دراسة فكرة تواتر القراءات

الملخص

يعدّ بحث القراءات وتواترها من المباحث المهمة في علوم القرآن. وتكمن أهمية هذا البحث في أن القائلين بتواتر القراءات، استشهاداً بضرورة تواتر القرآن، يرون لزوم أن تكون القراءات متواترة أيضاً مثل نص القرآن؛ لأن تحقق تواتر نص القرآن لا يمكن إلا عن طريق تواتر القراءات. وقد أقاموا أدلة لإثبات تواتر القراءات، إلا أن هذه الأدلة غير معتبرة، كما أن الفرضية المسبقة للقائلين بها، وهي اتحاد القرآن والقراءات، معيبة. من هنا، يمكن القول إنه لم يقم دليل معتبر على تواتر القراءات. ومن خلال دراسة تاريخ طرح هذا المصطلح في كتب علوم القرآن وكتب الأصول، يتضح أن فكرة تواتر القراءات قد طرحها متأخرو علماء أهل السنة، وما يظهر بوضوح في عبارات المتقدمين هو مصطلح شهرة القراءات. والفرق بين شهرة القراءات وتواتر القراءات يكمن في أن التواتر المصطلح عليه يعني تواتر سند القراءات إلى النبي الأكرم (ص)، أما القراءة المشهورة فهي القراءة التي لقيت قبولاً بين عامة الناس وتناقلها الناس جيلاً عن جيل، وهذه القراءة حسب الرأي الصحيح هي قراءة عاصم برواية حفص.

مقدمة

أجمع باحثو القرآن المسلمون على أن نص القرآن قد وصل إلينا بالتواتر. ومن الطرق التي مال إليها معظم علماء أهل السنة منذ القرن السادس أو السابع الهجري، وقبلها بعض علماء الشيعة، إثبات تواتر القرآن عن طريق إثبات تواتر القراءات. وقد صرّح أبو شامة في “المرشد الوجيز” وابن الجزري في “النشر” بأن مصطلح تواتر القراءات قد طرحه العلماء المتأخرون. بالنظر إلى الآثار والشواهد الموجودة، لم يكن مصطلح تواتر القراءات موضع اتفاق بين باحثي القرآن قط. وأول نقد وجهه علماء أهل السنة لهذا القول هو نقد الفخر الرازي. وبعده، عارض ابن الحاجب وغيره من علماء أهل السنة هذا الرأي بطرق مختلفة، إما بتقييد تواتر القراءات أو برده صراحة. ورغم ميل بعض علماء الشيعة، كالعلامة الحلي والشهيد الأول، إليه، لا يمكن الادعاء بأن رأي أكثرية علماء الشيعة كان على تواتر القراءات. في هذا البحث، سيتم أولاً دراسة تاريخ القول بتواتر القراءات وأدلة القائلين به، ثم بالاستقراء في كتب المتقدمين من علماء علوم القرآن وعلم الأصول، سيتم التوصل إلى نتيجة مفادها أنه يجب إعادة النظر في مفهوم مصطلح تواتر القراءات، واتخاذ القول الصحيح في هذا المجال بالرجوع إلى مصطلح العلماء المتقدمين.

١. دراسة مفهوم مصطلحي التواتر والقراءات

في البداية، من الضروري دراسة مصطلحي التواتر والقراءات من الناحية اللغوية والاصطلاحية في علم القراءات.

١-١. مصطلح التواتر

١-١-١. التواتر لغةً

التواتر من مادة “وتر” – بكسر الواو أو فتحها – بمعنى “واحد” و”فرد” (الفراهيدي، ١٤٠٩: ٨، ١٣٢؛ ابن منظور، ١٤١٤: ٥، ٢٧٣). وهذه الكلمة عندما تدخل في باب تفاعل، تكتسب معنى إضافياً، وتستخدم بمعنى التتابع (الفراهيدي، ١٤٠٩: ٨، ١٣٣؛ ابن منظور، ١٤١٤: ٥، ٢٧٥) أو المجيء واحداً تلو الآخر (الراغب الأصفهاني، ١٤١٢: ٨٥٣).

٢-١-١. التواتر اصطلاحاً

التواتر في اصطلاح علم الأصول وعلم الحديث هو وصف لخبر نقله جماعة كثيرة، الواحد تلو الآخر، بحيث يمتنع تواطؤهم على الكذب والخطأ (الماوردي، ١٤٠٩: ١، ١١٣؛ الزركشي، ١٤٢١: ٣، ٢٩٦). وعرّفه البعض أيضاً بأنه وصف لخبر يحصل به العلم من كلامهم، بالإضافة إلى الشرط المذكور (السيد المرتضى، ١٣٤٨: ٢، ٤٨٢ و ٤٨٨-٤٨٩؛ الحلي ١٤٢٥: ٣، ٢٩٩؛ الغزالي، ١٤١٧: ١٠٦). وبناءً على هذا التعريف، فإن المتواتر هو رواية يكون ناقلوها في جميع طبقاتها عدداً يمتنع تواطؤهم على الكذب عادةً ويوجب العلم (المامقاني، ١٤١١: ١، ٨٩ و ٩٠؛ السيوطي، دون تاريخ: ٢، ١٧٦؛ الطحان، دون تاريخ: ١١). وقد حافظ علماء علم القراءات على هذا المعنى للتواتر واستخدموه في شأن قراءة القرآن. فقد عرّفوا القراءة المتواترة بأنها القراءة التي نقلها جمع يمتنع تواطؤهم على الكذب، عن مثلهم – إلى النهاية – عن النبي الأكرم (ص) (ابن الجزري، ١٤١٩: ١٨؛ السيوطي، ١٤٢١: ١، ٢٦١؛ الزركشي، ١٤١٠: ١، ٤٢٣؛ بيلي، دون تاريخ: ٧٦).

٢-١. مصطلح القراءات

١-٢-١. القراءات لغةً

“القراءات” جمع “قراءة”، ولهذه الكلمة ثلاثة معانٍ:

  1. الجمع (ابن فارس، ١٤٠٤: ٥، ٧٨؛ ابن منظور، ١٤١٤: ١، ١٢٨؛ الراغب الأصفهاني، ١٤١٢: ٦٦٨). ووفقاً لهذا المعنى، فإن القراءة في الأصل ليست بمعنى التلاوة، بل لأن القارئ يضم الحروف والكلمات بعضها إلى بعض عند تلاوة القرآن، أُطلق لفظ القراءة على التلاوة (ابن منظور، ١٤١٤: ١، ١٢٨؛ الراغب الأصفهاني، ١٤١٢: ٦٦٨).
  2. القراءة والتلاوة (صالح، ١٣٧٢: ١٩؛ السبزواري، ١٣٨٣: ٤، ٤١٩). ووفقاً لهذا المعنى، فإن القراءة هي المعنى الأصلي لـ”قرأ” وليست معنىً لازماً. ويرى صبحي صالح أن هذا المعنى هو المعنى الأصلي لهذه المادة ويقول: “قرأ” بمعنى “تلا” كانت شائعة بين العرب قبل الإسلام (صالح، ١٣٧٢: ١٩ و ٢٠).
  3. القراءة مع الفهم. يستشهد العلامة العسكري باستعمالات كلمة “قراءة” في القرآن والروايات وفي زمن الصحابة فيقول: كانت القراءة في زمن النبي (ص) والصحابة بمعنى القراءة مع فهم معنى الآيات، وكذلك “الإقراء” بمعنى تعليم لفظ القرآن مع معاني الآيات، و”المقرئ” يطلق على من كان يعلّم قراءة القرآن مع تفسير الآيات للآخرين (العسكري، ١٤١٦: ١، ٢٨٩ – ٢٩٨).

٢-٢-١. القراءات اصطلاحاً

طُرحت تعريفات مختلفة لمصطلح “القراءة” في كتب القراءات وعلوم القرآن. وفيما يلي نشير إلى ثلاثة نماذج منها: يقول ابن الجزري: القراءات هي علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها معزوّةً إلى ناقلها (ابن الجزري، ١٤١٩: ٤٩). ويعرّف الزركشي القراءات بأنها: اختلاف ألفاظ الوحي المنزل على النبي (ص) في الحروف وكيفيتها من تخفيف وتثقيل ونحو ذلك مما نقل عن القراء (الزركشي، ١٤١٠: ١، ٤٦٥). ويقول عبد الهادي الفضلي: القراءة هي حكاية ألفاظ القرآن كما نطق بها النبي (ص) أو نُطقت بحضرته فأقرّها، سواء كانت قراءة واحدة أو قراءات متعددة (الفضلي، ١٤٠٥: ٥٦). النقاط الجديرة بالتأمل في التعريفات المذكورة هي كما يلي: ١. السماع هو الركن الأساسي في القراءة؛ أي يجب على القراء اللاحقين أن ينسبوا قراءتهم إلى القراء الأوائل ولا حق لهم في الاجتهاد. وبناءً على المعنى المذكور، فإن أي طريقة غير مسندة إلى القراء لا تعد قراءة للقرآن. وبالطبع، القول الصحيح هو أن شرط السماع وعدم الاجتهاد في نقل القراءة لا يقتصر على القراء الأوائل فحسب، بل يجب أن يمتد إلى شخص النبي الأكرم (ص)، والتعريف الثالث وحده يصرح بهذا الأمر. ٢. في تعريف الزركشي، انحصرت القراءات في تلك الألفاظ من القرآن الكريم التي يوجد فيها اختلاف في كيفية قراءتها، بينما دائرة علم القراءات تشمل الحالات غير الخلافية أيضاً؛ لذلك، استخدم علماء القراءات مصطلحين عند الحديث عن القراءات الواردة من ألفاظ القرآن، وهما “المتفق عليه بين القراء” و”المختلف فيه بين القراء” (انظر: الدمياطي، ١٤٢٢: ٣١ و ٧٢ و ٧٤)؛ وبالتالي، فإن القراءات غير اختلاف القراءات. فالقراءات تشير إلى تعدد القراءات المنسوبة إلى كل قارئ سواء كانت متفقاً عليها أم مختلفاً فيها، ولكن اختلاف القراءات يشير إلى القراءات المختلف فيها. ٣. الميزة الأخرى للتعريف الأخير على التعريفين الآخرين هي أنه في هذا التعريف، تم أخذ رأي أهل السنة ورأي الشيعة بعين الاعتبار؛ لأن أهل السنة يقولون بتعدد القراءات من عند الله، بينما يقول الشيعة بوحدة القراءة.

٢. تاريخ نشأة مصطلح تواتر القراءات

١-٢. عدم وجود مصطلح تواتر القراءات في كتب العلماء المتقدمين

بمراجعة الكتب الأولى التي كُتبت في مجال القراءات، يُلاحظ استخدام مصطلح “القراءات المشهورة” للقراءات السبع أو العشر، وفي المقابل، أُطلق على القراءات الأخرى اسم القراءات الشاذة، ولم يُستخدم في أي من تلك الكتب مصطلح “متواتر” في شأن القراءات. وفي كتاب قراءات ابن مجاهد (٣٢٤هـ) أيضاً، لم يُطرح التواتر، بل طُرحت قراءة الناس أو الشهرة. وتُظهر دراسة كتابه أن أحد معايير عدم قبول القراءة لديه، مما يؤدي إلى شذوذها، هو عدم صحة أسانيدها وليس عدم تواترها (ابن مجاهد، ١٤٠٠: ٤٤ و ٤٥؛ المرجع نفسه، مقدمة شوقي ضيف: ٢٦-٣٣). كما لم يذكر ابن جني (٣٩٢هـ) شيئاً عن تواتر القراءات، ولم يعتبر شذوذ القراءة بمعنى ضعف سندها، بل بمعنى قلة شيوعها مقارنة بالقراءات السبع (ابن جني، ١٤٢٠: ١، ٣١ و ٣٢). واستخدم ابن خالويه (٣٧٠هـ) في “الحجة في القراءات السبع” مصطلح “مشهور” للقراءات المقبولة، واعتبر صحة النقل أحد معايير قبولها، ولم يذكر شيئاً عن التواتر (ابن خالويه، ١٤٢١: ٦١ و ٦٢). وكذلك أبو علي الفارسي (٣٧٧هـ) في “الحجة للقراء السبعة” لم يأت على ذكر تواتر القراءات، وقال: في هذا الكتاب نبحث عن القراء الذين اختارهم ابن مجاهد. ومن كلمات الباقلاني (٤٠٣هـ) في مواضع متفرقة من كتابه، يُستفاد أن مراده من تحقق تواتر نص القرآن إلى زماننا هو إجماع الأمة، ولا يوجد فيه ذكر لتواتر القراءات (الباقلاني، ١٤٢٢: ١، ٩٧-٩٩ و ٢٦٦). ويذكر مكي بن أبي طالب (٤٣٧هـ) القراءات السبع بعنوان “السبعة المشهورين” (مكي بن أبي طالب، ١٤٠٢: ١٧٢). كما أن أبا العباس أحمد بن عمار المهدوي (٤٤٠هـ) في كتابه يعتبر صحة النقل أحد شروط قبول القراءة، ولا يذكر شيئاً عن تواتر القراءات (المهدوي، ١٤١٨: ٣٠). وقد بحث الجويني (٤٨٧هـ) في كتاب “البرهان في أصول الفقه” مسألة تواتر القرآن وطريق إثباته، ولم يأت على ذكر تواتر سند القراءات، وغاية ما قاله في هذا المقام هو أن القرآن يجب أن يصلنا متواتراً، وطريق التواتر قسمان: ١- التواتر بين الناس (مثل الإخبار بوجود مدن كبيرة)؛ ٢- التواتر بين فئة خاصة، ويبدو أن مراده هو التواتر الاصطلاحي (الجويني، ١٤١٨: ١، ٤١٠-٤١٤). وكذلك أحمد بن أبي عمر، المعروف بالأندرابي (القرن الرابع)، سمى كتابه “قراءات القراء المعروفين بروايات الرواة المشهورين”. كما استخدم أبو شامة (٦٦٥هـ) في كتابه مصطلح “مشهور” و”مجمع عليه” في شأن القراءات الصحيحة (أبو شامة المقدسي، ١٤٢٤: ١٢٣ و ١٢٤). ويستخدم الدمياطي (١١١٧هـ) مصطلح “المشهورين” سواء للقراء أو للرواة (الدمياطي، ١٤٢٢: ١، ٧ و ١٥٣). وكذلك، لا يُرى مصطلح تواتر القراءات في أي من كتب التفسير والفقه والأصول للعلماء المتقدمين من الشيعة والسنة. ولم يُنقل عن أي من أئمة القراءات السبع نقل صحيح يدل على ادعائه تواتر قراءته عن النبي (ص) (معرفت، ١٤١٥: ٢، ٦٦).

٢-٢. زمان وسبب ظهور مصطلح تواتر القراءات

بناءً على تصريح أبي شامة (٦٦٥هـ) في “المرشد الوجيز” وابن الجزري في “النشر” بأن مصطلح التواتر قد طرحه بعض المتأخرين (أبو شامة المقدسي، ١٤٢٤: ١٣٥ و ١٣٦؛ ابن الجزري (أ)، دون تاريخ: ١، ١٣)، ونظراً لأن الفخر الرازي (٦٠٦هـ) ينسب القول بتواتر جميع القراءات إلى الأكثرية ثم يشكل عليه (الفخر الرازي، ١٤٢٠: ١، ٧٠)، وأن ابن الحاجب (٦٤٦هـ) في “مختصر الأصول” يبدو أنه قد تناول القراءات السبع بنظرة نقدية واعتبرها متواترة في غير أمثال المد والإمالة والتخفيف (السبكي، ١٤١٩: ٢، ٩١)، ومع الأخذ بعين الاعتبار البحث الذي تم إجراؤه والذي لم يسفر عن أي أثر للقول بتواتر القراءات أو نقده في كتب العلماء السابقين، يمكن الاطمئنان إلى أن مسألة تواتر القراءات قد طُرحت في القرن الخامس أو السادس ولم تكن مطروحة قبل ذلك. من خلال الدراسة التي أجريت في كتب علماء الشيعة، يبدو، كما ذكر البعض، أن العلامة الحلي (٧٢٦هـ) كان أول من استخدم مصطلح التواتر في شأن القراءات السبع بين علماء الشيعة (انظر: الحلي، ١٤١٩: ١، ٤٦٥؛ هو، ١٤١٢: ٥، ٦٤؛ هو، ١٤٢٠: ١، ٢٤٥؛ هو، ١٤١٤: ٣، ١٤١)، وقد استخدم علماء الشيعة الآخرون هذا المصطلح اقتداءً به (آل عصفور، دون تاريخ: ٥٥). كان سبب ولادة هذا المصطلح الجديد هو أن بعض العلماء حاولوا، دفاعاً عن تواتر القرآن ويقينيته، أن يحلوا مصطلح “القراءات المتواترة” محل “القراءات المشهورة”؛ انطلاقاً من فرضية أن تواتر القرآن لا يمكن الدفاع عنه إلا بتواتر القراءات، وأن القرآن والقراءات حقيقة واحدة. وقد طُرحت هذه المسألة كدليل على تواتر جميع القراءات في كلام الفخر الرازي وتم نقدها (الفخر الرازي، ١٤٢٠: ١، ٧٠)، واستند إليها السبكي في حاشيته على “مختصر ابن الحاجب” وابن الجزري في “منجد المقرئين” (السبكي، ١٤١٩: ٢، ٩١-٩٣؛ ابن الجزري، ١٤١٩: ٨٠).

٣-٢. تعامل العلماء النقدي مع نظرية تواتر القراءات

منذ بداية طرح نظرية تواتر القراءات، تناولها العلماء المسلمون بالنقد من جوانب مختلفة. بناءً على الآثار الموجودة، كان أول نقد وجهه علماء أهل السنة لهذا القول هو نقد الفخر الرازي. فهو يرى أن ترجيح بعض القراءات على بعضها الآخر يتنافى مع تواتر جميع القراءات، ويعتبر القول بتواتر بعض القراءات حلاً لهذه المشكلة (الفخر الرازي، ١٤٢٠: ١، ٧٠). بعده، كان ابن الحاجب الشخص الثاني الذي اعتبر القول بتواتر جميع القراءات غير صحيح بتضييقه لدائرة القراءات المتواترة (السبكي، ١٤١٩: ٢، ٩١-٩٣). وبما أن ابن الحاجب كان مدركاً لعدم إمكانية إثبات تواتر جميع القراءات، فقد سعى من خلال تقييد تواتر القراءات بغير موارد المد والإمالة والتخفيف، شأنه شأن الفخر الرازي، إلى عدم قبول تواتر جميع القراءات، وفي الوقت نفسه، إبقاء طريق لإثبات تواتر القرآن عن طريق القراءات. الطريقة الثالثة لتقييد تواتر جميع القراءات هي التي سلكها أبو شامة. فمن وجهة نظره، فإن المقدار من القراءات الذي وصل إلينا من طرق مختلفة دون خلاف هو المتواتر (أبو شامة المقدسي، ١٤٢٤: ١٣٥ و ١٣٦)؛ أي أن القراءات التي لم يقع خلاف في نقل سندها من قبل الرواة يمكن أن تكون متواترة، لا جميع القراءات. وقد سلك بعض العلماء مثل الفيض الكاشاني هذا المسار بطريقة أخرى وقدموا رأياً رابعاً مفاده أن القدر المشترك بين القراءات هو المتواتر وليس كل قراءة على حدة (الفيض الكاشاني، ١٤١٥: ١، ٦٢). التفسير الأخير لتواتر القراءات هو التفسير الذي قدمه الزركشي وابن الجزري. وهذا التفسير هو نفسه قبول عدم إمكانية إثبات تواتر سند القراءات والعودة إلى مصطلح العلماء المتقدمين في علم القراءات. ينقل ابن الجزري في “منجد المقرئين” عن أستاذه أحمد الخطيب قوله إن البعض قد أورد إشكالاً على تواتر القراءات قائلاً: إن الأخبار الواردة عن القراءات والتي لها أسانيد محددة في كتب الحديث والقراءات هي أخبار آحاد، والتواتر في جميع طبقاتها غير متحقق، بينما هم لم يفهموا معنى التواتر في هذا الباب وإلا لما أوردوا الإشكال؛ لأن المقصود بالتواتر في باب القراءات ليس أن السند المنقول للقراءات في الكتب متواتر، بل المقصود أن كل قارئ عُرف في كتب القراءات كأحد القراء المشهورين قد أخذ قراءته عن أستاذه، ومعه الناس الذين كان هذا القارئ بينهم، قد أخذوا تلك القراءة عن الجيل الذي سبقهم والذي كان أستاذهم هو نفس القارئ السابق؛ وبالتالي، فإن القراءة في كل بلد وعصر، قد انتقلت من جيل من المسلمين إلى الجيل التالي، وليس من قارئ إلى قارئ آخر، وتحقق التواتر بهذا الأمر نفسه (ابن الجزري، ١٤١٩: ٧٩). وقد طرح الزركشي كلاماً مماثلاً في كتابه الأصولي (الزركشي، ١٤٢١: ٢، ٢١٢).

٣. الأقوال في تواتر القراءات

يمكن دراسة تواتر القراءات في فترتين زمنيتين:

  1. تواتر القراءات من زمن النبي الأكرم (ص) إلى القراء؛
  2. تواتر القراءات من زمن القراء فصاعداً.

على الرغم من أن تواتر القراءات في جميع الأزمنة، قبل القراء وبعدهم، يجب إثباته في نظر القائلين به، وأن البعض يخالف تواتر القراءات حتى بعد زمن القراء (منهم: الجزائري، ١٤٠٤: ٢، ٣٥٦؛ الخوئي، دون تاريخ: ١٤٩؛ الطيب، ١٣٧٨: ١، ٢٧ و ٢٨؛ الفاضل الموحدي اللنكراني، ١٣٩٦: ١٤٣)، إلا أن كلام القائلين بتواتر القراءات والمخالفين لهم يتركز في الغالب على القسم الأول، أي التواتر من زمن النبي الأكرم (ص) إلى القراء؛ لأن إثباته يحتاج إلى أدلة وشواهد أكثر إتقاناً. وبمراجعة كتب القراءات، نجد أن سند القراءات في القسم الثاني أوضح بكثير وعدد ناقليها أكثر من القسم الأول؛ لذلك، سنركز في ما يلي أكثر على التواتر في القسم الأول. من بين العلماء، اعتبر البعض جميع القراءات المشهورة متواترة بشكل مطلق ودون أي قيد، والبعض الآخر لم يعتبر أياً من القراءات متواترة؛ كما اعتبر البعض القراءات المشهورة متواترة بقيود. وفيما يلي نذكر أسماء عدد من القائلين بكل من الأقوال المذكورة:

١-٣. القائلون بتواتر جميع القراءات على نحو مطلق

١-١-٣. علماء أهل السنة

النووي (٦٧٦هـ): يذكر أن كل قراءة من القراءات السبع متواترة، وكل من خالف ذلك فهو إما مخطئ أو جاهل بالمسألة (نقلاً عن: قابة، ١٩٩٩: ١٨٨). السبكي (٧٧١هـ): في كتابه “جمع الجوامع”، بالإضافة إلى اعتباره القراءات العشر متواترة، يذكر كلام ابن الحاجب الذي لم يعتبر القراءات متواترة في أمثال المد والإمالة والتخفيف بلفظ “قيل” ويضعفه (عطار الشافعي، دون تاريخ: ١، ٢٩٧ و ٢٩٩). حسن بن محمد بن محمود العطار (١٢٥٠هـ): هو أيضاً، مثل السبكي، يقبل القول بتواتر القراءات العشر ويؤكده، ويرد كلام ابن الحاجب (عطار الشافعي، دون تاريخ: ١، ٢٩٧ و ٢٩٩). الزرقاني (١٣٧٢هـ): اعتبر القراءات العشر متواترة، وأقام أدلة على ذلك (الزرقاني، دون تاريخ: ١، ٤٣٣ و ٤٣٤).

٢-١-٣. علماء الشيعة

العلامة الحلي (٧٢٦هـ): اعتبر في عدة كتب له القراءات السبع متواترة والقراءات الأخرى شاذة (الحلي، ١٤١٩: ١، ٤٦٥؛ هو، ١٤١٢: ٥، ٦٤؛ هو، ١٤٢٠: ١، ٢٤٥؛ هو، ١٤١٤: ٣، ١٤١). الشهيد الأول (٧٨٦هـ): اعتبر القراءات العشر متواترة (الشهيد الأول، ١٤١٩: ٣، ٣٠٥). الشهيد الثاني (٩٦٥هـ): اعتبر في كتبه المختلفة القراءات العشر متواترة، بالإضافة إلى أنه صرح في “المقاصد العلية” بأن كل قراءة من القراءات العشر أنزلها الله على قلب النبي الأكرم (ص) (الشهيد الثاني، ١٤٠٩: ٢٣١؛ هو، ١٣٧٨: ٢٤٤ و ٢٤٥). بالطبع، يجب التنويه إلى أن كلامه في الكتاب الأخير مجمل، ومن المحتمل أن يُعتبر من الفئة الثانية، أي القائلين بعدم تواتر جميع القراءات؛ لأنه يبدو من ظاهر كلامه أنه يعتبر المتفق عليه بين جميع القراءات المشهورة متواتراً لا كل واحدة منها على حدة؛ ولكن بما أنه في كتبه الأخرى حكم بتواتر القراءات بشكل مطلق، ومن جهة أخرى، يعتبر جميع القراءات المشهورة نازلة من عند الله، ومن جهة أخرى، يعتمد على صحة قول الشهيد الأول، فإن كاتب هذا المقال يرى أن احتمال موافقته على تواتر جميع القراءات أقوى، ويضعه في الفئة الأولى. الشيخ الحر العاملي (١١٠٤هـ): دافع عن تواتر القراءات المشهورة (الحر العاملي، ١٤٢٦: ١٠٣ – ١١١).

٢-٣. القائلون بعدم تواتر القراءات

صرح بعض العلماء بعدم تواتر القراءات، والبعض الآخر لم يصرح بذلك، ولكن لازم ما ذكروه هو عدم تواتر جميع القراءات. وفيما يلي نورد أسماءهم:

١-٢-٣. علماء أهل السنة

ابن جرير الطبري (٣١٠هـ): يخطئ الطبري في مواضع مختلفة من تفسيره بعض قراءات القراء السبعة ويردها. وهذا يدل على أنه لا يعتبر القراءات السبع متواترة؛ على سبيل المثال، يذكر في ذيل آية ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا…﴾ (البقرة: ١٤٨) أن البعض قرأ في هذه الآية “ولكلٍ وجهةً”، وأن هذه القراءة خطأ وغير تامة من حيث المعنى (الطبري، ١٤١٢: ٢، ١٨). في حين أن هذه القراءة تعود لابن عامر، أحد القراء السبعة (مختار عمر وسالم مكرم، ١٤١٢: ١، ١٢٥). مكي بن أبي طالب (٤٣٧هـ): يعدّ القراءات التي لها سند صحيح ولكنها لا تتوافق مع رسم المصحف خبر واحد، حتى لو كانت من القراءات السبع، وذلك من خلال تعداده لصحة سند القراءات إلى النبي الأكرم (ص) ومطابقتها للمصحف والقواعد العربية (مكي بن أبي طالب، ١٤٣٢: ١٥٠-١٥٤)؛ وبالتالي، فهو يرى إمكانية وجود شواذ في القراءات السبع، وهذا يتنافى مع اعتبار جميع القراءات متواترة. أبو عمرو الداني (٤٤٤هـ): في كتبه المختلفة، لم يأت على ذكر تواتر القراءات، وينسب إليه ابن الجزري في كتاب “النشر” أنه يشترط لصحة القراءة صحة السند لا التواتر (ابن الجزري (أ)، دون تاريخ: ١، ٩ و ١٠). الزركشي (٧٩٧هـ): يعتبر القراءات متواترة إلى أئمة القراءات، ولكنه يرد التواتر إلى الرسول الأكرم (ص) (الزركشي، ١٤١٠: ١، ٤٦٦). ابن الجزري (٨٣٣هـ): يشترط في بعض كتبه التواتر لقبول القراءة ويعتبر القراءات العشر متواترة (ابن الجزري، ١٤١٩: ١٨)، ولكنه في كتاب “النشر في القراءات العشر”، بعد بيان شروط القراءة المقبولة، يذكر أنه حتى لو لم يكن للقراءات السبع ضابط صحة السند، فإنها تُعد شاذة، وكل قراءة مشهورة وغير مشهورة تُقسم إلى شاذة وصحيحة. وفي النهاية، ينسب هذا القول إلى مذهب علماء السلف من أمثال أبي شامة ومكي بن أبي طالب والداني، ويذكر أنه لم يخالفه أحد (ابن الجزري (أ)، دون تاريخ: ١، ٩ و ١٠). السيوطي (٩١١هـ): ينقل قول ابن الجزري في “النشر” ويعتبره أصح الأقوال (السيوطي، ١٤٢١: ١، ٢٥٧ و ٢٥٨). مكي الجريسي (١٣٢٢هـ): يشترط لقبول القراءة صحة السند ولا يذكر شيئاً عن تواترها (مكي الجريسي، ١٤٢٣: ١٦). محمد بن صالح بن محمد العثيمين (١٤٢١هـ): لا يأتي على ذكر تواتر القراءات، ويطرح فقط صحة السند ومطابقة المصحف العثماني بشأن صحة القراءة (العثيمين، ١٤٢٨: ٣، ٨٢ و ٨٣). الشيخ حمد بن عبد الله الحمد: يرى صحة السند كافية لقبول القراءة (الحمد، دون تاريخ: ٥، ٥٩). الشيخ وليد بن راشد السعيدان: يعتقد أن التواتر ليس شرطاً في قرآنية القراءات وأن صحة السند كافية (السعيدان، دون تاريخ: ١، ١٥). المعتزلة: نُسب إلى المعتزلة في كثير من الكتب أنهم لا يعتبرون القراءات متواترة (الزركشي، ١٤٢١: ٢، ٢٠٩؛ قابة، ١٩٩٩: ١٧٩).

٢-٢-٣. علماء الشيعة

الشيخ الصدوق (٣٨٦هـ): عدّ نزول القرآن على قراءة واحدة من عقائد الشيعة. ومن الواضح أنه مع الاعتقاد بنزول القرآن على قراءة واحدة، لا يمكن قبول تواتر جميع القراءات المشهورة (الشيخ الصدوق، ١٤١٤: ٨٦). الشيخ الطوسي (٤٦٠هـ): اعتبر في مقدمة تفسير “التبيان” نزول القرآن على قراءة واحدة (الطوسي، دون تاريخ: ١، ٧). أمين الإسلام الطبرسي (٥٤٨هـ): اختار أيضاً في مقدمة تفسير “مجمع البيان”، مثل الشيخ الطوسي، القول بنزول القرآن على قراءة واحدة (الطبرسي، ١٤١٥: ١، ٣٨). الشيخ الرضي (٦٨٦هـ): صرح في نقده لقراءة ابن عامر بأن القول بتواتر القراءات غير صحيح (الشيخ الرضي، ١٣٩٥: ٢، ٢٦١). المحقق الأردبيلي (٩٩٣هـ): أبطل القول بتواتر القراءات ورد أدلة القائلين به (المحقق الأردبيلي، ١٤٠٣: ٢، ٢١٧). العلامة المجلسي (١٠٧٠هـ): بعد نقله لرواية عن نزول القرآن على قراءات متواترة، اعتبرها مخالفة لمذهب الشيعة، وذكر أن عقيدة الشيعة هي نزول القرآن على قراءة واحدة (المجلسي، ١٤٠٣: ٨٢، ٦٥ و ٦٦). السيد نعمة الله الجزائري (١١١٢هـ): ردّ بالتفصيل أدلة القائلين بتواتر القراءات، واعتبر أن عقيدة الشيعة هي نزول القرآن على قراءة واحدة (الجزائري، ١٤٠٤: ٢، ٣٥٦). صاحب الجواهر (١٢٦٦هـ): أبطل تواتر القراءات وصرح بأن الكثير من العلماء يعتبرون القول بتواتر القراءات باطلاً (النجفي، ١٣٦٥: ٩، ٢٩٥). الشيخ الأنصاري (١٢٨١هـ): أبطل القول بتواتر القراءات، ونقل وردّ أدلة القائلين به (الأنصاري، ١٤١٥: ١، ٣٦٢ و ٣٦٣). الآخوند الخراساني (١٣٢٩هـ): صرح أيضاً بأنه لا يمكن قبول القول بتواتر القراءات (الخراساني، ١٤٠٩: ٢٥٨). العلامة البلاغي (١٣٥٢هـ): ردّ تواتر القراءات (البلاغي النجفي، ١٤٢٠: ١، ٣٠). آية الله الخوئي (١٤١٣هـ): أبطل تواتر القراءات وذكر أن الكثير من علماء أهل السنة والشيعة لا يقبلون تواتر القراءات (الخوئي، دون تاريخ: ١٢٣).

٣-٣. القائلون بتواتر القراءات بصورة مقيدة

الفخر الرازي (٦٠٦هـ): يطرح هذا القول بنقده لتواتر جميع القراءات المشهورة، وهو أن ما اتفق عليه من بين هذه القراءات متواتر والباقي خبر واحد (الفخر الرازي، ١٤٢٠: ١، ٧٠). ابن الحاجب (٦٤٦هـ): اعتبر في كتاب “مختصر الأصول” القراءات السبع في غير أمثال المد والإمالة والتخفيف متواترة (السبكي، ١٤١٩: ٢، ٩١-٩٣). أبو شامة (٦٦٥هـ): ينسب القول بتواتر كل قراءة على حدة إلى غير أهل التحقيق، ويعتبر المقدار من القراءات الذي وصل إلينا من طرق مختلفة دون خلاف متواتراً (أبو شامة المقدسي، ١٤٢٤: ١٣٥ و ١٣٦). ابن خلدون (٨٠٨هـ): ذكر أن القراءات المشهورة في غير أمثال المد والتسهيل متواترة (ابن خلدون، دون تاريخ: ١، ٤٣٧). الفيض الكاشاني (١٠٩١هـ): يرى أن القدر الجامع بين القراءات هو المتواتر، وليس كل قراءة على حدة (الفيض الكاشاني، ١٤١٥: ١، ٦٢).

٤. أدلة تواتر القراءات ونقدها

١-٤. دعوى الإجماع

بعضهم، مثل الشيخ الحر العاملي، قائل بإجماع علماء الشيعة والسنة على تواتر القراءات (العاملي، ١٤٢٦: ١٠٦)، وبعضهم ينسب القول بتواتر القراءات إلى جمهور علماء الشيعة، ويرى أن مخالفي التواتر قلة لا يُعتد بهم (مجدد عباسي، ١٣٧٥: ١، ٩٢). الرد على هذه الدعوى واضح من خلال ما سبق؛ إذ إن الكثير من علماء الشيعة والسنة يخالفون تواتر القراءات، وبعضهم، مثل صاحب الجواهر وآية الله الخوئي وآية الله معرفت، يصرحون بأن الكثير من علماء الشيعة والسنة يخالفون تواتر القراءات (النجفي، ١٣٦٥: ٩، ٢٩٥؛ الخوئي، دون تاريخ: ١٢٣؛ معرفت، ١٤١٥: ٢، ٤٧ و ٤٨).

٢-٤. الروايات الدالة على نزول القرآن على عدة قراءات

استمسك البعض لإثبات تواتر القراءات بروايات نُقلت عن طريق أهل السنة والشيعة، ومضمونها أن القرآن نزل على عدة قراءات، وأن القراءات المختلفة تحكي عن القراءات المختلفة التي نزل بها القرآن. هنا نكتفي بنقل رواية أوردها الشيخ الصدوق في كتاب “الخصال” ونظيرها منقول في “صحيح البخاري”: قال النبي الأكرم (ص): “أتاني آتٍ من عند ربي فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد. فقلت: يا رب، وسّع على أمتي! فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد. فقلت: يا رب، وسّع على أمتي! فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد. ثم قلت: يا رب، وسّع على أمتي! فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف” (الشيخ الصدوق، ١٣٦٢: ٢، ٣٥٨، حديث ٤٤؛ وانظر أيضاً: البخاري، ١٤٢٢: ٤، ٨٠، كتاب بدء الخلق). في الرد، يجب القول أولاً إن هذه الروايات لا تدل على تحقق تواتر القراءات. ثانياً، هذه الروايات لا يمكن الاستناد إليها؛ لأنها معيبة من جهتين: السند والدلالة. ١. من حيث السند: هذه الروايات وإن نُقلت في كتب الرواية الرئيسية لأهل السنة، إلا أنه ليس فقط التواتر، بل حتى صحة سند هذه الروايات في مصادر الرواية نفسها لأهل السنة قابلة للخدش. يشير آية الله الخوئي إلى ضعف سند هذه الروايات ويعتبر هذا العامل أول عامل لسقوط اعتبار هذه الروايات (الخوئي، دون تاريخ: ١٧٧). وكذلك العلامة العسكري، بعد بحث مفصل حول هذه الأحاديث، يعتبرها من صنع الزنادقة الذين أدخلوها في أحاديث أهل السنة (العسكري، ١٤١٦: ٢، ١٨٨ و ١٨٩). كما يرى الدكتور علي الصغير أن هذه الروايات تعاني من ضعف السند، ولا يعتبر كثرة نقلها دليلاً على قبولها (الصغير، ١٤٢٠: ٩٩ و ١٠٠). ونقلها في كتب الشيعة لم يتم عن طريق كتب الرواية الرئيسية، ونقلها في كتب الرواية الأخرى للشيعة يعاني أيضاً من ضعف السند (المجلسي، ١٤٠٣: ٩٠، ٤؛ الصفار، ١٤٠٤: ١، ١٩٦؛ العياشي، ١٣٨٠: ١، ١٢؛ الشيخ الصدوق، ١٣٦٢: ٣٥٨، حديث ش: ٤٣ و ٤٤). ولهذا، صرح عدد من علماء الشيعة مثل المحدث النوري، وآية الله الخوئي، والعلامة العسكري، وآية الله معرفت، بعدم صحة هذه الروايات في مصادر الشيعة (النوري، دون تاريخ: ٢٠٩ و ٢١٠؛ الخوئي، دون تاريخ: ١٧٧؛ العسكري، ١٤١٦: ٢، ١٨٨ و ١٨٩؛ معرفت، ١٤١٥: ٢، ٩٣ و ٩٤). كما أن البعض مثل الشيخ الصدوق، والشيخ الطوسي، وأمين الإسلام الطبرسي، والعلامة المجلسي، استناداً إلى رواية عن الإمام الخامس والإمام السادس (ع)، تدل على نزول القرآن على حرف واحد (الكليني، ١٤٢٩: ٤، ٦٦٤ و ٦٦٥، باب النوادر)، ذكروا أن الشيعة قائلون بنزول القرآن على حرف واحد (الشيخ الصدوق، ١٤١٤: ٨٦؛ الطوسي، دون تاريخ: ١، ٧؛ الطبرسي، ١٤١٥: ١، ٣٨؛ المجلسي، ١٤٠٣: ٨٢، ٦٥ و ٦٦، باب ٢٣). ٢. من حيث الدلالة: مضمون روايات نزول القرآن على سبعة أحرف أدى إلى حيرة كبيرة لدى الكثير من علماء أهل السنة، لدرجة أن بعضهم نقل لهذه الروايات ما يصل إلى أربعين تفسيراً (السيوطي، ١٤٢١: ١، ١٧٢). وقال آية الله الخوئي والعلامة العسكري عن المعاني المذكورة لسبعة أحرف: لا يخلو أي من المعاني المذكورة من إشكال، ولا يُستفاد معنى محصل من هذه الروايات (الخوئي، دون تاريخ: ١٧٨؛ العسكري، ١٤١٦: ٢، ١٤٦)؛ وبالتالي، فإن روايات سبعة أحرف مجملة من حيث المعنى، وحملها على معنى أن القرآن نزل على سبعة أحرف وأن الله أذن بأن نقرأ القرآن بأي منها شئنا، هو مجرد احتمال واحد من بين احتمالات متعددة، ولا يفيد اليقين أو حتى الظن (للتفصيل أكثر، انظر: مؤدب، ١٣٧٨: ٣٥-١٠٠).

٣-٤. اهتمام الناس بنقل القرآن في جميع العصور

ذكر بعض العلماء أنه بالنظر إلى الشواهد الروائية والتاريخية الموجودة، أولى المسلمون في جميع العصور، من زمن النبي الأكرم (ص) حتى الآن، اهتماماً كبيراً بنقل القرآن، ولازم هذا الأمر هو تحقق النقل المتواتر للقرآن (عطار الشافعي، دون تاريخ: ١، ٢٩٧). في الرد على هذا الدليل نقول: أولاً، هذا الدليل يمكن أن يثبت ضرورة أو تحقق تواتر القرآن لا قراءاته. ثانياً، كما ذكر آية الله الخوئي، في حال قبول هذا القول، يجب أن نقول إن جميع القراءات، سواء كانت السبعة أو العشر أو غيرها، متواترة؛ لأنه لا يوجد فرق سندي بين هذه القراءات (الخوئي، دون تاريخ: ١٥٦)؛ بعبارة أخرى، من حيث السند، لا يوجد فرق بين القراءات الأخرى التي هي خارج القراءات السبع أو العشر وبين القراءات السبع، وعمل القائلين بتواتر القراءات السبع أو العشر القائم على اعتبار عدد قليل من تلك القراءات متواتراً، لا دليل له؛ وبالتالي، إما أن تكون جميع القراءات المذكورة متواترة، أو لا تكون أي قراءة متواترة.

٤-٤. أفضل دليل على إمكان شيء هو وقوعه

استدل البعض لإثبات تواتر القراءات بالقول: عندما يصرح الكثير من العلماء بتواتر سند القراءات، وابن الجزري يذكر سند جميع القراءات بشكل كامل، فهذا هو أفضل دليل على وقوع التواتر (قابة، ١٩٩٩: ١٩٠). الرد على هذا الدليل واضح أيضاً؛ لأن هذا الدليل هو نوع من المصادرة على المطلوب؛ أي أن إشكال القائلين بعدم التواتر هو على عدم تحقق التواتر في سند القراءات، وفي هذا الدليل، تم أخذ دعوى تواتر سند القراءات كدليل دون إقامة حجة.

٥-٤. عدم تواتر القرآن في حال عدم تواتر القراءات السبع

استمسك البعض أيضاً لإثبات تواتر القراءات بدليل أن إجماع العلماء على أن القرآن يجب أن يكون متواتراً؛ وبالتالي، يجب أن تكون القراءات المشهورة متواترة أيضاً (السبكي، ١٤١٩: ٢، ٩١-٩٣؛ الطباطبائي، ١٢٩٦: ٣٢٢؛ ابن الجزري، ١٤١٩: ٨٠). وعلى هذا الأساس، يستدل السبكي على تواتر القراءات قائلاً: لو لم تكن كل قراءة من القراءات متواترة، للزم أن بعض أجزاء القرآن التي فيها اختلاف في القراءة مثل “ملك” و”مالك” غير متواترة (السبكي، ١٤١٩: ٢، ٩١-٩٣). وقد ذكر ابن الجزري أيضاً نفس الدليل وأضاف: لأنه في هذه الحالة، قد يختار قارئان أو ثلاثة قراءة واحدة، بينما بنقل اثنين أو ثلاثة، لا يحصل التواتر (ابن الجزري، ١٤١٩: ٨٠). هذا الدليل أيضاً لا يثبت المدعى؛ لأن الملازمة بين المقدم والتالي في الدليل المذكور هي أن القرآن قد وصل إلينا عن طريق قراء القراءات السبع، بينما يمكن القول، كما ذكر بعض علماء الشيعة وأهل السنة، إن القرآن والقراءات حقيقتان منفصلتان، ولا يوجد تلازم بين تواتر القرآن وتواتر القراءات (الزركشي، ١٤١٠: ١، ٤٦٥؛ الدمياطي، ١٤٢٢: ٧؛ الخوئي، دون تاريخ: ١٥٨)، بل إن أصل القرآن قد تواتر بنقل المسلمين جيلاً عن جيل، وفي النهاية، كان القراء مجرد وسيط لوصول بعض خصوصيات قراءة القرآن إلينا، وحتى لو لم يوجد أي من القراء السبعة، لما لحق بتواتر القرآن أي ضرر (الخوئي، دون تاريخ: ١٥٧). ثانياً، هذا الدليل صادق أيضاً في مورد القراءات الشاذة، ووفقاً لنفس الدليل، يجب أن تكون القراءات الشاذة متواترة أيضاً. بالطبع، قد يقال إن القراءات السبع أصح من القراءات الشاذة من حيث السند، ولكن في الجواب نقول: كما ورد في كتاب “البيان”، فإن هذا الأمر لا يكون دليلاً على خروج القراءات الشاذة من التواتر، بل يؤدي إلى أن يرجح شخص في مقام العمل بعض القراءات على غيرها لكونها أصح سنداً (الخوئي، دون تاريخ: ١٥٧).

٦-٤. لزوم حفظ القرآن بحكم العقل والنقل

أقام عبد الحليم قابة دليلاً على إثبات تواتر القراءات كما يلي: لقد ضمن الله، وفقاً لآية ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩)، حفظ القرآن، والعقل يحكم بأنه من غير الممكن أن يضمن الله حفظ كتابه الذي هو حجة على الناس، ثم لا يحفظه في أعلى مراتب الحفظ (قابة، ١٩٩٩: ١٩٠ و ١٩١). هذا الدليل أيضاً غير كافٍ لإثبات تواتر القراءات؛ لأنه يذكر أن اختلاف القراءات قد وقع، وإذا لم تكن القراءات متواترة، يلزم أن يكون القرآن قد حُرف، لذا يجب أن تكون القراءات متواترة. بينما أولاً، في تواتر القراءات، الحديث يدور حول تحقق أو عدم تحقق التواتر، ويجب على قائل هذا الدليل أن يستدل على هذا الأمر لا على لزوم تواتر القراءات. ثانياً، القائلون بعدم تواتر القراءات أنفسهم مدركون لهذه المسألة ولم يعتبروا اختلاف القراءات مستلزماً لتحريف القرآن؛ كما أن، على سبيل المثال، العلامة البلاغي، والعلامة الطباطبائي، وآية الله الخوئي، كل منهم بطريقته أثبت عدم التلازم بين اختلاف القراءات وتحريف القرآن (البلاغي، ١٤٢٠: ١، ٢٩؛ الطباطبائي، ١٤١٧: ١٢، ١٠٦؛ الخوئي، دون تاريخ: ١٥٧ و ١٥٨).

٥. أدلة عدم تواتر القراءات

١-٥. عدم إمكانية إثبات تواتر سند القراءات

لا يصل سند القراءات من النبي الأكرم (ص) إلى أئمة القراءات أنفسهم، ومن أئمة القراءات فصاعداً، إلى حد التواتر؛ لأنه بغض النظر عن وثاقة الرواة، يجب أن يكون عدد ناقلي القراءة في كل طبقة (سواء من النبي الأكرم (ص) إلى أئمة القراءات، أو من أئمة القراءات إلينا) بالقدر الذي يصدق عليه عرفاً التواتر؛ بينما لا يُرى مثل هذا الأمر في سند هذه القراءات؛ لأن ناقلي أن أئمة القراءات قد أخذوا قراءتهم عن الصحابة هم أنفسهم، ولم يُنقل ذلك عن أي من معاصريهم الآخرين؛ وبالتالي، كما أشار بعض العلماء، على فرض صحة تواتر القراءات من النبي (ص) إلى القراء، فإن سند قراءتهم في طبقتهم هم من نوع خبر الواحد، وسند القراءات من أئمة القراءات فصاعداً أيضاً ليس متواتراً في جميع الطبقات، بل وفقاً لنقل كتب القراءات نفسها، فإن كل قراءة نقلها في النهاية راويان، وهذان الاثنان أيضاً اختلفا في بعض المواضع (الجزائري، ١٤٠٤: ٢، ٣٥٦؛ الخوئي، دون تاريخ: ١٤٩). وقد التفت الكثير من العلماء إلى هذه المسألة ولم يقبلوا القول بتواتر كل قراءة من القراءات المشهورة. وقد مرت أسماء هذه المجموعة تحت عنوان القائلين بعدم تواتر القراءات. يعترف ابن الجزري في “منجد المقرئين” بأنه إذا نُقلت قراءة عن راويين أو ثلاثة، لا يحصل التواتر (ابن الجزري، ١٤١٩: ٨٠). والآن، على سبيل المثال، ندرس سند قراءة عبد الله بن كثير (١٢٠هـ)، أحد القراء السبعة، وفقاً لكتاب “المكرر”. سند هذه القراءة بناءً على نقل هذا الكتاب هو كما يلي: النبي الأكرم (ص) ← أبي بن كعب ← عبد الله بن السائب ← عبد الله بن كثير ← شبل ← عكرمة البزي (٢٥٠هـ). النبي الأكرم (ص) ← أبي بن كعب ← عبد الله بن السائب ← عبد الله بن كثير ← شبل ← قسط أبو الخريط ← أحمد القواس ← قنبل (٢٩١هـ). كما يلاحظ، فإن سند هذه القراءة إلى راوييها، البزي وقنبل، في جميع الطبقات، يُعد خبر واحد (المصري الأنصاري، ١٤٢٢: ١٩ و ٢٠). بالطبع، يوجد في سند هذه القراءة اختلافات، وإذا أخذنا سند هذه القراءة بعين الاعتبار وفقاً لجميع نقولها أيضاً، فإن سند هذه القراءة في بعض الطبقات يُعد خبر واحد ولا يصل إلى حد التواتر.

٢-٥. عدم واقعية سند بعض القراءات

بعض الأسانيد التي ذُكرت في كتب القراءات لبيان اتصال قراءة راوٍ بالنبي (ص)، تُعتبر مجرد أسانيد تشريفية ومصطنعة. وقد قال آية الله معرفت في هذا الشأن: الحقيقة أن الأسانيد المذكورة في بعض كتب القراءات مثل “التيسير” و”التحبير” و”المكرر” هي تشريفية، وقد أثبتها المؤلفون اللاحقون في كتبهم بتكلف، بينما القراء أنفسهم في معظم قراءاتهم المختارة لم يكن لديهم مثل هذا الادعاء، بل إن مؤلفي الكتب المذكورة، بسبب تعظيم القراء الذي هو من شؤون تعظيم القرآن، حاولوا أن ينسبوا قراءتهم إلى النبي (ص)، وإلا فإن أقل تحقيق حول هذه الأسانيد يكشف عن حقيقة غير سارة؛ على سبيل المثال، في قراءة عبد الله بن عامر (١١٨هـ)، وهو أقرب القراء السبعة إلى زمن الصحابة، لا نجد سنداً متصلاً بأحد الصحابة المتخصصين في القراءة. يذكر ابن الجزري سبعة أقوال في أسانيده، وفي نهاية الأمر يرجح أنه تعلم القراءة من المغيرة بن أبي شهاب المخزومي وقرأ القرآن عليه، وهو تعلم من عثمان، وعثمان من النبي (ص). كما يُنقل عن البعض الآخر أنهم لا يعرفون من تعلم ابن عامر القراءة وعلى من قرأ القرآن. من جهة أخرى، يجب أن يُسأل: من هو المغيرة المخزومي الذي تعلم ابن عامر قراءة القرآن منه؟ يقول الذهبي: أظن أنه كان قارئ دمشق في حكومة معاوية، وهو لم يُعرف إلا عن طريق قراءة ابن عامر. ما أوهى وأسخف هذا الكلام! يُنسب سند قراءة ابن عامر إلى أستاذ مجهول لم يُعرف إلا من قبل ابن عامر نفسه؟ ومن جهة أخرى، من أين عُلم أن المغيرة تعلم القرآن من عثمان، وأي سند يوجد لهذه الأستاذية والتلمذة المصطنعة، ومتى اشتغل عثمان بتعليم قراءة القرآن؟ (معرفت، ١٤١٥: ٢، ٦٣ و ٦٤).

٣-٥. الاحتجاج لإثبات بعض القراءات

احتجاج بعض القراء لإثبات قراءتهم واحتجاج رواتهم دليل على عدم تواتر بعض القراءات؛ لأنه في حال تواتر القراءة عن النبي الأكرم (ص)، لا حاجة إلى إقامة دليل لإثباتها (الخوئي، دون تاريخ: ١٥٠ و ١٥١). توضيح ذلك أنه إذا كان، حسب ادعاء علماء القراءات، الشرط الأساسي في قبول قراءة ما هو النقل عن النبي الأكرم (ص)، فلا حاجة لأن يستدل كل قارئ على ما يختاره كقراءة مختارة؛ لأن جميع القراءات صحيحة ومنقولة عن النبي (ص)، وإقامة الحجة على قراءة ورفض القراءات الأخرى يعني رفض نقل شيء نُقل بطريق صحيح عن النبي الأكرم (ص).

٤-٥. إنكار بعض القراءات من قبل قراء وعلماء آخرين

إنكار بعض القراءات من قبل قراء أو علماء آخرين دليل على عدم تواتر القراءات؛ لأنه في حال تواتر القراءات، لا يحق لأحد إنكار قراءة ما (الخوئي، دون تاريخ: ١٥١)؛ على سبيل المثال، ذكر الطبري في ذيل آية ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا…﴾ (البقرة: ١٤٨) أن البعض قرأ في هذه الآية “ولكل وجهة”، وأن هذه القراءة خطأ وغير تامة من حيث المعنى (الطبري، ١٤١٢: ٢، ١٨)؛ في حين أن هذه القراءة تعود لابن عامر، أحد القراء السبعة (مختار عمر وسالم مكرم، ١٤١٢: ١، ١٢٥). ويقول ابن الجزري في هذا الشأن: إن بعض المتأخرين لم يعتبروا صحة السند كافية في شروط قبول القراءة، واشترطوا التواتر. إشكال هذا القول واضح؛ لأنه إذا ثبت تواتر قراءة عن النبي الأكرم (ص)، وجب قبول تلك القراءة والحكم قطعاً بأنها قرآن؛ سواء وافقت رسم المصحف العثماني أم خالفته. وفي حال اشترطنا التواتر في كل حرف من الحروف، يجب ترك الكثير من الحروف الخلافية في القراءات السبع وغيرها (ابن الجزري (أ)، دون تاريخ: ١، ١٣).

٥-٥. وجود تناقض في بعض القراءات

نتيجة بعض القراءات مثل قراءة “يطهرن” في آية ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (البقرة: ٢٢٢) بالتخفيف والتشديد، تؤدي إلى ظهور استنباطات متناقضة من آيات القرآن. فكما ذكر الفقهاء، إذا قُرئت هذه الكلمة بالتخفيف، دلت على أنه بعد طهر المرأة من الحيض، تجوز مجامعتها شرعاً، وإذا قُرئت بالتشديد، دلت على أن المجامعة تجوز بعد الطهر من الحيض والغسل (معرفت، ١٤١٥: ٢، ٧٦ و ٧٧).

٦. تبيين وتطبيق نظرية العلماء المتقدمين في باب القراءات

بعد أن اتضح أن مصطلح العلماء المتقدمين يختلف عن مصطلح العلماء المتأخرين الذين طرحوا تواتر القراءات المشهورة، من الضروري تبيين نظرية العلماء المتقدمين وبيان أي من القراءات ينطبق عليها. وفيما يلي نتناول هاتين المسألتين.

١-٦. تبيين نظرية العلماء المتقدمين في باب القراءات

من خلال ما ذُكر في دراسة ونقد نظرية تواتر القراءات، يتضح أن هذا القول يواجه مشكلة جدية، وبالإضافة إلى أن تواتر القراءات وفقاً للأسانيد الموجودة في كتب القراءات والحديث غير قابل للدفاع ويحتاج إلى تبرير، فإن معناه وحدوده غير واضحة ومتفق عليها بين القائلين به، وقد قدم القائلون والمنكرون له أقوالاً متعددة في هذا المجال؛ لذلك، يبدو أنه بالنظر إلى عدم وجود أثر للقول بتواتر القراءات في كتب المتقدمين، ومع مراعاة الإشكالات الواردة على هذا القول، إذا رجعنا إلى مصطلح العلماء المتقدمين في مجال القراءات وتركنا مصطلح التواتر الذي دخل لاحقاً إلى ساحة علم القراءات، يمكننا الوصول إلى رأي متفق عليه بشأن القراءات. كما ذُكر، في جميع كتب المتقدمين في مجال القراءات والأصول، كان يُستخدم مصطلح “الشهرة” بشأن القراءات، وقد تم اختيار هذا المصطلح بوعي كبير. في الكتب المذكورة، القراءة التي اشتهرت بين عامة الناس ولقيت القبول، تُعتبر مقبولة. وهذا هو المعنى الذي ذكره ابن الجزري والزركشي وغيرهما في تبرير تواتر القراءات (ابن الجزري، ١٤١٩: ٧٩؛ الزركشي، ١٤٢١: ٢، ٢١٢). وبهذا التوضيح، يتضح أن تواتر القرآن لم يحصل عن طريق التواتر السندي لقراءات القراء، بل إن قراءات القراء تمثل القراءات المشهورة التي انتقلت بالتواتر من جيل إلى جيل آخر من قبل المسلمين.

٢-٦. تطبيق نظرية العلماء المتقدمين على قراءة عاصم برواية حفص

السؤال المطروح هو أنه بالنظر إلى عدم تواتر سند القراءات، أي قراءة حظيت بقبول عام وشاعت في القرآن الرائج؟ بعبارة أخرى، بالنظر إلى أنه في مصطلح العلماء المتقدمين، كل قراءة اشتهرت وشاعت بين عامة المسلمين، وحظيت بالقبول، تُعتبر قراءة صحيحة، فأي من القراءات تستوفي هذا المعيار؟ بالنظر إلى القرائن التي ستُعرض لاحقاً، يمكن الادعاء بأنه من بين القراءات المنسوبة إلى النبي (ص)، القراءة الوحيدة التي شاعت بين الناس منذ زمن رسول الله (ص) وفي العصور المختلفة واعتُبرت القراءة المشهورة والمقبولة لدى عامة الناس، هي قراءة عاصم برواية حفص، التي أخذها عاصم عن أبي عبد الرحمن السلمي، وأخذها السلمي بدوره عن أمير المؤمنين علي (ع) وعرض عليه القرآن حرفاً بحرف (ابن مجاهد، ١٤٠٠: ٦٨؛ الذهبي، ١٤١٧: ٥٢ و ٥٣؛ ابن الجزري (ب)، دون تاريخ: ج ١، ص ٣٤٨). من بين وجوه تفوق قراءة عاصم برواية حفص على القراءات الأخرى، دراسة المكانة العلمية ووثاقة ناقلي هذه القراءة تظهر أنهم تميزوا بخصائص الوثاقة في النقل، وعدم الاجتهاد في القراءة، والمكانة العلمية العالية في القراءة. ومن الخصائص التي عُدت لهذه القراءة أنها، خلافاً للكثير من القراءات التي دخلها اجتهاد القراء أو الرواة، فإن ناقليها سعوا فقط لنقل القراءة عن الطبقة التي سبقتهم، وصرحوا بأن كل واحد منهم نقل تماماً نفس القراءة التي تلقاها عن أستاذه إلى الآخر دون أي تدخل أو اجتهاد شخصي (ابن مجاهد، ١٤٠٠: ٧٠؛ الذهبي، ١٤١۷: ٥٢ و ٥٣؛ ابن الجزري (ب)، دون تاريخ: ١، ٣٤٨). السلمي (١٠٥هـ) بعد عبد الله بن مسعود، أصبح قارئ الكوفة، وكانت طريقته أن يجعل القراءة المتفق عليها بين المسلمين، والتي تتوافق مع المصحف الذي أُعد في زمن عثمان، أساساً لتعليم القراءة، ولمدة أربعين عاماً عمل على ترويج القراءة العامة (المشهورة بين المسلمين) (ابن مجاهد، ١٤٠٠: ٦٧ و ٦٨؛ ابن الجزري (ب)، دون تاريخ: ١، ٤١٣). ونُقل عنه أن قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت وجميع المهاجرين والأنصار كانت واحدة، وكانوا جميعاً يقرؤون وفقاً للقراءة العامة (أبو شامة المقدسي، ١٤٢٤: ٧١؛ الزركشي، ١٤١٠: ١، ٣٣١). وكان من خواص أصحاب الإمام علي (ع) (البرقي، دون تاريخ: ٥؛ التفرشي، ١٤١٨: ٣، ٩٦). وقد عده ابن داوود من الممدوحين (ابن داوود، ١٣٩٢: ١١٨)، ووثقه رجالیو أهل السنة أيضاً (العجلي، ١٤٠٥: ٢، ٢٦؛ ابن حبان، دون تاريخ: ٥، ٩؛ الذهبي، دون تاريخ: ١، ٥٨). عاصم (١٢٧ أو ١٢٨هـ) أيضاً، من وجهة نظر علماء الشيعة وأهل السنة، كان شخصية بارزة وموثوقة في القراءة. ينقل عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه أنه قال عن عاصم: عاصم شخص ثقة، خيّر وصالح، وبعد قراءة أهل المدينة، أحب قراءته أكثر من قراءات الآخرين (الذهبي، ١٤١٣: ٥، ٢٥٧). وقال ابن خلكان عنه: “كان أحد القراء السبعة، وفي القراءة، موضع اهتمام الآخرين” (ابن خلكان، دون تاريخ: ٣، ٩). من الناحية السندية أيضاً، يقول الذهبي: إن أرفع قراءة وصلتنا هي عن طريق عاصم (الذهبي، ١٤١٧: ٥٤). وقال مكي بن أبي طالب والسيوطي: أصح القراءات هي قراءة نافع وعاصم (العسقلاني، ٢٠٠٣: ٦٧؛ السيوطي، ١٤٢١: ١، ٢٧٣). وتحكي بعض النقول أن عاصماً صرح بأن قراءته هي من قراءة السلمي، وقراءة السلمي لم تتجاوز قراءة الإمام علي (ع) (الذهبي، ١٤١٣: ٥، ٢٥٩ و ٢٦٠). وفي رواية، نقل عاصم عن أمير المؤمنين (ع) أن النبي الأكرم (ص) قال: اقرؤوا القرآن كما عُلّمتم (ابن مجاهد، ١٤٠٠: ٤٧). وكان بلا شك شيعياً وموضع تمجيد علماء الشيعة (الأمين، دون تاريخ: ٧، ٤٠٧؛ الخوانساري، ١٣٤٩: ٥، ٤؛ الصدر، دون تاريخ: ٣٤٦ و ٣٤٧). ومن وجهة نظر رجاليي أهل السنة، كان شخصاً ثقة وموضع اطمئنان في القراءة (الذهبي، ١٤١٣: 5، ٢٦٠؛ العسقلاني، ١٤١٥: ١، ٤٥٦)، وذكر بعضهم أنه كان بالإجماع دقيقاً في القراءة (الخزرجي الأنصاري، ١٤١١: ٨٧). حفص بن سليمان (١٨٠هـ) أيضاً، الذي كان تلميذاً وتربى في بيت عاصم، كان أحد راويي قراءته، وقد وُثق في القراءة في كتب أهل السنة. وقد قرأ القرآن على عاصم مرات عديدة، ونُقل عن كبار القراء أنهم كانوا يعتبرونه في إتقان وثبات حروف القراءة أعلى من أبي بكر عياش، الراوي الآخر لقراءة عاصم، وكانوا يصفونه بالضبط في القراءة، وكانوا يقولون: إنه كان يضبط ما يقرؤه عليه عاصم (ابن الجزري (أ)، دون تاريخ: ١، ٨٦). ويقول الزنجاني عنه: “كان حفص رجلاً عالماً عاملاً وأعلم أصحاب عاصم بقراءته” (الزنجاني، ١٤٠٤: ٩٢). وقد عده الشيخ الطوسي في زمرة أصحاب الإمام الصادق والإمام الكاظم (ع) (الطوسي: ١٨٩، رقم: ٢٣٢٣ و ٣٣٥، رقم: ٤٩٨٦). من ناحية أخرى، كانت قراءة عاصم موضع اهتمام كبير من قبل العديد من العلماء المسلمين وعامة الناس، وفي جميع مراحل التاريخ، كانت قراءته تُعتبر القراءة الأسمى؛ لذلك، في حلقة تعليم القراءة، خصص ابن مجاهد خمسة عشر شخصاً لقراءة عاصم، وكان بعض أساتذة القراءة مثل إبراهيم بن محمد المعروف بـ”نفطويه”، كلما استعدوا للقراءة، يبدؤون بقراءة عاصم (معرفت، ١٤١٥: ٢، ٢٤٦؛ العسقلاني، ١٤٠٦: ١، ١٠٩). حالياً، المصحف الرسمي لجميع الدول الإسلامية – باستثناء عدد قليل من البلدان – هو وفقاً لهذه القراءة. وقد ذكر مكي بن أبي طالب سبب ترجيح قراءة عاصم ونافع لدى عامة الناس كما يلي: كان معيار اختيار قراءة لدى العلماء أن تكون تلك القراءة ذات ثلاثة شروط: ١- أن يكون لها وجه قوي ومعتبر من حيث قواعد العربية؛ ٢- أن تكون قابلة للتطبيق على رسم المصاحف العثمانية؛ ٣- أن يقبلها عامة الناس. والمراد بالوجه المقبول لدى عامة الناس هو الوجه الذي اتفق عليه أهل المدينة والكوفة أو أهل مكة والمدينة؛ وبالتالي، فإن القراءة المختارة لدى العلماء هي القراءة التي اتفق عليها نافع وعاصم؛ لذا، فإن قراءة هذين الاثنين لها أفضلية على كل قراءة أخرى، ولها أصح سند وأفصح لهجة في العربية (مكي بن أبي طالب، ١٤٣٢: ٨١). ومن المثير للاهتمام أنه من حيث مطابقة قراءة عاصم للمصاحف المكتوبة، لم يعترض عليها أي من علماء علم القراءات. بناءً على ذلك، وبالنظر إلى خصائص قراءة عاصم برواية حفص، والتي أولاً لم يُعمل فيها الاجتهاد الشخصي، وثانياً كانت موضع اهتمام جميع العلماء وكبار القراء وعامة الناس في مختلف العصور، وثالثاً تتطابق تماماً مع المصحف المكتوب، ورابعاً من الناحية السندية تعود هذه القراءة إلى أمير المؤمنين الإمام علي (ع)، وقد اعتبر جميع علماء علم القراءات سند هذه القراءة سنداً صحيحاً ومقبولاً، فإن هذه القراءة هي القراءة الوحيدة التي يجب أن يُقرأ القرآن وفقاً لها.

الخاتمة

بالنظر إلى أنه في مجال قراءة نص القرآن، حدثت اختلافات منذ زمن الصحابة والتابعين، وفي مواضع اختلاف القراءات، تبرز شبهة عدم تواتر القرآن، أقام العلماء المسلمون أدلة لإثبات تواتر القرآن دفاعاً عنه. وإحدى الطرق التي مال إليها معظم علماء أهل السنة منذ القرن السادس أو السابع الهجري، وسلك بعض علماء الشيعة طريقهم أيضاً، هي إثبات تواتر القرآن عن طريق إثبات تواتر القراءات؛ مع هذه الفرضية المسبقة بأن القراءات والقرآن لهما حقيقة واحدة. ولكن من خلال المباحث المطروحة، اتضح أن القول بتواتر القراءات لا يمكن إثباته من الناحية السندية، ولا يمكن الادعاء بالإجماع عليه؛ لأنه له مخالفون من علماء الشيعة وأهل السنة. كما أن ادعاء وجود حقيقة واحدة للقرآن والقراءات هو ادعاء غير قابل للإثبات، وليس فقط علماء الشيعة، بل بعض علماء أهل السنة أيضاً خالفوه. كذلك، كما مر، لا يوجد نص مكتوب أو منقول عن العلماء المتقدمين المسلمين يدعون فيه تواتر سند قراءتهم. بناءً على ذلك، فإن قبول مصطلح تواتر القراءات غير ممكن، والطريق المقبول الوحيد هو العودة إلى مصطلح العلماء المتقدمين، أي مصطلح شهرة القراءات. والمقصود بشهرة القراءات هو شيوع قبول القراءات في المجتمع الإسلامي في مختلف العصور، والقراءة التي تتوافق أكثر مع هذه النظرية من بين القراءات المنسوبة إلى النبي (ص)، وتتفوق على القراءات الأخرى من جوانب مختلفة، هي قراءة عاصم برواية حفص.

المصادر والمراجع

[تم حذف قائمة المراجع لأنها لا تندرج ضمن النص الأساسي وفقاً للتعليمات التي تركز على الملخص والمحتوى الرئيسي والهوامش.]

الهوامش

  1. أستاذ جامعة قم Ir.reza@moaddab (المؤلف المسؤول).
  2. خريج المستوى الثالث من المركز التخصصي لعلوم القرآن وتفسيره في الحوزة العلمية بقم. mohammadifardalireza@yahoo.com.
Scroll to Top