الملخص
إن جمع القرآن (توحيد المصاحف) في زمن عثمان هو في الواقع نقل القرآن من مصاحف الصحابة، ومنها مصحف أبي بكر، والاستعانة بحفاظ القرآن، إلى مصحف نموذجي (الإمام)، والذي تم إرساله إلى مختلف المناطق والبلاد الإسلامية. لقد سعى عثمان من خلال توحيد المصاحف إلى تحقيق وحدة الكلمة، ومنع تفرقة المسلمين، وحفظ كتاب الله من التغيير والتحريف. وأمر في هذا الإجراء بتجريد القرآن لكي يكون للقرآن القدرة على تحمّل القراءات المختلفة، إلا أن هذا الإجراء يتعارض مع هدف عثمان. وبالإضافة إلى النقاط الإيجابية في عمل عثمان هذا، فإن هناك انتقادات موجهة إليه تقلل من أهمية هدفه الأساسي؛ إذ كان عثمان خليفة ثرياً، وكانت فترة خلافته أطول من الخلفاء الآخرين؛ لذا يمكن القول إن عثمان، بالإضافة إلى الهدف الديني الذي كان يضعه في اعتباره، كان يسعى إلى تحقيق أهداف جانبية وسياسية أخرى؛ ورغم أن التاريخ يذكر أنه لم ينجح تماماً في هدفه الديني ذاك؛ لأن نطاق الخلافات لم يقتصر على عدم انحساره، بل امتد إلى الأمصار بالإضافة إلى القراء.
المقدمة
القرآن الكريم، تراث النبي الأكرم ﷺ الثمين، قد تم جمعه بين دفتين على هيئة مصحف في حياة النبي الأكرم ﷺ حسب القول المشهور؛ على الرغم من وجود خلافات في هذا الشأن. وأول من بادر إلى جمع القرآن بعد النبي ﷺ بوصية منه هو الإمام علي (ع) الذي امتنع الناس عن قبول مصحفه. وقد تم جمع القرآن في عهد الخليفتين الآخرين أيضاً، أما جمع القرآن في عهد عثمان فكان بهدف توحيد المصاحف. في زمن عثمان، ومع الفتوحات الإسلامية، اتسعت رقعة البلاد الإسلامية، وانتشر المسلمون في مختلف المدن والمناطق. ومع ظهور ظروف جديدة، أصبحت الحاجة ملحة لإعادة النظر في وضع المصاحف الموجودة ودراستها. كان الناس قد ابتعدوا عن زمن النبي ﷺ وعصر الوحي والتنزيل. وكان أهل كل منطقة يتبعون قراءة أحد الصحابة الذي اشتهر بينهم؛ ونتيجة لذلك، نشأت بينهم خلافات حول كيفية الأداء ووجوه القراءة. وهكذا فُتح عليهم باب النزاع والفرقة. واشتد الخلاف لدرجة أن الناس أخذوا يكفّر بعضهم بعضاً؛ لذا في زمن الخليفة الثالث، عثمان، وبناءً على اقتراح أحد الصحابة، تم اتخاذ قرار بتوحيد المصاحف ووضع حد لهذه الخلافات، وفي إثر هذا الإجراء، أمر بتجريد القرآن لكي يتحمل مختلف القراءات ووجوهها. هذه المسألة تتعارض مع هدف عثمان؛ لذا من الضروري دراستها بدقة. تسعى هذه المقالة إلى الإجابة عن هذه الأسئلة: إذا كان هدف عثمان هو إنهاء الخلافات، فلماذا أمر بتجريد القرآن؟ وما هو المراد بتجريد القرآن؟ إلى أي مدى نجح عثمان في هذا الإجراء والهدف، وما هو دوره في القراءات؟ وما هي علل وآثار هذا الإجراء الديني؟
خلفية البحث
في بحث تاريخ قراءة القرآن، تم تأليف العديد من الكتب حتى الآن، والتي أشير في كل منها إلى مسألة توحيد المصاحف على يد عثمان. حتى أن بعض المفسرين في مقدمات تفاسيرهم تناولوا مباحث مثل جمع وتدوين القرآن، وتوحيد المصاحف، وغيرها؛ مثل القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن»، والآلوسي في «روح المعاني»، وابن عاشور في «التحرير والتنوير»، والعلامة الطباطبائي في «تفسير الميزان». كما أُلّفت كتب كثيرة في بحث جمع وتدوين القرآن؛ مثل: «تاريخ القرآن» لموسى جار الله التركستاني، «المصاحف» للسجستاني، «النشر في قراءات العشر» لابن الجزري، «تاريخ القرآن» لأبي عبد الله الزنجاني، «مناهل العرفان في علوم القرآن» للزرقاني، «البيان في تفسير القرآن» لآية الله الخوئي، والتي تعد من أكثر الكتب تأثيراً في العقود الأخيرة في مجال جمع وتدوين القرآن والقراءات. وفي العصر الحديث أيضاً، أُلّفت كتب مختلفة في هذا الباب: منها «التمهيد في علوم القرآن» لآية الله معرفة، الذي خصص قسماً مستقلاً لتاريخ القرآن، وطُبع بشكل مستقل أيضاً. ومن بين الكتب الأخرى يمكن ذكر «تاريخ القرآن» لمحمد حسين علي الصغير، «تاريخ القرآن» لعبد الصبور شاهين، «تاريخ القرآن» لإبراهيم الإبياري، «تاريخ قرآن» لمحمود راميار، «تاريخ قرآن» لسيد محمد باقر الحجتي، «تاريخ قرآن» معارف و«تاريخ قرآن» لسيد أبو الفضل مير محمدي زرندي. كما كُتبت مقالات في هذا الشأن، منها «بررسی علل توحید مصاحف در عصر عثمان» لداود سليماني؛ «رسم الخط مصحف عثمانی؛ اسرار، حکمت و مزایای آن» لسيد محمد باقر الحجتي؛ «نکاتی درباره رسم الخط مصحف» ليعقوب جعفري و… . ما يميز البحث الحالي عن الحالات المذكورة هو أنه يتناول ما أشارت إليه بعض الكتب وهو تحمّل القراءات في المصحف العثماني. فماذا كان هدف عثمان – بالنظر إلى إنهاء الخلافات – من تجريد القرآن؟ وما هي علل وآثار هذا الإجراء؟
الإطار المفاهيمي للبحث
1. القراءة
القراءة، وجمعها قراءات، هي من مصدر «قرأ». وهناك اختلاف في الرأي حول هذه الكلمة بين علماء اللغة والأدب. ففريق يراها كلمة أصيلة في اللغة العربية ويعتبرها بمعنى الجمع والضم (الطريحي، مجمع البحرين، 1375: 1/ 336)، وبمعنى الإلقاء والرمي والإسقاط (ابن منظور، لسان العرب، 1414هـ: 1/ 128)، وفريق آخر يراها بمعنى التلاوة والقراءة (الراغب الأصفهاني، المفردات، 1374: 3/ 180). وللقراءة في الاصطلاح تعريفات مختلفة؛ فالزركشي يعرفها بأنها اختلاف يتعلق بألفاظ وعبارات الوحي، وهذا الاختلاف منسوب إلى حروف وكلمات القرآن وكيفيتها المنقولة عن القراء (الزركشي، البرهان في علوم القرآن، 1376هـ: 1/ 49). ويعرفها آخرون بأنها علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلاف هذه الكيفية؛ اختلاف منسوب إلى ناقله وراويه (ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، بي تا: 41). ويعرف الدمياطي القراءة بأنها علم يُعرف من خلاله اتفاق أو اختلاف ناقلي كتاب الله عن طريق السماع (الدمياطي بناء، إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشرة، 1345: 5). القراءات جمع قراءة، وهي في اللغة مصدر سماعي للفعل «قرأ»، وتطلق في الاصطلاح على طريقة قراءة متميزة عن طريقة أخرى، والتي يختارها أحد أئمة القراء بناءً على روايات متواترة في كيفية أداء القرآن، سواء كان التمايز والاختلاف في طريقته مع أئمة القراء الآخرين في أداء الحروف أو في أداء حركاتها (الزرقاني، مناهل العرفان، 1385: 465). ومن مجموع هذه التعاريف يتضح أن القراءة هي نطق ألفاظ القرآن الكريم بنفس الصورة والكيفية التي نطق بها رسول الله ﷺ، أو هي قراءة ونطق ألفاظ القرآن الكريم بنفس الصورة والكيفية التي قُرئت بها بحضور الرسول الأكرم ﷺ وأقرها. إن قراءة القرآن الكريم بناءً على نطق منقول ومروي، لا فرق في أن يكون نطق النبي الأكرم ﷺ أو نطق وقراءة الآخرين التي حظيت بتأييده، سواء كان ذلك من شخص واحد أو عدة أشخاص (فضلي، تاريخ قراءات القرآن الكريم، 1388: 81).
2. التحمّل
لكلمة «الحَمْل» معنى واحد، وقد استُعمل لفظها في أشياء كثيرة، وهي متساوية في اللفظ والفعل، ولكنها مختلفة في المصادر. أصل كلمة «حمل» هو لرفع الحمل على الظهر (الراغب الأصفهاني، المفردات، 1374: 1/ 543)، وهي بمعنى الرفع أيضاً (حسين يوسف، فرهنگ ابجدى والفبايى، 1410: 22). إذن، في اصطلاح تحمّل القراءات، يعني أن يُكتب المصحف بطريقة تجعله مرناً تجاه مختلف القراءات المعتبرة (الزرقاني، مناهل العرفان، 1385: 400). عندما يكون القرآن خالياً من أي إشارة أو علامة، فمن المؤكد أنه سيتحمل قراءات مختلفة. وكلمة «تحمّل» هي نتيجة مستنبطة من عبارة «جردوا القرآن» التي استنبطها المتأخرون من كلمة «جردوا». لذا، من الضروري دراسة هذه الكلمة من الناحية المعنوية أيضاً.
3. التجريد
يقول ابن فارس في معنى «جرد»: ظهور الشيء بحيث لا يغطيه ساتر. ثم يحمل عليه معنى آخر يشاركه في المعنى (ابن فارس، معجم مقاييس العرب، 1404: 1/ 452). إذن، في الحقيقة، نتيجة تجريد القرآن، أي تحمّل الحمل على معانٍ مختلفة.
الإطار النظري للبحث
بناءً على المفاهيم المقدمة، من الضروري في هذا القسم تناول مكانة هذه الكلمة في الروايات، ثم توضيح مرادها ومقصدها الأصلي.
1. أول من ابتدع عبارة «جردوا القرآن»
في الكتب التي تناولت تاريخ القرآن، في مبحث توحيد المصاحف، إما لم يُشر إلى تحمّل القراءات في المصحف العثماني إطلاقاً أو كانت الإشارة قليلة. للوصول إلى الحقيقة، لا بد من دراسة الروايات التي طُرحت في التاريخ. كما أُشير، فإن مصطلح «تحمّل القراءات» هو مصطلح استخدمه الكتّاب المعاصرون، ودراسة روايات ذلك العصر تظهر أن هذه العبارة هي نتيجة روايات وردت عن الصحابة بهذا المضمون: «جردوا القرآن»؛ أي: عرّوا القرآن. إن دراسة كتب الحديث الشيعية والسنية تبين أن الأقوال المروية بعنوان «جردوا القرآن» تتعلق بزمن الخليفة الثاني في خصوص منع نشر حديث النبي ﷺ (ابن بابويه، معاني الأخبار، 1377: 1/ 7). وبالطبع، بتعبير أدق، فإن سياسة تجريد القرآن من أحاديث رسول الله ﷺ بدأت منذ زمن الخليفة الأول، واستمر هذا العمل حتى زمن الخليفة الثاني، وفي النهاية، قام الخليفة الثالث بهذه السياسة بتوحيد المصاحف (العسكري، القرآن الكريم وروايات المدرستين، 1416: 1/ 275-277). في الحقيقة، هذه العبارة تعني «عرّوا القرآن من أي علامة»؛ مع توضيح أن كلام وسيرة وتقرير ذلك العظيم كان أغنى مصدر يحدد به المسلمون واجباتهم. أمر عمر في تعميم له أن كل من لديه شيء من الحديث فليمحه. وقال لمأموريه الذين كانوا متوجهين إلى العراق: «جردوا القرآن وأقلّوا الرواية عن رسول الله وأنا شريككم، فلما قدم قرظة بن كعب قالوا حدثنا، فقال نهانا عمر»؛ أي «لا تخلطوا القرآن بالأحاديث، وأقلوا من كلام رسول الله، وأنا شريككم في (ثواب) هذا العمل…» (ابن بابويه، معاني الأخطار، 1377: 1/ 7؛ ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، 1404: 93/12). هذا الفعل من الخلفاء، من وجهة نظرنا، هو حركة سياسية أصدروا من خلالها مثل هذه التعميمات لدفع مقاصدهم. في الحقيقة، عبارة «جردوا القرآن» هي لفظ مشترك بين الخلفاء، حيث أيد عمر عمل أبي بكر، وعثمان أيد عمل عمر. في توضيح «جردوا القرآن»، من الضروري أيضاً ذكر هذه النقطة أنه في زمن النبي الأكرم ﷺ، كان الصحابة يسجلون الآيات مع توضيحات حضرته في مصاحفهم (العسكري، القرآن الكريم وروايات المدرستين، 1416: 1/ 274). وبهذه الطريقة، فإن كل من كان لديه معرفة موجزة بتفسير القرآن، ولكن في سياسة تجريد القرآن من النقاط التفسيرية وشدة عمل بعض الصحابة في هذا المجال، تم توجيه الناس فقط إلى ظاهر القرآن (معارف، تاريخ عمومي حديث، 1389: 81).
2. بيان روايات «جردوا القرآن»
الأخبار الواردة في هذا الشأن نُقلت على النحو التالي: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْأَحْوَصِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: جَرِّدُوا الْقُرْآنَ لِيَرْبُوَ فِيهِ صَغِيرُكُمْ وَلَا يَنْأَى عَنْهُ كَبِيرُكُمْ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَفِرُّ مِنَ الْبَيْتِ يُسْمَعُ تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ (النسائي، السنن الكبرى، 1411هـ: 7/ 628). نُقل عن ابن مسعود: «جردوا القرآن ليربوا فيه صغيركم» (الزمخشري، الفائق في غريب الحديث، 1417: 4/ 36). وفي رواية أخرى ورد: في حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «جَرِّدُوا القرآن ليربو فيه صغيركم و لا ينأى عنه كبيركم» (النسائي، السنن الكبرى، 1411: 7/ 628؛ ابن الأثير، أسد الغابة في معرفة الصحابة، 1367: 1/ 256)؛ أي جرّدوا القرآن لتربوا به صغاركم، ولا يبتعد عنه كباركم.
أ) دراسة الروايات
في شرح هذه الروايات، ذُكرت أقوال متعددة. يقول ابن الأثير في شرح حديث ابن مسعود: 1. «لا تقرنوا به شيئاً من الأحاديث ليكون وحده مفرداً»؛ أي «لا تصحبوا القرآن بشيء من الأحاديث ليبقى وحده منفرداً». 2. «قيل: أراد أن لا يتعلموا من كتب الله شيئاً سواه»؛ أي «ألا يُعلَّم من كتاب الله شيء غيره». 3. «قيل أراد جَرِّدُوه من النقط و الإعراب و ما أشبههما»؛ أي جرّدوا القرآن من النقط والإعراب وما شابههما. واللام في ليربوا من صلة جَرِّدُوا. والمعنى اجعلوا القرآن لهذا، وخصوه به واقصروه عليه دون النسيان والإعراض عنه، لينشأ على تعلمه صغاركم، و لا يتباعد عن تلاوته وتدبره كباركم (ابن الأثير، أسد الغابة في معرفة الصحابة، 1367: 1/ 256).
ب) استخلاص الأقوال
1. يروي السيوطي عن الحربي قوله: إن كلام ابن مسعود في «جردوا القرآن» له وجهان: الأول أن تجردوه في التلاوة ولا تخلطوا به غيره، والثاني أن تجردوه في الخط من النقط والتعشير (السيوطي، تدريب الراوي، 1384: 543). يقول الترمذي في «السنن»: لا خلاف بين أهل النقل والعلم في أن جميع المصاحف التي هي أم المصاحف والتي جمعها عثمان، لم يكن فيها شيء زائد سوى البسملة في أوائل السور – ما عدا سورة التوبة – وأن الصحابة عندما جمعوا القرآن في المصاحف، جردوه من كل شيء، ولم يسمحوا حتى بكتابة أسماء السور وعدد الآيات… وكان سبب هذا الفعل هو الحرص على حفظ كتاب الله والخوف من أن يشتبه الأمر على الآخرين فيما بعد، ويظن أحدهم أن ما ليس من القرآن هو قرآن (الترمذي، الجامع الصحيح، 1419: 2/ 15). 2. عبارة «جردوا القرآن» لفظ مشترك بين الخلفاء؛ ورغم أن استقراء كتب الحديث الشيعية والسنية يظهر أن هذه العبارة لم تصدر مباشرة عن لسان الخليفة الثالث، إلا أن أداءه يظهر أنه كان موافقاً لسياسة الخلفاء السابقين، وقد سار على نهجهم تأييداً لتلك السياسة. يقول أبو عبد الله الزنجاني: «يقول التاريخ إن الصحابة جردوا المصحف من كل شيء حتى من النقط والشكل» (الزنجاني، تاريخ القرآن، 1423: 95). في الحقيقة، نُسب هذا القول إلى الصحابة، ولكن بما أن عمل الصحابة تم مباشرة تحت إشراف عثمان، فإن عمله يعتبر بمثابة ختم تأييد على هذا الأمر. 3. التجريد يأتي بمعنى التجريد من النقط والشكل، وكذلك بمعنى تجريد أسماء السور وعدد الآيات وغيرها. بالنظر إلى جملة الترمذي الأخيرة «ومنعوا أن يجرؤ أحد على كتابة ما ليس من كتاب الله في المصاحف»، يمكن القول إن الصحابة منعوا من إيراد التوضيح والتفسير للآيات وحذفوا التوضيحات الإضافية. ورغم أنه يمكن القول إن عملهم وقلقهم كان مقبولاً، إلا أنه يجب أن نرى إلى أي مدى نجحوا في هذا الأمر؟ وهل استطاعوا بهذا العمل منع تعدد القراءات؟ 4. دراسة الروايات المنقولة عن ابن مسعود تظهر موقفين له تجاه حركة الخليفة. يذكر السجستاني في كتاب «المصاحف» بابين بعنوان كراهة ورضا ابن مسعود، وبعد دراسة هذه الروايات، يعتبر سند روايات رضا ابن مسعود ضعيفاً (السجستاني، كتاب المصاحف، 1423: 1/ 66-88). وبالطبع، فإن الرواية الواردة بخصوص لفظ «جردوا القرآن» عن لسان ابن مسعود تكشف عن رد فعله تجاه سياسة منع الحديث أيضاً.
3. خلوّ القرآن من النقط والإعجام
يجب الآن دراسة لماذا أصدر عثمان مثل هذا الأمر؟ ولماذا أمر عثمان، الذي كان يعتبر أهم أهدافه إنهاء الخلاف في القراءات، بتجريد القرآن؟ ألم يؤد هذا العمل (تجريد القرآن) إلى تشديد هذا الخلاف وترويجه؟ في الحقيقة، للوصول إلى إجابة هذا السؤال، يجب تحديد ما إذا كانت النقط والإعراب والحركات موجودة في ذلك الزمان ليصدر عثمان مثل هذا الأمر؟ يعتقد ابن الجزري أن المسؤولين في ذلك اليوم تركوا استخدام العلامات والإشارات في المصاحف عن قصد ولحكمة، ويقول: ربما كان ذلك بسبب احتمال وقوع الخطأ في الخط والكتابة؛ لذا اكتفوا بسماع آيات القرآن من النبي وحفظها على نفس النحو (ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، بي تا: 1/ 7). ويقبل الزرقاني أيضاً رأي ابن الجزري ويقول: في ذلك الوقت، كتبوا كلمات القرآن بدون نقط وعلامات حتى لا يقع خطأ، وتركوا قراءتها للاعتماد على المحفوظات والاستفادة من السماع (الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، 1385: 459). يقول ناصف في «تاريخ الأدب»: أساساً، كان هناك فرق في الخط العربي بين الحروف المنقوطة وغير المنقوطة، وبالتأكيد، في نفس وقت إنشاء وابتكار الخط العربي، تم وضع امتيازات للحروف المتشابهة. كان أي شخص يخلط بين هذه الحروف إذا كانت جميعها غير منقوطة، ويبدو من المستبعد جداً أن تكون الحروف العربية قد تأسست في بداية ظهورها على أساس هذا الالتباس. لذا، إما أن نقول إنه في نفس وقت وضع الخط العربي، كان شكل وهيئة جميع الحروف مختلفة، ثم أصبحت الأشكال والهيئات موحدة ومتقاربة، ومع مرور الزمن، أصبح لعدد من الحروف شكل واحد، وكان هذا العمل أيضاً نتاج تساهل وتهاون كتّاب الخط العربي؛ أو أن نعتقد أن عدداً من الحروف المتشابهة والمتماثلة كانت لها نقط أو علامات مميزة (حنفي، تاريخ الأدب، 1985: 70). كما يقول الزنجاني: الحق أن الإعجام وتمييز الحروف المتشابهة بوضع النقط كان قد وُضع قبل الإسلام، ولكنه أُهمل مع مرور الزمن ونُسي حتى زمن عبد الملك بن مروان حيث تم تنقيط المصاحف (الزنجاني، تاريخ القرآن، 1404: 97). على الرغم من أن القرآن كان خالياً من أي علامات وإشارات، فإن المسلمين تلوه من مصاحف مطابقة للرسم العثماني وخالية من الخصائص الإملائية لمدة أربعين عاماً ونيف (ابن خلكان، وفيات الأعيان، 1310: 1/ 125؛ الزنجاني، تاريخ القرآن، 1404: 97). ولكن المشهور عند المؤرخين أن الخط العربي في ذلك الزمان كان بدون نقط وعلامات، وأن العرب في بداية تعلمهم وكتابتهم لم يكونوا يعرفون التنقيط ووضع العلامات. الخط الذي كان لدى العرب في ذلك الزمان كان خالياً من أشكال الحروف والنقط والإعراب، ولكن العرب بملكتهم الذاتية، قبل اختلاطهم بالأمم الأعجمية، كانت لغتهم مصونة من اللحن والانحراف، وكان عرب البادية يتكلمون كلاماً فصيحاً وشعراً بليغاً يتوافق مع فصاحة وبلاغة القرآن. بعد ظهور الإسلام واختلاط العرب بالعجم، ظهرت عوامل الفساد في اللغة العربية (العلاف، البيان في علوم القرآن، 1422: 1/ 153)، وبعد ذلك، شق اللحن طريقه تدريجياً إلى اللغة العربية، وكُلّف أبو الأسود الدؤلي، من تلاميذ الإمام علي (ع)، بالقيام بهذا الأمر المهم (الزنجاني، تاريخ القرآن، 1404: 95). وربما كان البعض يكرهون التدخل في المصحف وإصلاحه بالنقط والحركات (نفس المصدر، 98). الأمر الأكثر غرابة هو وجود تناقض في رسم المصحف العثماني؛ بحيث كُتبت كلمة في مكان بشكل وفي مكان آخر بشكل مختلف. وهذا يدل على مدى جهل الكتّاب الأوائل بأصول الكتابة لدرجة أنهم لم يتمكنوا من اعتماد طريقة واحدة على الأقل في إملاء وكتابة الكلمات (نفس المصدر، 124). على أي حال، سواء قبلنا الرأي الأول أو الثاني، فبناءً على الرأي المشهور، تم تنقيط المصاحف في زمن عبد الملك بن مروان. ولكن يمكن التوفيق بين هذه الأقوال، بحيث كان أول من نقط القرآن بشكل فردي هو أبو الأسود الدؤلي. وبعده، اتبع ابن سيرين طريقه، وكان عبد الملك بن مروان أول من اهتم بتنقيط القرآن بشكل رسمي وعام. وبهذه الطريقة، شاع وانتشر تنقيط القرآن بين الناس كوسيلة لرفع الإشكال والاشتباه في قراءة القرآن (الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، 1385: 459).
4. المراد الحقيقي من التجريد
حقيقة التاريخ هي أن عثمان أمر بتجريد القرآن من أي علامة ونقطة، ولكن هذه النقاط لم تكن نقاط الإعراب أو الحروف المتشابهة في القرآن، بل كانت نقاطاً استُخدمت قبله في بعض المصاحف. يكتب الزنجاني: كانت هذه النقاط تدل على لغات وقراءات خاصة كان الناس يتلون القرآن بموجبها. وبما أن عثمان رجّح لغة ولهجة قريش في كتابة المصحف على سائر اللغات، أمر بتجريد المصحف من النقاط والعلامات التي كانت تمثل سائر اللغات واللهجات والقراءات. إذ في الصحف التي كانت عند حفصة، والتي كُتبت في زمن أبي بكر، كانت تُرى نقاط وعلامات تُمكّن من تمييز القراءات. حتى الروايات التي نقلتها القبائل المختلفة عن النبي ﷺ كانت مصحوبة بعلامات تدل على الإمالة، الإشمام، التسهيل و… في قراءة القرآن، وأمر عثمان بتجريد القرآن من هذه العلامات، لأن هذه العلامات كانت تمثل لغات القبائل المختلفة؛ لذا أمر كتّاب المصحف بكتابة القرآن بلغة قبيلة قريش فقط، واتبع الكتّاب أيضاً هذه الطريقة في كتابة المصحف (الزنجاني، تاريخ القرآن، 1404: 97). وبالطبع، يجب القول إنه توجد شكوك علمية في هذا الصدد أيضاً.
5. علل تجريد المصحف
كُتب المصحف العثماني خالياً من أي علامات إملائية وعلامات أخرى ليكون مرناً تجاه القراءات المعتبرة المختلفة ويحتمل جميع الوجوه القرائية الممكنة (الزرقاني، مناهل العرفان، 1385: 459؛ ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، بي تا: 1/ 7)؛ مثلاً، آية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات/ 6) كُتبت بدون نقط لتُقرأ بقراءتي «فتبينوا» و«فتثبتوا» (الزرقاني، مناهل العرفان، 1385: 294)؛ لأنه يُقال إن الرسول ﷺ قرأها بكلتا الصورتين، أو أنها قُرئت بكلتا الصورتين في حضوره فأقرها وأيدها (نفس المصدر). يجب الانتباه إلى أن أي نوع من التحمل والقبول للآيات ومرونتها تجاه القراءات المختلفة، ما لم يكن مستنداً إلى مأخذ روائي معتبر، لا ينبغي أن يُعتبر مبرراً لقراءات مختلفة؛ مثلاً، قراءة ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر/ 28) بسبب عدم وجود الإعراب، تحتمل أن تُقرأ برفع لفظ الجلالة «الله» ونصب «العلماء» خلافاً للقراءة المعتبرة، ولكن هذه قراءة مصنوعة ولا أساس روائي لها، بل هي شاذة والعلماء لا يجيزونها (الحجتي، تاريخ القرآن، 1365: 454). أحياناً، قد تكون هناك قراءة مروية ولكن رسم الخط لا يسمح بمثل هذه القراءة. في هذه الحالة، يمكن قراءتها طبقاً للكتابة وطبقاً للرواية المذكورة. مثلاً ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة/ 132)؛ قُرئت أيضاً بصيغة «وأوصى» (خوش خاضع، تاريخ قرآن كريم، 1385: 237). من المثير للاهتمام أن الصحف القرآنية في زمن أبي بكر كانت منقوطة (كانت هذه النقاط تتعلق بكيفية قراءة القرآن ولم تكن للنقط والإعجام)، وأمر عثمان بتجريد القرآن من تلك النقاط، وأرسل مصاحف متعددة كلها خالية من النقط إلى مختلف الأنحاء ليقرأ الناس القرآن بقراءة واحدة (الحجتي، تاريخ القرآن، 1365: 473). على كل حال، لم تكن النقاط الموجودة في الصحف قبل عثمان نقاط إعراب ونقاط حروف متشابهة في القرآن؛ لأننا لو قلنا إن هذه النقاط كانت عبارة عن الشكل والإعجام، لما كان تجريد القرآن منها مناسباً، لأن مثل هذه النقاط كانت تمنع الزلل واللحن في القراءة. يقول الحليمي: لا يجوز كتابة الأعشار والأخماس وأسماء السور وعدد الآيات في المصحف نفسه؛ لأن كبار الصحابة قالوا: «جردوا القرآن»، ولكن تنقيط القرآن لصيانته من الخطأ والتصحيف لا بأس به؛ لأن هذه النقاط لها صورة وشكل مستقل ومنفصل عن النص، بحيث لا توهم القارئ بأنها جزء من القرآن، بل هي علامات إرشادية لقارئ القرآن ليقرأ من يحتاج إلى مثل هذه العلامات القرآن بشكل صحيح وسليم، وهذا الأمر لا يلحق بالقرآن أي ضرر (السيوطي، تدريب الراوي، 1384: 2/ 290).
دراسة ونقد
إن أمر عثمان بتجريد القرآن، لو افترضنا أنه لتحمّل القراءات المختلفة، فإنه بالتأكيد لم يؤمّن هدفه في إنهاء الخلاف في القراءات؛ لأن أساساً أقدم على هذه الحركة الكبيرة لتوحيد المصاحف وإنهاء هذه الخلافات. يعتقد البعض أن المصاحف التي أرسلها عثمان إلى مختلف المناطق كانت تشتمل على الحروف السبعة؛ كما نزلت (الزرقاني، مناهل العرفان، 1385: 392)، ولكن في نقد هذا القول، يجب القول: أساساً، لم تكن الروايات المتعلقة بالأحرف السبعة موجودة في زمن عثمان، وهذا الأمر من اختلاقات الزنادقة التي حدثت في القرن الثاني (معارف، درآمدى بر تاريخ قرآن، 1383: 181). على الرغم من أن عثمان أجبر الناس على قراءة القرآن الواحد الذي كُتب بأمره، وبالقوة تم إزالة الخلاف الذي ذُكر سابقاً، ولكن بما أن هذا القرآن المُعد كان خالياً من النقط والإعراب، فقد ظهرت أخطاء أخرى نتيجة تشابه الألفاظ مثل «ملك» و«مالك» اللتين تُكتبان بصورة «ملک»، لذا نشأ خلاف جديد كان أخطر وأشد من الخلاف السابق؛ أي الخلاف الذي ظهر بين القراء السبعة وغيرهم، حيث كان كل منهم يخطّئ الآخر، ولم يسمحوا بالرجوع إلى غيرهم في أخذ القراءة (معرفت، التمهيد في علوم القرآن، 1392: 376). علاوة على ذلك، ربما أدت بعض القراءات إلى فساد المعنى؛ لأن هدف توحيد المصاحف كان إزالة اختلاف القراءات، ولكن بعد انتهاء العمل، نشأ اختلاف القراءات مرة أخرى. يذكر السجستاني في كتاب «المصاحف» باباً بعنوان «اختلاف مصاحف الأمصار» ويذكر هذه الاختلافات. كما أنه لا يمكن الاستناد إلى رواية «الأحرف السبعة» لهذا السبب؛ لأن أكثر المعاني المذكورة في هذه الرواية تفاهة هو تفسيرها بالقراءات (معرفت، التمهيد في علوم القرآن، 1392: 1/ 433).
6. آثار توحيد المصاحف
من المؤكد أن لتوحيد المصاحف آثاراً إيجابية. وهذه الآثار كالتالي: أ) حصل الصحابة على التواتر القطعي والمسلّم به وثبتوه، وتركوا روايات الآحاد. ب) لم يدرجوا ما لم يستقر في العرضة الأخيرة. ج) رتبوا السور والآيات كما نعرفها اليوم. د) راعوا في الكتابة وجوه القراءات المختلفة. هـ) تجنبوا إدراج أي كلمة أخرى، سواء كانت شرحاً أو تفسيراً، ناسخاً أو منسوخاً، شأن نزول أو غيره، مما كان يوجد في بعض مصاحف ذلك العصر (الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، 1385: 297). و) صحيح أن استقرار هذا النص استغرق وقتاً قصيراً، ولكنه لم يمر وقت طويل حتى أقبلت جميع الفرق بكل مذاهبها وطرقها على هذه النسخة وقبلتها (راميار، تاريخ قرآن، 1369: 459).
دراسة أداء عثمان ولجنة توحيد المصاحف
في زمن عثمان، خرج عدد من القراء وحفاظ القرآن لأسباب أو جهات من الجزيرة العربية، وأخيراً أقام العرب علاقات مع الشعوب غير العربية في ظل الفتوحات الإسلامية. كان هذا الارتباط والاختلاط مصدر ظهور تغيير في اللسان العربي واضطراب واختلاف غير منضبط في أمر قراءة القرآن. كان الدافع والمحرك لعثمان في جمع القرآن هو ظهور قراءات مختلفة وانتشارها غير المنظم؛ لأن نطاق الخلاف اتسع لدرجة أن قراءات أهل العراق والشام والمدينة وسائر بلاد الإسلام انفصلت بشدة عن بعضها، حتى في منطقة واحدة كانت قراءات القرآن تعاني من اختلاف شاذ (الزرقاني، مناهل العرفان، 1385: 291 و 292). بعض نقاط قوة عمل عثمان كالتالي:
1. دراسة نقاط القوة
أ) تشكيل لجنة توحيد المصاحف؛ ب) السعي لإنهاء اختلاف القراءات في المدن؛ ج) استئصال الخلاف في كتاب الله واتفاق الناس على نص واحد؛ د) ختم تأييد حضرة علي (ع) على المصحف العثماني (السجستاني، كتاب المصاحف، 1423: 68).
2. دراسة نقاط الضعف
بالإضافة إلى النقاط الإيجابية، وُجهت انتقادات كثيرة لعمل عثمان، نشير إلى بعضها أدناه: أ) وجود أخطاء إملائية في رسم المصحف العثماني؛ ب) عدم التوحيد والتساوي في المصاحف المرسلة إلى مختلف المناطق، ودخول اللحن إلى القراءات؛ وتجدر الإشارة إلى أنه في زمن توحيد المصاحف، كان الخط في مراحله الأولية وكانت الأبجدية ناقصة. لم يكن به نقط وإعراب، ولم تكن الألف والياء تُكتبان في وسط الكلمة. وهكذا ظهر رسم خطي يتيح المجال لظهور كل نوع من القراءات. بالإضافة إلى ذلك، كان الصحابة أيضاً عديمي الخبرة في الكتابة، وأحياناً كانوا يكتبون كلمة واحدة بعدة طرق (الحجتي، تاريخ القرآن، 1365: 447-449). في الحقيقة، يجب القول إن المقصود باللحن لم يكن خطأ وخطأ الكاتبين، بل المقصود هو اللغة وأحد وجوه القراءات؛ أي أن هذه لغة وهناك قراءة أخرى أيضاً (السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، 1384: 458). ورغم أن هذه الاختلافات لم تكن كثيرة، إلا أنها لم تخفَ على المحققين؛ بحيث أشار إليها باب «اختلاف مصاحف الأمصار» في كتاب السجستاني (راجع: السجستاني، كتاب المصحف، 1423: 144). ج) يُنقل خبر عن عكرمة أنه عندما كُتبت المصاحف، عُرضت على عثمان، فرأى فيها حروفاً من اللحن، وقال: «لا تغيروها، فإن العرب ستغيرها»، أو قال: «ستقيمها بألسنتها». أو في خبر آخر قال: «لو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم يوجد فيه هذه الحروف» (نفس المصدر، 1/ 127). وينقل ابن أبي داود موضوعاً آخر يدل على تساهل أغرب في هذا الأمر المهم. يقول: «لما فرغ من المصاحف أُتي بها عثمان، فنظر فيها فقال: قد أحسنتم وأجملتم، أرى شيئاً من لحن ستقيمه العرب بألسنتها». وقال عثمان إنه رأى أخطاء من جهة لهجات العرب المختلفة وقال: «لو كان المملي من هذيل والكاتب من ثقيف، لم تقع هذه الأخطاء» (نفس المصدر). حول هذا الأمر يمكن القول: ألم يكن كتاب الله يستحق سعياً واهتماماً أكبر ليكون خالياً من الأخطاء الإملائية واللهجات المختلفة؟ علاوة على ذلك، ما معنى أمنية عثمان هذه؟ ألم يكن يستطيع منذ البداية اختيار مملٍ من هذيل وكتّاب من ثقيف، بينما كان يعلم كفاءتهم وملاءمتهم للقيام بهذا العمل، ولكنه بدلاً من هؤلاء الأشخاص الأكفاء، اختار أناساً من حاشيته، وفي النهاية، أدى هذا العمل أيضاً إلى وجود اختلاف في قراءة القرآن في الأزمنة اللاحقة (معرفت، التمهيد في علوم القرآن، 1392: 1/ 386). وجود الخطأ والزلل خاصة في رسم المصحف العثماني اعترف به بعض الصحابة، ومنهم عائشة، وخصص له السجستاني فصلاً (راجع: السجستاني، كتاب المصحف، 1423: 208). د) عدم الاستفادة من الطاقات والأصحاب مثل عبد الله بن مسعود. يطرح الزرقاني في كتاب «مناهل العرفان» هذه الروايات في قالب شبهات ويجيب عليها (راجع: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، 1385: باب الشبهات، 299-329). كان من الحق أن ينجز عثمان العمل بشكل أصولي أكثر، وأن يختار من هم أحق وأولى بهذا العمل. في الحقيقة، قام عثمان في إجراء بهذه الأهمية بترجيح المرجوح على الراجح (المحلاتي، كشف البيان، 1382: 345). اختيار زيد لرئاسة مثل هذا الأمر المهم قوبل باعتراض من جانب ابن مسعود. في الحقيقة، كان زيد شديد العثمانية في الرأي (ابن الأثير، أسد الغابة في معرفة الصحابة، 1409: 2/ 127). لهذا السبب، اختاره عثمان لهذا العمل. هـ) عدم المشورة والتداول مع جميع الصحابة. كانت المشورة عملاً اجتماعياً ودائماً. لم تكن أهمية هذا العمل أقل من انتخاب الخليفة، أو على الأقل كان يجب أن يُتخذ ذلك النهج كنموذج. في ذلك العمل (انتخاب الخليفة) جلسوا للتشاور واستخدموا ألف حيلة، وفي هذا العمل (توحيد المصاحف) أصدروا أمراً ونفذوه. كان هذا إجراءً محموداً جداً وجديراً بالثناء، ولكن طريقة تنفيذه تستدعي التوقف والتأمل؛ لذا كان من الحق أن يقوم بهذا العمل بتداول ومشورة جميع الصحابة. و) عدم كفاءة اللجنة المنتخبة الأولية. بعد انتخاب اللجنة الأولية، أُضيف عدد آخر من الصحابة إلى تلك اللجنة، وهذا بحد ذاته يدل على عدم كفاءة الأفراد المنتخبين (معرفت، التمهيد في العلوم القرآن، 1393: 383). ز) حرق وإحراق المصاحف الأخرى، بما في ذلك مصحف ابن مسعود (الزرقاني، مناهل العرفان، 1385: 297؛ السجستاني، كتاب المصاحف، 1405هـ: 499؛ البخاري، صحيح البخاري، 1410هـ: 8/ 101، ح 4345). على الرغم من أن البعض يرى أنه في بحث توحيد المصاحف لم يحدث «حرق» بل «خرق» بمعنى التمزيق (راجع: مناع القطان، مباحث في علوم القرآن، 1421: 131)، يقول ابن حجر في شرح حديث البخاري: في رواية الأكثر «الخرق» بالخاء المعجمة. على أي حال، بافتراض إثبات أي منهما، فإن أصل المسألة، وهو إتلافها، يظل قائماً (راميار، تاريخ قرآن، 1369: 431). ح) وجود رسوم مختلفة في المصاحف المختلفة. هذا النقص في عدم التنسيق يظهر من تلك اللجنة. لا يمكن إخفاء أنهم في هذا العمل الكبير استعجلوا. كان الخلاف حول المصاحف في البلاد الإسلامية، وخاصة في النقاط الحساسة من أراضي الدولة، قد اشتد، وكان من الضروري أن يتم هذا العمل بسرعة؛ لذا استعجل عثمان لسد باب الخلاف في أسرع وقت ممكن (راميار، تاريخ قرآن، 1369: 455)، ولكن العجلة في هذا العمل الكبير لا تبدو معقولة جداً؛ خاصة وأن الفكرة الأولية لهذه النظرية كانت من طرف حذيفة.
الهدف الأساسي لعثمان ومنهجه
الآن لا بد من الإجابة عن هذا السؤال: أساساً، لماذا أقدم عثمان على مثل هذا العمل الكبير؟ ألم يكن بإمكان الخلفاء السابقين القيام بهذا العمل مع أنهم حاولوا؟ هل كان هدف عثمان جمع المصاحف المختلفة وجمع الناس على مصحف واحد؟ بالطبع، كان هذا الهدف الديني موجوداً، ولكنه لم يكن كل الهدف وكل الكلام. بيان بضع نقاط يوضح الإجابة على السؤال: كان عثمان يعتبر ممثل الأسرة الأموية، وكانوا يكنون له حباً كبيراً. كان زمن عثمان زمن الأرستقراطية، بينما لم يكن زمن عمر وأبي بكر كذلك. عمر، وإن كان ثرياً، لم يكن أرستقراطياً. كان عثمان أرستقراطياً من النوع الأموي ذي الخلفية الإسلامية (جعفريان، تاريخ الخلفاء، 1385: 144). كانت ثروة الصحابة في هذه الفترة كبيرة جداً (نفس المصدر، 194). إذن، في الحقيقة، يمكن القول إنه بالنظر إلى الظروف الاقتصادية المواتية التي كانت موجودة في زمنه والثروة التي كانت في يده، وأن مدة خلافته كانت أطول من الخلفاء السابقين، فمن الطبيعي أن تقتضي الظروف أن يتمكن من القيام بمثل هذا العمل الكبير؛ ورغم أنه لم يكن ناجحاً جداً في هذه الحركة، وامتد اختلاف القراءات بعد توحيد المصاحف إلى المدن أيضاً. كما كان زمن عثمان زمن التمرد. كانت الأحزاب الموالية للأمويين تسيطر على الأمور، ورد الفعل على ذلك كان معارضة جماهير الناس. هذه المعارضة ظهرت بسرعة كبيرة وازدادت حدتها يوماً بعد يوم. قام عثمان بإجراء توحيد المصاحف، وبهذا العمل الواحد، استهدف عدة أهداف؛ منها: 1. بالاستفادة من النص المعد مسبقاً، استفاد من الأرضية الممهدة مسبقاً لفرض نص موحد. 2. أعطى امتيازاً لأسلافه. 3. أخرج سلاح الكتاب من أيدي المعارضين. 4. حصل على امتياز كبير لآل عثمان والأمويين. نادراً ما يحدث أن تتطابق مصلحة فئة حاكمة قليلة مع المصلحة الدائمة لمجتمع ما، وهذا من نوادر الزمان. قد يكون عمل عثمان مؤيداً، ولكن الطريقة التي اختارها لا تستحق ذلك التقدير.
الخاتمة
لم يكن جمع المصحف عملاً غير مسبوق، بل له سابقة في حياة النبي ﷺ. ولكن توحيد المصاحف نُسب إلى عثمان، ومن المؤكد أن هذا الإجراء تم في زمنه بالنظر إلى الظروف الاقتصادية والسياسية المواتية. في الحقيقة، كان الخلفاء السابقون قد مهدوا الطريق لمثل هذا الإجراء إلى حد ما. على الرغم من جهوده واللجنة المنسوبة إليه، لم يكن هذا العمل ناجحاً جداً، ونطاق اختلاف القراءات لم يتقلص فحسب، بل اتسع وامتد إلى مدن مختلفة. ربما يمكن القول إن أصل هذا الإجراء جدير بالثناء، ولكن طريقته وأداءه موضع انتقاد. إحدى تلك الطرق هي تحمّل القراءات في المصحف العثماني، التي وسعت نطاق الخلافات ولم تؤمن الهدف المنشود.
المصادر
1. القرآن الكريم، ترجمة عبد المحمد آيتي، طهران: سروش، الطبعة الرابعة، 1374ش.
2. ابن أبي الحديد، عبد الحميد بن هبة الله، شرح نهج البلاغة، قم: مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 1404هـ.
3. ابن الأثير، أبو جعفر محمد بن الجزري، عز الدين، أسد الغابة في معرفة الصحابة، بيروت: دار الفكر، 1409هـ.
4. ابن بابويه، محمد بن علي، معاني الأخبار، ترجمة علي محمدي، طهران: دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثانية، 1377ش.
5. ابن الجزري، محمد بن محمد، النشر في القراءات العشر، بيروت: دار الكتب العلمية، دون تاريخ.
6. ابن خلكان، أحمد بن محمد، وفيات الأعيان، القاهرة: دون ناشر، 1310هـ.
7. ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة، قم: مكتب الإعلام الإسلامي، 1404هـ.
8. ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت: دار صادر، الطبعة الثالثة، 1414هـ.
9. الأثير، مبارك بن محمد، النهاية في غريب الحديث والأثر، تصحيح: محمود محمد طناحي، قم: إسماعيليان، الطبعة الرابعة، 1367ش.
10. البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، مصر: إحياء كتب السنة، الطبعة الثانية، 1410هـ.
11. الترمذي، محمد بن عيسى، الجامع الصحيح، مصر: دار الحديث، 1419هـ.
12. جعفريان، رسول، تاريخ الخلفاء، طهران: دليل ما، الطبعة الرابعة، 1385ش.
13. الحجتي، محمد باقر، تاريخ القرآن، طهران، 1365ش.
14. حسين يوسف، موسى، فرهنگ ابجدي الفبايي عربي فارسي، قم: مكتب الإعلام الإسلامي، 1410هـ.
15. حنفي، ناصف، تاريخ الأدب، دون مكان: دون ناشر، 1958م.
16. خوش خاضع، محمد جمال الدين، تاريخ قرآن كريم، طهران: فرهيزش، 1385ش.
17. الدمياطي، بناء أحمد بن محمد، إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشرة، تصحيح علي محمد ضباع، القاهرة: مطبعة عبد الحميد أحمد حنفي، دون تاريخ.
18. الراغب الأصفهاني، حسين بن محمد، ترجمة وتحقيق مفردات ألفاظ القرآن، طهران: مرتضوي، الطبعة الثانية، 1374ش.
19. راميار، محمود، تاريخ قرآن، طهران: أمير كبير، الطبعة الثالثة، 1369ش.
20. الزرقاني، محمد عبد العظيم، مناهل العرفان في علوم القرآن، ترجمة محسن آرمين، طهران: پژوهشگاه علوم انساني و مطالعات فرهنگي، 1385ش.
21. الزركشي، محمد بن عبد الله، البرهان في علوم القرآن، بيروت: دار المعرفة، 1410هـ.
22. الزمخشري، محمود بن عمر، الفائق في غريب الحديث، تحقيق: إبراهيم، شمس الدين، بيروت: دار الكتب العلمية، 1417هـ.
23. الزنجاني، أبو عبد الله، تاريخ القرآن، طهران: منظمة الإعلام الإسلامي، 1404هـ.
24. السجستاني، أبو بكر بن أبي داود، كتاب المصاحف، القاهرة: الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، 1423هـ.
25. السيوطي، عبد الرحمن، الإتقان في علوم القرآن، ترجمة سيد مهدي حائري قزويني، طهران: أمير كبير، الطبعة الرابعة، 1384ش.
26. السيوطي، عبد الرحمن، تدريب الراوي، تحقيق د. أحمد، بيروت: دار الكتاب العربي، 1405هـ.
27. الطريحي، فخر الدين بن محمد، مجمع البحرين، طهران: مرتضوي، الطبعة الثالثة، 1375ش.
28. العسكري، سيد مرتضى، القرآن الكريم وروايات المدرستين، طهران: مجمع العلمي الإسلامي، الطبعة الثانية، 1416هـ.
29. العلاف، أديب، البيان في علوم القرآن، دمشق: مكتبة الفارابي، 1422هـ.
30. الفضلي، عبد الهادي، تاريخ قراءات قرآن كريم، ترجمة محمد باقر حجتي، طهران: أسوة، 1388ش.
31. القطان، مناع، مباحث في علوم القرآن، بيروت: مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، 1421هـ.
32. المحلاتي، ذبيح الله، كشف البيان، دون مكان: كاتب، 1382هـ.
33. معارف، مجيد، تاريخ عمومي حديث، طهران: كوير، الطبعة الحادية عشرة، 1389ش.
34. معارف، مجيد، درآمدي بر تاريخ قرآن، طهران: نبأ، 1383ش.
35. معرفت، محمد هادي، التمهيد في علوم القرآن، ترجمة جواد إيرواني، قم: ذوي القربى، الطبعة الثالثة، 1392ش.
36. النسائي، أحمد بن علي، السنن الكبرى، تحقيق بنداري، عبد الغفار سليمان، بيروت: دار الكتب العلمية، 1411هـ.