دراسة عبارة «حتى إذا» من منظور علم الوقف والابتداء

الملخص

لم يتم تفسير تركيب «حتى إذا» في الآيات القرآنية بمعنى واحد من وجهة نظر النحويين وأهل التفسير وعلماء الوقف والابتداء. فبناءً على رأي أهل النحو والبلاغة، عندما تدخل «حتى» على «إذا»، لا يمكن بعد ذلك أن يُعنى بها الغاية. ولكن من وجهة نظر أهل التفسير، لا ينفك معنى الغاية عن «حتى» وإن دخلت على جملة مصدرة بـ«إذا». كما أن علماء الوقف والابتداء، بالنظر إلى موقع الجملة المصدرة بـ«حتى إذا» ومكانتها النحوية والمعنوية في أغلب الموارد، قد أخذوا بكونها غائية، واعتبروا الجملة التي تليها مرتبطة بما قبلها. وأما المفسرون الذين يميلون إلى الجانب الأدبي البلاغي في تفسير الآيات، فقد أخذوا هذا التركيب من الناحية النحوية على أنه ابتدائي، ومن الناحية المعنوية على أنه غائي، وعينوا لكل موضع من مواضع استعمال «حتى إذا» في الآيات، جملاتٍ مغيّاة – سواء كانت صريحة أم مضمرة ومقدرة. إلا أن استعمال «حتى إذا» في الآيات القرآنية يؤيد رأي أهل التفسير، وغالباً ما يكون لبيان غاية عمل أو حدث بُيّن مطلعه في الآيات أو الجمل السابقة. وقد يكون ذكر ذلك الحدث أو العمل ظاهراً أو خفياً. وعليه، فالأفضل لقارئ القرآن عند مواجهة هذا التركيب أن يصل العبارات التي قبله وبعده ببعضها البعض، وفي حال ضاق نفسه، فإنه يشير إلى هذا الاتصال للمستمع بلحن انتظاري أو باختيار موضع وقف حسن بعد «حتى إذا».

مقدمة

من المباحث المهمة والمؤثرة في فهم عبارات أي لغة، ومنها لغة القرآن، بحث حروف المعاني في تلك اللغة. فالحروف هي مفاصل ومواصل الكلمات والجمل، وشأنها أن العبارات بدون هذه الأدوات لا تجد رابطاً يربطها ببعضها. من جملة الحروف «حتى» التي تُستخدم عادة لبيان غاية الفعل أو القول أو الحدث الذي يسبقها. من جهة أخرى، عندما تدخل «حتى» على جملة مصدرة بـ«إذا»، فإنها تفقد عملها في الغاية وتتحول إلى حرف ابتداء، بناءً على رأي غالبية النحويين. ولكن استعمال تركيب «حتى إذا» في آيات القرآن يخالف هذا الأمر. والدراسة التفصيلية للآيات ذات الصلة في المصادر النحوية والتفسيرية ومصادر الوقف والابتداء تثبت هذا الادعاء.

السؤال الأساسي في هذا التحقيق هو: هل تنصرف «حتى» إذا وردت في بداية جملة مصدرة بـ«إذا» في آيات القرآن عن معناها الأصلي (الغاية)؟

الفرضية التي يتبناها هذا البحث هي أن معنى الغاية لا يفارق «حتى» وإن دخلت على جملة مصدرة بـ«إذا».

1. أنواع «حتى» و«إذا» واستعمالاتهما في علم النحو

أ) أنواع «حتى» في علم النحو

في مصادر النحو العربي، تُقسّم «حتى» إلى أربعة أقسام:

الأول: حرف جر بمنزلة «إلى» في المعنى والعمل؛ مثل: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (القدر/ 5).

الثاني: حرف عطف بمنزلة الواو يعطف اسمين أحدهما على الآخر؛ مثل: أكلتُ السمكةَ حتى رأسَها.

الثالث: «حتى» الناصبة التي تدخل على الفعل المضارع؛ مثل: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (الحجرات/ 9).

الرابع: حرف ابتداء، يأتي في أول الجملة (عادة الفعلية) التي تكون مستأنفة، ويكون مضمونها غاية لما قبلها. علامة هذا النوع من «حتى» هو إمكانية وضع الفاء مكانها؛ مثل: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ (البقرة/ 214) حسب قراءة نافع الذي يقرأ «يقولُ» بالرفع، ومثل: ﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ (الأنعام/ 34). علامة استعمال «حتى» للغاية هي إمكانية إحلال «إلى أن» محلها.

في القسم الرابع، تدخل «حتى» على «إذا» أيضاً، وتكون حرف ابتداء حسب رأي جمهور النحويين، والجملة بعدها لا محل لها من الإعراب، ويكون مضمونها غاية لما قبلها، ومن هذا الجانب تشترك مع حرف الجر وحرف العطف؛ مثل: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران/ 152).

جواب «إذا» في هذا النوع من الجمل محذوف، وتقديره في الآية المذكورة: امتحنتم أو انقسمتم إلى قسمين. وهذا الجواب المقدر مستفاد من جملة ﴿مِنكُم مَن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَن يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (آل عمران/ 152). وتكون «إذا» في هذا النوع من الجمل في موضع نصب بالجملة الشرطية أو جوابها، ونظير ذلك حذف جواب «لما» في جملات مثل: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ﴾ حيث الجواب المقدر: انقسموا قسمين فمنهم مقتصد ومنهم غير ذلك (ابن هشام، مغني اللبيب، 1378: 1/ 166-176؛ إميل بديع يعقوب، موسوعة النحو والصرف والإعراب، 1998: 342-344).

باستثناء المعنى الثاني لـ«حتى»، فإن بقية مواضع استعمالها تكون لبيان الغاية أو التعليل أو سببية الفعل أو القول أو الحدث الذي يسبقها.

ب) أنواع «إذا» في علم النحو

في اللغة العربية، استُعملت «إذا» بمعنيين: اسمي وحرفي.

«إذا» الاسمية نوعان:

الأول: ظرف زمان يؤدي وظيفة المفعول فيه، ويأتي غالباً بعد القسم؛ مثل: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ (النجم/ 1).

الثاني: ظرف زمان يتضمن معنى الشرط ويختص بالجمل الفعلية (وغالباً مع الفعل الماضي)؛ مثل: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (النصر/ 1). «إذا تم العقل نقص الكلام». وإذا جاء بعدها اسم مرفوع، قُدِّر له فعل؛ مثل: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ (الانشقاق/ 1).

أما «إذا» الحرفية فتُسمى «إذا الفجائية»، وتختص بالجملة الاسمية، وعادة لا تقع في ابتداء الكلام؛ مثل: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ (طه/ 20)، و﴿فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (يونس/ 23)؛ (المجمع العلمي الإسلامي، تهذيب المغني، 1413: 21-22؛ دحداح، معجم قواعد العربية من القرآن، 2009م: 84، فائز، علم أدوات القرآن، 2011م: 26).

في آية: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (الروم: 48) اجتمع كلا نوعي «إذا» (المجمع العلمي الإسلامي، تهذيب المغني، 1413: 22).

2. دراسة الآيات المشتملة على تركيب «حتى إذا» من حيث التكرار

مجموع الآيات القرآنية المشتملة على تركيب «حتى إذا» هو 41 آية في 42 موضعاً. من هذا العدد، 14 موضعاً في ابتداء الآية والبقية في أثناء الآية. ومواضع الآيات حسب ترتيب المصحف الشريف هي: آية 152 من سورة آل عمران؛ 6 و18 من سورة النساء؛ 25، 31، 44 و61 من سورة الأنعام؛ 37، 38 و57 من سورة الأعراف؛ 118 من سورة التوبة؛ 22، 24 و90 من سورة يونس؛ 40 من سورة هود؛ 110 من سورة يوسف؛ 71، 74، 77، 86، 90، 93 و96 من سورة الكهف؛ 75 من سورة مريم؛ 96 من سورة الأنبياء؛ 64، 77 و99 من سورة المؤمنون؛ 39 من سورة النور؛ 18 و84 من سورة النمل؛ 23 من سورة سبأ؛ 71 و73 من سورة الزمر؛ 34 من سورة غافر؛ 20 من سورة فصلت؛ 38 من سورة الزخرف؛ 15 من سورة الأحقاف؛ 4 و16 من سورة محمد ﷺ؛ 24 من سورة الجن.

أعلى تكرار هو في سورة الكهف حيث ورد ثماني مرات في سبع آيات (في الآية 96 ورد التركيب مرتين). 38 موضعاً من استعمالات التركيب المذكورة في الآيات مصحوبة بالمغيا والجواب الصريح، وأربعة مواضع بجواب مقدر.

3. رؤية تفسير التحرير والتنوير

ينقسم استعمال «حتى إذا» في هذا التفسير إلى ثلاثة أقسام: ابتدائية؛ ابتدائية – غائية؛ وغائية.

القسم الأول: المواضع التي عُرفت فيها «حتى إذا» في الآيات بأنها ابتدائية، واعتُبرت الجملة التي تليها سببية؛ مثل آية ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ فِي النَّارِ ۖ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ۖ حَتَّىٰ إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ﴾ (الأعراف/ 38).

يقول ابن عاشور في توضيح الجملة المصدرة بـ«حتى إذا»: «حتى» في قوله: «حتى إذا اداركوا» ابتدائية في حيز الاستئناف وتفيد التسبب لمضمون قبلها.

وهو من جهة أخرى، يعتبر جملة «كلما دخلت أمة لعنت أختها» استئنافاً ابتدائياً أو معترضة بين «قال ادخلوا» في أول الآية و«حتى إذا»، ويستنتج أنه في هذه الحالة، تكون جملة «حتى إذا اداركوا فيها جميعاً…» مرتبطة بـ«ادخلوا» في صدر الآية، وتقدير الكلام يكون: فيدخلون حتى إذا اداركوا… (ابن عاشور، التحرير والتنوير، 1984: 8/ 92).

مع هذه التوضيحات يُطرح السؤال: إذا كانت الجملة بعد «حتى إذا» مستأنفة، فكيف ترتبط بأول الآية؟ هذا الارتباط يدل على نوع من الاستمرارية في دخول أمم من الجن والإنس في جهنم حتى يتحولوا إلى مجتمع واحد. كذلك، «حتى إذا» في الآيات 25، 31 و44 من سورة الأنعام؛ 39 من سورة النور؛ 84 من سورة النمل؛ 71 من سورة الزمر، تعتبر ابتدائية من وجهة نظر ابن عاشور، وقد بيّن لكل منها توضيحاً شبيهاً بما ذُكر في الآية 38 من سورة الأعراف (انظر: المصدر نفسه، 6/ 65، 6/ 58، 18/ 101، 19/ 203، 24/ 311، 136).

القسم الثاني: الآيات التي ورد فيها كلا التعبيرين «ابتدائية» و«غائية» لـ«حتى إذا» بشكل صريح، ويغلب وجه الغائية بناءً على التوضيح والتوجيه الذي يقدمه ابن عاشور. هذه الآيات هي: 6 من سورة النساء؛ 37 و57 من سورة الأعراف؛ 22، 24 و90 من سورة يونس؛ 110 من سورة يوسف؛ 71، 74، 77، 86 من سورة الكهف؛ 75 من سورة مريم؛ 96 من سورة الأنبياء؛ 64، 77 و99 من سورة المؤمنون؛ 18 من سورة النمل؛ 23 من سورة سبأ؛ 20 من سورة فصلت؛ 38 من سورة الزخرف؛ 15 من سورة الأحقاف؛ 4 و16 من سورة محمد؛ 24 من سورة الجن.

فيما يلي خلاصة لبيان ابن عاشور وتوجيهه في بعض هذه الآيات:

في آية ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (النساء/ 6)، «حتى» ابتدائية ومفيدة للغاية والابتداء، أو كونها جارة بحسب مدخولها (المصدر نفسه، 4/ 29).

في آية ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ (الأعراف/ 37)، «حتى» ابتدائية؛ لأن الجملة تقع بعدها، وفي هذه الحالة تفيد السببية، وتدل أيضاً على أن مضمون الكلام بعدها له أهمية أكبر من حيث الإلقاء ونقل الكلام إلى المخاطب؛ كما هو الحال في الآية 31 من سورة الأنعام. في الآية موضع البحث، يُلقي الكلام بعد «حتى» الهول والوحشة في لحظة قبض الأرواح، وهذا النوع من البيان الذي يتسم بالتهديد والموعظة يكون أشد تأثيراً من الوعيد المعتاد. منهج القرآن في آيات أخرى عديدة هو تخويف المشركين من خلال ذكر شدائد الموت (المصدر نفسه، 8/ 89).

يقول ابن عاشور في جزء آخر من تفسير هذه الآية: جملة «حتى إذا جاءتهم رسلنا» تفصيل لمضمون عبارة «ينالهم نصيبهم من الكتاب… فالوقت الذي أفاده قوله «إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم» هو مبدأ وصف نصيبهم من الكتاب حين ينقطع عنهم الإمهال الذي لقوه في الدنيا» (نفسه). ويقول من جهة أخرى: الغاية التي يدل عليها الكلام هي غاية خبرية ينقلها المخبر، لا غاية موجودة بين جملتين معطوفتين على بعضهما.

التعابير السابقة تبين بوضوح أن صاحب تفسير التحرير والتنوير من جهة يقع في إشكالية التوجيه النحوي لتركيب «حتى إذا» (أي كونها ابتدائية)، ومن جهة أخرى، في مقام بيان معنى ودلالة الآية التي تتضمن هذا التركيب. من خلال التوضيحات المذكورة في تفسير الآية 37 من سورة الأعراف والمواضع المشابهة لها، يتضح تماماً أن بين الجمل قبل وبعد «حتى إذا» ارتباطاً لفظياً-معنوياً وثيقاً من نوع السبب والمسبب، واللازم والملزوم، والإجمال والتفصيل. بعبارة أخرى، بالنظر إلى مضمون الآية الشريفة، يستمر نصيب المشركين المفترين على الله من أرزاق حياتهم في هذه الدنيا حتى لحظة وفاتهم. وبمجرد حلول وقت الموت، تنتهي مهلة الافتراء والشرك، وتبدأ مرحلة جديدة من حياتهم (سؤال وجواب، حساب وكتاب، وجزاء). إذن، يمكن القول إن نصيبهم من الكتاب (القدر) يبدأ من حياتهم في الدنيا ويستمر حتى جزائهم في الآخرة (مستفاد من مضمون الآيتين 37 و38 من سورة الأعراف ومضمون ومفهوم كلام ابن عاشور في التوجيه والتفسير النحوي والمعنوي للآية 37 من هذه السورة). ببيان آخر، يُكتب مصير هؤلاء الأفراد في الدنيا (بناءً على أعمالهم) ويتجسد في الآخرة، وهذا مصداق لدخول الغاية في المغيا نفسه.

في آية ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيْتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف/ 57). «حتى» ابتدائية وغاية لمضمون «بشراً»؛ تنشر السحاب حتى إذا أقلت سحاباً أنزلنا به الماء. فإنزال الماء هو غاية تقدم الرياح وسبقها المطر. ثم يعيّن لهذه الغاية أجزاءً، يستنبط أولها من مضمون «أقلت»، وثانيها من «ثقالاً»، وثالثها من «سقناه». ويعتقد أن كل جزء من هذه الأجزاء هو غاية لإرسال الرياح (المصدر نفسه، 8/ 140). بعبارة أخرى، إرسال الرياح لثلاثة أغراض: أقلت (حملت ورفعت)، وثقل السحب، وسوق تلك السحب الثقيلة إلى أرض ميتة. هذه الغايات الثلاث هي أجزاء من الغاية الأصلية وهي إنزال الماء.

في آية ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ…﴾ (يونس/ 22) «حتى» غاية لتسيير «هو الذي يسيركم» وهي هنا ابتدائية. مجيء الريح العاصفة هو غاية التسيير الهنيء والهادئ الذي يسيره الله للإنسان في البحر (المصدر نفسه، 11/ 56)؛ بعبارة أخرى، تسيير الإنسان في البحر من قِبل الله يكون في البداية مصحوباً بريح طيبة (هادئة)، ولكنه بسبب غفلة الإنسان وكبريائه يتحول إلى ريح عاصفة، وهذا بيان لحالات الإنسان في أوقات الفرح والراحة (النعم) والشدة والصعوبة (النقم).

في آية ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا…﴾ (يونس/ 24) هي مثل ﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ (يونس/ 22). وغاية عبارة «أخذت الأرض…» من حيث إن بهجة الأرض وزينتها ونعمها آيلة إلى الزوال والفناء، ولكن الناس برؤيتهم للنعم الظاهرية للدنيا ينسون فناء هذه النعم وزوالها. معنى الغاية المتضمن في «حتى» هو بيان تمثيلي وتشبيهي للمراتب المختلفة والأطوار الوجودية بين مبدأ ظهور لذات الحياة الدنيا ومنتهاها (المصدر نفسه، 11/ 61). في هذه الحالة يمكن القول: إن من خصائص الحياة في هذه الدنيا امتزاج النعمة والنقمة، والخير والشر، والجمال والقبح، والنفع والضر، وفي النهاية فناءها؛ إذن، الغاية هنا داخلة بل مندمجة في المغيا.

في آية ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (يونس/ 90) «حتى» ابتدائية لـ«إذا» الفجائية التي تليها وغاية للاتباع؛ وعليه فإن تقدير الكلام هو: استمر اتباعه إياهم إلى وقت إدراك الغرق إياه (المصدر نفسه، 11/ 169).

في آية ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (يوسف/ 110) «حتى» ابتدائية وعاطفة بين «إذا استيأس الرسل» و ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ﴾ (يوسف/ 109). وفي الوقت نفسه، «حتى» غاية وإشارة لمعنى محذوف تقديره: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فكذبهم المرسَل إليهم واستمروا على التكذيب فدام تكذيبهم وإعراضهم وتأخر تحقيق ما أنذروهم به من العذاب حتى اطمأنوا بالسلامة وسخروا بالرسل وأيس الرسل من إيمان قومهم (المصدر نفسه، 12/ 129).

في الآيات 71، 74، 77 و86 من سورة الكهف، «حتى» غاية للانطلاق (المصدر نفسه، 15/ 110، 112، 114 و127).

في آية ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (النمل/ 18)؛ «حتى» ابتدائية ولا يفارقها معنى الغاية (المصدر نفسه، 19/ 238 و 26/ 83).

في آية ﴿حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (فصلت/ 20)، «حتى» عندما تدخل على «إذا» تكون من الناحية اللفظية حرف ابتداء ومن الناحية المعنوية حرف انتهاء (المصدر نفسه، 25/ 36).

في آية ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ (الأحقاف/ 15)، «حتى إذا» ابتدائية وبمعنى فاء التفريع. في هذه الحالة، وقوع «إذا» بعد «حتى» هو لترتيب توقيت الجملة بعد «حتى» كغاية. الغاية هنا هي وقت «بلوغ الأشد»، وإذا أخذناها غاية، فإن الأمر الإلهي بالإحسان إلى الوالدين يستمر حتى بلوغ الأشد؛ بعبارة أخرى، تكليف الإحسان بالوالدين يستمر حتى بلوغ الأشد وبعده (المصدر نفسه، 26/ 27).

في آية ﴿حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾ (الجن/ 24)، معنى الغاية لا يفارق «حتى»، أياً كان عمل «حتى» (المصدر نفسه، 29/ 228).

القسم الثالث: الآيات التي صُرّح فيها بغائية «حتى إذا». هذه الآيات هي: 152 من سورة آل عمران؛ 61 من سورة الأنعام؛ 118 من سورة التوبة؛ 40 من سورة هود؛ 96 من سورة الكهف؛ 73 من سورة الزمر؛ 34 من سورة غافر.

في توجيه غائية «حتى إذا» في المواضع المذكورة، ورد ما يلي:

في آية ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ﴾ (آل عمران/ 152)، «حتى» جارة وحرف انتهاء وغاية، ومضمون الجملة بعدها غاية لما قبلها. وفي هذه الحالة، يكون تقدير الكلام: إذ تقتلونهم بتيسير الله واستمر قتلكم إلى حصول الفشل لكم (ابن عاشور، التحرير والتنوير، 1984: 3/ 251)؛ أي إن هذا القتال ونصرة المسلمين على عدوهم استمر حتى زمن ظهور الضعف والنزاع والعصيان لأمر الله بين المسلمين. مفهوم المخالفة لهذه الجملة هو أنه لو لم يكن هناك ضعف ونزاع وعصيان في عمل المسلمين، لكانت نصرتهم مؤكدة.

في آية ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ (الأنعام/ 61)، ﴿إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ غاية لما دل عليه عنوان «حفظة»؛ أي إحصاء وتعداد عمر الإنسان؛ لذا تقدير الجملة: إحصاء الحفظة ينتهي بموت الإنسان، وعندما يأتي الأجل، وهو نهاية مهلة الحياة في هذه الدنيا، تتوفى رسلنا ذلك الشخص (المصدر نفسه، 6/ 142)؛ بعبارة أخرى، إرسال «الحفظة» لمراقبة وتسجيل أعمال الإنسان يستمر حتى وقت موته، وبتعبير القرآن، لا يُغفل شيء: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ (الكهف/ 49).

في آية ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ…﴾ (هود/ 40)، «حتى» غاية لـ﴿يَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾ (هود/ 38)، وتقدير الكلام: يصنعه إلى زمن مجيء أمرنا (المصدر نفسه، 11/ 252)؛ أي أن بناء السفينة من قبل نوح استمر حتى حلول الأمر الإلهي (مجيء الطوفان وغرق قوم نوح باستثناء الناجين).

في آية ﴿أَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ (الكهف/ 96)، وردت «حتى إذا» مرتين. يقول ابن عاشور عن الموضع الأول: إن «حتى» هذه تشعر بمغيا قبلها تقديره: فآتوه زبر الحديد فنضدها وبناها حتى إذا جعل ما بين الصدفين مساوياً لعلو الصدفين (المصدر نفسه، 15/ 136؛ وانظر أيضاً: الطيب إبراهيم، إعراب القرآن الكريم، 1426: 303)؛ أي أنهم أحضروا لذي القرنين قطع الحديد، فرصفها بعضها فوق بعض حتى غطى تماماً ما بين الجبلين.

في آية ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (الزمر/ 73)، تقدير الكلام: حتى زمن مجيئهم إلى أبواب الجنة (ابن عاشور، التحرير والتنوير، 1984: 24/ 138)؛ أي أن سوق أهل التقوى إلى الجنة يستمر حتى يصلوا إلى أبوابها، وقد يكون هذا من باب شرف مقام أهل الجنة مقارنة بأهل النار.

4. رؤية تفسير الكشاف

الآيات التي عُرّف فيها تركيب «حتى إذا» في هذا التفسير بأنه غاية هي كالتالي: 152 من سورة آل عمران؛ 6 من سورة النساء؛ 25 و31 من سورة الأنعام؛ 37 من سورة الأعراف؛ 40 من سورة هود؛ 110 من سورة يوسف؛ 75 من سورة مريم؛ 96 من سورة الأنبياء؛ 99 من سورة المؤمنون؛ 23 من سورة سبأ؛ 4 من سورة محمد. في غالبية المواضع المتبقية، لم يُصرح بكون التركيب ابتدائياً أو غائياً.

فيما يلي نماذج من توجيه وبيان الزمخشري لغائية «حتى إذا».

في آية ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ (آل عمران/ 152)، تقدير الآية: صدقكم الله وعده إلى وقت فشلكم (الزمخشري، الكشاف، 1407هـ: 1/ 427)، أي أن تحقق الوعد الإلهي للمسلمين بهزيمة أعدائهم المحسوسة يستمر طالما لم يوجد ضعف (فشل) واختلاف ونزاع وعصيان لأمر الله. بعبارة أخرى، مفهوم المخالفة لهذا الكلام هو أنه إذا ساد الثبات والوحدة والطاعة بين المسلمين، فإن صدق الوعد الإلهي بنصرهم سيكون حتمياً أيضاً (انظر: طالقاني، پرتوي از قرآن، دون تاريخ: 5/ 378).

في آية ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ…﴾ (النساء/ 6)، تقدير الآية: جُعل البلوغ غاية الابتلاء، فيلزم وقوع الابتلاء قبله ضرورة كونه مغيا به (الزمخشري، الكشاف، 1407هـ: 2/ 338)؛ أي أن بلوغ اليتامى سن النكاح هو غاية اختبارهم. فاختبار عقول اليتامى وفحصها لمعرفة صلاحيتهم في أمور الدين وتسليم الأموال إليهم (من قبل الأولياء) يجب أن يستمر حتى بلوغهم (كمال العقل) ورشدهم، وهذا من المواضع التي تكون فيها الغاية داخلة في المغيا.

في آية ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (الأنعام/ 25)، «حتى إذا جاءوك…» يمكن أن تكون غاية لتكذيب الكفار للآيات القرآنية، و﴿إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى…﴾؛ أي أن غاية وعاقبة تكذيبهم هي المجادلة مع النبي صلى الله عليه وسلم وإنكاره. وتفسير وبيان مجادلتهم ورد في نهاية الآية بعبارة ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (المصدر نفسه، 2/ 14).

في آية ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ (الأنعام/ 31)، «حتى» غاية لتكذيب لقاء الله لا لخسرانهم؛ لأن خسرانهم لا غاية له، وتقدير الكلام: ما زال بهم التكذيب إلى حسرتهم وقت مجيء الساعة (المصدر نفسه، 2/ 16)؛ أي أن الذين يكذبون بلقاء الله – الذي يستمر حتى موتهم وقيام الساعة (التي تقوم، حسب الرواية النبوية، بموت كل إنسان) – هم خاسرون؛ وإن تنبهوا لخطئهم في ذلك الوقت وتحسروا، لكن لا يفيدهم ذلك شيئاً.

في آية ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ﴾ (هود/ 40)، «حتى» لبيان غاية جملة ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ (هود/ 38) (المصدر نفسه، 2/ 394).

في آية ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ (الأعراف/ 37)، «حتى» لإفادة الغاية وتفصيل الجملة التي قبلها، أي «ينالهم نصيبهم من الكتاب»؛ أي أن زمن وصول نصيبهم ومقدرهم من الله هو زمن موتهم.

في آية ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ (يوسف/ 110)، «حتى إذا استيأس الرسل» غاية لمغيا مقدر: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ (يوسف/ 109)؛ أي فتراخى نصرهم حتى استيأسوا عن النصر… حتى استشعروا القنوط… فجاءهم نصرنا (المصدر نفسه، 2/ 510؛ انظر أيضاً: الطيب إبراهيم، إعراب القرآن الكريم، 1426: 248). في هذا البيان، اعتبر تراخي وتأخر النصر الإلهي مغيا ليأس الرسل من النصر الإلهي؛ أي أن هذا الفاصل والتأخير في نصرة الرسل استمر حتى خلق حالة اليأس فيهم.

الآن، إذا أخذنا برأي بعض الأصوليين بأن الغاية داخلة في المغيا، يجب أن نقول إن تأخر النصر الإلهي استمر حتى تحقق يأس الرسل منه، وهذا بناءً على بيان الزمخشري سنة رائجة بين الرسل. ولكن إذا لم نعتبر الغاية داخلة في المغيا، يجب أن نقول إن هذا اليأس لم ينشأ في وجودهم، بل إن حالته وُجدت، وبمجرد وصول هذه الحالة، حلّ النصر الإلهي (انظر: الطبرسي، مجمع البيان، دون تاريخ: 13/ 133).

في آية ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ (المؤمنون/ 99)، «حتى إذا جاء أحدهم الموت» متعلق بـ«يصفون» (المؤمنون/ 96)، وتقدير الكلام: لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقت (المصدر نفسه، 3/ 202)؛ أي أن المشركين والكفار يصفون الله بهذا الوصف (الشرك) حتى وقت موتهم؛ بعبارة أخرى، الموت فقط هو الذي يمكن أن يقطع شركهم واستهزاءهم. وقد اعتبرها البعض، بناءً على رأي الزمخشري، غاية لـ«كاذبون» (المؤمنون/ 90) (السمين الحلبي، الدر المصون، 1411: 8/ 355).

في آية ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ…﴾ (سبأ/ 23)، اعتبر الزمخشري «حتى إذا» غاية لمفهوم الكلام في الآية، مثل ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ (النبأ/ 38)، وصرح بأن مغيا هذه الغاية هو انتظار وتمهل إذن الشفاعة (الزمخشري، الكشاف، 1407: 3/ 580). من جهة أخرى، يكتسب الإذن معنى بعد مرور فترة زمنية معينة؛ لذا، بوصول وقت الشفاعة، يزول الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم، فيسألون بعضهم البعض: ماذا قال الله؟ فيقولون: الحق، وهو الإذن بالشفاعة لمن يرضى الله عنه. بعبارة أخرى، هذا الانتظار للشفاعة (من قبل الشافعين) يكون مصحوباً بفزع وخوف شديد واضطراب ووحشة (المصطفوي، التحقيق، 1368: 9/ 81)، حتى يزول هذا الحال بأمر إلهي – وهو نابع من التذلل والشعور بالحقارة أمام العظمة الإلهية – ويصدر الإذن بالشفاعة (الطباطبائي، الميزان، 1417: 16/ 372).

في آية ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا…﴾ (محمد/ 4)، «حتى إذا» متعلق بالضرب أو الشد أو المن والفداء، وتقدير الكلام: تستمر حالات الضرب والشد أو المن والفداء حتى لا تبقى للمشركين شوكة (الزمخشري، الكشاف، 1407: 4/ 317).

5. رؤية تفسير مجمع البيان

في هذا التفسير، يمكن العثور على ما لا يقل عن اثني عشر موضعاً من استعمالات «حتى إذا» في الآيات، حيث يتجلى تعبير ومفهوم الغاية في معناها. هذه الآيات هي: 6 من سورة النساء؛ 31 من سورة الأنعام؛ 22 من سورة يونس؛ 40 من سورة هود؛ 110 من سورة يوسف؛ 93 و96 من سورة الكهف؛ 6 و77 من سورة المؤمنون؛ 18 من سورة النمل و4 من سورة محمد ﷺ.

في آية ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (الأنعام/ 31)، يقول أمين الإسلام الطبرسي: إذا قيل ما معنى الغاية في «حتى إذا جاءتهم الساعة» وما عاملها الإعرابي؟ يُجاب بأن معناها بيان نهاية حسرتهم يوم القيامة، والعامل المغيا هو «كذبوا»، وتقدير الكلام: كذبوا إلى أن ظهرت الساعة بغتة فندموا حيث لا تنفعهم الندامة (الطبرسي، مجمع البيان، دون تاريخ: 7/ 46)؛ أي أن تكذيبهم استمر حتى ظهرت القيامة فجأة. في ذلك الوقت، ندموا ولكن ما نفع الندم!

في ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ…﴾ (يونس/ 22)، الجملة بعد «حتى إذا» غاية التسيير في البحر (المصدر نفسه، 11/ 32). وفي آية ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ…﴾ (هود/ 40)، الجملة بعد «حتى إذا» متعلقة بـ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ (هود/ 37) (المصدر نفسه، 11/ 155). في آية ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ (يوسف/ 110)، الوصول إلى حالة اليأس لدى الرسل من إيمان الناس وتحقق يأسهم عن طريق الإخبار الإلهي، هو غاية لتأخير عقاب الأمم السابقة المكذبة (للأنبياء) حتى الأمة الإسلامية (المصدر نفسه، 13/ 133). وآية ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ (الكهف/ 93) غاية لمحل ترك ذي القرنين في مشرق الأرض (المصدر نفسه، 16/ 207). وآية ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ (الكهف/ 96) غاية لبناء سد يأجوج ومأجوج، و«حتى إذا جعله ناراً» غاية للنفخ في النار من قبل الحدادين لتقوية السد (المصدر نفسه، 16/ 209). آية ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم﴾ (المؤمنون/ 64) غاية لـ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالُ مِن دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ (المؤمنون/ 63؛ المصدر نفسه، 18/ 163). آية ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ (النمل/ 18) غاية لسير وسفر سليمان وجنوده (المصدر نفسه، 19/ 207). وآية ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ (محمد/ 4) غاية لـ«ضرب الرقاب» أو المبالغة في قتلهم بهدف إضعاف العدو ثم أسرهم (المصدر نفسه، 26/ 30).

في بقية مواضع استعمال هذا التركيب في تفسير مجمع البيان، لم يُصرح بكون «حتى إذا» غائية أو ابتدائية، بل اكتُفي بتفسير وبيان المعنى. ومع ذلك، قال الطبرسي في آية ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ (الأنعام/ 61): هذه «حتى» هي التي تقع بعدها جملة (المصدر نفسه، 7/ 46)، والمقصود ظاهراً هو كونها ابتدائية. وفي آية 37 من سورة الأعراف، تم التبيين بطريقة يُفهم منها عطف التركيب (المصدر نفسه، 8/ 52). وفي آية 38 من نفس السورة، يبدو أنه أُخذ بكل من الابتدائية والغائية لـ«حتى»: «حتى إذا اداركوا فيها، أي كان هذا حالهم حتى اجتمعوا فيها، فلما اجتمعوا فيها قالت أخراهم لأولاهم» (المصدر نفسه، 8/ 52)، والظاهر أن المقصود بـ«هذا حالهم» إشارة إلى الجملة قبل «حتى إذا» في الآية، أي «كلما دخلت أمة لعنت أختها»؛ بعبارة أخرى، حال أهل النار (حسب هذه الآية) أن كل جماعة تدخل تلعن نظيرتها، ويستمر هذا اللعن حتى تجتمع كل الجماعات – من الجن والإنس – وعندها يتغير حالهم ووضعهم، فتخاطب الجماعة التابعة الله قائلة: هذه الجماعة الأولى، أي رؤساء الكفر، وبتعبير الإمام الصادق (ع)، أئمة الجور، هم الذين أضلونا عن الطريق الصحيح… (نفسه).

6. رؤية تفسير الميزان

صرح العلامة الطباطبائي في تسعة مواضع من استعمالات «حتى إذا» بغائيتها، وبادر إلى بيان المتعلق والمغيا لكل آية منها. وفي عشرة مواضع أخرى، فسر الآيات بطريقة يتضح منها معنى الغاية من الآية. وفي بقية المواضع، يبدو أن التصريح أو عدم التصريح بغائية هذه الجمل لا موضوعية له، وقد تناول بيان الآيات كالمعتاد في هذا التفسير.

المواضع التسعة التي صُرح فيها بغائية «حتى إذا» هي كالتالي:

في آية ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ (الأنعام/ 61)، إطلاق إرسال «الحفظة» في «ويرسل عليكم حفظة» هو مغيا لمجيء الموت، أي «حتى إذا جاء أحدكم الموت» (الطباطبائي، الميزان، 1417: 7/ 131).

في آية ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ (الأعراف/ 37)، في هذه الآية، أجل الموت غاية لجميع شؤون الحياة الدنيا، والمقصود بـ«الكتاب» في عبارة «أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب» هو جميع مقدرات حياة الإنسان من عمر ومعيشة وغنى وصحة ومال وولد (المصدر نفسه، 8/ 112).

في آية ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ…﴾ (يوسف/ 110)، عبارة «حتى إذا استيأس» متعلق بالغاية (لا هي نفسها)، بحيث تُفهم الغاية ومتعلقها من الآية السابقة، وتقدير الكلام في هذه الحالة: تلك الرسل الذين كانوا رجالاً أمثالك من أهل القرى دعوهم فلم يستجيبوا وأنذروهم بعذاب الله فلم ينتهوا حتى إذا استيأس الرسل من إيمان أولئك الناس… (المصدر نفسه، 11/ 279).

في آية ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ (الأنبياء/ 96)، قيل إن السياق يقتضي غائية «حتى إذا فتحت» للآيتين السابقتين (فمن يعمل من الصالحات… لا يرجعون) (المصدر نفسه، 14/ 326)؛ وفي هذه الحالة، يكون معنى العبارات: الأمر الإلهي بتسجيل أعمال المؤمنين الصالحة وتقدير سعيهم وإهلاك الظالمين وتحريم رجوعهم إلى الدنيا يستمر حتى يُكسر سد يأجوج ومأجوج، وهذه من علامات وقوع القيامة.

في آية ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ (النمل/ 18)، «حتى» غاية لمفهوم الآية التي قبلها (المصدر نفسه، 15/ 353).

في آية ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ (سبأ/ 23)، «حتى» غاية لوجود قلوب الملائكة، الذين هم أسباب الشفاعة، في فزع ممتد، ونسبة الفزع – الذي يعني التأثر والانقباض الناتج عن الخوف الإلهي – إلى قلوبهم هو لبيان أن الملائكة غائبون عن أنفسهم وعن كل شيء سوى الله، حتى يزول ذلك بصدور الأمر الإلهي. فتقدير الكلام: هم (الملائكة كأسباب للشفاعة وإنفاذ الأوامر الإلهية) في فزع حتى يزول الفزع بصدور الأمر الإلهي «كن» (المصدر نفسه، 16/ 372).

في آية ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ (الزخرف/ 38)، «حتى» غاية لاستمرار الفعلين اللذين دلت عليهما الآية السابقة، أي «ليصدونهم» و«يحسبون»، وتقدير الكلام: لا يزال القرناء يصدونهم ولا يزالون يحسبون أنهم مهتدون حتى إذا جاءنا الواحد منهم (المصدر نفسه، 18/ 103).

مضمون الآيات الثلاث 36 إلى 38 هو أن من يعرض عن ذكر الله، نقيض له شيطاناً يكون له قريناً، وهؤلاء الشياطين يصدونهم عن سبيل الخير، بينما يظن ذلك الشخص أنه مهتد. هذه القرينة مع الشيطان وظن الشخص بأنه مهتد تستمر حتى يوم القيامة. وفي القيامة حيث تنكشف كل الأمور، يقول هذا الشخص لشيطانه: يا ليت بيني وبينك مسافة بعيدة كمسافة المشرق والمغرب.

في آية ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (محمد/ 4)، «حتى» غاية لـ«ضرب الرقاب» (المصدر نفسه، 18/ 225).

في آية ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾ (الجن/ 24)، «حتى» غاية لمغيا محذوف يُستفاد من نفس الآية، وتقديره: لا يزالون يستضعفون ناصريك ويستقلون عدوهم حتى إذا… (المصدر نفسه، 20/ 53).

من المواضع العشرة الأخرى، يمكن ذكر الحالات التالية التي فيها تعابير مثل استمرار وتقييد ما قبل بما بعد، وتعلق ما بعد بالجملة الصريحة أو المقدرة ما قبل، مما يدل على غائية «حتى إذا» في الآيات المعنية:

في آية ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ…﴾ (النساء/ 6)، «حتى إذا بلغوا النكاح» متعلق بـ«وابتلوا اليتامى»، وهذا الابتلاء بواسطة «حتى إذا…» يدل على استمراره من سن تمييز اليتيم حتى بداية سن النكاح (المصدر نفسه، 4/ 172)؛ بعبارة أخرى، هذا الاختبار يجب أن يبدأ قبل البلوغ (سن التمييز) ويستمر حتى البلوغ (سن التكليف ومسؤولية معرفة الأصول والعبادات والواجبات والمحرمات) الذي تستيقظ فيه الغريزة الجنسية وينضج فيه العقل المكتسب. بعد هذه المرحلة – التي هي نوع من رفع مانع عدم البلوغ – يوجد شرط آخر وهو إيناس الرشد الذي يقتضي دفع الأموال إلى اليتامى. «فإن آنستم» متفرع على «وابتلوا». إيناس الرشد يدل أيضاً على تعود اليتيم ومباشرته للأمور، والمقصود بالرشد هو قدرة التمييز في استخدام الأموال وإنفاقها (طالقاني، پرتوي از قرآن، دون تاريخ: 6، 23).

في آية ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ…﴾ (النساء/ 18)، تقييد «يعملون السيئات» بـ«حتى إذا حضر أحدهم الموت» هو من باب استمرار الفعل أو من باب المساهلة والتسويف في التوبة، وهي في حد ذاتها معصية مستمرة أو من باب المداومة على الفعل القبيح (الطباطبائي، الميزان، 1417: 4/ 242).

في آية ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ (الكهف/ 86)، «حتى» تدل على فعل مقدر: فسار حتى إذا… (المصدر نفسه، 3/ 360).

في آية ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ (الكهف/ 90)، «حتى» تدل على جملة محذوفة: فسار نحو المشرق حتى إذا بلغ الصحراء (المصدر نفسه، 13/ 362).

في آية ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ (الكهف/ 96)، استُخدم أسلوب الإيجاز بالحذف مرتين، الأولى في عبارة ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا…﴾ وتقديرها يُفهم من الآيات السابقة: فأعانوه بقوة وآتوه ما طلبه منهم فبنى لهم السد ورفعه حتى إذا سوى بين الصدفين قال انفخوا. والإيجاز الثاني في عبارة ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ تقديره: فنفخ حتى إذا جعل المنفوخ في الحديد ناراً…» (المصدر نفسه، 13/ 365).

في آية ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ (المؤمنون/ 99)، «حتى إذا» متعلق بوصف المشركين لله (مضمون الآيات قبل 91 وبعده)، وتقدير الكلام: «لا يزالون يشركون به حتى إذا جاء أحدهم الموت» (المصدر نفسه، 15/ 67).

7. رؤية كتاب «الدر المصون»

تم اختيار كتاب «الدر المصون» للسمين الحلبي لما يقدمه من بيان تحليلي لوجوه إعراب العبارات القرآنية وذكر دقيق لأقوال العلماء المتقدمين والمتأخرين في هذا المجال. في هذا الكتاب الذي بحث وحلل أكثر من 23 موضعاً من استعمالات تركيب «حتى إذا»، سار على مبدأ أن «حتى» قبل «إذا» لها حالتان: حرف جر (غاية) بمعنى «إلى»، وحرف ابتداء.

القول الأشهر هو أنها حرف غاية يدخل على جملة شرطية (السمين الحلبي، الدر المصون، 1411: 3/ 583)، وعلى كل حال، فإن شأن الغاية محفوظ في كلا القولين (المصدر نفسه، 3/ 436).

يقول صاحب «البحر المحيط» أيضاً: «حتى» عندما تدخل على «إذا»، عادة ما تكون ابتدائية، وفي هذه الحالة تكون بمعنى «الفاء»، وقد تكون بمعنى «إلى»، فتكون غاية، وتؤخذ الغاية من جواب شرط «إذا» لا من جملة الشرط. ثم يضيف: بناءً على هذين المعنيين لـ«حتى إذا»، تُحلل وتُفسر سائر الآيات المشتملة على هذا التركيب في القرآن. قبل «حتى إذا» عادة ما يأتي كلام ظاهر، مثل: ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا…﴾ (الكهف/ 71، 74، 77؛ أبو حيان، البحر المحيط، 1420: 4/ 74).

فيما يلي بعض النماذج التحليلية من الآيات المذكورة في كتاب «الدر المصون»:

في آية ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ…﴾ (آل عمران/ 152)، «حتى» لها حالتان: الأولى أنها بمعنى «إلى»، وفي هذه الحالة يمكن اعتبار ثلاثة متعلقات (مغيا) لها: تحسونهم (تقتلونهم) إلى هذا الوقت – صدقكم الله وعده إلى وقت فشلكم – تقدير من سياق الآية: دام لكم ذلك إلى وقت فشلكم. الثانية أنها حرف ابتداء دخل على جملة شرطية، وفي هذه الحالة يذكر الحلبي آراءً حول جواب الشرط، أصحها أنه محذوف وتقديره: «انهزمتم»؛ «منعكم نصره» (قول الزمخشري)؛ «بان لكم أمركم» (قول أبي البقاء)؛ «امتحنتم»؛ «انقسمتم إلى قسمين» (الحلبي، 3/ 436-437).

في آية ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ…﴾ (النساء/ 6)، «حتى» حسب رأي جماعة من النحويين، خاصة الزجاج وابن درستويه، حرف جر، و«إذا» متمحضة في الظرفية؛ لذا لا معنى للشرطية. وتقدير الآية مع أخذ «حتى إذا» غاية يكون: «وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم واستحقاقهم دفع أموالهم بشرط إيناس الرشد» (المصدر نفسه، 3/ 583).

في آية ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ…﴾ (النساء/ 18)، الحلبي يعتبر «حتى» ابتدائية والجملة الشرطية بعدها غاية للجملة قبلها، ويقدر الكلام: ليست التوبة لقوم يعملون السيئات وغاية عملهم إذا حضرهم الموت قالوا…. من جهة أخرى، يصرح بأن «حتى» لا يمكن أن تكون جارة هنا؛ لأن أدوات الشرط لا تعمل فيما قبلها، ولكن إذا اعتبرناها جارة، في هذه الحالة، يكون متعلق «حتى إذا» (أو مغياها) هو «يعملون» بتقدير: يعملون السيئات إلى وقت حضور الموت (المصدر نفسه، 3/ 625). ومن المثير للاهتمام أن في كتب الإعراب الأخرى أيضاً، اعتبرت «حتى» حرف جر وللغاية، و«إذا» ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بـ«قال» (الطيب إبراهيم، إعراب القرآن الكريم، 1426: 80).

في آية ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا…﴾ (الأعراف/ 38)، «حتى» غاية لما قبلها، والمعنى: «إنهم يدخلون فوجاً فوجاً لاعناً بعضهم لبعض إلى انتهاء تداركهم فيها» (السمين الحلبي، الدر المصون، 1411: 5/ 313).

في ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ…﴾ (يونس/ 22)، حسب رأي الزمخشري، غاية التسيير في البحر ليست الوجود في السفينة، بل مضمون الجملة الشرطية بعد «حتى» هو الغاية (مجموعة من هبوب الريح والعاصفة، والوقوع في أمواج البحر العاتية، والإشراف على الهلاك، والدعاء للنجاة) لـ«يسيركم في البحر»: يسيركم حتى إذا وقعت هذه الحادثة فكان كيت وكيت من مجيء الريح العاصف وتراكم الأمواج والظن بالهلاك والدعاء بالإنجاء (المصدر نفسه، 6/ 169).

في آية ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَ…﴾ (يونس/ 24)، «حتى» غاية، ولكن ليس لـ«اختلط»؛ لأن زمن اختلاط الماء بالنبات قصير، بل لفعل آخر مثل «لم يزل النبات ينمو حتى كان كيت وكيت». ونقلاً عن البعض، من باب المجاز، هي غاية لديمومة الاختلاط حتى كيت وكيت (المصدر نفسه، 6/ 177-178).

في آية ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (يونس/ 90)، الجملة بعد «حتى إذا» غاية لاتباع فرعون لبني إسرائيل (المصدر نفسه، 6/ 264).

في آية ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ…﴾ (مريم/ 75)، يوجد قولان. الأول للزمخشري الذي يربط الآية بـ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ…﴾ (مريم/ 73)، معتبراً أن بين الآيتين عبارات معترضة. في هذه الحالة، تقدير الكلام: أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً حتى إذا رأوا ما يوعدون، أو التقدير: لا يبرحون يقولون هذا القول إلى أن يشاهدوا الموعود رأي العين؛ أي أن الكفار يستمرون في التفاخر بممتلكاتهم المادية واعتبار أنفسهم أفضل من أهل الإيمان وأهل الآخرة، ولا يؤمنون بمكافآت الأعمال في الدنيا والآخرة حتى يشاهدوا وعيد الله بأعينهم.

حسب القول الثاني، الحلبي يربط العبارة قبل «حتى إذا» في هذه الآية بالعبارات التالية، ويقول: الذين هم في ضلال، يستمر إمداد الله وإمهاله لهم حتى يروا نصر الله للمؤمنين أو مقدمات القيامة أو القيامة نفسها (المصدر نفسه، 7/ 632)؛ إذن، مغيا «حتى إذا» بناءً على القول الأول هو مضمون الآيات السابقة، وبناءً على القول الثاني هو إمداد الله للضالين، وصاحب الكتاب (السمين الحلبي) يرى القول الأول أكثر وجاهة.

في آية ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ…﴾ (سبأ/ 23)، الحلبي يبدأ بالقول إن «حتى» هنا غاية ولها مغيا حتماً. ثم يذكر أربعة أقوال حول جملة المغيا، أحدها قول الزمخشري الذي ورد في موضعه. القول الآخر هو أنها متعلقة بـ«فاتبعوه» في الآية 20؛ أي أن اتباعهم لإبليس يستمر معهم حتى يوم القيامة (انظر: المصدر نفسه، 9/ 179-181). كما أن الطيب إبراهيم اعتبر «حتى» غائية (ص 431).

في آية ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا…﴾ (غافر/ 34)، «فما زلتم في شك…» هو المغيا (الحلبي، الدر المصون، 1411هـ: 9/ 478).

في آية ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي…﴾ (الأحقاف/ 15)، كلام محذوف هو مغيا لـ«حتى إذا» بتقدير: عاش واستمرت حياته حتى إذا… (المصدر نفسه، 9/ 669)؛ أي أن توصية الإحسان بالوالدين للابن تبدأ من طفولته وتستمر حتى بلوغ الأشد – طوال حياته. هذه الآية من المواضع التي تكون فيها الغاية داخلة في مغياها، أي أن توصية الإحسان بالوالدين جارية وسارية طوال حياة الإنسان.

في آية ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾ (الجن/ 24)، حول متعلق (مغيا) «حتى إذا»، قولان. الأول للزمخشري، وهو أن عبارة ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ (الجن/ 19) هي الغاية، بناءً على ما يفعله كفار مكة من عداوة للنبي صلى الله عليه وسلم، حيث يضعفون أصحابه ويقللون من عددهم، حتى يروا نصرة الله له يوم بدر أو يشاهدوا الوعد الإلهي في القيامة. عندها سيعلمون من هو الأضعف ناصراً وياوراً.

ينقل الحلبي القول الثاني عن أبي حيان الذي يقبل تعلق وغائية ما بعد «حتى إذا» بما قبلها، ولكنه لا يعتبر الآية 19 متعلقاً ومغيا (لأنها بعيدة جداً)، بل يعتبره محذوفاً بتقدير بناءً على الآية السابقة: دعهم حتى إذا… كأنه قيل: مقر العاصي هو نار جهنم (بالنظر إلى الآية 23)، وهذا الحكم نوع من الوعيد. فعندما يرون تحقق هذا الحكم، سيعلمون من هو الأضعف نصرة والأقل معونة (المصدر نفسه، 10/ 504).

8. دراسة الترجمات (مشكيني، مكارم الشيرازي، وفولادوند)

نقطة الاشتراك في هذه الترجمات تكمن بشكل أساسي في المعنى الغائي المقدم لتركيب «حتى إذا»، بتعابير مثل: إلى أن، حتى، عندما، حين، إلى أن، حتى وقت. وفي ترجمة مكارم، استُخدمت تعابير مثل: إلى درجة أن (التوبة/ 118)، إلى أن (يونس/ 24) لبيان الغاية. ونقطة الافتراق بينها تكمن في تفسيرها بمعنى ابتدائي وسببي، والاختلاف في ذكر المغيا.

المواضع التي فُسّر فيها التركيب بمعنى ابتدائي هي كالتالي:

في يونس/ 22، الزمر/ 71 و73، فصلت/ 20 بمعنى «عندما» (ترجمة مكارم).

في النور/ 39 ومحمد/ 16 بمعنى «أما عندما» (ترجمة مكارم).

في محمد/ 16 بمعنى «ولكن عندما» (يخرجون من عندك) (ترجمة فولادوند).

في الترجمات المذكورة، فُسّر التركيب بمعنى سببي في موضعين، أحدهما آية 38 من الأعراف: «كلما دخلت جماعة لعنت الجماعة الأخرى حتى يُلقوا جميعاً في النار بذل. في ذلك الحين…».

والآخر في آية 57 من الأعراف: «هو الذي يرسل الرياح بشارة أمام (مطر) رحمته حتى تحمل السحب الثقيلة على عاتقها».

فيما يتعلق بجمل المغيا، كل ترجمة عملت بطريقتها الخاصة.

في ترجمة فولادوند، ذُكرت جملة المغيا مرة واحدة فقط، في سورة الجن آية 24: «(فاصبر) حتى يروا ما وُعدوا به…».

في ترجمة مشكيني، ذُكرت جملة المغيا في سبعة مواضع:

الأنعام/ 31: «(استمر إنكارهم) حتى جاءتهم القيامة فجأة».

هود/ 40: «كان نوح وقومه ينتظرون حتى جاء أمرنا».

يوسف/ 110: «دعا رسلنا وأنكرت الأمم حتى يئس رسلنا».

الأنبياء/ 96: «(بقاء الاختيار للبشر مستمر) حتى تظهر آثار القيامة ويُفتح طريق يأجوج ومأجوج بكسر السد».

المؤمنون/ 64: «هذا السكر والغفلة منهم مستمر حتى نأخذ مترفيهم بالعذاب».

المؤمنون/ 99: «هم في شرك وكفر حتى يأتي الموت أحدهم».

الجن/ 24: «(هم يعتبرونكم ضعفاء وبلا ناصر) حتى يروا ما وُعدوا به».

في ترجمة مكارم، ذُكرت جملة المغيا في تسعة مواضع:

آل عمران/ 152: «واستمر هذا النصر حتى ضعفتم…».

هود/ 40: «استمر هذا الوضع حتى جاء أمرنا».

يوسف/ 110: «(استمر الرسل في دعوتهم وأعداؤهم في معارضتهم) حتى يئس الرسل».

المؤمنون/ 77: «استمر هذا الوضع حتى نفتح عليهم باباً من العذاب الشديد فيصابون باليأس فجأة».

المؤمنون/ 99: «هم مستمرون في طريقهم الخاطئ حتى يأتي الموت أحدهم، فيقول…».

النمل/ 18: «(تحركوا) حتى وصلوا إلى أرض النمل».

سبأ/ 23: «لا تنفع شفاعة عنده إلا لمن أذن له، في ذلك اليوم الكل في اضطراب حتى يزول الاضطراب عن قلوبهم ويصدر الأمر منه، في ذلك الحين يقول المجرمون للشافعين: ماذا قال ربكم؟…».

محمد/ 4: «وعندما تواجهون الكفار (المجرمين) في ساحة المعركة، فاضربوا أعناقهم (واستمروا في هذا العمل) حتى تثخنوا فيهم».

الجن/ 24: «(استمر هذا التكذيب من الكفار) حتى يروا ما وُعدوا به».

9. رؤية علماء الوقف والابتداء حول تركيب «حتى إذا»

بما أن علم الوقف والابتداء له ارتباط وثيق بالموقع الإعرابي لكلمات القرآن، فإن التوجيهات النحوية والإعرابية لتركيب «حتى إذا» تميل إلى رأي النحويين. من جهة أخرى، لهذا العلم والفن ارتباط أعمق بمسألة معنى ومفهوم الآيات والجمل القرآنية؛ لذا، نشهد في مصادر الوقف والابتداء أن علماء هذا الفن قد اعتبروا معنى الغاية متضمناً ومترسخاً في «حتى» واستعمالاتها، ومنها «حتى إذا». من ذلك ما أشار إليه الأشموني في مواضع مختلفة من كتابه إلى دور الغاية وانتهاء الابتداء في استعمال «حتى إذا»؛ على سبيل المثال:

تحت آية ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ (النساء/ 6)، يرى أن الوقف على كلمة «النكاح» هو وقف حسن على الأقل، لا على كلمة «اليتامى»؛ لأنه اعتبر «حتى إذا» لانتهاء الابتداء أو غاية الابتداء (الأشموني، منار الهدى، 1422: 204).

كما صرح في مواضع أخرى من الآيات المشتملة على «حتى إذا» بغائية هذا التركيب (النساء/ 18؛ الأنعام/ 31؛ يونس/ 24). ويؤكد في هذه المواضع أن معنى الغاية لا يفارق تركيب «حتى إذا» (انظر أيضاً: الجن/ 23 و24؛ المصدر نفسه، 204، 207، 268، 356، 357 و809).

في آية ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا * حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾ (الجن/ 23)، رغم أنه اعتبر الوقف على كلمة «أبداً» تاماً ودليله ابتدائية «حتى إذا» في الآية التالية، يصرح: إن علقت «حتى» بمحذوف أو جُعلت حرف ابتداء يصلح أن يجيء بعدها المبتدأ والخبر، ومع ذلك فيها الغاية، فهي متعلقة بقوله: «لبداً» في آية ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ (الجن/ 19) أي: يكونون متظاهرين حتى إذا رأوا العذاب فسيعلمون عند حلوله من أضعف ناصراً وأقل عدداً (المصدر نفسه، 809).

هذه الجمل تدل بوضوح على غائية تركيب «حتى إذا» من الناحية النحوية والمعنوية والوقفية والوصلية، حتى في المواضع التي تكون فيها «حتى إذا» في بداية الآية ولا تبدو مرتبطة بما قبلها ظاهراً، فإن لها مغيا ومتعلقاً صريحاً في الآيات السابقة، كما في آية 24 من سورة الجن حيث يُعتبر متعلق «حتى إذا» في الآية الخامسة قبلها (أي الآية 19).

من هنا يمكن الاستنتاج أن الحكم بتمام أو كفاية أو جواز أو حسن الوقف على الموضع قبل «حتى إذا» لا يعني عدم وجود ارتباط وثيق بما قبله، وعلى قارئ القرآن أن يظهر هذا المعنى بلحنه الانتظاري أو باختيار الموضع الصحيح للوقف بعد «حتى إذا» في قراءة الآيات ذات الصلة.

الدراسة الشاملة لمواضع الوقف في الآيات التي تحتوي على تركيب «حتى إذا» في كتاب «منار الهدى» تظهر أن الأشموني، من بين اثنين وأربعين موضعاً استُخدم فيها هذا التركيب، اعتبر الوقف قبل هذا التركيب حسناً في سبعة عشر موضعاً، وجائزاً في ستة مواضع، وكافياً في ثلاثة عشر موضعاً، وتاماً في خمسة مواضع، وغير جائز في موضع واحد (النساء/ 18).

الأشموني اعتبر موضع «بلقاء الله» (الأنعام/ 31) جائزاً في البداية – في حال كانت «حتى إذا» ابتدائية – ولكنه أورد احتمال أنه إذا كان هذا التركيب غائياً، فإن هذا الموضع لا يصلح للوقف، مع التوجيه التالي: لا يزال بهم التكذيب إلى قولهم يا حسرتنا وقت مجيء الساعة (المصدر نفسه، 268).

تجدر الإشارة إلى أن المواضع السبعة عشر التي اعتبرها الأشموني تحت عنوان «حسن» أو «أحسن» (مقارنة بحالة وقفية سابقة) لا تعني وقفاً مستحسناً ومقبولاً ومرغوباً فيه من حيث التعلق اللفظي والمعنوي بما قبله، بل إن كثيراً منها من باب الوقف المرخص، وبعضها الآخر وقف مقبول فقط، لكن الابتداء منها غير صحيح (انظر: المصدر نفسه، 356، تحت آية 22 من سورة يونس؛ 471، تحت آيات 71، 74 و77 من سورة الكهف؛ 720، تحت آية 4 من سورة محمد ﷺ).

مواضع الوقف الجائز أيضاً، في نظر الأشموني، من حيث المكانة ودرجة الأهمية، أدنى من الوقف الحسن؛ لأنه بعد أن يجيز الوقف على كلمة «خلفوا» (التوبة/ 118)، يضيف: ويرتقي لدرجة الحسن بهذا التقدير؛ أي إذا كانت جملة «وعلى الثلاثة الذين خلفوا» معطوفة على «على النبي» في الآية السابقة، فإن الوقف على «خلفوا» يرتقي من الجواز إلى الحسن.

الخاتمة

بناءً على المباحث المطروحة، يمكن القول إن المعنى الغائي والغاية البيانية متضمنان في تركيب «حتى إذا»، وجميع الآيات المشتملة على هذه العبارة تشترك في هذا المعنى، بحيث يمكن لكل آية تحتوي على «حتى إذا» أن تُعرّف لها جملة مغيا (صريحة وظاهرة أو غير صريحة ومستترة) لمعناها وغايتها البيانية؛ وإن كان هذا التركيب، بناءً على رأي بعض أهل العلم في مجال النحو، يُوجَّه من حيث القاعدة على أنه ابتدائي. بعبارة أخرى، يمكن عرض ثمرة هذا التحقيق على النحو التالي، حيث إن استعمال هذا التركيب في الآيات المعنية يكون كالتالي:

1. في أغلب المواضع، تكون الجملة بعد «حتى إذا» داخلة في حكم مغياها السابق، ويجب وصلها بما قبلها (النساء/ 6).

2. «حتى إذا» تبين الهدف والمقصد، مثل بيان مقصد الحركة في الآيات 71، 74 و77 من سورة الكهف، وفي هذه الحالة يكون لوصل العبارات قبل وبعد «حتى إذا» ببعضها البعض الأولوية.

3. «حتى إذا» في مواضع جزئية لها وجه ابتدائي أيضاً. بالطبع، مع الحفاظ على شأن ومعنى الغاية في تلك المواضع، مثل المواضع التي تقع فيها «حتى إذا» في بداية الآية (رأس الآية) أو إذا كانت في وسط الآية وليست متعلقة بالجملة التي قبلها مباشرة، بل بجمل سابقة لها. في هذه الحالة، يمكن للقارئ، مع الحفاظ على الاتصال المعنوي بما قبل، أن يبتدئ من العبارة المصدرة بـ«حتى إذا».

الهوامش

  1. القرآن الكريم (مع ترجمات السادة مشكيني، مكارم الشيرازي، وفولادوند).
  2. ابن عاشور، محمد بن طاهر، التحرير والتنوير، تونس: الدار التونسية للنشر، 1984م.
  3. ابن هشام الأنصاري، مغني اللبيب، قم: سيد الشهداء، الطبعة الثالثة، 1378ش.
  4. أبو حيان الأندلسي، محمد بن يوسف، البحر المحيط في التفسير، تحقيق صدقي محمد جميل، بيروت: دار الفكر، 1420هـ.
  5. أبو فارس دحداح، معجم قواعد العربية من القرآن الكريم، بيروت: دار الكتب العربي، 2009م.
  6. أحمد بن يوسف (السمين الحلبي)، الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، دمشق: دار القلم، 1411هـ.
  7. الأشموني، أحمد بن محمد، منار الهدى في بيان الوقف والابتداء مع حاشية زكريا الأنصاري، تعليق شريف أبو العلا العدوي، بيروت: دار الكتب العلمية، 1422هـ.
  8. إميل بديع يعقوب، موسوعة النحو والصرف والإعراب، بيروت: دار العلم للملايين، 1998م.
  9. الأنصاري، زكريا بن محمد، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المطبعة المصرية، بولاق، دون تاريخ.
  10. الزمخشري، محمود، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، دار الكتاب العربي، بيروت: الطبعة الثالثة، 1407هـ.
  11. شاكر، محمد كاظم، قواعد وقف وابتدا در قرائت قرآن كريم، قم: بوستان كتاب، الطبعة السابعة، 1387ش.
  12. صافي، محمود، الجدول في إعراب القرآن، دمشق، بيروت: دار الرشيد، مؤسسة الإيمان، الطبعة الرابعة، 1418هـ.
  13. طالقاني، سيد محمود، پرتوي از قرآن، شركت سهامي انتشار، دون تاريخ.
  14. الطباطبائي، سيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم: دفتر انتشارات إسلامي، الطبعة الخامسة، 1417هـ.
  15. الطبرسي، فضل بن حسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، بيروت: منشورات دار مكتبة الحياة، دون تاريخ.
  16. الطيب إبراهيم، محمد، إعراب القرآن الكريم، بيروت: دار النفائس، الطبعة الثانية، 1426هـ.
  17. فائز، قاسم، علم أدوات القرآن، بيروت: دار العربية للموسوعات، 2011م.
  18. كاشفي، أمير محمود، تحليل نحوي – بلاغي وقف وابتداء در قرآن كريم، رسالة دكتوراه، طهران: جامعة تربيت مدرس، 1377ش.
  19. المجمع العلمي الإسلامي، تهذيب المغني، طبعة خورشيد، الطبعة الثانية، 1413هـ.
  20. المصطفوي، حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، طهران: وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، 1368ش.
Scroll to Top