التحليل اللغوي والدلالي لاختلاف قراءة «كسفاً»

ملخص

قُرئت كلمة «كسفاً» في القرآن الكريم بفتح السين وسكونها على أيدي القراء. وفي المصادر اللغوية، تُنسب لهذه الكلمة معانٍ متعددة تشمل المعاني الاسمية والفعلية، منها: «القطع»، «التغطية»، «القطعة»، «الإلقاء»، «الإبعاد»، «الأفول»، «الغلبة»، «الانكماش»، و«الضيق». كان الأزهري أول من تناول اختلاف القراءة في هذه الكلمة في علم اللغة، ناقلاً عن الفرّاء آراءه في قراءتها ومعناها، وعن الزجّاج قوله بأن القراءتين تحملان معنيين مختلفين. ويتجلى البحث في اختلاف قراءة هاتين الكلمتين في تفاسير القرن الرابع حتى السابع بشكل أبرز من سائر القرون. وفي علم القراءات، يظهر الاختلاف الدلالي بين هاتين الكلمتين بوضوح، خاصة في دلالة إحداهما على «الجمع» والأخرى على «المفرد». فقد اعتبر ابن عامر كلمة «كِسْفاً» بالسكون مفردة، و«كِسَفاً» بفتح السين جمعاً. وبناءً على ذلك، في المواضع التي يوحي فيها سياق الآية بالجمع، مثل الآية 92 من سورة الإسراء، يقرؤها بالفتح خلافاً لجمهور القراء، وفي الآية 48 من سورة الروم، يقرؤها بالسكون خلافاً لإجماع القراء لتدل على معنى المفرد. أما شعبة، وهو من الرواة البارزين عن عاصم، فقد قرأ في المواضع التي وردت فيها «مِن» التبعيضية في الآية (كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ)، بسكون السين، معتبراً كلمة «كِسْفاً» مفردة. ومن النتائج التطبيقية لهذا البحث الوصفي التحليلي، يمكن الإشارة إلى وجود «الاجتهاد»، و«المنهجية القائمة على القواعد»، و«عدم الاعتماد على النقل المحض»، و«الاختيار» لدى بعض القراء والرواة، فضلاً عن عدم كون جميع وجوه القراءة وحياً منزلاً.

مقدمة

وردت كلمة «كسفاً» خمس مرات في خمس سور من القرآن الكريم، مع فارق أن في أربع سور منها جاءت بفتح السين، وفي سورة واحدة فقط (سورة الطور) جاءت بسكون السين، وذلك بحسب رواية حفص عن عاصم: ﴿وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ (الطور: 44).[1] ومن جهة أخرى، عند النظر في كتب القراءات، نجد أن آراء القراء في فتح هذه الكلمة وسكونها مختلفة. فابن عامر وعاصم من بين القراء الذين خالفوا إجماع القراء في بعض المواضع. تُطرح هنا فرضية أن القراء قد اختاروا قراءة مادة «كسف» بناءً على أسس ومعايير محددة. إن تحليل اختلاف قراءة القراء في الآيات المتشابهة يقدم دليلاً وقرينة على ردّ رأي أهل السنة الذين يرون أن جميع وجوه القراءة وحي. على الرغم من أنه لا يوجد اليوم في مصادرنا القرائية دليل أو قرينة قطعية على أن كلاً من القراء السبعة أو غيرهم قد اختاروا قراءة معينة بناءً على ضوابط خاصة بهم، وأن اهتمامهم كان منصباً على نقل القراءات أكثر من التدبر والدراية فيها، فإن الدراسات التي تحلل اختلاف القراءة في الآيات المتشابهة تقدم دليلاً وقرينة على اختيار القارئ قراءته بناءً على الدراية والتدبر في الآيات. وبالطبع، في هذا النوع من البحث الذي يُعزى فيه الاختلاف إلى القارئ لا إلى الوحي، يجب البحث عن علة ومنشأ هذا الاختلاف، والذي يبدو للوهلة الأولى أن منشأه يعود إلى المصادر اللغوية. ولهذا السبب، يتناول هذا البحث وفق منهج وصفي تحليلي ولغوي أربعة محاور: 1. كلمة «كسف» في المصادر اللغوية؛ 2. كلمة «كسف» في المصادر التفسيرية؛ 3. كلمة «كسف» في مصادر علم القراءات؛ 4. تحليل آراء اللغويين والمفسرين والقراء. إن مثل هذه الدراسات يمكن أن تظهر إلى حد ما فرضية كون بعض القراءات اجتهادية وكيفية نشوء اختلاف القراءات. وتجدر الإشارة إلى أنه في هذا السياق، أُجريت أبحاث على كلمات أخرى مثل مادة «فتح» ومادة «أنزل» (انظر: قاسم نجاد، 1400)،[2] مما يعزز فرضية الطابع الاجتهادي لبعض القراءات كقراءة ابن عامر. ومن خلال البحث في قواعد بيانات المقالات البحثية، لم يُعثر على دراسة تتناول مادة «كسف». على الرغم من أن المتون اللغوية والروائية والقرائية قد تطرقت لهذه الكلمة كلٌّ في سياق بحثه.

أ. كلمة «كسف» في المصادر اللغوية

بالنظر في كتاب العين للفراهيدي (ت 170هـ)، نجد أنه قد ذكر لمادة «كسف» معنى القطع والتغطية. كما أن «الكِسْفَة» بسكون السين هي قطعة من سحاب أو قطن أو صوف، إذا كانت القطعة واسعة أو سقطت من السماء، فإنها تُنوَّن: «كِسْفَةً» (الفراهيدي، 1410: 5/ 314-315). أما ابن دريد (ت 321هـ) فيعتبر «الكَسْف» مصدراً للفعل «كَسَفْتُ الشيءَ» وله معنيان: القطع أو الكسر. ويرى أن «كِسْفَة» هي أي قطعة مرادة. ثم يذكر من خلال بيت شعر أن معنى «كاسفة» للشمس هو التغطية (ابن دريد، 1987: 2/ 847). بناءً على ذلك، نجد في جمهرة اللغة ثلاثة معانٍ فعلية لمادة «كسف»: «القطع»، «الكسر»، و«التغطية». يتناول الأزهري (ت 370هـ) مادة «كسف» بشكل مفصل، ومن بين النقاط البارزة إشارته إلى مسائل قراءات مادة «كسف». كما يشير إلى معنى القطع الفعلي (قطع العرقوب) والتغطية (كَسَفَ القمرُ يَكسِفَ كُسوفاً، وَكَذَلِكَ الشَّمْس). وينقل الأزهري عن الفراء في سياق الآية 92 من سورة الإسراء وجهين لمادة «كسف»: اسمي (كِسْفَةً = قطعة) وفعلي (كسف = قطع). كما ينقل عن الزجاج مسألة القراءة على النحو التالي: «وَقَالَ الزجاج: فِي قَوْله: أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا (الْإِسْرَاء : 92)، و(كِسْفاً)، فَمَن قَرَأَ كِسَفاً جعلها جمع كسفة، وهي القطعة. ومن قَرَأَ: كِسْفاً قَالَ: أَو تُسْقِطها طبقاً علينا، واشتقاقه من كسفت الشيء إذا غطيته». وهذا يعني أن من قرأها «كِسَفاً» بفتح السين فقد اعتبرها جمعاً (جمع قطعة). أما إذا قُرئت بسكون السين، فإن المعنى يكون فعلياً وهو إسقاط الشيء من الأعلى. كما أشار إلى اشتقاق المادة ومعنى «التغطية». وينقل الأزهري عن الحراني عن ابن السكيت معنى القطع والابتعاد: «كسَفَ أَمَلُه، فَهُوَ كاسف إذا انقطع رجاؤه…. كَسفَتِ الشمسُ إِذا ذهب ضوءها». كما يستشهد بنظرية جرير، حيث يكون الطلوع نقيض الكسوف: «فالشمس طالعةٌ ليست بكاسفةٍ تَبْكِي عليك نجومَ اللَّيْل والقمرا». ومن الملاحظ أن معنى «الأفول» لمادة «كسفا» مأخوذ عن الكسائي، ومعنى «الغلبة» مأخوذ عن الفراء. وقد وردت أيضاً للدلالة على الوجه العابس، وفي بعض النقولات استُخدمت للثوب قبل خياطته (أي المقطوع)، وهو ما يحمل معنى «القطعة» أيضاً. كما وردت بمعنى الضيق: «كُسُوفُ باله أَن يضيقَ عَلَيْهِ أَمله» (الأزهري، 2001: 10/ 45-47). وخلاصة ما ذكره الأزهري في تحليله اللغوي لمادة «كسف» أنه أورد لها معانٍ متعددة اسمية وفعلية، منها: «القطع»، «التغطية»، «القطعة»، «الإلقاء»، «الإبعاد»، «الأفول»، «الغلبة»، «الانكماش»، و«الضيق»، كما أشار إلى علم القراءات. أما الصاحب بن عباد (ت 385هـ)، فبعد أن أشار إلى بعض المعاني السابقة كالقطع والتغطية (في مسألة الشمس)، يشير إلى كلمة «خفض» ويكتب: «و كَسَفَ فلانٌ بَصَرَه عنه: أي خَفَضَه» مما يدل على معنى «الإنزال». ويذكر الجوهري (ت 393هـ) معاني مثل: قطعة من شيء لـ«الْكِسْفَةُ»، والقطع «كَسَفْتُ البعير، إذا قطعت عرقوبه»، وسوء الخلق والعبوس «كُسِفَتْ حال الرجل، أى ساءت. ورجلٌ كَاسِفُ البال: سيّىء الحال»، ويشير إلى طريقة القراءة بناءً على رأي الأخفش: «من قرأ كِسْفاً مِنَ السَّمَاءِ جعله واحدا. و من قرأ كِسَفاً جعله جمیعا»، فإذا قُرئت بسكون السين تكون مفردة، وإذا قُرئت بفتحها تكون جمعاً (الجوهري، 1407: 4/ 1421). أما ابن فارس (ت 395هـ)، فيرى أن أصل (ك، س، ف) يدل على تغير حال شيء إلى شيء آخر خلاف الرغبة، أو قطع شيء عن شيء. كما يشير إلى مسألة كسوف وزوال النور «كُسُوفُ الْقَمَرِ، وَهُوَ زَوَالُ ضَوْئِهِ»، والعبوس «كَاسِفُ الْوَجْهِ، إِذَا كَانَ عَابِسًا» (ابن فارس، 1979: 5/ 176-178). وذكر ابن سيده (ت 458هـ) معنى الحزن والأسى لمادة «كسف»: «وكسف باله يكسف: إذا حدثته نفسه بالشر. وأكسفه الحزن». ويتابع بالإشارة إلى معنى اسمي هو «القطعة والقطعة من الشيء». كما يذكر «الكسف» بمعنى «السحاب» و«الكسفة» بمعنى «القطعة». ثم يشير إلى الآية 44 من سورة الطور: «وَقيل: إذا كانت عريضة فهي كسف، وَفِي التَّنْزِيل: (وإن يروا كسفاً من السَّمَاء)» (ابن سيده، 1421: 6/ 724-725). ويبدأ الراغب الأصفهاني (ت 502هـ) بكسوف الشمس والقمر والمعنى الفعلي للتغطية والستر، ثم يشير إلى المعنى الفعلي للقطع والقطع (الراغب الأصفهاني، 1404: 431). وفي أساس البلاغة للزمخشري (ت 538هـ)، ترد معانٍ سابقة مثل القطع والقطعة. ويرى الزمخشري أن العبوس وتقطيب الوجه من باب المجاز لمادة «كسف». ويستشهد بكلمة «خفض» في بيان معنى «كسف»: «كشف بصره عن فلان تَكْسِيفاً: أي خفضه» (الزمخشري، 1419: 2/ 135). أما الحميري (ت 573هـ)، فيقتصر على المعنى الفعلي «القطع» و«التغطية» الخاص بالخسوف والكسوف، وكذلك تقطيب الوجه «ورجل كاسف الوجه: أي عابس. فَعَل يَفْعَل بالفتح»، مشيراً إلى الأفعال الصرفية لـ«كاسف الوجه» (الحميري، 1420: 9/ 133-134). ويبدأ ابن الأثير الجزري (ت 606هـ) بمسألة الخسوف والكسوف وتخصيص كل كلمة بالشمس أو القمر، ويعرض الآراء المختلفة، ثم يذكر المعنى الاسمي للقطعة أو الجزء «وَفِيهِ أَنَّهُ جَاءَ بِشَرِيدَةِ كِسَفَ أَيْ خُبْز مُكَسَّر، وَهِي جَمْعُ كِسْفَة»، والمعنى الفعلي للقطع «أَنَّ صَفْوانَ كَسَفَ عُرقوب راحِلَته أَي قَطَعه بالسيف» (ابن الأثير، 1399: 4/ 174). كما يشير إلى مفرد (كِسْفَة) وجمع (كِسَف) لمادة «كسف». ويتوسع ابن منظور (ت 711هـ) في شرح مادة «كسف» ويسرد أقوال السابقين من أهل اللغة، ويعالج مسألة الخسوف والكسوف. ومن المعاني التي أشار إليها: «التغطية» (زوال النور والسواد)، «التغير والتحول»، «الإسقاط والعبوس» (وَكَسَفَ الرجلُ إِذا نكَّس طرفه وكَسَفَتْ حاله)، «الظلام» (كَسَفَتِ الشَّمْسُ إِذَا اسْوَدَّت بِالنَّهَارِ)، «غلبة النور والتغطية» (وكَسَفَتِ الشمسُ النجومَ إِذَا غَلَبَ ضُوءُها عَلَى النُّجُومِ فَلَمْ يَبْدُ منها شي)، «الغلبة»، «حديث النفس بالشر» (وَكَسَفَ بالُه يَكْسف إِذَا حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ بِالشَّرِّ)، «تقطيب الوجه والعبوس»، «القطعة»، «السحاب» (وكِسْفَ السَّحَابِ)، «القطعة العريضة»، و«القطع» (ابن منظور، 1414: 9/ 298-300). ويشير ابن منظور، كالأزهري، إلى مسألة القراءة وقولي الكسائي والزجاج. ويذكر الطريحي (ت 1085هـ) الآية 44 من سورة الطور ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ والآية 92 من سورة الإسراء ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾، مشيراً إلى قراءة سكون السين «وقُرِئَ كِسْفاً». ثم يفرق بين القراءة الثقيلة (بفتح السين) بمعنى جمع قطعة (كِسَفاً)، والقراءة بسكون السين بمعنى المفرد (كِسْفاً) وجمعها «أَكْسَافُ» و«كُسُوفٌ». ويرى الطريحي أنه بحسب هذه القراءة، في الآية 92 من سورة الإسراء، يكون المعنى: «كأنه قال أو يسقطها طبقا علينا». كما يشير إلى معنى «التغطية» (واشتقاقه من كَسَفْتُ الشيءَ : إذا غَطَّيْتَهُ) و«الغلبة» (ومعنى كَسْفِ الشمس النجوم غلبة ضوئها عليها) (الطريحي، 1375: 5/ 110-112). ويورد الزبيدي (ت 1205هـ) لمادة «كسف» معاني مثل «قطعة من شيء»، «القطع والقطع»، «قطع القميص قبل خياطته»، «الإخفاء والتغطية والحجاب»، «سوء الحال والتغير»، «خفض البصر»، «غلبة النور»، ويشير في البداية إلى علم القراءات. وفيما يتعلق بآية ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ (إسراء: 92)، يذكر آراء القراء ومنهم أبو جعفر ونافع وأبو بكر وابن ذكوان بالفتح، وفي سورة الطور، يذكر قراءة أبي جعفر وابن ذكوان بالسكون. كما ينقل رواية حفص عن عاصم أنه قرأ بالفتح في كل القرآن إلا في سورة الطور فبالسكون (الزبيدي، 1414: 12/ 454-456). أما العلامة المصطفوي، وهو من المعاصرين في اللغة والقرآن، فيرى في كتابه التحقيق، بعد عرض معانٍ مثل التغير، والزوال الكلي (الخسوف)، والزوال الجزئي (الكسوف)، والقطع (قطعة من شيء)، والعبوس (كاسف الوجه)، أن أصل مادة «كسف» في قسم التحقيق هو التحول والتغير في ظاهر الشيء مع انفصاله، ومثاله زوال نور الشمس. و«الكسفة» هي قطعة منفصلة عن الكل، وهي في الأصل تحول عن الصورة الأصلية والطبيعية (النظام الكلي) إلى شكل قسري وغير مرغوب (كالظلمة وزوال النور والعبوس). ويطرح المصطفوي مسألة الخسوف والكسوف بناءً على النور الذاتي للشمس (جسم منير) وغير الذاتي للقمر (جسم غير منير)، فيكون في الخسوف زوال كلي للنور وتغير لحالة القمر (المصطفوي، 1385: 10/ 62-64). ويرى القرشي البنائي، وهو من معاصري علوم القرآن والتفسير، أن «كِسْف» بكسر الكاف وسكون السين (على وزن عِنَب) كلاهما جمع «كِسْفَة»، بمعنى القطعة، وفي قوله تعالى ﴿وَ إِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾، حيث وردت «كسف» بالسكون، يحتمل أن تكون مفردة. ووصفها بـ«ساقطاً» باعتبار لفظها، أي لو رأوا قطعة من السماء تسقط على رؤوسهم، لما صدقوا من شدة طغيانهم، ولقالوا هذا سحاب متراكم. كما أن كلمة «كسفا» في سور الإسراء والشعراء والروم وسبأ، جاءت على وزن عِنَب بمعنى القطع والقطع (السماء قطعاً قطعاً) (القرشي البنائي، 1412: 6/ 110).

ب. كلمة «كسف» في المصادر التفسيرية

يرى مجاهد بن جبر (ت 104هـ) في قوله تعالى ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءِ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ أن المراد بـ«كِسَفًا» هو السماء كلها (مجاهد بن جبر، دون تاريخ: 1/ 370). وكذلك مقاتل بن سليمان (ت 150هـ) يرى أنها قطعة (أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ أي؛ قطعاً) وجانباً من السماء (كِسَفًا، أي جانباً من السماء) (مقاتل بن سليمان، 1424: 1/ 367). أما يحيى بن سلام (ت 200هـ) فيعتبر أن «الْكِسْفُ» للمذكر و«اَلْقِطْعَةُ» للمؤنث، والمعنى واحد وهو القطعة (يحيى بن سلام، 1425: 2/ 747). ويذكر الطبري (ت 310هـ) في تفسير الآية 92 من سورة الإسراء أن القراءة العامة لقراء الكوفة والبصرة هي بسكون السين. ويرى أن «الْكِسْفُ» في لغة العرب جمع «كِسْفَة»، وهو جمع الكثرة لاسم الجنس، كنظير جمع «السِّدْرَة» (شجرة) إلى «سِدْر» (أشجار)، حيث إن «كِسْفَة» في كلام العرب (سماعاً) تعني قطعة. ويحتمل الطبري أيضاً أنه إذا قُرئت «كِسْفاً» بسكون السين، فإنها تكون مصدراً لـ«كَسَفَ». أما «الكِسَف» بفتح السين فهي جمع بين ثلاثة وعشرة (يقال: كسفة واحدة، وثلاث كسف، وكذلك إلى العشر). وينقل أن القراءة بالفتح (كِسَفاً) خاصة بقراء المدينة وبعض الكوفيين، ومعناها: جمع الكسفة الواحدة من الثلاث إلى العشر، أي قطعاً ما بين الثلاث إلى العشر. وفي النهاية، يرجح الطبري القراءة بسكون السين، ويعلل اختياره بأن الذين طلبوا من النبي ﷺ إنزال قطع من السماء لم يقصدوا عدداً محدداً، ولذلك، وبناءً على رأي أهل التفسير والتأويل، فإن طلبهم كان «الكِسْفَة» التي تشمل قطعاً بين ثلاثة وعشرة. ويستشهد الطبري بعدة روايات لتأييد رأيه (انظر: الطبري، 1420: 17/ 550-551). ويرى ابن أبي حاتم (ت 327هـ) أن المراد بـ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ﴾ في الآية 48 من سورة الروم، نقلاً عن قتادة، هو الجمع، والمراد بـ«كِسَفاً» هو جمع قطعة، ويكتب: «يجمعه ويجعله (كِسَفاً) قال: قطعا. كما خسفنا بمن كان قبلهم (أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ) اي قطعا من السماء إن يشأ يعذب بسمائه فعل، وإن يشأ يعذب بأرضه فعل» (ابن أبي حاتم، 1417: 10/ 24). فقد اعتبر «الخسف» عذاباً أرضياً و«الكسف» بلاءً سماوياً. أما النحاس (ت 338هـ)، فيطرح في كتاب إعراب القرآن، في سياق الآية 92 من سورة الإسراء، قراءتين: الفتح خاص بأهل المدينة وعاصم، والسكون خاص بأهل الكوفة وأبي عمرو. ويستند إلى قول أبي جعفر بأن «كسف» جمع «كسفة»، وذكر السماء في الآية دليل على الجمع (القطع). وفي تفسير الآية 48 من سورة الروم، يعتبر «كِسَفاً» جمع «كسفة» وهي «القطعة». وفي خصوص «كسفا»، ينقل قراءة الحسن وأبي جعفر وعبدالرحمن الأعرج بالسكون، وهي جمع «كسفة» مثل «سدرة وسدر». كما يشير إلى الآية 48 من سورة الروم ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾، فيُرجع ضمير «هـ» في «خلاله» إلى «كِسَفاً»: «فترى الودق يخرج من خلال الكسف» (النحاس، 1421: 3/ 188). كما ينقل في كتاب معاني القرآن عن مجاهد: «ويجعله كسفا جمع كسفة وهي القطعة فترى الودق قال مجاهد أي القطر يخرج من خلاله أي من بين السحاب» (النحاس، 1409، ج5، ص 268)؛ حيث يرى أن «كسفة» هي قطع السحاب التي يخرج منها المطر. ويشير السمرقندي (ت 383هـ) إلى «كِسَفًا» و﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ على أنها بمعنى القطع، وينسب القراءة بالفتح لابن عامر، والقراءة بالسكون لباقي القراء. وفي الآية 187 من سورة الشعراء، يرى أن «كِسَفاً» جانب من السماء، وقراءتها بالفتح تفيد الجمع. ويشير إلى الآية 92 من سورة الإسراء، فيرى أن المراد بـ«كِسَفاً» قطع، وينسب القراءة بالفتح لابن عامر وعاصم ونافع، والباقين بالسكون، ويرى أن معنى القراءتين واحد. ثم يوضح أن المعنى هو القطع أو جمع طبقة، واشتقاقه من التغطية (أي تسقط علينا طبقا واشتقاقه من كسفت الشيء إذا غطيته ومن قرأ بالنصب جعلها جمع كسفة وهي القطعة) (السمرقندي، 1416: 2/ 328-329). أما الثعلبي (ت 427هـ)، فيرى أن قراءة «كسفا» لدى أكثر قراء العراق هي بالسكون وبمعنى جمع الكثرة، كنظير تمرة وتمر وسدرة وسدر. ويرى بحسب كلام العرب أن «كسفة» قطعة من ثوب أو خبز. ويعتبر قراءة باقي القراء بالفتح وبمعنى الجمع، ولكن الجمع القليل (الثعلبي، 1422: 6/ 4). ويخص الشيخ الطوسي (ت 460هـ) قراءة «كسفا» بالفتح بأهل المدينة وابن عامر وعاصم، والباقين بالسكون. وينقل عن أبي زيد أن معنى «كسفت الثوب أكسفه كسفاً» هو تقطيع الثوب. فإذا قُرئت بالفتح، يُراد بها جمع قطع، «قال كسَفاً مثل قطعة و قطع». وإذا قُرئت بالسكون، يحتمل وجهان: 1. جمع (جنس)؛ 2. مصدر ومعناه «كِسْفًا» أي جماعة ومجموعة. وفي خصوص «كِسَفًا» في الآية 92 من سورة الإسراء، يذكر قراءتين بالسكون والفتح، وبحسب رأي ابن عباس ومجاهد وقتادة، فإن «الكسف» بمعنى القطع. ويطرح الشيخ وجهين للقراءتين: الأول: جمع «كسفة»، حيث إن «كسف» بالسكون نظير «سدرة» (شجرة) و«سدر» (أشجار)، وهو جمع جنس للكثير والقليل. الثاني: احتمال أن يكون «الكسف» مصدراً من «كسفت الشئ» أي فعل «التغطية» (الطوسي، دون تاريخ: 6/ 518-519). أما أبو الحسن الواحدي (ت 468هـ)، فيرى أن «كِسْفاً» جمع «كسفة» ومعناها «قطعة». كما يحتمل معنى «الشيء المقطوع». ويرى أن القراءة بالفتح هي جمع «كسفة»، والقراءة بالسكون هي قطعة واحدة (أسقط السماء علينا قطعة واحدة) (الواحدي، 1415: 3/ 127). ويرى ابن عطية (ت 541هـ) أن قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة والكسائي لكلمة «كسفا» في جميع المواضع عدا سورة الطور هي بالسكون ومعناها القطع المتصلة (قطعا واحدا). وقد رأى ابن مجاهد أن المراد هو السماء كلها، وبحسب كلام العرب «كسفت الثوب ونحوه قطعته» تعني قطع الثوب. و«الكِسَف» مصدر ومعناه الشيء المقطوع. وينقل عن الزجاج أن معنى ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءِ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾، هو «قطعا»، وهو مشتق من فعل التغطية «كسفت الشيء إذا غطيته». وعلى الرغم من أنه ينقل عن القاضي أبي محمد أن معنى التغطية لا سابقة له في مصادر اللغة، وأن المعنى الأساسي هو القطع، فإنه في النهاية يذكر قراءة نافع وعاصم (برواية أبي بكر) بالفتح بمعنى القطع وجمعها (ابن عطية، 1413: 3/ 485). أما الطبرسي (ت 548هـ)، فيذكر في سياق الآية 92 من سورة الإسراء أن القراءة في هذه السورة وحدها بالفتح. وبحسب رواية حفص، فإن قراءة «كسفا» في كل القرآن بالفتح إلا في سورة الطور. كما ينقل أن قراءة هذه المادة في كل القرآن عدا سورة الطور من أهل العراق وابن كثير هي بالسكون (الطبرسي، 1415: 6/ 291). ويشير فخر الرازي (ت 606هـ) إلى معنى «القطعة» لكلمة «الْكِسْفَةُ» ويطرح ثلاث ملاحظات: الأولى: وجه الشبه بين السماء والثوب (بِالثَّوْبِ الْمَنْشُورِ)، حيث يستخدم اللغويون كلمة «الْكِسْفِ» لكليهما. الثانية: في استعمال «الْكِسْفِ» للسماء و«الْخَسْفِ» للأرض، وهذا يؤيد القول بأن «الْخَسْفَ» يُستخدم للقمر [ربما للشبه والتشابه مع الأرض]، ومن هذا المنطلق يجب التمييز بين مخرج «الكاف» في «كسوف» و«الخاء» في «خسوف»، ولهذا يُستخدم لفظ «الْكِسْفِ» للظواهر السماوية كالسماء والشمس، ولفظ «الْخَسْفِ» للقمر والأرض. الثالثة: يعلل فخر الرازي استخدام «كِسَفاً» للسحاب رغم انخفاض مكانه بالنسبة للقمر بأن السماء بالنسبة لأهل الأرض من حيث الرؤية والنظر إليها تكون في موضع العلو، ولذلك يُستخدم لفظ «الْكِسْفِ» لها (فخر الرازي، 1420: 28/ 223-224). وفيما بعد، لم نلحظ نقطة خاصة في آراء المفسرين. ابن عجيبة (ت 1224هـ)، من مفسري القرن الثالث عشر، يرى أن قراءة سين «كسَفاً» بالحركة تدل على الجمع، وبالسكون على المفرد (ابن عجيبة، 1419: 3/ 233). أما ابن عاشور (ت 1393هـ)، فيشير إلى «كِسْفاً» في الآية 44 من سورة الطور وحرف «مِنْ» في الآية (كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ) ويعتبرها للتبعيض، ومن ثم يكون معنى «كِسْفاً» هو المفرد (جرم سماوي). ولهذا السبب، يرفض رأي من يقول بعدم كون السماء مفعولاً به لفعل «تُسْقِطَ». ويعتبر ابن عاشور «كِسَفًا» جمع «كِسْفَةٍ» (قطعة من شيء) و«كِسْفاً» مفعولاً به بمعنى الشيء المقطوع (ابن عاشور، 1984: 15/ 209). ويرى العلامة الطباطبائي أن «كسفا» بفتح السين جمع «كسفة» وبالسكون مفرد (الطباطبائي، 1374: 13/ 202). ويشير مكارم الشيرازي في تفسير الآية 92 من سورة الإسراء إلى حجارة سماوية. وبحسب رأيه، يُستفاد من سورة «إسراء» أن هذا الطلب تكرر من النبي ﷺ، ومن ذلك قولهم: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً﴾. ويرى أن معنى «كِسَفًا» هو قطعة، والمقصود بقطع السماء هو الحجارة التي تسقط من السماء (مكارم الشيرازي، 1379: 12/ 144 و 561). وفي تفسير الأمثل للآية 48 من سورة الروم، يرى أن المراد بـ«كِسَفاً» هو قطع السحاب الصغيرة (مكارم الشيرازي، 1379: 16/ 468).

ج. كلمة «كسف» في مصادر علم القراءات

بالنظر إلى آراء القراء السبعة في الآيات الخمس التي وردت فيها كلمة «كسفا»، نلاحظ اختلافاً كبيراً في وجهات النظر. من خلال استخراج آراء القراء من كتب القراءات المعتمدة والمصادر الأولية حول مادة «كسف» في الآيات الخمس المذكورة، نجد أن الاتفاق الوحيد بينهم هو في الآية 44 من سورة الطور، حيث قرأ جميع القراء السبعة (مع روايتي أبي بكر وحفص عن عاصم) «كسفا» بسكون السين. وقد أشار ابن أبي مريم (ت 65هـ) إلى أن قراءة مادة «كسف» بأشكالها المختلفة من قبل القراء، فالوجه الذي يكون بفتح السين هو جمع «كسفة» (أنه جمع كسفة وهي القطعة)، والذي يكون بسكون السين هو اسم لشيء مقطوع (اسم للشئ المقطوع) (ابن أبي مريم، 1414: 767-768). ولم يذكر ابن مجاهد (ت 324هـ) سبباً لهذا الاختلاف (انظر: ابن مجاهد، 1400: 385). أما الأزهري (ت 370هـ) في كتاب معاني القراءات، فينقل عن أبي منصور أن القراءة بفتح السين هي جمع «كسفة»، وللقراءة بسكون السين وجهان: أ. جمع كسفة، ب. مفرد. كما ينقل عن الزجاج أن القراءة بسكون السين تبين كأنما هو سقوط السماء قطعة واحدة على الأرض، واشتقاقها من فعل التغطية «كسف الشي». ويذكر الأزهري بناءً على قول أبي العباس، أن «الخسف» في كلام العرب يعني إلحاق الأرض الأولى بالثانية. ومع الإشارة إلى تطابق معنى الخسوف والكسوف، يوضح أن مفهوم «خسف بفلان» يعني «ابتلعته الأرض» (الأزهري، 1412: 2/ 100 و 255). ويرى ابن خالويه (ت 370هـ) في الآية 92 من سورة الإسراء، أن حجة من قرأ «كِسَفاً» بالفتح هي إرادة الجمع، وحجة من قرأها بسكون السين هي تشبيهها بالمصدر مثل «عِلْم» و«حِلْم» (ابن خالويه، 1401: 220). أما أبو علي الفارسي (ت 377هـ)، فيرى أنه إذا كان «الكشف» مصدراً، فإن معنى «الكسف» هو الشيء المقطوع (المجزأ) مثل الطحن والدقيق. ويرجح الفارسي احتمال أن يكون «الكسف» جمع «كِسْفَة» (قطعة) مثل «سدرة» (شجرة) و«سدر» (أشجار). ويشير إلى أنه إذا صح هذا القول، فإن رأي ابن كثير يكون موجهاً: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءِ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾، حيث اعتبر «كِسَفًا» بمعنى ذات قطع، لأن «أسقط» فعل لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد. فإذا كان الأمر كذلك، يجب أن تكون «كِسَفًا» منصوبة على الحال، فيكون الحال وصاحبه بمعنى واحد، وبالتالي يكون «الكشف» هو «السماء»، والمعنى: «أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء عَلَيْنَا مقطعه أو قطعاً» (الفارسي، 1413: 5/ 119). وينقل ابن زنجلة (ت 403هـ) أن حجة قراءة نافع وابن عامر وعاصم بالفتح، نقلاً عن أبي عبيد، هي كون «كِسَفَاً» جمعاً لكلمة «كسفة» مثل «قِطَع» التي هي جمع «قطعة». وينسب قراءة باقي القراء بالسكون، وحجتهم أنها مفرد، وإذا أريد جمعها، لزمتها «الهاء» فتصبح «كسفة»، وفي هذه الحالة لا يكون جمع تكسير (ابن زنجلة، 1418: 410). ويرى أبو شامة (ت 665هـ) أن كلمة «كسفا» بفتح السين وسكونها لغتان، وهي جمع «كسفة» ومعناها «قطعة» كنظير «سدرة وسدر» (أبو شامة، 2010: 564). وكذلك القمحاوي يرى أن «كِسَفَاً» (بالفتح) جمع «كسفة» (مثل قطع)، و«كِسْفاً» (بالسكون) لها وجهان: أ. اسم جمع لـ«كسفة» (سدرة وسدر)، ب. اسم مفرد (كالقطع) (القمحاوي، 1427: 110).

د. تحليل آراء اللغويين والمفسرين والقراء

تُظهر دراسة وتحليل المتون اللغوية أن الاهتمام بعلم القراءات في القرن الرابع وفي آثار الأدباء مثل الأزهري قد حظي بالاهتمام. كما أن مادة «كسف» في معظم كتب اللغة لم يُولَ فيها اهتمام بعلم القراءات. والمفاهيم البارزة المستخلصة من كتب اللغة هي: القطع، التغطية، التغير والتحول خلاف الميل الطبيعي. وفيما يتعلق بالمفرد والجمع، فإن معظم كتب اللغة تعتبر «كِسَفاً» جمع «كسفة» (بمعنى قطعة) و«كِسْفاً» مفرداً (انظر: الأزهري، 2001: 10/ 45-47؛ الجوهري، 1407: 4/ 1421؛ الطريحي، 1375: 5/ 110-112). كما أن معظم المفسرين (من القرن الرابع فصاعداً) قد استعانوا بعلم القراءات في تبيين مفهوم ومراد مادة «كسف»، لدرجة أن ابن جرير الطبري، بالإضافة إلى استعانته بعلم القراءات، قد اختار قراءة بنفسه، حيث رجح القراءة بسكون السين وعلل ذلك بعدم تحديد عدد «كِسَف» من قبل الكفار في الآية 92 من سورة الإسراء (انظر: الطبري، 1420: 17/ 550-551). كما نلاحظ الاهتمام بظاهرة «الكسوف» و«الخسوف» والتمييز بينهما في كلام المفسرين. والاهتمام بعلم النحو (مثل «من» التبعيضية في «من السماء») في تبيين معنى «كسفا» يظهر في تفاسير مثل تفسير ابن عاشور. وبناءً على ذلك، يمكن القول إن المفسرين تناولوا ثلاث قضايا رئيسية بخصوص مادة «كسف»: أولاً: معنى الكلمة، ثانياً: مصداقها، وثالثاً: عددها (مفرد أم جمع). ففيما يتعلق بالمعنى، تناولوا القطع، والقطعة، والتغطية، والشيء المقطوع. وفيما يتعلق بالمصداق، رأى البعض أنها السماء (كل السماء، جانب من السماء)، والأجرام السماوية، والسحاب… إلخ. وفيما يتعلق بالعدد، اعتبر معظم المفسرين «كسفا» بفتح السين جمعاً، وبسكون السين مفرداً. وبحسب آراء القراء، فإن الاتفاق الوحيد هو على قراءة «كسفا» بسكون السين في الآية 44 من سورة الطور. وفي معظم كتب القراءات، ورد أن «كِسَفاً» جمع «كسفة» بمعنى «قطع» (انظر: ابن أبي مريم، 1414: 767-768؛ الأزهري، 1412: 2/ 100 و 255؛ ابن خالويه، 1401: 220). أما فيما يتعلق بـ«كِسَفًا» بسكون السين، فهناك بعض الاختلاف في الآراء. ومن الآراء الجديرة بالاهتمام كونها اسم جمع مثل «سدرة» و«سدر» (انظر: الأزهري، 1412: 2/ 100 و 255؛ أبو شامة، 2010: 564؛ القمحاوي، 1427: 110). كما اعتبرت اسماً مفرداً (انظر: الأزهري، 1412: 2/ 100 و 255؛ ابن زنجلة، 1418: 410). ولكن لماذا يوجد هذا الاختلاف الكبير في قراءة «كِسَفًا» بين القراء السبعة في سور الإسراء والشعراء والروم وسبأ؟ لقد سبق أن أشار ابن عاشور إلى «كِسْفاً» في الآية 44 من سورة الطور وحرف «مِنْ» في الآية (كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ) واعتبرها للتبعيض، وبالتالي يكون معنى «كِسْفاً» مفرداً (جرم سماوي) (ابن عاشور، 1984: 15/ 209). وابن عامر هو الوحيد الذي قرأ «كسفا» في سورة الإسراء بالفتح. فإذا نظرنا إلى سياق الآيات، نجد أنه في جميع المواضع وردت كلمة «السماء» مع «من» التبعيضية أو «في»، إلا في سورة الإسراء حيث جاء التركيب: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِي بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾، حيث وردت «السماء» بدون حروف مثل «من»، وفي هذه الحالة يبدو أن ابن عامر قد اعتبرها جمعاً، وفي باقي القرآن اعتبرها مفرداً؛ ولذلك، فإن ابن عامر هو الوحيد الذي قرأها في هذه الآية الكريمة بالفتح لتدل على الجمع. وعلى هذا الأساس، قرأها في الآية الكريمة 48 من سورة الروم خلافاً لباقي القراء الذين قرأوها جميعاً بالفتح، فقرأها هو بالسكون. وقد اعتبر مضمون الآية هنا أيضاً مفرداً وقرأ الكلمة مفردة.

الخاتمة

وردت كلمة «كسفا» في القرآن الكريم في خمس سور، وقرأها القراء بشكلين: بفتح السين وسكونها. ومن خلال دراسة معنى كلمة «كسفا» في المتون اللغوية والتفسيرية وتحليل اختلاف قراءتها بين القراء، توصلنا إلى النتائج التالية، وأهمها:

1. وردت كلمة «كسفا» عند أهل اللغة بمعانٍ مختلفة، اسمية وفعلية، منها: «القطع»، «التغطية»، «القطعة»، «الإلقاء»، «الإبعاد»، «الأفول»، «الغلبة»، «الانكماش»، و«الضيق». وفيما يتعلق بالمفرد والجمع، فإن معظم آراء اللغويين تشير إلى أن «كِسَفاً» جمع «قطعة = كسفة»، و«كِسْفاً» تستخدم مفردة.

2. بالنظر إلى التفاسير، من المؤكد أن المفسرين في القرون الأولى وقبل القرن الرابع لم يشيروا إلى مسألة اختلاف القراءات في تبيين كلمة «كسفا». وفي القرن الرابع، تناول الأزهري، صاحب كتابي تهذيب اللغة ومعاني القراءات، اختلاف القراءات في تبيين كلمة «كسفا». وقد اعتبر معظم المفسرين «كِسَفًا» بفتح السين جمع قطعة. وفي بعض الحالات، اعتُبرت «كسفا» في كلتا الحالتين (بالفتح والسكون) جمعاً، ولكن نوع الجمع يختلف في بعض الحالات (جمع قلة وكثرة). فقد ذكر الثعلبي أن الفتح في كلمة «كسفا» يدل على جمع القلة، والسكون على جمع الكثرة. أما ابن جرير الطبري، فقد اعتبر معنى «كسفة» قطعاً من ثلاث إلى عشر.

3. فيما يتعلق بالقراء السبعة، فإن وجه الاشتراك الوحيد هو في الآية 44 من سورة الطور، حيث قُرئت «كِسْفاً» بسكون السين. وبحسب آراء كتب القراءات، فإن كلمة «كِسَفَاً» (بالفتح) هي جمع «كسفة»، وتحمل معنى القطع (ذات قطع)، وتُستخدم لإرادة الجمع. أما فيما يتعلق بـ«كِسْفاً» بسكون السين، فقد وردت على أنها اسم لشيء مقطوع، وجمع «كسفة»، ومفرد، وسقوط قطعة واحدة (من السماء على الأرض)، وتشبيه بالمصدر (علم وحلم).

4. ابن عامر هو القارئ الوحيد الذي قرأ كلمة «كسفا» في سورة الإسراء (الآية 92) بالفتح، مما يحتمل دلالتها على الجمع. وخلافاً له، فإن حفصاً لم يقرأها بسكون السين إلا في سورة الطور (الآية 44). أما شعبة (أبو بكر)، فقد قرأها في سور الشعراء وسبأ والطور بسكون السين، وفي سورتي الإسراء والروم بالفتح. وفي الآيات التي ورد فيها عبارة «كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ» وحرف «من» التبعيضية، قرأ شعبة كلمة «كسفا» بسكون السين، مما يحتمل أنه اعتبرها مفردة. وفي الآيتين اللتين قرأ فيهما أبو بكر، راوي عاصم، بالفتح، وخاصة في الآية 92 من سورة الإسراء، فإن هذا الاحتمال يعزز أن شعبة، مثل ابن عامر، قد أراد بها الجمع.

الهوامش

1. هذه السور الخمس بحسب ترتيب المصحف هي: سورة الإسراء (الآية 92)؛ وسورة الشعراء (الآية 187)؛ وسورة الروم (الآية 48)؛ وسورة سبأ (الآية 9)؛ وسورة الطور (الآية 44)، وجميع هذه السور مكية.

2. انظر: مقالة «تحليل خوانش قاریان در قرائت ماده «نزل» به تشدید و تخفیف» لزهراء قاسم نجاد، دوفصلنامه علمی مطالعات قرائت قرآن، 1400.

Scroll to Top