دراسة إمكان «الوجوب المشروط» مع التأكيد على رأي الأستاذ الآملي اللاريجاني

ملخص

من أدلة إنكار «الوجوب المشروط» لدى الأصوليين أن «الهيئة» من المعاني الحرفية، والمعاني الحرفية جزئية وغير قابلة للتقييد؛ فلا يمكن إرجاع القيد إليها. في المقابل، أجاب أعلام من أمثال صاحب الكفاية والمحقق الإصفهاني والمحقق الخوئي على هذا الاستدلال لمنكري «الوجوب المشروط»؛ وذلك بإنكار جزئية معنى «الهيئة»، وكذلك بإثبات إمكان «التقييد الجزئي» بأن ننشئه مقيداً من البداية (بناءً على رأي المرحوم الآخوند) أو نتصوره بصورة معلّقة (بناءً على بيان المحقق الإصفهاني، والمحقق العراقي، والمحقق الخوئي، والإمام الخميني)، وأيضاً بإرجاع القيد إلى شيء خارج عن معنى «الهيئة» (نظرية المحقق الروحاني التي عززها الأستاذ الآملي اللاريجاني). الإشكال الآخر في الوجوب المشروط هو أن مفاد «الهيئة» معنى حرفي آلي وغير مستقل؛ لذا فهو لا يقبل التقييد. وقد قُدّمت ردود على هذا الاستدلال أيضاً؛ منها إمكان اللحاظ الاستقلالي للمعاني الحرفية (المحقق الخوئي)، وإمكان الإنشاء مع القيد من البداية (صاحب الكفاية والمحقق الإصفهاني)، واللحاظ الاستقلالي بعد الإنشاء الآلي (المحقق الإصفهاني والإمام الخميني)، ورجوع القيد إلى المادة المنتسبة (المحقق النائيني). وقد خلص هذا البحث، الذي أُجري بمنهج وصفي-تحليلي، إلى أن أياً من الإشكالين المدروسين، أي جزئية المعنى الحرفي وآليته، لا يمكن أن يشكل مانعاً أمام تحقق «الوجوب المشروط».

مقدمة

أبدى الأصوليون من الشيخ الأنصاري فصاعداً رأيين حول إمكان «الوجوب المشروط» أو بتعبير أدق إمكان «وجوب مشروط»:

۱. نظرية الشيخ الأنصاري التي تعدّ «الوجوب المشروط» أمراً مستحيلاً؛ لأن القيد لا يمكن أن يعود إلى «الهيئة»، ويجب بالضرورة تقييد «المادة».

۲. نظرية صاحب الكفاية وكثير من الأصوليين بعده الذين يعدّون «الوجوب المشروط» أمراً ممكناً، ويحملون القيد على «الهيئة» بناءً على ظاهر الجملة الشرطية (رأي صاحب الكفاية والنظرية المختارة)، أو يقدمون حلولاً أخرى للمشكلة سيتم بيانها لاحقاً.

بناءً على ذلك، يوجد في نظرية الشيخ الأنصاري ادعاءان: الأول، استحالة عود القيد إلى «الهيئة»؛ والآخر، رجوع القيد إلى «المادة».

وقد سيقت استدلالات كثيرة لإثبات الادعاء الأول، من أهمها جزئية المعنى الحرفي، وبالتالي عدم قابليته للتقييد. الجدير بالذكر أن القول باستحالة تقييد الأمور الجزئية له تأثير في مختلف أبواب الأصول والفقه. الإشكال الثاني الذي نتناوله في هذا البحث هو عدم استقلالية المعنى الحرفي وعدم إمكان تقييده من هذه الجهة. وقد قُدّمت إجابات صحيحة لكلا الإشكالين، سيتم بحثها لاحقاً. وفي الختام، سنصل إلى نتيجة مفادها أن الإشكالات المذكورة لا تخلّ بإمكان «الوجوب المشروط».

الإشكال الأول: جزئية المعنى الحرفي

خلاصة هذا الإشكال المنسوب إلى المرحوم الشيخ الأنصاري في التقريرات (راجع: كلانتر، ١٤٠٤، ص ٤٥-٤٦)، هي أن «الهيئة» معنى حرفي ولا تقبل التقييد؛ لأن المعنى الحرفي «جزئي حقيقي»، والإطلاق والتقييد في الجزئي لا معنى لهما. ففي الجزئي الحقيقي لا يمكن تضييق دائرة المعنى؛ بل هذه الإمكانية متوفرة فقط في المعاني الكلية التي تصدق على أمور متعددة.

ويستند الادعاء المذكور إلى مقدمتين (۱. «النسبة» من المعاني الحرفية و«جزئي حقيقي»؛ ۲. «الجزئي الحقيقي» لا يقبل التقييد). وقد ناقش الأصوليون في كلتا المقدمتين، وكذلك في نتيجة الاستدلال (لزوم رجوع القيد إلى المادة)، وهو ما سنتناوله لاحقاً.

۱. هل المعنى الحرفي «جزئي حقيقي»؟

لم يقبل بعض الأصوليين بجزئية المعنى الحرفي، وأوضحوا هذا المبنى ببيانات مختلفة:

أ) كل من «الوضع» و«الموضوع له» في المعنى الحرفي عام

يقول صاحب الكفاية في هذا الصدد: «قد مرّ عدم إمكان الإطلاق في معنى الهيئة، فإن الموضوع له والمستعمل فيه في الحروف، كوضعها، عام، وإنما الخصوصيات تنشأ من كيفية الاستعمال كما هو الحال في الاسم، والفارق بين الحرف والاسم إنما هو أن الحروف وضعت لأن يؤخذ مفهومها آلة وحالة لمعاني متعلقاتها (بخلاف الأسماء)، واللحاظ الآلي، كاللحاظ الاستقلالي، ليس من خصوصيات معنى الكلمة، بل من مشخصات الاستعمال… وبذلك يكون الطلب المستفاد من الهيئة مطلقاً وقابلاً للتقييد» (الآخوند الخراساني، ١٤٠٩، ص ٩٧).

طبعاً، هذا الكلام للآخوند مبني على نظريته التي اختارها في باب المعنى الحرفي؛ لكن قد ثبت في محله أنه إذا اشترط الواضع شيئاً في «الوضع»، فلا ينبغي أن تؤدي مخالفته إلى «الخطأ» في الكلام. في حين لا شك أن استعمال «الحرف» مكان «الاسم» يؤدي إلى بطلان الكلام. مثل أن نقول بدلاً من «ابتداء سيري كان من البصرة»: «مِن سيري كان من البصرة». فإذا كان شرط الواضع يُحدث خصوصية في اللفظ والمعنى، فإن تجاهل ذلك الشرط يؤدي إلى خطأ في الكلام.

ب) الجزئية في المعنى الحرفي بمعنى الارتباط بالطرفين

هذه هي النظرية التي اختارها المحقق الإصفهاني. وتوضيح ذلك أن المعنى الحرفي ليس «جزئياً حقيقياً» وغير قابل للتقييد والتخصيص؛ بل الجزئية في الحروف تعني الارتباط بالطرفين. وهذه الجزئية، التي هي معنى حرفي، لها ثلاثة أركان: «المُوجِد للربط»، و«المُوجَد فيه الربط»، و«ما أُوجِد به الربط». وبالطبع، قد يُلحظ أحياناً وصف آخر كشرط، مثل «أكرم زيداً إن جاءك»، وأحياناً لا يُلحظ مثل هذا القيد، مثل «أكرم زيداً»، حيث تكون النسبة المنشأة في المثال الأول أضيق دائرة مقارنة بالمثال الثاني؛ لأن شرط «مجيء زيد» هو وصف إضافي قُيّدت به. ومع ذلك، لا يمكن اعتبار هذا المعنى كلياً وقابلاً للشمول على أفراد متعددين؛ لأنه لا يوجد فيه وجه جامع ذاتي يشتمل على أفراد يغطيهم. نعم، إذا كان المراد بالكلية قبول الوجودات المختلفة، فيمكن إطلاق الكلية على المعنى الحرفي أيضاً (الإصفهاني، ١٣٧٤، ج ١، ص ٣٣٤).

إشكال: يبدو أن «النسبة المرتبطة بطرفين»، التي يتوقف العلم بها على العلم بطرفيها، تختلف عن «النسبة المرتبطة بثلاثة أطراف»؛ لأن حقيقة «النسبة» هي الارتباط، ومتى ما تغير طرف الارتباط، تغيرت «النسبة» نفسها. بناءً على ذلك، «النسبة المرتبطة بثلاثة أطراف» لا يمكن أن تتحول إلى «نسبة مرتبطة بأربعة أطراف»، ومثل هذا التحول بمنزلة الانقلاب في الماهية وهو محال؛ وإن لم يكن للمعنى الحرفي ماهية ثابتة قبل وجوده. لذا، إذا كان مقصوده أن «النسبة» يمكن أن ترتبط ابتداءً بأربعة أطراف بدلاً من ثلاثة، وبالتالي تكون دائرتها أضيق، فهذا كلام صحيح إلى حد ما؛ ولكنه يعود إلى نظرية صاحب الكفاية نفسها.

في حين أننا سنرى أن المحقق الإصفهاني ينتقد كلام صاحب الكفاية. ولكن إذا كان مقصوده تحويل نسبة ذات ثلاثة أطراف إلى نسبة ذات أربعة أطراف بعد إضافة القيد، فسيؤدي ذلك إلى انقلاب محال؛ لأنه لا يمكن لنسبة نشأت بين ثلاثة أطراف أن تتحول إلى نسبة ذات أربعة أطراف. بالطبع، يبدو كلامه بأن المعنى الحرفي ليس جزئياً صحيحاً. ولكن تقييده بالطريقة التي ذكرناها غير ممكن، وهذا – كما سيأتي – يرجع إلى كلام المحقق الخراساني.

ج) وُضعت الحروف لتحديد المعاني الاسمية

يُستفاد هذا القول من بيان المحقق الخوئي: «لم توضع الحروف لمعانٍ جزئية حقيقية غير قابلة للتقييد، بل وُضعت فقط لتحديد المعاني الاسمية وإيجاد خصوصية فيها. ومن الواضح أن المعنى الاسمي بعد التقييد والتحديد، يظل قابلاً للانطباق على أفراد خارجيين متعددين. كما في حالة كون أحد طرفي النسبة أو كليهما في المعنى الحرفي مفهوماً كلياً؛ مثل «سرت من البصرة إلى الكوفة»، حيث إن مفهوم «السير»، كما كان قبل التحديد كلياً وقابلاً لشمول أفراد متعددين، يظل كذلك بعده، ويكون المعنى الحرفي تابعاً له أيضاً» (الفياض، ١٤١٧، ج٢، ص ٣٢٦).

إشكال: وُضعت الحروف للنسبة والربط، و«النسبة» أمر مرتبط بطرفين وليست كلياً قابلاً للانطباق على أفراد؛ لذا فهي لا تقبل التضييق؛ لأن التقييد بمعنى تضييق دائرة الصدق لا يُتصور إلا في الكليات. في الواقع، يستند هذا البيان إلى نظرية اختارها في باب المعنى الحرفي، ولكنها تفتقر إلى الكفاءة اللازمة؛ لأن تحديد المعنى الاسمي هو نتيجة تأتي من استعمال الحروف في معانيها الخاصة، لا أن يكون هو الموضوع له للحروف. فمثلاً، كلمة «في» في «الرجل في الدار» لم توضع لمطلق التحديد في المعنى الاسمي؛ بل تحدد فقط «الرجل» في هذه العبارة، وذلك بسبب مفهوم «النسبة الظرفية» التي هي علاقة بين «المحتوِي» و«المحتوَى». وبعبارة أخرى، إذا كان مقصود المحقق الخوئي من وضع الحروف لتضييق المعاني الاسمية هو أن الحروف وُضعت لمفهوم «التضييق»، فهذا كلام غير صحيح؛ لأن الفرق العرفي بين معنى الحروف ومعنى التضييق واضح، ولا يوجد ترادف بينهما؛ بالإضافة إلى أن التضييق مفهوم اسمي مستقل وأصيل، لا حرفي ومرتبط. أما إذا كان مقصوده وضع الحروف لمصاديق التضييق، فيلزم أن يكون لفظ الحروف مرادفاً للأسماء الدالة على مصاديق التضييق؛ فمثلاً، يكون «في» و«مصداق التضييق» بمعنى واحد. وهذا خلاف الوجدان، والفرق بين معناهما واضح (راجع: الحكيم، ١٤١٣، ج١، ص ١١٥). من هنا، يجب القول بأنه لا سبيل لتحديد المعنى الحرفي إلا بإنشائه محدداً من البداية؛ كما سيأتي في كلام صاحب الكفاية.

الإشكال الثاني: بنى المحقق الخوئي جواز تقييد المعنى الحرفي على تبعية الحرف لأطراف «النسبة»؛ بمعنى أنه إذا كان كلا طرفي «النسبة» أو أحدهما كلياً، تكون النسبة نفسها كلية وقابلة للانطباق على أفراد متعددين. لكن المشكلة هي أنه في بعض الحالات التي يكون فيها كلا طرفي المعنى الحرفي جزئيين، تكون «النسبة» أيضاً جزئية بناءً على مبناه، ولا ينبغي أن تكون قابلة للتعليق والتقييد؛ في حين أن التعليق فيها صحيح قطعاً. مثلاً، معنى الملكية الذي يظهر في عبارة «هذه الدار لزيد» بحرف «اللام»، له طرفان جزئيان حقيقيان، وهما «زيد» و«هذه الدار». فيجب أن يكون هو نفسه جزئياً وغير قابل للتعليق. بينما هذا المعنى قابل للتقييد قطعاً بقيد مثل «بعد وفاتي». لذا، لو تغاضينا عن الإشكال الأول، فإن مشكلة «الوجوب المشروط» تُحل بهذا البيان، ولن يواجه الإشكال الثاني؛ لأن أحد طرفي «النسبة» في الوجوب المشروط، أي متعلق الأمر في القضايا الحقيقية، هو دائماً كلي؛ لأنه قد ثبت في محله أن متعلق الأمر والنهي هو الطبيعة الكلية، لا الوجود الخارجي. بناءً على ذلك، ستكون «النسبة» أيضاً، تبعاً لذلك، كلية وقابلة للتقييد.

٢. هل الجزئي غير قابل للتقييد؟

كما ذُكر، تشكلت بعض الإجابات في مسألة «الوجوب المشروط» على أساس أن المعاني الحرفية، وإن كانت جزئية، فإن تقييدها ممكن ولا مانع منه. وفيما يلي، نشير إلى بعض هذه الإجابات.

أ) إنشاء المعنى بصورة مقيدة من البداية

أصل هذه الفكرة يرجع إلى كلام صاحب الكفاية، حيث يقول: «لو سلمنا أن معنى الحرفي جزئي حقيقي، فإنما يمتنع تقييده فيما لو أُنشئ غير مقيد ابتداءً، لا فيما إذا شُكّل مقيداً من الأول، فينتقل المعنى في هذه الصورة بكلمتين بدلاً من كلمة واحدة، وهذا يختلف عن إنشاء المعنى بلا قيد أولاً ثم تقييده لاحقاً» (الآخوند الخراساني، ١٤٠٩، ص ٩٧).

هذا الجواب يختلف عن جواب المحقق الإصفهاني المبني على عدم جزئية المعنى الحرفي. ولهذا السبب، أورد المحقق الإصفهاني على المحقق الخراساني هذا الإشكال: «هذا الجواب إنما يصح لو كانت جزئية الحرف ناشئة من كيفية الإنشاء، أما لو كان المعنى جزئياً حقيقياً بذاته، كما يذهب إليه قائلون، فلا إطلاق أصلاً ليمكن إنشاء الحروف مقيدة، ولعل «فافهم» في كلام الآخوند ينبّه على ذلك» (الإصفهاني، ١٣٧٤، ج١، ص ٣٣٦).

توضيح ذلك أن الجزئي الحقيقي لا يقبل التقييد بأي وجه، حتى في ابتداء الإنشاء؛ لأنه يمتلك جميع مشخصاته من البداية ولا يمكن لشيء أن يضيق دائرته. لكن النقطة هي أن جزئية المعنى الحرفي هي من جهة الإنشاء فقط، لا بذاتها. فمثلاً، «البعث» لو كان جزئياً حقيقياً، فقد صار جزئياً بسبب «الإنشاء» فقط، وقبل «البعث»، لم يكن للمعنى الحرفي وجود أصلاً ليكون جزئياً؛ لأن وجود المعنى الحرفي مرتبط بالإنشاء، وفي الرتبة السابقة للإنشاء، لم تكن له ماهية معينة. فجزئيته أيضاً نابعة من الإنشاء، وبالتالي لا إشكال في أن يُنشأ مقيداً من البداية؛ كما قال الآخوند.

ويُستفاد من كلام الشيخ الأنصاري في «المطارح» أيضاً أنه يرى أن جزئية المعنى الحرفي ناشئة من الإنشاء: «هيئة الأمر من الموارد التي وضعت وضعاً نوعياً عاماً لموضوع له خاص، وذلك الموضوع له الخاص هو مشخصات مصاديق الطلب والإرادات الإلزامية التي يحققها الآمر حين بعثه لإنشاء الفعل المطلوب من المأمور، والفارق الوحيد في ذات هذه المصاديق للطلب هو تعددها الخارجي؛ وإلا فكل هذه المصاديق تندرج تحت عنوان واحد هو «الطلب والإرادة». بالطبع، من حيث متعلق الطلب، أي الطالب والمطلوب منه، بعد توفر شروط إنشاء الطلب، تنشأ اختلافات بين المصاديق. فمثلاً، يكون المطلوب أحياناً شاملاً وغير مقيد، مثل «الضرب» دون أي خصوصية من حيث الكيفية والزمان والمكان والوسيلة والحالة والسبب… وأحياناً يكون المطلوب أمراً خاصاً بجميع مراتبه؛ ولكن في كل هذه الأقسام، تُستخدم «هيئة الأمر» في الطلب والإرادة التي أُنشئت في الواقع. وبالطبع، إطلاق مصداق الطلب لا معنى له وغير ممكن؛ لأن الإطلاق أمر ذهني (واسطة في التعقل)، لا خارجي (واسطة في الوجود)، والألفاظ تتصف بالإطلاق والتقييد باعتبار معانيها. وبالنظر إلى أن المعنى المتصور من «الهيئة» هو من الخصوصيات الفردية ومصاديق الطلب، فإن السؤال عن كون الهيئة مطلقة أو مقيدة لا معنى له، وما هو مطلق أو مقيد هو الفعل المأمور به» (كلانتر، ١٤٠٤، ص ٤٦). بناءً على هذا، يعتقد الشيخ الأنصاري أن الإطلاق والتقييد في الطلب لا معنى لهما؛ لأن الطلب ليس من سنخ المعاني، بل هو أمر وجودي، والإطلاق لا محل له في المصداق الوجودي الخارجي. لذا، فإن جزئية المعنى الحرفي عند الشيخ مستندة إلى الإنشاء، لا إلى ذاته. ونتيجة ذلك أن جزئية المعنى الحرفي الحقيقية لا تتنافى مع تعليقه وتقييده من بداية الإنشاء. وقد أحسن صاحب الكفاية القول: «… مع أنه لو سُلم أنه فرد فإنما يمنع عن التقييد لو أُنشئ أولاً غير مقيد، لا ما إذا أُنشئ من الأول مقيداً، غاية الأمر قد دلّ عليه بدالّين، وهو غير إنشائه أولاً ثم تقييده ثانياً، فافهم». حتى لو سلمنا أن معنى الحرفي جزئي حقيقي، فإنما يمتنع تقييده فيما لو أُنشئ غير مقيد ابتداءً؛ لا فيما إذا شُكّل مقيداً من الأول، ففي هذه الصورة [الفارق الوحيد هو أن المعنى] ينتقل بكلمتين [بدلاً من كلمة واحدة]، وهذا يختلف عن إنشاء المعنى بلا قيد أولاً ثم تقييده لاحقاً (الآخوند الخراساني، ١٤٠٩، ج١، ص ١٨٤).

ب) الجزئي القابل للتقييد بمعنى التعليق

تُستفاد هذه النظرية أيضاً من كلام المحقق الإصفهاني: «التحقيق أن يقال إن المعنى الإنشائي وإن كان جزئياً حقيقياً، إلا أنه يقبل التقييد بمعنى الارتباط بشيء محتمل الوجود؛ مع أن التقييد بمعنى تضييق الدائرة الوجودية غير ممكن في المعنى الإنشائي. وبناءً عليه، يكون المراد بالإطلاق عدم ارتباط المصداق الموجود، ومن الواضح أن ما يرتبط به «الطلب» ليس من خصوصيات وحالات «الطلب» ليضيق دائرته. فافهم واستقم» (الإصفهاني، ١٣٧٤، ج١، ص ٣٣٥).

وقد قال المحقق الخوئي أيضاً، تبعاً له: «التقييد على نوعين: الأول، التقييد بمعنى التخصيص وتضييق دائرة الشمول، الذي يقابله «الإطلاق» بمعنى السعة والشمول. الثاني، التقييد بمعنى التعليق، الذي يقابله «الإطلاق» بمعنى القطعية (عدم الارتباط بشيء). بالنظر إلى هذه النقطة، حتى لو سلمنا أن المعنى الحرفي «جزئي حقيقي»، فلا تظهر مشكلة؛ لأن الجزئي غير قابل للتقييد بالمعنى الأول، ولكنه قابل للتقييد بوضوح بالمعنى الثاني، وإمكانية تعليق الطلب الجزئي المنشأ بصيغة الأمر أو لفظ آخر، أمر بديهي. مثل أن نربط وجوب إكرام زيد بمجيئه، وهذا لا إشكال فيه» (الفياض، ١٤١٧، ج٢، ص ٢٣٦).

لم يأت المحقق الخوئي باستدلال على هذا الأمر واكتفى بكونه بديهياً؛ ولكن المحقق الإصفهاني بيّن دليله على النحو التالي: «ما يرتبط به الطلب ليس من خصوصيات وحالات الطلب ليضيق دائرته».

خلاصة كلامه هي أننا في الواجب المشروط نبحث عن ارتباط الوجوب بشيء، لا تضييقه. لذا، حتى لو سلمنا أن «الهيئة»، كونها معنى حرفياً، لا تقبل «التضييق» لأنها جزئية، فلن نقبل باستحالة التعليق؛ لأن التعليق لا يُحدث أي ضيق في معنى «الهيئة» ليكون مستحيلاً لهذا السبب. على سبيل المثال، «المجيء» في مثال «أكرم زيداً إن جاءك»، ليس من خصوصيات «الوجوب» حتى يؤدي التعليق إلى تضييق دائرة الوجوب المرتبط بـ «المجيء» نسبةً إلى «الوجوب المطلق».

الإشكال الذي يتبادر إلى الذهن حول هذه النظرية هو أن «الجزئي الحقيقي»، كما لا يقبل التضييق، لا يقبل التعليق أيضاً، وهذان (التضييق والتعليق) لا ينفصلان؛ لأن التعليق والتنجيز (عدم الارتباط) لا يكونان إلا في المفاهيم الكلية التي لها فردان: أحدهما مرتبط والآخر غير مرتبط. وكما نقسم «الاستصحاب» إلى قسمين «تعليقي» و«تنجيزي»، نقسم «البعث» أيضاً إلى هذين القسمين. وإذا اعتبرنا «البعث» المنشأ جزئياً حقيقياً، فبعد أن يوجد، إما أن يكون «منجزاً» فقط أو «معلقاً» فقط؛ لأنه لو كان «معلقاً»، لا يمكن أن يقبل التعليق مرة أخرى (سيكون تحصيلاً للحاصل)، ولو كان «منجزاً»، فلن يكون معلقاً؛ لأن كيفية وجود الشيء لا تتغير أبداً (الشيء لا ينقلب عما هو عليه). فـ«البعث التنجيزي» بعد الإنشاء لا يمكن أن يتحول إلى «بعث تعليقي». بالطبع، يمكن إنشاء «البعث» بصورة معلقة من البداية، لا أن يتحول الأمر «المنجز» إلى «معلق» ليقال إن كيفية وجود الشيء غير قابلة للتغيير. لكن هذا جواب آخر لا علاقة له بكون «الوجوب المشروط» قابلاً للتعليق أو التضييق؛ لأنه في فرض التضييق أيضاً يمكن إنشاء الوجوب مقيداً من البداية؛ كما مر في كلام صاحب الكفاية.

إضافة إلى ذلك، ذُكر في إشكال المحقق الإصفهاني على الآخوند أن «الجزئي الحقيقي» لا إطلاق له ذاتاً ليُنشأ مقيداً، ويمكن طرح هذه النقطة هنا أيضاً. ومع ذلك، فإن الرأي الصحيح في هذا الموضوع هو إمكان التعليق والتضييق في المعنى الحرفي؛ بشرط أن يُنشأ معلقاً أو مضيقاً من البداية.

وقد أورد المحقق الروحاني هنا إشكالين على المرحوم الخوئي: الأول، أنه يُستفاد من كلام المحقق الخوئي أنه قد قبل بكون معنى «الهيئة» حرفياً؛ مع أنه قبل ذلك لم يعتبر «الهيئة» من المعاني الحرفية، بل عدّها إبرازاً لاعتبار نفساني. الثاني، أن كلامه هنا لا ينسجم مع ما قاله في بحث المعنى الحرفي؛ لأنه هناك اعتبر الحروف، ومنها أدوات الشرط، كلمات وُضعت للتضييق. فكيف يقول هنا إن أداة الشرط لم توضع للتضييق؟ بشكل عام، كلامه لا يتوافق مع ما قاله في بحث المعنى الحرفي (الحكيم، ١٤١٣، ج٢، ص ١٤٣).

يبدو أن الإشكال الأول وارد على المحقق الخوئي؛ لأن ظاهر كلامه أن «الهيئة» وُضعت لـ«الإبراز»، وهو معنى اسمي لا حرفي. إلا إذا كان مقصوده أن «الهيئة» وُضعت لنسبة «البعث» بداعي «الإبراز»، وبهذا تكون مصداقاً لـ«الإبراز» (كما لو أُنشئت بداعي «التهديد»، لكانت مصداقاً لـ«التهديد»)؛ لا أنها وُضعت لـ«الإبراز» نفسه لتُعدّ معنى اسمياً. بالطبع، يمكن حمل كلامه هنا على باب المماشاة والتنزل على فرض قبول «حرفية معنى الهيئة»، وفي هذه الحالة لن يكون الإشكال جدياً. أما جواب الإشكال الثاني فواضح؛ لأن مقصوده من التضييق الموجود في المعنى الحرفي أعم من التضييق مقابل الإطلاق. ودليل صحة هذا الكلام هو أنه فسر التضييق بنوع من التخصيص في المعنى الاسمي: «إن الحروف لم توضع للمعاني الجزئية الحقيقية حتى لا تكون قابلة للتقييد، وإنما وضعت للدلالة على تضييق المعاني الاسمية وتخصيصها بخصوصية ما..» (الفياض، ١٤١٧، ج٢، ص ١٤٣). الحروف لم توضع لمعانٍ جزئية حقيقية غير قابلة للتقييد؛ بل وُضعت للدلالة على تضييق المعاني الاسمية وتخصيصها بنوع من الخصوصية. من الواضح أن التعليق يُحدث نوعاً من الخصوصية في «الطلب»؛ وإن لم يضيق دائرة الشمول. فلا تناقض بين كلاميه.

ج) تقييد الجزئي من حيث الحالة ممكن

هذه نظرية المحقق العراقي وقد قبلها الإمام الخميني وقال: «التعليق وتقييد الجزئي ممكنان وواقعان أيضاً؛ فمثلاً، «زيد» قابل للتقييد بلحاظ الحالات المختلفة التي تعرض له، ولهذا السبب إذا وقع موضوعاً لحكم، فإن مقدمات الحكمة تجري فيه» (الخميني، ١٤١٥، ج١، ص ٣٥٢).

لم يقبل المحقق الروحاني هذا البيان ورده قائلاً: «المعنى الحرفي ليس من سنخ المفاهيم، بل هو من جنس الوجود، والمفاهيم هي المعاني الاسمية… والتحقيق هو أننا لو قبلنا بكون معاني الحروف إيجادية واعتبرناها من سنخ الوجود، فلن يمكن تصور الإطلاق والتقييد فيها… لأن الإطلاق من خواص المفاهيم؛ إذ معناه السعة من حيث شمول المصاديق، ومعنى التقييد تضييق دائرة الشمول، وهذه الخاصية لا توجد إلا في المفاهيم (سواء الكلية أو الجزئية)، لا في الوجود الذي لا يصدق على شيء وليس سوى نفسه» (الحكيم، ١٤١٣، ج١، ص ١٢٠-١٢٢).

الإشكال هنا هو أنه ليس كل مفهوم من المعاني الاسمية؛ وإلا فكيف يمكننا استخدام كلمة «في» في جملة «زيد في الدار» ونفهم منها معنى لا يمكن فهمه بدونها، وفي نفس الوقت يكون مرتبطاً بـ«زيد» و«الدار» وغير مستقل؟ إذا لم يكن هذا المعنى حرفياً، فكيف قامت العلاقة بين «زيد» و«الدار»؟ وكذلك لو كان ما يُفهم من «في» معنى اسمياً، لكان علينا أن نفهم ثلاثة معانٍ مستقلة في الجملة المذكورة، ولكان معنى «زيد الظرفية للدار» مساوياً لمعنى «زيد في الدار». بينما الفرق بينهما واضح، وسبب هذا الفرق هو أن «في» في الجملة الثانية تُنشئ نسبة خاصة بين «الدار» و«زيد»؛ في حين أن الأمر الوجودي لا يمكنه إنشاء علاقة بين المفاهيم. لذا، فإن كون المعنى الحرفي وجودياً غير مقبول. بالطبع، بما أن تصور المعنى الحرفي بشكل مستقل مستحيل، فإننا نشير إليه بمعنى اسمي مثل «الظرفية»، وهذا لا يعني أن كل مفهوم هو معنى مستقل واسمي؛ بل المفاهيم على نوعين: مفهوم مستقل اسمي، ومفهوم مرتبط حرفي.

إشكال كلام الإمام الخميني أيضاً هو أن الجزئي الحقيقي، حتى لو كان معنى اسمياً مثل زيد، لا يقبل التقييد والتعليق. فمثلاً، لو قيل بشكل مطلق: «هذه الدار لزيد»، فإن النسبة بين «زيد» و«الدار» لا تقبل التقييد بقيد مثل «بعد وفاتي»؛ وإلا لانقلبت الماهية؛ بأن يصبح الوجود المرتبط بشيئين مرتبطاً بثلاثة أشياء. نعم، يمكن إلغاء الاعتبار والنسبة السابقة وإنشاء نسبة جديدة مرتبطة بثلاثة أطراف، وهذا في الحقيقة رجوع إلى الجواب الصحيح للمحقق الخراساني الذي اعتبر عدم صحة التقييد في فرض أن المعنى أُنشئ غير مقيد ابتداءً، لا في صورة أن يُنشأ مقيداً من البداية (الخراساني، ١٤٠٩، ص ٩٧). ومن هنا يتضح أن التقييد المصطلح عليه في أمثلة مثل «أعتق رقبة مؤمنة» و«لا تعتق رقبة كافرة» هو في الحقيقة كاشف عن أن النسبة كانت مرتبطة بالرقبة المؤمنة ابتداءً، ولكنها بُيّنت في عبارتين؛ وإلا لكان علينا القول بأن النسبة السابقة منسوخة ونسبة جديدة قد أُنشئت. ومن المناسب هنا أن نبحث أحد الانتقادات التي وجهها المعاصرون لكلام الإمام الخميني. يقول آية الله المؤمن: «ما ورد في المقالات وقبله أستاذنا الكبير من أن تقييد الجزئي من حيث الحالات ممكن، مبتلى بهذا الإشكال، وهو أنه يلزم من الكلام المذكور أن يكون ذلك الشخص موجوداً في الحالات الأخرى، وبالتالي يكون «الوجوب» ثابتاً قبل الشرط أيضاً؛ في حين أن ظاهر ودعوى كلامه هو عدم ثبوت الوجوب قبل الشرط» (المؤمن القمي، ١٤١٩، ج١، ص ٢٣٧ و٢٣٨).

المقصود هو أن التقييد مرتبط بوجود مطلق يمكن تحديد دائرة شموله. لذا، للتقييد نحتاج إلى «مطلق» غير مقيد و«قيد». لازم هذا الفرض في بحثنا هو أن «الوجوب» موضوع التقييد، موجود قبل تحقق «القيد»؛ في حين أن هذا لا ينسجم مع ظاهر الجملة الشرطية، ويُفهم من الشرط أن «الوجوب» كان مقيداً من البداية، بل «القيد» كان سابقاً لـ«الوجوب». بالإضافة إلى ذلك، الفرض المذكور لا ينسجم مع دعوى تحقق «الوجوب المشروط»؛ لأنه يدل على تحقق وجوب مطلق يُقيّد لاحقاً.

يبدو أن تحويل الوجوب المطلق إلى مشروط مستحيل، والممكن هو إنشاء الوجوب المشروط من البداية، وهو نفس كلام صاحب الكفاية.

٣. هل في «الوجوب المشروط»، القيد يقيد «الهيئة» حتماً؟

قال بعض الأصوليين، رداً على من يعتقدون باستحالة «الوجوب المشروط»، إنه حتى لو كان المعنى الحرفي جزئياً والجزئي غير قابل للتقييد، فإن «الوجوب المشروط» ممكن؛ لأنه يمكن إرجاع القيد إلى معنى اسمي. وإذا ثبت هذا المبنى، فسيُحل الإشكال من جذوره.

بعض كلمات المعتقدين بهذه النظرية هي كالتالي:

أ) رجوع القيد إلى وجود النسبة (نظرية صاحب المنتقى)

لرفع هذا الإشكال، يجب القول إن الإخبار والإنشاء ليسا من معاني الجملة الاسمية والإنشائية… الجملة الخبرية الاسمية تدل فقط على وجود نسبة الوحدة بين الموضوع والمحمول، والإخبار ليس جزءاً من معناها، بل هو عارض عليها. ومعنى الإخبار هو قصد إظهار ثبوت أو عدم ثبوت هذه النسبة. ومن هنا يتضح أن الثبوت وعدم الثبوت نفسهما خارجان عن معنى الجملة، والجملة لا تدل عليهما؛ بل تدل فقط على النسبة، وثبوتها يُفهم من القرائن المتمثلة في عدم وجود أدوات النفي، وعدم ثبوتها يُفهم من أدوات النفي مثل «ليس» و«لا»… وفي الإنشاء، الأمر كذلك؛ لأن الإنشاء يعني قصد إيجاد النسبة، لا إظهار وجود النسبة. ونفس «تحقق النسبة»، مثل «القصد»، خارج عن مدلول «الهيئة». بهذا البيان، يرتفع الإشكال أيضاً… في الجملة الإنشائية، [الأدوات] مسؤولة عن ربط تحقق الأجزاء بوجود الشرط، وقد قلنا إن «التحقق» خارج عن معنى «الهيئة»، وهو معنى اسمي قابل للتقييد والتعليق. لذا، فإن ما يرتبط بثبوت الشرط ليس معنى حرفياً، بل شيء خارج عن المعنى الحرفي، ونتيجته أن «الوجوب» لا يتحقق إلا بوجود الشرط (الحكيم، ١٤١٣، ج٢، ص ١٤١ و١٤٢).

تستند هذه النظرية إلى دعامتين:

الأولى: الإنشاء خارج عن معنى الجملة الشرطية؛ لأن الإنشاء يعني قصد تحقق النسبة، وهو خارج عن معنى القضية.

الثانية: القيد أيضاً يقيد أمراً خارجاً عن معنى القضية، وهو «تحقق الوجوب»، ويُعد معنى اسمياً.

لذا، لا إشكال في «الوجوب المشروط» من هذا الجانب.

كلامه مقبول من حيث إن «الهيئة» تسبب «إيجاد الوجوب»، و«الوجوب» معنى اسمي، والمقصود الأصلي من «الهيئة» هو إيجاد هذا المعنى، ويمكن للقيد أن يعود إلى هذا المعنى ويربط الوجوب؛ أي أن الوجوب لا يثبت إلا عند تحقق الشرط.

قد يقال: كيف يمكن أن يكون السبب (الهيئة) غير مقيد، بينما المسبب (الوجوب) مقيد، في حين أن المسبب يتبع السبب في أصل وجوده وفي كيفيته؟

في الجواب يجب القول: المسبب هنا أمر اعتباري، ولا مانع من أن يعتبر العقلاء سبباً بشكل «مطلق» ولكن يجعلون مسببه معلقاً بقرينة؛ مثلاً، يجعلون الهيئة غير المقيدة، التي جاءت بجانب الشرط، سبباً لإيجاد وجوب مقيد.

سؤال: «الهيئة» في المراد الاستعمالي، هل هي مطلقة أم مقيدة؟ إذا كانت مقيدة، فالإشكال باقٍ، وإذا كانت مطلقة، فالمراد الجدي الذي هو بناءً على رأيه نفس قصد التحقق، سيكون كذلك أيضاً، لا معلقاً.

جواب: المراد الاستعمالي للهيئة مطلق، ومسببه الذي هو الوجوب، في مرتبة المراد الاستعمالي هو أيضاً معلق. وأصالة التطابق التي تقول إن المراد الجدي يطابق المراد الاستعمالي، تحكم بأن تكون «الهيئة» في مرتبة المراد الجدي مطلقة، ومسببها، أي «الوجوب»، معلقاً. لكن المشكلة هنا هي أن ظاهر الجملة الشرطية هو رجوع القيد إلى «الهيئة»، وكلامه من هذه الجهة غير منسجم مع الظاهر. وما لم يُحرز رجوع القيد إلى المسبب بقرينة، يجب اتباع الظاهر؛ إلا إذا أُقيم دليل على استحالة ذلك.

بالطبع، يمكن لكلامه أن يكون مبرراً لإمكان الوجوب المشروط حتى مع فرض استحالة تقييد «الهيئة»؛ ولكن لا يوجد دليل على صحته. ومن هنا يجب القول إنه إذا كانت «الهيئة» غير قابلة للتقييد، فإما أن نختار كلامه أو كلام الشيخ الذي ادعى رجوع القيد إلى المادة، ولا يوجد دليل على ترجيح كلامه على كلام الشيخ. إلا إذا ادعى أن الجملة الشرطية ظاهرة في هذا المعنى، وهو كلام غير مقبول. ورغم أنه يمكن القول إنه بالنظر إلى احتمال رجوع القيد إلى ما في كلامه، فإن رجوع القيد إلى المادة ليس هو السبيل الوحيد المتاح.

رأي الأستاذ الآملي اللاريجاني

قدم الأستاذ اللاريجاني أيضاً جواباً على هذا الإشكال يشبه ما نُقل عن صاحب المنتقى. فقد أرجع الأستاذ اللاريجاني القيد إلى وجود النسبة لا إلى نفسها (اللاريجاني، ١٣٧٩، ص ٦٥)، وفي موضع آخر أرجعه إلى نتيجة التالي؛ لأنه إذا كان التالي هو النسبة الإرسالية، فنتيجتها هي الوجوب، والقيد يتعلق بالوجوب (اللاريجاني، ١٣٧٩، ص ٦٤). وبالطبع، استدلاله لنظريته ليس موجوداً في كلام صاحب المنتقى. خلاصة الاستدلال المذكور هي كالتالي:

ظاهر الجملة الشرطية هو التقييد بمعنى الارتباط، لا التقييد بمفهوم تضييق دائرة المعنى. والتعليق لا محل له في عالم المفاهيم، بل هو أمر وجودي. من هنا يمكن القول: «وجود هذا المعنى مرتبط بوجود معنى آخر»؛ ولكن لا يمكن القول: «نفس هذا المعنى مرتبط بمعنى آخر». إذاً، ما هو معلق ومرتبط في الجملة الشرطية هو الوجود وتحقق التالي، وبعبارة أخرى، النتيجة والمسبب. وبناءً عليه، وجود النتيجة مرتبط بالشرط، وهذا البيان هو دليل على رجوع القيد إلى أمر ثالث غير «الهيئة» و«المادة». وبهذه الطريقة، يصبح «الوجوب المشروط» ممكناً؛ حتى لو لم نتمكن من إرجاع القيد إلى «الهيئة».

ب) رجوع القيد إلى المعنى الالتزامي لـ«الهيئة» (نظرية المحقق الفياض)

في حال التغاضي عن الإيرادات وقبول استحالة رجوع القيد إلى «الهيئة» [يجب القول:] إن هذه الاستحالة هي في المدلول المطابقي لـ«الهيئة»، أي النسبة الطلبية المولوية، لا في مدلولها الالتزامي، أي الوجوب الذي هو معنى اسمي. دليل هذا المطلب هو نقطة بيناها في محلها، وهي أن المدلول المطابقي لصيغة الأمر هو النسبة الطلبية المولوية، وهي تدل بالالتزام على الوجوب [بناءً على أن الوجوب من لوازم تلك النسبة]. وبناءً على ذلك، حتى لو كانت النسبة نفسها غير قابلة للتقييد، فإن لازمها وهو الوجوب، قابل للتقييد؛ لأنه معنى اسمي؛ بل إن تقييد «الهيئة» نفسها سيؤدي حتماً إلى تقييد الوجوب (الفياض، ١٤٢٧، ج٤، ص ٦٣-٦٤).

قد يقال في الجواب على ذلك:

أولاً، «الوجوب الاسمي» ليس مجعول الشارع؛ بل هو من الأمور الانتزاعية وليس مدلولاً التزامياً للكلام أيضاً. ومن جهة أخرى، الأمور الانتزاعية تابعة لمنشأ انتزاعها، فإذا كان منشأ انتزاعها مطلقاً، كانت هي أيضاً مطلقة، وإذا كان مقيداً، كانت هي أيضاً مقيدة. فما يُنتزع من «الهيئة المطلقة» هو «الوجوب المطلق»، وما يُفهم من «الهيئة المقيدة» هو «الوجوب المقيد». وإذا كان التعليق في «الهيئة» مستحيلاً، فلا يمكن أن يكون الوجوب المنتزع منها مطلقاً.

ثانياً، إذا كانت مخالفة المدلول الالتزامي للمطابقي ممكنة، فيجب أن يُسأل: إذا لم يكن رجوع القيد إلى المدلول المطابقي للجملة، الذي هو ظاهر الجملة الشرطية، ممكناً، فلماذا يجب ترجيح احتمال رجوعه إلى المدلول الالتزامي على رجوعه إلى «المادة» (نظرية الشيخ الأنصاري)؛ في حين لا يوجد لأحدهما رجحان على الآخر؟ فإثبات الوجوب المشروط بهذه الطريقة غير ممكن.

بالطبع، يمكن إيراد هذا الإشكال على الشيخ الأنصاري أيضاً، ونفي تعيين رجوع القيد إلى «المادة» بهذا الاحتمال.

الإشكال الثاني: آلية المعنى الحرفي

الإشكال الآخر الذي يواجه الوجوب المشروط ويمنع رجوع القيد إلى «الهيئة» هو آلية المعنى الحرفي. وأصل هذا الإشكال يوجد في كلام المحقق النائيني:

«إمكان رجوع الشرط إلى «الهيئة» غير موجود؛ لأنه للاشتراط يجب أن يُلحظ المعنى بصورة اسمية ومستقلة، وتقييد المعنى الحرفي غير ممكن. بالطبع، دليل هذا الكلام ليس جزئية وخاصية الموضوع له للحروف ليُقال في الجواب إن الموضوع له للحروف أيضاً عام مثل وضعها وليس جزئياً؛ بل العلة هي أنه لا يمكن لحاظ المعنى الحرفي مع بقائه حرفياً؛ لأن المعنى الحرفي فانٍ في غيره، وفي محل إيجاده، أي حين الاستعمال، لا يكون مورد توجه (كما مر في مبحث الحروف). وما يُنشأ بمثل هذه الهيئة غير قابل للتقييد؛ لأنه لا يوجد لحاظ استقلالي له؛ بل عند بيان «الهيئة» أصلاً، لا يكون هذا المعنى مورد توجه. بناءً عليه، لا يمكن للشرط أن يتعلق بـ«الهيئة» التي هي معنى حرفي» (الكاظمي، ١٤١٧، ج١، ص ١٨١).

يمكن توضيح هذا الاستدلال ببيانين:

الأول: إمكان تقييد المعنى الحرفي غير موجود؛ لأنه عند الاستعمال، لا يكون هذا المعنى مورد توجه؛ في حين أن التقييد يتطلب التوجه إلى المعنى، وهذا التوجه لا يمكن إلا في المعاني المستقلة. فتقييد «الهيئة» غير ممكن. هذا التوضيح يُستفاد من ظاهر الكلام الذي نقلناه عن المحقق النائيني.

الثاني: المعنى الحرفي يُلحظ بصورة غير مستقلة ومرتبطة؛ في حين أنه للتقييد يجب لحاظ المعنى بصورة مستقلة. فتقييد المعنى الحرفي بلحاظ كيفيتين متنافيتين يؤدي إلى التناقض. ويمكن استنباط هذا التوضيح من عبارة «أجود التقريرات»:

«بما أن «النسبة» هي مدلول «الهيئة»، فهي تُلْحَظ بصورة آلية وبمعنى حرفي؛ في حين أن الإطلاق والتقييد من خصائص المعاني الاسمية المستقلة. والجواب على هذا الإشكال بالقول إن المعاني الحرفية كلية لا جزئية، وبالتالي قابلة للتقييد، ليس صحيحاً؛ لأن المانع من الإطلاق والتقييد، كما توهم المجيب، ليس هو الجزئية؛ بل المانع هو آلية المعنى التي لا تُدفع بكونه كلياً» (الخوئي، ١٣٦٨، ج١، ص ١٣١).

على كل حال، هذا الادعاء له أيضاً مقدمتان:

المقدمة الأولى: المعنى الحرفي يُلحظ بصورة مرتبطة وآلية، لا استقلالية.

المقدمة الثانية: للتقييد، يجب لحاظ المقيد بصورة مستقلة.

النتيجة: تقييد «الهيئة» غير ممكن.

الرد على الإشكال

قُدمت ردود متعددة على هذا الإشكال، بعضها يرفض المقدمة الأولى، وبعضها يرفض المقدمة الثانية، وبعضها يناقش في النتيجة. وفيما يلي، نبحث هذه الردود.

الجواب الأول

ناقش المحقق الخوئي في المقدمة الأولى قائلاً:

«إن لحاظ [المعنى الحرفي] بصورة مرتبطة والمعنى الاسمي بصورة مستقلة، وإن كان مشهوراً بين العلماء، إلا أنه لا يستند إلى أساس صحيح. ولهذا السبب قلنا هناك (مبحث الحروف) إنه لا فرق بين المعنى الحرفي والاسمي من هذه الجهة؛ بل أحياناً ما يُلحظ بصورة مستقلة هو المعنى الحرفي فقط. فمثلاً، لو علمنا أن «زيداً» دخل مدينة وسكن في مكان ما، ولكننا لا نعرف مكان سكنه الدقيق، فسنسأل عن هذا المكان الذي هو معنى حرفي. وكذلك لو علمنا أن «زيداً» موجود وواقف، ولكننا لا نعرف زمانه ومكانه، لسألنا عنهما.

في مثل هذه الأمثلة، ما لُوحظ بصورة مستقلة وكان مورد توجه والتفات، هو المعنى الحرفي» (الفياض، ١٤١٧، ج٢، ص ٣٢١).

وقد أورد جناب الفياض على كلام المحقق الخوئي هذا الإشكال:

«في مبحث الحروف، بُيّن بالتفصيل أن الحرف وُضع للنسبة الواقعية المرتبطة ذاتاً وحقيقة بوجود الطرفين في الذهن أو الخارج. فإذا كان الطرفان في الذهن، كانت النسبة نفسها، لا وجودها الخارجي، موجودة في الذهن. وإذا كانا في الخارج، كانت النسبة أيضاً خارجية؛ لأن وجود النسبة لا يمكن أن يكون في الخارج أو الذهن؛ إذ ليس لها ماهية ثابتة قبل الوجود؛ بخلاف المعاني الاسمية؛ لأنه لو كانت للنسبة ماهية ثابتة قبل الوجود، لكانت مستقلة، وهذا خلاف الفرض. ولهذا السبب، فإن تصور ولحاظ المعنى الحرفي دون لحاظ الطرفين غير ممكن. وحيثما تُصور النسبة، فإنما يُلحظ مفهومها الذي هو معنى اسمي، لا واقعها الذي هو مفهوم حرفي وقابل للتصور واللحاظ؛ لأن التصور واللحاظ هما في الواقع نفس الوجود الذهني، وقد قلنا إن النسبة نفسها في الذهن، لا وجودها. من هنا، فإن الذهن والخارج هما موطن النسبة نفسها، لا وجودها. فلا يمكن لحاظ المعنى الحرفي بصورة مستقلة، ومثل المعنى الاسمي، إيلاء اهتمام والتفات مستقل له ليعرض عليه الإطلاق والتقييد. ونتيجة ذلك أن كلام الأستاذ القائل بأن المعنى الحرفي، مثله مثل المعنى الاسمي، قابل لأن يُلحظ بصورة مستقلة، ليس صحيحاً» (الفياض، ١٤٢٧، ج٤، ص ٦٤-٦٥).

يبدو أن المحقق الخوئي ليس منكراً لآلية المعنى الحرفي، ولا يوجد تنافٍ بين كلامه وهذا المطلب؛ لأن جوابه مبني على إمكان التوجه إلى المعنى الحرفي وعدم الغفلة عنه. فقد أجاب المحقق الخوئي على كلام المحقق النائيني الذي قال إن «دليل استحالة التقييد في المعنى الحرفي هو أنه عند الاستعمال لا يُلحظ، وعلة عدم الالتفات هذه هي آلية المعنى الحرفي»، قائلاً: لا يوجد تنافٍ بين الآلية والالتفات الاستقلالي؛ لأن اللحاظ الاستقلالي يُستخدم أحياناً مقابل اللحاظ الآلي، وأحياناً مقابل عدم الالتفات. والمعنى الحرفي الذي ليس مستقلاً بالمعنى الأول، يمكن أن يكون مستقلاً بالمعنى الثاني، ويكون مورد توجه عند الاستعمال. وهذا القدر من قابلية الالتفات كافٍ لإمكان تقييد المعنى الحرفي، والآلية والارتباط لا يشكلان مانعاً لذلك.

الجواب الثاني

هذا الجواب، الذي يُستفاد من كلام المحقق الخراساني، بيّنه المحقق الإصفهاني وقبله المحقق الخوئي والإمام الخميني أيضاً. في هذا الجواب، تم الخدش في المقدمة الثانية للاستدلال (حاجة التقييد إلى اللحاظ الاستقلالي). يقول المحقق الخوئي في توضيح هذا الجواب:

«لو سلمنا أنه يجب النظر إلى المعنى الحرفي بلحاظ آلي، فإننا لا نواجه الإشكال إلا عندما يعرض القيد عند اللحاظ؛ أما لو قُيّد المعنى أولاً ثم نظرنا إلى المجموع المقيد بصورة آلية، فلن يكون هناك أي إشكال. وبناءً عليه، عروض اللحاظ الآلي على طلب قُيّد سابقاً لا يمنع» (الفياض، ١٤١٧، ج٢، ص ٣٢٧).

إذا كان مقصود المحقق الخوئي من هذا الكلام هو نفس ما قاله المحقق الإصفهاني في جواب إشكال جزئية المعنى الحرفي (أن نُنشئ النسبة بأربعة أطراف من البداية، لا أن نُنشئها بثلاثة أطراف ثم نقيدها)، فسيكون مقبولاً؛ بأن نلحظ أولاً المراد وكل ما يدخل في معناه، مثل المتعلق والشرط و…، ثم نُنشئ «الهيئة» المرتبطة بها؛ لا أن نقيد المعنى الحرفي بقيد ثم نلحظه بصورة آلية (وإن كان ظاهر العبارة يوهم ذلك).

هذا الجواب نفسه، بالتفسير الذي بُيّن، ورد في كلام الإمام الخميني في الرد على إشكال آلية المعنى الحرفي:

«تقييد المعنى الحرفي ممكن، بل هو كثير الاستعمال، ويُستخدم في كثير من المحاورات لإفهام وفهم المعنى الحرفي، ونادراً ما يريد المتكلم فقط نقل المعنى الاسمي إلى الآخرين. لذا، فإن المطلب الأساسي للمتكلم هو نقل المعاني الحرفية، ويجب أن تُلْحَظ بطريقة يمكن تقييدها ووصفها. وبعبارة أخرى، الإخبار عن الحرف وبواسطة الحرف غير ممكن؛ ولكن تقييده في سياق الكلام جائز ومستخدم.

بشكل عام، التقييد لا يحتاج إلى لحاظ استقلالي؛ بل للتقييد، يكفي ما يُستفاد من صميم الكلام الدال على الواقع. على سبيل المثال، إذا رأى المتكلم أن «زيداً» جالس في البيت يوم الجمعة وأراد أن ينقل هذا الحدث ويستخدم الألفاظ (التي هي أوعية للمعاني)، فإنه في الواقع يخبر عن التقييد والقيد والمقيد، دون الحاجة إلى أن يلحظ شيئاً غير المعاني الاسمية والحرفية كما هي. هذا فيما يتعلق بالحروف الدالة والخبرية. أما فيما يتعلق بالحروف الأخرى التي تُستخدم بصورة إنشائية، فإن المتكلم قبل الاستعمال، يستحضر المعاني والألفاظ في ذهنه ويرى أن مطلوبه لا يُراد إلا في وضعية خاصة. حينها، عندما ينطق بالكلمات التي هي أوعية للمعنى الذهني، ستكون «الهيئة» مقيدة بالضرورة؛ دون الحاجة إلى أن يلحظها بلحاظ استقلالي وقت الاستعمال. إذا راجعتم وجدانكم، ستتضح صحة هذا الكلام» (الإمام الخميني، ١٤١٥، ج١، ص ٣٥١).

الجواب الثالث

بيّن هذا الجواب المحقق الإصفهاني وقبله الإمام الخميني والشهيد الصدر أيضاً. خلاصة الجواب هي أننا لو سلمنا أن المعنى الحرفي آلي وأن التقييد يحتاج إلى لحاظ استقلالي للمقيد، فلا يزال لا يوجد إشكال في تقييد «الهيئة»؛ لأن تقييدها بلحاظ ثانوي استقلالي لا مانع منه، وتقييد «الهيئة» بلحاظ ثانوي يجعل الوجوب المشروط ممكناً.

توضيح الجواب بناءً على بيان المحقق الإصفهاني: إذا كان مبنانا أن المعنى الحرفي والاسمي ذاتاً واحد، ويختلفان فقط من حيث اللحاظ، ففي هذه الصورة يمكن أن يكون لنا لحاظ ثانٍ للمعنى، ونلحظه بصورة مستقلة ونقيده. وبما أن ذات المعنى في كلا اللحاظين واحدة، فلن نواجه مشكلة من حيث تبدل المعنى الآلي إلى استقلالي. لأن هذا العمل يشبه خلع صورة ولبس صورة أخرى مع حفظ المادة. فذات المعنى هنا بمنزلة المادة، واللحاظ الآلي والاستقلالي بمنزلة الصورة. ورغم أن دخول صورة على صورة أخرى أو تبديل صورة بأخرى دون مادة مشتركة محال، فإنه إذا كانت المادة المشتركة ثابتة، وخلعنا عنها صورة وألبسناها صورة أخرى، فسيكون ممكناً ولا مانع منه.

أما إذا كان مبنانا هو الاختلاف الذاتي بين المعنى الحرفي والاسمي، فقد يتبادر إلى الذهن أن التقييد باللحاظ الثانوي غير ممكن؛ لأنه يؤدي إلى تبدل المعنى الحرفي إلى اسمي دون وجود مادة مشتركة. لكن هذا الكلام غير صحيح، والتقييد ممكن؛ لأن المعنى الاسمي فانٍ في معنونه. فمثلاً، عنوان «التحريك» الذي لُوحظ بصورة مستقلة، فانٍ في تلك النسبة الحقيقية التي لُوحظت بصورة آلية. وبناءً عليه، الإطلاق والتقييد اللذان يردان على المعنى الاسمي، يرجعان إلى المعنى الحرفي الذي يظهر بواسطة المعنى الاسمي، وتُقيَّد «الهيئة» بهذه الطريقة (راجع: الإصفهاني، ١٣٧٤، ج١، ص ٣٣٨).

على حد قول الشهيد الصدر: «لو سلمنا أن الإطلاق والتقييد يحتاجان إلى توجه استقلالي، وأن الآلية تمنع إمكان التوجه الاستقلالي للنفس إلى المعنى، فيمكن حل المشكلة عن طريق تقييد المعنى الحرفي بواسطة المعنى الاسمي الدال عليه؛ كما يتم في عملية وضع الحروف عن طريق «الوضع العام والموضوع له الخاص»، وهو بحد ذاته نوع من الحكم على المعنى الحرفي. وبناءً عليه، تقييد المعنى الحرفي لـ«الهيئة» ممكن» (الهاشمي الشاهرودي، ١٤٣٣، ج٢، ص ١٩٦).

وقد أورد المحقق الإصفهاني إشكالين على هذا البيان: الأول، أن هذا الجواب لو صح، لكان له تطبيق فقط في التقييد بمعنى التعليق، لا في التقييد بمعنى التضييق؛ لأن: «الإطلاق والتقييد بمعنى التوسعة والتضييق، هما في الواقع بمعنى لحاظ المعنى بنحو اللابشرط والبشرط شيء، ولهذا يُعدان من الاعتبارات الأولية للمعنى. ولكن الإطلاق والتقييد بمعنى «التعليق» و«عدم التعليق» ليسا من اعتبارات المعنى أصلاً؛ بل «التعليق» هو ربط شيء مستقل، وبالتالي يحتاج إلى لحاظ ثانوي، و«عدم التعليق» لا يحتاج أصلاً إلى توجه ولحاظ جديد» (الإصفهاني، ١٣٧٤، ج١، ص ٣٣٨، حاشية).

بالطبع، قوله إن «التقييد بمعنى التضييق» من الاعتبارات الأولية للمعنى، صحيح في الخطابات الشرعية؛ لأنه لا معنى للغفلة عن المصالح والمفاسد من جانب الشارع؛ لذا، يلحظ الإطلاق والتقييد من البداية؛ أي أن التقييد في كلام الشارع يرجع إلى «التقيّد» (كونه مقيداً من البداية)، وهذا المعنى يُبيَّن بعبارتين؛ وإلا فكيف يمكن لنسبة مرتبطة بشيء أن ترتبط بشيء آخر؟! فهذا تبديل غير ممكن. وبناءً عليه، «التقييد» إما أن يرجع إلى «النسخ» أو إلى «التقيّد»، ولا يوجد خيار ثالث؛ لأننا إما نلحظ المعنى مع القيد من البداية، وهو «التقيّد»، أو نلحظه مطلقاً، وفي هذه الصورة، فإن التقييد اللاحق يُعد «نسخاً» للحكم السابق.

لكن هذا القول بأن «التقييد بمعنى التعليق يحتاج إلى لحاظ ثانوي، لأنه ربط موجود مستقل»، يواجه هذا الإيراد، وهو أن التعليق وعدمه هما أيضاً من الاعتبارات الأولية للمعنى؛ لأن المعنى الواحد في بداية لحاظه، إما أن يُتصور مرتبطاً بغيره أو غير مرتبط. وإذا لُوحظ مرتبطاً من البداية، فلا حاجة إلى لحاظ ثانٍ. أما إذا لُوحظ غير مرتبط أولاً، فإن التعليق اللاحق هو في الحقيقة «نسخ» لذلك اللحاظ الأول. فالتعليق أيضاً مثل التضييق، إما أن يرجع إلى «التعلق» (الارتباط من البداية) أو إلى «النسخ»، وبما أن «النسخ» باطل، فيثبت «التعلق» الذي يقع في نفس اللحاظ الأول. وبناءً عليه، الجواب المذكور غير صحيح حتى في التقييد بمعنى التعليق.

وقد أورد الأستاذ الوحيد الخراساني على المحقق الإصفهاني إشكالاً حول جزئية المعنى الحرفي، مفاده: كيف تفرقون بين التقييد والتعليق، وتعتبرون الأول مستحيلاً في المعنى الحرفي، والثاني ممكناً؛ في حين أن التعليق يلازم التقييد؛ لأن التعليق وارتباط الشيء لا معنى لهما إلا إذا كان لذلك الشيء حالتان. فلازم التعليق هو التقييد (راجع: اللاريجاني، ١٣٧٩، ص ٧٢، نقلاً عن تقريرات الأستاذ). وهنا أيضاً يجب القول إنه إذا كان التعليق مصحوباً بالتقييد، فيجب أن يكون مثله بلحاظ أولي، لا ثانوي. فالإشكال باقٍ. أما القول بأن «عدم التعليق لا يحتاج إلى لحاظ ثانوي»، فهو أيضاً غير صحيح؛ لأن المقصود من عدم التعليق هو لحاظ المعنى غير مرتبط ومنجزاً؛ لا أننا لا نلحظ شيئاً أصلاً ليكون مهملاً وبلا تكليف. فالتعليق بمعنى لحاظ بشرط شيء، وعدم التعليق بمعنى لحاظ لابشرط، ولا فرق بينهما وبين التضييق من هذه الجهة.

الثاني، ما بُيّن كان مرتبطاً بمقام الثبوت؛ أما من حيث الإثبات وظهور الجملة الشرطية، فقد اعتبر المحقق الإصفهاني هذا الجواب خلاف الظاهر، ولم يرَ أن الجملة الشرطية دالة على ملاحظة ثانوية للمقيد من خلال لحاظ القيد. ولكن من وجهة نظر الإمام الخميني، كل نوع من التقييد مرتبط بلحاظ ثانوي؛ حتى لو كان في المعاني الاسمية: «التقييد لا يُنشأ إلا عن طريق اللحاظ الثانوي؛ حتى في المعاني الاسمية. فمثلاً، في «رأيت العالم العادل»، كلمة «عالم» تدل فقط على معناها الخاص، وعندما تتصف بـ«العادل»، فإن لحاظاً ثانوياً يوجب هذا الاتصاف، ومثل هذا الشيء ممكن أيضاً في المعاني الحرفية» (الخميني، ١٤١٥، ج١، ص ٣٥١).

الجدير بالذكر أن «التقييد» ثبوتاً وإثباتاً يرجع إلى «التقيّد». وبناءً عليه، لا حاجة إلى «التقييد الإثباتي»؛ لأن المعنى الحرفي أُنشئ مقيداً من البداية (ثبوتاً وإثباتاً) وبُيّن بعبارتين. فلا حاجة لنا بعد ذلك إلى تقييد «الهيئة» مرة أخرى ليُشكل بأن المعنى المرتبط غير قابل للتقييد. وبناءً عليه، دعواه بأن التقييد حتى في المعاني الاسمية يتشكل بلحاظ ثانوي، لا وجه لها؛ لأنه يمكن إرجاعه إلى التقيّد بتعدد الدال والمدلول؛ كما مر في بيان المحقق الإصفهاني.

وقال الأستاذ شب‌زنده‌دار في نقد ما بُيّن: «ما لم يرجع القيد في مقام الإثبات إلى المقيد، لا سبيل لكشف «التقيّد الإثباتي»، ورجوع القيد الإثباتي إلى «الهيئة» محال من وجهة نظر الشيخ، وبدون الرد على أدلة الاستحالة، لا يمكن إرجاع القيد إلى «الهيئة» وإثبات «الوجوب المشروط». فيجب أولاً توضيح تكليف إرجاع القيد إلى «الهيئة» في مقام الإثبات، ثم بمساعدة أصل التطابق بين الإثبات والثبوت، نثبت «الوجوب المشروط».

أما فيما يتعلق بما قاله الإمام الخميني من أن التقييد دائماً بلحاظ ثانوي، فيجب القول إن المعاني الاسمية لا تحتاج إلى مثل هذا اللحاظ؛ لأنه عندما يصل المعنى إلى الذهن، يأتي القيد بعده ويقيده. بالطبع، في المعاني الحرفية، بما أنه لا يوجد إمكان للحاظ المستقل، فإننا نحتاج إلى لحاظ ثانوي للتقييد.

إشكال هذا الكلام هو أنه إذا كان التقييد ثبوتاً يرجع إلى التقيّد، فإن «الهيئة» أُنشئت مقيدة من البداية، وذكر القيد يكشف عن التقيّد السابق. وبناءً عليه، استحالة رجوع القيد إلى الهيئة لا تُحدث إشكالاً هنا؛ لأن هذه الاستحالة مرتبطة بصورة أُنشئت فيها «الهيئة» مطلقة ثم قُيّدت. وبناءً عليه، إذا كان ظاهر الجملة هو رجوع القيد إلى «الهيئة»، وتمكنا من تصحيحه بالحل المذكور، فإن «الوجوب المشروط» يُحرز إثباتاً.

الجواب الرابع

بيّن هذا الجواب الأستاذ المؤمن. يقول: «الآمر بذكر أداة الشرط يركز على ظرف تحقق الشرط و[يحث المخاطب] في هذا الظرف نحو مطلوبه. فالتحريك هنا مثل سائر الموارد ملحوظ، وما يُنظر إليه بصورة مستقلة هو ظرف التحقق… وبعبارة أخرى، التقييد هنا [نوع من] التعليق، ولا حاجة إلى أن يُلحظ «المعلَّق» مستقلاً» (المؤمن القمي، ١٤١٩، ج١، ص ٢٣٨).

يجب أن يُسأل: هل يوجد بين التحريك (البعث) والظرف المذكور ارتباط وتقييد؟ إذا كان يوجد، فإن إشكال استحالة تقييد «الهيئة» يعود؛ وإلا فلن يتحقق وجوب مشروط؛ لأن الظرف لا يتبعه اشتراط وتقييد في مظروفه، ولازم هذا الكلام هو وجوب امتثال الأمر حتى قبل التحقق الخارجي للشرط.

الجواب الخامس

المحقق الفياض في هذا الجواب، بعد ذكر مقدمة طويلة أيد فيها إمكان تقييد المعنى الحرفي عن طريق تقييد أطراف النسبة دون الحاجة إلى نظر استقلالي إلى الحرف، يقول: «صحيح أن المعنى الحرفي غير قابل للتقييد لأنه وجود مرتبط بطرفي النسبة ولا شيء بدونهما ليكون قابلاً للإطلاق والتقييد، ولكن مع ذلك، تقييده وإطلاقه ممكنان بالنظر إلى متعلقه» (الفياض، ١٤١٧، ج٢، ص ٦٨).

الإشكال الذي يبدو هنا هو أن «الهيئة» مرتبطة بثلاثة أشياء: الآمر، ومخاطب الأمر، والمأمور به (المبعوث إليه). وبالنظر إلى أن تقييد الآمر والمخاطب لا معنى له، فيجب أن يكون مقصوده من تقييد متعلق النسبة، تقييد المأمور به، أي طبيعته. في حين أن مثل هذا التقييد يرجع إلى تقييد المادة، وتقييد المادة، مع أنه يؤدي إلى تضييق «الهيئة» بناءً على رأيه، لا يقدم جديداً؛ لأن ما نتابعه هنا هو إرجاع القيد إلى «الهيئة» دون أن تكون المادة مقيدة، ليتحقق «الوجوب المشروط»، وكلامه لا يصحح «الوجوب المشروط» بأي وجه.

نقطة ختامية: نظرية المحقق النائيني

صحح المحقق النائيني، بقبول المقدمتين المذكورتين (المعنى الحرفي آلي والتقييد يحتاج إلى لحاظ استقلالي)، تصور الوجوب المشروط عن طريق رجوع القيد إلى المادة المنتسبة. وتوضيح ذلك أن فيما يُقيّد بواسطة القيد، توجد أربعة احتمالات:

١. رجوع القيد إلى المتعلق: مثلاً في جملة «أكرم زيداً إن جاءك»، يرجع القيد إلى «الإكرام» (الذين يرجعون القيد إلى المادة، لديهم هذا الرأي).

٢. رجوع القيد إلى مفهوم تركيبي هو نفس النسبة المنشأة بواسطة «الهيئة».

٣. رجوع القيد إلى ما أُنشئ بـ«الهيئة»؛ أي الطلب المستفاد من «الهيئة»، يصبح مقيداً.

٤. رجوع القيد إلى «المحمول المنسوب»، وهو في الواقع يرجع إلى تقييد نفس المعنى المنشأ؛ ولكنه يختلف عنه اعتباراً من حيث المعنى الاسمي والحرفي.

يبطل المحقق النائيني جميع هذه الاحتمالات ما عدا الاحتمال الرابع، باستدلال أن الشرط لا يمكن أن يرجع إلى مفهوم مفرد وبسيط؛ بل يجب أن يرجع إلى مفهوم تركيبي يُفهم من الجملة؛ كما يُفهم من تعريف الجملة الشرطية: «الجملة التي يُحكم فيها بوجود نسبة عند وجود نسبة أخرى». وبناءً عليه، الاحتمال الأول غير صحيح. وكذلك لا يمكن إرجاع الشرط إلى المعنى الإيجادي لـ«الهيئة» بأن يرجع إلى الإنشاء؛ لأن الإنشاء ليس قابلاً للاشتراط والتعليق، ولا يتصف بالإطلاق والتقييد؛ بل إما موجود أو غير موجود. فالاحتمال الثاني باطل أيضاً. ورجوع الشرط إلى ما أُنشئ بـ«الهيئة» (الطلب) غير ممكن أيضاً؛ لأنه للاشتراط يجب لحاظ معنى اسمي مستقل، والشرط لا يرد على المعنى الحرفي؛ لأنه لا يمكن التوجه إلى المعنى الحرفي مع حفظ حرفيته؛ فهو فانٍ في غيره، وفي مقام تحققه (حين الاستعمال)، يُغفل عنه. فالاحتمال الثالث غير صحيح أيضاً.

بناءً عليه، يبقى الاحتمال الرابع فقط، أي «المحمول المنتسب»، وهو نفسه له ثلاثة احتمالات:

١. رجوع القيد إلى «المحمول المنتسب» بعد تحقق النسبة (زمنياً): هذا الاحتمال يستلزم «النسخ»؛ لأن الاشتراط لو جاء مثلاً بعد وجوب الإكرام، لتبعه «النسخ».

٢. رجوع القيد في نفس موضع الانتساب إلى «المحمول المنتسب»: هذا الاحتمال أيضاً غير صحيح؛ لأنه يسبب رجوع القيد إلى مفهوم مفرد بسيط.

٣. رجوع القيد إلى «المحمول المنتسب» بوصف الانتساب، مثلاً إلى «وجوب الإكرام» أو «الإكرام الواجب»، وهو الاحتمال الصحيح.

بتعبير أوضح، يجب أن يرجع الشرط إلى نتيجة الحمل في الجمل الحملية، ونتيجة الطلب في الجمل الطلبية. فمثلاً، في جملة «كلما كانت الشمس طالعة فالنهار موجود»، فإن «وجود النهار» مشروط. وفي جملة «إن جاءك زيد فأكرمه»، فإن «الإكرام الواجب» أو «وجوب الإكرام» مشروط (راجع: الكاظمي، ١٤١٧، ج١، ص ١٨١-١٨٢).

إشكالات

أورد المحقق الإصفهاني ثلاثة إشكالات على هذه النظرية، وهي كالتالي:

الأول: تقييد «الهيئة»، كما أوضحنا، لا مانع منه، ويمكن لحاظ المعنى الآلي مستقلاً وتقييده. فالاحتمال الصحيح في «الوجوب المشروط» لا ينحصر فيما قاله المحقق النائيني.

الثاني: معنى الحمل هو «الهوهوية»، ونتيجته هي ثبوت «الهوهوية». أما «طلوع الشمس» و«وجود النهار» (في المثال المذكور)، فهما مصححان للحمل لا نتيجته. وفي الجملة الإنشائية أيضاً، نتيجة الإنشاء هي «وجوب الإكرام»، لا اتصاف «الإكرام» بـ«الوجوب» («الإكرام الواجب»).

الثالث: هذا الانتساب أو الاتصاف، هل هو معنى اسمي أم حرفي؟ لو كان اسمياً، فسيواجه هذا الإشكال، وهو أن هذا المعنى لم يرد في الجملة؛ لأن مضمون الجملة الشرطية هو ربط جملة بجملة أخرى، وإذا كان الجزاء جملة إنشائية، فإن معنى الجملة الشرطية هو ربط نسبة البعث الإنشائي بنسبة حكمية موجودة في الشرط. ومع ذلك، كيف ترجعون القيد إلى شيء لا أثر له في الجملة الشرطية (المحمول المنتسب)؟

أما لو كان معنى حرفياً:

أولاً، هذا الانتساب ليس مضمون الجملة الشرطية؛ بل هو يُفهم من عروض «النسبة التحريكية» (البعث) على المادة. فكيف يمكن تقييده؟

ثانياً، إذا كان المقصود من الاتصاف الحرفي هو نفس «النسبة التحريكية»، فإن المحقق النائيني نفسه لم يقبله. وإذا كان شيئاً يوجد زمنياً بعد النسبة، فمن غير المعقول أن يكون أحد أطرافه هو نفس النسبة التحريكية (لأن النسبة لا يمكن أن تكون طرفاً). وإذا كان المفهوم الاسمي للوجوب، فهو ليس مفاد «الهيئة»، ولا أثر له في الكلام ليكون طرفاً للاتصاف.

ثالثاً، «الاتصاف الحرفي» مثله مثل «النسبة التحريكية» (البعث)، غير مستقل، ولا فرق بينه وبين الأمور الآلية الأخرى من حيث استحالة التقييد. فالإشكال يعود مرة أخرى (راجع: الإصفهاني، ١٣٧٤، ج١، ص ٣٣٥، حاشية).

وقد أورد الأستاذ اللاريجاني على الإشكال الثالث للمحقق الإصفهاني إشكالاً مفاده أن المقصود من الاتصاف في كلام المحقق النائيني هو اتصاف حرفي، ومع ذلك، الإشكال المذكور لا يرد عليه؛ لأن المقصود من الاتصاف الحرفي ليس هو نفس النسبة التحريكية؛ بل شيء يوجد بعدها ويُستفاد منها. فلا يلزم أن تكون النسبة التحريكية طرفاً للاتصاف الحرفي. فمثلاً، عندما تتعلق «الهيئة» بـ«الإكرام»، يُستفاد منها الوجوب. فهذا الوجوب خارج عن معنى الجملة؛ كما أن ثبوت «الهوهوية» خارج عن معنى الجملة الخبرية. وبناءً عليه، ما عُلّق في الجملة الشرطية هو نتيجة ورود النسبة التحريكية على المادة، أي الوجوب، لا مدلول الجملة التالية. وبهذا البيان، عبارة «مدلول الجملة التالية مرتبط ومعلق على الجملة المقدمة» ليست تعبيراً دقيقاً؛ بل الصحيح أن نقول: «نتيجة التالي التي تأتي من ورود المادة على الهيئة، معلقة على ثبوت المقدم». بالطبع، الإشكال الأخير له، أي رجوع إشكال تقييد المعنى الحرفي في نظرية المادة المنتسبة، مقبول.

النقطة التي تبدو حول كلام الأستاذ اللاريجاني هي أن المحقق النائيني صرح بأن الفرق بين الاحتمال الثالث والرابع هو أن القيد في الاحتمال الثالث يرجع إلى مفهوم أُنشئ بـ«الهيئة» وهو معنى حرفي، ولكن في الاحتمال الرابع يرجع القيد إلى شيء من المعاني الاسمية؛ بخلاف ما قاله الأستاذ. بهذا التوضيح، فإن بعض الشقوق المذكورة في كلام المحقق الإصفهاني، التي كانت مورد إشكال الأستاذ اللاريجاني، تخرج عن محل البحث؛ لأن المحقق النائيني أرجع القيد إلى معنى اسمي: «الاشتراط مرتبط بأن يكون المعنى اسمياً ومستقلاً، وتقييد المعنى الحرفي غير ممكن» (الكاظمي، ١٤١٧، ج٢، ص ١٨١). وهنا يرد إشكال المحقق الإصفهاني عليه: «المادة المنتسبة بالمعنى الاسمي ليست في الجملة. فكيف ترجعون القيد إليها؟».

إلا إذا قلنا في الجواب إن هذا المعنى يُستفاد من ظاهر الجملة الشرطية؛ كما قال المحقق الروحاني في الرد على إشكال جزئية المعنى الحرفي، وقبله الأستاذ اللاريجاني أيضاً. على كل حال، لا يمكن الرد على الإشكال الأول والثاني للمحقق الإصفهاني.

النتيجة

لم يتمكن أي من الإشكالين المدروسين، أي جزئية المعنى الحرفي وآليته، من أن يشكل مانعاً أمام «الوجوب المشروط».

أفضل جواب على إشكال الجزئية هو كلام صاحب الكفاية بأنه يمكن إنشاء «الهيئة» مقيدة من البداية. وكذلك جواب المحقق الروحاني الذي قبله الأستاذ اللاريجاني: في حال وجود فهم عرفي، يمكن إرجاع القيد إلى وجود وتحقق النسبة.

والأجوبة الأخرى إما ترجع إلى هذين القولين أو غير مقبولة.

وفي الرد على إشكال آلية المعنى الحرفي، يوجد جوابان مقبولان: ١. آلية المعنى الحرفي لا تمنع الالتفات إليه ليمكن تقييده؛ بل يكفي التوجه الإجمالي للتقييد. ٢. تقييد «الهيئة» لا يحتاج إلى لحاظ استقلالي لها؛ بل يمكن إنشاء «الهيئة» مقيدة من البداية.

الهوامش

۱. تظهر الدراسات أن هذا البحث لم يُطرح قبل الشيخ الأنصاري.

۲. تعبير التضييق هنا ليس دقيقاً جداً؛ لأن «النسبة المرتبطة بثلاثة أطراف» مع «النسبة ذات الأربعة أطراف» لا جامع بينهما لنقول إن الثانية أضيق من الأولى؛ لأن التضييق بهذا المعنى يصح فقط في المفاهيم الكلية، لا المعنى الحرفي.

۳. المقصود هو أن «الإكرام الواجب» كيف يمكن أن يكون نتيجة للإنشاء ليُطرح كاحتمال؟

قائمة المصادر

۱. الإصفهاني الغروي، محمد حسين (١٣٧٤ش). نهاية الدراية. الطبعة الأولى. قم: مطبعة سيد الشهداء.

۲. الحكيم، السيد عبد الصاحب (١٤١٣هـ.ق). منتقى الأصول. الطبعة الأولى. قم: مطبعة أمير.

۳. الخراساني، محمد كاظم (١٤٠٩هـ.ق). كفاية الأصول. الطبعة الثانية. قم: مؤسسة آل البيت (ع).

۴. الخميني، السيد روح الله (١٤١٥هـ.ق). مناهج الوصول إلى علم الأصول. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قدس سره).

۵. الخوئي، السيد أبو القاسم (١٣٦٨ش). أجود التقريرات. الطبعة الثانية، قم: مطبعة مصطفوي.

۶. الفياض، محمد إسحاق (١٤١٧هـ.ق). محاضرات في الأصول. الطبعة الثالثة، قم: مطبعة أنصاريان.

۷. الفياض، محمد إسحاق (١٤٢٧هـ.ق). المباحث الأصولية. الطبعة الثانية. قم: نشر دفتر آية الله الفياض.

۸. الكاظمي الخراساني، محمد علي (١٤١٧هـ.ق). فوائد الأصول، الطبعة الثانية، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.

۹. كلانتر، أبو القاسم (١٤٠٤هـ.ق). مطارح الأنظار. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة آل البيت (ع).

۱۰. اللاريجاني، صادق (١٣٧٩ش). واجب مشروط. الطبعة الأولى. قم: نشر مرصاد.

۱۱. المؤمن القمي، محمد (١٤١٩هـ.ق). تسديد الأصول. الطبعة الأولى. قم: مكتب النشر الإسلامي.

۱۲. الهاشمي الشاهرودي، السيد محمود (١٤١٧هـ.ق). بحوث في علم الأصول. الطبعة الثانية، قم: مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي.

Scroll to Top