الملخص
تأمر الآية ٢٠٤ من سورة الأعراف المستمعين لقراءة القرآن بالسكوت والاستماع. وقد خضعت هذه الآية للدراسة والبحث في موارد متعددة في التفسير والفقه، وعُرِضَت حولها آراء مختلفة. من جملتها: وجوب السكوت والاستماع في الصلاة وخارجها، ووجوبه في صلاة الجماعة واستحبابه خارجها، أو وجوبه حين نزول القرآن؛ كما اعتبر بعض المفسرين الاستماع كناية عن العمل بمحتوى الآيات. وقد استُدِلّ على وجوب الاستماع والسكوت بظاهر الآية المذكورة، والآية ٢١ من سورة الانشقاق، وبالأحاديث، كما استُدِلّ على عدم الوجوب بالإجماع والأحاديث وجملة «لعلكم ترحمون» ذيل الآية. وقد خلص هذا البحث بعد دراسة أدلة الطرفين وفق منهج تحقيقي تفسيري وفقهي إلى أن وجوب السكوت والاستماع يشمل الصلاة وغيرها من الحالات.
مقدمة
القرآن الكريم هو الكتاب السماوي والمعجزة الخالدة للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وله احترام وحرمة خاصة بين المسلمين؛ لذا، يجب رعاية حرمة المصحف واحترامه وكذلك قراءته. وقد وردت في هذا الشأن أوامر في القرآن والأحاديث. من جملة هذه الموارد لزوم السكوت والاستماع حين قراءة آيات القرآن، وهو ما سيتناوله هذا البحث بالدراسة لتبيين وجوبه أو استحبابه بناءً على الآيات والروايات. وبالطبع، سيتم في هذا المجال الاستفادة من المناهج التفسيرية، كمنهج التفسير الروائي، وكذلك منهج التحقيق الفقهي.
دراسة المفهوم
لفظة «الاستماع» من جذر «سمع» بمعنى الإصغاء، وإن كان بغير فهم للمعنى، ولكن عندما يرد في باب الافتعال، فإنه يفيد معنى الإصغاء لشيء ما بدقة وعناء وفهمه، بحيث يكون القصد متوفراً فيه (الفيومي، المصباح المنير، ١٤١٤: ٢/ ٢٨٩، مادة «سمع»). ويرى الراغب الأصفهاني أن الاستماع بمعنى الإصغاء (الراغب الأصفهاني، المفردات، ١٣٣٢: ١/ ٤٢٦)، وصاحب «لسان العرب» يرى أن الإصغاء هو تمام الميل بالسمع نحو الشيء. ثم يقول: تُقال عبارة «أصغت الناقة» في وصف الناقة عندما تخفض رأسها نحو سائقها (ابن منظور، لسان العرب، ١٤٠٨: ١٤/ ٤٦١ (أصغيت إلى فلان إذا ملت بسمعك نحوه))؛ أي إنه يتضمن نوعاً من الخضوع والطاعة العملية. وأما لفظة «الإنصات» من جذر «نصت» فهي بمعنى السكوت (ابن الأثير، النهاية، ١٣٦٤: ٢/ ٦٠٧؛ ابن منظور، لسان العرب، ١٤٠٨: ٢/ ٩٨)؛ وبناءً عليه، يمكن أن يكون الإنصات مقدمة للاستماع، وهناك فرق بينهما؛ فالأول هو السكوت، والثاني هو السماع المصحوب بالفهم والإدراك والطاعة.
خلفية البحث
ورد في القرآن الكريم (الأعراف/ ٢٠٤) وأحاديث أهل البيت عليهم السلام (راجع: الحر العاملي، وسائل الشيعة، ١٤٠٩: ٦/ ٢١٥ وما بعدها؛ المجلسي، بحار الأنوار، ١٤٠٤: ١٨/ ٦١٥ وما بعدها) كلام حول حكم السكوت والاستماع عند سماع آيات القرآن؛ ولذا وردت في التفاسير القديمة مثل تفسير العياشي، و«التبيان» (الشيخ الطوسي، التبيان، بي تا: ٥/ ٦٨) للشيخ الطوسي (ت ٤٦٠ ق)، و«مجمع البيان» (الطبرسي، مجمع البيان، ١٣٧٢: ٤/ ٧٩٢) للطبرسي (ت ٤٦٨ ق)، وكذلك في كتب فقه القرآن مثل «فقه القرآن» للراوندي (الراوندي، فقه القرآن، ١٤٠٥: ١/ ١٤٢) (ت ٥٧٣ ق)، و«أحكام القرآن» للجصاص (الجصاص، أحكام القرآن، ١٤١٥: ٤/ ٢١٦) (ت ٣٠٥ ق) مطالب في هذا الشأن. كما وردت مطالب مفصلة في كتب الفقه مثل «العروة الوثقى» (اليزدي، العروة الوثقى، فصل في أحكام الجماعة، المسألة الأولى) للسيد كاظم اليزدي (ت ١٣٣٧ ق) و«مستمسك العروة الوثقى» (الحكيم، مستمسك العروة الوثقى، ١٤٠٤: ٧/ ٢٥٠) للسيد محسن الحكيم (ت ١٣٩٠ ق) وغيرهما، وذلك ضمن مبحث صلاة الجماعة.
تفسير الآيات ذات الصلة
أ) الآية ٢٠٤ من سورة الأعراف
﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾؛ «وإذا قُرئ القرآن، فاستمعوا إليه بإنصات لعلكم تُرحمون».
وقد نُقِل في شأن نزول هذه الآية سببان:
الأول: أنه في بداية الإسلام، كان بعض المسلمين يتكلمون أحياناً في الصلاة، فمنعتهم الآية من الكلام أثناء قراءة القرآن (الحمد والسورة). كما حُكي أن النبي كان يتلو القرآن، وكان شاب من الأنصار يقرأ معه بصوت مرتفع، فنزلت هذه الآية ومنعته من ذلك (الواحدي، أسباب النزول، ١٤١١: ٢٣٣؛ المجلسي، بحار الأنوار، ١٤٠٤: ٨٥/ ٢٢؛ الراوندي، فقه القرآن، ١٤٠٥: ١/ ١٤١).
نقاط حول الآية
١. هذه الآية وإن كان لها شأن نزول خاص، إلا أنها لا تختص به؛ إذ إنها تبين مطلباً كلياً وتدعو الجميع إلى السكوت والإنصات لقراءة القرآن.
٢. في هذه الآية، حُدِّدَت للناس وظيفتان عند قراءة القرآن: الأولى أن يسكتوا ويصغوا لقراءة القرآن. الثانية أن يستمعوا لآيات القرآن بجد ودقة. فـ«أنصتوا» تعني السكوت مع الإصغاء، و«استمعوا» من باب الافتعال تعني الإصغاء مع الدقة (مكارم الشيرازي، تفسير نمونه، ١٣٧٤: ٧/ ٧٠).
٣. «لعل» التي بمعنى «عسى»، تفيد هنا وجود مقتضي الرحمة الإلهية؛ أي أن السكوت والإنصات لآيات القرآن يهيئان الأرضية لنزول الرحمة الإلهية على الإنسان، ولكن تلزم شروط أخرى كالعمل بالقرآن أيضاً.
٤. ذهب بعض مفسري القرآن إلى أن مقصود الآية هو سماع آيات القرآن وإدراك مفاهيمها والوقوف على إعجازها؛ لأن هذه الآية جاءت في سياق الحوار مع المشركين في الآيات (الفاضل المقداد الميسوري، كنز العرفان، ١٣١٣: ١/ ١٩٥)، ولا مانع من أن يكون لها مفهوم واسع يشمل هذا المعنى أيضاً.
٥. يرى بعض المفسرين أن التعبير بـ«له» في «فاستمعوا له» بدلاً من «إليه» جاء ليفيد معنى: لم يقل اسمعوا القرآن أو استمعوا إلى القرآن، بل قال: «له» (للقرآن)، أي سماعاً يليق بهذا الكتاب الإلهي ويناسبه، وهو السماع المصحوب بالتدبر والعمل بمقتضاه (الصادقي، تفسير الفرقان بالقرآن والسنة، ١٣٦٣: ٣٠/ ٢٥٣-٢٤٩؛ ١٢/ ١٠٧-١٠٦). ومثل هذا المطلب منقول عن الزجاج في المفسرين المتقدمين، حيث يرى أن المقصود بـ«الاستماع» هو العمل بمحتوى القرآن (فخر الرازي، تفسير مفاتيح الغيب، ١٤٢٠: ٣/ ٢٣٢). على كل حال، يبدو أن الفرق الأساسي بين السكوت (الإنصات) والاستماع يكمن في نقطتين: الأولى أن الاستماع هو سماع مع دقة وفهم، والثانية أن الاستماع يتبعه عمل بمقتضى القرآن، وقد لا يشمل السكوت هذين الأمرين.
ب) الآيتان ٢٠-٢١ من سورة الانشقاق
﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾؛ «فما لهؤلاء الكفار لا يؤمنون؟! وإذا يُتلى عليهم القرآن لا يسجدون؟!»
نقاط حول الآيتين
١. هذه الآيات توبّخ الكفار على عنادهم وإعراضهم عن الإيمان والتواضع أمام قرآن يبين لهم هذه الحقائق السامية وقد ظهر إعجازه.
٢. المقصود بـ«السجدة» في هذه الآيات هو الخضوع والتسليم والطاعة؛ وإن كانت السجدة الاصطلاحية أحد مصاديقها. وقد حُكي أن النبي كان يسجد كلما قرأ هذه الآيات. ومن الناحية الفقهية أيضاً، المشهور هو استحباب السجود عند قراءة هذه الآية (المغربي، دعائم الإسلام، ١٣٨٥: ١/ ٢١٤؛ المجلسي، بحار الأنوار، ١٤٠٤: ٨٢/ ١٧١)؛ بالطبع يرى فقهاء أهل السنة وجوب السجود هنا (مكارم الشيرازي، تفسير نمونه، ١٣٧٤: ٢٦/ ٣١٨).
٣. قال بعض المفسرين إن هذه الآيات ليست من آيات السجدة التي يجب عند سماعها السجود، فالمقصود بالسجود كمال الخضوع، أي السكوت والاستماع (صادقي، تفسير الفرقان بالقرآن والسنة، ١٣٦٥: ٣٠/ ٢٥٠). ولكن يبدو أن السكوت والاستماع هو أحد مصاديق الخضوع للمتكلم أو من لوازمه؛ وبناء عليه، ليس في الآية صراحة في الوجوب.
الآراء حول حكم الاستماع والسكوت عند قراءة القرآن
حول حكم السكوت والاستماع عند سماع قراءة القرآن، هناك عدة أقوال وآراء بين الفقهاء والمفسرين، يمكن إجمالها في خمسة أقوال:
أ) وجوب السكوت والاستماع عند سماع آيات القرآن سواء في الصلاة (الواجبة أو المستحبة) أو خارجها؛ وهذا رأي بعض علماء أهل السنة والشيعة.
- السيد قطب في تفسير «في ظلال القرآن» ذيل الآية ٢٠٤ من سورة الأعراف يكتب: «الأقرب أن يكون ذلك عاماً لا يخصصه شيء» (سيد قطب، تفسير في ظلال القرآن، ١٤٢٥: ٣/ ١٣٨٦).
- صديق حسن خان ومحمد صديق في تفسير «فتح البيان في مقاصد القرآن» قائلان بوجوب السكوت والاستماع في كل حال (حسن خان ومحمد صديق، فتح البيان في مقاصد القرآن، ١٤٢٠: ٢/ ٦٣٩).
- صاحب تفسير «الفرقان» قائل بوجوب السكوت والاستماع في الصلاة وخارجها ما لم يصل إلى حد العسر والحرج (صادقي الطهراني، الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنة، ١٣٦٥: ١٢/ ١٠٦؛ ٣٠/ ٢٥٣-٢٤٩).
- كلمات العلامة الشعراني تشير إلى هذا المطلب أيضاً (العلامة الشعراني، پژوهشهاي قرآني، ١٣٨٦: ٢/ ٥٧٧).
ب) وجوب السكوت والاستماع في الصلاة (الواجبة أو المستحبة)
نُسب هذا القول إلى ابن عباس، وابن مسعود، وأبي هريرة، وسعيد بن جبير (الشيخ الطوسي، التبيان، بي تا: ٥/ ٦٧)، كما نُسب إلى القرطبي، المفسر الكبير من أهل السنة، هذا القول أيضاً (راجع: سيد قطب، تفسير في ظلال القرآن، ١٣٨٦: ٣/ ١٤٢٥).
ج) وجوب السكوت والاستماع عند سماع قراءة القرآن في صلاة الجماعة
بناءً على هذا القول، يكون السكوت والاستماع واجباً في الصلوات الواجبة عندما يقرأ إمام الجماعة السورة بصوت مرتفع (أي في الصلوات الجهرية). وقد ألحق البعض بهذا خطبتي صلاة الفطر والجمعة. ولعل ذلك لأن كل خطبة بحكم ركعة من الصلاة؛ وعليه، يكون السكوت والاستماع مستحباً في الصلوات المستحبة وفي غير أوقات الصلاة. ويُستفاد هذا المطلب من مضمون كلام بعض مفسري وفقهاء الشيعة والسنة مثل الشيخ الطوسي في تفسير «التبيان» (الشيخ الطوسي، التبيان، بي تا: ٥/ ٦٨)، والطبرسي في «مجمع البيان» (الطبرسي، مجمع البيان، ١٤٠٤: ٤/ ٧٩٢)، وفخر الرازي في «التفسير الكبير» (فخر الرازي، مفاتيح الغيب، ٣/ ٢٣٢)، والجصاص في «أحكام القرآن» (الجصاص، أحكام القرآن، ١٤١٥: ٤/ ٢١٦)، والعلامة الطباطبائي في «تفسير الميزان» (الطباطبائي، الميزان، ١٤١٧: ٨/ ٣٨٢-٦)، وآية الله مكارم في «تفسير نمونه» (مكارم الشيرازي، تفسير نمونه، ١٣٧٤: ٧/ ٧١). ويكتب السيد كاظم اليزدي في «العروة الوثقى»: «وأما في الأوليين من الجهرية فإن سمع صوت الإمام ولو همهمة وجب عليه ترك القراءة بل الأحوط والأولى الإنصات». ويتبنى السيد محسن الحكيم في «مستمسك العروة الوثقى» ذيل كلام صاحب العروة هذا القول نفسه (الحكيم، مستمسك العروة الوثقى، ١٤٠٤: ٧/ ٢٥٥).
د) وجوب السكوت والاستماع عند سماع قراءة القرآن وقت نزول القرآن
نقل فخر الرازي هذا الرأي عن بعض الأفراد (فخر الرازي، مفاتيح الغيب، ١٤٢٠: ٣/ ٢٣٢).
هـ) المقصود من الاستماع عند سماع قراءة القرآن هو العمل بمحتوى الآيات
نَسب فخر الرازي هذا الرأي إلى الزجاج (راجع: فخر الرازي، تفسير مفاتيح الغيب، ١٤٢٠: ٣/ ٢٣٢). وبالطبع، لهذا الرأي شواهد في اللغة والتفسير فيما يتعلق بـ«الاستماع». ولكن لا مانع من أن يكون المراد من الاستماع هو السماع بدقة وفهم، ولازمه هو العمل بالقرآن؛ لأن أحدهما معنى ظاهر للفظ والآخر معنى كنائي، أو من باب استعمال اللفظ في أكثر من معنى، وهو جائز في التفسير (راجع: رضائي أصفهاني، منطق تفسير قرآن (١)، ١٣٨٥: مبحث استعمال لفظ در بيشتر از يك معنا). وبالرغم من وجود خمسة آراء هنا، إلا أن الرأيين الرئيسيين هما الرأي الأول والثالث، اللذان لهما أدلة جدية وسيتم بحثهما فيما يلي.
أدلة القول بوجوب السكوت والاستماع عند سماع قراءة القرآن مطلقاً (في الصلاة وغيرها)
يُستدل على وجوب السكوت والاستماع عند سماع آيات القرآن، سواء في صلاة الجماعة أو غيرها من الصلوات، وفي غير الصلاة، بالأدلة والشواهد التالية:
أ) الآيات
الأولى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (الأعراف/ ٢٠٤)؛ «وإذا قُرئ القرآن، فاستمعوا إليه بإنصات»، حيث إن ظهور الأمر في الوجوب، وفي هذه الآية حكمان: سلبي (لزوم السكوت وعدم الكلام) وإيجابي (السماع بدقة مع الإدراك والفهم). والآية مطلقة؛ فتشمل سماع القرآن في الصلاة وخارجها، وإذا كان شأن نزول الآية في الصلاة، فإن خصوصية المورد تُلغى. فلا دليل إذن على تقييد الآية بمخاطب خاص في صلاة الجماعة. وقد استدل البعض بذيل الآية «لعلكم ترحمون» على أن السكوت عند سماع قراءة القرآن حتى في صلاة الجماعة مستحب: «فإن تعريض النفس للرحمة ليس بواجب وإن وجب تعريضها للغفران ودفع العذاب» (الحكيم، مستمسك العروة الوثقى، ١٤٠٤: ٧/ ٢٥٤)، لكن المرحوم السيد محسن الحكيم أجاب على هذا الكلام قائلاً: «رفع اليد عن ظاهر النهي بمجرد ذلك غير ظاهر» (نفسه). ومن الواضح أن «لعلكم ترحمون» من باب بيان مقتضي الرحمة وحكمة الحكم، وقد وردت مثل هذه التعابير في آيات أخرى لا خلاف في وجوب حكمها؛ مثل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة/ ١٨٣). ومثل آية ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة/ ١٧٩).
الثانية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ (الانشقاق/ ٢١)، بناءً على أن المقصود بالسجدة هو كمال الخضوع، الذي من مصاديقه السكوت واستماع قراءة القرآن. ففي هذه الآية، تم توبيخ عدم الخضوع بشدة، ولازم الآية هو وجوب الخضوع. ويُستفاد هذا المطلب من كلام بعض المفسرين المعاصرين (صادقي، تفسير الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنة، ١٣٦٣: ٣٠/ ٢٥٠).
ب) الروايات
الأولى: «عن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: يَجِبُ الْإِنْصَاتُ لِلْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا وَإِذَا قُرِئَ عِنْدَكَ الْقُرْآنُ وَجَبَ عَلَيْكَ الْإِنْصَاتُ وَالِاسْتِمَاع» (المجلسي، بحار الأنوار، ١٤٠٤: ١٨/ ٦١٥؛ العياشي، التفسير، ١٤٢٧: ٢/ ٤٤).
الثانية: «عن عبد الله بن أبي يعفور قال: قلت له: الرَّجُلُ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ أَيَجِبُ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ الْإِنْصَاتُ لَهُ وَالِاسْتِمَاع؟ قال: نعم، إذا قُرئ عندك القرآن وجب عليك الإنصات له والاستماع» (الطبرسي، مجمع البيان، ١٤٠٤: ٤/ ٧٩٢).
هذه الأحاديث التي تصرح بوجوب السكوت والاستماع عند سماع قراءة القرآن، تتوافق مع ظاهر الآية؛ وبناءً عليه، لو كان في سندها ضعف، فإنه يُجبر، وتكون محفوفة بالقرينة. لذا، لا وجه لحمل لفظ «يجب» على الاستحباب.
ج) بناء العقلاء القائم على السكوت والاستماع لكلام العظماء
يقتضي العقل والفطرة والأدب أن نسكت ونستمع عند قراءة القرآن، وإلا لتعرضنا للوم العقلاء (صادقي، تفسير الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنة، ١٣٦٣: ١٢/ ١٠٦). ووجوب ذلك يثبت بقاعدة «كلما حكم به العقل حكم به الشرع». فإذا قبلنا هذا الدليل، تكون الآيات والأحاديث المذكورة إرشاداً إلى بناء العقلاء.
أدلة القول بوجوب السكوت والاستماع عند سماع قراءة القرآن في صلاة الجماعة
أورد القائلون بوجوب السكوت وترك المأموم للقراءة عند سماع قراءة إمام الجماعة في الصلوات الجهرية عدة أدلة:
أ) الإجماع
ذكر المفسرون والفقهاء من الشيعة والسنة هذا الدليل بصور مختلفة:
ـ يكتب الجصاص في «أحكام القرآن»: «اتفاق الجميع على نزولها في وجوب ترك القراءة خلف الإمام» (الجصاص، أحكام القرآن، ١٤١٥: ٤/ ٢١٦).
ـ يقول الشيخ الطوسي بالنسبة لغير الصلاة: «لا خلاف أنه لا يجب الإنصات والاستماع» (الشيخ الطوسي، التبيان، بي تا: ٥/ ٦٨).
ـ يرى صاحب تفسير نمونه أن حكم الآية عام، ولكن الروايات والإجماع دليل على أن الحكم هو الاستحباب، وتعبير «واجب» في الروايات هو للتأكيد على الحكم (مكارم الشيرازي، تفسير نمونه، ١٣٧٤: ٧/ ٧١).
ـ يكتب السيد محسن الحكيم في «مستمسك العروة الوثقى» حول لزوم ترك القراءة والسكوت من قبل المأموم في الركعتين الجهريتين من صلاة الجماعة: «أما السقوط فقد حكى الإجماع عليه عن جماعة، كالتذكرة وغاية المراد والتنقيح والروض والروضة والنجيية وغيرها، وأما التحريم فهو المحكي عن السيدين و…» (الحكيم، مستمسك العروة الوثقى، ١٤٠٤: ٧/ ٢٥٢). ثم ينقل عن البعض أن قراءة المأموم عند سماع صوت قراءة الإمام في صلاة الجماعة مكروهة (نفسه، ٢٥٣). ثم يبحث ويرد أدلة القول بالكراهة (نفسه، ٢٥٥-٢٥٣).
مناقشة
أُشكل على الإجماع المذكور بعدة إشكالات:
أولاً: الإجماع منقول وليس محصَّلاً، والإجماع المنقول ليس بحجة.
ثانياً: الإجماع مدركي؛ لوجود روايات في هذا البحث، وظاهر بعض الروايات يتوافق مع الإجماع؛ لذا يكون الإجماع مدركياً وليس بحجة.
ثالثاً: دعوى هذا الإجماع مخالفة بين الشيعة والسنة، كما نُقل عن السيد قطب في «تفسير في ظلال القرآن» وصادقي في «تفسير الفرقان» وغيرهما، فلا ينعقد الإجماع.
ب) الروايات
في بعض الأحاديث، يرتبط وجوب السكوت والاستماع بالصلاة:
ـ عن زرارة قال أبو جعفر عليه السلام: «إن كنت خلف إمام فلا تقرأن شيئاً في الأولتين وأنصت لقراءته ولا تقرأن شيئاً في الأخيرتين فإن الله عز وجل يقول للمؤمنين ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ يعني في الفريضة خلف الإمام ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ والأخيرتان تبع للأولتين» (الحر العاملي، وسائل الشيعة، ١٤٠٩: ٨، باب ٣١ عن أبواب صلاة الجماعة، حديث ٣).
مناقشة
على أساس الروايات والإجماع، يُحمل إطلاق الآية ٢٠٤ من سورة الأعراف على السكوت في صلاة الجماعة عند سماع صوت قراءة الإمام، وفي غيرها (الصلوات المستحبة وغير الصلاة) يكون السكوت مستحباً (راجع: مكارم الشيرازي، تفسير نمونه، ٧/ ٧١). ويستدل الفقهاء، ومنهم السيد محسن الحكيم، موافقاً لمتن عروة الوثقى للسيد كاظم الطباطبائي، بالنهي الوارد في الرواية المذكورة (صحيحة زرارة) على أن السكوت لازم على المأموم عند قراءة الإمام للحمد والسورة في الركعتين الجهريتين، وتكون القراءة حراماً (الحكيم، مستمسك العروة الوثقى، ٧/ ٢٥٣).
على الرغم من أن الظهور الأولي لرواية زرارة هو هذا المطلب، إلا أن التدقيق في الرواية ضروري من عدة جهات:
أولاً: صدر الرواية يتحدث عن سكوت المأموم في صلاة الجماعة في الركعتين الأوليين ولا يستدل بالآية ٢٠٤ من سورة الأعراف، لكن ذيل الرواية يستدل بهذه الآية على سكوت المأموم في الركعتين الثالثة والرابعة (حيث يمكن أن يقرأ الإمام الحمد ويُشك فيما إذا كان السكوت لازماً هنا أيضاً أم لا) ويقول: مقصود الآية هو الصلاة الواجبة خلف الإمام (سواء في الركعتين الأوليين أو في الثالثة والرابعة).
بناءً عليه، الرواية في مقام دفع توهم المخاطب وتعميم الآية لتشمل جميع ركعات الصلاة؛ لذا تشير إلى أحد مصاديق الآية، وهو السكوت في الصلاة الواجبة. فالرواية ليست في مقام بيان تفسير الآية لنقول إنها قيدت إطلاق الآية.
ثانياً: إثبات الشيء لا ينفي ما عداه؛ أي لو ورد في بعض الأحاديث أن السكوت واجب على المأموم عند قراءة الإمام في الصلاة الواجبة، فإن هذا المطلب لا يمكن أن ينفي السكوت في مورد آخر، خاصة وأن الآية ٢٠٤ من سورة الأعراف مطلقة وهناك روايات توافق ظاهرها (وجوب السكوت في الصلاة وغيرها).
النتيجة
إن إجماع فقهاء الفريقين والمفسرين بشأن وجوب السكوت عند قراءة القرآن غير مقبول، ورواية زرارة لا يمكنها إثبات الرأي الثالث (وجوب السكوت والاستماع عند صلاة الجماعة). ولكن أدلة الرأي الأول، أي ظهور وإطلاق الآية الشريفة والروايات المؤيدة وبناء العقلاء، تبدو أقوى. وعليه، فإن السكوت والاستماع عند قراءة القرآن لازمٌ على المستمع في جميع الأحوال، سواء كان في الصلاة أم خارجها.
المصادر
١. ترجمة القرآن، الرضائي الأصفهاني، محمد علي، قم: مؤسسة دار الذكر للبحوث الثقافية، ١٣٨٣ هـ.ش.
٢. ابن منظور، لسان العرب، بيروت: دار إحياء التراث العربي، ١٤٠٨ هـ.ق.
٣. الرضائي الأصفهاني، محمد علي، منطق تفسير قرآن (١) روشها و گرايشهاى تفسير قرآن، قم: نشر جامعة المصطفى العالمية، ١٣٨٥ هـ.ش.
٤. ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي، قم: إسماعيليان، الطبعة الرابعة، ١٣٦٤ هـ.ش.
٥. ابن حيون، نعمان بن محمد المغربي، دعائم الإسلام، قم: مؤسسة آل البيت، الطبعة الثانية، ١٣٨٥ هـ.ق.
٦. الجصاص، أحمد بن علي، أحكام القرآن، تحقيق عبد السلام محمد علي شاهين، بيروت: دار الكتب العلمية، ١٩٩٤ م / ١٤١٥ هـ.ق.
٧. الحر العاملي، محمد بن حسن، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، قم: مؤسسة آل البيت، ١٤٠٩ هـ.ق.
٨. حسن خان، صديق، فتح البيان في مقاصد القرآن الكريم، بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤٢٠ هـ.ق.
٩. الحكيم، محسن، مستمسك العروة الوثقى، قم: منشورات مكتبة آيت الله المرعشي النجفي، ١٤٠٤ هـ.ق.
١٠. الراغب الأصفهاني، حسين بن محمد، المفردات في غريب القرآن، طهران: المكتبة الرضوية، ١٣٣٢ هـ.ش.
١١. الراوندي الكاشاني، قطب الدين أبو الحسن، فقه القرآن، قم: مكتبة آيت الله المرعشي النجفي، الطبعة الثانية، ١٤٠٥ هـ.ق.
١٢. الشعراني، أبو الحسن، پژوهشهاى قرآنى علامة شعرانى، قم: بوستان كتاب، ١٣٨٦ هـ.ش.
١٣. الصادقي الطهراني، محمد، تفسير الفرقان بالقرآن والسنة، انتشارات فرهنگ إسلامي، ١٣٦٣ هـ.ش.
١٤. الصادقي الطهراني، محمد، الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن، قم: انتشارات فرهنگ إسلامي، الطبعة الثانية، ١٣٦٥ هـ.ش.
١٥. الطباطبائي، سيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم: دفتر انتشارات إسلامي، ١٤١٧ هـ.ق.
١٦. الطباطبائي اليزدي، محمد كاظم، العروة الوثقى، قم: مؤسسة النشر الإسلامي، ١٤١٩ هـ.ق.
١٧. الطبرسي، فضل بن حسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، طهران: ناصر خسرو، ١٣٧٢ هـ.ش.
١٨. الطوسي، محمد بن حسن، التبيان في تفسير القرآن، بيروت: دار إحياء التراث العربي، بي تا.
١٩. العلامة المجلسي، بحار الأنوار، بيروت: مؤسسة الوفاء، ١٤٠٤ هـ.ق.
٢٠. العياشي، محمد بن مسعود، تفسير العياشي، طهران: مؤسسة بعثت، ١٤٢١ هـ.ق.
٢١. الفاضل المقداد السيوري، مقداد بن عبد الله، كنز العرفان في فقه القرآن، إيران، تحقيق محمد إسماعيل بن علي أكبر الخوانساري (طبعة حجرية)، ١٣١٣ هـ.ق.
٢٢. فخر الرازي، محمد بن عمر، التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، بيروت: دار إحياء التراث، ١٤٢٠ هـ.ق.
٢٣. الفيومي، أحمد بن محمد، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، قم: مؤسسة دار الهجرة، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ.ق.
٢٤. قطب، سيد، في ظلال القرآن، بيروت: دار إحياء التراث العربي، ١٣٨٦ هـ.ق.
٢٥. مكارم الشيرازي، ناصر، تفسير نمونه، طهران: دار الكتب الإسلامية، ١٣٧٤ هـ.ش.
٢٦. الواحدي، علي بن أحمد، أسباب نزول القرآن، نشر دار الكتب العلمية، ١٤١١ هـ.ق.