الملخص: تُعدّ كيفية المعرفة في أصول الدين من المباحث المهمة في حقل المعرفة الدينية. أصل المسألة هو: أي نوع من المعرفة لازم في الأصول والعقائد الدينية؟ هل المعرفة اليقينية لازمة، أم تكفي المعرفة الظنية؟ وقد طُرحت في هذا الباب آراء متنوعة وأقوال مختلفة، بل ومتناقضة. في هذا المقال، وبعد عرض الآراء ومناقشتها، تم بحث مقتضى أصول العقائد ومحتوى الأدلة في هذا الباب، وقد توصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أنه في المرحلة الأولى، يلزم اليقين المنطقي بأصول العقائد، وإذا لم يكن هذا النوع من المعرفة ممكنًا لشخص ما، فالاعتقاد الجازم ضروري، وإذا لم يكن هذا النوع من المعرفة ميسورًا أيضًا، فالاعتقاد على ما في الواقع ضروري.
مقدمة
جاء في تعريف “أصول الدين” أنها أمور يجب فيها الاعتقاد الباطني والتدين الظاهري وجوبًا نفسيًا ومطلوبية ذاتية. وقد ذُكرت عدة استعمالات لمصطلح “أصول الدين”، منها إطلاقه على علم الكلام. يكتب المرحوم الفاضل المقداد في توضيح هذه التسمية:
يُسمى علم الكلام علم أصول الدين؛ لأن العلوم الدينية الأخرى كالفقه والحديث والتفسير كلها متوقفة على صدق النبي، وهذا الأمر يُبيَّن في علم الكلام؛ فعلم الكلام هو أصل لتلك العلوم.
الاستعمال الثاني لأصول الدين يعود إلى تقسيم الدين إلى قسمين: اعتقادي وعملي. فوفقًا لهذا التقسيم، يُقسَّم كل دين، ومنه الإسلام، إلى قسمين: ١. قسم عقائدي ونظري يمثل أساس الدين وبنيانه. ٢. تعاليم وأحكام عملية مترتبة على العقائد النظرية للدين. ووفقًا لهذا التقسيم، يُطلق مصطلح أصول الدين على القسم الأول، أي القسم العقائدي والنظري.
ومن الضروري التنبيه على نقطتين هنا: الأولى، أن الأصول الاعتقادية في الإسلام كثيرة، ولكن أهمها وأعظمها عند الإمامية خمسة أصول تُسمى “أصول الدين”، وهي: التوحيد، والعدل، والنبوة، والإمامة، والمعاد. ولكن البعض أدرج العدل ضمن التوحيد، والإمامة ضمن النبوة. والشهيد المطهري من الذين لا يعتبرون جميع الأصول الخمسة المذكورة من أصول الدين، بل يعدّ الإمامة والعدل من أصول المذهب الشيعي، ويقول:
كان العدل والإمامة معًا علامة التشيع، ولهذا قيل: إن أصول دين الإسلام اثنان، وأصول مذهب الشيعة ثلاثة أشياء، بالإضافة إلى أصل العدل وأصل الإمامة.
النقطة الثانية هي أن بحثنا في هذا المقال يدور حول المعرفة اللازمة بأصول الدين من وجهة نظر المذهب الإمامي.
١. طرح المسألة
في باب كيفية المعرفة بأصول الدين والعقائد، يمكن طرح أسئلة متنوعة؛ نشير هنا إلى بعضها:
١. هل يلزم في باب أصول الدين اليقين المنطقي، أم يكفي مطلق الاعتقاد الجازم، أم لا ضرورة لأي منهما، بل يكفي مطلق الظن أو الظن الاطمئناني؟ ٢. ما هو مقتضى نفس أصول العقائد في هذا الخصوص؟ هل تقتضي هذه الأصول كسب اليقين؟ أم تعتبر الظن والاطمئنان كافيين أيضًا؟ ٣. ما هو مقتضى الأدلة العقلية والنقلية في هذا الباب؟ هل تدل الأدلة المذكورة على مطلوبية المعرفة ذاتيًا في أصول العقائد وتوجب كسب المعرفة اليقينية، أم أنها لا تعتبر المعرفة في هذا الباب مطلوبة ذاتيًا ويكفي مطلق الظن أو الظن الاطمئناني؟ ٤. على فرض أن أصول الدين والعقائد والأدلة في هذا الباب تقتضي تحصيل المعرفة اليقينية المنطقية، فما هي وظيفة الذين لا يقدرون على مثل هذه المعرفة؟
هذه بعض الأسئلة التي يمكن طرحها في هذا الباب. وللوصول إلى جواب مناسب، نستعرض أولًا آراء علماء الإمامية في هذا الشأن ونقوم بنقد ومناقشة أهمها، ثم نبحث مقتضى نفس أصول العقائد ومحتوى الأدلة في هذا الباب.
٢. الآراء
توجد آراء متنوعة جدًا بين علماء الإمامية في هذا الباب. نشير هنا إلى كل منها، ثم نتناول أهمها بالبحث والمناقشة:
١. يرى البعض أن اليقين المنطقي لازم في باب أصول العقائد. ويقولون: “المراد بالمعرفة العلم الخاص، وهو الاعتقاد الجازم المطابق الثابت”.
٢. المشهور بين المتكلمين هو لزوم المعرفة اليقينية في أصول العقائد، ولكنهم لا يبينون خصائص هذه المعرفة. ومن القائلين بهذه النظرية: الشيخ المفيد، والشيخ الطوسي، والمقدس الأردبيلي، والشهيد الثاني، وابن إدريس الحلي، والآخوند الخراساني، والآقا ضياء العراقي، والمرعشي الشوشتري، والعلامة الطباطبائي، والملا صالح المازندراني، وصادق لاريجاني.
٣. يرى البعض كفاية مطلق العلم في أصول العقائد، سواء كان عن طريق الاستدلال أم عن طريق التقليد.
٤. يرى البعض كفاية الظن الاطمئناني في هذا الباب، ويقولون: “مراد الفقهاء من قولهم: إن اليقين لازم في الاعتقادات، هو اليقين العرفي؛ أي الظن الاطمئناني”.
٥. يقول البعض بكفاية الظن الحاصل من الاستدلال في أصول العقائد.
٦. يرى البعض أن مطلق الظن كافٍ في أصول العقائد، سواء حصل هذا الظن عن طريق الاستدلال أو عن طريق التقليد.
٧. يرى فريق كفاية الظن الحاصل من أخبار الآحاد في أصول العقائد.
٨. لا يكتفي فريق بكفاية مطلق الظن في أصول العقائد فحسب، بل يعتبرون المجتهد في أصول الدين مصيبًا أيضًا. وليس مرادهم من “المصيب” المطابقة للواقع، بل مقصودهم أنه بحصول الظن بأصول العقائد قد أُديت الوظيفة، سواء كان هذا الظن مطابقًا للواقع أم مخالفًا له.
خالف الجاحظ… فذهب إلى أن كل مجتهد في الأصول مصيب، سواء أخطأ أو لا، ولم يرد بذلك مطابقة المعتقد للعلم الضروري بفساده، بل نفي الإثم والخروج عن عهدة التكليف.
يمكن إرجاع جميع الآراء المذكورة إلى اتجاهين كليين: ١. كفاية الظن والاطمئنان في أصول العقائد. ٢. اعتبار العلم واليقين وعدم كفاية الظن في هذا الباب. نتناول هنا هذين الاتجاهين بالبحث، ونقيّم أولًا الاتجاه الأول.
كفاية الظن والاطمئنان في أصول العقائد
يرى البعض أنه لا يلزم في أصول العقائد اليقين المنطقي الذي هو اعتقاد جازم مطابق للواقع وثابت، بل يكفي الظن والاطمئنان. وقد استدلوا على ذلك بأدلة عدة:
أ) الدليل الأول
لقد ثبتت خلافة حضرة علي عن طريق الخبر المتواتر، وفي المتواترات لا ينتفي احتمال الخلاف عقلًا. كما أن العلماء متفقون على أن خبر الواحد المقرون بقرائن تفيد العلم معتبر في العقائد، مع أنه يُحتمل فيه الخلاف. قطعًا، في بعض المسائل الاعتقادية، مثل الاعتقاد بأن “حضرة علي خليفة النبي ﷺ” الذي يستند إلى المتواترات، لا يمكن الوصول إلى اليقين بالمعنى الأعم والأخص؛ لأن احتمال الخلاف في المتواترات لا ينتفي عقلًا. وحيث إن العلماء متفقون على أن الخبر المتواتر وخبر الواحد المحفوف بالقرائن المفيدة للعلم معتبران في العقائد، وكلاهما لا يفيد اليقين الذي لا يحتمل الخلاف، إذن مثل هذا اليقين ليس لازمًا في العقائد.
يبدو أن هذا الدليل قابل للتأمل من وجوه عدة؛ فأولًا: الخبر المتواتر سندًا والنص دلالةً يفيد يقينًا مطابقًا للواقع ومحالًا نقيضه؛ لأن معنى التواتر هو استحالة التواطؤ على الكذب. ومن الواضح أن مثل هذا الخبر قد صدر قطعًا عن المعصوم، وبما أن المفروض أن مضمونه أيضًا من النصوص وهو مقطوع ومتيقن، فلا شك أن مثل هذا الخبر يفيد اليقين ويكون خلافه محالًا. ثانيًا: المراد من خبر الواحد المقرون بالقرائن القطعية هو أن الخبر المذكور يفيد اليقين بفضل تلك القرينة، ولو احتُمل فيه الخلاف لكان خلاف الفرض؛ أي أن ما افترضناه مقرونًا بقرائن قطعية لم يكن في الواقع كذلك، وهذا خلف الفرض. ثالثًا: بالنسبة لمن ثبتت لهم خلافة أمير المؤمنين بالطرق المذكورة، لا يوجد احتمال للخلاف، بل تُعدّ خلافة غيره من وجهة نظرهم أمرًا باطلًا قطعًا.
ب) الدليل الثاني
الدليل الآخر على كفاية الظن في أصول العقائد هو أن تحصيل اليقين غير ممكن لجميع الأشخاص؛ وعليه، فإن تحصيل اليقين في العقائد ليس لازمًا، ويكفي الظن والاطمئنان. ويبدو أن هذا الدليل أيضًا قابل للنقاش؛ فأولًا: تحصيل اليقين ممكن للجميع؛ لأن كثيرًا من المسائل الاعتقادية، كوجود الله وصفاته، لا تحتاج إلى برهان معقد، بل إن الالتفات إلى كيفية نشأة كثير من الحوادث ومسار خلقها يورث العلم بوجود إله عالم قادر غني حكيم. ثانيًا: عدم قدرة بعض الأشخاص على تحصيل العلم بأصول العقائد لا يصلح دليلًا على عدم لزوم العلم وكفاية الظن في هذا المورد، تمامًا كما أن عجز بعض الأفراد عن الصيام لا يصلح دليلًا على عدم وجوبه. فالصيام واجب على الجميع، ويسقط الوجوب فقط عمن لا قدرة له، لا عن الجميع. وفي مورد أصول العقائد أيضًا، يلزم تحصيل العلم واليقين على الجميع، ولكن من لا قدرة لهم، يسقط عنهم تحصيل اليقين ويكفي حصول الاطمئنان، أما بالنسبة لباقي الأفراد، فتحصيل اليقين ضروري.
ج) الدليل الثالث
يرى البعض، مثل السيد مصباح اليزدي، لكفاية الظن الاطمئناني في أصول العقائد، أنه على الرغم من أن كثيرًا من الفقهاء والمشهور من العلماء أوجبوا العلم واليقين في أصول العقائد، إلا أن مرادهم من العلم واليقين ليس العلم واليقين المنطقيين، بل مرادهم الظن القوي الذي تسمى أعلى درجاته الاطمئنان؛ وعليه، يكفي الظن الاطمئناني في أصول العقائد. ويبدو أن هذا الدليل أيضًا محل تأمل؛ فأولًا: تفسير اليقين بالظن الاطمئناني خلاف ظاهر كلمة “اليقين”. ثانيًا: يجب أن نرى ما هو مقتضى الأدلة العقلية والنقلية التي تبين قيمة أصول العقائد في هذا الشأن. وسنتناول مقتضى الأدلة في المباحث القادمة.
لزوم العلم واليقين في أصول العقائد
يرى البعض أن اليقين لازم في أصول العقائد وأن الظن لا يكفي. “ولا يكفي النظر المؤدي إلى الظن مع إمكان العلم… ومرجعه إلى اشتراط القطع في أصول الدين وعدم كفاية الظن”.
ولإثبات هذا الاتجاه، استُخدم كل من الدليل العقلي والنقلي، ونبحث هاتين الفئتين من الأدلة هنا.
أ) الدليل العقلي
في فرض إمكان حصول العلم واليقين في باب العقائد، يكون تحصيله ضروريًا من وجهة نظر العقل. ومنشأ هذا الحكم العقلي هو دفع الضرر المحتمل وزوال الخوف الاحتمالي؛ لأن الأدلة الظنية ملازمة لاحتمال الخطأ، واحتمال الخطأ يستلزم احتمال الوقوع في الهلاك والعقاب الدائم. ولا شك أن دفع مثل هذا الاحتمال لازم عقلًا، ويُعد من ضروريات العقل. ومن جهة أخرى، لا يمكن دفع الاحتمال المذكور إلا عن طريق العلم والاعتقاد الجازم المطابق للواقع؛ وعليه، فإن تحصيل العلم في باب العقائد أمر ضروري.
وقد أُشكل على هذا الدليل بأنه يمكن إثبات أصول العقائد عن طريق الظن، ورفع احتمال الضرر والعقاب بواسطة البراءة؛ بمعنى أنه حيث لم يرد بيان من الشارع في هذا المورد، فإن العقل يحكم بقبح أي عقاب.
وقد أُجيب على هذا الإشكال بأن شرط جريان البراءة هو الفحص والعجز عن حصول العلم، في حين أن حصول العلم مفروض في الدليل المذكور، والقدرة على تحصيله مسلّمة؛ إذن، شرط جريان البراءة هنا منتفٍ.
ويبدو أنه لا معنى للبراءة هنا أصلًا؛ لأن مورد البراءة هو حيث ثبت الشرع والشريعة وجُعلت أحكام من قِبل الشارع، ولكن في بعض الموارد يطرأ شك في جعل حكم لزومي، وهنا تجري البراءة؛ أما في أصول العقائد، فبحثنا يدور حول إحرازها وكيفية إثبات أساس الشريعة، وهل تُثبت بواسطة الظن أم أن طريق إثباتها الوحيد هو العلم واليقين؟ ومن الواضح أن البراءة هنا لا معنى لها.
ب) الدليل النقلي
توجد آيات كثيرة تدل على عدم اعتبار الظن في أصول العقائد، وهي الآيات التي تعلن عن منع العمل بالظن وبدون علم، مثل: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: ٣٦)، ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ١٦٩)، ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (النجم: ٢٨)، وأمثالها. ورغم أن هذه الآيات عامة وتشمل الفروع أيضًا، إلا أن الظن في باب الفروع والأحكام قد خُصّص من عموم هذه الآيات بدليل.
وقد وردت إشكالات متعددة على هذا الدليل؛ الإشكال الأول هو أن هذه الآيات عامة، وكما خُصّص الظن في باب الأحكام والفروع من هذه الآيات، فقد خُصّص الظن في باب أصول العقائد أيضًا.
وجواب هذا الإشكال هو: أولًا، أن مورد هذه الآيات هو أصول العقائد، والمورد لا يُخرج من تحت العام أبدًا. ثانيًا، الإخراج والتخصيص يحتاج إلى دليل ومخصص، وهنا لا يوجد مثل هذا الدليل. ثالثًا، لو أُخرجت أصول العقائد من عموم هذه الآيات، لكان صدور هذه الآيات لغوًا وعديم الفائدة؛ لأن الأحكام والفروع قد خُصّصت بدليل، ولو أُخرجت أصول العقائد أيضًا، لما بقي شيء تحت هذه الآيات، وبالتالي يكون صدورها لغوًا.
الإشكال الثاني: إن إثبات عدم اعتبار الظن في أصول العقائد بواسطة الآيات المذكورة يستلزم عدم اعتبار هذه الآيات نفسها؛ لأن هذه الآيات تُعد من العمومات، وبهذه الطريقة تُعلن عدم اعتبار الظن في أصول العقائد، في حين أن العمومات نفسها من مصاديق الظن؛ وعليه، لو كانت هذه الآيات تدل على عدم اعتبار الظن بصورة عامة، لكانت تدل على عدم اعتبار نفسها أيضًا.
وهذا الإشكال أيضًا قابل للنقاش؛ لأنه صحيح أن مفاد هذه الآيات عام، وأن العام يُعد من مصاديق الظن، ولكن كل عام يكون نصًا أو بمنزلة النص بالنسبة إلى مورده، والنص يُعتبر من مصاديق القطع واليقين. ولا شك أن مورد الآيات المذكورة هو أصول العقائد؛ إذن، هذه الآيات تعد من النصوص بالنسبة لأصول العقائد، وتفيد اليقين.
ج) تقييم المسألة
يجب أن نبحث المسألة من جهتين: إحداهما بالنسبة إلى أصول العقائد نفسها، والأخرى من ناحية الأدلة التي تدل على أهمية وقيمة أصول العقائد. أما بالنسبة لأصول العقائد، فتُطرح هذه المسألة: ما هو مقتضى هذه الأصول؟ هل مقتضاها العلم واليقين، أم يكفي الظن والاطمئنان أيضًا؟ ومن جهة الأدلة، تُطرح هذه المسألة أيضًا: ما هو مقتضى الأدلة العقلية والنقلية في هذا الباب؟ هل مقتضاها العلم واليقين أم الظن والاطمئنان؟ ولفهم مقتضى أصول العقائد، يجب أن نعرف ما هو الهدف الأصلي والمطلوب بالذات في هذه الأصول. لا شك أن الهدف الأصلي في المسائل الفرعية والأحكام الفقهية هو العمل، وبما أن العمل غير ممكن بدون علم، فإن اكتساب العلم لازم كمقدمة للوصول إلى العمل، وإذا لم يكن العلم ممكنًا، يكفي الظن المعتبر، وفي حال عدم وجود الظن، يُرجع إلى مقتضى الأصول العملية. أما في أصول الدين، فالعمل ليس مطلوبًا بالذات، بل شيئان آخران هما المطلابان: ١. العلم، أي الاعتقاد الجازم المطابق للواقع. ٢. التدين والإيمان بالمعلوم والمعتقد.
لا شك أن للتدين والإيمان موضوعية، وهما مطلوبان بالذات، ولكن الكلام في أن العلم هل هو كذلك أيضًا، أم أنه مجرد مقدمة للإيمان وليس له مطلوبية أخرى؟ لبحث هذه المسألة، يجب أولًا أن نتناول مسألة ما إذا كان الإيمان والعلم شيئين متغايرين أم أنهما عين بعضهما ويُعدان شيئًا واحدًا. وفي حال التغاير، هل هما متلازمان أم لا تلازم بينهما؟ فإذا كان الإيمان والعلم عين بعضهما أو متلازمين، فسيكون العلم واليقين معتبرين في أصول العقائد، ولن يكفي الظن والاطمئنان. وإذا لم يكن هناك عينية أو تلازم، فيجب أن ننتقل إلى الجهة التالية ونبحث مقتضى الأدلة لنعلم هل تعتبر الأدلة المذكورة العلم مطلوبًا بالذات أم مطلوبًا بالعرض. وعليه، نتناول في هذا القسم ثلاثة مواضيع: وحدة الإيمان والعلم أو تعددهما، تلازم الإيمان والعلم أو عدم تلازمهما، ومقتضى الأدلة.
وحدة الإيمان والعلم أو تعددهما
هناك خلاف في أن حقيقة الإيمان هل هي غير العلم والمعرفة أم عينها، ويوجد على الأقل رأيان:
أ) الرأي الأول
المعروف والمشهور هو أن الإيمان والعلم ليسا عين بعضهما فحسب، بل لا يوجد أي تلازم بينهما أيضًا. والدليل على هذا الادعاء هو وجود أناس كان لديهم علم ويقين بأصول العقائد، ومع ذلك لم يكونوا مؤمنين ومتدينين بها، بل كانوا من جملة الكفار؛ ويُعد إبليس وفرعون مثالًا بارزًا على ذلك.
ويُذكر في الأخبار هذا النوع من الكفر بكفر الجحود، والآية المباركة التالية تحكي عنه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (النمل: ١٤).
ب) الرأي الثاني
وفقًا للرأي الآخر، فإن حقيقة الإيمان، التي هي الاعتقاد والتصديق القلبي، هي عين المعرفة واليقين والعلم التصديقي. يقول المرحوم المحقق الأصفهاني في هذا الخصوص:
“حقيقة الإيمان الذي هو هيئة نورانية يتجوهر بها جوهر النفس هو العلم والمعرفة واليقين”.
توضيح المطلب: أن للمعرفة، وخاصة المعرفة التصديقية، مراتب:
١. العلم التصديقي الذي ينشأ عن طريق التقليد. هذا العلم يكون تارة في الأحكام والفروع، وتارة في العقائد وأصول الدين. بالنسبة للفروع، العلم التقليدي هو علم حقيقي، وتثبت به الأحكام الفعلية الظاهرية للإنسان. أما بالنسبة للأصول، فالعلم التقليدي ليس علمًا في الحقيقة؛ لأن الثبوت التعبدي في مورد المبدأ والمعاد لا معنى له. فالإنسان إما عالم بالثبوت الواقعي لهما أو جاهل، ولا يوجد فرض ثالث. والمقلِّد في أصول العقائد كمريض يثق بطبيب متخصص ويعتقد أن ما وصفه له مفيد لعلاجه، ولكنه لا يملك أي علم بحقيقة المرض. ٢. المعرفة التي تحصل عن طريق البرهان. مثل هذه المعرفة تنوّر القلب، وتجلب السعادة بالأصالة. وهذا النوع من المعرفة دائمًا ثابت وغير قابل للزوال، وهو عين الإيمان والاعتقاد القلبي. ٣. المعرفة التي تنشأ عن طريق الكشف والشهود. هذه المعرفة أعلى مرتبة من المعرفة السابقة، وتُعد عين الإيمان.
بالنظر إلى ما سبق، يبرز هذا السؤال: إذا كان الإيمان عين العلم، فكيف يمكن تبرير كفر الجحود الذي تتحدث عنه الآيات والروايات؟ فالجاحدون كانوا يُعتبرون من الكفار مع أنهم كانوا يتمتعون بالمعرفة، فكيف يمكن القول بأن الإيمان مساوٍ للمعرفة والكفر مساوٍ للجهل؟
أُجيب عن هذا السؤال بطريقتين:
أ) الإيمان مساوٍ للمعرفة واليقين، ولكن أثره قد يبقى تارةً وقد يزول أخرى. توضيح ذلك أنه بعد المعرفة والإيمان، تارةً يكون للعقل سلطنة وغلبة على قوة الواهمة وسائر القوى، وتارةً تتسلط قوة الواهمة على العقل. في الحالة الأولى، يتمتع الإيمان والمعرفة بالآثار المطلوبة، ويستطيع الإنسان بواسطتها أن يرتقي إلى مقام الملائكة المقربين وما هو أعلى منه. وفي الحالة الثانية، تفقد المعرفة والإيمان آثارهما، وتحل محلها الشيطنة، والمغالطة، والكذب، ومحاربة الحق، والهرب منه. والدليل على هذا الادعاء هو وجدان جميع البشر؛ فكل إنسان يجد بوضوح أن آثار الإيمان والمعرفة تزول بغلبة قوة الواهمة على العقل. على سبيل المثال، الشخص الذي يموت أحد أقاربه أو صديقه الحميم بسبب ضعف وعجز، يكون هذا الشخص عالمًا ومؤمنًا بموته، كما أنه مؤمن ومعتقد بأنه لن يعود إلى الحياة مرة أخرى، ويؤمن أيضًا بأنه لو عاد إلى الحياة لما سبب له أي مشكلة؛ لأنه أولًا صديقه ولا يقصد إيذاءه، وثانيًا، على فرض أنه قصد إيذاءه، فإنه لا يملك القدرة على ذلك، وهذا الشخص أقوى منه. ومع ذلك، يخاف هذا الشخص من الميت، وإذا كان وحيدًا، لا ينام بالقرب منه. وسبب هذا الأمر هو أنه بسبب تسلط قوة الواهمة على القوة العاقلة، زالت آثار يقينه وإيمانه وحلت محلها آثار الواهمة. والشخص الذي لديه إيمان ومعرفة بالمبدأ والمعاد هو كذلك أيضًا، ولكن بسبب رسوخ الملكات الدنيئة وحب الرئاسة والمكانة، تتسلط قوة الواهمة على القوة العاقلة، ونتيجة لذلك، تزول آثار ونورانية المعرفة والإيمان، وتحل محلها ظلمة الهرب من الحق ومحاربته والجحود. إذن، يمكن القول إن الشيطان وفرعون وأمثالهما، مع أنهم كانوا يملكون إيمانًا ومعرفة بالمبدأ والمعاد، إلا أن آثار إيمانهم قد زالت وحلت محلها آثار الكفر والجحود؛ لذا، يُعتبرون من الكفار.
ب) البيان الثاني هو أن الجاحدين والمنكرين لديهم علم ومعرفة وإيمان واعتقاد قلبي، ولكن بسبب خبث باطنهم وعداوتهم للحق وحفاظًا على مكانتهم وسلطتهم، ينكرون الحقائق بألسنتهم. وعليه، فإن جحودهم هو جحود لفظي وإنكار لساني، لا قلبي. وهذا الإنكار اللساني للحقائق والعداوة للحق هو ما يجعل الجاحدين يُعتبرون من الكفار.
نقد ومناقشة الرأي الثاني
عند مناقشة هذه النظرية، نشير إلى النقاط التالية:
١. قد يُقال إن هذه النظرية تواجه إشكالًا يبطلها من الأساس. بيان هذا الإشكال في قالب قياس منطقي هو كالتالي: تستلزم النظرية الثانية صدق كلمة “مؤمن” على منكري الحقائق مثل إبليس وفرعون وأمثالهم، في حين أن هذا الاستلزام باطل وغير مقبول؛ إذن، فالملزوم، وهو الرأي المذكور، غير مقبول أيضًا ويُعد أمرًا باطلًا. ودليل الملازمة هو أنه من جهة، ووفقًا لهذا الرأي، الإيمان مساوٍ للعلم، أي أن العلم بأي شيء مساوٍ للإيمان بذلك الشيء. ومن جهة أخرى، كان إبليس وفرعون وأمثالهما عالمين بأصول العقائد، إذن، فقد كانوا مؤمنين بأصول العقائد. وكل من يؤمن بهذه الأصول، يصح إطلاق كلمة “مؤمن” عليه بلا إشكال؛ إذن، لا شك أن كلمة “مؤمن” تنطبق على الشيطان وفرعون وأمثالهما، ويُعتبرون من المؤمنين. وبطلان اللازم واضح؛ لأن منكري الحقائق مثل فرعون هم من المصاديق البارزة للكافر، ومع فرض صدق الكافر عليهم، لا يمكن صدق المؤمن عليهم؛ لأن الإيمان والكفر متقابلان، وتقابلهما من نوع تقابل التضاد أو تقابل العدم والملكة، وفي كلتا الحالتين، لا يمكن أن يكون الشيء الواحد مصداقًا لأمرين متقابلين. إذن، صدق المؤمن على منكري الحقائق أمر باطل، ويستتبع بطلان الرأي المذكور.
الجواب على الإشكال المتقدم
يمكن الإجابة على الإشكال المتقدم ببيانين:
البيان الأول: بطلان اللازم في الدليل المذكور غير مقبول، أي أن صدق المؤمن على منكري الحقائق لا إشكال فيه؛ لأنه يوجد في منكري الحقائق جهتان: ١. العلم والمعرفة بأصول العقائد، وهو مساوٍ للإيمان. ٢. إنكار الحقائق والجحود. فمن الجهة الأولى، هم يملكون الإيمان وهم مصداق للمؤمن، ومن الجهة الثانية، هم من الكفار الجاحدين. واجتماع أمرين متقابلين على شيء واحد من جهتين لا مانع منه، كما أن صدق الأبوة والبنوة، وهما أمران متقابلان، على شخص واحد لا يترتب عليه أي مشكلة. والخلاصة أن صدق المؤمن على منكري الحقائق لا إشكال فيه.
البيان الثاني: الملازمة في الدليل المذكور غير مقبولة؛ لأنه صحيح أن الإيمان مساوٍ للعلم، وصحيح أيضًا أن منكري الحقائق كانوا عالمين بأصول العقائد، وبالتالي كانوا مؤمنين بها، ولكن كلمة “مؤمن” تُطلق عرفًا على من يتمتع، بالإضافة إلى الإيمان والاعتقاد القلبي، بآثار الإيمان، أي التدين وقبول الحقائق. أما من كان إيمانه بلا أثر، فلا يُقال له مؤمن. بتعبير آخر، على الرغم من أنه من الناحية اللغوية، كل من يتمتع بمبدأ الإيمان تُطلق عليه كلمة مؤمن، إلا أنه من الناحية العرفية، تُطلق كلمة “مؤمن” على من تتحقق فيه آثار الإيمان بالإضافة إلى امتلاكه. وعليه، فإن منكري الحقائق، على الرغم من أنهم كانوا يملكون الإيمان، إلا أنهم لم يتمتعوا بآثاره، فلا تُطلق عليهم كلمة “مؤمن”، ويُعتبرون مصداقًا للكافر فقط.
٢. نقطة أخرى هي أنه بناءً على هذه النظرية، يمكن القول بأن الإيمان قابل للانفكاك عن التدين؛ بمعنى أنه من الممكن أن يكون الشخص مؤمنًا ولكنه غير متدين؛ أي من الممكن أن يكون لدى الشخص معرفة واعتقاد قلبي بأصول الدين، ولكنه عمليًا منكر للحقائق الدينية ولا يقبلها، مثل كفار الجحود. وعليه، فإن النسبة بين الإيمان والتدين هي نسبة الأعم والأخص؛ بمعنى أن كل متدين فهو مؤمن أيضًا، ولكن ليس كل من هو مؤمن متدينًا بالضرورة، بل قد يكون متدينًا، مثل المؤمنين المتدينين، وقد لا يكون متدينًا، مثل كفار الجحود.
٣. النقطة التالية هي أن أقوال بعض أصحاب هذا الرأي في هذا الشأن متناقضة؛ حيث إنهم في موضع يصرحون بكل وضوح بعينية الإيمان والعلم ويدافعون عنها بالتفصيل، وفي موضع آخر ينكرون بشدة عينية العلم والإيمان ويعتبرونها أمرًا باطلًا. ففي مباحث الطلب والإرادة، بعد أن قالوا إن التصديق والحكم فعل للنفس، قالوا إن الإيمان وعقد القلب غير العلم واليقين، ولو كان الإيمان مساويًا للعلم واليقين، لوجب علينا الالتزام بإيمان الكفار الذين كانوا على يقين بالتوحيد والنبوة، في حين أن مثل هذا الالتزام غير معقول ولا مبرر؛ لأن الإيمان من أكمل كمالات النفس، والكفار محرومون منه. “… ومنه الاعتقاد، فإن عقد القلب على شيء غير اليقين… وإلا لزم الالتزام بإيمان الكفار الموقنين بالتوحيد والنبوة…”
٤. نقطة أخرى هي أن تساوي الإيمان والعلم ممكن في حال كان الإيمان مجرد اعتقاد قلبي. أما إذا قلنا إن الاعتقاد القلبي وحده ليس إيمانًا، بل إن الإقرار باللسان والعمل بالأعضاء والجوارح جزء من الإيمان أيضًا، فلن يكون لتساوي العلم والإيمان معنى. وقد نُقلت روايات كثيرة عن حقيقة الإيمان عن النبي الأكرم ﷺ وخلفائه، اعتُبر فيها الإقرار باللسان والعمل بالأركان والأعضاء، بالإضافة إلى الاعتقاد القلبي، جزءًا من الإيمان. ففي رواية عن أمير المؤمنين أنه قال: “سألت النبي ﷺ عن الإيمان، فقال: تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان”. وفي رواية أخرى عنه ﷺ أنه قال: “الإيمان قول مقول وعمل معمول وعرفان العقول”. وفي رواية أخرى عنه ﷺ أيضًا: “الإيمان إقرار باللسان ومعرفة بالقلب وعمل بالأركان”.
وفي رواية عن أمير المؤمنين أنه سُئل عن الإيمان فقال: “الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان”. وفي رواية عن الإمام الثامن وردت بهذه الكيفية: “الإيمان عقد بالقلب ولفظ باللسان وعمل بالجوارح، لا يكون الإيمان إلا هكذا”.
وبالنظر إلى الروايات المذكورة، يمكن القول إن الإيمان الذي يترتب عليه سعادة الإنسان الأبدية غير ممكن بدون الإقرار باللسان والعمل الصالح. وعليه، فإن الإقرار باللسان والعمل بالأعضاء والجوارح إما أن يكون جزءًا من هذا الإيمان أو من شروطه. وبالتالي، على فرض أن الاعتقاد القلبي مساوٍ للعلم الحصولي التصديقي، فإن مثل هذا الإيمان لن يكون مساويًا للعلم المذكور؛ لأن الإقرار باللسان والعمل بالأركان جزء من الإيمان المذكور أو شرط له، وفي كلتا الحالتين، فإن عدم وجودهما يكشف عن عدم وجود هذا الإيمان.
٥. النقطة الأخيرة هي أنه على فرض قبول تساوي وعينية الإيمان والعلم، وبصرف النظر عن الإشكالات والأقوال المتناقضة لأصحاب هذا الرأي، يجب القول إن الإيمان الذي عُرّف وفقًا لهذا الرأي ليس مطلوبًا بالذات على الإطلاق؛ لأنه بناءً على النصوص الدينية والعقل الإنساني، الإيمان المطلوب بالذات هو الذي يترتب عليه الكمال الإنساني والسعادة الأبدية، وهو الإيمان الذي يتمتع بالآثار المطلوبة ويصاحبه التدين وقبول الحقائق الدينية. أما الإيمان الذي يصاحبه إنكار الحقائق والكفر والجحود، فليس له أي مطلوبية. وعليه، على فرض أننا نقبل بأن إبليس وفرعون كانا يملكان إيمانًا، فإن مثل هذا الإيمان ليس فقط غير مطلوب بالذات، بل لا يملك أي مطلوبية على الإطلاق.
٦. تلازم الإيمان والعلم أو عدم تلازمهما
في المباحث السابقة، تم بحث عينية وتساوي الإيمان والعلم. الآن، إذا لم يُقبل رأي العينية وكان الإيمان غير العلم، يبرز هذا السؤال: في فرض تغايرهما، هل يوجد تلازم بينهما أم لا؟ لقد أنكر البعض بشدة تلازم الإيمان والعلم واعتبروه باطلًا. ولكن يبدو أنه لا يمكن القول على الإطلاق بوجود تلازم بين العلم والإيمان أو عدم وجوده، بل يجب القول إن للإيمان مراتب. فمرتبته الضعيفة لا تلازم العلم، بل تنشأ أيضًا عن طريق غير العلم، ولكن من الواضح أن مثل هذا الإيمان لا يتمتع بالثبات والدوام، ويتزلزل ويزول بأدنى شبهة وأقل حادثة. أما المرتبة الشديدة والمستحكمة من الإيمان، فهي ملازمة للعلم، وغير ممكنة بدون علم واعتقاد جازم.
ببيان آخر، أساس الإيمان هو المعرفة، والإيمان بدون معرفة لا معنى له. على الرغم من أنه قيل إن مكان الإيمان هو حيث لا يعلم الإنسان، إلا أن هذا القول غير قابل للتبرير؛ لأنه من غير المعقول أن يحصل الإنسان على اعتقاد ويؤمن بأحد الطرفين وهو في حالة شك ولا يعلم. إذن، الإيمان بدون معرفة غير ممكن. الآن، إذا كانت المعرفة ضعيفة وقابلة للزوال، فإن الإيمان سيكون ضعيفًا وزائلًا أيضًا. وإذا كانت المعرفة قوية وغير قابلة للزوال، فإن الإيمان سيكون دائمًا ثابتًا وباقيًا، ولن يزول في أي ظرف. وعليه، إذا كان الإيمان قائمًا على معرفة ظنية أو علم تقليدي قابل للزوال، فإنه سيزول بزوال تلك المعرفة. أما إذا كان الإيمان قائمًا على يقين منطقي ثابت وغير قابل للزوال، فإن مثل هذا الإيمان سيبقى إلى الأبد، ولن يزول في أي ظرف، ولن تؤثر فيه أي حادثة. والخلاصة أن الإيمان القوي والمستحكم الذي يتمتع بالقوة والثبات لا يلازم العلم فحسب، بل يلازم اليقين المنطقي أيضًا. أما الإيمان الضعيف والزائل، فكما أنه يمكن تحققه بدون يقين منطقي، فإنه ممكن أيضًا بدون علم.
أ) مقتضى الأدلة
إذا افترضنا عدم ثبوت عينية الإيمان والعلم وكذلك التلازم بينهما، فيجب أن نلجأ إلى الأدلة التي تدل على أهمية وقيمة أصول العقائد، ويجب بحث مقتضاها. هل المعرفة اليقينية في أصول العقائد مطلوبة بالذات بناءً عليها، أم مطلوبة بالعرض ومقدمة للإيمان؟ في بحث هذه المسألة، نشير أولًا إلى الدليل العقلي في هذا الخصوص، ثم نذكر الدليل النقلي.
١. الدليل العقلي
إن المعرفة اليقينية بأصول العقائد لا تسبب تكامل الإنسان فحسب، بل تُعدّ أعلى كمال إنساني؛ لأن مثل هذه المعرفة تجعل الإنسان يرتقي من مرتبة الحيوانية ليصل إلى المرتبة الملكوتية، مقام الملائكة المقربين وما هو أعلى منه. ولا شك أن تحصيل مثل هذه المعرفة يُعدّ أعلى منفعة وأقوى مصلحة للإنسان، ويحكم العقل بالضرورة بلزوم تحصيلها. “لا شبهة في أن معرفة هذه الأمور والاعتقاد بها من كمالات النفس، وبها يرتقى من حضيض الحيوانية، بل كونها أضل، إلى أوج الملكوتية، بل أعلى منها، خصوصًا إذا وصلت إلى مرتبة عين اليقين وكشف الغطاء. ولا شك في أن في تحصيل هذه المرتبة من الكمال أقوى المصالح وألزمها، فيحكم العقل الفطري بلزوم تحصيلها والاعتقاد بها”.
٢. الدليل النقلي
الدليل النقلي الذي يبين أهمية أصول العقائد نوعان: الآيات والروايات. نشير هنا إلى كل منهما بإيجاز.
أولًا: الآيات
من الآيات، نذكر فقط الآية المباركة ٥٦ من سورة الذاريات: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. كيفية الاستدلال بالآية هي أن معرفة الله ومعرفة صفاته وأفعاله من أهم العبادات، والعبادة هي هدف وغاية خلق الإنسان، وهي مطلوبة بالذات. إذن، معرفة الله ومعرفة صفاته وأفعاله تُعدّ غاية خلق الإنسان، وهي مطلوبة بالذات. المقدمة الثانية واضحة؛ لأن الآية المباركة تصرح بكل وضوح بأن العبادة هي غاية خلق الإنسان والجن. ودليل المقدمة الثانية هو الروايات المتعددة التي نُقلت في هذا الباب، والتي اعتُبرت فيها معرفة الله ومعرفة صفاته أول وأهم عبادة. نذكر هنا بعض تلك الروايات:
في إحدى الروايات، عُدّت معرفة الله كموجود واحد، أزلي، أبدي، قادر مطلق، عالم مطلق، صاحب لطف، وخالق للعالم، أول عبادة. “اعلم أن أول عبادة الله المعرفة به، أنه الأول قبل كل شيء فلا شيء قبله، والفرد فلا ثاني له، والباقي لا إلى غاية، فاطر السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما من شيء، وهو اللطيف الخبير، وهو على كل شيء قدير”.
في رواية أخرى، لم تُعتبر كثرة الصلاة والصوم عبادة، بل حُصرت العبادة في التفكر في أمر الله. “ليس العبادة كثرة الصلاة والصوم، إنما العبادة التفكر في أمر الله عز وجل”.
ومن الواضح أن غاية وهدف التفكر في أمر الله هو العلم بالله والعلم بأسمائه وصفاته، وقد عُدّ مثل هذا العلم في بعض الروايات ضالة المؤمن: “العلم ضالة المؤمن”.
النتيجة الواضحة التي تُستفاد من هذه الآية المباركة هي أن للمعرفة في باب أصول العقائد موضوعية، وهي مطلوبة بالذات؛ لأن المعرفة في هذا الباب عبادة، والعبادة تشكل غاية الخلق. إذن، النتيجة القطعية هي أن المعرفة تُعدّ من أهداف الخلق، وهي مطلوبة بالذات.
ثانيًا: الروايات
تدل روايات كثيرة على أن المعرفة والعلم بأصول الدين لهما مطلوبية ذاتية. نعدد هنا بعضها:
أ) في طائفة من الروايات، عُرّفت معرفة الله كالتالي: معرفة الله هي رأس الدين، وكمال معرفته هو التصديق به، وكمال التصديق به هو توحيده، وكمال توحيده هو الإخلاص له، وكمال الإخلاص له هو نفي الصفات الزائدة عنه. “أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه”.
في حديث آخر، ورد نفس المضمون كالتالي: “أول الدين معرفته، وأصل معرفته توحيده، ونظام توحيده نفي الصفات عنه”.
ونُقل حديث آخر عن الإمام الكاظم أنه قال في جواب سؤال عن التوحيد: “أول الديانة به معرفته، وكمال معرفته توحيده، وكمال توحيده نفي الصفات عنه”.
ب) في طائفة أخرى من الروايات، عُدّت معرفة الله أساس الدين، وركنه، وعموده. قال النبي ﷺ: “إن من دعامة البيت أساسه، ودعامة الدين المعرفة بالله والعقل القامع”.
وهذه الأحاديث أيضًا تبين المطلوبية الذاتية للمعرفة في باب أصول العقائد؛ لأنه بناءً على الأحاديث المذكورة، تُعدّ المعرفة في هذا الباب رأس الدين وأساسه وركنه. ولا شك أن الأمور المذكورة مطلوبة بالذات ومقصودة بالأصالة.
بالنظر إلى مضمون الأحاديث المذكورة، يبرز هذا السؤال: لماذا تكون معرفة الله هي أساس وقاعدة الدين، وما هي الخصوصية في هذه المعرفة التي تجعلها رأس الدين؟ في جواب هذا السؤال، يمكن القول إنه من جهة، فإن أهم أساس لحياة الإنسان هو رؤيته الكونية التوحيدية؛ لأنه بدون هذه الرؤية الكونية، ليست الحياة الإنسانية بلا معنى فحسب، بل هي ضلال وغواية. ومن جهة أخرى، فإن أهم جزء من الرؤية الكونية التوحيدية هو معرفة الله ومعرفة صفاته؛ لأن جميع المعارف الدينية والعقائد الإنسانية تنشأ من معرفة الله وصفاته. وعليه، يجب القول إن القاعدة الأولية للدين وجذر وأساس الرؤية الكونية التوحيدية هو معرفة الله ومعرفة أسمائه وصفاته.
بالنظر إلى مقتضى أصول العقائد ومحتوى الأدلة، يمكن القول إنه يلزم في باب أصول العقائد اليقين المنطقي، أي الاعتقاد الجازم الصادق الثابت؛ لأنه بناءً على مقتضى أصول العقائد، فإن الإيمان والتدين مطلوبان بالذات، والإيمان المحكم والثابت غير ممكن بدون يقين صادق وثابت. إذن، كسب اليقين المذكور في أصول العقائد ضروري. ووفقًا لمحتوى الأدلة التي دلت على قيمة أصول العقائد أيضًا، فإن المعرفة اليقينية في أصول العقائد مطلوبة بالذات ولها موضوعية، ولا يمكن لشيء آخر أن يحل محلها. إذن، بمقتضى أصول العقائد وكذلك محتوى الأدلة المذكورة، يكون تحصيل اليقين المنطقي لازمًا وضروريًا. والسؤال الذي يبرز هنا هو: إذا لم تكن مثل هذه المعرفة ممكنة لشخص ما، فما هو تكليفه؟
في جواب هذا السؤال، يمكن القول إنه في المرحلة الأولى، تلزم المعرفة اليقينية المنطقية، وإذا لم تكن مثل هذه المعرفة ممكنة، فمن الضروري كسب مطلق الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، وإذا لم يكن هذا النوع من المعرفة ميسورًا أيضًا، فمن الضروري الاعتقاد على ما هو في الواقع.
النقطة التي يجدر ذكرها في الختام هي أن المواضيع التي بُحثت حتى الآن تتعلق بالأصول الاعتقادية الأساسية، مثل وجود الله، ووحدانيته، وصفاته، والمعاد، والنبوة، والإمامة. أما في المسائل الاعتقادية الجزئية، مثل ضغطة القبر، وكيفية الحشر، وكيفية البرزخ، وأمثالها، فإذا لم يحصل العلم، فالاعتقاد على ما في الواقع ضروري.
النتيجة
بالنظر إلى المباحث السابقة، يمكن التوصل إلى النتائج التالية:
١. الآراء التي تعتبر مطلق الظن أو الاطمئنان كافيًا في باب العقائد غير قابلة للدفاع. ٢. من خلال بحث مقتضى أصول العقائد نفسها، يتضح أن الإيمان والتدين بأصول العقائد الدينية يُعدّان من مقومات الدين، ولهما مطلوبية ذاتية، ولا يمكن لشيء آخر أن يحل محلهما. ٣. المعرفة اليقينية بأصول العقائد، إن لم تكن مساوية للإيمان، فهي ملازمة له؛ أي أن الإيمان المحكم والثابت قائم على معرفة يقينية وثابتة، وهو غير ممكن بدونها. وبما أن الإيمان المذكور يُعدّ من مقومات الدين وأمرًا ضروريًا، فإن كسب المعرفة اليقينية الثابتة سيكون ضروريًا أيضًا. ٤. تدل الأدلة العقلية والنقلية على أن المعرفة في باب أصول الدين تشكل أساس الدين، وهي مطلوبة بالذات. ٥. بالنظر إلى النتائج التي تم التوصل إليها، يجب القول إنه في المرحلة الأولى، يلزم كسب المعرفة اليقينية في باب أصول العقائد، وإذا لم تكن مثل هذه المعرفة ممكنة، فالاعتقاد الجازم ضروري، وإذا لم يكن ذلك ممكنًا أيضًا، فالاعتقاد على ما هو في الواقع لازم.
المصادر والمراجع:
- القرآن الكريم.
- نهج البلاغة.
- الآخوند الخراساني، محمد كاظم (١٤٢٩ق)، كفاية الأصول، ج ٣، تحقيق وتعليق عباس علي زارعي سبزواري، مؤسسة النشر الإسلامي، قم.
- آقا ضياء الدين العراقي، علي (١٣٩٣ش)، نهاية الأفكار، ج ٣، ج ٦، انتشارات إسلامي وابسته به جامعه مدرسين، قم.
- الأصفهاني الغروي، الشيخ محمد حسين (١٤١٨ق)، نهاية الدراية، ج ١ و٣، مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث، بيروت.
- ابن إدريس الحلي، محمد (١٤١٠ق)، السرائر، ج ١، ج ٢، مؤسسة النشر الإسلامي، قم.
- البجنوردي، السيد ميرزا حسين (١٣٧٩ش)، منتهى الأصول، ج ٢، ج ١، مؤسسة العروج، طهران.
- جميل حمود، محمد (١٤٢١ق)، الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية، ج ١، ج ٢، مؤسسة الأعلمي، بيروت.
- الحر العاملي، محمد بن حسن (١٤١٣ق)، وسائل الشيعة، ج ١، ج ١، مؤسسة آل البيت (ع)، بيروت.
- الديلمي، حسن بن محمد (١٣٧١ش)، إرشاد القلوب، منشورات الرضي، قم.
- الشيخ الطوسي، أبو جعفر محمد بن حسن (١٤٠٦ق)، الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد، ج ٢، دار الأضواء، بيروت.
- الشيخ الأنصاري، مرتضى (١٤٢٢ق)، فرائد الأصول، ج ١، مجمع الفكر الإسلامي، قم.
- الشيخ الطوسي، محمد بن حسن (١٤٠٩ق)، التبيان في تفسير القرآن، ج ١، ج ١، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
- الشيخ المفيد، محمد (١٤١٣ق)، مصنفات الشيخ المفيد، ج ١، ج ١، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد.
- الشهيد الثاني، زين الدين بن علي (١٣٧٨ش)، المقاصد العلية في شرح الألفية، ط ٢، مركز انتشارات دفتر تبليغات إسلامي، قم.
- الطباطبائي، السيد محمد حسين (بلا تا)، الميزان في تفسير القرآن، ج ١٠، جامعة مدرسين، قم.
- عطاردي الخبوشاني، عزيز الله (١٤٠٦ق)، مسند الإمام الرضا، ج ١، المؤتمر العالمي للإمام الرضا، مشهد.
- العلامة الحلي، حسن بن يوسف (١٤٢٩ق)، نهاية الوصول إلى علم الأصول، ج ٥، ج ١، مؤسسة الإمام الصادق، قم.
- الفاضل المقداد (١٤٠٥ق)، إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين، مكتبة آية الله المرعشي، قم.
- فتحي، علي (١٣٩٠ش)، “حجية خبر الواحد في الاعتقادات”، مجلة تخصصي كلام إسلامي، شماره ٧٩، ص ٨٩-١١٢.
- الكليني، محمد يعقوب (١٤٠١ق)، الأصول من الكافي، ج ١، ج ١٤، دار صعب ودار التعارف، بيروت.
- لاريجاني، صادق (١٣٨١ش)، “كاربرد حديث در تفسير ومعارف قرآن”، مجله تخصصي دانشگاه علوم إسلامي رضوي، شماره دوم وسوم، ص ١٥٦-١٥٧.
- المازندراني، مولى صالح (١٤١٢ق)، شرح أصول الكافي، ج ١، ج ١، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
- المجلسي، محمد باقر (١٣٨٨ش)، عين الحياة، ج ١، مؤسسة انتشارات آل طه، قم.
- المجلسي، محمد باقر (١٤٠٣ق)، بحار الأنوار، ج ٤، ج ٢، مؤسسة الوفاء، بيروت.
- المرعشي الشوشتري (١٣٧٣ش)، مسلك إماميه در أصول دين، ط ٢، دفتر انتشارات إسلامي، قم.
- مصباح اليزدي، محمد تقي (١٣٨٩ش)، “خبر واحد در تفسير قرآن”، ماهنامه معرفت، شماره پنجم، ص ٧.
- مصطفى، إبراهيم وآخرون (١٣٨٧ش)، المعجم الوسيط، المكتبة الإسلامية، إسطنبول.
- مطهري، مرتضى (١٣٦١ش)، عدل إلهي، انتشارات إسلامي، قم.
- المقدس الأردبيلي، موسى أحمد (١٤١٢ق)، مجمع الفائدة والبرهان، ج ١٢، ط ١، مؤسسة النشر الإسلامي، قم.
- الموسوي القزويني، السيد علي (١٤٢٧ق)، تعليقة على معالم الأصول، ج ١، مؤسسة النشر الإسلامي، قم.