المبنائية والانسجامية: إبداع غربي أم نابعة من فكر الأصوليين؟

الملخص: تُعدّ نظرية المعرفة من العلوم الحديثة التي يمكن طرحها وتطبيقها على قضايا كل علم، وتُستخدم للإجابة عن كيفية تكوّن الاعتقاد والصدق والتسويغ. ويهدف عنصر التسويغ، الذي يرادف الاستدلال وتقديم الحجة لكل قضية علمية، إلى مساءلة أصحاب النظريات العلمية وبيان أسباب توصلهم إلى تلك النظريات. ويجب على علم أصول الفقه أيضًا، نظرًا لاشتماله على قضايا علمية متعددة ومتنوعة، أن يبيّن قيمتها المعرفية ويوضح مبنى الأصوليين في ذلك الصدد. وفي نظرة عامة، وهي أكثر شيوعًا بين العلماء الغربيين، طُرح اتجاهان في تفسير عنصر التسويغ، هما: المبنائية والانسجامية، وكل منهما يسعى إلى تحليل كيفية نشأة المعرفة والتوصل إليها. وقد توصل الكاتب، بالمنهج الوصفي التحليلي المعتمد على المصادر المكتبية، إلى نتيجة مفادها أن اتجاه معظم العلماء الأصوليين لتقييم القيمة المعرفية للقضايا الأصولية يميل إلى نظرية المبنائية، ولكن يمكن تطبيق أنواع أخرى من مباحث نظرية المعرفة، مثل الانسجامية والداحلية (الجوّانية)، على نظريات الأصوليين. وهو بحث لم يحظَ بالاهتمام حتى الآن من هذه الزاوية، ويمكن اعتباره أيضًا إبداعًا لهذا البحث.

مقدمة

يواجه الإنسان دائمًا عددًا كبيرًا جدًا من المعلومات العلمية والسلوكيات العملية. ويتطلب تقييم هذه المعلومات والسلوكيات وقياس مدى صحتها معايير وضوابط يمكن من خلالها دراسة هذه المعلومات. ولكن في مستوى ومرحلة أعلى، السؤال الذي يُطرح هو: كيف يتم تقييم هذه المعرفة نفسها، التي تجري كأصل كلي وأساسي في جميع فروع العلم والمعرفة؟ وما هو معيار قياس صحة أو خطأ المعلومات والنظريات والتقريرات والاكتشافات الجديدة للفرد؟ ما هي المصادر التي يمكن الاستناد إليها في النظريات العلمية؟ بالطبع، لا يُقصد بالمصادر هنا المؤلفات والكتب، بل المصادر الإدراكية والمعرفية التي يؤدي استناد قضية ما إليها إلى التصديق والاطمئنان العلمي والتسويغ المعرفي.

على أي حال، ردًا على هذا النوع من الأسئلة، تشكّل علم نظرية المعرفة ليُجيب، ضمن مساءلته لأصحاب الفرضيات والنظريات العلمية عن هذه الأسئلة، على طرق ومعايير عامة لجميع العلوم، حتى يتمكن أصحاب النظريات من تحليل وابتكار النظريات بمعايير محددة، لكي لا يقعوا في الشك من جهة، ولا يميلوا إلى الجزمية من جهة أخرى، ويتمكنوا من تقييم قدراتهم المعرفية تقييمًا أكثر واقعية.

في هذا السياق، وكما سيأتي، برزت النظرة التوسعية للاستفادة من القضايا العقلية والفلسفية والتجريبية لدى بعض الأصوليين، وأعطوا مكانة للاستفادة من كل قضية يمكن أن تساعد المجتهد في استنباط الأحكام الشرعية. بل إن البعض تجاوز ذلك، وطبّق مفاهيم علوم مثل الفلسفة التحليلية، ونظرية المعرفة، والمنهجية، وعلم اللغة على قضايا من علم الأصول. ومن هنا، فإن مجال طرح وتطبيق مباحث نظرية المعرفة الغربية في علم أصول الفقه، الذي خُصّص جزء كبير منه لمصادر الاستناد والإدراك (الكتاب، السنة، العقل، والإجماع)، وجزء آخر لبحث الاستدلال وتسويغ قضايا علم الأصول، واسع جدًا. ومن أمثلة هذا التطبيق، الاتجاه المبنائي للعلماء المسلمين والأصوليين، الذي يسعى دائمًا إلى إرجاع القضايا الأصولية إلى المعلومات البديهية والأساسية، وبمساعدة عنصر العقل والنتاجات العقلية والمنطقية، مثل القضايا البديهية، والملازمات، وحجية القطع، وقبح العقاب بلا بيان، وسائر القضايا التي تُعتبر أساسًا لقضايا أصولية أخرى، أدى إلى توسيع وتثبيت التوجه المبنائي للمجتهدين. ولكن في المقابل، خرج البعض، مثل الشهيد الصدر، عن دائرة المبنائية المشهورة لدى الأصوليين من خلال توجيه جديد لبعض القضايا الأصولية، واعتبروا القيمة المعرفية للقضايا الأصولية مائلة إلى نظرية الانسجامية. وقد أظهر الشهيد الصدر نموذجًا لهذا الميل إلى الانسجامية في بحث وسائل الإثبات الوجداني للدليل الشرعي، وبإبداعه في استخدام القضايا العقلية من جهة، وقضايا حساب الاحتمالات الرياضي والاستقراء من جهة أخرى، توصل إلى حل إثباتي جديد يتمحور حول العقل فيما يتعلق بهذه الوسائل والأدلة، مما يمهد الطريق، أكثر من ذي قبل، لطرح واستخدام هذه القضايا في علوم أخرى، بالإضافة إلى تقديم طرق أخرى لإثبات بعض القضايا الأصولية.

فيما يتعلق بخلفية البحث المذكور، تجدر الإشارة إلى أن قلة قليلة من الباحثين تطرقوا إلى تطبيق مباني نظرية المعرفة على علم أصول الفقه مع الأخذ في الاعتبار المدارس الحديثة، ولم يُنجز عمل يُذكر في هذا الصدد. ولكن من بين أكثر الأعمال صلة بهذا الموضوع: كتاب “فلسفه علم اصول” لآية الله الحاج الشيخ صادق لاريجاني؛ ومقال “ريشه يابى درون گرايى و برون گرايى در توجيه در دانش اصول فقه” للسيد جعفر مرواريد في مجلة “ذهن”، شتاء ۱۳۹۴، العدد ۶۴؛ وكتاب “ارزش معرفت شناختى دليل نقلى” لل فاضل الأرجمند السيد عبد الله محمدي. وكذلك مقال “واكاوى انسجام گرايى و مبناگرايى در نظريات حقوقى تحليل موردى نظريه جرم انگارى” للسيد سلمان عمراني في مجلة “پژوهش نامه حقوق اسلامى”، العدد ۳، ۱۴۰۱، العدد المتوالي (۵۷)؛ ومقال “(ساختار معرفتى فلسفه هاى تعليم و تربيت اسلامى مبناگروى يا انسجام گروى)” لمحمدرضا مهدوي فر والدكتورة نرجس سجادية في مجلة “فصلنامه تعليم و تربيت”، العدد (۱۲۳). وكما هو واضح، لم يتم تناول هذه النظرة موضع البحث في أي من المصادر المذكورة، وظل تطبيق سائر مباني منظري المعرفة الغربيين على علم أصول الفقه مهملاً. ولم يُبحث في أي منها بمنهج التبيين والتحليل ثم تحديد اتجاه الأصوليين نحو أحد هذين المبنيين وتأثير ذلك على عملية الاجتهاد. لذلك، يُعدّ البحث الحالي، من هذه الجهة وكذلك من حيث تعدد التحليلات، عملاً إبداعيًا. ونظرًا لاتساع كل من المباحث المذكورة أعلاه، سيتم التركيز أكثر على بحث عوامل ومباني التسويغ، ونُرجئ بقية الموضوعات، بما في ذلك نظرية الصدق في فكر الأصوليين، إلى فرصة أخرى. والآن، السؤال الأساسي هو: من بين الاتجاهين، المبنائية والانسجامية، اللذين طُرحا في تفسير عنصر التسويغ، وكل منهما يسعى إلى تحليل كيفية نشأة المعرفة والتوصل إليها، على أيهما يمكن تطبيق فكر الأصوليين؟

١. علاقة نظرية المعرفة بأصول الفقه

تشترك نظرية المعرفة، بالتوضيح الذي سيأتي لاحقًا، في بعض المباحث مع علوم أخرى، بما في ذلك علم أصول الفقه. وأكثر ما يمكن تطبيقه بينيًا بين مباحث هذين العلمين يتلخص في عدة مباحث:

المبحث الأول: تحديد المصادر. توجد في كلا العلمين مباحث تتعلق بالإجابة عن سؤال: ما الأشياء التي يمكن أن تكون مصدرًا لاتخاذ واستدلال القضايا الداخلية لذلك العلم؟ في هذا المجال، ذُكرت في نظرية المعرفة أمور مثل الذاكرة، والتجربة، والدليل النقلي (الشهادة)، وغيرها كمصادر. وفي علم أصول الفقه أيضًا، يُذكر القرآن الكريم، والخبر (الواحد والمتواتر)، والإجماع، والقضايا العقلية كمصادر لاتخاذ الأحكام، أو كل ما له دخل في استنباط الحكم الشرعي. وقد قال الشهيد الصدر عن موضوع علم الأصول: “وبهذا صح القول بأن موضوع علم الأصول هو الأدلة المشتركة في عملية الاستنباط” (الشهيد الصدر، ١٤١٧، ج ١، ص ٤٦).

المبحث الثاني: الصدق؛ وهو يبحث في التحقق من صدق قضايا العلوم، ويعتبر معايير مثل المطابقة للواقع أو الانسجام بين القضايا الداخلية لعلم ما معيارًا لصدق القضية. وفي علم أصول الفقه أيضًا، بُيّنت المطابقة لنفس الأمر كطريقة لتفسير الصدق في قضايا أصول الفقه. بالطبع، بناءً على دعوى اعتبارية معظم قضايا الأصول (لاريجاني، ١٣٩٤، ج ۵، ص ٢٤١)، قلما يمكن إيجاد مجال لتطبيق طرق نظرية المعرفة في مجال الصدق على تلك القضايا.

المبحث الثالث: التسويغ؛ وهو يبحث في نظرية المعرفة عن طرق الوصول إلى اليقين وكيفية تسويغ واستدلال قضايا العلوم، وعادةً ما يستخدم الطرق الداخلية (المبنائية والانسجامية) والخارجية. وفي هذا السياق أيضًا، يُطرح في علم أصول الفقه بحث التسويغ وطرق تسويغ القضايا الأصولية بكثرة، ويُتابع في مباحث مثل مرجعية القطع الذاتية وحجية (الأمارات والأصول العملية). لذلك، تسعى نظرية التسويغ في كل علم إلى تحديد عامل التسويغ (إضفاء الاعتبار على القضايا) وبيان كيفية التسويغ.

الجدير بالذكر أن معظم الذين انتبهوا إلى المشتركات بين هذين العلمين، قاموا عمومًا بتطبيق نظرية المعرفة الكلاسيكية، التي تهتم أكثر بمجال تحديد المصادر، والشاهد على ذلك كتابات العلماء المسلمين في بحث المعرفة والإدراك. وقلة قليلة من الباحثين تطرقوا إلى تطبيق مباني نظرية المعرفة على علم أصول الفقه مع الأخذ في الاعتبار المدارس الحديثة. وكما أُشير، فإن تطبيق مباني منظري المعرفة الغربيين على علم أصول الفقه قد أُهمل، وهذا بحد ذاته من الأسباب التي تجعل تناول هذا البحث ضروريًا.

٢. كليات نظرية المعرفة

علم نظرية المعرفة (الإبستمولوجيا) (نظرية المعرفة)، هو في الأساس علم نشأ في حضن مباحث فلسفة العلم، وشيئًا فشيئًا، وبسبب عمومية موضوعه، طُرح في بقية العلوم بمقدار قدرة تطبيقه على مباني نظرية المعرفة (فعالي، ١٣٧٩، ص٢٨)، وفُسّر بعبارات منها: البحث في ماهية التسويغ ومنشأ تسويغ الاعتقاد والمعرفة وأنواع المعرفة، إلى جانب مسائل مثل الفهم، والدليل، والحكم، والإحساس، والتخيل، والحدس، يُسمى نظرية المعرفة. نظرية المعرفة هي علم تسويغ الاعتقادات. (فعالي، ١٣٧٩، ص ٢٩) نظرية المعرفة هي العلم الذي يبحث في حقيقة معرفة الإنسان، وطرق الوصول إليها، وتحديد مقدار الصدق والكذب. (حسين زاده، ١٣٨٥، ص ٢٤) وكما ذكر البعض، عادةً ما يتطلب تكوين قضية ونظرية علمية تطبيق ثلاثة عناصر هي: الاعتقاد، والصدق، والتسويغ. وقد أُبديت نظريات حول كفاية هذه العناصر الثلاثة للوصول إلى المعرفة، وكذلك تفسيرها وتقسيمها. ولكن دائمًا ما حظي التفسير الثلاثي للمعرفة (الاعتقاد الصادق المسوَّغ) بأكبر قدر من الدعم بين منظري المعرفة، وفي المحافل العلمية والنظرية، عادةً ما يكون معيار قياس وحكم كل معرفة ونظرية علمية هو التطبيق على هذه الثلاثة (شمس، ١٣٨٧، ص ۵۳؛ حسين زاده، ١٣٨٥، ص ٢۳). وأهم هذه الضوابط وأكثرها إثارة للجدل هو التسويغ، الذي يتناول استدلال القضايا ويهدف إلى إضفاء الاعتبار على كل قضية يُدّعى فيها العلم والمعرفة. لذلك، التسويغ بمعنى الاعتبار، وهذا الاعتبار ليس مقابل الحقيقة؛ بل الاعتبار بمعنى القيمة والجدير بالاعتبار. على سبيل المثال، إذا كان لدى شخصين اعتقاد بأن اليوم ستمطر، وكان دليل الشخص الأول وجود رطوبة في الطبقات العليا من الأرض، ودليل الشخص الثاني دخول فصل الصيف، فإن اعتقاد الشخص الأول يُعتبر مسوَّغًا، واعتقاد الشخص الثاني، بسبب عدم وجود دليل، يُعتبر غير مسوَّغ وغير معتبر. وفي هذا السياق، يرى الكاتب، طبعًا بالاستفادة والاستنباط من المصادر الأصولية، أن الاستدلال، والحجية، والقطع، مرادفات للفظ التسويغ في علم أصول الفقه (راجع: أنصاري، ١٩٩١، ج ١، ص ٢۳؛ مظفر، ١٣٨٠، ج ٢، ص ١٢؛ نائيني، ١٣٧٦، ج ٣، ص ٧؛ خوئي، د.ت، ج ٢، ص ١٥؛ خميني، ١٣٨٢، ج ٢، ص ٨٤؛ هاشمي شاهرودي، ١٤٠٥، ج ٤، ص ۳۷)، وأن سعي الفقيه وراء الأدلة الفقهية والاجتهادية هو محاولة للوصول إليه. بعبارة أخرى، أهم نتيجة لدراسات نظرية المعرفة هي أن الإنسان يمكن أن يكون لديه تقييم أكثر اعتدالًا وواقعية لقدراته المعرفية (شمس، ١٣٨٧، ص ١٢). وقد ذهب البعض الآخر (لاريجاني، ١٣٨١، ص ٨۳) إلى أبعد من ذلك، وطبّقوا مفاهيم علوم مثل الفلسفة التحليلية، ونظرية المعرفة، والمنهجية، وعلم اللغة على قضايا من علم الأصول. وقد أبدى منظرو المعرفة الغربيون، في سعيهم للوصول إلى التسويغ، نظريات أصبحت كل واحدة منها من بين أهم قضايا نظرية المعرفة المعاصرة. ومن أهم هذه النظريات ما يلي:

٢-١. الخارجية (البرّانية)

كما نُقل، يعتقد بعض منظري المعرفة الغربيين أن الإنسان لا يمتلك وصولاً داخليًا إلى جميع عناصر أو عوامل التسويغ والمعرفة؛ على الأقل بعضها خارج عنا وخارج إدراكنا. بناءً على ذلك، الخارجية هي نظرية تحلل تسويغ واستدلال أي قضية بناءً على الأقل على بعض الخصائص الخارجية للاعتقادات. أي أنها تعتبر تسويغ أي معرفة مبنيًا على أدلة كافية ومستمدة من طرق موثوقة مثل الأخبار، والكتب، والأشخاص المتخصصين، والظروف الاجتماعية. وهذا النوع من التسويغ ممكن ومتاح في كل مكان ولجميع الناس، مع فارق أنه يؤدي إلى معرفة وإدراك متفاوت بسبب اختلاف المواقف والظروف. (فتحي زاده، ١٣٨٠، ص ۳۵)

٢-٢. الداخلية (الجوّانية)

يعتقد بعض منظري المعرفة الغربيين أنه يمكن تسويغ جميع العوامل أو الشروط اللازمة لتسويغ اعتقاد ما بالحالات الداخلية، لأنها جميعًا متاحة معرفيًا، ويمكن للإنسان توفير تلك العوامل أو الشروط داخليًا. وكما يوحي اسمها، فإن “الموقف الداخلي” يقصر عوامل التسويغ على أمور تقع داخل شيء ما، وبشكل خاص داخل الفاعل، أي الفرد صاحب المعرفة أو الفقيه. ولكن ليس كل أمر موجود داخل فاعل عارف يمكن أن يسوّغ معرفته. هذه النظرية لا تنظر إلى المدارس التجريبية أو العقلانية، وفي كلا الطيفين، يعتبر البعض القضايا الداخلية منشأً لنشوء التسويغ. “الداخلي” في هذا المبحث يعني نوعًا من الوصول المعرفي الذي يكون الفاعل العارف واعيًا به، أو يمكن أن يكون واعيًا به. “المتاح” هنا يعني أن تسويغ الاعتقادات يعتمد فقط على الاعتقادات نفسها، وخصائصها، والحالات الذهنية، ولا يحتاج إلى عامل آخر غير هذه. (حسين زاده، ١٣٨٢، ص ١٤٠)

تنقسم الداخلية في نظرة ما إلى النظريتين التاليتين:

٢-٣. المبنائية

نقلًا عن البعض، هذه النظرية، التي يسميها البعض نظرية الابتناء والبعض الآخر الأساسية (لرر، ١٣٩٧، ص ١۳۳)، لديها الآن أكثر من عشرة تقريرات. وفي تقريرها الكلاسيكي، تنص على أنه في سلسلة الأسئلة حول سبب الاعتقاد بتسويغ قضية ما، يجب أن نصل إلى إجابة حتى لا نقع في إشكال الدور أو التسلسل. من هنا، فإن التسويغ له هيكل متدرج، وبعض الاعتقادات مسوَّغة في حد ذاتها ولا تحتاج إلى أن تُسوَّغ بواسطة اعتقادات أخرى. يمكن تسمية هذه الاعتقادات بالاعتقادات الأساسية أو الاعتقادات المبنائية أو الاعتقادات غير الاستنتاجية. وفي المقابل، هناك الاعتقادات غير الأساسية والمستنتجة، التي يجب البحث عن سبب وتسويغها المعرفي في الإرجاع إلى الاعتقادات الأساسية. (لرر، ١٣٩٧، ص ١۳۳؛ فيومرتن، ١٣٩٠، ص٨٧) هذه القضايا الأساسية والمبنائية هي نفسها القضايا البديهية التي ينتهي إليها، في علم المنطق في استدلال قياسي، رجوع جميع العلوم والقضايا النظرية. (كاتبي قزويني، د.ت، ص ١۳؛ حسين زاده، ١٣٩٧، ص ٢٨٧) وسبب هذا الاستقلال في الاعتقادات الأساسية، التي تُعتبر مصدرًا لسائر الاعتقادات، هو عدم قابليتها للخطأ؛ لأن الخطأ يجد معنى حيث يكون العلم والمعلوم شيئين مختلفين، وهذا ممكن فقط في العلم الحصولي. ومن الواضح أن التقسيم إلى بديهي ونظري ممكن فقط في العلم الحصولي وليس الحضوري، بينما هذه الاعتقادات الأساسية والبديهية داخلة في العلم الحضوري، والعلم الحضوري ليس سوى الواقع، والمطابق وغير المطابق لا معنى له فيه. (راجع: فعالي، ١٣٧٩، ص٢٠٨؛ جمع من العلماء، ١٣٩٣، ص ٣٤٧؛ فيومرتن، ١٣٩٠، ص ١١١)

٢-٤. الانسجامية

هذه النظرية، التي يسميها البعض تناسق القضايا (هاسپرس، ١٣٧٩، ص ١٢٠)، لديها الآن مدافعون أقوياء مثل لورنس بونجور وكيث لرر. تنص هذه النظرية على أن: انسجام وتناسق القضية مع سائر قضايا نظام كلي، بمعنى أن هذه القضية مع مجموع قضايا ذلك الكل المنهجي يكون لها استلزام منطقي أو على الأقل توافق، يؤدي إلى التسويغ. بناءً على هذه النظرية، دائمًا ما يُطرح هيكل مفاهيمي منظم يُسمى الكل لمعرفة مدى تسويغ القضية. من خصائص هذه النظرية أن التسويغ يصبح ذا مراتب. بمعنى أنه كلما زاد الانسجام بين أجزاء مجموعة ما، زاد تسويغ ذلك العضو المفروض، وبالعكس، كلما قل الانسجام، ظهرت مراتب من الكذب. (گلشني منفرد، ١٣٩٦، ص ١١؛ فعالي، ١٣٧٩، ص ١٩٥)؛ لذلك، نواجه مسألة تسمى درجات في التسويغ، لأنه في نظرية المبنائية لدينا قيمتان: إما أن القضية مسوَّغة أو ليست كذلك؛ ولكن في نظرية الانسجام نواجه عدة قيم، ويُعبَّر عن التسويغ في قضية ما بصيغة نسبة مئوية. ومن هنا يدخل منطق الاحتمالات إلى الميدان، وبالتالي تفقد القوانين الرياضية والمنطقية قيمتها، وتختلف لوازمها أيضًا، مثل اليقين، عن اليقين في المنطق والفلسفة. لذلك، في نظرية الانسجامية، نواجه معلمتين أساسيتين لتحديد مدى تسويغ القضية:

المعلمة الأولى: التوافق، بمعنى عدم وجود تناقض بين القضايا. المعلمة الثانية: الاستلزام المنطقي، بمعنى العلاقة الضرورية التي لا تتخلف بين القضايا. مثل أن “علي رأى أخته أمس” يستلزم أن “علي لديه أخت”. هذا الاستلزام يُستخدم في الغالب بمعنيين: أحدهما عندما تنتج قضية عن قضية أخرى، والآخر عندما تُنتج قضية قضية أخرى. فإذا كانت هاتان القضيتان مترابطتين بهذه الطريقة ومتناسقتين؛ فلن تخرجا عن إحدى الحالتين المذكورتين أعلاه. (شمس، ١٣٨٧، ص ١١۳؛ زماني، ١٣٩١، ص ١٢٠)

٣. أنواع من مباحث نظرية المعرفة في أصول الفقه

من بين المباحث الواسعة في كتب الأصول، هناك عدد من القضايا إما عقلية بالكامل أو تعتمد في إثباتها على قضايا عقلية. بعد الالتزام بأنه لم يعد هناك من ينكر استخدام القضايا العقلية، وإنما يختلفون فقط في نطاق سيطرتها؛ سنحاول في ما يلي تعداد أنواع من المباحث التي تتمحور حول العقل والنقل في علم الأصول، ثم نشير إلى الدور المعرفي لكل منها.

٣-١. مرجعية القطع

كما طُرح في الكليات، ينطبق التسويغ المعرفي في علم أصول الفقه على اليقين، والتسويغ، والاعتبار المعرفي، والتي عادة ما تُتابع في مجالين هما: مرجعية القطع الذاتية والحجية. يبدأ هذا البحث بسؤال: ما هو معيار تسويغ القضايا الأصولية؟ علم أصول الفقه، بخلاف العلوم الأخرى، لا يحصر المعرفة في القطع. أي أنه من العناصر الثلاثة التي تعتبرها نظرية المعرفة معتبرة (الاعتقاد (الجازم)، الصدق، التسويغ)، لا يشترط الجزم، وهذا يعني أن القضايا غير القطعية مقبولة أيضًا في أصول الفقه. تكمن صعوبة البحث في أننا في أصول الفقه لا نتحدث عن تسويغ المعرفة بالمعنى المعرفي والفلسفي؛ بل نتحدث عن تسويغ الاعتقاد. لأنه بالأدبيات المنطقية والفلسفية، المعرفة تعني الاعتقاد الجازم، بينما في علم الأصول، لا تعود وجاهة القضايا دائمًا إلى الجزمية، بل إن مراتب مثل الاطمئنان، والظن، والشك، والاحتمال تتحمل أيضًا مراتب من المعرفة. إن حجية القطع الذاتية وضرورة رجوع كل دليل وقضية إلى القطع، وهو ما يُعبَّر عنه بالمرجعية المطلقة للقطع في القضايا والمسائل الأصولية؛ تعني أن الدليل المعتبر إما علم أو علمي، أي أن القضية المعتبرة في الأصول يجب أن تكون هي نفسها مقطوعًا بها أو مستندة إلى قضية مقطوع بها، ويجب أن تثبت حجيتها بدليل قطعي؛ مثلاً، في حجية الأمارات، وهي أدلة غير قطعية، كخبر الثقة، يجب أن تثبت حجيتها بدليل قطعي مثل الإجماع. من قطعية الدليل نفسه، يُعلم أن أصل مرجعية القطع، الذي له وصفان هما الكاشفية والمحركية، له أصل فوقي وبنيوي يسمى حجية القطع الذاتية بمعنى المنجزية والمعذرية الملزمة والمبرئة. (صدر، ١٤١٩، ص ٣٦؛ حكيم، ١٤٢٢، ج ٤، ص ٢٦) ونتيجة لذلك، إذا كان الدليل مقطوعًا به، فإنه لا يحتاج إلى دليل على حجيته، وبالعكس، إذا لم يكن حجة ذاتًا، فإنه يحتاج إلى دليل على حجيته يكون هو نفسه حجة. إذن، في المرجعية المطلقة للقطع، هناك مبنى كامن هو الحجية الذاتية وجزء من اليقينيات؛ لأنه في غير اليقينيات لا توجد حجية ذاتية. بناءً على ذلك، في علم أصول الفقه، ليس اليقين جزءًا من أركان المعرفة الأصولية، بل خُصص محل للبحث للظن والشك وحتى الاحتمال، ولها أحكامها. أما أن القضية يجب أن تكون يقينية، فمعناه أنه لو كان اليقين أحد أركان الاعتقاد في علم الأصول في تحليل الاعتقاد، لكان علينا أن نضع جانبًا جميع القضايا غير اليقينية، وهذه الجملة الثانية التي تقول “أو منتهية إلى اليقين” لما كان لها معنى؛ لأن معنى هذه الجملة هو أن الكثير من القضايا الأصولية ليست يقينيات؛ بناءً على ذلك، لا يمكن وضع هذا في تحليل الاعتقاد، ولا يمكن اعتبار اليقين جزءًا من العناصر الضرورية للمعرفة في علم الأصول. بالإضافة إلى ذلك، يُعتبر كون القطع يقينيًا قضية عقلية ومبنائية، وتسويغ أي قضية أصولية أو علمية به هو تسويغ مبنائي. وهذا الأصل يُظهر أن المرجع ونظرية التسويغ في علم الأصول ليسا درجات اعتقاد الفقيه، بل محور التسويغ في علم الأصول هو الحجية. الحجية مفهوم منتشر في جميع علم الأصول، وهذه الحجية في القضايا المقطوع بها تُصدَّق بشكل ذاتي، والعقل والعقلاء يصدّقون حجية اليقين؛ وفي المظنونات أيضًا، يعتقد العقلاء بحجية الظن، وقد أمضاه الشرع أو جعل الشارع الحجية مباشرة.

٣-٢. الحجية

للحجة والحجية معانٍ مختلفة في اللغة والمنطق وأصول الفقه. ولكن هنا، يُعتبر استخدامها المفاهيمي هو المعيار الأهم، وبهذه النظرة، الحجية حكم ظاهري، وبتعبير آخر، هي انتزاع ذهني للشخص وليست حكمًا اعتباريًا شرعيًا (مظفر، ١٣٨٠، ص ٤٠٦؛ خميني، ١٣٧٦، ج ٦، ص ٢٢). ومن هنا ينشأ الحديث عن توليدها للمعرفة وجريانها في بحث حجية الأمارات والظنون، والذي يمكن تناوله من زاويتين:

١-٢-٣. كيفية الحجية في الأمارات

هذا البحث، الذي يُبحث أيضًا كـ”مجعول” في الأمارات، له تفسيرات متعددة. أحدها أن الحجية تعني جعل الحكم الفعلي الشرعي الظاهري بناءً على الأمارة، كما هو ظاهر الأصحاب (آخوند خراساني، ١٤٠٩، ص ٤٠٥). المعنى الثاني للحجية هو المنجزية والمعذرية، كما صرح به المرحوم الآخوند في جوابه على إشكال المرحوم ابن قبة. (آخوند خراساني، ١٤٠٩، ص ٢٧٧؛ همو، ١٤٠٩، ص ٤٠٥). هذان التعبيران عن الحجية، أي أن يكون الدليل حجة يعني أن له قدرة التنجيز والتعذير، ويمكنه إلزام المكلف بمفاده، ويكون مبرئًا للمكلف في حال الامتثال، يرتبطان تمامًا بجانب عمل المكلف ولا علاقة لهما بالمعرفة والواقع. المعنى الثالث للحجية هو جعل العلمية للأمارة، وهو مبنى المرحوم المحقق النائيني. وقد كتب في هذا الصدد: “و ان المجعول فيها ليس إلا الطريقية و الحجية و الوسطية في الإثبات… و حينئذ يكون حالها حال العلم” (١٣٧٦، ج ١، ص ٢٤٧). إذا اعتُمد هذا المبنى، الذي هو في الحقيقة مسلك الطريقية والعلمية، يمكن إيجاد محمل لتطبيق مباني نظرية المعرفة فيه. أي أن حجية الأمارة تعني جعل العلمية لطريق ظني، فالحجة بمعنى العلم، مع فارق أن القطع علم وجداني والأمارة علم تعبدي. (بحراني، ١٤٢٦، ج ١، ص ٤٥٧؛ كاظمي، ١٣٧٦، ج ٣، ص ١٢٢). وهذا يعني أننا إما اكتسبنا معرفة جديدة، أو أن تلك المعرفة الناقصة (الأمارة الظنية) تُسوَّغ. بناءً على ذلك، تُعد الحجية أحد مصادر إنتاج المعرفة في علم الأصول، ويمكن أن تكون مبنى في تسويغ المعرفة. بعبارة أخرى، يقول هذا المبنى: اعتبر هذه المعرفة كمعرفة يقينية جزمية، وأعطها نفس اعتبار اليقين (كما في مسلك الطريقية، عندما يجعل الشارع الحجية ويعيّن الوظيفة، فإن جعل العلمية في مقام النظر يعني الكشف، وله خاصية تسويغ المعرفة اليقينية نفسها). ويُقال ما يشبه هذا التنزيل في الاستصحاب أيضًا، بأن يقول الشارع: اعتبر مفاد الاستصحاب، وهو “ما كان”، علمًا ويقينًا في مقام العمل.

٢-٢-٣. مبنى الحجية

نظرًا لتبعية الأحكام للملاكات والمصالح الواقعية، كان اتباع الظنون والأمارات دائمًا محل نقاش، وقُدمت طرق للتخلص من إشكالات مثل تفويت المصالح الواقعية وتحليل الحرام وتحريم الحلال:

أ: نظرية مركزية القطع

تسعى هذه النظرية إلى اعتبار حجية الأمارات الجعلية والاعتبارية، من خلال غض الشارع الطرف عن موارد الخطأ المحتمل وعدم الإصابة بالواقع، بمثابة علم وكاشفة عن الواقع، وترفع إشكال عدم الإصابة بابتكار نظريات مثل تتميم الكشف ومصلحة التسهيل. (مظفر، ١٣٨٠، ص ۳۹۸؛ كاظمي، ١٣٧٦، ج ۳، ص ۱۰۸). وقد أقاموا حجر الأساس لحجية الأمارات على أساس حجية القطع واليقين، وادعوا أن الشارع، بعناية خاصة منه، بصدد اعتبار هذا النوع من الأدلة يقينًا، وبنوع ما اعتبروا الحجية في الأمارات والظنون تابعة لحجية القطع. من زاوية نظرية المعرفة، هذا النوع من التحليل والتسويغ، بسبب رجوعه إلى القطع وعامل حجيته، الذي هو عامل نفساني وفطري؛ هو معرفة داخلية (جوّانية). ومن ناحية أخرى، بسبب إرجاع الحجية إلى مرجعية القطع الذاتية، التي تُعتبر قضية أساسية ومبنائية في علم أصول الفقه، فإنها تتمتع بتسويغ مبنائي.

ب: نظرية مركزية العقلاء

بالنظر إلى كون حجية الظنون الخاصة عقلائية، وأن سيرة العقلاء دليل على اعتبار ظواهر الألفاظ وخبر الواحد وغيره، فقد جعلوا الأصل هو عقلائية الأمارات. فكل دليل يعتبره العقلاء معتبرًا؛ يعتبره الشارع أيضًا معتبرًا. ومن هذا المنطلق، يعتبرون تتميم الكشف وإلغاء احتمال الخلاف والوسطية في الإثبات مجرد عبارات خطابية للأصوليين واستنباطهم من سكوت الشارع. (خميني، ١٣٧٦، ج ٦، ص ١٣٨؛ اصفهاني، ١٤٢٩، ج ٣، ص ٢٢). وتأييدًا لهذا، أنكر البعض في بحث ماهية وحقيقة المجعول في الأمارات أصل الجعل، واعتبروا كل ما هو موجود هو عمل العقلاء بمقتضى الأمارات، واعتبروا الشارع مؤيدًا. (خميني، ١٣٨٢، ج ٣، ص ١٤١؛ همو ١٤١٥، ج ١، ص ٢٠٤). يعتبر منظرو المعرفة هذا النموذج من التسويغ واكتساب الحجية لقضية ما متطابقًا مع المباني الانسجامية، ويعتبرون كل سلوك من سلوكيات العقلاء بمثابة احتمال، ويرون أن تكثر الاحتمال، بالتقرير الذي سيأتي في وسائل الإثبات الوجداني، يؤدي إلى اليقين. ولا فرق في أن نعتبر الأمارات نفسها أو حكمها العقلي المسبق تابعًا لسيرة العقلاء، فعلى أي حال، فإن الانسجام القائم بين سلوك معظم أفراد المجتمع المبني على العمل بهذه الأمارات والظنون هو دليل على اعتبار وتسويغ معرفي لهذه القضايا. أما العلامة الطباطبائي، فمن زاوية أخرى في بحث القطع، يرى أن: الحجية كأمر غير تكويني لا يمكن أن تكون ذاتية للقطع والعلم الذي هو أمر تكويني. بناءً على ذلك، فإن اعتبار القطع له أيضًا اعتبار عقلائي. (طباطبائي، د.ت، ص ١٨٥). ونتيجة لذلك، فإن اعتبار المعرفة من قبل العقلاء يلازم بشدة الكشف عن الواقع، لأن النوع البشري يرى هذه الإدراكات كاشفة عن الواقع. بهذا التحليل، يمكن افتراض كلتا النظرتين، المبنائية والانسجامية. لأن هذا التقرير يفترض الاعتبار العقلائي قضية أساسية لاستدلال سائر القضايا، وهي نظرة مختلفة ومبنائية.

٣-٣. وسائل الإثبات الوجداني للدليل الشرعي هذا العنوان من ابتكارات الشهيد الصدر (ره) لتقديم وبحث حجية الخبر المتواتر، والإجماع، والسيرة، والشهرة. وسبب التسمية بالوجداني هو كفاية الإدراكات الداخلية والحالات التكوينية لنوع الإنسان للوصول إلى اليقين والحجية بواسطة هذه الأدلة. (فياض عاملي، ١٤٢٨، ج ٢، ص ١١٩). بناءً على رأيه، فإن الاستفادة من ثلاثة مباحث، هي: الأحكام العقلية، وخصائص الاستقراء، ومباني حساب الاحتمالات في الرياضيات، تؤدي إلى العلم وحجية مفاد هذه الأدلة الأربعة. في المقابل، حكم مشهور الأصوليين والمناطقة بحجية هذا القسم من الأدلة في علم الأصول، بمجرد التعدد في جانب الخبر مع كبرى كلية عقلية تعتبر تواطؤ هذا العدد من المخبرين على الكذب مستحيلاً. (مظفر، ١٤٢٦، ص ۳۳۱؛ كاتبي قزويني، د.ت، ص ١٦٧؛ ابن مرزبان، ١٣٧٥، ص ٩٧). لكن الشهيد الصدر اعتبر هذه الطريقة غير تامة، وقال: مجرد التعدد في النقول ليس من المعلوم أنه يُصاحبه يقين واطمئنان. ثم قدم تبيينًا مفصلاً ومبتكرًا. في البداية، ولإكمال النظرية التي اقترحها مشهور الأصوليين، وضمن تشبيه التواتر بالاستقراء، اعتبر الكبرى الكلية “عدم التواطؤ على الخطأ” مبنية على القضية اليقينية والبديهية “الاتفاق لا يكون دائميًا ولا أكثريًا”، وذكر أن هذه القضية يمكن اعتبارها قضية يقينية وأساسية لتبيين كبرى عدم التواطؤ. (صدر، ١٤٠٢، ص ٣٦). وبما أن تكرار الواقعة أو الخبر يحتاج إلى علة يمكن دائمًا استنادها إلى المخبر والراوي لتسويغ كل خطأ وزلل، وهذه العلة على تكرار الخطأ لا توجد دائمًا، فالتواطؤ مستحيل أن يحدث. (صدر، ١٤٠٢، ص ۳۸۸؛ همو، ١٤٠٨، ج ١، ص ١٩٨). بناءً على تبيين مشهور الأصوليين، فإن هذا العدد من الأدلة، التي لها خاصية الجمع، تستند إلى قاعدة عقلية بديهية. وكما اتضح، فإن طريقة تسويغهم المعرفي هي أيضًا طريقة مبنائية بسبب رجوع الحجية في هذه الأدلة إلى قضايا أساسية وبديهية. ولكن في تتمة حديثه، وفي تبيين مبتكر، يرى الشهيد الصدر أن عملية الحجية والتسويغ في هذه الأدلة تقوم على أساس تراكم احتمالات نقل خبر بواسطة رواة وناقلين كثيرين جدًا، بحيث أنه مع كثرة الأخبار والنقول، يزداد احتمال تحقق مفاد ذلك الخبر أو الفتوى أو السلوك تدريجيًا، إلى درجة أن الاحتمال المخالف يميل إلى الصفر، وتتكون معرفة يقينية للشخص. هذه هي نفس الطريقة التي يتوسل بها لإثبات اليقين في الاستقراء. مع هذا التوضيح، وبخلاف منطق أرسطو الذي اعتبر الاستقراء، بإرجاعه إلى القياس، داخلًا في نظام ذي قيمتين، فإنه بطرح مسألة الاحتمال، يقترح نظامًا ذا ثلاث قيم أو أكثر، مع فارق أننا في الاستقراء نسعى إلى تعميم الحكم الجزئي على الكل. أما في تراكم الاحتمال والظن، فلا يوجد مثل هذا التعميم. وتبيين هذه الفكرة هو أنه عند مواجهة نقل خبر أو شهادة من شخص واحد فقط في موضوع ما، تظهر هذه الأسئلة: أ) ما الفرق بين درجة اعتقاد الفقيه ونوع إذعانه لمثل هذا الإخبار، وبين الحالة التي يواجه فيها عددًا أكبر بكثير من النقول والشهادات؟ ب) من أين يبدأ هذا التفاوت والاختلاف في الحالات الداخلية للفقيه، وأين ينتهي؟ ج) هل تنتهي هذه الحالات إلى اليقين؟ للإجابة على هذه الأسئلة وتحليل الحالات الداخلية للفقيه عند مواجهة الخبر والنقل، يقترح الشهيد الصدر استخدام طريقة (آلية) الوصول إلى اليقين في حساب الاحتمالات الرياضي ويتناولها بالبحث. في هذه الطريقة، كلما زاد عدد المخبرين (المبررات الموضوعية)، كان له تأثير مختلف على الفقيه وزادت درجة صدق الخبر. ومن الواضح للمخاطبين الفضلاء أنه مع تكاثر الأخبار وعدد المخبرين، يقل احتمال الخطأ والكذب في نقل الخبر تدريجيًا ويميل إلى الصفر، ويزداد احتمال الصدق والمطابقة للواقع، ومن هنا يتولد اليقين. (بحراني، ١٤٣٦، ج ١، ص ۵۸۳؛ صدر، ١٤١٩، ص ١٤٧). يبدو أن الشهيد الصدر، وإن لم ينكر الحاجة إلى قضايا مبنائية وبديهية لإضفاء الحجية والتسويغ في وسائل الإثبات الوجداني للدليل الشرعي، إلا أن التفسير الذي يقدمه ينطبق على الانسجامية. بهذا الشكل، كل من الأخبار والفتاوى والسلوكيات، كاحتمال، يحمل جزءًا من القيمة المعرفية، والانسجام بين القيم في الخارج أو في ذهن الفقيه يُنشئ احتمالاً كبيرًا غير قابل للتكذيب واعتقادًا يقينيًا. لفهم نظرية الشهيد الصدر بشكل كامل، وبالنظر إلى تشابه عملية الحجية وطريقة توليد المعرفة في وسائل الإثبات الوجداني للدليل الشرعي، يجب المرور بعدة مباحث تمهيدية مثل بحث تفسير اليقين، ومعنى التوالد الذاتي، وتفسير الاحتمال، وكيفية عمل الاستقراء، للوصول إلى مقصوده، وهذا خارج عن نطاق هذا المقال وهدفه. (صدر، ١٤١٩، ص ١٤٧؛ همو، ١٤١٢، ص ٢٤).

٣-٤. وسائل الإثبات التعبدي

هذا العنوان، الذي يُعتبر من ابتكارات الشهيد الصدر (رحمه الله)، يبحث في شروط حجية خبر الواحد. بغض النظر عن الموضوعات المطروحة في هذا المبحث من قبيل أدلة النفي والإثبات وتحديد دائرة الحجية، فإن ما هو واضح في خطاب الأصوليين هو أن خبر الواحد الثقة أو العادل بطبيعته لا يُنشئ قطعًا بصدور الحكم الشرعي عن الإمام المعصوم، وإنما أمر الشارع هو الذي أوجب التعبد به. وأهم دليل يورده مشهور الأصوليين لإثبات حجية وأمر الشارع هو سيرة المسلمين وبناء العقلاء (بملاك إيجاد الثقة بنقل هؤلاء الأفراد). أما منظرو المعرفة، فينظرون إلى هذا المبحث، الذي يسمونه الشهادة أو الدليل النقلي، من عدة جوانب:

أ) كون الشهادة مصدرًا: يتحدث منظرو المعرفة، مثل الأصوليين، عند تعداد مصادر الأحكام والمدارك الشرعية، عن مصادر إنتاج المعرفة والإدراك، ويضيفون الشهادة، إلى جانب مصادر المعرفة التي هي العقل والذاكرة والإدراك الحسي والشهود، كمصدر لولادة معرفة وإدراك جديد. (شمس، ١٣٨٣، ص ١٨٥). بمعنى أن مقدارًا كبيرًا جدًا من معارف الإنسان يُتلقى أو يُسوَّغ بواسطة الشهادة. وكلا الوظيفتين، التلقي والتسويغ، يظهران بكثرة في كلمات الأصوليين بالنسبة لخبر الواحد، لأنهم يبحثون أيضًا في أن خبر الواحد يمكن أن يكون طريقًا لإثبات صدور الحكم الشرعي عن الشارع، وهذا بمعنى كون الخبر مصدرًا لتلقي الحكم.

ب) كون الشهادة ناقلة أو منتجة: في هذا السياق، عادة ما تُتابع رؤيتان: هل نعتبر الشهادة مجرد ناقلة للمعرفة، أم أن لها أيضًا دور التسويغ وإضفاء الحجية على الحكم والمعرفة؟ يُستفاد من كليات كلمات الأصوليين أنهم لا يرون للشهادة والأخبار دورًا إنتاجيًا، بل يعتبرونها مجرد ناقلة للحكم وطريقًا لإثبات صدور الحكم الشرعي إلى جانب آيات القرآن والخبر المتواتر وغيره. وهذا ما يقوله منظرو المعرفة أيضًا عن الشهادة والذاكرة، ويذكرون أن الذاكرة، كأحد مصادر المعرفة، هي مجرد حافظة لها وليست منتجة، وأن الشهادة يجب أن تعتمد على مصدر مستقل مثل الإدراكات الحسية. (شمس، ١٣٨٣، ص ١٩٢).

ج) التسويغ في الشهادة: هو إجابة على سؤال: هل المعرفة الحاصلة من الشهادة والدليل النقلي معرفة مسوَّغة؟ وما الدليل على أن قبول أخبار شخص ما، من وجهة نظر أصول نظرية المعرفة، هو قبول مسوَّغ أم سذاجة؟ بشكل عام، هناك اتجاهان في هذا المجال: فالتحويليون يعتبرون الخبر الذي يُصاحبه دليل مؤيد وإثباتي مسوَّغًا، بينما يرى غير التحويليين أن الميل الطبيعي للإنسان إلى قبول الخبر وعدم وجود قرينة على خلافه كافٍ لتسويغ وحجية الأخبار. (محمدي، ١٣٩٥، ص ٢٦٥). ويسعى منظرو المعرفة الغربيون، من خلال طرح نظريات مثل الاعتمادية، والوثوقية، والمعرفة الاجتماعية، التي تُعتبر نظريات خارجية، إلى إثبات أن قبول الشهادة وخبر الواحد، بهذه الطرق، قادر على الظهور كحجة، وهو نفسه معرفة مسوَّغة.

٣-٥. العلم الإجمالي

لهذا المبحث زوايا مختلفة للبحث والدراسة، ولكن ما يتعلق بموضوع هذا البحث بشكل أكبر يُتابع في مجالين:

أ) في مجال الفهم المفاهيمي: عرّف البعض العلم الإجمالي بأنه “العلم بالجامع، مع الشك والاحتمالات بعدد أطراف ذلك العلم”، وعرّفه آخرون بأنه “العلم بوجود الجامع الذي يقع ضمن أطراف وأفراد متعددة، مع الجهل بالطرف الذي تحقق فيه الجامع”. (بحراني، ١٤٣٦، ج ٢، ص ۳۳۲). وبناءً على نقل المرحوم الحائري (حائري يزدي، ١٤١٨، ص ٣٤٠)، فإن ما يُستفاد من كلام المرحوم المحقق الخراساني هو أنه يرى أن العلم الإجمالي عبارة عن العلم بالفرد المردد، مثل أن يعلم أن أحد هذين الإناءين خمر. والمبنى الثاني، وهو مختار المرحوم المحقق الأصفهاني والمرحوم النائيني، هو أن العلم الإجمالي، بخلاف العلم التفصيلي، يتعلق بالجامع، فالفرق بين هذا العلم التفصيلي والعلم الإجمالي هو من ناحية المعلوم بالعلم الإجمالي، بمعنى أن الإجمال في متعلق العلم، والإجمال في تركيب العلم الإجمالي صفة لحال المتعلق الموصوف، وبهذا يتضح أنه لا فرق بينهما من جهة العلم. والمبنى الثالث، الذي ذكره المرحوم المحقق العراقي، هو أن الفرق بين العلم الإجمالي والتفصيلي يكمن في نحو تعلق العلم. ففي العلم الإجمالي، الحكم محدد ولكن الموضوع والمتعلق مردد بين شيئين أو أكثر، بخلاف العلم التفصيلي الذي يكون كلاهما محددًا. بالنظر إلى ما قُدم من بيان للعلم الإجمالي والفرق بينه وبين العلم التفصيلي، فإن العلم الإجمالي هو قطعًا نوع من المعرفة، ومن هذا المنظور، لا يعتمد إدراكه على معلومات خارجة عن الفاعل العارف (المكلف أو الفقيه).

ب) في ناحية تنجيز العلم الإجمالي للتكليف: إذا فسّرنا التنجيز، كما فعل المحقق النائيني (بناءً على تقرير أجود التقريرات) (نائيني، ١٣٥٢، ج ٢، ص ٦١ و ٦٢)، على أساس قاعدة قبح العقاب بلا بيان، أو إذا لم نعتبر التنجيز، كما فعل المحقق العراقي، ساريًا إلى الأفراد والاحتمالات (عراقي، ١٤١٧، ج ٣، ص ۳۰۸)، فإن العلم الإجمالي لا ينجز التكليف، ولا تلزم الموافقة القطعية بأداء جميع الأطراف والاحتمالات. وقد يكون هذا مبنيًا على استلزام البدعة بناءً على رأي المحقق القمي، أو عدم إمكان قصد القربة بالنسبة للواجب الواقعي، وبالتالي فإن العمل بأطراف العلم الإجمالي لن يكون ممكنًا ومنجزًا، وبالتالي لن يكون مجزيًا. (ميرزاي قمي، ١٤٣٠، ج ٢، ص ٩٠). أما إذا قلنا، كما قال الشهيد الصدر وآخرون، بتمامية قاعدة حق الطاعة، فإن العلم الإجمالي منجز، وتلزم الموافقة القطعية بأداء جميع الأطراف والاحتمالات. (حائري، ١٤٢٦، ج ٤، ص ٣٣). هاتان النظرتان لا تشكان في تنجيز الجامع، والاختلاف حول تحققه والمعلوم الخارجي. وبما أن بعض الأصوليين لم يعطوا مكانة لأطراف واحتمالات العلم بالجامع، فقد قرروا إرجاع حل منجزية العلم الإجمالي إلى قاعدة قبح العقاب العقلية، واعتبروا العلم التفصيلي فقط منجزًا. ونتيجة لذلك، يكون الانكشاف في حدود الجامع فقط، ويتجاهلون الاحتمالات لأنها لا تُعتبر بيانًا ولا علمًا. ولكن في المقابل، يرى الشهيد الصدر وآخرون، مثل المحقق الداماد وآية الله مكارم الشيرازي، بأنواع من نظرية الانسجامية، أن كل احتمال وطرف في العلم بالجامع محقق للجامع، ويعتبرون كل احتمال منجزًا. (مكارم شيرازي، ١٤٢٨، ج ٢، ص ٤٦؛ محقق داماد، ١٣٨٢، ج ٢، ص ۲۳۷). ويبدو أنهم يعتبرون الاحتمالات، في انسجام لا ينفصم، مرتبة من الجامع ومكونة له، ويقولون في هذا الصدد: “ليس مقصودنا من تعلق العلم بالجامع، الجامع الحقيقي، واستخدام كلمة الجامع هو فقط للترميز لشمولية جميع أفراده، والموافقة القطعية بأي مقدار من الجامع – لا كله – تحصل بإتيان أحد الأفراد”. (حائري، ١٤٢٦، ج ٤، ص ٢٧). بناءً على ذلك، فإن الدليل والتسويغ المعرفي لمنجزية الاحتمال في العلم الإجمالي هو الانسجام الذي يتشكل في ذهن واعتقاد الفقيه، بناءً على مسلك حق الطاعة أو أي مسلك آخر، حول الاحتمالات المتعددة، ويؤدي إلى حجية الاحتمالات في حق المكلف. ويرتبط هذا التقرير، من هذه الناحية، بنظرية الانسجاميين، حيث إنه وإن كان اعتبار وحجية العلم الإجمالي يتشكلان في قواعد عليا مثل حق الطاعة، إلا أن الانسجام بين الاحتمالات المتعددة يُنشئ أرضية فكرية لاعتقاد الفقيه، مما يضطره إلى تنجيز جميع الاحتمالات لإدراك الجامع؛ لأنه بناءً على نظرية الانسجامية، لا تتشكل المعرفة إلا بتجاور الاحتمالات المتعددة تحت مظلة كلٍّ منهجي.

٣-٦. الشبهة المحصورة وغير المحصورة

في تتمة البحث عن العلم الإجمالي، يتطرق الأصوليون عادة إلى بحث الشبهة المحصورة وغير المحصورة. وقد قدموا تعريفات لهاتين الشبهتين، منها: “إذا كانت درجة الاحتمال في أطراف العلم الإجمالي صغيرة وضعيفة إلى درجة لا تؤدي إلى باعثية ومحركية، فهي شبهة غير محصورة. وإذا كانت درجة احتمال التكليف قوية بحيث تُحفظ باعثيتها، أي أن أطراف الشبهة ليست كثيرة جدًا، فهي شبهة محصورة”. (قطيفي، ١٤١٤، ص ٢٢). أو “إذا كانت أطراف الشبهة كثيرة جدًا بحيث تخرج عن محل ابتلاء المكلف، أو كان التكليف بها موجبًا للعسر والحرج، أو كان التكليف بها موجبًا لاختلال النظام، فهي شبهة غير محصورة”. (كاظمي، ١٣٧٦، ج ٤، ص ١١٧). لا يرى الأصوليون التكليف منجزًا في أطراف الشبهة غير المحصورة، وبالتالي لا يرون الاحتياط لازمًا. ويعللون ذلك أحيانًا بخروجها عن محل ابتلاء المكلف، أو اختلال النظم الاجتماعية، أو لزوم العسر والحرج. من وجهة نظر نظرية المعرفة، فإن تناول هذا البحث، من حيث إن الشبهة موضوع لجريان الحكم الاستنباطي وليس لها جانب توليد للمعرفة، لا طائل من ورائه. ولكن من منظور سبب تسويغ وعدم حجية العلم الإجمالي في أطراف هذه الشبهة، يمكن أن يكون محل بحث. هذا البحث، من حيث إنه يُطرح في تتمة بحث العلم الإجمالي، له تطبيق انسجامي. بهذا الشكل، فإن الفقيه عند مواجهة كل طرف من أطراف الشبهة، يتشكل احتمال في نفسه واعتقاده، وأساسًا فإن الانسجام بين أطراف الشبهة هو الذي يسبب عدم تنجز التكليف، لأن كل طرف من أطراف الشبهة له في نفس الفقيه مرتبة من امتثال الواقع، ويمنع الفقيه من الخروج عن العمل بطرف واحد.

٣-٧. الانسداد

في مجال تحديد المصادر، يرى البعض، مثل المحقق القمي، بطرح نظرية الانسداد، أن طرق الوصول إلى المعرفة في استنباط الحكم الشرعي مسدودة، ويقولون بحجية الظن المطلق. يقولون: ليس لدينا طريق علمي أو منتهٍ إلى العلم بالأحكام حتى نتمسك به. بناءً على ذلك، ولأن الشارع لا يرضى بتفويت الأحكام الإلزامية، فقد وضع مسارًا لمعرفة الأحكام والعمل بها. وهذه المسارات، سواء بناءً على مسلك كشف حكم الشارع بحجية الظن، أو بناءً على الحكومة (حكم العقل بحجية الظن)، نتيجتها حجية الظنون المطلقة. (آخوند خراساني، ١٤٣٠، ص ۳۱۱؛ حائري، ١٤٢٦، ج ٢، ص ٣٦٥). الافتراض المسبق للانسداد هو انسداد طريق العلم والعلمي، بمعنى أنه لو كان طريق العلم والعلمي مفتوحًا، لما أدى الأمر إلى الانسداد. وهم لا ينكرون حجية القطع وحجية الدليل المنتهي إلى القطع؛ ولكنهم يقولون: ليس لدينا مثل هذا الدليل. إذن، يجب القول بأن الانسداديين أيضًا لم يعدلوا بشكل أساسي عن نظرية التسويغ ولا ينكرونها؛ إلا أن لديهم إشكالات فيما يتعلق بحصولها في بعض القضايا الأصولية. بعبارة أخرى، وسّع الانسداديون نظرية الحجية، أي أنهم أضافوا إلى كون القضية المسوَّغة في علم الأصول يجب أن تكون قطعية أو منتهية إلى القطع، نظرية ثالثة، ويقولون: الظن أيضًا له درجات من التسويغ (وإن لم ينتهِ إلى القطع). بناءً على هذا، يُطرح هنا سؤال: ما معنى هذا التوسع؟ بناءً على نظرية الكشف، تثبت الحجة الشرعية للظن. وبهذا الاعتبار، فإن حجية الظن المطلق ومبنى الانسداد جزء من تلك الحجة العارضة، أي الدليل المنتهي إلى القطع. وبناءً على الحكومة، ولأنه قائل بحجية الظن العقلية، التي هي نفسها قطعية، فإن العقل حكم بأن الظن حجة. بهذا الاعتبار، يبدو أن نظرية التسويغ في مبنى المشهور لم تتغير، وفي اتجاه تحكيم المبنائية، بُنيت قضية مبنائية أخرى في عرض مرجعية القطع ونظرية الحجية.

النتيجة

بناءً على الدراسات التي أُجريت في تبيين آراء الأصوليين والتطبيق الذي تم مع فكر منظري المعرفة الغربيين، تم التوصل إلى النتائج التالية:

١- إن لرؤيتي الداخلية (الجوّانية) والخارجية (البرّانية) تبيينات كثيرة، ومع ذلك، لا يبدو أي منها وافيًا، وهذا النقص في تقديم تعريف جامع ومانع أوجد مشكلات في التطبيقات. أما في المبنائية والانسجامية، فالتبيينات وافية وشفافة، ولهذا السبب، كان المحور في هذا البحث هذين المبنيين. ٢- إن الموقف المعرفي للأصوليين في معظم مباحث علم أصول الفقه يميل إلى نظرية المبنائية. فهم، من خلال تحديد وتعريف قضايا أساسية ومبنائية، مثل مرجعية القطع الذاتية، ونظرية الحجية، والانسداد، التي أُثبتت بحاكمية العقل، يسعون إلى تسويغ وإرجاع سائر القضايا الأصولية إليها. ٣- خلال سيطرة حاكمية المبنائية في فكر الأصوليين، يبدو أن الأدلة التي لها في علم أصول الفقه خاصية الجمع، وتتشكل من تجميع عدة قضايا، مثل الخبر المتواتر، والإجماع، والسيرة، والشهرة، وكذلك العلم الإجمالي والشبهة المحصورة، لها تسويغ انسجامي. لأن عامل توجه الفقيه إلى هذه الأدلة، وكونه لا يستطيع التخلي عن هذه المعرفة التجميعية (مثل حكم الفقيه بحجية الإجماع)، هو قوة الانسجام والتلاقي بين الاحتمالات المتكثرة، وفي النهاية يتكون اعتقاد لدى الفقيه تكون مخالفته مكلفة. ٤- في بحث مصادر المعرفة، نظر كل من منظري المعرفة والأصوليين إلى “الخبر” من زاوية ما. فالأصوليون، بطرح بحث خبر الواحد، ومنظرو المعرفة، ببحث الدليل النقلي والشهادة، تناولوا بالبحث والتحقيق مسألة كون الخبر مصدرًا للمعرفة أو ناقلاً لها. ٥- على الرغم من أن مباحث نظرية المعرفة يعتبرها البعض حديثة النشأة، وأن البحث في اتجاهي المبنائية والانسجامية في القضايا المعرفية يُعتبر أيضًا حديثًا ويُنسب إلى العلماء الغربيين، إلا أن تحليل هذا البحث أظهر أن جذورًا مهمة من هذا البحث كانت موضع اهتمام العلماء الأصوليين منذ سنوات بعيدة، وهي من ابتكاراتهم التي نُسبت خطأً، إما بسبب الانبهار بالغرب أو عدم الدقة في التراث العلمي، إلى ابتكارات العلماء الغربيين.

المصادر

  • آخوند خراساني، محمد كاظم (١٤٠٩ق). كفاية الأصول. قم: مؤسسة آل البيت.
  • اصفهاني، محمد حسين (١٤٢٩ق). نهاية الدراية في شرح الكفاية. بيروت: مؤسسة آل البيت.
  • الإمام الخميني، السيد روح الله (١٤١٥ق). أنوار الهداية على الكفاية في التعليقة على الكفاية. تهران: مؤسسة نشر آثار إمام خميني (ره).
  • بحراني، محمد صنقور علي (١٤٢٦ق). المعجم الأصولي. قم: نشر عترت.
  • حائري يزدي، الشيخ عبدالكريم (١٤١٨). درر الفوائد (طبع جديد). قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
  • حائري، السيد كاظم (١٤٢٦ق). مباحث الأصول (تقريرات درس الشهيد الصدر). قم: دار البشير.
  • حسين زاده، محمد (۱۳۸۲). پژوهشي تطبيقي در معرفت شناسي معاصر. قم: مؤسسة آموزشي إمام خميني (ره).
  • حسين زاده، محمد (۱۳۹۷). جستاري فراگير در ژرفاي معرفت شناسي. قم: انتشارات حكمت إسلامي.
  • حكيم، عبد الصاحب (١٤١٦ق). منتقى الأصول، تقريرًا لأبحاث آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الروحاني). قم: مطبعة الهادي.
  • خان افضلي، جمعه (۱۳۸۷). روش استقرايي از ديدگاه تطبيقي معرفت فلسفي.
  • خميني، السيد روح الله (۱۳۸۲). تهذيب الأصول. قم: دار الفكر.
  • خميني، السيد مصطفى (۱۳۷۶). تحريرات في الأصول. تهران: مؤسسة نشر آثار إمام خميني (ره).
  • شمس، منصور (١٣٨٤). آشنايي با معرفت شناسي. تهران: انتشارات طرح نو.
  • صدر، محمد باقر (١٤١٧). تقريرات هاشمي شاهرودي، السيد محمود. بحوث في علم الأصول. قم: مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي بر مذهب أهل بيت.
  • صدر، السيد محمد باقر (١٤١٢ق). المرسل الرسول الرسالة. بيروت: دار التعارف.
  • صدر، السيد محمد باقر (١٤١٧ق). بحوث في علم الأصول. بيروت: الدار الإسلامية.
  • صدر، السيد محمد باقر (١٤١٩ق). دروس في علم الأصول الحلقة الثانية. قم: مجمع الفكر الإسلامي.
  • طباطبائي، السيد محمد حسين (د.ت). حاشية الكفاية. قم: بنياد علمي و فكري علامة طباطبائي.
  • عراقي، ضياء الدين (١٤١٧ق). نهاية الأفكار. قم: دفتر نشر إسلامي.
  • عمراني، سلمان (۱٤۰۱). پژوهشنامه حقوق إسلامي، شماره ۳، شماره پياپي ۵۷.
  • فتحي زاده، مرتضى (۱۳۸۰). نگاهي به مسأله درون گرايي و برون گرايي در معرفت شناسي معاصر. فصلنامه پژوهشهاي فلسفي، شماره ۸.
  • فعالي، محمد تقي (۱۳۷۳). علم حضوري علم حصولي. نشريه معرفت، شماره ۲.
  • فيومرتن، ريتشارد (۱۳۹۰). معرفت شناسي. تهران: حكمت.
  • قطيفي، السيد منير (١٤١٤ق). الرافد في علم الأصول. قم: ليتوگرافي حميد.
  • قمي، ميرزا ابوالقاسم (١٤٣٠ق). قوانين المحكمة في الأصول. قم: احياء الكتب الإسلامية.
  • كاظمي خراساني، محمد علي (۱۳۷۶). فوائد الأصول، (تقريرات درس محقق نائيني). قم: مؤسسة نشر إسلامي.
  • گلشني منفرد، فائزه (۱۳۹۶). بررسي تحليلي توجيه درون گرايانه و برون گرايانه در معرفت شناسي سوئين برن. فصلنامه ذهن، شماره ۷۱.
  • لاريجاني، صادق (۱۳۸۱). فلسفه تحليلي و علم اصول. پژوهشهاي اصولي، شماره ۲.
  • لاريجاني، صادق (١٣٩٤). فلسفه علم اصول (علم اصول و نظريه اعتبار). قم: انتشارات ولي عصر.
  • محقق داماد، السيد محمد (۱۳۸۲). اصفهان: المحاضرات.
  • محمدي، عبدالله (۱۳۹۵). ارزش معرفت شناختي دليل نقلي. قم: مؤسسة إمام خميني (ره).
  • مظفر، محمد رضا (۱۳۸۰). أصول الفقه. قم: دفتر تبليغات إسلامي.
  • مكارم شيرازي، ناصر (١٤٢٨ق). انوار الأصول. قم: مدرسة الإمام علي بن أبي طالب (ع).
  • مهدوي فر، محمدرضا؛ سجاديه، نرجس (١٣٩٤). ساختار معرفتي فلسفه هاي تعليم و تربيت اسلامي مبناگروي يا انسجام گروي. فصلنامه تعليم و تربيت، شماره ۳، پياپي، ۱۲۳.
  • نائيني، محمد حسين (۱۳۷۶). فوائد الأصول. قم: جامعة مدرسين حوزه علميه قم.
Scroll to Top