيطة، باستثناء إشارة جزئية واحدة إلى هذه التوقيعات، وهي أيضاً ليست من كتاب الاحتجاج المنسوب للطبرسي.
أقدم مصدر، والمصدر الوحيد الذي ذكر جزءاً قصيراً ومركباً من التوقيعات المنسوبة للشيخ المفيد، هو كتاب “الخرائج” لقطب الدين الراوندي (المتوفى 573 هـ). وأول المصادر التي ذكرت هذه التوقيعات كاملةً نقلاً عن كتاب الاحتجاج هي مصنفات تعود إلى القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين.
بصرف النظر عن المباحث السندية، يجب الانتباه إلى أن النسخة المطبوعة من كتاب الاحتجاج لم تُصحّح استناداً إلى النسخ القديمة للاحتجاج؛ ولكن سواء قرأنا نص النسخ القديمة للاحتجاج أو النصوص المطبوعة لهذا الكتاب المستندة إلى النسخ المتأخرة، يجب أن نلاحظ أن نص التوقيعات المنسوبة للشيخ المفيد يكتنفه العديد من الإبهامات، مثل غموض نص التوقيعات وإبهامات التوضيحات التي تسبق الرسالة.
أساساً، لا ينسجم نص التوقيعات المنسوبة للشيخ المفيد مع ترجمة حياة الشيخ المفيد ومكانته وأوصافه الاجتماعية، ويمكن تقديم أدلة تُظهر أن التوقيعات الموجودة في كتاب الاحتجاج ليست للشيخ المفيد. بعض هذه الأدلة هي: “اعتبار سند التوقيعات إلى الشيخ المفيد مخدوش”؛ “لم ترد التوقيعات المنسوبة للشيخ المفيد في آثاره الكثيرة، سواء الآثار المرتبطة بمسألة الغيبة والمهدوية أو غيرها”؛ “لم ترد هذه التوقيعات في آثار معاصري الشيخ المفيد وتلاميذه أيضاً”؛ “التوقيعات المنسوبة للشيخ المفيد لا وجود لها حتى في آثار الغيبة حتى القرن الحادي عشر”.
للتوقيعات المنسوبة للشيخ المفيد جانبان من حيث النسبة؛ أحدهما نسبتها إلى الشيخ المفيد، والآخر نسبتها إلى الإمام المهدي (ع). بعض الأدلة مثل: “نفي توقيعات الغيبة الكبرى بواسطة آخر توقيع للغيبة الصغرى”، “بنية وإطار النص”، “البنية الشكلية والمادية للرسالة”، كلها تشير إلى أن هذه التوقيعات ليست من إمام العصر (ع) أساساً.
المصادر
ابن طاووس، كشف المحجة، النجف، الحيدرية، 1370ق.
استادي، رضا، “بحثي درباره تفسير امام حسن العسكري (ع)”، نور علم 13 (1364): 118-136.
استادي، كاظم، “بازشناسي نويسندگان توقيعات کتاب الاحتجاج، منسوب به امام عصر (عج) در عصر غيبت كبرى”، انتظار موعود 21، 73 (1400): 127-157.
—، “بازشناسايي مؤلف تفسير منسوب به امام حسن عسكري (ع)”، علوم قرآن و حديث 54، 2 (1401 الف): 9-32. doi: 10.22067/jquran.2022.77657.1336
—، “زندگي تاريخي مهدي مرعشي راوي تفسير امام حسن عسكري و بخشي از احتجاج طبرسي”، سخن تاريخ 16، 40 (1401 ب): 96-123. doi: 10.22034/skh.2021.11228.1223
—، “واكاوي وضعيت و شخصيت رجالي ابو جعفر الحسيني العلوي المرعشي راوي اصلي تفسير منسوب به امام حسن عسكري (ع)”، مطالعات تاريخي قرآن و حديث 28، 74 (1401 پ): 245-275.
اكبرنژاد، محمدتقي، موسوعة توقيعات الامام المهدي، قم، مسجد جمكران، 1427ق.
بحراني، يوسف بن احمد، لؤلؤة البحرين، قم، آل البيت (ع)، بي تا.
تنكابني، محمد بن سليمان، قصص العلماء، قم، حضور، 1380ش.
توكلي زاده، سعيد، “چالشهاي حجيت صدوري روايات و توقيعات ولي عصر (عليه السلام) در دوره غيبت كبرى”، پژوهشهاي فقهي تا اجتهاد 4 (1397): 53-80.
تهراني، آقابزرگ، الذريعة، قم، اسماعيليان، 1408ق.
جباري، محمدرضا، “نقش و جايگاه توقيعات در عصر غيبت صغرى”، انتظار موعود 2، 3 (1381): 140-165.
جعفري، جواد، “ديدار با امام عصر عليه السلام و توقيع علي بن محمد سمري”، مشرق موعود 5، 17 (1390): 53-80.
حلي، حسن بن سليمان، مختصر البصائر، قم، الإسلامي، 1421ق.
خويي، ابوالقاسم، معجم رجال، بيجا، مؤسسه آيت الله خويي، 1413ق.
درايتي، مصطفى، فهرستگان نسخه هاي خطي ايران، تهران، كتابخانه ملي، 1391ش.
ديلمي، حسن بن ابي الحسن، ارشاد القلوب، تهران، اسوه، 1424ق.
راوندي، سعيد بن عبدالله، الخرائج، قم، امام مهدي (عج)، 1409ق.
رمضاني، علي، “پيشينه ترسل و نامه نگاري در ايران 1 آغاز تا قرن ششم هجري”، زبان و ادبيات فارسي دانشگاه آزاد اسلامي واحد سنندج 5، 14 (1392): 107-130. :dor 20.1001.1.2008899.1392.5.14.5.4
زركلي، خير الدين، الاعلام للزركلي، بيروت، مل، 1980م.
شبيري زنجاني، محمد جواد، دانشنامه بزرگ اسلامي (مدخل) توقيع، تهران، مركز دائرة المعارف اسلامي، 1383ش.
شوشتري، نورالله، مجالس المؤمنين، تهران، اسلاميه، 1377ش.
صادقي، مصطفى، “نگاهي به كتاب احتجاج”، سخن تاريخ 10، 24 (1395): 131-151.
صالحي، غلامرضا، “ماهيت شناسي توقيعات حضرت مهدي (ع)”، فرهنگ كوثر، 82 (1389): 94-101.
صدوق، محمد بن علي، كمال الدين، تهران، اسلاميه، 1363ش.
طبرسي، أحمد، الاحتجاج، تحقيق بهادري و هادي به، قم، اسوه، 1413ق.
—، الاحتجاج، تعليق محمد باقر الخرسان، نجف، النعمان، 1386ش.
—، ترجمه الاحتجاج، مترجم جعفري، تهران، الإسلامية، 1381ش.
—، ترجمه الاحتجاج، مترجم غفاري، تهران، المرتضوية، بي تا.
—، نسخه خطي احتجاج، كتابخانه حوزه علميه اردكان، شماره 177، 736ق.
طوسي، محمد بن حسن، الغيبة، تحقيق: عباد الله، قم، دار المعارف الإسلامية، 1411ق.
—، الغيبة، تحقيق: عباد الله، قم، دار المعارف الإسلامية، 1425ق.
عارفي، هادي، “بررسي جايگاه منشآت و منشآت نويسي در ايران تا پايان قرن هشتم هجري”، تاريخ نو، 12 (1394): 165-188.
فيض كاشاني، محمد بن شاه مرتضى، نوادر الأخبار، تهران، مطالعات و تحقيقات فرهنگي، 1372ش.
كحاله، عمر رضا، معجم المؤلفين، بيروت، داراحياء، بي تا.
كريميان، محمود، “واكاوي فتوايي منسوب به شيخ مفيد”، حديث حوزه، 9 (1393): 30-41.
گروه فرهنگي موعود، مجموعه اي از روايات و توقيعات حضرت مهدي، تهران، موعود عصر، 1388ش.
مجلسي، محمد باقر، بحار الانوار، بيروت، الوفاء، بي تا.
محمدي ري شهري، محمد، دانشنامه امام مهدي (عج)، قم، دار الحديث، 1393ش.
مفيد، محمد بن محمد، اربع رسالات في الغيبه، قم، كنگره شيخ مفيد، 1413ق.
—، الارشاد، قم، كنگره شيخ مفيد، 1413ق.
—، الفصول العشرة في الغيبة، قم، كنگره شيخ مفيد، 1413ق.
نباطي عاملي، علي بن محمد، الصراط المستقيم، مصحح بهبودي، تهران، المرتضوية، 1384ق.
نجاشي، احمد بن علي، رجال نجاشي، قم، اسلامي، 1407ق.