الملخص: إنّ نظرية «تجسّم الأعمال»، بمعنى تجسّد نيات الإنسان وأفكاره وأعماله في النشأة الأخرى، هي إحدى التعاليم المطروحة في مبحث المعاد في الإسلام، ولها مؤيدون ومنتقدون. وقدّم الملا صدرا براهين لإثبات هذا الموضوع إثباتاً عقلياً بالاستعانة بالأصول البارزة للحكمة المتعالية. والأصل الحاكم على هذه البراهين هو تطابق العوالم. ويثبت تطابق العوالم -بمعنى حضور العوالم الأدنى في العوالم الأعلى بنحوٍ أعلى وأشرف- في الحكمة المتعالية بناءً على أصول صرافة الوجود وبساطته وتشكيكه، والوجود الرابطي للمعلول. ويثبت الملا صدرا تجسّم الأعمال ويبيّنه بأصل تطابق العوالم. كما أن إثبات تجسّم الأعمال وفقاً لأصل تطابق العوالم يستتبع على نحو ما إثبات المعاد الجسماني أيضاً. إضافة إلى أن استدلال الملا صدرا الآخر على المعاد الجسماني يقوم على أساس اتحاد العاقل والمعقول، وهو قابل للإرجاع إلى الاستدلال القائم على تطابق العوالم.
مقدمة
يُعدّ مبحث المعاد عند صدر المتألهين من الموضوعات التي حظيت باهتمام المفكرين على الدوام، وقد اشتمل على بعض النظريات الابتكارية للحكمة المتعالية. ومن هذه المباحث، بحث تجسّم الأعمال والمعاد الجسماني وإثباتهما بواسطة أصول الحكمة المتعالية. لقد تطرّق الملا صدرا إلى إثبات المعاد الجسماني وبحث تجسّم الأعمال، وهو بحث ديني داخلي، مستعيناً بالأصول البارزة للحكمة المتعالية، أي أصالة الوجود وتشكيكه، والحركة الجوهرية، ووحدة النفس وقواها، وتجرّد الخيال، واتحاد العقل والعاقل والمعقول، وغيرها. ويُعدّ أصل تطابق العوالم هو الأصل الحاكم في الحكمة المتعالية في تبيين تجسّم الأعمال والمعاد الجسماني وغالب التعاليم المرتبطة بالمعاد. والهدف من هذا المقال هو بيان حاكمية هذا الأصل على الموارد المذكورة، وهو ما سيتم تتبعه في خطوات عدة: ١. مفهوم تجسّم الأعمال وسابقته التاريخية. ٢. الإشكالات العقلية على نظرية تجسّم الأعمال من وجهة نظر المخالفين. ٣. وجهة نظر صدر المتألهين في بحث تجسّم الأعمال وإثباته بناءً على أصل تطابق العوالم. ٤. تعريف أصل «تطابق العوالم» وإثباته. ٥. تبيين تجسّم الأعمال وفقاً لأصل تطابق العوالم والرد على الإشكالات. ٦. تبيين تجسّم الأعمال في ضوء اتحاد العاقل والمعقول وإرجاعه إلى تطابق العوالم. ٧. إثبات المعاد الجسماني بناءً على تطابق العوالم.
١. مفهوم تجسّم الأعمال وسابقته التاريخية
تجسّم الأعمال، أو بتعابير أخرى تجسيم الأخلاق وتكوين النيات، وتجسّد الأعمال وتجسّم الاعتقادات، يعني أن أعمال الإنسان ونياته وأفكاره، أو بعبارة أخرى، أعماله الجوارحية والجوانحية، تظهر في النشأة بعد الموت على هيئة أجسام برزخية، وفي الحقيقة يُحشر الإنسان مع الصورة المتجسّدة لأعماله ونياته، وبها يتحقق الثواب والعقاب في العالم الآخر. يُقال إنه يمكن العثور على دلائل للاعتقاد بتجسّم الأعمال في آراء حكماء اليونان. أما بين المسلمين، فإن لهذا البحث جذوراً في آيات القرآن الكريم والروايات النبوية. ولكن في تاريخ الفكر الإسلامي، لم تكن هذه العقيدة مقبولة لدى جميع المفكرين المسلمين. وقد استُخدمت آيات أخرى من القرآن الكريم، التي تطرح الثواب والعقاب الأخروي على نحوٍ غير تجسّم الأعمال، ذريعةً لمعارضة نظرية تجسّم الأعمال. وبعض المعارضات، التي تعود إلى عدم التوصل إلى تحليل وأساس عقلي كافٍ لإثبات المعاد الجسماني، ذهبت إلى حد اعتبارها مخالفة للعقل ومستلزمة لإنكار ضروريات الدين. وقد اعتبر سائر المتكلمين الشيعة، من خلال الرد على الإشكالات المثارة في هذا الباب، أن تجسّم الأعمال عقيدة بديهية، بل من ضروريات المذهب الشيعي. وأفضل دفاع عن هذه العقيدة يوجد في آثار صدر المتألهين. فهو، بتقديمه تبييناً عقلياً وتحليلاً وافياً حول تجسّم الأعمال، يجيب بشكل جيد على الإشكالات المتعلقة به. وعلى الرغم من أن التوضيحات التي يقدمها في هذا الموضوع تندرج جميعها في إطار نظري خاص بالحكمة المتعالية وتستفيد من عدة قواعد بارزة في هذا المشرب الفلسفي، إلا أنه يمكن تقديم تقريرات متعددة لها، من أبرزها إثبات تجسّم الأعمال على أساس تطابق العوالم. ومن الآيات التي يُستشهد بها في هذا المقام قوله تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ (العنكبوت: ٥٤) ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ (النساء: ١٠) ، وقوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا﴾ (آل عمران: ٣٠) ، وقوله: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (يس: ٥٤).
٢. الإشكالات العقلية على نظرية تجسّم الأعمال من وجهة نظر المخالفين
باختصار، تعود الإشكالات العقلية على نظرية تجسّم الأعمال إلى ماهية «العمل» وحقيقته. فقد اعتبر المستشكلون، بفرضهم أن العمل عَرَض، أن تجسّم الأعمال يستلزم إشكالين: ١. العَرَض أمر زائل، فلا يمكنه البقاء حتى النشأة الأخرى. ٢. تجسّم العمل هو انقلاب العَرَض إلى جوهر، وهو بالتالي محال. وقد قُدّمت ردود متعددة على الإشكالات المذكورة. فالشيخ البهائي، مع وصفه هذه الإشكالات بالسطحية، لا يرى أن تجسّم العمل في الآخرة ينافي القواعد العقلية بأي وجه من الوجوه، إذ من الممكن أن يكون أمر ما عَرَضاً في نشأة، وجوهراً في نشأة أخرى، وهذه المسألة تعود إلى اختلاف النشأتين. لم يلقَ هذا الجواب قبول المستشكل، لأنه يرى أن النشأتين من سنخ واحد، والموت هو الفارق الوحيد بينهما. ويبدو أن الجواب على هذا الإشكال يكمن في فهم حقيقة العمل وكشف خصائص النشأتين والعلاقة بينهما.
٣. وجهة نظر صدر المتألهين في بحث تجسّم الأعمال
إن آراء الملا صدرا في باب حقيقة العلم، وحقيقة النفس، وخصائص العوالم وعلاقتها التي هي على نحو التطابق في نظره، تبيّن بحث تجسّم الأعمال. وقد طرح في مواضع متعددة من آثاره بحث تجسّم الأعمال وأشار إلى الآيات والروايات المتعلقة به، ثم قام بتحليله في إطار تعاليم الحكمة المتعالية. ويُظهر تحليل استدلالات صدر المتألهين في تبيين تجسّم الأعمال حاكمية أصل تطابق العوالم في جميع التعاليم المتعلقة بالمعاد في الحكمة المتعالية، وهو ما سيأتي بيانه لاحقاً.
تطابق العوالم من وجهة نظر الملا صدرا
يُعدّ تطابق العوالم إحدى نظريات الحكمة المتعالية التي تعود جذورها، كالكثير من آراء هذا المشرب الفلسفي، إلى العرفان النظري. وقد أثبت الملا صدرا هذا الأصل في آثاره بالمباني والقواعد البارزة للحكمة المتعالية، ثم برهن على أساسه الكثير من القواعد والأحكام الفلسفية والمعارف الدينية وبعض التعاليم العرفانية، ومنها مسألة تجسّم الأعمال والمعاد الجسماني. ولدراسة كيفية تبيين تجسّم الأعمال على أساس أصل تطابق العوالم، تبدو دراسة هذا الأصل في الحكمة المتعالية ضرورية.
أ) العوالم من وجهة نظر الملا صدرا
بناءً على نظرية تشكيك الوجود، فإن الوجود متدرج وذو مراتب. وفي الاصطلاح الفلسفي، يُطلق “العالَم” على موجود أو موجودات تختص بمرتبة خاصة من الوجود. وبما أن مراتب الوجود لا نهائية، يمكن القول بوجود عوالم لا نهائية، ولكن لتسهيل التصور والتعليم، يُطلق اسم «العالَم» على سلسلة من المراتب الوجودية التي يحكمها نظام خاص، وتندرج تحت اسم واحد بسبب هذا النظام الخاص. يختلف عدد العوالم في كلمات الملا صدرا. ففي نظرة، يحصر العوالم، على الرغم من كثرتها، في قسمين: ١. عالم الخلق، الذي يُعبّر عنه بالدنيا، ويُدرَك بالحواس الخمس الظاهرة. ٢. عالم الأمر، وهو الآخرة، ويُدرَك بالحواس الخمس الباطنة، أي النفس والقلب والعقل والروح والسرّ. والوجه الآخر لتقسيم العوالم في بيان الملا صدرا ناظر إلى مراتب الإدراك. فبما أن المشاعر الإدراكية منحصرة في الحس والتخيل والتعقل، ويوجد عالم مناظر لكل منها، فإن العوالم ثلاثة: ١. الجسم وعوارضه؛ ٢. النفس وعوارضها؛ ٣. العقل ومعقولاته. وفي مواضع أخرى، يضيف «عالم الإله» إلى العوالم الثلاثة المذكورة. ففي رأيه، يقع في صدر مراتب الوجود اللاهوت أو عالم الإله، وهو عالم الأسماء والصفات الإلهية والأعيان الثابتة. وأثبت لكل موجود شخصاً في عالم الإله فسميت تلك الأشخاص بالمُثُل الإلهية والمبادئ الأول، والمُثُل عنده بسائط مبسوطات والأشخاص مركبات والإنسان المركب المحسوس جزئي ذلك الإنسان المبسوط المعقول. وخلاصة آرائه هي وجود أربعة عوالم في مراتب الوجود: ١. عالم الإله، وهو عالم الأسماء والصفات الإلهية والأعيان الثابتة. ٢. أعلى مراتب الممكنات، الجبروت أو عالم العقل، وهو الصادر الأول. ٣. الملكوت أو عالم المثال أو درجة الخيال، وهو عالم الصور المقدارية غير المادية. وأول من أدرج وجود هذا العالم في ترتيب نظام الوجود بين الفلاسفة هو الشيخ الإشراق. وفي خطوة تالية، قام الملا صدرا بتوسيع هذه المسألة وتطويرها بإقامة البرهان على بيانات الشيخ الإشراق، وكذلك إثبات عالم المثال المتصل بالإضافة إلى عالم المثال المنفصل. ٤. أدنى مراتب عالم الوجود، عالم الناسوت أو عالم المادة، الذي يحوي في طياته جوهر المادة أو الهيولى، التي يشكل الاستعداد كل هويتها، وهي قابلة لفعلية الصورة.
ب) مفهوم تطابق العوالم
إن عوالم الوجود من وجهة نظر الملا صدرا ليست متباينة ومنفصلة ولا علاقة بينها، بل هناك نوع من الارتباط والاتصال الجاد بين عوالم الوجود. والكلمة المفتاحية التي تعبر عن هذا الارتباط هي تطابق العوالم. وكلمة «التطابق» تعني التساوي والتماثل. وبناءً عليه، فإن التطابق يحمل في طياته عنصري العينية والغيرية في آن واحد. فالشيئان المتطابقان هما عين بعضهما من حيثيات متعددة، وبالتالي ينطبقان على بعضهما، ولكن من جهة أخرى، هناك جهات افتراق أدت إلى ثنائيتهما ومغايرتهما. يعتقد الملا صدرا أن الله سبحانه لم يخلق موجوداً في الدنيا إلا وله نظير ومطابق في العالم الأعلى، كما أن له نظيراً في عالم الآخرة، ونظيراً في عالم الأسماء، وكذلك نظيراً في عالم الحق وغيب الغيوب، وهذه هي حقيقة تطابق العوالم. بعبارة أخرى، يعني تطابق العوالم أن حقيقة الوجود الواحدة لها مراتب ونشآت متعددة، فالمراتب والنشآت الدنيا هي رقيقة وضعيفة وصورة ناقصة للمراتب العليا، والمراتب العليا هي صورة شديدة وكاملة وحقيقة للصور الدنيا. ونتيجة لذلك، فإن عوالم الوجود، على الرغم من تغايرها في الشدة والضعف والكمال والنقصان، هي جميعها عين حقيقة واحدة. فكل ما هو موجود في العوالم الدنيا موجود في العوالم العليا بنحو أكمل، وموجودات العوالم الدنيا هي مثال وشبح لموجودات العالم الأعلى. وموجودات العالم الأدنى هي مظاهر ومنازل لموجودات العالم الأعلى.
ج) إثبات تطابق العوالم
إن الأصول البارزة للحكمة المتعالية هي المبيّنة لأصل تطابق العوالم. ومن أهم هذه الأصول: صرافة الوجود وبساطته، وتشكيك الوجود، والوجود الرابطي للمعلول.
١. صرافة الوجود
كلمة “الصِّرْف” بكسر الصاد تعني الخالص، و”صرف الحقيقة” يعني الشيء الخالي من الضمائم والعوارض المتكثرة والمشخِّصة، و”صرف الوجود” يعني الوجود المحض غير المشوب بالماهية. كما يُراد به أحياناً الوجود نفسه دون لحاظ أو التفات إلى جوانبه الأخرى، أي الوجود من حيث هو وجود، لا الوجود بلحاظ تركيبه مع الماهية، ولا بلحاظ تشخصه وتعيّنه بمحل معين أو شخص معين، أو الوجود الممكن والواجب والأجسام والأجرام وغيرها. ويتم إثبات تطابق العوالم وفقاً لأصل صرافة الوجود على النحو التالي: أولاً، حقيقة الوجود صرفة، لأنه لا يوجد شيء غير الوجود ليكون ضميماً وعارضاً وخليطاً له. ثانياً، حقيقة الوجود الصرفة واجبة؛ لأنها لو لم تكن واجبة لكانت معروضة، والمعروض ليس صرفاً. ثالثاً، الوجود الصرف الواجب واحد؛ لأن أي تعدد يستلزم خليطاً وضَميمة في الذات الواجبة، وهذا الأمر لا ينسجم مع صرافة الواجب. رابعاً، الوجود الصرف الواجب لا نهائي؛ لأن أي حدٍّ على حقيقة الوجود لا بد أن يكون من جهة أمر غير الوجود، وأولاً، غير الوجود هو العدم، وثانياً، التحدّد والتعيّن بشيء غير نفسه لا ينسجم مع صرافة الوجود. خامساً، الوجود الصرف الواجب اللانهائي جامع لجميع مراتب الوجود والكمالات الوجودية؛ لأن هذا الأمر هو مقتضى عدم تناهيه. سادساً، نتيجة لذلك، لا يتحقق أي موطن وجودي آخر يمكن أن يوجد خارج عالم الإله ويكون مصداقاً بالذات للموجودية. وبالتالي، فإن وجود الكثرات هو عين وجود الحق، لا وجوداً مغايراً لوجود الحق. سابعاً، كما مرّ، فإن التطابق هو حاصل جمع نوع من العينية والغيرية. وبهذا، يثبت تطابق عالم الإله، بفضل صرافته، مع جميع العوالم الخلقية.
٢. بساطة الوجود
البسيط في اصطلاح الفلسفة هو ما لا جزء له؛ لا جزء عقلي ولا خارجي، وبالجملة، هو ما لا سبيل لأي نوع من التركيب إليه، لا تركيب علمي، ولا وصفي، ولا خارجي، ولا ذهني، ولا عيني خارجي، ولا مقداري. ويثبت تطابق العوالم بالاستعانة ببساطة الوجود من خلال مقدمات عدة: أولاً، الوجود حقيقة بسيطة، لأنه لا يوجد وراءه شيء ليتركب معه. وفي الحقيقة، الوجود مساوق للبساطة، لأن الوجود هو عين الواقع والخارج، وبالتالي فإن تصوره في الذهن محال ويؤدي إلى الانقلاب. ثانياً، واجب الوجود بسيط الحقيقة، لأن عدم البساطة يعني التركيب، والمركب مفتقر إلى أجزائه، والفقر لازم للإمكان. ثالثاً، الوجود البسيط جامع لكمالات جميع الموجودات لا لنقائصها. «بسيط الحقيقة كل الأشياء وليس بشيء منها». ونتيجة لذلك، فإن واجب الوجود، الذي هو حقيقة بسيطة، يحوي في ذاته جميع المراتب والكمالات الوجودية. وبهذا، تقوم نوع من العينية في عين الغيرية بين واجب الوجود وسائر المراتب الوجودية، وهو تعبير آخر عن تطابق العوالم. من جهة أخرى، يرى الملا صدرا أن البساطة مساوقة للوجود، وكما أن الوجود مقول بالتشكيك، فإن البساطة في مراتب الوجود تشكيكية أيضاً. وبالتالي، فإن كل مرتبة، بحسب درجة بساطتها، حاوية وشاملة لكمالات الموجودات الأدنى منها. ويطلق الملا صدرا على الموجودات العالية، من حيث إنها جامعة للمراتب الأدنى منها، اسم الوجود الجمعي. وعلى هذا الأساس، فإن للعقل والنفس وجوداً جمعياً.
٣. التشكيك في الوجود
التشكيك في الفلسفة يعني أن يكون ما به الاشتراك وما به الامتياز في الأمور المتكثرة حقيقة واحدة. وقد طرح صدر المتألهين التشكيك في الوجود بناءً على أصالة الوجود واعتبارية الماهية. وينتج التشكيك في الوجود عن هذه المقدمات: أولاً، توجد موجودات تفاوتها بالشدة والضعف والكمال والنقص، وبكلمة واحدة، بالتفاضل. ثانياً، إن ما به الاشتراك وما به التفاوت في الأمور المتفاضلة هو بالضرورة حقيقة واحدة. ثالثاً، إن ما به الامتياز هذا هو نفس الواقعية الخارجية للفرد. النتيجة هي أنه بما أن ما به التفاوت وما به الاشتراك في الواقعيات المتفاضلة، بحكم التفاضل والتشكيك، هو أمر واحد، ومن جهة أخرى، ما به الامتياز هو وجود الأشياء، إذن ما به الاشتراك هو الوجود نفسه. وبالتالي، فإن التشكيك في الوجود. إن دعوى التشكيك تفيد نوعاً من العينية في الكثرات، بمعنى أن الأمور المتكثرة تشترك وتتعين في أمر هو نفسه سبب اختلافها أيضاً. وفي التشكيك في الوجود، للوجود مراتب متكثرة، ما به الامتياز وما به الاشتراك فيها هو حقيقة الوجود نفسها. ووفقاً لهذا التعريف، تُفرض للوجود مراتب طولية، تكون مراتبها العالية أشد من مراتبها السافلة. وعلاوة على ذلك، بما أن ما به الاشتراك هو الوجود نفسه، يمكن استنتاج أن الوجود السافل حاضر في الوجود العالي، والوجود العالي هو الصورة المشتدة للوجود السافل. وإذا عبرنا عن كل مرتبة وجودية بعالم، فإن التشكيك في الوجود يعني حضور كل عالم في العوالم الأعلى بنحو أعلى وأشرف. ولازم هذا الأمر هو تطابق العوالم نفسه، لأن التطابق ليس سوى نوع من العينية في عين الغيرية. وبهذا، يثبت تطابق عوالم الوجود وفقاً لأصل التشكيك.
٤. الوجود الرابطي للمعلول
من أصول الحكمة المتعالية الأخرى التي تُعد من مباني تطابق العوالم، تبيين كيفية العلاقة بين العلة والمعلول، المعروف بالوجود الرابطي للمعلول. وهذه النظرية، التي تعبر عن نوع من الاتحاد والعينية بين العلة والمعلول، تثبت تطابق العوالم. العلة في الفلسفة تعني الذات التي يفتقر إليها وجود المعلول ويتوقف عليها. وهذا الافتقار والتبعية كامن في ذات المعلول ولا ينفك عنه. ونتيجة لذلك، فإن المعلول وجودٌ “للعلة” أو “لغيره”. ويقر صدر المتألهين أحياناً بوجود “في نفسه” للمعلول، ولكنه يرى هذا الوجود “في نفسه” عين الربط والتعلق بالعلة، وهو نفسه إيجاد العلة وفعلها، والذي هو بحسب الخارج “ذاته هو الربط”، وتُنتزع منه الماهية في التحليل الذهني. ولكنه ينفي أحياناً أي وجود “في نفسه” عن المعلول، ويعتبره مجرد ربط ونسبة إلى العلة. وهو يفخر بأنه توصل إلى مسألة وبرهن عليها لم يصل إليها حكماء سلفه، ونتيجة لذلك حُرموا من لوازمها في بحث التوحيد. ففي نظره، لا يمكن تحليل وجود الممكن إلى “وجود” بالإضافة إلى “نسبة” إلى الباري، بل الممكن هو عين النسبة والارتباط. يُظهر البحث أن القول الأول لصدر المتألهين هو رأيه الابتدائي الذي انتهى إلى رأيه النهائي. وفي النهاية، المعلول هو نفس إيجاد العلة وعملها ونشاطها، لا واقعية توجد بفعل عمل العلة وإيجادها ونشاطها؛ هو ربط بالعلة لا مرتبط بها، وإيجاد العلة لا موجود بإيجادها. وعلى حد تعبيره، فإن استحالة أن يكون للمعلول وجود منفصل عن العلة، تنتهي في آخر الأمر إلى نتيجة مفادها أن ما نسميه «علة» هو الأصل، و«المعلول» شأن من شؤونها، و«العلّية» تعود إلى تطوّر العلة وتفنّنها.
هـ) إثبات تطابق العوالم بناءً على إرجاع العلية إلى التّشأن
إن تعريف المعلول بأنه وجود رابط، أو بعبارة أدق، “ربط وجودي”، يشير إلى نوع من الوحدة والعينية في العلة والمعلول. ومع التدقيق في حقيقة العلية وإرجاعها إلى التشأن والظهور، تصبح هذه الوحدة أقوى وأبرز، بحيث يكون المقصود بالواجب والممكنات وجوداً واحداً وتطوراته وتجلياته. وبناءً على ذلك، فإن الممكنات موجودة بعين وجود العلة، وفي الوقت نفسه هي غيره، لأنها حيثيات أطواره وشؤونه. وحاصل هذه العينية والغيرية هو الأصل نفسه المقصود في بحث التطابق. وبهذا، يثبت بواسطة أصل الوجود الرابط للمعلول في الحكمة المتعالية، تطابق عالم الإله مع سائر العوالم الخلقية. بناءً على ذلك، يثبت في الحكمة المتعالية، بالاستعانة بأصول صرافة الوجود وبساطته وتشكيكه، والوجود الرابطي للمعلول، وإرجاع العلية إلى التشأن، أن العوالم الأدنى هي رقيقة ومتنزلة ورشحة من العوالم العليا، وهي في أصل الوجود عين بعضها، ولا تختلف إلا في شدة الوجود وقوته أو ظهوره، وهذه العينية في عين الغيرية هي «تطابق العوالم».
٥. تبيين تجسّم الأعمال وفقاً لأصل تطابق العوالم والرد على الإشكالات
يبيّن الملا صدرا تجسّد الأعمال في العوالم الأخرى وفقاً لأصل تطابق العوالم، ويجيب على الإشكالات المتعلقة بتجسّم الأعمال مستعيناً بأصول الحكمة المتعالية.
(أ) تبيين تجسّم الأعمال وفقاً لأصل تطابق العوالم
إن التبيين الذي يقدمه الملا صدرا حول تجسّم الأعمال يرتكز على الظهور المختلف والآثار الخاصة للشيء الواحد في المواطن المتعددة، ويتم من خلال المقدمات التالية: ١. وفقاً لأصل تطابق العوالم، كل ما يوجد في هذا العالم موجود في العوالم العليا بنحوٍ أعلى وأشرف. ٢. الصفات الراسخة في النفس والملكات الحاصلة من تكرار الأعمال موجودة في هذا العالم، إذن هي موجودة في العوالم الأخرى بنحوٍ أعلى وأشرف. ٣. إن وجود كل شيء في كل عالم، وفقاً لخصائص كل نشأة، له آثار وخصائص خاصة به. بناءً عليه، من الطبيعي تماماً أن تظهر الصفات والملكات النفسانية في العوالم الأخرى، بتناسب مع خصائص تلك العوالم، على أنحاء مختلفة عن وجودها الدنيوي، وهذا هو تجسّم الأعمال. ويضرب الملا صدرا، في توضيحه للتأثيرات المختلفة للشيء الواحد في المواطن المختلفة، مثالاً بالجسم الرطب كالماء؛ فعندما يصطدم الماء بجسم قابل للرطوبة، يجعله رطباً، ولكن عندما يصطدم بالقوة الحسية أو الخيالية، لا يكون له ذلك التأثير؛ وبعبارة أخرى، لا يسبب ترطيبها، بل يكون تأثيره على نحو ظهور مثال من صورة الماء فيها. وكذلك عند اصطدامه بالقوة العاقلة، يظهر ظهور آخر للرطوبة، وهو الصورة الكلية العقلية للرطوبة. إذن، يمكن لصورة واحدة أن يكون لها ظهورات وتأثيرات متعددة في مواطن متعددة.
(ب) حل مشكلة عدم بقاء العَرَض في منظومة الحكمة المتعالية
يعتقد الملا صدرا أنه على الرغم من أن القول والفعل لا دوام لهما ولا ثبات ما داما في عالم الحركات، إلا أن كل قول وفعل يترك أثراً في النفس، وبتكراره تحصل حالة ملكة في النفس، وهذه الملكة ثابتة وباقية، وما يظهر في العالم الآخر هو هذه الملكة الحاصلة في النفس، وهي أمر ثابت. بناءً عليه، في هذه الأنطولوجيا التي يحكمها أصل تطابق العوالم، تُحلّ مشكلة عدم بقاء العَرَض في الحياة بعد الموت، لأن الأثر الذي تتركه الأعراض على النفس، وفقاً لأصل تطابق العوالم، له صورة ومطابق في العالم الأعلى، وهو منشأ الثواب والعقاب. إضافة إلى ذلك، يبدو أن هذا الجواب قُدّم مع فرض كون القول والفعل عَرَضاً، أي أن العمل وإن كان عَرَضاً، إلا أن تكراره يسبب تكون جوهر الملكة، وهو باقٍ وثابت، وهو محور تجسّم الأعمال في النشأة الأخرى. ولكن أتباع الملا صدرا أجابوا على إشكال عدم بقاء العَرَض بنفي دعوى عرضية العمل، وهو في الحقيقة شرح لكلام الملا صدرا وفقاً لأصول الحكمة المتعالية. فمن المسلم به أن المقصود بالعمل ليس حركات وسكنات جسم الإنسان، لأنها مجرد حركات محضة، بل أساس العمل هو النية والقصد الذي يدفع البدن إلى الحركات. والقصد والنية ينبعان من شاكلة النفس الإنسانية. وبناءً على ذلك، فإن العمل هو تجلٍّ لشاكلة النفس الإنسانية، وليس عَرَضاً صرفاً. كما يؤكد المرحوم السبزواري أن العلم والعمل جوهران لا عَرَضان.
(ج) حل مشكلة انقلاب العَرَض إلى جوهر في منظومة الحكمة المتعالية
إن التدقيق في أصول الحكمة المتعالية يفضي إلى نتيجة مفادها أن اعتبار العمل عَرَضاً والجسم جوهراً، واعتبار تحول العَرَض إلى جوهر مستلزماً لانقلاب الذات وبالتالي أمراً محالاً، ينسجم مع أصالة الماهية، أما وفقاً لأصالة الوجود، فالبحث يختلف كلياً، وذلك لأن: ١. الجوهر والعَرَض كلاهما في الأصل وجود، وقد اندرج تحت عنواني الجوهر والعَرَض باعتبار القوة والضعف والحد الوجودي. فالجوهر وجود أقوى والعَرَض وجود أضعف. ٢. الوجود أمر قابل للاشتداد. ويمكن للوجود الضعيف أن يتحول بالحركة الاشتدادية إلى وجود شديد. ٣. ونتيجة لذلك، يمكن للوجود العَرَضي أن يتحول إلى وجود جوهري دون أن تنشأ مشكلة انقلاب الذات، لأنه بالنظر إلى أصالة الوجود وتشكيكه والحركة الجوهرية الاشتدادية، فإن الأمر في حقيقته تكامل لحقيقة واحدة، لا تبدل حقيقة إلى حقيقة أخرى. ويؤكد الملا صدرا أن الحالة النفسانية تتحول، بفعل الاشتداد الوجودي، إلى جوهر ثابت له آثار مختلفة. وبناءً عليه، يمكن للعَرَض أن يتحول إلى جوهر ذي آثار مختلفة.
٦. تبيين تجسّم الأعمال في ضوء اتحاد العاقل والمعقول وإرجاعه إلى تطابق العوالم
يُلاحظ في كتابات الملا صدرا تبيين آخر في باب تجسّم الأعمال، يبتني على علم النفس الفلسفي للحكمة المتعالية. فتجرّد النفس، ووحدة النفس وقواها، واتحاد النفس بمدركاتها، هي أصول يستخدمها في تبيين تجسّم الأعمال. ويُظهر البحث أن الاستدلال الذي يقيمه الملا صدرا على تجسّم الأعمال بناءً على اتحاد العاقل والمعقول، قابل للإرجاع أيضاً إلى أصل تطابق العوالم. ويستند هذا البيان إلى عدة أصول: ١. النفس الإنسانية مجردة. ٢. ليس لقوى النفس حقيقة منفصلة عن النفس، بل هي مراتب وجود النفس ومتحدة بها. ٣. إذن، النفس عين القوى العاملة والعالمة. ٤. تنزل النفس في جميع الأعمال والتحريكات البدنية الحيوانية والطبيعية، حتى في الجذب والدفع، وكذلك في جميع الإدراكات الحسية والخيالية والعقلية، إلى مرتبة القوة المذكورة وتتحد بها. فعند الإبصار تصبح باصرة، وعند السماع سامعة، وعند التحريك محركة، وعند الشهوة بهيمة، وفي وقت الغضب سبع، وعند إدراك المعقولات مَلَكاً عقلياً، وحين تحرك القوة العملية في الخيرات والمصالح، تصبح مَلَكاً عملياً. بناءً على ذلك، فإن أعمال الإنسان متحدة بنفسه، ومع حشر النفوس في النشأة الأخرى، تُحشر أعمالها أيضاً داخل صقع النفس وتتجسّم. ويضيف الملا صدرا أنه عندما تتمرن النفس على عمل ما، بحيث تغلب عليها خاصية ذلك العمل ويصدر منها بعد ذلك دون تكلّف ومشقة، فإن عاقبتها الأخروية تتشكل على صورة ذلك العمل.
خلاصة التبيينين للملا صدرا في باب تجسّم الأعمال
على الرغم من أن التبيينين المذكورين وردا في كلمات الملا صدرا بشكل منفصل، إلا أنهما في الحقيقة يندرجان ضمن رؤية كونية واحدة، وهي رؤية يظللها أصل تطابق العوالم. ومقدمات هذا التبيين هي كالتالي: ١. تقع العوالم في قوسين: قوس النزول وقوس الصعود. ٢. يبدأ قوس النزول من الصقع الربوبي ويستمر حتى عالم المادة، أما مسار قوس الصعود فيقع في باطن النفس الإنسانية، وبما أن القوسين متناظران، ففي مقابل البرزخ النزولي يوجد برزخ صعودي. ٣. محل تجسّم الأعمال هو البرزخ الصعودي أو ملكوت نفس الإنسان. ٤. أعمال الإنسان متحدة بنفس الإنسان. ٥. وفقاً لتطابق العوالم، كل وجود أدنى، بما في ذلك نفس الإنسان، له حضور في العوالم الأعلى، وبعبارة أخرى، يُعتبر وجوده الأعلى باطنه وأصله وحقيقته. بناءً على ذلك، فإن أعمال الإنسان، المتحدة بنفسه، تظهر وتتجسّم في قوس الصعود في البرزخ الصعودي، الذي هو مرتبة من مراتب النفس الإنسانية، لأن البرزخ الصعودي هو باطن النفس الإنسانية، حيث يظهر فيه كل ما في النفس. وبهذا يمكن، من خلال دمج تبييني تجسّم الأعمال على أساس تطابق العوالم واتحاد العاقل والمعقول، تقديم تبيين جامع لهذه المسألة في الحكمة المتعالية.
٧. ارتباط بحث تجسّم الأعمال بالمعاد الجسماني
يُعدّ المعاد الجسماني من التعاليم القرآنية التي أوقعت الحكماء والفلاسفة المسلمين في صعوبة في تبيينه عقلياً، حتى إن ابن سينا اعتبره خارجاً عن نطاق قدرة العقل الاستدلالي وقبله بالأدلة الشرعية. وكان الملا صدرا أول من استطاع، بالأصول الجديدة التي أسس عليها حكمته المتعالية، أن يقدم تقريراً استدلالياً غير مسبوق لمسألة المعاد الجسماني. وقد صيغ تقرير الملا صدرا للمعاد الجسماني في آثاره المختلفة ضمن مقدمات متعددة. فمثلاً، في “مفاتيح الغيب” بيّنه بستة أصول، وفي “الرسالة العرشية” و”شواهد الربوبية” و”المبدأ والمعاد” ضمن سبعة أصول، وفي “الأسفار” قدم أكمل تقرير له ضمن أحد عشر أصلاً. وهو يثبت ضمن هذه الأصول أن البدن الإنساني يبقى مع النفس في جميع النشآت الوجودية، ولا تبقى النفس في أي من النشآت بعد الموت، أو بعبارة أخرى في قوس الصعود، بدون بدن. ولكن ما يكتسي أهمية في هذه النظرية هو تبيين ماهية البدن في النشآت بعد الموت، أي نشأة البرزخ والآخرة. ويبين الملا صدرا خصائص البدن المادي والمثالي والأخروي وكيفية نشوئها. وتكمن السمة الهامة لتبيين الملا صدرا في تبيينه للبدن المثالي، الذي عجز فلاسفة المشاء عن إثباته لعدم اعتقادهم بتجرد الخيال. ويبين الملا صدرا، بإثباته لجميع مراتب العلم، الحسية والخيالية والعقلية، أن النفس بعد مفارقتها للبدن وصعودها إلى عالم البرزخ، تنشئ بمعونة قوتها المتخيلة المناسبة لعالم المثال، صوراً يتحقق بها ثواب النفس وعقابها، لأن تلك الصور مستقاة من الملكات والحالات الراسخة في النفس، والتي تصبح النفس بعد الموت قادرة على إيجادها بسبب تحررها من العوائق المادية وبالتالي اشتداد قوتها. ويعود هذا الأمر إلى قدرة النفس على الخلق التي أودعها الله تعالى فيها، والتي بفضلها تقدر النفس على خلق صور دون مشاركة المادة. فكل البشر في هذه النشأة قادرون بقوتهم الواهمة على إيجاد صور غير موجودة في صفحة ذهنهم، أما العرفاء فهم قادرون بهمتهم على خلق صور واقعية وموجودة. وهذه القدرة التي للعارف في الدنيا تثبت لجميع البشر بعد الموت، مع فارق أن الصالحين، لصفاء طينتهم وحسن أخلاقهم، يكون قرينهم في الآخرة الحور والقصور والشراب الطهور، والأشقياء، لخبث عقائدهم وأخلاقهم، يكون همنشينهم الجحيم والحيات والعقارب. وبهذا، يثبت الملا صدرا المعاد الجسماني بالتمسك بالقدرة الإنشائية للنفس.
(أ) إثبات المعاد الجسماني بناءً على تطابق العوالم
الطريق الآخر لإثبات المعاد الجسماني في آثار الملا صدرا هو الأدلة المذكورة في باب تجسّم الأعمال. وبعبارة أخرى، كل دليل يثبت تجسّم الأعمال، يستتبع إثبات المعاد الجسماني أيضاً. فكما لوحظ، إن البدن الذي تُحشر به نفس الإنسان في البرزخ هو باطن أو نتيجة وأثر الملكات الحاصلة في النفس. وبناءً على ذلك، فإن إثبات تجسّم الأعمال هو نفسه إثبات المعاد الجسماني. وبما أن تجسّم الأعمال يبتني على أصل تطابق العوالم، فيمكن القول على الأقل إن أحد طرق إثبات المعاد الجسماني هو تطابق العوالم، وذلك بأن الملكات النفسانية التي تكونت في هذا العالم في صقع النفس، لها في العوالم العليا باطن وحقيقة، فلها مثلاً في عالم الصور المقدارية غير المادية (المثال) صورة جسمانية، والسفر إلى العالم الآخر يسبب مشاهدة تلك الصور الجسمانية. وتلك الصور الجسمانية المثالية، التي هي باطن وحقيقة الأعمال والملكات الإنسانية، تكون صوراً جنتية أو جحيمية بحسب الملكات المذكورة، وتسبب اللذة أو الألم. وبناءً على ذلك، تُحشر النفس مع أجسام هي نفسها باطن أعمالها ومطابقة لملكاتها، وبها تُعذّب أو تتلذذ، وهذا هو المعاد الجسماني. ويبدو أنه يمكن إدراج جميع هذه التقريرات على نحو ما في تقرير واحد. وبعبارة أخرى، لا ينافي إنشاء الصور في البرزخ كون الصور المتجسدة في الحقيقة باطن وملكوت الآثار الراسخة في النفس. ومفتاح هذا الأمر يكمن في التحقيق في مسألة الإنشاء. فإذا اعتبرنا الإنشاء علماً فعلياً، بحيث يكون علم النفس بالصور سبباً لإيجاد الصور، فإن تقرير هذا التبيين يكون على النحو التالي: ١. تترك الأعمال، بفعل التكرار، آثاراً في النفس. ٢. بحكم اتحاد العاقل والمعقول، وبحكم وحدة النفس وقواها، تصبح الملكات الناشئة عن الأعمال جزءاً من ذات النفس. ٣. بعد الموت ودخول النفس إلى عالم أسمى، تشتد النفس وجودياً وتقوى تأثيراتها. ٤. النفس، كسائر المجردات، علمها من سنخ الإيجاد، ونتيجة لذلك، فإن علمها بذاتها يسبب إيجاد صور واقعية. وكانت هذه الصور موجودة في النفس بشكل خفي قبل الموت، وبعد اشتداد وجود النفس إثر مفارقتها لعالم المادة، يتزامن علم النفس بنفسها مع حضور الصور. ونتيجة لذلك، فإن إثبات المعاد الجسماني عن طريق إنشاء الصور بواسطة القوة الخيالية لا ينافي التقريرات الأخرى المبتنية على تطابق العوالم واتحاد العاقل والمعقول، لأن الصور الإنشائية للنفس هي في الواقع باطن وحقيقة الملكات النفسانية ونحو آخر من وجودها، وفي الحقيقة مطابقة لها. وبهذا، مع إثبات تجسّم الأعمال بناءً على أصل تطابق العوالم، يثبت المعاد الجسماني أيضاً بناءً على تطابق العوالم.
النتيجة
١. تجسّم الأعمال يعني أن أعمال الإنسان ونياته وأفكاره، وبتعبير آخر، أعماله الجوارحية والجوانحية، تظهر في النشأة بعد الموت على هيئة أجسام برزخية.
٢. يثبت تطابق العوالم، بمعنى أن كل ما يوجد في هذا العالم موجود في العوالم العليا بنحوٍ أعلى وأشرف، بالأصول البارزة للحكمة المتعالية: صرافة الوجود، وبساطته، وتشكيكه، والوجود الرابطي للمعلول، وإرجاع العلية إلى التشأن.
٣. يثبت الملا صدرا، بالاستعانة بأصل تطابق العوالم وحضور النشأة الأدنى في النشآت العليا، العقيدة الإيمانية بتجسّم الأعمال.
٤. بالنظر إلى الارتباط المباشر بين تجسّم الأعمال والمعاد الجسماني، يُستخدم أصل تطابق العوالم أيضاً في إثبات المعاد الجسماني.
المصادر والمراجع
- الآشتياني، جلال الدين (١٣٨١ هـ.ش)، شرح بر زاد المسافر، دفتر تبليغات إسلامي، قم.
- الأردكاني، أحمد بن محمد الحسيني (١٣٧٥ هـ.ش)، مرآة الأكوان (تحرير) شرح هداية ملا صدرا الشيرازي، تحقيق وتقديم وتعليق: عبد الله نوراني، ج ١، ميراث مكتوب، طهران.
- الجامي، عبد الرحمن (١٣٧٠ هـ.ش)، نقد النصوص في شرح نقش الفصوص، ج ٢، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، طهران.
- جوادي آملي، عبد الله (١٣٨٨ و ١٣٨٩ هـ.ش)، تفسير تسنيم، تحقيق: علي إسلامي، ج ٨، إسراء، قم.
- حسن زاده آملي، حسن (بلا تا)، اتحاد عاقل به معقول، قيام، قم.
- حسن زاده آملي، حسن (١٣٧٨ هـ.ش)، ممد الهمم در شرح فصوص الحكم، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، طهران.
- حسن زاده آملي، حسن (١٣٨٥ هـ.ش)، عيون مسائل النفس (شرح العيون في شرح العيون)، ج ٢، أمير كبير، طهران.
- بارسا، خواجه محمد (١٣٦٦ هـ.ش)، شرح فصوص الحكم، تصحيح: جليل مسكر نجاد، ج ١، مركز نشر دانشكاهي، طهران.
- الخميني، روح الله (١٣٧٦ هـ.ش)، مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية، ج ٣، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، طهران.
- السبزواري، هادي (١٣٦٩ – ١٣٧٩ هـ.ش)، شرح المنظومة، تصحيح وتعليق: آية الله حسن زاده آملي، ج ١، نشر ناب، طهران.
- السجادي، سيد جعفر (١٣٧٩ هـ.ش)، فرهنگ اصطلاحات فلسفي ملاصدرا، ج ١، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، طهران.
- السهروردي، شهاب الدين (١٣٧٥ هـ.ش)، مجموعة مصنفات شيخ الإشراق، تصحيح وتقديم: هنري كربن وآخرون، ج ٢، مؤسسة مطالعات وتحقيقات فرهنكي، طهران.
- شُبَّر، السيد عبد الله (١٤٢٤ هـ.ق)، حق اليقين في معرفة أصول الدين، أنوار الهدى، قم.
- صدر المتألهين الشيرازي (١٤٢٢ هـ.ق)، شرح الهداية الأثيرية، تحقيق: محمد مصطفى فولادكار، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت.
- صدر المتألهين الشيرازي (١٣٥٤ هـ.ش)، المبدأ والمعاد، تصحيح: سيد جلال الدين آشتياني، انجمن حكمت وفلسفه إيران، طهران.
- صدر المتألهين الشيرازي (١٣٦٠ هـ.ش)، أسرار الآيات، مقدمة وتصحيح: محمد خواجوي، انجمن حكمت وفلسفه، طهران.
- صدر المتألهين الشيرازي (١٣٦٠ هـ.ش)، الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية، تصحيح وتعليق: سيد جلال الدين آشتياني، المركز الجامعي للنشر، مشهد.
- صدر المتألهين الشيرازي (١٣٦١ هـ.ش)، العرشية، تصحيح: غلام حسين آهني، انتشارات مولى، طهران.
- صدر المتألهين الشيرازي (١٣٦٣ هـ.ش)، مفاتيح الغيب، مقدمة وتصحيح: محمد خواجوي، ج ١، مؤسسه تحقيقات فرهنكي، طهران.
- صدر المتألهين الشيرازي (١٣٧٥ هـ.ش)، مجموعة رسائل فلسفي صدر المتالهين، تحقيق وتصحيح: حامد ناجي اصفهاني، طهران.
- صدر المتألهين الشيرازي (١٩٨١ م)، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، ج ٣، دار إحياء التراث، بيروت.
- الطالقاني، نظر علي (١٣٧٣ هـ.ش)، كاشف الأسرار، تحقيق: مهدي طيب، ج ١، مؤسسة خدمات فرهنكي رسا، طهران.
- الطوسي، نصير الدين (١٣٧٥ هـ.ش)، شرح الإشارات والتنبيهات مع المحاكمات، ج ١، نشر البلاغة، قم.
- عبوديت، عبد الرسول (١٣٨٨ هـ.ش)، درآمدي بر نظام حكمت صدرايي، مؤسسه آموزشي پژوهشي إمام خميني، قم.
- القيصري، داوود (١٣٧٥ هـ.ش)، شرح فصوص الحكم، تحقيق: الأستاذ سيد جلال الدين آشتياني، انتشارات علمي وفرهنكي، طهران.
- كرجيان، محمد مهدي ونرجس رودكر، “سه اقليم بدن: بررسي تطبيقي معاد جسماني از ديدگاه ملاصدرا ومدرس زنوزي”، مجله علمي پژوهشي قبسات، العدد ٥٨.
- المجلسي، محمد باقر (١٤٠٣ هـ.ق)، بحار الأنوار، ج ٢، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
- مطهري، مرتضى (١٣٧٤ هـ.ش)، مجموعة آثار، انتشارات صدرا، قم.