اسماعیلی، محمد علی [1]
الملخص
تتناول منهجية أصول الفقه تحليل ودراسة آلية البحث في مسائل علم الأصول، وتوضح طريقة البحث في هذا العلم. وتُعدّ منهجية علم الأصول جزءاً من مسائل «فلسفة علم الأصول» التي تشكّل فرعاً من «الفلسفات المضافة». في أصول فقه أهل السنة، ظهرت ثلاثة مناهج رئيسة في طريقة تحليل ودراسة المسائل الأصولية بالنظر إلى الفروع الفقهية، وهي: المنهج النظري (طريقة المتكلمين)، والمنهج الفقهي (طريقة الفقهاء)، والمنهج التلفيقي. وأشهر المناهج في علم الأصول هو المنهج النظري الذي يتناول تحليل ودراسة المسائل الأصولية بأسلوب المتكلمين. في هذا المنهج، تُبحث مسائل علم الأصول بطريقة نظرية وبعيداً عن التأثر بفروع فقه المذاهب. ويُعتبر الشافعي مؤسس هذا المنهج، وقد تبنّاه من بعده الأصوليون من المالكية والحنابلة والظاهرية والمعتزلة. أما تحليل ودراسة المسائل الأصولية في المنهج الفقهي، فيتم بملاحظة الفروع الفقهية للمذهب المعني، وهو متأثر بها تماماً، حيث يكون تقرير القواعد الأصولية متناسباً كلياً مع الفروع الفقهية المنقولة عن أئمة المذاهب. وقد حاول بعض الأصوليين، بنظرة نقدية إلى نقاط القوة والضعف في المنهجين السابقين، تقديم منهج تلفيقي يجمع بينهما ضمن منهج ثالث في تحليل مسائل علم الأصول.
المقدمة
يُعدّ علم أصول الفقه أحد أهم العلوم في حوزة العلوم الإسلامية، وقد نشأ وازدهر وتطور في رحاب الإسلام، وأدّى دور المنطق ليس فقط لعلم الفقه، بل لمجموعة العلوم الإسلامية بأسرها. يتناول علم الأصول تحليل ودراسة العناصر المشتركة في استنباط الأحكام الشرعية، وبشكل عام الأحكام الدينية، ويتمثل دوره الرئيس في تبيين أدلة الفقه (الغزالي، د.ت: 1/ 18؛ الرازي، 1432: 1/ 64). وتؤدي منهجية علم الأصول دوراً مهماً في كيفية تحليل المسائل الأصولية، وتعكس مسار التطور في طريقة دراسة مسائل هذا العلم. وتُعدّ منهجية علم الأصول جزءاً من مسائل «فلسفة علم الأصول»، التي تشكّل فرعاً من «الفلسفات المضافة». وتُطلق الفلسفات المضافة على مجموعة من العلوم العقلية من الدرجة الثانية التي تتناول، بمنهج وصفي-تحليلي، تحليل ودراسة المباني والمبادئ والمنهج والرؤوس الثمانية للعلوم المضافة إليها. تتناول هذه المقالة، بمنهج وصفي-تحليلي، منهجية أصول فقه أهل السنة.
منهجية علم الأصول
«أصول الفقه» مركب من لفظين: «أصول» و«فقه». وقد عرّف الأصوليون من أهل السنة أصول الفقه بنظرتين: إحداهما بالنظر إليه كمركب، والأخرى بالنظر إليه كعلم. ففي النظرة التركيبية، عرّفوا مفرداته: «الأصول» جمع أصل، وهو في اللغة يعني الأساس والجذر. أما في الاصطلاح، فقد استُعمل بمعنى الراجح، والمستصحب، والقاعدة الكلية، والدليل؛ والمقصود بالأصل في تركيب «أصول الفقه» هو المعنى الرابع (الغزالي، نفس المصدر: 1/ 18؛ الرازي، نفس المصدر: 1/ 63؛ النملة، 1420: 1/ 11). أما الفقه في اللغة، فيعني الفهم أو الفهم الدقيق، ولكنه في الاصطلاح عبارة عن العلم بالأحكام الشرعية الثابتة لأفعال المكلفين (الغزالي، نفس المصدر: 16). وفي النظرة العلمية، يُعرّف أصول الفقه كعلم مستقل: أصول الفقه هو أدلة الأحكام الشرعية على نحو إجمالي، وكيفية الاستدلال بها، وكيفية حال المستدل (الرازي، نفس المصدر: 64). والمقصود من «الإجمال» هو أن البحث في أصول الفقه ينصبّ على العناصر المشتركة، لا على العناصر الخاصة بكل مسألة من المسائل الفقهية الجزئية (القرافي، 1421: 1/ 45). وأما كيفية حال المستدل، فتبين مسائل الاجتهاد والتقليد (الرازي، نفس المصدر: 65). وقد قدّم الأصوليون المتقدمون من الشيعة تعريفاً لأصول الفقه بهاتين النظرتين وبما يقرب من رؤية أهل السنة (العلامة الحلي، 1425: 1/ 63؛ الطوسي، 1417: 1/ 7). «المنهج» هو عملية عقلانية أو غير عقلانية للذهن للوصول إلى المعرفة أو وصف الواقع. وبمعنى أوسع، المنهج هو أي وسيلة مناسبة للوصول إلى المقصود. وقد يُطلق «المنهج» على مجموعة الطرق التي تهدي الإنسان إلى كشف المجهولات، ومجموعة القواعد التي تُستخدم عند البحث والدراسة، ومجموعة الأدوات والتقنيات التي تنقل الإنسان من المجهولات إلى المعلومات. في اللغة العربية، يُسمى المنهج بـ«المنهج» والبحث في المناهج بـ«المنهجية» (ساروخاني، 1375: 24). «المنهجية» أو الميتودولوجيا، هي العلم الذي يدرس ويحدد مناهج العلوم. والفرق بين المنهجية ومنهج البحث هو أن المنهجية، أكثر من كونها مهارة أو أساليب متنوعة للبحث أو الدراسة، تُعنى بأنواع المقاربات ووجهات النظر. من هنا، فإن المنهجية بحث معرفي أو إبستمولوجي، وتتعلق أكثر بالمدرسة الفكرية والرؤية، لا بالطرق والأساليب الجزئية للبحث التي هي من شأن «منهج البحث» (كاكائي، 1390: 58). تتناول منهجية أصول الفقه تحليل ودراسة آلية البحث في مسائل علم الأصول، وتوضح طريقة البحث في هذا العلم.
في منهجية أصول الفقه، تُطرح محاور متعددة، منها ما يلي: المحور الأول: كيف تكون طريقة تحليل ودراسة المسائل الأصولية بالنظر إلى الفروع الفقهية؟ هل تُدرس مسائل علم الأصول بطريقة نظرية وبعيداً عن التأثر بالفروع الفقهية للمذاهب، أم أن تحليلها ودراستها لا تتم إلا بملاحظة الفروع الفقهية للمذهب المعني، وتكون المسائل الأصولية متأثرة تماماً بالفروع الفقهية، ويكون تقرير القواعد الأصولية متناسباً كلياً مع الفروع الفقهية المنقولة عن أئمة المذاهب؟ الملاك الرئيس في هذا المحور هو تقدم علم الأصول على علم الفقه أو تأخره عنه. المحور الثاني: هل يتم تحليل ودراسة المسائل الأصولية بالتركيز على النظرة العرفية، أم يجب أن يتم بنظرة عقلية دقيقة؟ وبشكل عام، هل المسائل الأصولية من سنخ القضايا الاعتبارية المحضة بحيث لا يتيسر تحليلها ودراستها بطريقة البرهان، أم هي جزء من القضايا الكاشفة عن الواقع والتكوين لتكون مشمولة بالمنهج العقلي البرهاني؟ المحور الثالث: إلى أي مدى يتأثر تحليل ودراسة المسائل الأصولية بالمباني الكلامية واللغوية والفلسفية وما شابهها؟ وبشكل عام، هل هذا التأثر جائز أم غير جائز؟ هذه هي أهم محاور البحث في منهجية علم الأصول. في هذه المقالة، تُعد منهجية أصول فقه أهل السنة محور البحث، وهي خطوة على طريق التعرف على أصول أهل السنة ومحاولة لتقريب الأفق الفكري بين الأصوليين من الشيعة وأهل السنة.
منهجية أصول فقه أهل السنة
من بين المحاور الثلاثة المذكورة، كان المحور الأول هو الأكثر اهتماماً من قبل الأصوليين من أهل السنة، وهو ما يُطرح بشكل بارز في مباحث منهجية علم الأصول، والذي تتناوله هذه المقالة بالتحليل والدراسة. الرأي المشهور بين الأصوليين من أهل السنة هو أن أول مدون لأصول الفقه هو الشافعي. ويحمل كتاب الشافعي الأصولي اسم «الرسالة». وقد ذهب بعض آخر من مفكري أهل السنة إلى أن أول مدون لأصول الفقه هو أبو حنيفة، وبعضهم نسبه إلى محمد بن الحسن الشيباني والقاضي أبي يوسف (ابن التلمساني، 1419: 1/ 19 – 22؛ خضري بك، 1424: 5). ولكن على أي حال، بعد الشافعي، ظهرت ثلاثة مناهج رئيسة في طريقة تحليل ودراسة المسائل الأصولية بالنظر إلى الفروع الفقهية: المنهج النظري (طريقة المتكلمين)، والمنهج الفقهي (طريقة الفقهاء)، والمنهج الجامع. وفيما يلي بيان لهذه المناهج الثلاثة ومقوماتها:
المنهج الأول: المنهج النظري (طريقة المتكلمين)
أشهر المناهج في علم الأصول هو المنهج النظري الذي يتم فيه تحليل ودراسة المسائل الأصولية بأسلوب المتكلمين. في هذا المنهج، تُدرس مسائل علم الأصول بطريقة نظرية وبعيداً عن التأثر بالفروع الفقهية للمذاهب. وفيما يلي بيان هذا المنهج:
1. الخصائص
أهم خصائص هذا المنهج هي كما يلي: الخاصية الأولى: يتم تحليل ودراسة المسائل الأصولية في هذا المنهج بصرف النظر عن الفروع الفقهية للمذاهب. لذا، لا يوجد تأثر بالفروع الفقهية في هذا المنهج (أبو زهرة، د.ت: 19؛ النملة، نفس المصدر: 61). الهدف الرئيس في هذا المنهج هو تحليل ودراسة المسائل الأصولية بعيداً عن أي مذهب فقهي. يؤكد المفكر الأصولي في هذا المنهج على تحليل ودراسة المسائل الأصولية، سواء أدت إلى فروع فقهية تتناسب مع مذهبه الفقهي الخاص أم أدت إلى نتائج تخالف فروع مذهبه. يقول أحد المفكرين المعاصرين في بيان هذا المنهج: «الشافعي هو واضع أساس هذا الاتجاه النظري الذي لا يتأثر بفروع أي مذهب، حيث كانت عنايته متجهة إلى تحقيق القواعد من غير اعتبار مذهبي، بل كان أكبر همه هو كيفية إنتاج القواعد سواء خدم ذلك مذهبه أم لا» (ابن التلمساني، 1419: 1/ 27). ويقول إمام الحرمين في كتاب البرهان في تبيين هذا المنهج الأصولي: «إنَّا في مسائل الأصول لا نلتفت إلى مسائل الفقه، فالفرع يصحح على الأصل لا على الفرع» (شعبان، 1431: 58). في ضوء هذه الخاصية، تتجلى القيمة المعرفية لهذا المنهج، إذ يؤكد على تحليل ودراسة المسائل الأصولية، بغض النظر عن أي فرضية فقهية مسبقة. سيأتي مزيد من التوضيح لهذه المسألة في قسم الفوائد. الخاصية الثانية: في هذا المنهج، قلما يُتعرض للفروع الفقهية، لأنه وفقاً للخاصية الأولى، يتم تحليل ودراسة المسائل الأصولية بمعزل عن الفروع الفقهية. ومن هنا، فإن ذكر الفروع الفقهية المترتبة على المسائل الأصولية أقل ظهوراً في هذا المنهج. الخاصية الثالثة: في هذا المنهج، يُؤكد على تحرير المسائل الأصولية وتقريرها على أساس القواعد والضوابط المنطقية (النملة، نفس المصدر: 60). الخاصية الرابعة: يزدهر الاستدلال العقلي الكلامي في هذا المنهج ويُستخدم بكثرة. كما تظهر فيه بكثرة مسائل كلامية عديدة من قبيل الحسن والقبح، وجواز تكليف ما لا يطاق، ووجوب شكر المنعم، وعصمة الأنبياء، وإعادة المعدوم، وما شابه ذلك (أبو زهرة، نفس المصدر: 19). الخاصية الخامسة: يكثر الجدل والمناظرات الجدلية في هذا المنهج أكثر من غيره من المناهج (النملة، نفس المصدر: 60).
2. وجه التسمية
وجه تسمية هذا المنهج بـ«طريقة المتكلمين» هو أن هذا المنهج، أولاً، يشبه طريقة المتكلمين في المباحث الكلامية التي تقتصر على تحليل ودراسة المسائل النظرية. وهنا أيضاً، يتم تحليل ودراسة المسائل الأصولية بمعزل عن تأثرها بالفروع الفقهية. وثانياً، معظم المفكرين الذين اختاروا هذا المنهج هم من المتكلمين (ابن التلمساني، نفس المصدر: 1/ 29). ويُسمى هذا المنهج أيضاً بـ«طريقة الشافعية» (أبو زهرة، نفس المصدر: 18).
3. الفوائد
لتحليل ودراسة المسائل الأصولية وفق هذا المنهج فوائد أهمها ما يلي: الفائدة الأولى هي أنه من خلال دراسة المسائل الأصولية، يمكن استنباط الفروع الفقهية، إذ يُفترض في هذا المنهج، خلافاً لطريقة الفقهاء، أن القواعد الأصولية ليست مستقاة من الفروع الفقهية حتى يلزم الانتهاء إلى نفس النتائج الفقهية الخاصة، بل يتناول المفكر الأصولي تحليل ودراسة المسائل الفقهية ولا يتقيد بقبول فتوى فقهية معينة (أبو زهرة، نفس المصدر: 20). الفائدة الثانية هي أنه باتباع هذا المنهج في تحليل المسائل الأصولية، لا بد من القول بانفتاح باب الاجتهاد، لأن الثمرة الطبيعية لهذا المنهج هي انفتاح باب الاجتهاد وطرح رؤى جديدة في حوزة علم الفقه. وقد أشار أبو زهرة إلى هذه النقطة (نفس المصدر: 20). الفائدة الثالثة هي أنه في هذا المنهج، تتقوى قدرة المفكر الأصولي على التحليل والاستنتاج، وتتقوى قدرته على تقديم استدلال منهجي ونقد ودراسة الآراء المختلفة في مسألة نظرية.
4. الأتباع
يُعتبر الشافعي مؤسس هذا المنهج (ابن التلمساني، نفس المصدر: 27). وقد حظي هذا المنهج بعد الشافعي بقبول الأصوليين من المالكية والحنابلة والظاهرية والمعتزلة، وساروا هم أيضاً على نهجه (خضري بك، نفس المصدر: 6؛ النملة، نفس المصدر: 1/ 61).
5. الكتب المؤلفة
أُلفت كتب أصولية كثيرة على هذا المنهج. ولمزيد من الاطلاع، نقدم بعض الكتب الأصولية المؤلفة على هذا المنهج في المذاهب الشافعي والمالكي والحنبلي: في المذهب الشافعي، أُلفت كتب أصولية كثيرة: أول كتاب في هذا المذهب هو «الرسالة» للشافعي. وينسب الفخر الرازي الإمام الشافعي إلى علم الأصول كنسبة أرسطو إلى علم المنطق (الشافعي، 1940: 13). ما دفع الشافعي إلى كتابة علم الأصول هو أنه رأى بعض طلاب الفقه لا يستطيعون الاستدلال بالأحاديث كما ينبغي، أو لا يفهمون مقتضيات اللغة العربية وأسلوب الصحابة والتابعين، ورأى أيضاً أنهم ليسوا على دراية جيدة بأسلوب اللغة العربية، وقد يحملون الكلام على غير مفهومه الحقيقي، ولاحظ إشكالات كثيرة في هذا الصدد من قبل العلماء، وهذا ما دفعه إلى تبيين قواعد كلية تكون بمثابة ميزان لتقويم كلام العلماء عند اختلافهم في المسائل الفقهية. وقد اهتم الشافعي بوضع هذه القواعد. وسبب آخر ذُكر لتدوين علم الأصول هو طلب عبد الرحمن بن مهدي، المحدث المشهور، من الشافعي لتدوين كتاب يرجع إليه الفقهاء عند الاختلاف. وقد أجاب طلبه ودون كتاب «الرسالة» الذي يُعد لب وجوهر علم أصول الفقه. وكان لهذا الكتاب تأثير كبير في تاريخ الحقوق والاجتهاد، إذ دفع العلماء إلى بذل همتهم لتدوين قواعد مذاهبهم وطريقتهم، وكذلك الاهتمام بإيجاد حلول للمشكلات القائمة (نفس المصدر: 11). وبالطبع، للشافعي كتب أصولية أخرى غير هذا الكتاب (نفس المصدر: 9). وبعد الشافعي، ألّف الأصوليون الشافعية كتباً أصولية كثيرة، من أهمها كتاب «المحصول» للفخر الرازي الذي يعكس طريقة المتكلمين بوضوح. للفخر الرازي كتب أصولية متعددة، منها: إبطال القياس، والمحصل في أصول الفقه، والمعالم في أصول الفقه، وإحكام الأحكام، وما شابه ذلك (الرازي، نفس المصدر: 21 – 26). ويعد كتاب «المحصول في علم أصول الفقه» أهم تأليف أصولي للفخر الرازي. وقد أُلف هذا الكتاب بالاعتماد على أربعة كتب أصولية مهمة: البرهان لإمام الحرمين، والمستصفى للغزالي، والعمد للقاضي عبد الجبار، والمعتمد لأبي الحسين البصري. وقد كتب الفخر الرازي بالاعتماد على هذه الكتب كتاب «المحصول» بطريقة المتكلمين (نفس المصدر: 27). ويشبه كتاب «المحصول» للفخر الرازي من حيث ترتيب المباحث ترتيب المباحث في أصول الفقه عند الشيعة. وأهم عناوين مباحث هذا الكتاب هي كالتالي: 1. المقدمات (تعريف علم الأصول؛ مبادئ علم الأصول، تعريف العلم، الظن، النظر، الدليل، الأمارة؛ مباحث الحكم الشرعي وتقسيمه إلى حكم تكليفي وحكم وضعي؛ مسألة الحسن والقبح؛ حكم الأشياء قبل الشرع (أصل الإباحة)؛ شكر المنعم وتقسيم مباحث علم الأصول). 2. مباحث كلية في اللغة (ماهية الكلام؛ التعيين والوضع؛ الموضوع؛ الموضوع له؛ تقسيمات الألفاظ؛ أحوال الألفاظ وتعارضها و…). 3. الأوامر والنواهي (معنى الأمر؛ ماهية الطلب؛ صيغة الأمر وأحكامها؛ الأمر عقيب الحظر؛ المرة والتكرار؛ الفور والتراخي؛ الأمر بعد الأمر؛ أقسام الوجوب وأحكامها؛ الإباحة وأحكامها؛ المأمور به وأحكامه؛ المأمور وأحكامه؛ النواهي وأحكامها و…). 4. العموم والخصوص (ألفاظ العموم؛ الفرق بين المطلق والعام؛ الفرق بين النسخ والتخصيص؛ إطلاق العام وإرادة الخاص؛ المخصص المتصل و…). 5. المجمل والمبين (أقسام المجمل؛ جواز المجمل في القرآن؛ أقسام المبين؛ تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ تأخير البيان عن وقت الخطاب؛ الخطاب باللفظ المشترك؛ أحكام المبين له و…). 6. أحكام الأفعال (عصمة الأنبياء؛ مقدار دلالة فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ وجوب التأسي بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ دين النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل الإسلام و…). 7. الناسخ والمنسوخ (حقيقة النسخ؛ جواز النسخ؛ أقسام النسخ؛ نسخ الرواية؛ الأحكام الكلية للناسخ والمنسوخ: نسخ السنة بالسنة؛ نسخ السنة بالقرآن؛ نسخ القرآن بالسنة؛ ناسخية ومنسوخية الإجماع؛ ناسخية ومنسوخية القياس؛ ناسخية ومنسوخية الفحوى و…). 8. الإجماع (معنى الإجماع؛ إمكان وقوع الإجماع؛ حجية الإجماع؛ رأي الشيعة في حجية الإجماع؛ ملحقات الإجماع؛ أقسام الإجماع؛ أحكام المجمعين؛ موارد الإجماع؛ حكم الإجماع و…). 9. الأخبار (تعريف الخبر؛ الخبر المقطوع وأحكام التواتر؛ الخبر غير المقطوع وأحكامه؛ شروط الراوي وطرق إحرازها؛ أحكام المخبر عنه؛ الأحكام الكلية للإخبار و…). 10. القياس (تعريف القياس؛ حجية القياس؛ مسألة تعليل الأحكام الشرعية؛ موارد القياس؛ أركان القياس وشرائطها و…). 11. التعادل والتراجيح (التعادل؛ مقدمات الترجيح؛ مرجحات الأخبار و…). 12. الاجتهاد (تعريف الاجتهاد؛ المجتهد وأحكامه؛ اجتهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ امتناع الخطأ في اجتهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ الاجتهاد في زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ شروط الاجتهاد؛ التجزؤ في الاجتهاد؛ التخطئة والتصويب و…). 13. المفتي والمستفتي (أحكام المفتي؛ أحكام المستفتي؛ موارد الاستفتاء: التقليد في أصول الدين). 14. موارد الخلاف بين المجتهدين (حكم الأفعال؛ الاستصحاب؛ الاستحسان؛ قول الصحابي؛ الأخذ بأقل القليل؛ الاستقراء؛ المصالح المرسلة؛ الاستدلال بعدم الدال على الحكم على عدم الحكم و…). هذه هي عناوين أهم مباحث كتاب «المحصول» التي تشبه إلى حد كبير ترتيب المباحث الأصولية عند الشيعة. ولكتاب «المحصول» شروح متعددة أيضاً، منها كتاب «نفائس الأصول في شرح المحصول» لشهاب الدين القرافي، و«الكاشف عن المحصول» لأبي عبد الله الأصفهاني. في المذهب المالكي أيضاً، أُلفت كتب أصولية كثيرة: كتاب «منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل»، تأليف أبي عمرو عثمان ابن الحاجب المالكي (ت 646 هـ)، من أهم وأبرز الكتب الأصولية في المذهب المالكي. وقد لخّص ابن الحاجب هذا الكتاب باسم «مختصر المنتهى». وقد شرحه كثير من المفكرين، منهم عضد الدين الإيجي مؤلف كتاب «المواقف في علم الكلام» الذي شرحه باسم «شرح المختصر». وشرحه أيضاً تاج الدين ابن السبكي بعنوان «رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب». وشرحه شمس الدين الأصفهاني بكتاب «بيان المختصر». وهناك شروح أخرى لهذا الكتاب (الإيجي، 2004: 9؛ النملة، نفس المصدر: 1/ 61). وعلى شرح عضد الدين الإيجي حواشٍ متعددة، منها حاشية سعد الدين التفتازاني، وحاشية مير سيد شريف الجرجاني، وحاشية حسن الهروي الفناري. وقد طُبع هذا الكتاب مع هذه الحواشي (الإيجي، نفس المصدر: 9). وهذا الانتشار الواسع للشروح والحواشي يدل على أهمية ومحورية هذا الكتاب في أصول المالكية. وقد أُلف هذا الكتاب أيضاً على المنهج النظري. فبعض المباحث المنطقية مثل مباحث الحد والبرهان، واستحالة تحصيل الحد بالبرهان، ومقدمات البرهان القطعية، وتقسيم البرهان إلى اقتراني واستثنائي، ومبحث النقيض والعكس، ومبحث الأشكال الأربعة، ومبحث الخطأ في البرهان، وما شابه ذلك، دليل على هذا الادعاء. وملاحظة فهرس مباحث هذا الكتاب تشهد على أنه يسير على المنهج النظري (نفس المصدر: 672). كتاب «نفائس الأصول في شرح المحصول»، لشهاب الدين المالكي القرافي (ت 684 هـ)، هو أيضاً من الكتب الأصولية المالكية، وهو شرح مبسوط لكتاب «المحصول» للفخر الرازي، ومنهجه هو نفس المنهج النظري في تحليل المباحث الأصولية. في المذهب الحنبلي أيضاً، أُلفت كتب أصولية كثيرة: كتاب «العدة في أصول الفقه» للقاضي أبي يعلى، وكتاب «التمهيد» لأبي الخطاب، وكتاب «الواضح» لابن عقيل، وكتاب «روضة الناظر وجنة المناظر» لابن قدامة، وكتاب «شرح الكوكب المنير» لابن النجار، هي من الكتب الأصولية الحنبلية. والمنهج الأصولي للحنابلة هو أيضاً المنهج النظري.
المنهج الثاني: المنهج الفقهي (طريقة الفقهاء)
المنهج الفقهي في تحليل ودراسة المسائل الأصولية هو طريقة الحنفية، التي تُعرف أيضاً بطريقة الفقهاء (أبو زهرة، نفس المصدر: 21؛ ابن التلمساني، نفس المصدر: 1/ 29). وفيما يلي بيان هذا المنهج:
1. الخصائص
أهم خصائص هذا المنهج هي كما يلي: الخاصية الأولى: يتم تحليل ودراسة المسائل الأصولية في هذا المنهج بملاحظة الفروع الفقهية للمذهب المعني. لذا، تكون المسائل الأصولية في هذا المنهج متأثرة تماماً بالفروع الفقهية، وتقرير القواعد الأصولية يكون متناسباً كلياً مع الفروع الفقهية المنقولة عن أئمة المذهب. حتى في الحالات التي تكون فيها نتيجة قاعدة أصولية مخالفة لفتوى فقهية للمذهب، فبدلاً من إعادة النظر في الفتوى الفقهية، تُبنى القاعدة الأصولية بما يتناسب مع تلك الفتوى الفقهية. والالتزام بهذه الطريقة يؤدي أحياناً إلى طرح قواعد عجيبة في الأصول (خضري بك، نفس المصدر: 6؛ ابن التلمساني، نفس المصدر: 29). يكتب أحد المفكرين المعاصرين في بيان هذا المنهج: «أما الحنفية فإن طريقتهم كان يراعى فيها تطبيق الفروع المذهبية على تلك القواعد حتى إنهم كانوا يقرّرون قواعدهم على مقتضى ما نقل من الفروع عن أئمتهم» (خضري بك، نفس المصدر: 6). الخاصية الثانية: في هذا المنهج، خلافاً لطريقة المتكلمين، يُعنى بالفروع الفقهية كثيراً، إذ يُفترض أن القواعد الأصولية متأثرة تماماً بالفروع الفقهية؛ لذا فمن المناسب جداً أن تُذكر، إلى جانب كل قاعدة أصولية، الفروع الفقهية المتناسبة معها. ومن هنا، فإن الكتب الأصولية المؤلفة على هذا المنهج مليئة بالفروع الفقهية (نفس المصدر؛ النملة، نفس المصدر: 1/ 59). الخاصية الثالثة: في هذا المنهج، خلافاً لطريقة المتكلمين، يكون الجانب الآلي لعلم الأصول بالنسبة لعلم الفقه أكثر بروزاً. في هذا المنهج، القواعد الأصولية في خدمة الفقه، لدرجة أن الفروع الفقهية تؤدي الدور الرئيس، وتُستخرج منها القواعد الأصولية. لذا لا تُلاحظ أي استقلالية في القواعد الأصولية (ابن التلمساني، نفس المصدر: 1/ 30). الخاصية الرابعة: لا يظهر تحليل ودراسة المسائل الأصولية بالمنهج الكلامي في هذا المنهج (العلامة الحلي، نفس المصدر: 1/ 17).
2. وجه التسمية
وجه تسمية هذا المنهج بـ«طريقة الفقهاء» هو أن هذا المنهج أكثر تناسباً مع طريقة الفقه؛ سواء من حيث أنه في المسائل الأصولية يُعنى بالفروع الفقهية، ويُذكر إلى جانب كل مسألة أصولية عدة فروع فقهية، أم من حيث أن المحورية الأساسية في هذا المنهج هي للفروع الفقهية التي تؤدي الدور الرئيس وتُستخرج منها القواعد الأصولية. يكتب أحد المعاصرين: «سُميت هذه الطريقة بطريقة الفقهاء، لأنها أمسّ بالفقه وأليق بالفروع، وسبب ذلك أن تلك القواعد قد أُخذت من الفروع» (النملة، نفس المصدر: 1/ 59).
3. الفوائد
المقصود من تأثر القواعد الأصولية بالفروع الفقهية في هذا المنهج هو أن علم الأصول ليس فقط متأثراً بعلم الفقه في أصل تكوينه، بل إن القواعد الأصولية مستقاة أيضاً من الفروع الفقهية، ويجب أن تُنظم وفقاً للفروع الفقهية الموجودة. الآن يُطرح هذا السؤال: وفقاً لهذا المعنى، عندما تكون الفروع والنتائج الفقهية محددة، فما فائدة تحليل ودراسة القواعد الأصولية؟ في الإجابة على هذا السؤال، طُرحت عدة فوائد لعلم الأصول: الفائدة الأولى هي أنه بتحليل ودراسة القواعد الأصولية، يطلع الإنسان على مدارك ومبانٍ أصولية لفتاوى المذاهب الفقهية. والإنسان المطلع على أصول مذهب فقهي، له أجر وثواب أكبر ممن لا يطلع عليها: «العارف بأصل هذا الإمام في هذا الحكم أعظم أجراً من الشخص الذي يأتي بالعبادة… ولا يعرف الأصل الذي اعتمد عليه» (نفس المصدر: 59). الفائدة الثانية هي أنه بالقواعد الأصولية يمكن تعلم الفروع الفقهية بشكل منسجم، لأن القواعد الأصولية، وفقاً لهذا المنهج، مستقاة من الفروع الفقهية، وهي تعبر عن الفروع الفقهية التي تُعرض بشكل منسجم ضمن القواعد الأصولية. الفائدة الثالثة هي أنه بدراسة المسائل الأصولية يمكن استنباط فتاوى المذاهب في المسائل المستحدثة. فالحكم الفقهي للمسائل الجديدة يمكن استخراجه من القواعد الأصولية المستقاة من الفروع الفقهية.
4. الأتباع
يشكل الأصوليون الحنفية أتباع هذا المنهج (نفس المصدر: 59)، بل يُدعى أن أول من قام بتحليل ودراسة المسائل الأصولية بهذا المنهج هم الأصوليون الحنفية (ابن التلمساني، نفس المصدر: 1/ 31).
5. الكتب المؤلفة
أُلفت كتب أصولية كثيرة على هذا المنهج. ولمزيد من الاطلاع، نقدم بعض الكتب الأصولية المؤلفة على هذا المنهج في المذهب الحنفي: يرى بعض الأصوليين الحنفية أن أول مدون لعلم الأصول هو أبو حنيفة، ويعتقدون أنه ألف كتاب «الرأي» في علم الأصول. ثم جاء الدور على تلميذيه القاضي أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني. ثم جاء الدور على الشافعي وألف كتاب «الرسالة» (نفس المصدر: 20). ولكن بغض النظر عن صحة أو سقم هذا الادعاء، فإن أول من قام بتحليل ودراسة المسائل الأصولية بطريقة الفقهاء هم الأصوليون الحنفية (نفس المصدر: 31). في المذهب الحنفي، أُلفت كتب أصولية متعددة. ويرى أبو زهرة أن أقدم كتاب أُلف في المذهب الحنفي على طريقة الفقهاء هو «أصول الجصاص» (أبو زهرة، نفس المصدر: 17). كتاب «الفصول في الأصول» المعروف بـ«أصول الجصاص»، تأليف أبي بكر أحمد بن علي الجصاص الرازي الحنفي (ت 370 هـ). وقد بيّن الجصاص في هذا الكتاب الأصول التي يمكن استخراجها من فروع فقه أبي حنيفة. وأهم عناوين مباحث هذا الكتاب هي: العام والخاص؛ المجمل والمبين؛ معاني حروف العطف؛ الحقيقة والمجاز؛ المحكم والمتشابه؛ مباحث الأمر؛ الناسخ والمنسوخ؛ خبر الواحد؛ شروط الراوي؛ أصل الإباحة؛ الإجماع؛ تقليد الصحابي؛ القياس؛ الاستحسان؛ شرائط المجتهد؛ مسألة التخطئة والتصويب و… ملاحظة مطالب هذا الكتاب تشهد بأنه اتبع طريقة الفقهاء، ولم يستخرج المسائل الأصولية من الفتاوى الفقهية الحنفية فحسب، بل بيّن الفروع الفقهية إلى جانب كل مسألة أصولية. كتاب «أصول الشاشي» لنظام الدين الشاشي من الكتب الأصولية الأخرى للأحناف، وهو جزء من المتون الدراسية في الحوزات الأصولية لأهل السنة. وقد أُلف هذا الكتاب المختصر أيضاً على طريقة الفقهاء، وإلى جانب المسائل الأصولية، يتناول تبيين بعض الفروع الفقهية. ومؤلف الكتاب في بدايته يصلي ويسلم على النبي وأصحابه، وكذلك على أبي حنيفة وأحبابه (الشاشي، د.ت: 15). وقد كُتبت شروح لهذا الكتاب أيضاً (نفس المصدر: 10).
المنهج الثالث: المنهج التلفيقي
حاول بعض الأصوليين، بنظرة نقدية إلى نقاط الضعف والقوة في المنهجين السابقين، تقديم توليفة منهما ضمن منهج ثالث في تحليل مسائل علم الأصول. وقد أطلقوا على هذا المنهج اسم «منهج المتأخرين» (الجيزاني، 1434: 72). بين أهل السنة، وكما نقل ابن خلدون، فإن أول من عكس هذا المنهج الأصولي هو ابن الساعاتي من فقهاء الحنفية. يقول: «وجاء ابن الساعاتي من فقهاء الحنفية فجمع بين كتاب الإحكام وكتاب البزدوي في الطريقتين وسمى كتابه بـالبدائع» (ابن التلمساني، نفس المصدر: 1/ 34). ولكن يبدو أن وضع هذا المنهج في مقابل المنهجين السابقين غير مقبول، وسيأتي توضيحه في قسم التحليل والتقييم.
تحليل وتقييم المناهج الأصولية لأهل السنة
في سياق تقييم المناهج الأصولية لأهل السنة، ينبغي الانتباه إلى النقاط التالية:
1. أنحاء تقدم وتأخر علم الفقه على علم الأصول
ملاك تقسيم منهج الأصوليين إلى المنهج النظري والمنهج الفقهي هو تقدم وتأخر علم الفقه بالنسبة لعلم الأصول، ولكن يجب الانتباه إلى أن لتقدم وتأخر علم الفقه بالنسبة لعلم الأصول استعمالات عدة، تختلف دلالاتها، ويختلف حكمها في مقام التقييم. الأول) التقدم والتأخر في التكوين والنشأة؛ المقصود بتقدم علم الفقه على علم الأصول في هذا الاستعمال هو أن علم الأصول وُلد في رحم علم الفقه. وتقدم علم الفقه على علم الأصول بهذا الاستعمال مقبول تماماً، ومنسجم ومتوافق مع واقع نشأة علم الأصول. ما أدى إلى ولادة الفكر الأصولي وعلم الأصول والتوجه الذهني الأصولي لدى الفقهاء، كان حاجة تاريخية في عملية استنباط وفهم الحكم الشرعي من النصوص. كلما كان الإنسان أقرب إلى عصر التشريع، وكانت له صلة مباشرة بالنصوص، كانت حاجته إلى قواعد علم الأصول والعناصر المشتركة أقل. كان استنباط الأحكام الشرعية في بداية ظهور الإسلام يتم على يد المحدثين، وكانوا يجمعون الأحاديث والنصوص الشرعية ويفهمونها ببساطة ويتواصلون مع أهل عصرهم، ويقومون باستخراج الأحكام الشرعية. ولكن تدريجياً، اكتسب استنباط وفهم الحكم الشرعي من النصوص عمقاً أكبر، حتى أصبح استخراج الحكم الشرعي من مصادره عملياً مصحوباً بالتدقيق والتفصيل، واحتاج إلى عمق التفكير والخبرة والمعلومات الكثيرة. من هنا، نشأت بذرة الفكر العلمي في الفقه، ووُلد علم الفقه. وبدراسة عملية استنباط وفهم الحكم الشرعي من النصوص، اتضحت الخطوط والعناصر المشتركة اللازمة في هذه العملية، وأدرك الفقهاء أن عملية استنباط واستخراج الحكم الشرعي غير ممكنة بدون هذه العناصر. وهذا المسار والدوران هو ما أدى إلى ولادة الفكر الأصولي وعلم الأصول والتوجه الذهني الأصولي لدى الفقيه (الشهيد الصدر، 1421: 70). الثاني) التقدم والتأخر في التدوين؛ أحياناً يكون المقصود بتقدم علم الفقه على علم الأصول هو التقدم في مرحلة التدوين، بمعنى أن تدوين علم الفقه سبق تدوين علم الأصول. الثالث) التقدم والتأخر في القيمة؛ (الآلية والاستقلالية) إن تقدم علم الفقه على علم الأصول أحياناً يكون بالنظر إلى التقدم في مقام التقييم. علم الأصول علم آلي، وهو بمثابة أداة في خدمة الفقه. وعلم الفقه بالنسبة لعلم الأصول يتمتع بمطلوبية ذاتية، وعلم الأصول له جانب آلي. لذا، فإن قيمة علم الأصول قيمة تبعية، وقيمة علم الفقه قيمة ذاتية. وهذا الاستعمال لتقدم علم الفقه على علم الأصول مقبول تماماً ولا خلاف فيه. الرابع) التقدم والتأخر بمعنى لزوم المطابقة وعدم لزوم المطابقة مع الفروع الفقهية؛ تقدم علم الفقه على علم الأصول في هذا الاستعمال يعني أن علم الأصول يجب أن يبين قواعد تؤدي إلى نتائج فقهية معينة. لذا، يجب تصميم علم الأصول بطريقة تتطابق مع الفروع الفقهية للمذهب المعني. المقصود من تقدم وتأخر علم الفقه بالنسبة لعلم الأصول في تقسيم منهج الأصوليين إلى المنهج النظري والمنهج الفقهي هو هذا الاستعمال نفسه.
2. تحليل وتقييم المنهج النظري، والمنهج الفقهي، والمنهج التلفيقي
لكل من المنهج النظري والمنهج الفقهي في تحليل ودراسة مسائل علم الأصول مزايا: أهم ميزة للمنهج النظري هي أنه في هذا المنهج، بدراسة المسائل الأصولية، يمكن استنباط الفروع الفقهية دون تحيز لمذهب معين (أبو زهرة، نفس المصدر: 20)، لأنه في هذا المنهج، خلافاً لطريقة الفقهاء، ليست القواعد الأصولية مستقاة من الفروع الفقهية حتى يلزم الانتهاء إلى نفس النتائج الفقهية الخاصة، بل يتناول الأصولي تحليل ودراسة المسائل الفقهية ولا يتقيد بقبول فتوى فقهية معينة. ولكن هذه الميزة غير موجودة في المنهج الفقهي. وفقدان هذه الميزة في المنهج الفقهي هو أكبر نقص فيه، لأنه عندما تكون القواعد الأصولية مستقاة من الفروع الفقهية ويلزم الانتهاء إلى نفس النتائج الفقهية الخاصة، فإن القيمة المعرفية والواقعية في علم الأصول تُوضع موضع تساؤل. أهم ميزة للمنهج الفقهي هي أنه إلى جانب تحليل ودراسة المسائل الأصولية، يتناول تبيين الفروع الفقهية. وهذه الخاصية تجعل، أولاً، قارئ علم الأصول يتعرف على طريقة تطبيق القواعد الأصولية على الفروع الفقهية. وثانياً، يتضح مقدار تطبيق المسائل الأصولية في علم الفقه. وبالنظر إلى آلية علم الأصول بالنسبة لعلم الفقه، فإن قيمة علم الأصول تُقاس بمقدار تطبيقها في علم الفقه، وضمن مقدار تطبيق المسائل الأصولية في علم الفقه، تتحدد قيمة المسائل الأصولية أيضاً. أما بخصوص المنهج التلفيقي، فيجب الانتباه إلى أن وضعه في مقابل المنهجين السابقين غير مقبول، لأن المعيار الرئيس في تقسيم المناهج الأصولية إلى المنهج النظري والمنهج الفقهي هو انتزاع أو عدم انتزاع القواعد الأصولية من الفروع الفقهية، ومن الواضح أن الجمع بين هذين الأمرين غير معقول. في ضوء هذه النقطة، لم يقبل بعض مفكري أهل السنة المنهج التلفيقي، ويعتقدون أن الجمع بين المنهج النظري والمنهج الفقهي هو من قبيل الجمع بين النقيضين (الجيزاني، نفس المصدر: 73). وباعتقادهم، فإن تلك الكتب الأصولية التي يُدعى أنها كُتبت على المنهج التلفيقي، لا تخرج عن أحد المنهجين السابقين (نفس المصدر: 73). بالطبع، تجدر الإشارة إلى أنه يمكن الجمع بين بعض الخصائص الفرعية لهذين المنهجين؛ فمثلاً، مع افتراض قبول المنهج النظري وعدم انتزاع القواعد الأصولية من الفروع الفقهية، يمكن طرح التطبيقات الفقهية للمسائل الأصولية إلى جانب المسائل الأصولية، ولكن من الواضح أن المعيار الرئيس في هذا التقسيم هو انتزاع أو عدم انتزاع القواعد الأصولية من الفروع الفقهية، والجمع بين هذين المعيارين غير معقول.
3. منهج الأصوليين الإمامية: هل هو المنهج النظري أم الفقهي؟
في ختام هذه المقالة، من المناسب أن نحدد موقف الأصوليين الإمامية من هذين المنهجين؛ وإن لم نكن هنا بصدد تبيين منهج الأصوليين الإمامية، فإننا نحدد موقفهم من هذين المنهجين باختصار: لقد مر أصول الفقه الإمامي بأدوار متعددة، ولكن في جميع هذه الأدوار، كان القاسم المشترك بينها هو تقدم علم الأصول على علم الفقه بالمعنى محل البحث؛ أي أن علم الأصول بالنسبة للفروع الفقهية له حالة استقلالية، ويتناول تحليل ودراسة القواعد المشتركة في الاستنباط الفقهي، ولا يوجد فيه أي تقييد بالوصول إلى نتيجة فقهية معينة. لذا، فإن أصول الفقه الإمامي يتبع المنهج النظري. ولكن يجب الانتباه إلى أن المنهج النظري في أصول فقه أهل السنة مصحوب بمنهج المتكلمين، وكما مر في المباحث السابقة، فإنه في هذا المنهج يُؤكد على تحرير المسائل الأصولية وتقريرها على أساس القواعد والضوابط المنطقية وباستخدام المنهج الجدلي الكلامي، ولكن تبني المنهج النظري في أصول الفقه الإمامي لا يعني بالضرورة تبني المنهج النظري الكلامي، بل إن أصول الفقه الإمامي قد مر بأدوار متعددة: في بعض هذه الأدوار، كان منهج التحليل والدراسة بالنظر العرفي هو السائد في المسائل الأصولية، وفي بعضها كان المنهج الكلامي هو الحاكم على علم الأصول. أما في الأدوار المتأخرة، فقد طُرحت النظرة العقلية الفلسفية أيضاً في تحليل ودراسة المسائل الأصولية. لذا، فإن المنهج النظري في الأدوار المختلفة قد طُرح في قالب منهج من المناهج النظرية. في الختام، تجدر الإشارة إلى النقاط التالية: النقطة الأولى: تبني المنهج النظري في أصول الفقه الإمامي لا يعني أن أصول الفقه الإمامي عابر للمذاهب. أساساً، لا يوجد تلازم بين «المنهج النظري» و«كونه عابراً للمذاهب». وقد أشار بعض الباحثين المعاصرين في نقد المنهج النظري في أصول الفقه الإمامي إلى أن وصف منهج أصول الفقه الإمامي بالنظري بهذا الإطلاق هو محل تأمل، لأن بعض فصول أصول الفقه الشيعي مرتبطة بالتعاليم المذهبية لدرجة أنها ليست فقط غير عابرة للمذاهب، بل لا تغطي بعض المدارس داخل المذهب أيضاً. فأصول الفقه الشيعي نشأ في رحم التراث الشيعي، أو على الأقل بعد توطينه، استمر في الحياة والحركة في سياق الفقه الشيعي، وهذه الحياة التبعية قد أضفت طابعاً أيديولوجياً على بعض مباحثه. ومن الواضح أنه من هذا الأصول، لا يمكن إرواء الفقه الزيدي داخل المذهب، فما بالك بالفقه الحنبلي خارج المذهب الذي لا يختلف في المبادئ فحسب، بل يختلف شكلياً أيضاً مع الإمامية (شفیعی، 1394: 120 – 121). ولكن تبني المنهج النظري في أصول الفقه لا تلازم بينه وبين كونه عابراً للمذاهب، بل النقطة المحورية في المنهج النظري هي الاستقلال عن الفروع الفقهية لمذهب معين. بالإضافة إلى أن الإشكال المذكور، على فرض قبوله، لا يخص المنهج النظري في أصول الإمامية، بل يُعد تحدياً في طريق تحقق المنهج النظري في أصول أهل السنة أيضاً، لأن كل مدرسة من المدارس الأصولية لأهل السنة لها أيضاً بعض المبادئ الأصولية الخاصة بها التي لا يقبلها الأصوليون الإمامية، بل لا تقبلها المدارس الأصولية الأخرى لأهل السنة. النقطة الثانية: استقلال علم الأصول عن علم الفقه الذي يُؤكد عليه في المنهج النظري، لا يعني تقابل أصول الفقه مع الروايات الفقهية. توضيح ذلك أن الاستدلال الفقهي يستفيد من نوعين من المقدمات: أحدهما العناصر المشتركة، والآخر العناصر الخاصة. العناصر المشتركة هي القواعد الأصولية، أما العناصر الخاصة فهي الروايات الخاصة المتعلقة بمسألة معينة من مسائل علم الفقه. استقلال علم الأصول عن الفروع الفقهية هو نتيجة هذا الاستدلال الفقهي، ولكن القواعد الأصولية ليست في عرض الروايات الفقهية، بل هما في طول بعضهما البعض. لذا، فإن الالتزام المحض بالروايات الفقهية لا يتعارض مع تبني المنهج النظري في علم الأصول. النقطة الثالثة: أحياناً، تتولى بعض الفروع الفقهية التي صرحت بها الروايات دور تصحيح القواعد الأصولية، ويؤدي التدقيق والتأمل فيها إلى تأسيس وتبيين القاعدة الأصولية المتعلقة بتلك المسألة الفقهية بشكل صحيح. وهذا الدور لبعض الفروع الفقهية المستفادة من العناصر الخاصة لا يتعارض مع المنهج النظري في أصول الفقه الإمامي. النقطة الرابعة: أحياناً، في بعض الحالات، لا يكون التحليل والدراسة العقلية مجدياً لحل بعض المسائل الأصولية. وهنا تؤدي الروايات الخاصة الدور الرئيس. فمثلاً، الأصول العملية الشرعية المحضة هي من هذا القبيل. وهذا المطلب أيضاً لا يتعارض مع المنهج النظري في أصول الفقه الإمامي، لأن المفترض هو أن عقل الإنسان لا يملك حكماً في مثل هذه الحالات حتى يحصل تعارض.
الخاتمة
تتناول منهجية أصول الفقه تحليل ودراسة آلية البحث في مسائل علم الأصول، وتوضح طريقة البحث في هذا العلم. في منهجية أصول الفقه، تُطرح محاور متعددة، أهمها كيفية تحليل ودراسة المسائل الأصولية بالنظر إلى الفروع الفقهية. هل تُبحث مسائل علم الأصول بطريقة نظرية وبعيداً عن التأثر بفروع فقه المذاهب، أم أن تحليل ودراسة المسائل الأصولية لا تتم إلا بملاحظة الفروع الفقهية للمذهب المعني، وتكون المسائل الأصولية متأثرة تماماً بالفروع الفقهية، ويكون تقرير القواعد الأصولية متناسباً كلياً مع الفروع الفقهية المنقولة عن أئمة المذاهب؟ الملاك الرئيس في هذا المحور هو تقدم علم الأصول على علم الفقه أو تأخره عنه. في أصول فقه أهل السنة، ظهرت ثلاثة مناهج رئيسة في طريقة تحليل ودراسة المسائل الأصولية بالنظر إلى الفروع الفقهية: المنهج النظري (طريقة المتكلمين)، والمنهج الفقهي (طريقة الفقهاء)، والمنهج التلفيقي. وأشهر المناهج في علم الأصول هو المنهج النظري الذي يتناول تحليل ودراسة المسائل الأصولية بأسلوب المتكلمين. في هذا المنهج، تُبحث مسائل علم الأصول بطريقة نظرية وبعيداً عن التأثر بفروع فقه المذاهب. ويُعتبر الشافعي مؤسس هذا المنهج، وقد تبنّاه من بعده الأصوليون من المالكية والحنابلة والظاهرية والمعتزلة. أما تحليل ودراسة المسائل الأصولية في المنهج الفقهي، فيتم بملاحظة الفروع الفقهية للمذهب المعني، وهو متأثر بها تماماً، حيث يكون تقرير القواعد الأصولية متناسباً كلياً مع الفروع الفقهية المنقولة عن أئمة المذاهب. وقد حاول بعض الأصوليين، بنظرة نقدية إلى نقاط القوة والضعف في المنهجين السابقين، تقديم منهج تلفيقي يجمع بينهما ضمن منهج ثالث في تحليل مسائل علم الأصول. لقد مر أصول الفقه الإمامي بأدوار متعددة، ولكن في جميع هذه الأدوار، كان القاسم المشترك بينها هو تقدم علم الأصول على علم الفقه بالمعنى محل البحث؛ أي أن علم الأصول بالنسبة للفروع الفقهية له حالة استقلالية، ويتناول تحليل ودراسة القواعد المشتركة في الاستنباط الفقهي، ولا يوجد فيه أي تقييد بالوصول إلى نتيجة فقهية معينة. لذا، فإن أصول الفقه الإمامي يتبع المنهج النظري.
المصادر والمراجع
- ابن التلمساني، عبد الله محمد بن علي، شرح المعالم في أصول الفقه، بيروت، عالم الكتب، الطبعة الأولى، 1419هـ.
- أبو زهرة، محمد، أصول الفقه، دار الفكر العربي، د.ت.
- الإيجي، عضد الدين، شرح مختصر المنتهى الأصولي، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 2004م.
- الجصاص الرازي، أبو بكر أحمد بن علي، أصول الجصاص المسمى الفصول في الأصول، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1420هـ.
- الجيزاني، محمد بن حسين، منهجيات أصولية، الرياض، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى، 1434هـ.
- خضري بك، محمد، أصول الفقه، بيروت، دار الفكر، 1424هـ.
- الرازي، فخر الدين، المحصول في علم أصول الفقه، القاهرة، دار السلام، الطبعة الأولى، 1432هـ.
- الزحيلي، د. وهبة، أصول الفقه الإسلامي، دمشق، دار الفكر، الطبعة الأولى، 1406هـ.
- ساروخاني، باقر، روشهای تحقیق در علوم اجتماعی، تهران، پژوهشگاه علوم انسانی و مطالعات فرهنگی، چاپ دوم، 1375ش.
- الشافعي، محمد بن إدريس، الرسالة، تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، الطبعة الأولى، 1940م.
- شعبان، محمد إسماعيل، أصول الفقه تاريخه ورجاله، القاهرة، دار السلام، الطبعة الأولى، 1431هـ.
- شفيعي، علي، اصول فقه، رویکردها و روشها، فصلنامه فقه، بهار 1394ش.
- الصدر، الشهيد محمد باقر، المعالم الجديدة للأصول، مركز الأبحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر، قم، الطبعة الأولى، 1421هـ.
- الطوسي، محمد بن الحسن، العُدة في أصول الفقه، محمد تقي علاقبنديان، قم، چاپ أول، 1417هـ.
- العلامة الحلي، حسن بن يوسف، نهاية الوصول إلى علم الأصول، مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام، قم، چاپ أول، 1425هـ.
- الغزالي، أبو حامد، المستصفى من علم الأصول، بيروت، دار الأرقم، د.ت.
- القرافي، شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس، نفائس الأصول في شرح المحصول، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1421هـ.
- كاكائي، عباس، روششناسی علوم سیاسی، مجله مكتب ماهان، 1390ش.
- النملة، عبد الكريم، المهذب في علم أصول الفقه المقارن، الرياض، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى، 1420هـ.
الهوامش
- محمد علي إسماعيلي، طالب السطح الرابع في الفقه والأصول بجامعة المصطفى العالمية (Mali.esm91@yahoo.com).