الملخص
تكشف دراسة قراءات القُرّاء في مادة «عَبَدَ» في الآية 60 من سورة المائدة عن اختلافٍ وتقابلٍ في قراءة هذه المفردة. ففي قراءة عبارة «عَبَدَ الطاغوت»، انفرد حمزة بقراءة «عَبُدَ»، بينما اعتمد سائر الرواة المشهورين قراءة «عَبَدَ». نشأ هذا الاختلاف في القراءة عن اختلاف معنويٍّ مبنيٍّ على الوظيفة النحوية للكلمة؛ فقد اعتبر حمزة هذه المفردة اسمًا مفردًا يحمل معنى الكثرة، بينما عطفها بقية القُرّاء على «لعنه الله». يهدف هذا البحث إلى دراسة الفروق في رؤية حمزة مقارنةً بباقي القُرّاء السبعة في قراءة هذه المفردة، وإثبات ما إذا كانت قراءة حمزة اجتهادية أم اكتشافية بالنسبة لسائر القُرّاء المشهورين. تم تناول مادة «عَبَدَ» في اللغة، ومصنفات علم القراءة، والقراءات، والتفاسير، بمنهج وصفي-تحليلي. وتُظهر نتائج البحث، المستخلصة بالمنهج الوصفي-تحليلي، أن تحليل الاختلاف القرائي في الآيات المتشابهة يمكن أن يعزز النظرية القائلة بأن حمزة، من بين القُرّاء السبعة، كان يمارس اختيارات في قراءته، وكثيرًا ما كانت هذه الاختيارات متطابقة مع أصول وضوابط خاصة، وغالبًا ما كان هذا الأسلوب اجتهادًا خاصًا بحمزة. ونتيجة لذلك، فإن تحليل قراءة «عَبَدَ» في روايات ابن مسعود والأعمش – كأساتذة حمزة – مقارنةً بقراءات سائر القُرّاء، يُظهر أن قراءة حمزة في الكوفة كانت في تقابل مع القراءات الأخرى. كما أن دراسة الاختلاف القرائي في هذه الآية، مع الأخذ في الاعتبار دور المعطوف والمعطوف عليه، تبرز أهمية التحديد الدقيق للمعطوف عليه في قراءة الآيات، وما يترتب على ذلك من تأثير في تفسير الآيات وترجمتها.
المقدمة
تشير الآية 60 من سورة المائدة: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ إلى حال أولئك الذين كانوا يعيِّرون المؤمنين، وقد أُمر النبي ﷺ من قبل الله أن يرد على هذا التعيير بإنصاف (الطباطبائي، 1390: 29/6)، كما لو أن شخصًا يصف خصلة حميدة فيه بأنها سيئة، فيقول: إنما خلقي أو صفتي السيئة هي أني صادق أو أمين. في هذه الآية أيضًا، يخاطب النبي ﷺ بإذن من الله اليهود الذين كانوا يعيبون على المسلمين، فيقول: إن كان هناك ما تريدون أن تستهزئوا به منا، فهل هو إلا قولنا بأنه لا إله إلا الله، وإيماننا بالأنبياء السابقين الذين ورد ذكرهم حتى في كتبكم المقدسة؟ من الأفضل أن تلتفتوا إلى عيوبكم التي ظهرت في تاريخكم، كأصحاب السبت الذين مُسخوا قردة وخنازير في الخُلق أو الخَلق، أو أتباع موسى الذين عبدوا السامري من دون الله، وأن تكفوا عن انتقاد المسلمين والاستهزاء بهم.
بالرجوع إلى التفاسير، يتضح أن الآية 60 من سورة المائدة قد واجهت طيفًا واسعًا من الآراء التفسيرية والاستنباطات، وزاد الاختلاف في القراءات حول مفردة «عَبَدَ» في الجزء الأخير من الآية الأمر تعقيدًا. ورغم أن المواضع قبل الآية وبعدها، باستثناء مفردة «مثوبة» التي هي محل نقاش من حيث تنوع القراءات، لا تعتبر مواضع خلاف، إلا أنه مع هذا التوضيح، إذا نظرنا فقط إلى الجزء الأخير من الآية، أي: ﴿… وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾، فإننا نواجه أمرين مهمين في الاستنباط التفسيري: الأول من حيث الاختلاف في تحديد المعطوف عليه في «وعَبَدَ الطاغوت»، والثاني وجود عدة قراءات لمفردة «عَبَدَ». في هذه الآية، اختلف القُرّاء السبعة – وبعد مزيد من البحث، القُرّاء الشواذ – في قراءة «عَبَدَ». وذلك أن حمزة قرأ هذا المقطع «عَبُدَ الطاغوت»، بينما قرأه سائر القُرّاء «عَبَدَ الطاغوت». إذ عند فهم معنى «عبد الطاغوت»، قد يتبادر إلى الذهن أن الله جعلهم عبيدًا للطاغوت، وأنهم لم يكن لهم اختيار في هذا الفعل، أو أنهم أقدموا بأنفسهم على هذا العمل، أي اتباع الشيطان وعبادة الطاغوت. في إحدى القراءات، سُجِّلت الباء مضمومة والتاء مجرورة. في هذا السياق، يكون «عَبُدَ الطاغوت» معطوفًا على «القِرَدَةَ»، وفي هذه الحالة، لا تكون كلمة «عَبُد» جمعًا، بل مفردًا أريد به الكثرة؛ كمثل كلمة «نعمة» في الآية 34 من سورة إبراهيم: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾، حيث المراد من النعمة هو النعم. أما قراءة سائر القُرّاء فهي بفتح الباء ونصب التاء: «عَبَدَ الطَّاغُوتَ»؛ وفي هذه الحالة، تُعتبر «عَبَدَ» فعلًا ماضيًا معطوفًا على «لَعَنَهُ اللهُ».
في قراءة «عَبُدَ»، المسألة الأساسية هي أننا، دون الأخذ في الاعتبار المعنى الجبري، نقبل كلمة «عَبُد» كاسم مفرد يفيد الجمع، وقد وردت بهذه الصورة من باب المبالغة، وبهذه القراءة من حمزة. ولكن في قراءة «عَبَدَ»، المسألة هي أننا نعتبر «عَبَدَ الطاغوت» – وفقًا للرأي الراجح عند المفسرين ومصادر علم القراءة – فعلًا ماضيًا صدر عن الكفار وعبدة الطاغوت أنفسهم. ومع هذا التوضيح، فإن وقوع فعل واحد من فاعلين اثنين غير ممكن، وبالنظر إلى أن الكفر فعل إنساني، فإن رأي الجبرية في هذا الشأن يصبح لاغيًا (الرازي، 1408: 47/7). إن وجود الاختلاف التفسيري في هذه الآية، وإثارة احتمال كون عبادة الطاغوت جبرية من جهة أخرى، يزيد من أهمية تفسير هذه الآية واختيار قراءة من بين القراءات الموجودة.
في هذا البحث، ومن خلال دراسة عدة تفاسير من الفريقين التي تقدم توضيحًا أفضل للموضوع، سيتم تناول مسألة وجود اختلاف القراءة في هذه الآية، وبالاستفادة من المصادر وتحليل القراءات، سيُقدَّم أنسب قراءة، وبناءً على هذا التحليل، سيُعرَض أفضل فهم للآية.
بعد البحث في الأعمال البحثية، لم يتم العثور على بحث في صورة مقال حول اختلاف قراءات الآية 60 من سورة المائدة، ولا على دراسة حالة محددة حول اختلاف قراءة الآية المذكورة مع تحليل وبرهان يرجع سبب اختلاف قراءة حمزة إلى تفاوت في المؤشرات والاختيارات القرائية. ونتيجة لذلك، وبناءً على الأسباب التي تجعل القراءة أفضل وأكثر انسجامًا مع الفهم الأفضل للآية، فإن البحث الحالي سيكون بحثًا مبتكرًا.
بالنظر إلى أنه من بين القراءات، باستثناء الشواذ، لم يقرأ هذه الآية إلا حمزة بصورة مختلفة عن سائر القُرّاء، فإن دراسة الخلفيات والأسباب لظهور هذا الاختلاف القرائي تبدو مهمة. في علم القراءة، يرتبط اسم القُرّاء المشهورين بإحدى المدن: مكة، المدينة، الكوفة، البصرة، أو دمشق. وفي قراءة الكوفة، وُجدت مدرستان للقراءة منذ القدم، كانتا دائمًا في تقابل: مدرسة منسوبة إلى أمير المؤمنين (ع)، ومدرسة منسوبة إلى ابن مسعود. وفي توضيح اختلاف قراءات هذه المفردة، يمكن اعتبار هذا التقابل نتيجة لذلك؛ لأنه في تصنيف مدارس القُرّاء، يُعرِّف بعضُهم الكوفيين على قراءة معينة، والبعض الآخر على قراءة أخرى (صادقي مزيدي، 1401). فقد رُويت قراءة «عَبَدَ» عن قُرّاء الحجاز والشام والبصرة وبعض الكوفيين، وسُجلت قراءة «عَبُدَ» عن بقية الكوفيين؛ ونتيجة لذلك، لا يمكن الجزم بأن منشأ هذا الاختلاف القرائي يرجع إلى بيئة معينة، كالكوفة مثلًا؛ بل يجب في هذه الحالة الخاصة ربط منشأ الاختلاف القرائي بأسلوب ومنهج القارئ المبتكر له، أي حمزة.
أ. منشأ ظهور قراءة عَبَدَ وعَبُدَ
نقطة أخرى حول طرح اختلاف القراءة في الآية 60 من سورة المائدة، هي أن بعض القراءات الموجودة تستند إلى قواعد معينة، كالقواعد اللفظية، والنحوية، والمعنوية، وغيرها. ومن جهة أخرى، هناك قراءات لا تستند إلى قاعدة وليس لها مستند (بشير محمد البشير، 2006: 674). في تفسير مجمع البيان، غالبًا ما يُشار إلى قراءات تحت الآيات تستند إلى قاعدة، ومن وجهة نظر الطبرسي، تستحق النقاش. ولهذا السبب، لا نجد كل القراءات والاختلافات القرائية التي ذكرها الزمخشري لآية أو آيات معينة في تفسير مجمع البيان. على سبيل المثال، في الآية 99 من سورة الأنعام: ﴿…وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾، رُويت قراءة «متشابهًا وغير متشابه» أيضًا (الزمخشري، 1407: 51/2)، لكن الطبرسي لم يشر إليها. وفي مثال آخر حول الآية موضوع البحث، ذكر الزمخشري 15 قراءة، لم تُذكر جميعها في تفسير مجمع البيان (الزمخشري، 1407: 652/1). وأحد أسباب إجراء هذا البحث هو وجود وجوه قراءات كثيرة في هذه الآية. إن اختلاف قراءة حمزة عن سائر القُرّاء المشهورين في الآية 60 من سورة المائدة هو من الحالات التي لا تستند إلى قاعدة، ولكن أُشير إليها في تفسير مجمع البيان. يسعى البحث الحالي إلى استخلاص أسباب هذا الاختلاف القرائي ليتضح أن عدم استناد القراءة إلى مستند لا يؤدي إلى كون الاختلاف مع القراءات الأخرى بلا سبب.
بناءً على ذلك، السؤال المطروح في هذا البحث هو: لماذا تتعارض قراءة حمزة مع قراءات سائر القُرّاء السبعة؟ وما هو أصل نشوء الاختلاف القرائي في الآية 60 من سورة المائدة؟ وهل يمكن إيجاد سبب خاص لقراءة حمزة في هذا السياق؟ وهل يمكن اعتبار إحدى القراءتين هي القراءة الأصلية والأولية؟
يهدف هذا المقال إلى الإجابة عن هذه الأسئلة، والبحث عن منشأ اختلاف قراءة حمزة، كقراءة وحيدة مقابل القراءات الأخرى. وتجدر الإشارة إلى أنه من خلال دراسة وتحليل مثل هذه الحالات في القراءات، يتم الكشف عن علة الاختلاف في قراءة معينة لمفردة محددة.
خلفية نشأة قراءة عَبَدَ و عَبُدَ
«العَبْد» في اللغة يعني المطيع والخادم (القرشي، 1371: 279/4)، ويُطلق على من يأتي بغاية التذلل مع الطاعة تجاه مولاه (المصطفوي، 1360: 13/8). ويمكن اعتبار هذه المفردة من الأضداد، حيث تأتي بمعنى المملوك، شاملةً عبودية الله وعبودية الإنسان، وتحمل في طياتها معنى اللين والتذلل (القرشي، بدون تاريخ، 279/4)، كما تأتي بمعنى القوة والشدة. فهذا ثوب «عَبِد» يُستخدم لوصف اللباس الواسع والمتين (المصطفوي، 1360: 12/8). ويعتقد أهل الأدب في هذا الباب أن «العَبْد» يعني الإنسان، سواء كان حرًا أم رقيقًا (الفراهيدي، 1410: 480/2؛ ابن منظور، 1414: 270/3؛ القرشي، 1371: 280/4).
وردت كلمة «عَبَدَ» في القرآن 275 مرة، بشكل عام في 57 سورة و251 آية. أما قراءة «عَبَدَ» فلم تسجل إلا في الآية 60 من سورة المائدة، ولم يُشاهد مثل هذه القراءة في آيات أخرى من القرآن.
يذكر الطبري أن القُرّاء اختلفوا في قراءة ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾؛ فقُرّاء الحجاز والشام والبصرة وبعض الكوفيين قرؤوا «عَبَدَ الطَّاغُوتَ»، وبعض الكوفيين سجلوا قراءة «عَبُدَ الطَّاغُوتَ». وبناءً على ما ذكره الطبري، فإن حمزة، اقتداءً بالأعمش أستاذ قراءته، قرأها بضم الباء. ثم يستشهد بقول الفراء، موضحًا أن هذا النوع من القراءة يشبه «حَذَر» و«حُذُر» أو «عَجَل» و«عُجُل»، وهما وجهان في الماضي الثلاثي المجرد. وفي النهاية، لا يصل إلى رأي قاطع، وينهي كلامه بجملة «الله أعلم». ويستشهد بشعر يقول: «أبني لبيني إن أمكم * أمة وإن أباكم عبد»؛ ويوضح أنه لو استخدمت الكلمة في الشعر بهذه الصورة – ربما بالضم – فذلك لضرورة استقامة القافية؛ أما في القراءة، فمثل هذا الأمر غير جائز (الطبري، 1412: 189/6).
يذكر الطبرسي، في سياق اختلاف القراءة في هذا الجزء من الآية، عن الزجاج، أن «عَبَدَ الطَّاغُوتَ» معطوف على «لَعَنَهُ اللهُ»، وتقديره «مَن عَبَدَ الطَّاغُوتَ». ومن جهة أخرى، أورد الفراء أن «عَبُدَ الطَّاغُوتَ» معطوف على «القِرَدَةَ»، ويكون تقديره في هذه الحالة بحذف الموصول: «وجعل منهم القردة ومن عَبُدَ الطاغوت». وبعد ذكر القراءة الثانية، يبين الطبرسي أن حذف الموصول عند البصريين غير جائز، وبالتالي، يكون العطف على «لَعَنَهُ اللهُ» هو الأصح (الطبرسي، 1372: 332/3).
وفيما يتعلق بقراءة حمزة التي رويت كـ«عَبُدَ الطَّاغُوتَ»، يقدم الطبرسي دليلًا مفاده أنه بناءً على قراءة حمزة وغيره من القُرّاء المتفقين معه في الرأي، لا ينبغي أن يكون هناك دليل على جبرية هذا الجزء من الآية أو إثبات عقيدة الجبرية؛ لأن معنى الآية، وفقًا لقراءة حمزة، هو أن الله خلق منهم قردة وخنازير وعبدة للطاغوت. وكون الله خالقًا للكافر أو لأي موجود بأي خصائص وميزات كانت، هو أمر بديهي؛ ولكن مع هذا التوضيح المختصر بأن الله لا يخلق الشر، وليس هو خالق كفر الكافر، فإن الله، نتيجة لذلك، لم يجعلهم كفارًا أو عبدة للطاغوت. إن كون الشيء خنزيرًا أو قردًا كذات خنزير أو قرد، مع أنه من البديهي أن الله هو خالق الكافر، إلا أن خَلْقَ كفرِه ليس خَلْقًا لكفره، والله لم يجعله كافرًا. (أي أن الله خلق من اختار الكفر بنفسه). فلا يستطيع الجبريون أن يقولوا: إننا نستفيد من هذه الجلة أنه كما خلق الله شيئًا قردًا أو خنزيرًا، فقد خلق إنسانًا عابدًا للطاغوت (أي كما أن كون الشيء خنزيرًا أو قردًا أمر ذاتي، فهو كذلك)، فهذا لا يقارن. ويستدل الرازي من منظور أدلة العقل على أن خلق الكفر في الكافر بعيد عن الله الحكيم، حيث إن الكفر نوع من الفعل، وأولًا، فعل المخلوق ليس من سنخ فعل الخالق، ومن جهة أخرى، لا يمكن لفاعلين اثنين – أي الله والإنسان – أن يخلقا فعلًا واحدًا؛ ونتيجة لذلك، فإن عقيدة الجبريين بشأن هذا الجزء من الآية، بناءً على قراءة حمزة، تُرد تمامًا (الرازي، 1408: 47/7).
يشير الأزهري إلى قراءة حمزة الوحيدة لهذه العبارة بصورة «وَعَبُدَ الطَّاغُوتِ»، ويكتفي بذكر أن الآخرين قرؤوها بالفتح. ثم ينقل عن أبي منصور أن القراءة بالفتح معطوفة على «وجعل منهم القردة والخنازير»، أي «ومن عَبَدَ الطاغوت». وفيما يتعلق بقراءة حمزة، يعتقد أن العرب لا يقبلون هذه القراءة. ويقول نصير النحوي إن هذا الاستنباط من قراءة حمزة هو وهم، وإذا أراد أحد أن يقرأ بهذه الطريقة، فعليه أن يستعيذ بالله، وإذا سألتم علماء هذا الفن، فسيجيبون بأن مثل هذه القراءة غير جائزة (الأزهري، 1412: 335/1).
ما يستفاد من تبيين الآراء التفسيرية المشرفة على اختلاف القراءات في الآية المذكورة هو أن القراءة الأرجح في هذا الموضع هي «عَبَدَ»، وبناءً على ترجيح قُرّاء الشام والحجاز والبصرة وبعض الكوفيين، ومن جهة أخرى، عدم جواز حذف الصلة عند البصريين وعدم قبول قراءة «عَبُدَ» من قبل الناطقين بالعربية، تظهر قراءة حمزة كقراءة فرعية. ونتيجة لذلك، فإن التفاسير، مع أنها لم تصحح أو ترجح قراءة بشكل قاطع، إلا أنها، بعرضها لآراء مختلفة في هذا الخصوص، تصل إلى نتيجة مفادها أن منشأ هذا الاختلاف يجب البحث عنه في أسلوب ومؤشر القارئ، أي حمزة.
أهل الكوفة، حسب ما ورد في التاريخ والمصادر، تعرفوا على مقرئ للقرآن لأول مرة مع وصول عبد الله بن مسعود، الصحابي المشهور، إلى مدينتهم من قبل الخليفة الثاني. وقد لقيت حوزته القرائية في الكوفة إقبالًا عامًا، واستمرت هذه الفترة حوالي 20 عامًا. وقد اهتم ابن مسعود بأداء هذه المهمة إلى درجة أنه نُقل عنه قوله: لو علمت أن أحدًا أعلم بالله مني تبلغه الإبل، لسرت إليه دون تردد (لساني فشاركي، 1401: 35). وبناءً على ذلك، يمكن القول بأنه كان لديه نفس الشغف لتعليم تلاميذه، ومن جهة أخرى، يجب اعتبار جميع أساتذة قراءة الكوفة من تلاميذه. مثل عبد الرحمن السلمي، وزر بن حبيش، وعلقمة، وتميم بن جذام، ومسروق، والأسود (الذهبي، 1387: 34/1؛ ابن الجزري، 1404: 459/1). كان مصحف ابن مسعود من بين المصاحف القليلة للصحابة التي بقيت لفترة طويلة بعد إقرار الرسم العثماني ولم تختفِ. حتى من بين القراءات المشهورة التي كانت متوافقة مع الرسم العثماني، حظيت قراءات الكوفيين بقبول أوسع؛ لأنه قيل إنها بنيت على علم تلقاه الكوفيون من ابن مسعود (شاه پسند، 1402؛ النجفي، 1397: 11؛ باكجتي، 1370: 614-615).
بعد وفاته في زمن الخليفة الثالث، تولى تلميذه المميز أبو عبد الرحمن بن حبيب بن ربيعة السلمي مهمة التعليم والإقراء بشكل مستمر. وُلد في عهد النبي ﷺ، ورغم كونه أعمى، فقد تعلم قراءة القرآن والحديث عند الصحابة منذ صغره. كما نُقل عنه أن الحديث النبوي «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، أو برواية ابن مسعود «خيركم من قرأ القرآن وأقرأه»، كان سببًا في بقائه على هذا المنبر لسنوات طويلة (ابن الجزري، بدون تاريخ، 33/1). وبالتزامن مع هذا القارئ، كان أبو مريم – أبو مطرف – زر بن حبيش الأسدي الكوفي، الذي تلقى القراءة على يد الإمام علي (ع)، وعثمان بن عفان، وابن مسعود (ابن الجزري، 1402: 294/1).
أبو شبل علقمة بن قيس النخعي[1]، من تلاميذ ابن مسعود الآخرين، وهو من أبناء الصحابة، وقد تلقى قراءة القرآن على يد الإمام علي (ع)، وعمر بن الخطاب، وأبي الدرداء، وعائشة (الذهبي، 1387: 44/1-45 و516).
أبو معاوية عبيد بن نضلة الخزاعي الكوفي، من قول الكسائي، من خيرة أصحاب ابن مسعود. ومن تلاميذه ورواته يمكن ذكر يحيى بن وثاب وحمران بن أعين. ومن بين أصحاب ابن مسعود الآخرين في مجال القراءة في الكوفة، الذين اهتموا بهذا الأمر حتى آخر عمرهم، يمكن الإشارة إلى أشخاص مثل أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل الهمداني الكوفي، وأبي عائشة سروق بن أجدع بن مالك الهمداني الكوفي، والحارث بن عبد الله الهمداني الكوفي الأعور، وأبي مسلم عبيدة بن عمرو قيس السلماني الكوفي، وأبي عمرو الأسود بن يزيد بن قيس بن يزيد النخعي الكوفي (لساني فشاركي، 1401: 37-38).
من بين حوزات القراءة في الكوفة، كانت حوزة قراءة ابن مهران من مشاهير قُرّاء الكوفة (الذهبي، 1387: 78/1-90؛ ابن الجزري، 1402: 315/1-316؛ القسطلاني، 1392: 99/1-100). كما أنه في زمنه اشتهر بأن قراءة الأعمش[2] الكوفي هي نفسها قراءة ابن مسعود (الذهبي، 1387: 97/1). وربما يمكن الادعاء بأن قراءة حمزة الكوفي، كتلميذ للأعمش، هي نفسها قراءة الأعمش؛ لأن أشهر تلاميذه هو أبو عمارة حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل الكوفي التيمي، المعروف بحمزة الزيات؛ وهو القارئ السادس من القُرّاء السبعة (ابن مجاهد، 1972: 72-78؛ الذهبي، 1387: 93/1-99؛ ابن الجزري، 1402: 262/1-264؛ رضائي، 1402) الذي تعلم قراءة القرآن على يد الأعمش من قُرّاء الطبقة الرابعة. وقد أحيا في زمن الأعمش حوزة تعليم وإقراء القرآن، ونال شهرة واسعة (ابن مجاهد، 1972: 72-74؛ الداني، 1930: 9؛ ابن الجزري، بدون تاريخ، 165/1؛ معجم القراءات، 1412: 85/1).
حمزة بن حبيب الزيات هو أحد القُرّاء السبعة الذين اختارهم ابن مجاهد في كتاب السبعة. وحسب ادعاء أبي حيان الأندلسي، أتقن حمزة قراءته في سن الخامسة عشرة، وأصبح إمام الناس في عام 100 للهجرة (أبو حيان، 2010: 167/3). ويصفه فخر الرازي بأنه من كبار علماء السلف في علم القرآن (فخر الرازي، 1425: 143/9). وبناءً على رواية، ورغم أن جميع الكوفيين لم يجمعوا على قراءة حمزة، إلا أن قسمًا كبيرًا من الكوفة مال إلى قراءته (الذهبي، 1404: 113/1).
أسس حمزة، بالاعتماد على موهبته وتتبعه الشخصي، مدرسة (مقرأ) جديدة في قراءة أهل الكوفة، والتي، حسب المشهور، تنتسب إلى ابن مسعود عن طريق أستاذه الأعمش، وإلى الإمام علي (ع) عن طريق أستاذه الآخر ابن أبي ليلى. وهنا يمكن الإشارة إلى أنه، مع كون قراءة حمزة لـ«عَبُدَ» مشابهة لقراءة أستاذه، أي «عُبُد»، فإنه من جهة أخرى، وبنفس الأسلوب التجديدي الذي كان يتبعه، قرأها «عَبُدَ»؛ فقد اتبع أستاذه استنادًا إلى الباء المضمومة، واتبع أسلوبه الخاص بقراءة العين مفتوحة. بعد وفاة الأعمش، أصبح حمزة خليفته الرسمي، وتمتع بحوزة دراسية معروفة تضاهي حوزة عاصم الكوفي والأعمش. كما سُجل في الروايات أنه، رغم قصر فترة عمله المستقل، إلا أنه تمكن من نشر قراءته الخاصة في الكوفة ومناطق أخرى. وكان أشخاص مثل الكسائي وسليم من العلماء والمشاهير الذين استفادوا من محضره (ابن مجاهد، 1387: 93/1؛ ابن الجزري، 1402: 262/1-263).
إن تميز وتفرد قراءة حمزة، مع كونه تابعًا لأستاذه الأعمش، وبالتالي لابن مسعود، يتجلى في المصادر التي روت قراءته. ونتيجة لذلك، ليس من المستغرب أن تكون قراءته، فيما يتعلق بالمفردة موضوع البحث، هي القراءة الوحيدة المختلفة بين القُرّاء المشهورين، وهي قراءة حمزة الكوفي. وبالتالي، فإن منشأ هذا الاختلاف القرائي، الذي يمكن ملاحظته في التفاسير، وبالتالي في بعض الترجمات، يمكن البحث عنه في القراءة الكوفية وقراءة الأعمش، وربما ابن مسعود. ورغم أنه في تتبع القراءة المذكورة لم يُعثر على أثر من كلام وقراءة ابن مسعود، إلا أنه يمكن الاستنتاج بناءً على أبحاث مشابهة أُجريت في تحليل منشأ اختلاف القراءة. على سبيل المثال، في مقال بعنوان «خاستگاه اختلاف خوانش أحصن/أحصن در آيه نكاح كنيزان»، يمكن تتبع تأثر حمزة بقراءة ابن مسعود، من حيث أن الآية تحمل طابعًا فقهيًا (النجفي، 1397: 11)؛ لأن رأي ابن مسعود كمفسر ثم كقارئ في هذه الآية ورد صراحة في المصادر، ويمكن استنتاج أنه حيثما برز اسم اختلاف قراءة حمزة بشكل لافت، يلمع اسم أستاذه الأعمش وأستاذ أستاذه ابن مسعود. والشاهد على هذا الادعاء هو أنه في تفسير الطبراني لهذه الآية، لم يُشر إلى قراءة حمزة، ولكن القراءة التي وردت عن الأعمش هي بالضبط القراءة التي اختارها حمزة الكوفي، تلميذه المشهور، في قراءته لهذه الآية. يذكر الطبراني، بعد الإشارة إلى قراءات أسلمي وابن عباس وأبي واقد الليثي وعون العقيلي وأبان بن تغلب، قراءة الأعمش بتوضيح أنه قرأ العين والباء مضمومتين، ويذكر اسمه (الطبراني، 2008: 419/2). وفي هذا السياق، ليس من المستبعد أن يكون حمزة قد تأثر بأستاذه فقرأ هذا اللفظ بالباء المضمومة، ونتيجة لذلك، فإن هذه القراءة لها أصل كوفي منسوب إلى مدرسة قراءة ابن مسعود.
إن ما أورده ابن مجاهد، كبير مقرئي بغداد، في كتاب السبعة، لافت للنظر. فقد أبقى ابن مجاهد قراءة حمزة الكوفي إلى جانب قراءة عاصم الكوفي، أي أنه اعتبر قراءتين لمركز قرائي واحد، ولم يتخذ، كما في مركز البصرة مثلًا الذي حذف إحدى القراءتين المشهورتين، إجراءً مماثلًا بشأن الكوفة. ومن هذا المنظور، فإن الاهتمام بقرار ابن مجاهد بشأن خصوصية قراءة حمزة مهم.
السبب الأول هو أن حمزة يُعتبر أول قارئ مشهور يخالف السنة المتبعة في التعليم والتعلم والاستقراء والإقراء، التي تتطلب التلمذة الشفهية في حضرة المعلم والمقرئ، فقد تعلم قراءة القرآن في شبابه بشكل بدائي من المصحف وبشكل ذاتي، وباعترافه، أتم القرآن عند نفسه في سن الخامسة عشرة، ولتحقيق هذا الكمال، كان ينظر في متن المصحف إلى درجة أنه خشي على بصره من العمى (الذهبي، 1487: 94/1، 99؛ ابن الجزري، 1402: 263/1). بالإشارة إلى هذا، يتضح أن حمزة، بفضل خلفيته في القراءة الذاتية والتعلم الذاتي، كان يعتبر نفسه قارئًا كاملًا ومستغنيًا عن قراءات الآخرين، ونتيجة لذلك، كان يتمتع بسلطات انتقلت تدريجيًا إلى أفراد ومناطق أخرى، وأنشأ مدرسة خاصة في قراءة الكوفيين. ومن المثير للاهتمام أنه، بالنظر إلى شهرة حمزة وسمعته الطيبة بين الكوفيين، ترسخت هذه السلطات بين أهل الكوفة (الذهبي، 1387: 1، 94-96؛ ابن الجزري، 1402: 263/1).
ب. مؤشرات اختلاف قراءة حمزة عن قراءة العامة
السبب الثاني لتميز قراءة حمزة هو أنه في زمن تلمذة حمزة على أساتذة القراءة، تشكلت في الكوفة مدرستان للقراءة والإقراء كانتا في تقابل: قراءة منسوبة إلى الإمام علي (ع) (حفص عن عاصم، وعاصم عن أبي عبد الرحمن السلمي وعن الإمام علي (ع))، وقراءة منسوبة إلى ابن مسعود وابن ليلى والأعمش وغيرهم. وبالنظر إلى أن حمزة لم يتتلمذ على المجموعة الأولى، فقد مال إلى القراءة الثانية، وكان عاصم كمؤشر للقراءة الأولى، وحمزة كمؤشر للقراءة الثانية، يُطرحان دائمًا في تقابل؛ وبهذا التوضيح، يظهر سبب آخر لكون قراءة حمزة، خاصة في الآية المذكورة، تختلف عن قراءات المشهورين الآخرين (الذهبي، 1387: 344/1؛ ابن مجاهد، 1972، المقدمة: 18). وبناءً على ذلك، فإن لحمزة الكوفي أصولًا قرائية خاصة بقراءته. وبالنظر إلى أن أصول القراءة المروية عنه لا تفيد في تحليل قراءة الآية موضوع البحث، فقد تم صرف النظر عن ذكرها في هذا البحث (لساني فشاركي، 1401: 142 و148).
1. ابتكار قراءات مقبولة في إطار الرسم القرآني
من أبرز مؤشرات قراءة حمزة أن الكثير من حروف قراءته هي نتاج دقته وتأمله العميق في رسم المصحف؛ حيث يمكن قراءة الكلمات والعبارات القرآنية بصور مقبولة. على سبيل المثال، قرأ «فتبينوا» (النساء: 94 والحجرات: 6) خلافًا لإجماع القُرّاء، هو وتلميذه الكسائي «فتثبتوا». ومثال آخر هو «قاسية» (المائدة: 13) التي قرأها «قَسِيّة» اعتمادًا على طريقة كتابتها في المصحف بصورة (قسيه) (الطبرسي، 1372: 266/3).[3]
2. إعمال الرؤى التفسيرية
جزء كبير من حروف قراءة حمزة مستمد من رؤى ونظريات تفسيرية للآيات. على سبيل المثال، قرأ جملة «فرّقوا دينهم» (الأنعام: 159، الروم: 32) «فارقوا دينهم»، بتوضيح أن قراءة حمزة تصرح بأن التفرقة في الدين تعتبر مفارقة للدين (ابن خالويه، 1413: 173/1؛ الطبرسي، 1372: 600/4)، وقد أورد هذا المعنى التفسيري من خلال ألفاظ النص في الآية. كما أنه في قراءة «لامستم النساء» بالاعتماد على رسم الخط «لمستم النساء» وبالنظر إلى الرؤية الفقهية والتفسيرية التي كان يتبناها هو والكسائي، قرأها بهذه الصورة لينقل إلى الآية المعنى بأن مصافحة المرأة أو لمس جسدها، حتى لو لم يكن في حد الملامسة، ينقض طهارة الرجل (ابن خالويه، 1413: 134/1).
3. الإصرار على القراءة المختلفة
من المؤشرات اللافتة في اختلاف قراءة حمزة عن القراءة العامة، مؤشر لا يقوم على أي أسلوب، وقد يكون جذره في تعلمه الذاتي للقرآن؛ بعبارة أخرى، لا يمكن تقديم أي تبرير سوى الإصرار على قراءة الآية بطريقة لم يقرأ بها أحد من قبله. على سبيل المثال، قراءة «لِجِبريل» (البقرة: 97) بصورة «لِجَبرَئِيل»؛ تختلف عن جميع قراءات السلف والمعاصرين (الطبرسي، 1372: 324/1). وقراءة «وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا» (آل عمران: 195)، التي أجمع القُرّاء على قراءتها بهذا الإعراب، قرأها «وَقُتِلُوا وَقَاتَلُوا» بصورة مقدم ومؤخر (النحاس، 1421: 195/1). وأوضح مثال على هذا المؤشر هو شكل كلمة «سحر» المكتوبة في جميع أنحاء القرآن. بتوضيح أنه حيثما أجمع القُرّاء على قراءة «سِحْر»، قرأها هو وتلميذه الكسائي «سَاحِر» (ابن خالويه، 1413: 150/1)، وحيثما قُرئت «سَاحِر»، قرأها حمزة والكسائي «سَحَّار» (ابن خالويه، 1413: 199/1؛ الطبرسي، 1372: 706/4)، ومن هنا يمكن اعتبارهما من المقرئين المبدعين.
4. إعمال وجهات النظر اللغوية والنحوية
عدد من قراءات حمزة الخاصة تعود إلى أسس لغوية وصرفية ونحوية وإعرابية، وتبدو متكلفة ومصطنعة إلى درجة أن حتى الكسائي، كقارئ مبتكر، لم يقبل الكثير منها في قراءاته الجديدة. وأبرز مثال على ذلك هو قراءة حمزة للآية: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ (آل عمران: 181)، التي قرأها بصيغة المبني للمفعول والغائب: «سَيُكْتَبُ… قَتْلُهُمْ… يَقُولُ» (النحاس، 1421: 191/1؛ ابن خالويه، 1413: 124/1).
5. التفنن والمطايبة
النقطة الأخيرة بشأن مؤشرات قراءة حمزة هي التفنن والمطايبة في فضاء القراءات القرآنية. في الآية ﴿…أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ (الفرقان: 8)، انفرد حمزة والكسائي بقراءة «نَأْكُلُ» (الطبرسي، 1372: 251/7؛ النحاس، 1421: 106/3؛ ابن خالويه، 1413: 116/2). يذكر الله في هذه الآية المعجزات التي طلبها المشركون من النبي ﷺ، وكان أحد هذه الطلبات هو لماذا لم يعطِ الله هذا النبي كنزًا وأموالًا، ولماذا ليس لديه بستان ليستخدمه، وقد طُرح هذا الكلام على سبيل الاستهزاء (الطبرسي، 1372: 251/7). وقد أعاد حمزة والكسائي، بهذه القراءة، الجزء الثاني من هذا الطلب الاستهزائي إلى المشركين أنفسهم؛ أي لماذا ليس لديهم (المشركين) بستان لنتمتع به نحن (المؤمنون)؟ بعبارة أخرى، أعادا الفخر الذي باعوه للمؤمنين، ومن خلاله عيّروا النبي ﷺ لعدم امتلاكه بستانًا وأموالًا، إلى أنفسهم.
من الحالات التي طُرحت بشأن مؤشرات قراءة حمزة، وكما أُشير إلى تفرده في القراءة رغم تلمذته على أساتذة القراءة، فإن المؤشر الذي يمكن اعتباره في قراءة حمزة لـ«عبد الطاغوت» هو النقطة الثالثة، التي يُحتمل أن يكون لها أكبر الأثر في قراءاته المختلفة عن القراءة العامة. كما أنه، بالنظر إلى الأجواء السائدة في الآية، وهي أجواء حوارية، وكان على النبي ﷺ أن يرد على اليهود بإنصاف، فليس من المستبعد أن يكون حمزة قد استمد من مؤشره الخاص بالمطايبة، وقرأ هذا اللفظ للمبالغة بضم الباء في «عبد الطاغوت»، كنوع من الرد على استهزاء اليهود. ونتيجة لذلك، فإن مجرد قراءته للآية بشكل مختلف عن سائر القُرّاء، وربما بالتركيز المستقل الذي كان لديه منذ شبابه على نص المصحف، قد أوصله إلى هذه القراءة. وبالتالي، يمكن اعتبار سبب هذا التقابل والاختلاف في القراءة هو السلطات القرائية التي يتمتع بها، ونوع من الاجتهاد والاكتشاف في قراءة حمزة، مقارنة بالقراءات المشهورة الأخرى.
ج. قضية المعطوف ودور الاختلافات القرائية في تفسير الآية
بالنظر إلى أن المعطوف يتبع دائمًا «المعطوف عليه» في الإعراب، فإن الاختلاف في تحديد المعطوف عليه، كما في المسألة التي وقعت في الآية موضوع البحث، يمكن أن يؤدي إلى اختلاف في تحديد إعراب المعطوف. فيما يلي، سنشير باختصار إلى الاختلاف القرائي الذي ظهر بسبب هذا الموضوع في هذه الآية:
بناءً على التوضيح الذي ورد في التفاسير لهذه القراءة، فإن قراءة حمزة هي بصورة «عُبُدَ الطاغوت»، والقراءات الأخرى بصورة «عَبَدَ الطاغوت»؛ كما ورد أن القراءات الشاذة سجلتها «عَبْد» (الطبرسي، 1372: 331/3). وقد سُجلت قراءات متعددة أخرى بشكل مفصل تصل إلى 17 قراءة لهذه المفردة في تفسير الزمخشري (الزمخشري، 1407: 651/1)، والتي بسبب كون هذه الاختلافات شاذة، لا تدخل في تحليل هذا البحث. ما يُحلل في هذا البحث هو هاتان القراءتان المختلفتان بين حمزة وسائر القُرّاء، واللتان اكتسبتا وظيفة اسمية وفعلية بسبب الاختلاف في المعطوف عليه.
«عُبُدَ الطاغوت» بهذه القراءة معطوفة على «القِرَدَةَ»، وفي هذه الحالة، كلمة «عُبُد» ليست جمعًا بل مفردًا أريد به الكثرة. والقراءة الأخرى بصورة «عَبَدَ الطَّاغُوتَ» معطوفة على «لَعَنَهُ اللهُ»، وفي هذه الحالة، «عَبَدَ» فعل ماضٍ. ويذكر الكرباسي في إعراب القرآن، مع تحديده الواو كحرف عطف، أن «عَبَدَ» فعل ماضٍ مبني على الفتح، وفاعله ضمير مستتر (الكرباسي، 1422: 2، س 316). ويذكر ابن خالويه في إعراب القراءات السبع وعللها في هذه الآية أن قراءة هذا اللفظ بضم الباء وفتح الدال. والآخرون قرؤوا «عَبَدَ الطاغوت» بصورة فعل ماضٍ. ولهذا الوجه، يذكر دليلين: الأول بسبب ترتيب الآية ولفظ «لَعَنَهُ اللهُ»، حيث تُقرأ «عَبَدَ». والدليل الثاني أن ابن مسعود وأباه قرءا بصورة «عبدوا الطاغوت». ثم يشير إلى قراءة حمزة، حيث اعتبر «عُبُد» في هذه الآية بمعنى الجمع، ويستشهد بمثال من لغة العرب حيث يُجمع «عبد» بهذه الصورة: عبيد الله، عباد الله، أعبد الله، عبدان الله، وعبدي الله. ويكون «طاغوت» مجرورًا لأنه مضاف إليه «عبد». ويشير ابن خالويه أيضًا إلى وجه الفعل الماضي لهذه المفردة، حيث إذا قُرئت منصوبة، فمعناها «من لعنه الله وخدم الطاغوت» (ابن خالويه، 1413: 147/1).
يعتبر تفسير الكاشف هذا اللفظ معطوفًا على العطف الأول، وفي هذا السياق، وبعد إيراد قول الرازي من فكر الأشاعرة الذين يعتقدون، بالرجوع إلى هذه الآية، أن الكفر يقع بحكم الله وأن الكافر يصبح كافرًا جبرًا، لأن تقدير الآية هو: «وجعل الله منهم من عبد الطاغوت»؛ يجيب بأن التفسير الصحيح للآية هو عطف «عبد» على «لعنه الله»، وليس على «جعل منهم القردة»، ونتيجة لذلك، يكون تقدير الآية كالتالي: «هل أنبئكم بشر الناس أو بشر من ذلك من لعنه ومن عبد الطاغوت» (مغنية، 1424: 87/3). ويرجح الطبرسي أيضًا أن يكون هذا هو المعطوف على العطف الأول، بتوضيح أن الصلة «من» معطوفة على «لعنه الله». أي: «ومِن عَبَدَ الطاغوت». بالطبع، يشير إلى أن قراءة «عبد الطاغوت» بمعنى «جعل منهم عبد الطاغوت»، ولكن ليس بمفهوم الجبر وأن الله خلقهم كفارًا، بل أن هذا النوع من القراءة يُعتبر للمبالغة، كالفعلين «حذر» و«يقظ» اللذين يبالغان في معنى الحذر واليقظة؛ ونتيجة لذلك، إذا تصورنا بهذه القراءة أن المقصود من الجملة هو أن الله أذلهم إلى درجة أنهم أطاعوا الشياطين (الطبرسي، 1412: 338/1). وقد عرض أبو الفتوح الرازي هذا الاختلاف التفسيري في الآية 60 من المائدة بسبب الاختلاف في تحديد المعطوف عليه في تفسيره (الرازي، 1408: 44/7). ونتيجة لذلك، فإن تحديد المعطوف عليه، كما أظهرت الأبحاث في هذا المجال (النجفي، 1395)، هو من الأسباب الواضحة لظهور اختلاف القراءات.
بناءً على التوضيحات التي قُدمت في حدود فرصة هذا البحث بشأن سبب نشوء اختلاف القراءة، سنتناول دور الاختلافات القرائية في تفسير الآية موضوع البحث، بالنظر إلى النقطة التي أدت إلى نشوء الاختلاف في القراءات المشهورة.
فسر مقاتل هذا المقطع من الآية بأنه من يعبد الطاغوت، والطاغوت هو الشيطان (مقاتل، 1423: 488/1). ويذكر الطبري، مع إشارته إلى وجود اختلاف في القراءة في هذا الجزء من الآية، أن قُرّاء الحجاز والشام والبصرة وبعض الكوفيين قرؤوها عطفًا على «وجعل منهم القردة والخنازير»، وفي هذه الحالة، يُعتبر فعلًا ماضيًا، والباء مفتوحة. لكنه يروي قراءة بعض الكوفيين الآخرين بصورة «عبد الطاغوت» (الطبري، 1412: 189/6). وبالنظر إلى أنه في الكوفة، حسب رواية ابن مجاهد، كانت هناك مدرستان للقراءة في نفس الوقت، إحداهما منسوبة إلى الإمام علي (ع) والأخرى إلى ابن مسعود، فمن المحتمل أن يكون الكوفيون الثانيون الذين يقصدهم الطبري هم القُرّاء المنسوبون إلى مدرسة ابن مسعود، ومن ثم الأعمش وحمزة. ويعتقد السيد المرتضى أن «عبد الطاغوت» ليس معطوفًا على «القردة والخنازير»، بل على «من لعنه الله»، وتقدير الكلام هو أن الله لعنهم وغضب عليهم وأصبحوا عبيدًا للطاغوت، وجعلهم الله قردة وخنازير. وهذا هو القول الصحيح، لأن «عبد» فعل، والفعل لا يُعطف على الاسم، وإذا عطفناه على «القردة والخنازير»، فكأننا عطفنا اسمًا على فعل. ثم يوضح أنه عند العرب، وبحسب جميع القُرّاء السبعة، قراءة هذه المفردة بالفتح، باستثناء قراءة حمزة الذي قرأها «عَبُد»، والقراءات الأخرى تعد من الشواذ (علم الهدى، 1431: 180/2). ويذكر الطبرسي في سياق اختلاف القراءة في هذا الجزء من الآية، عن الزجاج، أن «عَبَدَ الطاغوت» معطوف على «لعنه الله»، وتقديره «من عبد الطاغوت». ومن جهة أخرى، أورد الفراء أن «عَبُدَ الطاغوت» معطوف على «القردة»، ويكون تقديره في هذه الحالة بحذف الموصول: «وجعل منهم القردة ومن عبد الطاغوت».
وبعد ذكر القراءة الثانية، يبين الطبرسي أن حذف الموصول عند البصريين غير جائز، وبالتالي، يكون العطف على «لعنه الله» هو الأصح. وفيما يتعلق بقراءة حمزة التي رُويت كـ«عَبُدَ الطاغوت»، يقدم الطبرسي دليلًا مفاده أنه بناءً على قراءة حمزة وغيره من القُرّاء المشابهين له في الرأي، لا ينبغي أن يكون هناك دليل على جبرية هذا الجزء من الآية أو إثبات عقيدة الجبريين؛ لأن معنى الآية، بناءً على قراءة حمزة، هو: أن الله خلق منهم قردة وخنازير وعبدة للطاغوت. وكون الله خالقًا للكافر أو لأي موجود بأي خصائص وميزات كانت، هو أمر بديهي؛ ولكن مع هذا التوضيح المختصر بأن الله لا يخلق الشر، وليس هو خالق كفر الكافر، فإن الله، نتيجة لذلك، لم يجعلهم كفارًا أو عبدة للطاغوت. إن كون الشيء خنزيرًا أو قردًا كذات خنزير أو قرد، مع أنه من البديهي أن الله، خالق الكافر، إلا أن خَلْقَ كفره ليس خَلْقًا لكفره، والله لم يجعله كافرًا. (أي أن الله خلق من اختار الكفر بنفسه). فلا يستطيع الجبريون أن يقولوا: إننا نستفيد من هذه الجملة أنه كما خلق الله شيئًا قردًا أو خنزيرًا، فقد خلق إنسانًا عابدًا للطاغوت (أي كما أن كون الشيء خنزيرًا أو قردًا أمر ذاتي، فهو كذلك)، فهذا لا يقارن (الطبرسي، 1372: 332/3).
بهذه الطريقة، لوحظ أن الاختلاف في قراءة «عَبَدَ/عَبُدَ الطاغوت» مصحوب باختلاف في تحديد المعطوف عليه في عبارتي «ولعنه الله» و«وجعل منهم القردة»، مما أدى إلى صعوبة في فهم الآية وظهور اختلاف في الآراء التفسيرية، وبالتالي اختلاف في تقديم ترجمات القرآن.
د. دراسة ترجمات الآية 60 من سورة المائدة
من أجل دراسة مدى تأثير الاختلافات القرائية في نقل المعاني والتفاسير، تم النظر أيضًا في بعض الترجمات الفارسية لهذا الجزء من الآية. أغلب الترجمات اعتبرت المعطوف عليه هو «لعنه الله»، وخَلت الترجمة من نظرية وقاعدة الجبر. باستثناء حالات قليلة أُشير إليها فيما يلي، وبالطبع الترجمات التي أكدت على أن عبادة الطاغوت والانحراف كان بيد العباد أنفسهم، والتي ستُعرض بالتفصيل في الدراسة:
مخزن العرفان: وبعضهم صيّرهم على شكل قرد وخنزير وعبد للطاغوت (الشيطان أو عبدة العجل). استخدم المترجم فعل «صيّر»، أي أن الفاعل المجهول هو الذي تسبب في أن هؤلاء الأفراد، كما مُسخوا خَلقًا أو خُلقًا قردة وخنازير، جُعلوا أيضًا عبيدًا للطاغوت، ولم يكن لهم دور في هذا الضلال، وبذلك يلقي بالترجمة نفس النظرة الجبرية. بينما لو اعتبر المعطوف عليه هو العطف الأول، لما نتجت مثل هذه الترجمة.
مشكيني: الذين لعنهم الله وغضب عليهم وجعل بعضهم قردة وخنازير، والذين عبدوا الطاغوت. في هذه الترجمة، فصل المترجم الفعل الذي يعني «جعلهم قردة وخنازير» عن فعل «عبادة الطاغوت». أي أن التحول إلى قردة وخنازير هو استمرار لمبحث «جعل منهم القردة»، ولكن الأمر ليس كذلك بشأن عبادة الطاغوت، ولا يلقي بأن الكفر خُلق لهم منذ البداية. وبالتالي، فإن المعطوف على «لعنه الله» هو المقصود.
نوبری: وهم جماعة أبعدهم الله تعالى عن رحمته وغضب عليهم، وبسبب أعمالهم مسخهم الله تعالى، وجعل صفتهم الباطنة شبيهة بصفة القرد والخنزير، وجعلهم عابدين للشيطان. في ترجمة نوبری، مقارنة بترجمة مخزن العرفان، يظهر الطابع الجبري لعبادة الشيطان بشكل أكبر، ويصف بدقة أنهم جُعلوا عابدين للشيطان. يمكن القول إن المترجم استخدم أسلوب الترجمة المعنوية، بتوضيح أنه استخدم أكثر من اللفظ الموجود في النص الأصلي لنقل المعنى. وفي هذا السياق أيضًا، اعتبر المترجم المعطوف عليه غير «لعنه الله».
آيتي: الذين لعنهم إلههم وغضب عليهم، وجعل بعضهم قردة وخنازير، وهم أنفسهم عبدوا الأصنام. آيتي في هذه الترجمة، مع تمييزه بين التحول إلى قردة وخنازير وعبادة الشيطان، أضاف معنى «أنفسهم» لينقل المعنى بشكل أوضح بأنهم هم، وليس خالقهم، من ارتكبوا هذه العبادة.
كاشف: هل أخبركم بمن عقابه عند الله أسوأ من هؤلاء: الذين لعنهم إلههم وغضب عليهم، وجعل بعضهم قردة وخنازير، وهم أنفسهم عبدوا الطاغوت؟ في هذه الترجمة أيضًا، كما في ترجمة آيتي، أضاف المترجم معنى «أنفسهم» في الترجمة، وفعل «عبدوا» ظهر بشكل منفصل تمامًا عن الفعل السابق، أي «جعل».
بالنظر إلى هذا العدد من الترجمات الموجودة للآية، فإن اختلاف المترجمين ناتج عن الاختلاف في تحديد المعطوف عليه، مما أدى إلى ظهور ترجمات مختلفة. ومن خلال دراسة اختلاف قراءة «عبد الطاغوت» وما ورد في التفاسير، يتضح أن هذا الاختلاف في الترجمة يمكن أن يكون مستمدًا من وجود الاختلافات القرائية، وبالتالي الاختلاف في تحديد المعطوف عليه.
الخاتمة
وفقًا للبحث الذي أُجري، فإن نتائج دراسة الاختلاف القرائي في الجزء الأخير من الآية 60 من سورة المائدة كانت كالتالي:
- في تفسير الآية 60 من سورة المائدة، نشأ اختلاف القراءة بين القُرّاء حول «عبد الطاغوت» بناءً على فرضية أن بعض اليهود أصبحوا «بأنفسهم» عبيدًا للطاغوت أو أن الله جعلهم عبيدًا للطاغوت.
- إن فهم وإدراك مفهوم الجزء الأخير من الآية 60 من سورة المائدة متأثر من جهة باختلاف قراءات مفردة «عبد»، ومن جهة أخرى بتحديد المعطوف عليه لـ«وعبد الطاغوت». وقد أثر هذان المجالان بشكل واسع في التفاسير، وبالتالي في الترجمات، وأديا إلى اختلافات كبيرة. في هذا البحث، اتضح أن عدم تحديد المعطوف عليه يؤدي إلى اختلاف في المعنى والقراءة المستنبطة من المفردة. ويجب أن يتم اختيار المعطوف عليه بناءً على القواعد النحوية وما يدركه الناطق بالعربية، ليتم على أساسه تقديم قراءة صحيحة، ثم تفسير واستنباط مناسب للآية. إن الدراسة والتحليل الدقيق لهذه الاختلافات سيؤدي إلى تصحيح الترجمات وتقديم فهم أفضل للآيات الإلهية.
- بسبب غياب الحركات الإعرابية في النسخ الأولى من المصحف، لم يكن هناك فرق كتابي بين «عَبَدَ» و«عَبُدَ». ونتيجة لذلك، وبدلًا من قراءة «عَبُدَ» التي سجلها حمزة، تم تأييد قراءة «عَبَدَ». قراءة حمزة، وفقًا لقواعد اللغة العربية والبصريين، غير مقبولة، وليس لدى حمزة مؤشر خاص لهذا الاختيار، والميزة الوحيدة التي يمكن أن تُنسب لتسجيل هذه القراءة من قبل حمزة هي تفردها عن سائر القُرّاء. بالإضافة إلى أن الله لا يشارك في خلق الشر وكفر الكافر، ومن هذا المنظور أيضًا، لا يمكن أن تكون قراءة «عَبُدَ» صحيحة.
- إن منشأ الاختلاف القرائي في «عبد الطاغوت»، بناءً على قراءة حمزة والقُرّاء الآخرين، يرتبط بالأسلوب الخاص لقراءة حمزة كأحد أتباع مدارس القراءة الكوفية، أي مدرسة القراءة المنسوبة إلى ابن مسعود.
- سبب قراءة حمزة لـ«عبد الطاغوت» بضم الباء، بالنظر إلى مؤشرات اختلاف قراءته عن القراءة العامة، هو الإصرار على القراءة المختلفة، أو التفنن والمطايبة في بعض الآيات الخاصة من القرآن.
- إن أصل نشوء الاختلاف القرائي في «عبد الطاغوت» هو مؤشر اختلاف قراءة حمزة عن العامة، وقراءة «عَبَدَ» بناءً على قراءات الحجاز والشام والبصرة وبعض الكوفيين الأصليين، وقراءة حمزة التي تعني فقط اسم الجمع، وللتأكيد أو مطايبة المستهزئين، وليس رؤية جبرية كقراءة فرعية. دليل حمزة معطوف على المؤشرات التي استُخرجت لقراءته مقارنة بالقراءة العامة: أولًا، إصراره على القراءة المختلفة، وثانيًا، يمكن أن يكون بسبب حساسية هذه الآية والأجواء التي سادت الحوار بين النبي ﷺ واليهود، من باب المطايبة في الرد على استهزائهم.
- في النهاية، يمكن استنتاج أن حمزة، كقارئ منسوب إلى إحدى قراءات الكوفة، عمل في تقابل مع سائر القُرّاء السبعة في الآية 60 من المائدة، وهذا التقابل يرجع جذره إلى السلطات القرائية الخاصة به، ونتيجة لذلك، إلى اجتهاده واكتشافه.
الهوامش
1. لا تتوفر معلومات عن أبي شبل علقمة بن قيس النخعي بقدر ما يتوفر عن عبد الرحمن السلمي، ولكن ذُكر قراء ومقرئون كبار ضمن تلاميذه.
2. اسمه الكامل أبو محمد سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي، المعروف بالأعمش الكوفي، ويُعد القارئ الثالث عشر في القراءات الأربع عشرة. أشهر تلاميذه المطوعي والشنبوذي وحمزة الكوفي. عُرف بتشيعه المعتدل، واستمرت حلقة درسه في الكوفة لأكثر من 45 عامًا.
3. قرأ حمزة والكسائي «قسية» بغير ألف، وقرأ الباقون «قاسية» بالألف.