الملخص
يعتقد ريجي بلاشير، الباحث القرآني الفرنسي، بوجود تعدد في القراءات في صدر الإسلام. ومن وجهة نظره، كان اختلاف القراءات في بداية نزول القرآن أحد وجوه اختلاف المصاحف، وقد أدى هذا الأمر إلى إثارة الاختلاف في المجتمع، مما استدعى في نهاية المطاف توحيد المصاحف. بعد توحيد المصاحف، ظهر اختلاف القراءات بصورة جديدة نتيجة عوامل مثل ضعف الرسم الخطي وإعمال أذواق القراء، مما أدى بدوره إلى ظهور ظاهرة اختيار القراءات السبع على يد ابن مجاهد. ورغم أن آراء ريجي بلاشير تعكس بعض الحقائق في مسألة اختلاف القراءات، إلا أنها جديرة بالنقد الجاد؛ أولاً، لإرجاعه جذور اختلاف القراءات إلى عصر النبي الأكرم (ص)، وثانياً، لاستنادها بشكل أحادي على عقائد ومنقولات أهل السنة، ومنها الإيمان بنزول القرآن على الأحرف السبعة.
1. مقدمة
يعد موضوع القراءات القرآنية واختلافها وتعددها من المسائل التي حظيت باهتمام الباحثين القرآنيين، حيث تناولها العلماء المسلمون ومحققو الاستشراق كلٌ بطريقته الخاصة. وقد أسهم ريجي بلاشير، في مقدمته لترجمة القرآن إلى اللغة الفرنسية، في بحث مسألة اختلاف القراءات وعللها وعواملها، وظهور القراءات الأرجح ومعيارها، وأبدى اهتماماً بهذا الشأن وقدم نظريته فيه. إن معرفة معنى القراءات ومفهومها، وعوامل اختلافها، وتصنيفها عبر العصور، وتقييم صحة وسقم آراء بلاشير في تحليل اختلاف القراءات، هي من المسائل التي تتكفل هذه المقالة بمعالجتها.
2. ريجي بلاشير ودراساته القرآنية
ريجي بلاشير هو أحد العلماء الفرنسيين المعاصرين الذين لهم مؤلفات عديدة في مجال القرآن الكريم والأدب العربي وسائر مباحث العلوم الإسلامية (انظر: راميار، 1362: 2-3؛ بدوي، 1377: 132-134؛ حسيني طباطبائي، 1375: 108-112). وأهم آثاره في مجال القرآن هو ترجمته الكاملة للقرآن إلى اللغة الفرنسية. وقد بذل قصارى جهده لتكون ترجمته في مستوى الاعتدال وكمال الفصاحة، ولذلك، تُعد ترجمته من أفضل ترجمات القرآن إلى اللغات الأوروبية (راميار، 1362: 3). وقد ألحق بهذه الترجمة مقدمة بحثية حول تاريخ القرآن وعلومه، مما يظهر تبحره في الدخول إلى المباحث المتعلقة بالقرآن.1
استفاد ريجي بلاشير في دراساته القرآنية، بالإضافة إلى مراجعته للمصادر التاريخية والحديثية والتفسيرية للمسلمين، من آثار وأفكار المستشرقين الذين سبقوه، خاصة تيودور نولدكه الألماني، وسعى للظهور بمظهر الباحث المنصف والمحايد، وأن لا يكون دافعه منذ البداية التشكيك في القرآن وتشويه صورة الإسلام. وبحسب بعض المحققين، «لا يُلاحظ في آراء بلاشير أي من التوجهات المتطرفة لأمثال ويل، وكازانوا، وحتى جولد تسيهر وغيرهم… ونتيجة لذلك، يخلو كتابه من الهجمات الحادة والعشوائية التي كانت سائدة في مجتمع الاستشراق» (راميار، 1378: 5). وبهذا، يُعد بلاشير من بين المستشرقين الذين تناولوا دراسة الإسلام والأدب العربي والقرآن بدافع علمي (انظر: معارف، 1384: 42). ولكن، في الوقت نفسه، لا تخلو أبحاث بلاشير في مجال القرآن من الإشكالات عند مقارنتها بعقائد وتحليلات المسلمين؛ لأنه على الرغم من سعيه للتحلي بالحياد في دراساته الإسلامية، كان شديد التأثر بمعارضي الشيعة (راميار، 1378: 5). لذا، توجد أخطاء كبيرة في استنباطات بلاشير القرآنية، وقد أشار البعض إليها (راجع: حسيني طباطبائي، 1375: 121-112). وبسبب هذه الأخطاء في استنباطاته القرآنية، شكك بعض الباحثين في حسن نيته وحياده، وصنفوه ضمن المستشرقين الذين واجهوا الإسلام بدافع ديني تبشيري (زماني، 1386: 83). ويبدو أن الحكم المنصف هو ما قدمه المرحوم راميار حين كتب: «كان بلاشير غافلاً عن الإسهام العظيم للشيعة في الإسلام؛ ورغم أنه من الأساتذة المشهورين في العالم الغربي وسعى للالتزام بالحياد، إلا أنه في نهاية المطاف شخص غير مسلم وبعيد عن كنه وحقيقة الكثير من المطالب. ولهذا السبب، حيثما كان ذلك ضرورياً، فإن آراءه قابلة للنقد والتصحيح» (راميار، 1378: 5 مع بعض التلخيص والتصرف). في هذه المقالة، كما أشير سابقاً، ستتم دراسة ونقد وجهة نظر بلاشير بشأن قراءات القرآن واختلافها.
3. أركان نظرية بلاشير في مجال القراءات
تشتمل نظرية بلاشير في مجال القراءات على عدة مباحث، منها:
1-3. دراسة مفهوم القراءة ومنشؤها التاريخي
دون الخوض في بحث لغوي مستفيض، ترجم بلاشير كلمة “القراءة” بشكل غير دقيق إلى معنى “التلاوة”. وفي الوقت نفسه، اعتبر القراءة بمفهومها الأدق أنها التلاوة عن ظهر قلب سواء بمساعدة نص مكتوب أو بدونها، وبهذا ساوى بين القارئ والحافظ. ويرى أنه في القرنين الأولين من الإسلام، كان المقصود بالقارئ المسلم هو الشخص الذي يستطيع أن يقرأ آيات من القرآن عن ظهر قلب بأمانة كاملة وصوت جهور وبتجويد (بلاشير، 1378: 120-122). ومن وجهة نظر بلاشير، فإن علم القراءات له خلفية تاريخية متزامنة مع نزول الوحي، وكان قراء صدر الإسلام ينقلون فقط ما سمعوه من فم النبي (ص) دون أي تدخل أو تصرف، وكانوا يقومون بذلك بأكمل وجه من الوفاء. وعند تدوين المصحف في زمن أبي بكر، برز دورهم بشكل أفضل، وزادت أهميته عندما أصبحت قراءاتهم مدونة؛ وإن كانت تلك الكتابة ناقصة إلى درجة لا يمكن معها الاستغناء عن تعليمهم الشفهي (نفس المصدر، 122-123 مع قليل من التلخيص).
2-3. اختلاف القراءات ومراحله
اعتبر بلاشير اختلاف القراءات أمراً واقعياً، وتناوله على مرحلتين كما يلي:
1-2-3. اختلاف قراءة القرآن في عصر النبي الأكرم (ص)
من وجهة نظر ريجي بلاشير، تعود خلفية القراءات القرآنية المتنوعة إلى عصر النبي (ص). ويشير إلى هذه المسألة في مواضع عدة، منها مسألة جمع القرآن في زمن النبي. ويرى بلاشير أن أحد أسباب صعوبة جمع القرآن على يد النبي (ص) هو وجود تعدد القراءات في تلك الفترة، وتحاشي رسول الله (ص) تفضيل قراءة على أخرى (نفس المصدر، 43-44). كما يؤكد على كثرة عدد القراء في عصر النبي (ص) ويقر بمرجعية رسول الله (ص) في تعليم القراءات لأصحابه (نفس المصدر، 33). ونتيجة لذلك، يرى بلاشير أنه في تلك الفترة نفسها كان من الممكن وجود صور مختلفة لتلاوة النص الموحى به (نفس المصدر). وبناءً على هذه الرؤية، أشار بلاشير في مواضع متعددة من كتابه إلى حادثة اختلاف عمر وهشام بن حكيم في قراءة سورة الفرقان، وحكم رسول الله (ص) في رفع الخلاف بتأييد قراءة كل من الصحابيين (راجع: نفس المصدر، 43-45 النص والهامش). والنتيجة التي يمكن استخلاصها من هذه الشواهد هي أن قراءة القرآن في عصر النبي (ص) كانت أمراً سماعياً بحتاً، وأن جذور تعدد القراءات تعود إلى عصر النبي (ص). ويعزو بلاشير نشأة علم القراءة أيضاً إلى النقل الشفهي للقراءات السماعية للقراء، والتي يصل سندها في النهاية إلى أحد الصحابة البارزين. وفي هذا الصدد، حدد سند قراءة نافع المدني بناءً على شواهد تاريخية (نفس المصدر، 125-126 مع قليل من التلخيص). فهذه القراءة تصل إلى رسول الله (ص) عن طريق ابن ميمونة (مولى أم سلمة) عن أم سلمة وعدد من التابعين عن أبي هريرة وابن عباس (نفس المصدر).2 والنقطة الجديرة بالذكر في نظرية بلاشير هي أنه على الرغم من تصريحه بوجود تعدد القراءات في عصر النبي (ص)، فإنه لم يتحدث عن ماهية اختلاف القراءات في تلك الفترة.
2-2-3. اختلاف قراءة القرآن بعد وفاة النبي (ص)
يعتبر بلاشير اختلاف القراءات في عصر الصحابة أمراً تاريخياً، يشكل بحد ذاته أحد وجوه اختلاف المصاحف في تلك الفترة. ويطرح هذا الموضوع في مواضع متعددة من كتابه (راجع: 58، 59، 61، 62، و64)؛ ورغم اعتقاده بأنه «لم يبق من المصاحف القديمة سوى بضعة اختلافات في القراءات نقلتها الروايات، وهي أيضاً تفتقر إلى قيمة كبيرة» (نفس المصدر، 61). كما يصرح بأن «مصاحف الصحابة كانت مختلفة جداً في التفاصيل وفي القراءات؛ ومع ذلك، لا نعرف اليوم ما إذا كانت القراءات التي نُسبت لاحقاً إلى أُبي وعلي وابن مسعود وغيرهم تعود إلى هذا العصر أم لا. الكثير من هذه القراءات تعود إلى المصاحف الأولى. ويبدو أن إحداها لا تزال في متناولنا» (نفس المصدر، 68). ثم يقارن اختلاف قراءة سورة العصر في ثلاثة مصاحف موجودة: المصحف المنسوب إلى علي (ع) والمصحف المنسوب إلى ابن مسعود على النحو التالي:
قراءة القرآن الموجود: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.
القراءة المنسوبة إلى ابن مسعود: «والعصر ان الانسان لفي خسر وانه لفيه الى آخر الدهر الا الذين آمنوا و عملوا الصالحات و تواصوا بالحق و تواصوا بالصبر».
القراءة المنسوبة إلى علي (ع): «والعصر و نوائب الدهر ان الانسان لفي خسر و انه فيه الى آخر الدهر الا الذين آمنوا و عملوا الصالحات و تواصوا بالحق و تواصوا بالصبر».
بحسب اعتقاد بلاشير، كان اختلاف القراءة الموجود في مصاحف الصحابة أحد أسباب اختلاف المصاحف، والذي كان بدوره سبباً في نشوء الخلاف في المجتمع الإسلامي (نفس المصدر، 70). ورغم تصريحه بأنه «من المستبعد جداً أن يكون تغيير نص واحد ناتجاً عن ضعف وفتور في نقله، بل لا بد أن تكون مثل هذه القراءة موجودة منذ البداية» (نفس المصدر، 69)، إلا أنه يعتبر وجود اختلاف القراءات في مصاحف الصحابة الدافع الرئيسي لتوحيد المصاحف في خلافة عثمان؛ وهو عمل كان يجب أن يتم عاجلاً أم آجلاً، وأن يُنتج نصاً قرآنياً ثابتاً غير قابل للتغيير (نفس المصدر، 70).
جدير بالذكر أن المثال الذي أورده بلاشير في مقارنته بين المصاحف الثلاثة يوضح أنه يرى اختلاف القراءات في مصاحف الصحابة في حدود إضافات توجد في ذيل بعض الآيات في بعض المصاحف مقارنة بالمصحف الآخر.
3-3. العلل العارضة لتفاقم اختلاف القراءات القرآنية
مع أن بلاشير يعتبر القراءات أمراً سماعياً ويرجع جذور اختلافها إلى عصر النبي (ص)، ومن هذا المنطلق يرى أن تعدد القراءات هو نتيجة الوضع الطبيعي لنزول القرآن، إلا أنه لم يغفل عن تأثير عوامل أخرى في تفاقم اختلاف القراءات. وهذه العوامل هي:
1-3-3. عامل الكتابة بمعنى ضعف الرسم الخطي
لم يستبعد بلاشير تأثير الرسم الخطي الخاص بالقرآن في عصر النبي (ص) والصحابة كاحتمال في ظهور القراءات، وفي جزء من تقريره عن انتقال القراءات يكتب: «عند تدوين المصحف في زمن أبي بكر، برز دور القراء بشكل أفضل وزادت أهميتهم» أصبحت قراءاتهم مدونة، ولكن هذه الكتابة كانت ناقصة للغاية؛ بحيث لا يمكن الاستغناء عن تعليمهم الشفهي» (نفس المصدر، 123). وفي موضع آخر، يصف دور هذا الرسم الخطي في نشأة اختلاف القراءات بقوله: «لو كانت القراءات قد عُهد بها إلى الذاكرة وحدها، فهل كانت ستحفظ بشكلها الحالي؟ هذا أمر قابل للنقاش؛ لأننا سنرى أنه نادراً جداً ما تظهر الاختلافات التي نعرفها مثل هذا التضاد. لذا، يتبادر إلى الذهن أن الاختلافات القديمة جداً، التي تعود إلى العصر الأول، قد نشأت عن طريق الكتابة. بالطبع، بما أنه يبدو أن جميع آثار هذه المصاحف قد اندثرت اليوم ولم يبق منها أثر، فليس من الممكن أن نقول المزيد عن الفرضية الحذرة حول كتابة هذه المصاحف» (نفس المصدر، 69).
2-3-3. إجازة استعمال الكلمات المترادفة في مقام قراءة القرآن
يعتقد بلاشير في هذا الصدد، دون الإشارة إلى بحث نزول القرآن على الأحرف السبعة وجزئياته، أنه بعد تثبيت المصاحف العثمانية في المجتمع الإسلامي، مال البعض تدريجياً إلى استخدام كلمات مرادفة للقرآن في مقام قراءته، ويبدو أنهم كانوا يعتقدون بنظرية «القراءة بالمعنى»؛ أي أنه «لم تكن كلمات (كلام) القرآن هي المهمة في الواقع بالنسبة لبعض المؤمنين، بل المهم هو الاهتمام بروحها ومعناها. ومنذ ذلك الحين، إذا كانت الكلمات مترادفة ولا يوجد اختلاف آخر، كان اختيارها متساوياً. وبناءً على هذه النظرية، كانت القراءة حسب المعنى (القراءة بالمعنى) في الحقيقة خطيرة جداً؛ لأنها كانت تترك انتشار القرآن لأهواء ورغبات الأفراد؛ ولو لم تُعتبر هذه الطريقة بدعة، لأدت إلى ترسيخ وضع المصاحف المتشتتة» (نفس المصدر، 88). وفي هذا البحث نفسه، لا يرى بلاشير دخول عناصر غير عربية في المجتمع الإسلامي أمراً غير مرتبط بتفاقم اختلاف القراءات (نفس المصدر).
3-3-3. إعمال أذواق القراء وتدخّل الرأي في شأن القراءات
يقر بلاشير بتأثير الذوق والانتقاء في توسع القراءات ويعتقد: «منذ أواخر القرن الأول الهجري، اتخذ عمل القراء طابعاً تخصصياً، وأصبحوا يعتبرون القراءة مصدراً عادياً لعملهم، ومن هذا المنطلق تتضرر الأخلاق. في بداية القرن الثالث، أصبحت شهرتهم مشبوهة. وشيئاً فشيئاً، يأتي اليوم الذي يُعرفون فيه بأنهم أشخاص جهلة، جشعون وفاسقون. هذا الفساد يستلزم إصلاحاً، وهذا العمل تم في نهاية ذلك القرن» (نفس المصدر، 124). ورداً على سبب تسرب مثل هذا الفساد بين القراء، وبالتالي الشعور بضرورة الإصلاح في نظام القراءات، يعتقد بلاشير: «كان لدى البعض في تدوين علم القراءة القائم على الرواية عناية وحرص شديدان. وهنا يوجد تيار محافظ وعميق وقوي جداً، والذي انتصر في النهاية بقبول عام في مسار الشريعة الإسلامية. ولكن يجب القول: إن تطور القراءة يصطدم بعوامل أخرى لها في الأساس طابع ابتكاري أكبر. في هذا المسار، وقبل كل شيء، هناك دور أساسي يتعلق بالدراسات اللغوية من حيث الصرف والنحو وعلم اللغة. إذا كان التفسير وعلم القراءة، كما رأينا مراراً، أساس الصرف والنحو، ففي المقابل، تؤثر هذه العلوم أيضاً بدورها في تثبيت القراءة وتلاوتها؛ لذا، منذ البداية في البصرة، كان نشاط القارئ يختلط بجهد النحوي واللغوي» (نفس المصدر، 127).
4-3. بلاشير وظهور القراءات السبع
هنا يذكر بلاشير ظهور نظام خاص يسمى «نظام القراءة العقلي» الذي يمكن أن يثور ضد الهيمنة الشديدة للقراءة الروائية. لكن نظام القراءة العقلي نفسه متأثر بعوامل مختلفة تحتاج بدورها إلى دراسة، ولكن «بيان درجة تأثير هذه العوامل المختلفة عمل صعب. ويبدو أن كل هذه العوامل قد ظهرت في وقت واحد في منتصف القرن الثاني، وفي هذه الحالة يتم التوصل إلى عدة مبادئ. أحدها أن تكاثر القراء يصبح مقبولاً، والروايات تروي هذا التعدد أيضاً. والآخر أنه بعد مائة وخمسين عاماً من وفاة النبي (ص)، تنوعت القراءات وزادت إلى حد أنه من بين هذه الكتلة المختلطة، أصبحت معرفة قراءات معاصري النبي (ص) صعبة جداً» (نفس المصدر، 129).
يعتبر بلاشير ظهور القراءات السبع نتيجة لنظام نشأ في القرن الثالث الهجري في سياق إصلاح القراءات. وقد نجح هذا النظام في إنهاء الفوضى والاضطراب السائد في سوق القراءات. وكان مبتكر هذا العمل أبو بكر موسى بن مجاهد، شيخ القراء في عصره. ولكن ما هو معياره في اختيار القراءات السبع؟ يذكر بلاشير أولاً تقسيم القراءات في ذلك العصر إلى ثلاثة أنواع: المتواتر، والصحيح، والشاذ. ثم يذكر أن تحديد القراءات القانونية تم بناءً على مبدأين هما إقرار الإجماع وموافقة المصحف (نفس المصدر، 135). ويصرح بأنه «بعد تردد وشك، تم اختيار مجموعة من القراءات بالمعايير المذكورة، ورُفض الباقي كاستثناء» (نفس المصدر). ولكن ما الذي دفع ابن مجاهد إلى اختيار سبع قراءات فقط وترك باقي القراءات؟ جواب بلاشير كالتالي: «في حوالي منتصف القرن الثالث، لوحظ تيار قوي جداً يسعى إلى اعتبار سبعة قراء فقط ممثلين للقراءات القرآنية. وهذه الفكرة مدعومة أيضاً بالروايات. فبناءً على خبرين ينسبان إلى ابن عباس والخليفة عمر، أكد محمد (ص) شخصياً أن القرآن نزل على «سبعة أحرف». وقد أصبحت هذه الكلمة «أحرف» (جمع حرف) محيرة، وقُدم حوالي أربعين تفسيراً لها. ويبدو أن معنى «أحرف» هنا هو نفسه معنى القراءة. غالباً ما تستخدم هذه الكلمة بمعنى قريب من القراءة، وتعطي نفس المعنى باختلاف طفيف. أما بالنسبة لعدد سبعة، فبالإضافة إلى التأثير السحري الذي يتمتع به هذا العدد عند الساميين، والذي يصدق هنا أيضاً، فإنه لا يمكن أن يكون لهذا المصطلح معنى آخر سوى معنى غير محدد، أي «كمية كبيرة»» (نفس المصدر، 144). ودون أن يلتفت بلاشير إلى العلاقة بين تعيين القراءات السبع (الذي يُعتبر فيه العدد سبعة حقيقياً) و«الأحرف» (الذي يُفترض فيه أن العدد سبعة مجازي للدلالة على الكثرة)، يشير إلى المشكلات الناشئة عن هذا التحديد، ويكتب: «لا شك أن بعض المسلمين في ذلك العصر شعروا بالقيود التي يفرضها الحصر في هذا الرقم «سبعة»، وكيف أنه يتسبب في إخراج قراء معتبرين دون معارضة من تلك الدائرة. لماذا سبعة قراء وليس أكثر؟ بالطبع، قُدمت لاحقاً صيغ القراء العشرة والأربعة عشر، ولكن هذا العمل كان مجرد رد فعل على ذلك التحديد في سبعة. مع القراء العشرة، تصبح القراءة مستقرة وثابتة. في الواقع، لم يكن رفع اسم خلف من مرتبة ناقلي ورواة حمزة إلى رئاسة مدرسة قراءة مستقلة عن القراء العشرة عملاً غير لائق، وكذلك لم يكن الاعتراف بأبي جعفر كأستاذ له تلاميذ مثل نافع وأبي عمرو بن العلاء في المدينة عملاً جريئاً. ومع ذلك، يبدو أن المقاومة ضد ذلك كانت طويلة جداً، وربما لم يشعر أنصار القراءات العشرة أبداً بانتصارهم النهائي. في أوائل القرن التاسع، رأى ابن الجزري ضرورة إعلان شرعية طريقة أبي جعفر» (نفس المصدر، 144-145).
4. نقد ودراسة آراء بلاشير حول اختلاف القراءات القرآنية
مسألة قراءات القرآن واختلافاتها هي إحدى ذرائع المستشرقين التي يثيرون بها الشبهات حول أصالة القرآن الكريم ووحدة نصه (راجع: بيلي، 1404: 90-105 بعنوان «مواقف المستشرقين من القراءات»؛ جولد تسيهر، 1383: 30-74). ورغم أن مواقف ريجي بلاشير في موضوع القراءات لا تصل إلى حد إثارة الشبهات مثل جولد تسيهر3 (راجع: بيلي، 1404: 93-101)، إلا أنها لا تخلو في حد ذاتها من إلقاء شبهات تجاه القرآن. وفي هذا الخصوص، يكون الحكم العملي على النحو التالي:
تقدم آراء ريجي بلاشير حول ظهور القراءات المتعددة للقرآن في القرون الأولى حقائق قيمة، خاصة ما يطرحه حول علل اختلاف القراءات بعد وفاة النبي (ص) ونشوء وانتشار اختلاف القراءات حتى ظهور ابن مجاهد، فهي تتمتع بصحة تاريخية إجمالاً. ومع ذلك، فإن رؤية بلاشير في مجال القراءات تحتاج إلى نقد جاد من عدة جوانب، أهمها ما يلي:
1-4. تأصيل اختلاف القراءات في عصر النبي (ص)
يعتقد بلاشير أن جذور اختلاف القراءات تعود إلى عصر النبي (ص)، وأن النبي في حياته كان يؤيد ويقر قراءات كل صحابي رغم اختلافها مع قراءة صحابي آخر، أو يمتنع عن تسجيل قراءة دون ترجيحها على أخرى. ومن الواضح أن هذا الرأي هو نفسه العقيدة المشهورة لدى أهل السنة، الذين يعتقدون بنزول القرآن على «الأحرف السبعة» ويعتبرون رسول الله (ص) هو من أقر القراءات. وفي هذا الصدد، فإن تأثر بلاشير بروايات أهل السنة واضح تماماً، ولكن صحة هذه العقيدة تتطلب إثبات أمرين:
أ) النزول القطعي للقرآن على الأحرف السبعة. ب) مساواة الأحرف السبعة بالقراءات السبع.
إلا أن الرجوع إلى آراء علماء علوم القرآن، وخاصة المحققين الشيعة المعاصرين، يظهر أن أياً من المطلبين المذكورين ليس مسلّماً به؛ ففيما يتعلق بنزول القرآن على الأحرف السبعة، يتعارض هذا الموضوع مع روايات تؤكد على نزول القرآن على حرف واحد (راجع: الكليني، 1363: 2، 630)4، كما أنه لا يمكن تبريره بالإجراءات التي تُنسب إلى عثمان في قضية جمع القرآن، حيث أمر في عهده بتوحيد المصاحف وجمع القرآن على قراءة واحدة بسبب انتشار اختلاف مصاحف الصحابة واختلاف قراءات القرآن. وبحسب قول ابن الجزري، فإن «جمهور العلماء قديماً وحديثاً على أن المصاحف العثمانية كتبت على حرف واحد فقط من الأحرف السبعة، وهذا الحرف يطابق العرضة الأخيرة للقرآن من قبل رسول الله (ص) على جبريل» (ابن الجزري، بلا تاريخ: 1، 13؛ راجع: السيوطي، 1363: 1، 177).
أما بخصوص مساواة الأحرف السبعة بالقراءات السبع، فيجب القول أولاً، بحسب علماء أهل السنة، إن هناك خلافاً في الرأي بين العلماء حول تفسير ماهية الأحرف السبعة، وفي هذا الخصوص – كما أشار بلاشير نفسه – طُرح ما يصل إلى أربعين احتمالاً، ليس أي منها قطعياً (راجع: الزركشي، 1391: 1، 213؛ السيوطي، 1363: 1، 164-176؛ مؤدب، 1386: 147؛ الإبهام والحيرة في معنى سبعة أحرف عند علماء أهل السنة). ثانياً، بالنظر إلى عدم وضوح ماهية الأحرف السبعة، فإن مساواتها بالقراءات السبع يعد تسامحاً فاحشاً كشف عنه كبار علماء الشيعة والسنة. وبحسب قول آية الله معرفت، فإن العديد من العلماء المحققين والنقاد مثل ابن الجوزي، وأبو شامة، والزركشي، وأبو محمد مكي، وابن تيمية وأمثالهم قد ردوا هذه الشائعة. وقد نسب ابن الجزري هذا الوهم إلى العوام والجهلة الذين لا علم لهم (راجع: معرفت، 1378: 214-216). كما اعتبر المحققون الشيعة مساواة الأحرف السبعة بالقراءات السبع وهماً حدث لبعض الناس بعد مبادرة ابن مجاهد باختيار سبع قراءات، وقد وجهوا انتقادات لابن مجاهد لأنه ساهم في ظهور هذا الوهم باختياره لسبع قراءات (راجع: الخوئي، 1408: 177-178؛ العسكري، 1415: 2، 121-135؛ معارف، 1383: 211-214: ردود فعل مختلفة تجاه مبادرة ابن مجاهد).
2-4. علاقة اختلاف القراءات باختلاف مصاحف الصحابة
يعتبر بلاشير اختلاف القراءات أحد وجوه التمايز بين مصاحف الصحابة، ويعلن أن مصاحف الصحابة كانت مختلفة في التفاصيل، وخاصة في القراءات. ويرجع أصل هذه العقيدة إلى الروايات المتبقية حول المصاحف المختلفة، وفي الوقت نفسه يؤكد أنه ليس من المعلوم مدى صحة وقيمة هذه الروايات التاريخية (راجع: بلاشير، 1378: 67-68). والسؤال المطروح هو: عندما تكون صحة هذه الروايات مشكوكاً فيها حتى من وجهة نظر بلاشير، فكيف حكم وقضى بوجود مصاحف مختلفة واختلافاتها في مجال القراءات؟ الجدير بالذكر أنه من وجهة نظر محققي أهل السنة، لا يمكن إنكار أصل وجود مصاحف الصحابة واختلافاتها في ثلاثة مجالات: عدد السور، وترتيب السور، واختلاف اللهجات والقراءات والزيادات التفسيرية؛ ولهذا السبب، قاموا في الماضي بتأليف كتب تسمى «المصاحف» أو «اختلاف المصاحف»، ولم يبق من بين هذه الآثار سوى كتاب المصاحف لأبي بكر بن أبي داود السجستاني (خرمشاهي، 1377: 2، 2064).
كما قام بعض الباحثين القرآنيين المعاصرين، بالاعتماد على أخبار تاريخية متناثرة، بدراسة وجوه اختلاف مصاحف بعض الصحابة مثل عبد الله بن مسعود، وأُبي بن كعب، وعلي (ع) وغيرهم (راجع: راميار، 1362: 361، 362، 358، 348، 272 و380). وتشير مراجعة كتاب المصاحف لابن أبي داود كوثيقة متبقية إلى وجود مصاحف للصحابة واختلافاتها. كما تظهر الأخبار التي تتحدث عن اختلاف مصاحف الصحابة أن الروايات التاريخية في هذه الآثار غالبًا ما تكون مرسلة، وفي الوقت نفسه توجد اختلافات شديدة بينها؛ بحيث لا يمكن بالاعتماد على هذه الأخبار المبالغة في وجود واقع يسمى مصاحف الصحابة واختلافاتها، بل يجب ألا نغفل عن النوايا السيئة لمستشرقين مثل جولد تسيهر في كتاب “مذاهب التفسير الإسلامي” أو آرثر جيفري في “تصحيح المصاحف” لابن أبي داود (العسكري، 1415: 2، 744-745).
تتجلى أهمية البحث عندما نأخذ في الاعتبار حساسية ودقة المسلمين في منع زيادة أو نقصان آيات القرآن؛ لذا لا يمكن بسهولة نسبة اختلاف العبارات القرآنية، سواء كان قليلاً أو كثيراً، كقطع من سورة العصر إلى مصاحف الصحابة، إلا إذا اعتبرناها من باب الزيادات التفسيرية التي تم تسجيلها في مصحف ما. وفي كتاب “مقدمتان في علوم القرآن”، سُجل مثال على حساسية المسلمين الأوائل بهذه الطريقة: روي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: رأيت ثلاثة مصاحف. مصحف كانت فيه قراءة ابن مسعود، ومصحف يظهر قراءة أُبي بن كعب، ومصحف كان على أساس قراءة زيد. لم أجد في هذه المصاحف الثلاثة شيئًا يخالف بعضه بعضًا في الآيات (صاحب المباني، 1954: 4). ثم يستنتج مؤلف “المباني” أن هذا الاستدلال دليل واضح على صحة ادعائنا في عدم اختلاف المصاحف مع بعضها البعض، وبطلان دعاوي المخالفين والمعاندين لنا (نفس المصدر). بالإضافة إلى السند التاريخي المذكور، هناك موضوع لم يبحث فيه بلاشير وغيره من المستشرقين، وهو انتشار تعليم وقراءة القرآن في عصر النبي (ص)، وبالتالي تمتع القرآن بنقل متواتر بين المسلمين (راجع: معارف، مباحث في تاريخ وعلوم القرآن، الفصل السابع: تعليم القرآن في سيرة رسول الله (ص)).
3-4. اختلاف القراءات وجواز استعمال الكلمات المترادفة
في نقد هذا الموضوع القائل بأن بعض المسلمين بعد تثبيت المصاحف العثمانية كانوا يستخدمون كلمات مترادفة عند قراءة القرآن، يكتب عبد الصبور شاهين: «أخطر كلام حول القرآن هو ما يقوله بلاشير: إن المسلمين كانوا مجازين بقراءة القرآن بالمعنى لا بالحروف والنصوص… في الواقع، إباحة قراءة حرف بدل حرف آخر (القراءة بالمعنى) كانت رخصة مؤقتة في عهد النبي (ص) للتيسير والتسهيل، وذلك بناءً على القراءة التي تعلمها الفرد. وقد انتهت هذه الظروف في عهد عثمان» (شاهين، 1966: 85).
ولكن، بحسب قول أحد المحققين، فإن عبد الصبور شاهين في رده على كلام بلاشير يشير إلى رخصة النبي (ص)، ولكن ليس من المعلوم بأي سند ينسب مثل هذه الرخصة إلى النبي (ص). هل معنى هذه الرخصة المزعومة شيء غير عدم ثبوت النص القرآني؟ حتى لو كان في فترة قصيرة؟ أساساً، لو لم يذكر العلماء المسلمون مثل هذه الرخصة التي وجودها مجهول، لما سمح المستشرقون لأنفسهم أبداً بأن يعلنوا على أساسها أن نص القرآن غير مستقر (مؤدب، 1386: 157).
4-4. ارتباط اختلاف القراءات بتأثير الرأي والقياس
ما أورده بلاشير بخصوص تأثير الرأي والقياس أو تأثير العلوم الأدبية في نشأة وانتشار القراءة هو قول صحيح، وقد أكد عليه بعض العلماء المسلمين أيضاً (راجع: العسكري، 1415: 2، 263؛ معرفت، 1397: 2، 31). وضمن إقراره بحضور ونشاط القراء وطريقتهم في النقل السماعي للقراءات، وكذلك سعيهم للوفاء بالنظام التقليدي، يتناول في الوقت نفسه بحث نشأة المذاهب الفقهية والكلامية في القرنين الثاني والثالث، ويذكر نظاماً تحت عنوان “نظام القراءة العقلي” في مقابل “نظام القراءة الروائي”، ويبحث انعكاساته في تفاسير القرآن؛ بحيث أن «تفسير الكلمة بالمفهوم الإسلامي، طالما لم يقع تحت تأثير الإلهيين (المعتزلة)، يحافظ تماماً على جانبه التقليدي (الروائي)، ولكن بعد ذلك، لا يمكن للتفسير أن يكتفي بأخبار القدماء فقط. ولهذا السبب، يبحث عن مستندات أخرى تتوافق أكثر مع الموازين العقلية. رافضي، عالم إلهي (كلامي) أو فقيه أكثر افتتاناً بالمنطق، يسعى إلى استنباط ما هو أكثر موافقة لعقيدته من بين التعابير المختلفة التي يمكن أن تُستخرج من كلمة بدون نقط وعلامات (إعراب وإعجام). وبهذه الطريقة، ينشأ نظام القراءة العقلي المحض، الذي يمكنه (غالباً) بشكل مفيد أن يثور ضد الهيمنة الشديدة للقراءة الروائية».5 (نفس المصدر، 128-129؛ لمزيد من المعلومات حول تأثير الرأي والاجتهاد في انتشار القراءات، راجع: معارف، مباحث في تاريخ وعلوم القرآن، 206، اختلاف القراءات بعد إصلاح الرسم الخطي للقرآن).
1-4-4. تصنيف القراءات من وجهة نظر بلاشير
تقسيم القراءات إلى ثلاثة أنواع: المتواتر، والصحيح، والشاذ من قبل بلاشير – الذي ينسبه إلى أئمة القراءات – ليس تقسيماً جامعاً ومانعاً، بحيث ذكر محمود راميار أيضاً أن القراءات تُقسم إلى ستة أقسام هي: المتواتر، والمشهور، والآحاد، والشاذ، والموضوع، وشبيه «المدرج» (راجع: راميار، 1378: 135 هامش؛ فضلي، بلا تاريخ: 81-86). والجدير بالذكر أنه لقبول أي قراءة، هناك ثلاث قواعد وضوابط تحظى باهتمام القراء:
أ) الموافقة لرسم المصحف العثماني؛
ب) التوافق مع أصول اللغة العربية؛
ج) التمتع بسند صحيح (ابن الجزري، بلا تاريخ: 1، 43؛ أيضاً راجع راميار، 1378: 134 هامش).
بناءً على ذلك، فإن ما أعلنه بلاشير كمعيارين قانونيين للقراءات (إقرار الإجماع والموافقة على المصحف) هو المعايير اللازمة من قبل ابن مجاهد، وليست كافية.
2-4-4. معيار الاختيار القرائي عند بلاشير
ولكن ما هو السند الرئيسي للقراءات السبع؟ ولماذا برزت من بين هذه القراءات قراءات معينة مثل قراءة عاصم أو قراءة نافع؟ يفسر بلاشير اختيار كل قارئ بأنه تابع لإجماع العلماء أو القراء الآخرين. وبعد نقله لكلام نافع المدني الذي قال «تعلمت القراءة على سبعين من التابعين» أو «كل قراءة اتفق عليها اثنان (أستاذان) ضبطتها، وكل قراءة تركها أحدهما تركتها»، يكتب: «نتيجة لهذه الطريقة، تكتسب العديد من القراءات القابلة للنقاش سنداً؛ لذلك، سُعي إلى اعتبار «إجماع العلماء» مقبولاً من خلال إلباسه ثوب إجازة الأساتذة الأوائل (الصحابة)» (بلاشير، 1378: 131).
بلاشير نفسه واعٍ لتزعزع هذا المعيار؛ لذا يصرح في موضع آخر: «سرعان ما يُشعر بأن هذا التسامح سيحمل في طياته خطراً كبيراً؛ مثلاً، في بعض الحالات، يقع الإجماع في مقابل القياس» (بلاشير، 1378: 132).
النقد الموجه إلى هذا الجزء من آراء بلاشير هو أنه لم يولِ اهتماماً أبداً لمفهوم يُعرف بقراءة القرآن المتواترة – سواء داخل القراءات السبع أو خارجها – ومن هذا المنطلق، لا يقدم تحليلاً واضحاً بخصوص تفوق بعض القراءات السبع على غيرها – مثل قراءات نافع المدني وعاصم الكوفي (راجع: معارف، 1383: 215).
5. الخاتمة
1-5. يمكن تقسيم اختلاف القراءات في رأي بلاشير إلى نوعين: اختلاف طبيعي واختلاف عارض. النوع الأول، القائم على نزول القرآن على الأحرف السبعة، له جذور في عصر النبي (ص). والنوع الآخر نشأ بسبب ضعف الرسم الخطي للقرآن وتدخل عوامل الرأي والاجتهاد بعد توحيد المصاحف.
2-5. رأي بلاشير في نسبة اختلاف قراءة القرآن إلى عصر النبي (ص) قابل للنقد. ورأيه بخصوص اختلاف مصاحف الصحابة من منظور اختلاف القراءات فيه مبالغة وتضخيم. أما استنتاجه بخصوص انتشار اختلاف القراءات بعوامل مثل ضعف الرسم الخطي للقرآن وإعمال أذواق القراء فهو مقبول.
3-5. تكمن جذور الانتقادات الموجهة إلى آراء ريجي بلاشير في مراجعته الأحادية لمصادر أهل السنة وآراء المستشرقين الذين سبقوه، وعدم اهتمامه بالمصادر والآراء الشيعية.
الهوامش
1. جدير بالذكر أن لبلاشير كتاباً بعنوان «مدخل إلى تاريخ القرآن». يتضمن هذا الكتاب مباحث في علوم القرآن، وقد ترجمه الدكتور أسد الله مبشري إلى الفارسية، وهو أحد آثار بلاشير القرآنية. وكتاب «في رحاب القرآن» الذي هو مقدمة لترجمته للقرآن، كان في البداية مصاحباً لترجمة القرآن ثم أعيد طبعه كأثر مستقل بعد مراجعة أساسية في عام 1958م. وقد ترجم هذا الكتاب إلى الفارسية الدكتور محمود راميار. ↩
2. نقل المرحوم الدكتور راميار سنداً آخر لقراءة نافع عن طريق أبي بن كعب، وأبي هريرة، وابن عباس، وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، وهؤلاء عن يزيد بن قعقاع، وعبد الرحمن بن هرمز و… انظر: المصدر نفسه، 126، حاشية. ↩
3. بخصوص آراء جولد تسيهر حول اختلاف القراءات ونقدها، راجع: معارف، مقال «دراسة آراء جولد تسيهر حول اختلاف قراءات القرآن الكريم». ↩
4. إحدى هذه الروايات هي: «قال الفضيل بن يسار: قلت لأبي عبد الله (ع): إن الناس يقولون إن القرآن نزل على سبعة أحرف. فقال الإمام: كذب أعداء الله، ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد». (الكليني، 1363: 2، 630). ↩
5. ورد في كلام بلاشير تعبير «الرافضي»، وليس من الواضح من يقصدهم. ومن المؤكد أنه في استخدام هذا التعبير اتبع أهل السنة، وهو في الحقيقة لم يكن على دراية بغرضهم وظروفهم في استخدام هذا التعبير. ↩