تغاير الاعتبار والمعتبر من منظر المحقق الخوئي وآية الله الوحيد الخراساني

الملخص: يُستخدم مصطلح الاعتبار والمعتبر في مباحث متعددة من علم الأصول. ومن المسائل التي تُبحث تحت هذا المصطلح هي وحدة وتغاير الاعتبار والمعتبر، واقعيًا كان أم اعتباريًا. إنّ تنقيح الرأي الصحيح في هذا الموضوع يمنع من الوقوع في الخطأ في مباحث من قبيل ماهية الحكم ومباحث الألفاظ. تسعى هذه المقالة، بالمنهج الوصفي التحليلي، وفي ضمن دراسة كلمات المحقق الخوئي (ره) وآية الله الوحيد الخراساني، إلى تقديم صورة صحيحة عن وحدة وتغاير الاعتبار والمعتبر. نتيجة هذه المقالة هي أنّ الوحدة بين الاعتبار والمعتبر ذاتية، وتغايرهما اعتباري، والعلاقة بينهما كالعلاقة بين الإيجاد والوجود.

مقدمة

من المصطلحات الرائجة في مباحث الحكم ومباحث الألفاظ في علم الأصول، مصطلح الاعتبار والمعتبر. مع الأسف، رغم استخدام هذا المصطلح في مواضع متعددة، لا يُعثر على بيان مفصّل للعلاقة بين الاعتبار والمعتبر في كلمات الأصوليين بشكل وافٍ. البعض يكتب بإيجاز حول العلاقة بين الاعتبار والمعتبر: أنهما متحدان بالذات ومتغايران بالاعتبار. والبعض يكتفي بمقارنة العلاقة بينهما بالعلاقة بين الإيجاد والوجود. وبعض آخر ينكر التقريرين السابقين، ويرى الاعتبار أمرًا تكوينيًا والمعتبر أمرًا اعتباريًا. وقد رتّب بعض الأصوليين في كلماتهم آثارًا على مدّعاهم. يسعى الكاتب في هذه المقالة إلى ذكر بيان مُنقَّح وفني للعلاقة بين الاعتبار والمعتبر، وفي النهاية يدافع عن الوحدة الذاتية والتغاير الاعتباري، وعن علاقة شبيهة بالإيجاد والوجود بين الاعتبار والمعتبر.

نظر المحقق الخوئي (قدس سره) في وحدة الاعتبار والمعتبر

يصرّح المحقق الخوئي (قدس سره) بالوحدة الحقيقية بين الاعتبار والمعتبر وبالتفاوت الاعتباري بينهما. ایشان، في ضمن بحث استصحاب البراءة عند التعرض لأدلة البراءة، يكتب: الإنشاء هو إبراز أمر اعتباري. وكما يمكن أن يتعلق الاعتبار بأمر فعلي، يمكن أيضًا أن يتعلق بأمر متأخر مقيد بقيود. وعليه، فإن جعل الحكم وإنشاءه ليس إلا عبارة عن اعتبار الشيء على ذمة المكلف في ظرف خاص. وفي هذه الصورة، يتحقق المعتبر بمجرد الاعتبار، بل إن الاعتبار والمعتبر أمر واحد حقيقةً، والتفاوت بينهما اعتباري، كالوجود والإيجاد. فنصه كالتالي: «إن الإنشاء هو إبراز أمر اعتباري على ما ذكرناه غير مرة و الاعتبار كما يمكن تعلقه بأمر فعلي يمكن تعلقه بأمر متأخر مقيد بقيود، فليس جعل الحكم و إنشاؤه الا عبارة عن اعتبار شيء على ذمة المكلف في ظرف خاص. و يتحقق المعتبر بمجرد الاعتبار، بل هما امر واحد حقيقة و الفرق بينهما اعتباري كالوجود و الإيجاد فالحكم الفعلي هو الحكم الإنشائي مع فرض تحقق قيوده المأخوذة فيه …» (الخوئي، ١٤٠٢ ق، ج ۱، ۲۹۰). حسب تقريرات كتاب تحف العقول، يفسّر آية الله الوحيد الخراساني “التفاوت الاعتباري” في كلمات المحقق الخوئي (قدس سره) كالتالي: «الاختلاف بالاعتبار من باب الاختلاف بين المصدر واسم المصدر؛ إذ إن الاعتبار إذا لوحظ منسوبًا إلى الجاعل والمعتبر، يُعبّر عنه بالجعل، وإذا لم يُلحظ هذا الانتساب، يُعبّر عنه بالمجعول والمعتبر.» (وحيد الخراساني، ۱۳۹۸ هـ.ش، ج ۱، ص ۲۰۰).

نقد آية الله الوحيد الخراساني لنظرية المحقق الخوئي (قدس سره)

في نقده لكلام المحقق الخوئي (قدس سره) القائل بالوحدة الحقيقية بين الاعتبار والمعتبر، وأن التفاوت بينهما اعتباري، يكتب: «الاعتبار أمر تكويني، والنسبة بين الاعتبار والمعتبر هي نسبة العلة والمعلول.» (وحيد الخراساني، ۱۳۹۸ هـ.ش، ج ۱، ص ۲۰۰). ويعلل هذا الادعاء بقوله: «وزان الاعتبار والمعتبر وزان الخيال والمتخيَّل؛ فكما أن الخيال صورة في النفس تُنشأ بها المتخيلات – والمتخيلات لا واقع لها إلا بوجودها في النفس – كذلك الاعتبار صورة في النفس يتحقق بها الملكية الاعتبارية.» (وحيد الخراساني، ۱۳۹۸ هـ.ش، ج ۱، ص ۲۰۰). وكما بيّن آية الله الوحيد، فإن المتخيَّل لا واقع له، ولكن الخيال له واقع. ويطرح نتيجة مدعاه كالتالي: «أولاً، الاعتبار والمعتبر أمران؛ الاعتبار من التكوينيات، والمعتبر من الاعتباريت. المعتبر عرفًا مصداق للحكم، ولا واقع له إلا في وعاء الاعتبار. وثانيًا، ما له حقيقة واحدة هو المعتبر؛ فإذا لوحظ المعتبر منسوبًا إلى الجاعل، يُعبّر عنه بجعل الحكم، وإذا لوحظ بقطع النظر عن حيثية الانتساب إلى الجاعل، يُعبّر عنه بالحكم المجعول. وعليه، فإن نظر المحقق الخوئي (قدس سره) الذي يرى الاختلاف بين الاعتبار والمعتبر كالاختلاف بين المصدر واسم المصدر ليس صحيحًا، بل الجعل والمجعول هما اللذان لهما حقيقة واحدة، ووزانهما وزان المصدر واسم المصدر.» (وحيد الخراساني، ۱۳۹۸ هـ.ش، ج ۱، ص ۲۰۱).

دراسة نظر المحقق الخوئي (قدس سره) وآية الله الوحيد الخراساني

لتبيين الرأي الصحيح، يلزم بيان نقاط حول الاعتبار والمعتبر، والحكم، والتصديق، وهي كالتالي:

١. في الاعتبار، المعتبر بالذات أمر تكويني، والمعتبر بالعرض أمر اعتباري. توضيح ذلك: في مثال “زيد أسد” حيث اعتُبرت الأسدية لزيد، فإن هذا الاعتبار في صقع نفس المعتبر له وجود ذهني وصورة نفسانية، وهذا هو المعتبر بالذات، وله واقعية. أما الوجود الخارجي للأسدية لزيد فهو اعتباري؛ لأنه ليس شيئًا سوى تصور أو وهم أو تصديق لشيء آخر. يبدو أن مراد العلامة الطباطبائي (قدس سره) من كون الاعتباريت من سنخ الوهميات هو هذا الوجود الخارجي لأسدية زيد. فنصه كالتالي: «هذه المعاني الوهمية لها مطابق في ظرف “التوهم”، وإن لم يكن لها مطابق في ظرف الخارج؛ أي في ظرف التخيل والوهم، مثلاً، الإنسان مصداق للأسد أو القمر، وإن لم يكن كذلك في ظرف الخارج؛ أي في الوهم، أُعطي حد الأسد أو القمر للإنسان، وإن كان في الخارج موجودًا آخر…» (الطباطبائي، ۱۳۹۰، ج ۲، ص ١٦٣). فإذا أخذنا ذلك الأمر الخارجي، أي أسدية زيد في الخارج، بما هو هو، فهو المعتبر، وإذا أخذناه بالنظر إلى الجاعل، فهو الاعتبار. وعليه، فإن ما ذهب إليه آية الله الوحيد من أن الاعتبار حكم نفساني وأمر واقعي، وفي المقابل المعتبر أمر اعتباري، ليس صحيحًا؛ لأن المعتبر بالعرض وحده هو الوهمي والاعتباري، أما المعتبر بالذات فهو أمر واقعي وله وجود ذهني. ثانيًا، ما قاله بشأن مثال الخيال والمتخيل من أنه من باب السبب والمسبب لا الإيجاد والوجود، ليس صحيحًا أيضًا؛ لأنه في هذا المثال، المتخيل بالذات أمر واقعي، أما المتخيل بالعرض فأمر اعتباري. ونظرًا لكون المتخيل بالعرض وهميًا ولا وجود له في الخارج، فإن علاقة السبب والمسبب لا معنى لها في حقه، بحيث تكون العلاقة بين الخيال والمتخيل علاقة سبب ومسبب، بل العلاقة بينهما كالإيجاد والوجود.

٢. الحكم النفساني غير التصديق. في البداية، نوضح المراد بالتصديق ليتضح الفرق بينهما والإشكال على آية الله الوحيد. قيل في تعريف التصديق: «تصور معه الحكم» (الحلي، ١٤٠٢ ق، ج ۱، ص ۱۹۲). ومرادهم من التصور هو الصورة التي تنتقش في النفس. بعض الصور تكون بلا حكم، وتسمى “تصورًا”، وبعضها يكون مع حكم، ويسمى “تصديقًا”. وسبب تفسيرنا لكلمة “التصور” في تعريف التصديق بالصورة هو لدفع شبهة أن قسيم الشيء لا ينبغي أن يُذكر في تعريفه. يكتب المحقق الأصفهاني (قدس سره) في بداية بحث الأوامر: «في الإخبارات الواقعية جهتان: أ) جهة الحكمية، وهي من سنخ الفعل. ب) جهة الصورية». فنصه كالتالي: «التحقيق كما نص به بعض الأكابر في رسالته المعمولة في التصور و التصديق أن التصديق ليس مجرد انكشاف ثبوت القيام لزيد، فانه تصور محض، بداهة أن ثبوت القيام لزيد قابل للتصور، و ليس هو إلا انكشافه، بل التصديق هو الانكشاف الملزوم لحكم النفس وإقرارها بثبوت القيام لزيد؛ لما عرفت سابقا، أن صورة (هذا ذاك) – ناظرا إلى الخارج و منتزعا لهذه الصورة عن ذيها فيه – علم انفعالي من مقولة الكيف لانفعال النفس و تكيفها بالصورة المنتزعة عن الخارج، و لكن نفس هذا ذاك عند النفس إقرار و حكم و تصدیق و اذعان من النفس، و هذا علم فعلي ….» (الأصفهاني، ١٤٣٩ ق، ج ۱، ص ۲۷۲). مثلاً، في خبر “زيد قائم”، هناك جهة حكم القيام لزيد، وجهة أخرى هي الصورة النفسانية التي تتحقق من خبر قيام زيد. وفي الاعتباريت الأمر كذلك؛ وإن كنا، خلافًا للإخبارات الواقعية، لا نقصد الحكاية عن الخارج، وإنما هو مجرد حمل مفهوم على غير مصداقه. نعم، لتحقق التصديق حاجة إلى صورة نفسانية، لكن الصورة النفسانية حيثية أخرى من التصديق. وعليه، فإن كلام آية الله الوحيد في كتاب تحف العقول من أن الاعتبار هو الصورة الحاصلة في النفس، ليس صحيحًا، حيث قال: «كذلك الاعتبار صورة حاصلة في النفس بها تتحقق الملكية الاعتبارية» (وحيد الخراساني، ۱۳۹۸ هـ.ش، ج ۱، ص ۲۰۰).

٣. في كل اعتباري ثلاثة أشياء: أ) قضية: لدينا قضية يتعلق بها التصور أيضًا، لذا لا تختص القضية بالتصديق. ب) تصديق: مثلاً، في مثال “زيد أسد”، يوجد تصديق هو صورة نوريّة قائمة بالفعل. نعم، الفرق بين التصديق في الإخبارات الواقعية والاعتبارية هو أنه في الإخبارات الواقعية يُقصد الحكاية عن الخارج، أما في الاعتبارات فليس الأمر كذلك. ج) فعل نفساني: كما يوجد فعل نفساني في الإخبارات الواقعية، يوجد أيضًا في الاعتبار. أما أيٌّ من هذه الثلاثة يسمى اعتبارًا؟ يبدو أن القضية هي التي تسمى اعتبارًا. ولكن على أي حال، أيًّا كان الاعتبار منها، فإن وعاء الاعتبار والمعتبر في كل منها واحد. بيان ذلك: إذا سميت الفعل النفساني اعتبارًا، فإنه يساوقه في الوعاء نفسه المعتبر أيضًا. وإذا سميت ذلك التصديق اعتبارًا، فإن للتصديق بالذات متعلقًا هو نفسه الشيء الذي يتحد معه في وعاء التصديق، فيُصدَّق به. وإذا سميت القضية اعتبارًا، ففي الحقيقة القضية هي المعتبر، وإضافتها إلى الفاعل هي الاعتبار. وفي الأوعية الثلاثة كلها لدينا اعتبار ومعتبر، وفي بعضها يكون الاعتبار والمعتبر كلاهما واقعيين، وفي بعضها يكون الاعتبار والمعتبر كلاهما اعتباريين. وعليه، فإن ما ذهب إليه آية الله الوحيد من أن الاعتبار أمر واقعي والمعتبر اعتباري، وأن العلاقة بينهما هي علاقة السبب والمسبب، ليس صحيحًا؛ لأنه أولاً، وعاء الاعتبار والمعتبر في كل من المعاني الثلاثة المذكورة واحد، وثانيًا، السببية والمسببية لا معنى لهما فيهما.

٤. تفصيل آية الله الوحيد بين الجعل والمجعول، والاعتبار والمعتبر، ليس صحيحًا. فقد قبل بالوحدة بالذات والتغاير بالاعتبار في الجعل والمجعول، خلافًا للاعتبار والمعتبر. بينما، مع الأخذ في الاعتبار التوضيحات المقدمة، فإن النكتة في الاعتبار والمعتبر أقرب منها في الجعل والمجعول. وعليه، فإن الارتباط بين الاعتبار والمعتبر هو كالإيجاد والوجود، لا السبب والمسبب.

٥. في العبارات المنقولة عن المحقق الخوئي (قدس سره)، ليس البحث عن المصدر واسم المصدر، بل عن الإيجاد والوجود فقط. وعليه، فإن منشأ تفسير آية الله الوحيد لكلام المحقق الخوئي (قدس سره) غير واضح.

النتيجة

يرى الكاتب أن الاعتبار والمعتبر متحدان بالذات ومتغايران بالعرض، وأن العلاقة بينهما هي علاقة الإيجاد والوجود، كما صرّح بذلك المحقق الخوئي (قدس سره). وسبب هذا القول هو أن الاعتبار والمعتبر، في أي وعاء كانا وبأيٍّ من المعاني الثلاثة استُعملا، واحدان. وفقط بالنظر إلى نسبتهما إلى الفاعل والجاعل يُقال لهما اعتبار، وبدون اعتبار تلك النسبة يُقال لهما معتبر.

المصادر

  • الأصفهاني، محمد حسين (١٤٣٩ق). نهاية الدراية في شرح الكفاية (طبع جديد)، الطبعة الثانية، بيروت: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.
  • الحلي، الحسن بن يوسف (١٤٠٢ق). الجوهر النضيد، الطبعة الخامسة، قم: بيدار.
  • الخوئي، أبو القاسم (۱٤۰۲ق). مصباح الأصول (مباحث الحجج و الأمارات)، الطبعة الخامسة، قم: مكتبة الداوري.
  • الطباطبائي، السيد محمد حسين (۱۳۹۰ هـ.ش). أصول الفلسفة والمنهج الواقعي، قم: صدرا.
  • مطهري، مرتضى (١٣٦٤ هـ.ش). أصول الفلسفة والمنهج الواقعي، الطبعة الأولى، قم: صدرا.
  • وحيد الخراساني، حسين (۱۳۹۸ هـ.ش). تحف العقول في علم الأصول، الطبعة الأولى، قم: مدرسة الإمام باقر العلوم (عليه السلام).
Scroll to Top