الملخص
إن وجود بعض الكلمات في القرآن الكريم التي يختلف رسمها عن الإملاء العربي الرسمي قد أثار منذ القدم تساؤلات حول علل وأسباب وصحة أو خطأ هذه الاختلافات. ومن المصادر المستخدمة في هذا البحث، النقول المروية عن الصحابة والتابعين بشأن هذه الفروقات في الرسم القرآني. وتشير هذه الأخبار صراحة إلى وجود خطأ في كتابة القرآن، وتؤكد أو تنفي أو تبرر هذه الحالات. ولكن، ما هي هذه الأخبار؟ وما مدى اعتبارها؟ وإلى أي فترة زمنية تعود؟ تسعى هذه المقالة، المكتوبة بالمنهج التحليلي-الوصفي وباستخدام المصادر المكتبية، إلى جمع هذه الأخبار ونقدها ودراستها، مع التركيز بشكل خاص على تحديد زمن ظهورها. وتُظهر نتائج هذا البحث أن هذه الأخبار، من حيث السند والمتن، تعود على الأرجح إلى النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، ولا يمكن بسهولة إثبات وجودها في عصر الصحابة. كما أن شبكة الأسانيد المتعلقة بالأخبار المنسوبة إلى عثمان تفتقر إلى الشروط اللازمة لتحقيق الاطمئنان، وبالتالي لا يمكن الاستناد إليها كدليل معتبر.
المقدمة
لقد كان الرسم القرآني منذ القدم موضوع بحث ونقاش بين الباحثين في الدراسات القرآنية. وقد أثار وجود بعض الكلمات في القرآن الكريم التي تخالف الرسم الإملائي العربي الرسمي تساؤلات مختلفة في مباحث تاريخ القرآن. وفي هذا السياق، زادت بعض أخبار أهل السنة من تعقيد الموضوع، حيث تتحدث هذه الأخبار صراحة عن وجود لحن وخطأ في كتابة القرآن. تحمل كلمة “اللحن” في اللغة معانٍ متعددة، منها: أ) الصوت والغناء؛ ب) اللهجة؛ ج) الخطأ والاشتباه، والذي يمكن أن يكون في الكتابة، أو الكلام، أو القراءة، أو الإعراب، وما شابه ذلك (الأزهري، د.ت: ٤١/٥؛ ابن فارس، د.ت: ٢٣٩/٥؛ الجوهري، د.ت: ٢١٩٣/٦؛ الراغب الأصفهاني، د.ت: ٧٣٨؛ ابن الأثير: ٢٤١/٤؛ الفراهيدي، د.ت: ٢٣٠/٣؛ المصطفوي، د.ت: ١٧٨/١٠)، والمعنى الأخير هو المقصود في هذه المقالة.
لطالما كان اعتبار الأخبار الدالة على وجود خطأ في القرآن، من حيث السند والمتن، محط تأمل ونقاش. كما نوقشت هذه الأخبار من حيث زمن ظهورها في التراث الحديثي، أي تأريخها. والجدير بالذكر أن هذه الأخبار قد نقلها أهل السنة بشكل أساسي، وقام بعضهم بنقدها ودراستها. وغالبًا ما تشير نتائج هذه الدراسات إلى ضعف سند هذه الأخبار ومحتواها، وأحيانًا تُقدّم تبريرات غير مقنعة تعاطفًا معها. توجد هذه الأخبار بشكل أساسي في مصادر أهل السنة، وغالبًا ما تُنسب إلى عثمان بن عفان، وعدد منها إلى آخرين مثل عائشة وسعيد بن جبير. وينقسم المضمون العام لهذه الأخبار إلى صورتين: أ) تشخيص عثمان للخطأ في الرسم القرآني عند عرض المصاحف عليه، وامتناعه عن تغييرها وتوكيل تصحيحها للعرب. ب) تشخيص آخرين للخطأ في الرسم القرآني، ونسبتهم هذا الخطأ إلى كتبة الوحي.
يعد البحث في الرسم القرآني وقراءة القرآن من المباحث المهمة في مجال تاريخ القرآن، وقد دُرِس منذ القدم من قبل العلماء المسلمين وغير المسلمين من زوايا مختلفة (انظر؛ رضائي هفتادر، ١٤٠٢) في أعمال مثل «تاريخ القرآن» (الفصل الثالث) لثيودور نولدكه، و«شبهات وردود حول القرآن الكريم» لمحمد هادي معرفت، و«نقد ودراسة الأخبار الواردة حول الرسم القرآني» لقاسم بستاني (صحيفة، العدد ٢، ١٣٩٤). ومع ذلك، فإن هذا البحث يتناول تأريخ هذه الأخبار للمرة الأولى.
التأريخ هو منهج يهدف إلى تحديد أصل الأحاديث ومسار تطورها. وقد استخدم المستشرقون هذا المنهج على نطاق واسع، ويبدو أن الاستفادة منه إلى جانب مناهج نقد الحديث التقليدية ضرورية، لأن بعض المستشرقين في مباحث تاريخ القرآن قد أشاروا إلى أخبار مثل أخبار عثمان. على سبيل المثال، أورد نولدكه في تاريخه للقرآن قسمًا من هذه الأخبار (نولدكه، د.ت: ٤٤٣). ومن أجل الرد وإقامة حوار علمي بين المسلمين والمستشرقين، يمكن الاستفادة من مناهجهم المقبولة لديهم.
يعني تأريخ الحديث تحديد زمان ومكان ومنشئ وسير تغيرات حديث ما في سياق التاريخ (معارف، ١٤٠٠: ١٠٤؛ آقائي، ١٣٩٠: ١٠٥). وبشكل عام، للتأريخ منهجان: أ) التأريخ الخارجي(External dating) ، وهو الذي يؤرخ الحديث باستخدام معلومات من خارج السند أو المتن؛ ب) التأريخ الداخلي (Internal dating) ، وهو الذي يؤرخ الحديث باستخدام المعلومات الموجودة في السند والمتن (آقائي، ١٣٩٠: ١٠٥). وينقسم المنهج الثاني إلى أربعة أنواع: ١. التأريخ بناءً على المصدر الأول؛ ٢. التأريخ بناءً على تحليل السند؛ ٣. التأريخ بناءً على تحليل المتن؛ ٤. التأريخ بناءً على التحليل التركيبي للسند والمتن (آقائي، ١٣٩٤: ٢٣)، وهذا المنهج هو المستخدم في هذه المقالة لدراسة الأخبار موضع البحث. وقبل تطبيق المنهج التركيبي (السند-المتن)، يتم جمع جميع روايات الحديث من المصادر الإسلامية. ولا يقتصر نطاق المصادر على المصادر الحديثية، بل يشمل إلى جانب المجاميع الحديثية الرسمية وغير الرسمية، كتب المغازي والسير، وكتب الرجال والتراجم، وحتى متون التفسير (آقائي، ١٣٩٠: ١٢١).
أ. تأريخ أخبار عثمان
تشير بعض الأخبار الدالة على وجود خطأ في كتابة القرآن إلى كلام عثمان بعد الانتهاء من كتابة المصاحف. ينقل أبو عبيد القاسم بن سلام (ت. ٢٢٤ هـ) في كتابه فضائل القرآن ما يلي: «حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ هَارُونَ بْنِ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ الْخِرِّيتِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: لَمَّا كُتِبَتِ الْمَصَاحِفُ عُرِضَتْ عَلَى عُثْمَانَ، فَوَجَدَ فِيهَا حُرُوفًا مِنَ اللَّحْنِ، فَقَالَ: لَا تُغَيِّرُوهَا فَإِنَّ الْعَرَبَ سَتُغَيِّرُهَا، أَوْ قَالَ: سَتُعْرِبُهَا بِأَلْسِنَتِهَا، لَوْ كَانَ الْكَاتِبُ مِنْ ثَقِيفٍ، وَالْمُمْلِي مِنْ هُذَيْلٍ لَمْ تُوجَدْ فِيهِ هَذِهِ الْحُرُوفُ»؛ «عندما كُتبت المصاحف، عُرضت على عثمان، فوجد فيها حروفًا من اللحن، فقال: لا تغيروها، فإن العرب ستغيرها (أو قال: ستعربها بألسنتها). لو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل، لم توجد فيها هذه الحروف» (الهروي، ١٤١٥: ٢٣/٢؛ ١٦٦/٢). يبدو أن هذا المصدر هو أقدم وأول مصدر موجود نُقل فيه كلام عثمان. بناءً على قول عكرمة، بعد أن كُتبت المصاحف، عُرضت على عثمان، فرأى فيها حروفًا فيها خطأ. فقال عثمان: لا تغيروها، فإن العرب سيغيرونها، أو قال: إن العرب سيعربونها بلغتهم. لو كان الكاتب من قبيلة ثقيف والمملي من هذيل، لما ظهرت هذه الحروف الخاطئة في المصاحف.
كذلك نقل أبو زيد عمر بن شبة النميري البصري (ت. ٢٦٢هـ) ما يلي: «حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَطِيمٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، قَالَ: قَالَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ فِي الْقُرْآنِ لَحْنًا سَتُقِيمُهُ الْعَرَبُ بِأَلْسِنَتِهَا» «إن في القرآن خطأً ستصححه العرب بألسنتها» (ابن زبالة، ١٤٢٤: ١٢٩/٢).¹
محتوى هذا الخبر كسابقه. وقد أورد ابن شبة النميري في موضع آخر: «حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي هَاشِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: لَمَّا فُرِغَ مِنَ الْمُصْحَفِ أُتِيَ بِهِ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: قَدْ أَحْسَنْتُمْ وَأَجْمَلْتُمْ، أَرَى شَيْئًا مِنْ لَحْنٍ سَنُقِيمُهُ بِأَلْسِنَتِنَا» «حقاً لقد أديتم عملاً حسناً، أرى فيه خطأً سيصححه العرب بألسنتهم» (همان، ١٠١٣/٣).
بناءً على هذا النقل، يبدي عثمان في البداية رضاه عن كتابة القرآن بقوله «قد أحسنتم و أجملتم» ثم يضيف أنه يرى خطأً يسيراً سنصلحه بألسنتنا. وقد جمع السجستاني (ت. ٣١٦ هـ) في كتابه المصاحف عدة أحاديث ونقلها كما يلي: «حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا الْمُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ الْقُرَشِيِّ قَالَ: لَمَّا فُرِغَ مِنَ الْمُصْحَفِ أُتِيَ بِهِ عُثْمَانَ فَنَظَرَ فِيهِ فَقَالَ: قَدْ أَحْسَنْتُمْ، وَأَجْمَلْتُمْ، أَرَى فِيهِ شَيْئًا مِنْ لَحْنٍ سَتُقِيمُهُ الْعَرَبُ بِأَلْسِنَتِهَا» «حقاً لقد أديتم عملاً حسناً، أرى فيه خطأً سيصححه العرب بألسنتهم» (ابن أبي داود، ١٤٢٣: ١٢٠/١).
«حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ يَعْنِي ابْنَ بَكَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَصْحَابُنَا، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا رُفِعَ إِلَيْهِ الْمُصْحَفُ قَالَ: إِنَّ فِيهِ لَحْنًا، وَسَتُقِيمُهُ الْعَرَبُ بِأَلْسِنَتِهَا» «إن فيه خطأً، سيصححه العرب بألسنتهم» (همان، ١٢٢/١).
«حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ دَاوُدَ الْقَطَّانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ اللَّيْثِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فُطَيْمَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ قَالَ: قَالَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «فِي الْقُرْآنِ لَحْنٌ وَسَتُقِيمُهُ الْعَرَبُ بِأَلْسِنَتِهَا» «إن في القرآن خطأً سيصححه العرب بألسنتهم» (همان).²
«حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ دَاوُدَ الْقَطَّانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمِ اللَّيْثِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فُطَيْمَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ قَالَ: قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ فِي الْقُرْآنِ لَحْنًا وَسَتُقِيمُهُ الْعَرَبُ بِأَلْسِنَتِهَا» (همان).
«حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ عَقِيلٍ، عَنْ هَارُونَ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْخِرِّيتِ، عَنْ عِكْرِمَةَ الطَّائِيِّ قَالَ: لَمَّا أُتِيَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالْمُصْحَفِ رَأَى فِيهِ شَيْئًا مِنْ لَحْنٍ فَقَالَ: لَوْ كَانَ الْمُمْلِي مِنْ هُذَيْلٍ، وَالْكَاتِبُ مِنْ ثَقِيفٍ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ هَذَا» (همان، ١٢٧/١).
«عن ابن مجاهد عن أبي عبد الله أحمد بن عبدوس عن محمد بن عبد الله مخزومي عن أبي داود الطيالسي عن عمران القطان عن قتادة عن يحيى بن يعمر عن ابن فطيمة قال: قال عثمان: في القرآن لحن و إن العرب ستقيمه بألسنتها» (الباقلاني، ١٤٢٢: ٥٣٨/٢).
محتوى هذه الأخبار يشترك في نقطة واحدة: وهي أن عثمان أقر بوجود الخطأ، وإن اعتبره قابلًا للإصلاح. وبناءً على منهج المصدر الأول، يمكن استنتاج أن أول ظهور للأخبار المتعلقة بكلام عثمان كان في كتاب فضائل القرآن للقاسم بن سلام (المتوفى ٢٢٤ هـ). وبحسب عمليات البحث، لم يُعثر على مصدر قبل كتاب ابن سلام الهروي تناول هذا الموضوع.
في التأريخ بناءً على المصدر الأول، يُستخدم زمن تأليف المصدر كقرينة للتأريخ، ولكن طريقة الاستفادة من هذه القرينة تختلف. فبعض المستشرقين مثل جوزيف شاخت وغوتفريد يانبول يعتبرون زمان ومكان تأليف المصدر «حدًا زمنيًا ابتدائيًا» للحديث، أي أن الحديث لم يكن موجودًا قبل تأليف المصدر وظهر مع تأليفه (آقائي، ١٣٩٠: ١٣٠). وفي المقابل، يرى بعض المستشرقين الآخرين مثل م. يعقوب قسطر، أن زمن تأليف المصدر هو “حد زمني نهائي” للحديث، أي أن الحديث المذكور كان موجودًا على الأقل حتى زمن تأليف أو تدوين المصدر (موتسكي، ١٣٩٠: ٥٥). لذلك، ما لم يُعثر على الأخبار المنتهية إلى عثمان في نص أقدم، يمكن استخدام فترة تأليف كتاب ابن سلام الهروي كشاهد لتأريخها.
وبالنظر إلى الأسانيد الموجودة، يمكن الاستفادة أيضًا من منهج التأريخ بناءً على تحليل السند. يعتمد تأريخ السند على نموذج “الحلقة المشتركة”. الحلقة المشتركة هو الراوي الذي يتكرر اسمه في جميع الأسانيد المختلفة لحديث واحد. يعتقد شاخت أن الحلقة المشتركة هو واضع النسخة الأولى للحديث، وفي الحالات التي لا يمكن فيها أن يكون رواج الحديث قد تم بواسطة الحلقة المشتركة، فإن هذا العمل قد تم على يد شخص استخدم اسمه. وبالتالي، يمكن اعتبار «زمن النشاط العلمي» للحلقة المشتركة «حدًا زمنيًا ابتدائيًا» لظهور الرواية (آقائي، ١٣٨٩: ٢٨). وللوصول إلى الحلقة المشتركة، لا بد من جمع جميع الأسانيد. وكما يتضح من دراسة شبكة الأسانيد، فإن الأخبار المنسوبة إلى عثمان قد نُقلت عنه عبر عدة أشخاص.
١. طريق عكرمة
عكرمة بن عبد الله البربري، أبو عبد الله المدني (ت. ١٠٥ هـ)، مولى ابن عباس، الذي يسميه ابن أبي داود عكرمة الطائي (ابن أبي داود، ١٤٢٣: ١٢٧)، أما ما قيل من أن هذا التعبير خاطئ بلا شك؛ لأنه لا يوجد شخص بهذا الاسم بين تلاميذ وموالي ابن عباس (المزي، ١٩٩٨: ١٧٧/٤ فما بعد). وثقه البعض مثل الطبري، وضعفه آخرون؛ لكنه قطعًا لم يلقَ عثمان (ت. ٣٥ هـ)، ورواياته عن عثمان وغيره من الصحابة، باستثناء ابن عباس الذي كان مولاه، مرسلة (المزي، ١٩٩٨: ٢٠٩/٥، ٢١٦؛ ابن أبي حاتم، ٧/٧ و ٩؛ الذهبي، ١٩٦٣: ٩٣/٣، ٩٦؛ ابن حجر، ١٩٨٤: ٢٢/٧، ٢٣؛ هو نفسه، ١٩٨٦: ٤٤٦، ٤٥١؛ هو نفسه، ١٩٧٥: ٣٠/٢). ورغم أن بقية رجال السند، مثل الزبير بن الخريت (المزي، ١٩٩٨: ١٣/٣؛ ابن أبي حاتم، د.ت: ٩٤/٩-٩٥؛ ابن حجر، ١٩٨٤: ٢٧١/٣)، وهارون بن موسى الأعور (المزي، ١٩٩٨: ٣٨٢/٧؛ ابن أبي حاتم، د.ت: ٩٤/٩-٩٥؛ ابن حجر، ١٩٨٤: ١٤/١١؛ هو نفسه، ١٩٧٥: ٣١٣/٢) وحجاج بن محمد المصيصي (المزي، ١٩٩٨: ٦٤/٢؛ ابن حجر، ١٩٨٤: ١٨٠/٢-١٨١) قد وُثِّقوا، إلا أنه بالنظر إلى الشك في شأن عكرمة، وخاصة بسبب إرسال رواياته، فإن هذا الخبر مرسل وسنده ضعيف.
٢. طريق عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر القرشي
عبد الأعلى بن عبد الله البصري، وهو موثق (المزي، ١٩٩٨: ٣٣٥/٤؛ ابن حجر، ١٩٧٥: ٤٦٤/١). كما أنه في هذه الرواية، لم يصرح عبد الأعلى بأنه سمع من عثمان، بل احتمال سماعه منه ضئيل جدًا. لذلك، يمكن القول إن عبد الأعلى أرسل هذه الرواية، لأنه لم يصرح بالسماع من عثمان. بالإضافة إلى ذلك، فإن طرق روايته ضعيفة بسبب وجود أشخاص في السند محل شك في وثاقتهم، وكذلك وجود رواة ضعفاء ومجهولين (انظر: رجب زاده، ١٤٠٢)؛ وبالتالي، فإن سند هذه الرواية ضعيف بشكل عام.
– حارث بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد المدني الدوسي: وثقه البعض وضعفه آخرون (المزي، ١٩٩٨: ٢٠/٢؛ ابن أبي حاتم، د.ت: ٨٠/٣؛ الذهبي، ١٩٦٣: ٤٣٧/١؛ ابن حجر، ١٩٧٥: ١٤٢/١).
– إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي، معروف بابن علية: موثق (المزي، ١٩٩٨: ٢١٦/١-٢١٨).
– مؤمل بن هشام اليشكري: موثق (المزي، ١٩٩٨: ٢٨٦/٧؛ ابن حجر، ١٩٨٤: ٣٤٢/١٠).
– يحيى بن آدم الأموي: موثق (المزي، ١٩٩٨: ٦/٨؛ ابن أبي حاتم، د.ت: ١٢٨/٩-١٢٩؛ ابن حجر، ١٩٨٤: ١٥٤/١١-١٥٥).
– أحمد بن مسعدة: لم يُعثر له على ترجمة في مصادر الرجال والتراجم.
– سليمان بن الأشعث، أبو داود (ت. ٢٧٥ هـ): من كبار علماء الفقه والحديث، موثق وصاحب السنن (ابن حبان، ١٣٩٣: ٢٨٢/٨؛ المزي، ١٩٩٨: ٣٥٥/١١-٣٦٧؛ الذهبي، د.ت: ٥٩١/٢-٥٩٣؛ ابن حجر، ١٩٨٤: ١٤٩/٤).
– شعيب بن أيوب الصريفيني: مدلس وضعيف، وُصفت أحاديثه بالمنكرة (ابن حبان، ١٣٩٣: ٣١٠/٨؛ الذهبي، ١٩٦٣: ٢٧٥/٢؛ ابن حجر، ١٩٨٤: ٣٠٥/٤).
– أحمد بن عبد الغفار، المعروف بابن أشته (ت. ٤٩١ هـ): من كبار علماء الحديث، وثقة (الذهبي، سير أعلام النبلاء، ١٨٣/١٩).
– محمد بن يعقوب: شخص مشترك ولم يتم تحديده بدقة.
٣. طريق يحيى بن يعمر
يحيى بن يعمر البصري موثق، لكنه لم يرو عن عثمان، بل روايته عنه مرسلة (المزي، ١٩٩٨: ١٠٧/٨؛ ابن حجر، ١٩٨٤: ٢٦٧/١١؛ هو نفسه، ١٩٧٥: ٥٩٨؛ ابن أبي حاتم، د.ت: ١٩٦/٩). هذا السند ضعيف بسبب إرسال يحيى، وكذلك ضعف وجهالة بعض رجاله. منهم:
– عبد الله بن فطيمة: مجهول وخبره لا يُقبل (الصابوني، ١٩٧١: ١٢٧).
– نصر بن عاصم الليثي: موثق (المزي، ١٩٩٨: ٣٢٣/٧؛ ابن حجر، ١٩٧٥: ٢٩٩/٢).
– قتادة بن دعامة السدوسي: موثق (المزي، ١٩٩٨: ٩٩/٦-١٠٤؛ ابن حبان، ١٣٩٣: ٣٢٢/٥؛ ابن حجر، ١٩٨٤: ٣١٥/٨-٣١٩)، لكنه لم يلق إلا أنسًا، وقيل عبد الله بن سرجس، وهو مشهور بالتدليس (ابن أبي حاتم، د.ت: ١٣٣/٧).
– عمران بن داود، المعروف بأبي العوام القطان: ضعفه الأكثرون (المزي، ١٩٩٨: ٤٨٤/٥؛ الذهبي، ١٩٦٣: ٢٣٦/٣؛ ابن حجر، ١٩٨٤: ١١٦/٨-١١٧؛ هو نفسه، تقريب التهذيب، ٤٢٩/١).
– يزيد بن سنان، مولى عثمان: موثق (المزي، ١٩٩٨: ١٢٩/٨-١٣٠؛ الذهبي، ١٩٦٣: ٤٢٨/٤؛ ابن حجر، ١٩٨٤: ٢٩٢/١١).
– أبو داود، سليمان بن داود بن الجارود الطيالسي البصري: موثق، وإن كان متهمًا بالخطأ في الأحاديث (ابن حجر، ١٩٧٥: ٣٨٤/١؛ هو نفسه، ١٩٨٤: ١٦٠/٤؛ المزي، ١٩٩٨: ٤٠١/١١؛ الذهبي، د.ت: ٣٧٨/٩).
– إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، المعروف بابن راهويه: إمام علم ومشهور (المزي، ١٩٩٨: ١٧٥/١-١٧٨؛ ابن حجر، ١٩٨٤: ١٩٠/١).
– يونس بن حبيب بن عبد القاهر الأصبهاني: موثق (ابن أبي حاتم، د.ت: ٢٣٧/٩؛ الذهبي، د.ت: ٥٩٦/١٢).
– عمرو بن مرزوق الباهلي: وثقه البعض وضعفه آخرون (المزي، ١٩٩٨: ٤٦٠/٥؛ ابن حجر، ١٩٨٤: ٨٧/٨-٨٩؛ هو نفسه، ١٩٨٦: ٤٥٤؛ هو نفسه، ١٩٧٥: ٤٢٦/١).
– ابن أبي فطيمة: غير معروف (الباقلاني، ١٤٢٢: ٥٣٨/٢)، والأرجح أنه نفس ابن فطيمة الذي يُعد أيضًا شخصًا مجهولًا.
٤. طريق ابن فطيمة
على الأغلب، المقصود بابن أبي فطيمة هو نفسه ابن فطيمة. كتب ابن حبان عنه: «روى عنه العراقيون» (الثقات لابن حبان). وذكر آية الله معرفت اسم عبد الله بن فطيمة في لجنة توحيد المصاحف (معرفت، ١٣٨١: ١٣٧).
كما لوحظ، فإن أسانيد هذه الرواية مضطربة نوعًا ما. في سند، يروي قتادة عن يحيى بن يعمر ولا يذكر نصرًا، بينما في سند آخر، يروي نصر بن عاصم عن يحيى. كما أنه في بعض الأسانيد، يُذكر ابن أبي فطيمة كراوٍ، وفي أخرى يروي يحيى بن يعمر عن ابن فطيمة (بدون “أبي”). هذه الاختلافات تدل على اضطراب في الأسانيد.
حتى لو قلنا إن يحيى بن يعمر روى مرة عن ابن فطيمة ومرة أخرى روى ابن فطيمة عن يحيى، فإن هذا لا يزيل الاضطراب الموجود في الأسانيد. وبالتالي، يمكن استنتاج أن الأسانيد المتعلقة بهذين الرجلين مضطربة، وفي النهاية تُضعّف.
تمت دراسة معظم رجال هذه الرواية في الخبر السابق. أما بقية الرجال فهم كالتالي:
– محمد بن عبد الله المخزومي: صُرح بأنه مجهول (المزي، ١٩٩٨: ٣٧٢/٦؛ ابن حجر، ١٩٨٤: ٢٢٩/٩؛ هو نفسه، ١٩٧٥: ٤٨٨/١).
– أبو عبد الله أحمد بن عبدوس: شخص بهذا الاسم مجهول، ويبدو أنه ذُكر فقط في كتب رجال الشيعة (ابن شهر آشوب، د.ت: ٤٩؛ الجواهري، ١٤٢٤: ٣٢).
– ابن مجاهد: أحمد بن موسى، شيخ المقرئين وصاحب السبعة، عالم مشهور وموثق (الذهبي، د.ت: ٢٧٢/١٥).
بالنظر إلى ضعف رجال هذا السند المذكورين هنا وفي السند السابق، يجب القول إن هذه الرواية ضعيفة من حيث السند.
٥. طريق قتادة
قتادة بن دعامة السدوسي موثق (المزي، ١٩٩٨: ٩٩/٦، ١٠٤؛ ابن حبان، ١٣٩٣: ٣٢٢/٥؛ ابن حجر، ١٩٨٤: ٣١٥/٨، ٣١٩)، لكنه لم يلق إلا أنسًا، وقيل عبد الله بن سرجس، وهو مشهور بالتدليس (ابن أبي حاتم، د.ت: ١٣٣/٧). وبناءً على هذه الأوصاف، يُعتبر هذا الخبر ضعيفًا من حيث السند بسبب إرسال قتادة عن عثمان، ووجود رواة ضعفاء ومجهولين.
خلاصة القول، لا تظهر في شبكة الأسانيد هذه حلقة مشتركة موثوقة، وتوجد فقط عقدة في قسم إسماعيل بن إبراهيم. اسمه الكامل إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي، المعروف بابن علية. وفي الأقسام الأخرى، طرق نقل الحديث منفردة. كما أن قتادة نقل كلام عثمان مباشرة، ويمكن وصف هذا الطريق بأنه “غوص”.
بناءً على ذلك، لا يمكن استخلاص نتيجة تاريخية معتبرة من شبكة أسانيد أخبار عثمان، لأن أسانيد هذه الأخبار غير منتظمة ومتفرقة جدًا. ويقدم هذا التحليل للأسانيد نظرة متشائمة لأخبار عثمان.
كانت معظم الطرق نشطة في البصرة، بينما كان عكرمة ينشط أكثر في مكة والمدينة. ويبدو أنه تلقى الرواية من مشايخ البصرة مثل يحيى بن يعمر. كما أن علاقة الرواة بعثمان تدعو للتأمل؛ على سبيل المثال، كان والد عبد الرحمن واليًا لعثمان. ويحتمل أن هؤلاء الرواة قد سعوا بشكل جماعي للدفاع عن أداء عثمان في توحيد المصاحف.
لا شك أن توحيد المصاحف قد خلق تحديات في بدايته، وفيما بعد تعرض مصحف عثمان للنقد والتشكيك، خاصة فيما يتعلق ببعض الآيات التي لم يُقبل رسمها. ولهذا، قد تكون مجموعة قد حاولت، من خلال قبول أصل الخطأ في المصحف من قبل عثمان، التقليل من شأن هذا الإشكال، والإيحاء بأن هذا الإشكال سيتم إصلاحه لاحقًا من قبل العرب. بالطبع، قدم بعض ناقلي هذا الخبر تبريرات أخرى له.
ب. تأريخ سائر الأخبار الدالة على وجود خطأ في القرآن
كما أشير سابقًا، نُقلت هذه الأخبار عن أشخاص آخرين أيضًا. وفيما يلي، سندرس ونؤرخ هذه الأخبار.
١. خبر عائشة
نُقل خبر عائشة على النحو التالي:
«حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَوْدِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ لَحْنِ الْقُرْآنِ، ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣]، وَعَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢]، وَعَنْ قَوْلِهِ ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي، هَذَا عَمَلُ الْكُتَّابِ أَخْطَئُوا فِي الْكِتَابِ» (الهروي، ١٤١٥: ١٦١، ١٦٠؛ ابن أبي داود، ١٤٢٣: ١٢٩).
بناءً على هذه الرواية، يسأل عروة بن الزبير عائشة عن الخطأ في بعض آيات القرآن. وفي الخبر، تمت الإشارة إلى ثلاث آيات محددة. وتنسب عائشة في إجابتها اللحن والخطأ النحوي إلى الكتبة، وعلى هذا الأساس تقبل أصل الخطأ، لكنها تعتقد أن هذه الأخطاء قد دخلت إلى القرآن من جهة الكتبة.
النقطة المهمة في تأريخ هذا الخبر هي السند الذي ينتهي إلى عائشة. يُعد سند هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة من الأسانيد المشهورة والعائلية. ومع ذلك، من وجهة نظر بعض المستشرقين، فإن مثل هذه الأسانيد توفر أرضية مناسبة للوضع والكذب، إذ يمكن لأي شخص أن يضع أقوالًا كاذبة وينسبها إلى مثل هذا السند.
ويعتقد علماء الرجال من أهل السنة أيضًا أن روايات أبي معاوية الضرير (محمد بن خازم التميمي) إذا كانت عن الأعمش، فهي معتبرة، وقد اعتمد البخاري على هذا الطريق، أما روايته عن غير الأعمش، خاصة عن هشام بن عروة، فهي غير صحيحة وفيها اضطراب وعدم ضبط (ابن حجر، ١٩٨٤: ١٣٧/٩ فما بعد؛ هو نفسه، ١٩٨٦: ١٩٢/٢؛ الذهبي، ١٩٦٣: ٥٧٥/٤). كما أنه بالنظر إلى مكانة عائشة والصحابة الآخرين وإتقانهم للغة العربية، فإن صحة هذا الكلام من عائشة محل شك (الباقلاني، ١٤٢٢: ٥٣٩/٢-٥٤٠).
بالإضافة إلى ذلك، فإن تدوين النحو وقواعده قد تم في فترة متأخرة (بستاني، ١٣٨٢: ١٨٥-٢٢٦). وبالتالي، لا يمكن أن يكون هذا الخبر صحيحًا، لأنه ينظر إلى قواعد النحو المتأخرة. وقد برر كثير من النحاة القراءات المختلفة بناءً على أصول وقواعد النحو وأكدوا صحتها؛ بينما لو كانت هذه القراءات غير صحيحة، لما كان هذا التبرير ممكنًا. ويبدو أن هذا الخبر وما شابهه قد نشأ بناءً على مسائل متأخرة، عندما أصبحت القواعد النحوية لبعض الآيات مسألة، ولجأ البعض للإجابة على هذه المسائل إلى الأحاديث واعتبار الصحابة.
٢. خبر سعيد بن جبير
في خبر منسوب إلى سعيد بن جبير (ت. ٩٥ هـ)، نُسبت أربعة أخطاء إلى القرآن:
«حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ حَمَّادٍ الْخَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا خَلَّادٌ يَعْنِي ابْنَ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: فِي الْقُرْآنِ أَرْبَعَةُ أَحْرُفٍ لَحْنٌ: «الصَّابِئُونَ»، «وَالْمُقِيمِينَ» (النساء: ١٦٢)، «فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ» (المنافقون: ١٠)، «وَإِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ» (ابن أبي داود، ١٤٢٣: ١٢٨).
على الرغم من أن سعيد بن جبير يُعد من التابعين وهو أقرب زمنيًا إلى القرن الثاني الهجري، إلا أنه لا يمكن قبول محتوى خبره. فالمكانة العلمية البارزة لسعيد بن جبير بين التابعين وارتباطه بالصحابة المعروفين مثل ابن عباس، قد وفرت أرضية مناسبة لنسبة مثل هذا الخبر إليه. ويبدو أن التركيب النحوي للآيات المذكورة في الخبر قد أصبح مسألة معقدة وصعبة لبعض المفسرين، ولهذا السبب، استخدموا أي وسيلة لتبرير هذه المشكلة والخلاص منها.
٣. خبر أبان بن عثمان
في خبر منسوب إلى أبان بن عثمان (ت. ١٠٥ هـ)، ورد ما يلي:
«حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ: أَخْبَرَنَا حَمَّادٌ، عَنِ الزُّبَيْرِ أَبِي خَالِدٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ: كَيْفَ صَارَتْ: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (النساء: ١٦٢) مَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا رَفْعٌ، وَهِيَ نَصْبٌ؟ قَالَ: مِنْ قِبَلِ الْكِتَّابِ، كَتَبَ مَا قَبْلَهَا، ثُمَّ قَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ اكْتُبِ الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ، فَكَتَبَ مَا قِيلَ لَهُ» (الهروي، ١٤١٥: ١٦٠، ١٦١؛ ابن أبي داود، ١٤٢٣: ١٢٩).
نُقل عن الزبير أبي خالد أنه سأل أبان بن عثمان: كيف جاءت كلمة (الْمُقِيمِينَ) منصوبة في آية ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ… وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾، بينما ما قبلها (الْمُؤْمِنُونَ) وما بعدها (الْمُؤْتُونَ) مرفوعان؟ قال: من جهة الكاتب! عندما كتب «المؤمنون»، سأل: ماذا أكتب؟ فقال المملي: اكتب «المقيمين الصلاة»، فوقع هذا الخطأ.³
في هذا الخبر، يُقدم تبرير نحوي لنصب كلمة «المقيمين»، وإلا فإن أبان بن عثمان قد تحدث عن واقعة لم يحضرها (ابن أبي حاتم، د.ت: ٢٩٥/٢؛ المزي، ١٩٩٨: ١٨/٢؛ الذهبي، د.ت: ٣٥١/٤؛ ابن حجر، ١٩٧٥: ٥١/١؛ هو نفسه، ١٩٨٤: ٨٤/١). ومضمون هذا الخبر أيضًا هو قبول الخطأ في القرآن ونسبته إلى الكتبة أو المملين. ولكن كيف يمكن قبول مثل هذا الخطأ مع وجود الإشراف والمراجعة، وكذلك حضور حفظة القرآن والصحابة؟!
٤. خبر هانئ البربري مولى عثمان
في خبر نُقل عن أبان بن عثمان (ت. ١٠٥ هـ)، ورد أنه عن عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الله بن مبارك عن أبي وائل، شيخ من أهل اليمن، عن هانئ البربري مولى عثمان، قال: عندما كان عثمان يعرض عليه المصاحف، أرسلني إلى أبي بن كعب وفيها مكتوب: «لم يتسن» (البقرة: ٢٥٩)، «لا تبديل للخلق» (الروم: ٣٠)، «فأمهل الكافرين» (الطارق: ١٧). فأحضر أبي بن كعب دواة، فحذف إحدى اللامين وكتب: «لخلق الله»، ومحا «فأمهل» وكتب: «فمهل»، وكتب «لم يتسنه» وأضاف إليها هاء (الهروي، ١٤١٥: ١٥٩؛ السيوطي، ١٤١٦: ٥٣٨/١؛ الطبري، ١٤١٥: ٥٤/٣).
وبنفس السند عن هانئ البربري مولى عثمان نُقل أنه قال: عندما كتب عثمان المصاحف، شكوا في ثلاث آيات، فكتبوها على كتف شاة وأرسلوني بها إلى أبي بن كعب وزيد بن ثابت. فلما دخلت، أخذها أبي بن كعب وقرأها فوجد فيها: «لا تبديل للخلق ذلك الدين القيم»، فحذف إحدى اللامين وكتب: «لا تبديل لخلق الله ذلك…»، وفي آية «انظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنن»، حذف النون وكتب: «لم يتسنه»، وفي آية «فأمهل الكافرين»، حذف الألف وكتب: «فمهل»، ونظر إليها زيد بن ثابت أيضًا. ثم أحضرتها إلى عثمان، فأثبتها في المصاحف على هذا النحو (أبو عبيد، ١٤١٥: ٢٨٦؛ الطبري، ١٤١٥: ٥٤/٣؛ السمرقندي، د.ت: ٥٤٧/٣؛ السيوطي، د.ت: ٣٣٣/١).
كذلك نُقل عن عبد الرحمن بن مهدي عن أبي الجراح عن سليمان بن عمير عن هانئ مولى عثمان: أنه كان رسولًا بين عثمان وزيد بن ثابت، وأن زيدًا طلب مني أن أسأل عثمان أيهما أكتب: «لم يتسن» أم «لم يتسنه»، فقال عثمان: «ألحقوا بها هاء» (أبو عبيد، ١٤١٥: ١٥٩؛ السيوطي، د.ت: ٣٣٣/١؛ المتقي الهندي، ١٤٠٩: ٥٩٨/٢؛ الطبري، ١٤١٥: ٥٤/٣).
كما يلاحظ، في النقلين الأولين المتشابهين تقريبًا حيث يتولى التصحيح أبي بن كعب، يعمل عثمان في النقل الثالث كمصحح، ويشير فقط إلى واحدة من الحالات الأربع المذكورة. كما أن كتابة هذا الحجم من الآيات على كتف شاة في زمن عثمان، بالنظر إلى تطور أدوات الكتابة والإمكانيات، تبدو بعيدة. من ناحية أخرى، تسعى هذه الأخبار إلى إظهار حساسية الصحابة في كتابة القرآن بشكل صحيح، بحيث لا يوجد خطأ في الرسم القرآني يخالف النحو (السيوطي، ١٤١٦: ٥٣٨/١). هذا بينما نُقلت أخبار أخرى تشير إلى وجود إشكالات في الرسم القرآني من صحابة مثل عثمان وعائشة. بعبارة أخرى، يتعارض هذا الخبر مع الأخبار الدالة على وجود خطأ في القرآن.
الخاتمة
في الرسم الإملائي القرآني، توجد حالات تخالف الرسم الإملائي الرسمي والمعتاد في اللغة العربية. إحدى النظريات المطروحة حول أسباب هذا الاختلاف هي وجود خطأ في الكتابة من قبل الكتبة الأوائل للمصاحف في زمن عثمان. وتستند هذه النظرية إلى أخبار وردت عن أهل السنة. ومع ذلك، لا يمكن ببساطة قبول الأخبار المتعلقة بالخطأ في القرآن لتبرير هذا الاختلاف.
تُعتبر الأخبار المنسوبة إلى عثمان في هذا المجال الأخبار الرئيسية. وفي هذه المقالة، تم فحص هذه الأخبار بناءً على التأريخ. وأظهرت نتائج التأريخ أن هذه المتون وُجدت منذ النصف الثاني من القرن الثالث فصاعدًا، لكن المصادر المعتبرة والرسمية لأهل السنة لم تشر إلى هذه الأخبار. كما أن شبكة أسانيد الأخبار المنسوبة إلى عثمان تفتقر إلى ضوابط الحلقة المشتركة، ولهذا السبب لا يمكن استخدامها كشاهد لتحقيق الثقة.
كذلك فإن بقية رواة الأخبار المتعلقة بوجود الخطأ، ومنهم عائشة، وسعيد بن جبير، وأبان بن عثمان، وهانئ مولى عثمان، يفتقرون أيضًا إلى السمات اللازمة لرسم شبكة أسانيد معتبرة. ويبدو أن هذه الأخبار قد ظهرت لتأييد توحيد المصاحف والدفاع عن مصحف عثمان في مواجهة الانتقادات والتيارات المعارضة. وقد حاول هؤلاء الرواة التقليل من شأن الإشكالات في الرسم القرآني والأخطاء الموجودة في مصحف عثمان.
بالنظر إلى القرائن التاريخية والتحليلية المقدمة، لا يمكن بسهولة الاعتماد على هذه الروايات. وكما أن محدثي أهل السنة أنفسهم لم يقبلوا هذه الأحاديث أو قدموا لها تبريرات.
الهوامش
١. يبدو أن خطأ قد وقع هنا، والاسم الصحيح للراوي هو عمران القطان؛ كما سيرد في الأسانيد اللاحقة. انظر أيضًا: التاريخ الكبير للبخاري، ج ٥ / ١٧٠.
٢. في الأسانيد اللاحقة، سُجّل الاسم بصيغة (ابن فطيمة).
٣. يبدو أنه كان ينبغي أن يُقال في المتن إن الخطأ كان من المملين وليس من الكتبة.