تحليل آراء علماء الشيعة في حلّ تعارض روايات السعادة والشقاوة الذاتية مع اختيار الإنسان

الملخص

تُعدّ السعادة والشقاوة من المباحث الفلسفية والكلامية الهامة. وقد بُحث في تعاليم الأئمة (ع) أيضاً حول حقيقة السعادة والشقاوة وكونها اختيارية بشكل مستفيض. ومع ذلك، يدل ظاهر بعض الأحاديث على السعادة والشقاوة الذاتية للإنسان ونفي اختياره في تقرير مصيره. يرى بعض المفكرين أن السعادة تنسجم مع الغاية المنشودة للإنسان وكماله النهائي، ويمكن تحقيقها من خلال الاختيار الواعي للإنسان وأفعاله الاختيارية. ويعتقد عدد آخر من أصحاب الرأي، بالاعتماد على ظاهر الأحاديث المذكورة، بسيادة الجبر على مصير الإنسان. وقد دفع وجود هذا التعارض المحدثين وعلماء الإمامية إلى شرح وتوجيه هذه الروايات بأساليب مختلفة. في هذا البحث، نعتزم بأسلوب تحليل المحتوى، بعد عرض آراء أبرز مفكري الشيعة حول هذه الروايات، أن ندرس ونقيّم الحلول التي قدموها، وفي النهاية نستخلص الرأي الصحيح. ومن خلال التدقيق في آراء المفكرين وتحليلها، نجد أن تأويل هذه الأحاديث بالعلم الإلهي، بالإضافة إلى نفي شبهة الجبر، ينسجم مع سائر الآيات والروايات والأدلة الكلامية. وفي هذا السياق، يرى بعض المفكرين أن نفي الوجود الذاتي شاهد على إثبات هذا المدعى. وبناءً على ذلك، فإن الفعل الذي يصدر عن الإنسان ويُخلق، يكون معلوماً ومحدداً في العلم الإلهي قبل صدوره من الإنسان.

١. طرح الإشكالية

تسعى جميع الكائنات ذات الإدراك والشعور إلى بلوغ الكمال والسعادة. ومن بين الكائنات، الإنسان هو الوحيد الذي يعتمد طريق تحصيل سعادته على عمله الاختياري. فبناءً على التعاليم الدينية والعقلية، يرغب الإنسان فطرياً في الكمال والسعادة، وإن كان الوصول إليه يعتمد على اختياره وانتقائه. ونظراً لتقابل السعادة والشقاوة، الذي تكون العلاقة بينهما من نوع الملكة وعدمها، فإن الإنسان يخطو نحو تحقيق أو عدم تحقيق الكمالات الروحية والجسمانية باختياره الواعي.

لقد تم التأكيد على حق الإنسان في اختيار مسار السعادة أو الشقاوة في بعض آيات القرآن الكريم؛ فآية «إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً» (الإنسان: ٣) هي أوضح مثال في هذا الصدد. يكتب العلامة الطباطبائي في ذيل هذه الآية: الهداية التي هي نوع من الإعلام من قبل الله تعالى ووضع علامة على طريق البشرية، هي على نوعين: النوع الأول هو الهداية الفطرية، بمعنى أن البشر قد خُلقوا على نحو معين وجُهز كيانهم بإلهام يميزون به الاعتقاد الحق والعمل الصالح؛ كما يقول تعالى: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيْمُ» (الروم: ٣٠). هذه الآية تجعل فطرة الله حاكمة على جميع الخلائق، وليس فقط على الإنسان. والنوع الثاني هو الهداية الكلامية واللفظية التي تتم عن طريق الدعوة، أي أن الله تعالى يبعث الأنبياء ويرسل الرسل وينزل الكتب ويشرع الشرائع، وبهذه الوسيلة يوضح طريق البشر في حياتهم ويبين لهم السعادة والشقاوة، وهذه الدعوة تجري باستمرار بين البشر وتُؤيد بدعوة الفطرة (الطباطبائي، ١٤١٧هـ، ٢٠: ١٢٣).

وفي الروايات أيضاً، حظي اختيار الإنسان في تحقيق السعادة والشقاوة بالاهتمام. ورغم أنه في الأحاديث، بالإضافة إلى تبيين مفهوم السعادة والشقاوة (الصدوق، ١٣٦٢ش، ١: ٥؛ المجلسي، ١٤٠٣هـ، ١٠: ١٨٤)، تم التأكيد بشكل أكبر على مصاديق وأسباب الوصول إلى السعادة والشقاوة. كما ورد في رواية الإمام الصادق (ع) أنه عرّف وجود زوجة بصيرة، وولد صالح، ورزق ودخل يكفي الشخص وعائلته لحياة مريحة، من مصاديق السعادة المادية (الكليني، ١٤٠٧هـ، ٥: ٢٥٨). وفي رواية أخرى، يعرّف الإمام علي (ع) السعي في الأمور التي تصلح الناس بأنه كمال السعادة (التميمي الآمدي، ١٣٦٦ش، ٤٨٢)؛ وفي هذا البيان، يشير كمال السعادة إلى مرتبة ومصداق السعادة المعنوي.

على الرغم من وجود الروايات المذكورة أعلاه، توجد في المجامع الروائية الشيعية أحاديث حول سعادة الإنسان وشقاوته، يتيح ظاهرها فهماً جبرياً. هذه الروايات، بالإضافة إلى سلب الاختيار من الإنسان، تجبره على سلوك طريق في حياته قد قُدر له قبل ولادته. مثل حديث طويل في كتابي (من لا يحضره الفقيه) و(أمالي الشيخ الصدوق)، يروى عن أبي الصباح الكناني عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «رَوَى صَفْوَانُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِي الصَّبَّاحِ الْكَنَانِي قَالَ قُلْتُ لِلصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (ع) أَخْبِرْنِي عَنْ هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُ مَنْ هُوَ أَسْأَلُ اللَّهَ الْإِيمَانَ وَالتَّقْوَى وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ عَاقِبَةِ الْأُمُورِ… وَالشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ…» (الصدوق، ١٤٠٤هـ، ٤: ٤٠٢).

للوهلة الأولى، تتعارض هذه الروايات مع التعاليم القرآنية وسائر الأحاديث، حيث تشير آيات وروايات كثيرة إلى تأثير التربية، وهدف التكليف، واختيار الإنسان في سلوك طريق الكمال؛ بينما الالتزام بظاهر هذه الأحاديث سيؤدي إلى نوع من إبطال تأثير التربية، بل وأبعد من ذلك، سيؤدي إلى انهيار نظام التشريع والعقاب. ولكن نظراً إلى أنه يجب تعلم تفسير كلام الله من الأئمة (ع)، فإن الرجوع إلى ظاهر مثل هذه الأقوال ليس مبرراً وصحيحاً من الناحية العقلية. لذلك، بالرجوع إلى الأدلة النقلية والعقلية وتحليل المصادر والمراجع المتاحة، يمكن الوصول إلى حقيقة الكلام. لهذا السبب، سنبدأ أولاً بدراسة لغوية واصطلاحية للسعادة والشقاوة، ثم ننتقل إلى بيان آراء العلماء، وفيما بعد نقوم بتقييمها.

وفيما يتعلق بخلفية البحث، فإنه من خلال الرجوع إلى المقالات التي كتبها بعض الباحثين، نجد اختلافات جوهرية في نوع التحليل وعرض المواد مقارنة بالبحث الحالي. ومع ذلك، فإن هذه المقالات تساعدنا نسبيًا في توضيح أفضل لموضوع البحث. وأبرز الكتابات الموجودة في هذا المجال هي: ١. مقالة «بحث حول حديث السعيد سعيد في بطن أمه…» للسيد محمد محمدي الري شهري، التي نُشرت في العدد ٤٤ من مجلة علوم الحديث، وتتناول باختصار دراسة مصادر الحديث المذكور وتقديم أربعة معانٍ له. ٢. مقالة «وقفة عند حديث السعيد سعيد في بطن أمه والشقي شقي في بطن أمه» للسيدين نوروز أميني وحسين خاني كلقاي، التي نُشرت في العدد ٣٢ من مجلة آفاق الحضارة الإسلامية، وتركز بشكل أكبر على مصادر الروايات في مصادر الفريقين وتأريخها. ٣. مقالة «السعادة والشقاوة من منظور روايات باب السعادة والشقاء من كتاب الكافي» التي كتبها محمد رضا كريمي وعبد الكريم همايوني، ونُشرت في العدد ٥١ من مجلة سفينة، وتتناول باختصار شرح ثلاث روايات من كتاب الكافي. على الرغم من جهود الباحثين المذكورين، فإن رفع تعارض روايات السعادة والشقاوة الذاتية مع تعاليم الكتاب والسنة والبديهيات العقلية، لم يحظ باهتمام كبير منهم.

٢. دراسة مفهوم السعادة والشقاوة

١-٢. المعنى اللغوي للسعادة والشقاوة

بالرجوع إلى المصادر اللغوية، نجد أن معظم هذه المصنفات قد ذكرت معنى واحداً كأصل للسعادة، وهو الوصول إلى الخير، ونقيضها الشقاوة. وفي هذا السياق، عمد بعض اللغويين إلى تعريف السعادة من خلال نقيضها؛ حيث اعتبروا السعادة نقيض النحس (الفراهيدي، ١٤١٠هـ، ١: ٣٢؛ ابن عباد، ١٤١٤هـ، ١: ٣٥٢). وقد اهتم البعض الآخر بأصل المعنى، حيث اعتبروا البركة واليُمن معنى للسعادة (الجوهري، ١٤١٠هـ، ٢: ٤٨٧). من وجهة نظر الراغب الأصفهاني، السعادة تعني العون والتوفيق الإلهي للإنسان في الوصول إلى الخير، والشقاوة هي نقيضها (الراغب الأصفهاني، ١٤١٢هـ، ٤١٠). وفي لسان العرب، بالإضافة إلى اليُمن، ذُكرت المساعدة والعون كمعنى للسعادة (ابن منظور، ١٤٠٨هـ، ٣: ٢١٣). وفي هذا الصدد، قدم ابن فارس معنى شاملاً في شرح المعنى اللغوي للسعادة. ويمكن ملاحظة هذا المعنى أيضاً بشكل متناثر في كتب اللغة. من وجهة نظره، فإن «سعد» أصل يدل على الخير والسرور، وهو خلاف النحس، و«السَّعْد» يعني اليُمن في الأمور (ابن فارس، ١٤٠٤هـ، ٣: ٢٠٢).

بناءً على ذلك، وفي مقام الاستنتاج، يمكن القول إن للسعادة والشقاوة من وجهة نظر اللغويين معنيين عامين: أحدهما اليُمن والبركة، وضده النحوسة وعدم البركة؛ والآخر المساعدة والعون، وضده عدم المساعدة، وهو ما يتناسب مع غياب التوفيق الإلهي.

٢-٢. المعنى الاصطلاحي للسعادة والشقاوة

بالرجوع إلى آثار مفكري الشيعة، نجد أن معظمهم قد اعتبر الوصول إلى العدالة، والملاءمة مع الطبع، وتوفر موجبات اللذة والراحة سعادة. هذا المعنى، بالنظر إلى الطباع والمعتقدات ورغبات الأفراد المختلفة، يختلف. ولكن في النهاية، يتبادر إلى الذهن الوصول إلى المقصد، وهو كمال الكائنات. في نظر الأشخاص الذين يعتقدون بعالم آخر، السعادة تعني الوصول إلى مقام القرب من الله أو نيل رضوانه. ومن يعتبر السعادة في تحقيق الأهداف السامية للناس، يرى السعادة في وجود مجتمع مزدهر. ورغم ذلك، يوجد تعريف جامع وهو الوصول إلى الهدف والكمال الذي قُدر لكل كائن في زمن خلقه. من هذا المنطلق، يرى ابن سينا أن المحصلة النهائية لجميع السعادات تكمن في أن تصل قوى النفس الإنسانية مجتمعة إلى ما تستحقه؛ أي أن غاية ومقصد جميع أفعالها تتجه نحو العدالة (ابن سينا، ١٤١٨هـ، ١٠٩). ويرى الملا صدرا أيضاً أن السعادة هي إدراك أمر يلائم طبع الإنسان، والشقاوة هي إدراك أمر لا يتوافق مع طبعه (صدر الدين الشيرازي، ١٣٨٥ش، ٢٥٠).

من وجهة نظر الإمام الخميني (ره)، السعادة في نظر العرف والعقلاء هي موجبات اللذة والراحة، وتحصيل وسائل الشهوات والآمال الإنسانية، وتحقيق ما يتوافق مع نفس الإنسان وقواها، وهذا الأمر غالباً ما يكون دائماً، وفي مقابله الشقاوة (الخميني، ١٤٢١هـ، ٧٣). ومن وجهة نظر النراقي، حقيقة السعادة في رأي أهل الاستدلال، وأصحاب الكشف والشهود، وأهل الشرع والظاهر، هي بالترتيب: العقل والعلم، والعشق والزهد، وترك الدنيا (النراقي، ١٣٨٥ش، ١: ٧٨).

نتيجة القول هي أن هناك تناسباً بين المعنى اللغوي للسعادة والشقاوة والمعنى الاصطلاحي لها. حقيقة السعادة هي وصول الإنسان إلى هدفه النهائي وكماله الحقيقي. وكما يعتبرها علماء الأخلاق الخير المطلق، وفي التعاليم الدينية، تُعبَّر السعادة بالوصول إلى مقام القرب والرضوان الإلهي. والوصول إلى الكمال والسعادة هو أمر اختياري، ويجب على كل شخص أن يحصل عليه بأفعاله الاختيارية بشكل واعٍ وبناءً على اختيار الطريق الصحيح. ومن هذا المنطلق، فإن السعادة أمر حقيقي، دنيوي-أخروي، ويمكن تحصيله بالكامل؛ ولكن باختلاف الطريق الذي يسلكه الأفراد، فإنها تختلف.

٣. السعادة والشقاوة الذاتية في بيان الروايات

تشير بعض روايات أهل البيت (ع) إلى السعادة والشقاوة الذاتية. وبناءً على هذه الأحاديث، فإن السعادة والشقاوة ليستا اكتسابيتين واختياريتين، بل إن الإنسان مجبر على تحقيقهما. وهذه الروايات تتعارض ظاهرياً مع تعاليم مثل العدالة والاختيار. وقبل دراسة سند ودلالة هذه الروايات، من الضروري ذكر المصادر التي نقلتها.

بالرجوع إلى المصادر الروائية الشيعية، نجد ثلاثة أحاديث تشير إلى السعادة والشقاوة الذاتية.

الحديث الأول ذُكر في كتاب (من لا يحضره الفقيه) و(أمالي الشيخ الصدوق)، وقد انعكس في آثار المحدثين الشيعة المتأخرين. في هذا الحديث، يسأل الإمام الصادق (ع) أحد أصحابه عن صحة وكيفية عبارة «الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره»، فيجيب الإمام بأن هذا من كلام رسول الله (ص): «رَوَى صَفْوَانُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِي الصَّبَّاحِ الْكَنَانِي قَالَ قُلْتُ لِلصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (ع) أَخْبِرْنِي عَنْ هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُ مَنْ هُوَ أَسْأَلُ اللَّهَ الْإِيمَانَ وَالتَّقْوَى وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ عَاقِبَةِ الْأُمُورِ… وَالشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ… فَقَالَ الصَّادِقُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (ع) هَذَا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ (ص)» (الصدوق، ١٤٠٤هـ، ٤: ٤٠٢؛ وهو، ١٣٧٦ش، ٤٨٧-٤٨٨؛ الفيض الكاشاني، ١٤٠٦هـ، ٢٦: ١٥٧-١٥٨؛ المجلسي، ١٤٠٣هـ، ٧٤: ١١٤-١١٥).

الحديث الثاني يرويه الشيخ الكليني بمضمون الرواية الأولى، ولكن بسند مختلف: «حُمَيْدُ بْنُ زِيادٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكِنْدِي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُدَيس عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي الصَّبَّاح قَالَ سَمِعْتُ كَلاماً يُرْوَى عَنِ النَّبِي (ص) وَعَنْ عَلِيٍّ (ع) وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَعَرَضْتُهُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) فَقَالَ هَذَا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ (ص) أَعْرِفُهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ» (الكليني، ١٤٠٧هـ، ٨: ٨١).

وقد نقل الشيخ الحر العاملي الحديث المذكور من كتاب الكافي، وأشار إلى وجوده بزيادات في أمالي الشيخ الصدوق (الحر العاملي، ١٤٠٩هـ، ٢٧: ٨٤). والجدير بالذكر أن هذا الحديث قد رواه الحسين بن سعيد الكوفي في كتاب الزهد باختلاف طفيف عن الرواية الموجودة في الكافي بسند مرسل على النحو التالي: «الْقَاسِمُ وَفَضَالَةُ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ سَيَابَةَ قَالَ سَمِعْتُ كَلاماً يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ (ص) أَنَّهُ قَالَ: السَّعِيدُ مَنْ سَعِدَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَالشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ» (الكوفي الأهوازي، ١٤٠٢هـ، ١٤). والفرق بين هذه الرواية والحديث الموجود في الكافي هو أنه في نقل الكليني، صُرّح بأن أبا الصباح الكناني عرض كلاماً من النبي (ص) على الإمام الصادق (ع) للتأكيد، بينما في الرواية الموجودة في كتاب الزهد، لا يوجد مثل هذا التصريح، ولذلك فهي مرسلة.

الحديث الثالث عن الإمام الكاظم (ع) بسند مختلف ومضمون أوسع من الحديثين السابقين، وقد ورد في كتاب التوحيد للشيخ الصدوق. ووفقاً لهذا الحديث، فإن الشقي شقي في بطن أمه لأن الله يعلم أنه سيعمل أعمال الأشقياء. والسعيد أيضاً هو من سعد في بطن أمه والله يعلم أنه سيعمل أعمال السعداء: «حَدَّثَنَا الشَّرِيفُ أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع) قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُتَيْبَةَ النَّيْسَابُورِيُّ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ (ع) عَنْ مَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ (ص) الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَالسَّعِيدُ مَنْ سَعِدَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ فَقَالَ الشَّقِيُّ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَنَّهُ سَيَعْمَلُ أَعْمَالَ الْأَشْقِيَاءِ وَالسَّعِيدُ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَنَّهُ سَيَعْمَلُ أَعْمَالَ السُّعَدَاءِ» (الصدوق، ١٣٩٨هـ، ٣٥٦). وقد نقل المحدثون المتأخرون جميعاً هذه الرواية من كتاب التوحيد (راجع: المجلسي، ١٤٠٣هـ، ٥: ١٥٧؛ القمي، ١٤١٤هـ، ٨: ٧٤٧؛ النمازي الشاهرودي، ١٤١٨هـ، ٥: ٤٠؛ ٦: ٢٢؛ الجزائري، ١٤١٧هـ، ٢: ٢٥٨).

٤. دراسة أسانيد الروايات

إن إثبات صحة سند الحديث هو من مقدمات وقرائن الاعتماد عليه. وبناءً على هذا المبدأ، نقوم بتقييم الروايات الثلاث المذكورة، التي نقلت كل منها بطريق مختلف.

بالرجوع إلى سند الحديث الأول، نجد أنه لا غبار عليه، لوجود صفوان بن يحيى في طريق الرواية، وهو من أصحاب الإجماع (النجاشي، ١٤١٦هـ، ١٩٧). ورغم اختلاف مباني المحدثين والفقهاء في قبول قاعدة أصحاب الإجماع وتوسيعها كإحدى قواعد التوثيق الرجالي العامة، فإن علماء الرجال الذين لا يعتقدون أن تعبير الكشي يدل على صحة كل ما نقله أصحاب الإجماع عن المعصومين (ع)، يؤكدون على جلالة ومكانة هؤلاء الأشخاص الرفيعة (الخوئي، ١٤١٠هـ، ١: ٢٨٦). بالإضافة إلى ذلك، وبغض النظر عن اختلاف المحدثين المتقدمين والمتأخرين في هذا المجال، فإن وجود أحد أصحاب الإجماع في سلسلة السند يوجب إتقانه. كما أن نقل الكشي للإجماع، وإن لم يكن حاكياً عن إجماع الجميع، إلا أنه يكشف على الأقل عن اتفاق مجموعة كبيرة (زركوش نسب وآخرون، ١٣٩٢ش، ٤٥). إضافة إلى صفوان بن يحيى الذي تم التأكيد على وثاقته، فإن أبا الصباح الكناني أيضاً من خواص أصحاب الإمام الباقر والصادق (ع)، ومن الرواة الثقات والأجلاء الذين مدحهم ووثقهم علماء الرجال (الطوسي، ١٣٤٨ش، ٣٥٢؛ النجاشي، ١٤١٦هـ، ١٥).[1]

الرواية الثانية يمكن الطعن فيها لوجود أحمد بن عُدَيس في سلسلة السند، حيث يعتبره علماء الرجال مجهولاً (الجواهري، ١٤٢٤هـ، ٣٣). وقد أذعن العلامة المجلسي أيضاً بجهالة هذا الراوي (المجلسي، ١٤٠٤هـ، ٢٥: ١٨٥). وبفرض أن اسمه قد صُحّف وكان أحمد بن عبدوس، فإن المشكلة لا تزال قائمة؛ لأنه لم يتعرض للجرح والتعديل في كتب الرجال وهو مهمل (الحلي، ١٤١١هـ، ٩٩؛ النجاشي، ١٤١٦هـ، ٨١؛ الطوسي، ١٤٢٠هـ، ١٤١٢-١٤١٥؛ الحلي، ١٣٩٢هـ، ٣٩). ومع ذلك، في سلسلة سند هذه الرواية، يوجد أبان بن عثمان الأحمر البجلي من أصحاب الإمام الصادق والإمام الكاظم (ع) (الخوئي، ١٤١٠هـ، ١: ١٥٧) ومن أصحاب الإجماع (الحلي، ١٣٤٢ش، ١٢). وهو يروي عن الإمام الصادق (ع) مباشرة وبواسطة. ويرى آية الله الخوئي أنه بالإضافة إلى كونه من أصحاب الإجماع، فإن مجرد ذكر اسمه في سند كامل الزيارات وسند الشيخ الصدوق يكفي لوثاقته (الخوئي، ١٤١٠هـ، ١: ١٦١). وأبو الصباح الكناني أيضاً، كما ذكرنا سابقاً، موضع ثقة ومدح علماء الرجال (النجاشي، ١٤١٦هـ، ١٥).

خلاصة القول أنه لا يمكن الادعاء بأن سند الكليني غير قابل للاستناد؛ بل هو حديث حسن أو شبيه بالصحيح. بالإضافة إلى ذلك، بتخريج الرواية بواسطة كتاب (من لا يحضره الفقيه) و(أمالي الشيخ الصدوق)، يخرج الحديث من كونه مجهولاً؛ ومن ثم، فهو من الناحية السندية صحيح وقابل للاستناد.

الرواية الثالثة أيضاً صحيحة لوجود اسم ابن أبي عمير بين رواتها. إضافة إلى ذلك، يوجد في سلسلة سندها أفراد ممدوحون مثل أبو علي محمد بن أحمد. وهو أستاذ الكشي وكان موضع ثقته (الطوسي، ١٣٤٨ش، ١٠٨٨). كما أن ابن قتيبة كان من أصدقاء وزملاء الفضل بن شاذان (النجاشي، ١٤١٦هـ، ٢٥٩). والفضل بن شاذان أيضاً من الثقات المشهورين والمعروفين من رواة الحديث الشيعة ومن أصحاب الأئمة (ع) (الحلي، ١٤٢٢هـ، ٧٦٨). ونقل الفضل بن شاذان عن محمد بن أبي عمير يزيد أيضاً من اعتبار الحديث، لأن ابن أبي عمير يعد من أصحاب الإجماع ومن أصحاب الأئمة (ع). وقد عاصر ثلاثة من الأئمة (ع) (الإمام الكاظم، الإمام الرضا، والإمام الجواد)، ولكن هناك خلافات حول ما إذا كان قد أدرك الإمام الصادق (ع) أيضاً ومن أي من هؤلاء الأكابر نقل الرواية. ويكفي في عظمته وجلالته أن نعلم أن جمعاً كبيراً من أصحاب الأئمة (ع) – ما يقرب من ثمانين شخصاً – قد رووا عن هذا المحدث الكبير (الخوئي، ١٤١٠هـ، ٢٢: ١٠٥-١٠٦).

بناءً على ذلك، من خلال الدراسة الرجالية والسندية للأحاديث المذكورة، يمكن الحكم بصحتها واعتبارها. والخطوة التالية هي الدراسة الدلالية للروايات، لأن ما يبدو إشكالياً وموضع نقاش في مضمون هذه الأحاديث هو مفهوم يُستنبط من نصوصها.

٥. الدراسة الدلالية للروايات

على الرغم من تأييد صحة سند الروايات المذكورة، إلا أن ظاهرها يتعارض مع آيات من القرآن الكريم التي تدل على قدرة الاختيار لدى الإنسان. كما أنها تتعارض مع حكم العقل الذي يدرك الدين والعدالة الإلهية والغاية من الخلق، لأنه إذا لم يكن الإنسان قادراً على الاختيار، فلا ينبغي أن يُسأل ويُحاسب؛ بينما تشير آيات إلى السؤال عن عمل الإنسان؛ مثل: «تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ» (النحل: ٥٦)، و«لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» (النحل: ٩٣)، و«لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ» (الأنبياء: ٢٣). كما أن الآيات التي تعتبر الإنسان مختاراً في اختيار مساره نحو الكمال أو الضلالة، تتعارض مع الروايات المذكورة.

بشكل عام، يمكن تصنيف روايات السعادة والشقاوة الذاتية من حيث نسبة الفعل إلى فئتين:

١- في الفئة الأولى، تُنسب السعادة والشقاوة مباشرة إلى الفرد نفسه: «وَالشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ». وبناءً على هذا الحديث، فإن الجنين الذي لم يولد بعد ولم يرتكب عملاً يكون سعيداً أو شقياً. وهذا التعبير من الحديث يوحي بالجبر، وهو في هذه الحالة يتنافى مع العدل الإلهي والمصلحة الموجودة في خلق العباد؛ مع أن الاعتقاد بالعدل من أصول الدين الإسلامي. بالإضافة إلى ذلك، فإن إيجاد الإنسان على وجه الأرض هو لاختباره وإعداده للعالم الأبدي. وإذا كانت نتيجة ابتلائه محددة سلفاً، فإن خلقه سيكون عبثاً، والفعل العبثي قبيح من الخالق الحكيم.

٢- في الفئة الثانية، تُنسب السعادة والشقاوة إلى العلم الإلهي: «الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَالسَّعِيدُ مَنْ سَعِدَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ فَقَالَ الشَّقِيُّ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَنَّهُ سَيَعْمَلُ أَعْمَالَ الْأَشْقِيَاءِ وَالسَّعِيدُ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَنَّهُ سَيَعْمَلُ أَعْمَالَ السُّعَدَاءِ». دلالة هذا الحديث، بالنظر إلى أن خالق الوجود عالم بجميع الكائنات من بداية خلقها إلى نهايتها، صحيحة ولا تتعارض مع الآيات والروايات الدالة على وجود الاختيار للإنسان.

بناءً على التصنيف أعلاه، فإن رواية الفئة الأولى هي التي تبدو متعارضة مع التعاليم النقلية والعقلية، وفهمها صعب نوعاً ما. وتوجيهات المفكرين غالباً ما تركز على هذه الأحاديث.

٦. آراء علماء الشيعة في توجيه روايات السعادة والشقاوة الذاتية

قدم بعض الحكماء والمحدثين الكبار في المذهب الشيعي توجيهات لرفع تعارض روايات السعادة والشقاوة الذاتية، يمكن تصنيفها في ثلاثة محاور رئيسية: قبل الدنيا، في أثناء الدنيا، وحياة الآخرة.

١-٦. السعادة والشقاوة قبل الحياة الدنيوية في عالم الذر

يعتقد بعض الحكماء أن سعادة الإنسان وشقاوته تنشأ من اختياره في عالم الذر، لأن هذا الاختيار يؤثر في تكوين فطرته. بعبارة أخرى، إذا اختار الإنسان الإيمان في عالم الذر، فإنه يميل إلى الإيمان في الدنيا ويكون سعيداً. وعلى العكس، إذا اختار الإنسان الكفر في تلك النشأة، فإنه يميل إلى الكفر والشر في الدنيا ويصبح شقياً (ابن سليمان الحلي، ١٣٧٠هـ، ٢٢٧). ورغم أن البعض لا يرى أن تأثير اختيار الإنسان في عالم الذر على سعادته وشقاوته في الدنيا يتنافى مع الاختيار؛ لأن الإنسان بإرادته يستطيع أن يختار الطريق الصحيح أو الخاطئ (راجع: محمدي الريشهري، ١٣٨٦ش، ٧). هذا التوجيه، بالإضافة إلى عدم دلالة الروايات الصريحة عليه، لم يُطرح بشكل موحد بين المفكرين؛ حيث يوجد خلاف في الرأي بينهم حول قبول عالم الذر.

٢-٦. السعادة والشقاوة في أثناء الحياة الدنيوية

يرى بعض المفكرين الشيعة أن روايات السعادة والشقاوة الذاتية مرتبطة بالحياة الدنيوية، وقد قدموا توجيهات متنوعة في شرحها، نشير إلى أهمها.

١-٢-٦. الحمل على المجاز

يعتقد بعض أصحاب الرأي أنه قد استُخدم المجاز في أحاديث السعادة والشقاوة الذاتية. بمعنى أن المراد من أحوال الشقي في بطن أمه هو أنه سيصبح شقياً قريباً. مثل من يكون أبوه شيخاً كبيراً ويُقال له يتيم؛ من باب أنه سيفقد أباه قريباً (الطوسي، دون تاريخ، ٦٧٦؛ الطبرسي، ١٣٧٢ش، ٥: ٢٩٧). أو كما نقول لمن اشتهر بحُسن الخلق والتقوى من باب المجاز: إن حُسن الخلق والتقوى قد عُجن بذاته. وفي بحث السعادة والشقاوة، يمكن القول لمن هو سعيد أو شقي من باب المجاز إن هذه السعادة والشقاوة قد عُجنت معه منذ فترة الجنين في رحم أمه (القمي، ١٤٠٤هـ، ٢٢٧، تعليقات المحقق). وبعبارة أخرى، إن إطلاق السعادة والشقاوة على الجنين هو من باب المجاز لبيان سعادة وشقاوة الشخص في كبره. هذا الرأي غير مقبول، لأن المجاز يحتاج إلى قرينة؛ بينما نص الأحاديث صريح ولا يدل على المجاز.

٢-٢-٦. علم الحق تعالى

من وجهة نظر بعض المفكرين، فإن السعادة والشقاوة في الروايات تعني علم الله بأعمال العباد ونتيجة لذلك سعادتهم أو شقاوتهم، ولكن هذا العلم لا يصاحبه إجبار للعباد.

يقول آية الله جوادي آملي في توضيح هذا الرأي: معنى سعادة السعيد وشقاوة الشقي في رحم الأم، هو أن الله المصوِّر الذي هو عالم الغيب والشهادة، يعلم في فترة حمل الأم أن طفلها بعد الولادة باختياره سيسلك طريق الفلاح أو طريق الضلال، مع أنه يمتلك القدرة على سلوك طريق الهداية. وامتزاج الصورة الإلهية بالتكليف (منطقة الاختيار، والقدرة، والطاقة) يعطي هذه النتيجة. ومسؤولية الإنسان ومؤاخذته عن عقائده وأخلاقه وفقهه وحقوقه مدمجة في نص صورة روحه (جوادي آملي، ١٣٩٣ش، ٣٢: ٩٢). ويذكر سماحته في موضع آخر هذه النقطة وهي أن الله تعالى كان على علم بهوية ونوع عمل الإنسان قبل خلقه وأعماله، وأعمال الإنسان تتم على أساس علمه؛ لأنه إذا لم يُوجد المعلوم أو لم يُوجد مطابقاً لعلم الله، ففي كلتا الحالتين يلزم أن يكون علم الله جهلاً، وهذا محال (هو نفسه، ١٣٩٥ش، ٣٢٦).

من وجهة نظر سماحته، فإن ما يشمل سعادة الإنسان وشقاوته هو عمله هو. وهذان الأمران ليسا ذاتيين للإنسان، وهو مختار في اختيار عمله، ولكن أفعال الإنسان معلومة لعلم الله، وهذا أمر عدمه محال عقلاً؛ أي أنه من المحال أن لا يكون لخالق الوجود علم بمخلوقه (راجع: هو نفسه، ١٣٩٣ش، ٢٤: ٤٠٩؛ هو نفسه، ١٣٩٥ش، ٣٢٦-٣٢٨).

٣-٢-٦. لزوم وجود البداء

يعتقد بعض العلماء في تحديد معنى روايات السعادة والشقاوة أن السعادة والشقاوة مقدرة في بطن الأم بشرط البداء. وكما يُستفاد من بعض الروايات، بعد مضي أربعة أشهر من انعقاد النطفة في رحم الأم، يختار الله ملكين، فيسألانه: ماذا تريد أن تخلق؟ فيوحي الله إليهما ما يريد من جنس الجنين، وإيمانه وكفره، وسواده أو بياضه، وسعادته أو شقاوته، وخصائصه وحالاته، والبلاء والعافية والمرض والأجل وغير ذلك. فيكتبان ذلك بين عينيه، ثم يقول الله: اشترطا فيه البداء (النمازي الشاهرودي، ١٤١٨هـ، ٥: ٤٠؛ القمي، ١٤٠٤هـ، ٢٢٧، تعليقات المحقق). وفي نقد هذا الرأي، يمكن القول إنه على الرغم من أن البداء يُعد من المعتقدات الصحيحة للإمامية، إلا أنه لم يُشر إليه في نص الأحاديث محل البحث.

٤-٢-٦. التأثير الاقتضائي لتربية الأم

يعتقد البعض أن الجنين يستفيد من تغذية الأم وخُلقها وطباعها، ونتيجة لذلك، عندما يخطو إلى هذا العالم، يحمل معه خصائص ذاتية. بعبارة أخرى، الإجبار ليس من ناحية الله، بل بسبب سلوك وعادات الوالدين. ويقر العلامة الطباطبائي بتأثير التربية والتلقين في خُلق الإنسان، ومن وجهة نظره، هذا لا يعني الجبر في سعادة الفرد (الطباطبائي، ١٤١٧هـ، ٨: ٩٩-١٠٠). هذا التوجيه هو توجيه معقول وصحيح. أي أن تربية الوالدين وتأثير سلوكهما على السعادة والشقاوة هو بمثابة علة ناقصة وليس علة تامة. وفي هذا التوجيه، لا يُرى جبر من ناحية الله تجاه العبد؛ بل إن سلوك الأم وتربيتها يهيئ الظروف لسعادة أو شقاوة الطفل، وإن لم يكن مانعاً من الإرادة والاختيار.

٥-٢-٦. الصورة التكوينية للجنين

يعتقد بعض المفكرين أن المراد من السعادة والشقاوة هو الصورة التكوينية للجنين. بمعنى أنه إذا وُلد الجنين بصحة جيدة، يكون سعيداً، وإذا كان مريضاً، يكون في شقاوة. وقد طرح الإمام الخميني هذا الرأي ورده. ووفقاً لهذا الرأي، يتأثر الفرد بسعادة أو شقاوة والديه. ونتيجة لذلك، لا يعود الحديث إلى بحث الجبر والاختيار (الخميني، ١٤١٨هـ، ٢٨٨).

٦-٢-٦. تأثير الحلّية أو الحرمة في وقت انعقاد النطفة

من وجهة نظر بعض المحدثين، فإن من انعقدت نطفته من حرام يكون شقياً، ومن لم يكن كذلك يكون سعيداً (الصدوق، ١٤٠٤هـ، ٤: ٣٧٧). وبالتالي، فإن المقصود من السعيد والشقي في الرواية هو تأثير الحلّية أو الحرمة في وقت انعقاد النطفة على المصير النهائي للإنسان. وفي تحليل التوجيه المذكور، يمكن القول إن كون الجنين قد انعقد من حلال أو من حرام، له بالتأكيد تأثير على شخصية الفرد وسلوكه. ولكن أولاً، تأثير المسألة المعنية ليس على نحو العلة التامة في أعمال الإنسان. ثانياً، بإعطاء القدرة على الاختيار، يمكن لكل فرد أن يختار المسار الذي يوصله إلى السعادة، حتى لو وُلد من حرام. ثالثاً، الإنسان كائن قابل للتربية، وبالتربية الصحيحة والوجود في بيئة سليمة، يمكنه التغلب على نقاط ضعفه.

٧-٢-٦. السعادة الدنيوية

يقسم الشيخ الصدوق بعد نقل روايتين بمضمون واحد، السعادة إلى دنيوية وأخروية، ويعتبر الحديث دالاً على السعادة الدنيوية. أما في الشأن الأخروي، فإنه يربط السعادة والشقاوة بالأعمال التي يقوم بها الإنسان طوال حياته (المصدر نفسه). وبالنظر الدقيق في ظهور الروايات وإطلاق السعادة والشقاوة، يرد الإشكال على هذا الرأي. وبعبارة أخرى، فإن حصر الرواية في السعادة والشقاوة الدنيوية ليس صحيحاً ولا يوجد شاهد عليه.

٨-٢-٦. تقدم وجودي للسعادة والشقاوة على عمل الإنسان

يؤكد بعض أتباع الحكمة المتعالية، بناءً على نظرية تجرد الإدراك عن المادة، على التقدم الوجودي للسعادة والشقاوة على عمل الإنسان. من وجهة نظرهم، تتحقق السعادة والشقاوة في الإنسان عندما يصبح إدراكه فعلياً ومستقراً. والإدراك، بما أنه مجرد عن المادة، فهو بالضرورة غير مقيد بقيود المادة ومحكوم بأحكامها، التي أحدها الزمان (مقدار الحركة)، ليس كذلك. وبالتالي، يبدو لنا أن السعادة تحدث بعد حركة المادة نحو الفعلية، ولكن حقيقة الأمر هي أن منشأ السعادة، أي الإدراك، بما أنه مجرد، فهو غير مقيد بالزمان. فالسعادة التي تحدث بعد حركة المادة، كانت موجودة بعينها قبل الحركة أيضاً؛ مثل نسبة الأمور الحادثة إلى الفعل الإلهي، فإذا قيدنا فعل الله في هذه النسبة بالزمان، نقول: «خلق الله زيداً في يوم كذا». هذا التقييد في الحقيقة هو تقييد من وجهة نظرنا، لأننا في هذه النسبة التي نعطيها، ننظر إلى الحادثة نفسها والزمان والحركة التي أدت إلى حدوثها، وإلا فإن فعل الله تعالى ليس مقيداً بالزمان. فمجموع الحوادث وكذلك زمان حدوث كل حادثة وسائر القيود والشروط التي لها، هو الذي أوجدها، فكيف يمكن أن يكون عمله هو مقيداً ومحدوداً بحدود الزمان؟ … فبما أن سعادة الإنسان وشقاوته تأتي عن طريق تجرده العلمي، وهو مجرد وخارج عن الزمان، يمكن أخذها قبل امتداد زمان حياته؛ وكما أنه بواسطة ارتباطها بأعمال وحركات الإنسان، يمكن أخذها متأخرة عنها (الطباطبائي، ١٤١٧هـ، ٨: ١٠١).

التوجيه المذكور، مع كونه صحيحاً وعقلانياً، قابل للتأمل من جهة، وهي أن تجرد إدراك الإنسان وعدم تقيده بالزمان صحيح، ولكن البحث هو هل أن نسبة السعادة في الروايات هي إلى الإدراك أم إلى الجبر؟ بعبارة أخرى، إذا قبلنا هذا التوجيه بأن المراد في الروايات هو إدراك السعادة والشقاوة قبل العمل، فإن مسألة الجبر وذاتية هذين الأمرين تزول. ولكن إذا كان المقصود من الروايات هو سعادة الإنسان أو شقاوته، فيجب دراسة كيفية حدوث هذا الأمر ووجود السعادة والشقاوة من حيث وقوعها بعد عمل الإنسان. ومن الواضح تماماً أنه لا يُقال لأي إنسان، قبل وقوع العمل من جانبه، إنه سعيد أو شقي.

٩-٢-٦. تأويل بطن الأم بعالم الطبيعة

يعتقد بعض المفكرين أن المقصود من «بطن الأم» هو عالم الطبيعة المطلق، الذي هو الأم المطلقة ومشيمة تربية الأطفال، ولا يمكن تفسير «بطن الأم» بمعناها العرفي، لأن السعادة، بما أنها من الكمالات والفعليات، هي للنفوس الهيولانية، فلا تحصل إلا بالقوة. وظاهر القول هو «سعيد في بطن أمه» أي سعيد بالفعل، لذا يجب ارتكاب خلاف الظاهر (الخميني، ١٤٠٩هـ، ٥٢٨). وهذا القول للإمام الخميني هو في الواقع رد دقيق على رأي العلامة، لأنه كما مر في رأي العلامة الطباطبائي في الرأي السابق، كان يعتبر إدراك الإنسان من المجردات وغير مقيد بالزمان. ولهذا السبب، قبل أن يتحقق أي عمل من جانب الإنسان، يمكن لقوة الإدراك أن تنال إدراك السعادة أو الشقاوة. ومع ذلك، لا توجد قرينة صريحة على هذا الرأي في الروايات، وهو نوعاً ما مخالف لظاهرها.

٣-٦. بعد الحياة الدنيوية

يعيد بعض باحثي الحديث روايات السعادة والشقاوة الذاتية إلى عالم ما بعد الموت. فهم يؤولون بطن الأم بالقبر، بحيث يُقال إن الفرد السعيد يكون سعيداً عندما يوضع في قبره، والشقي يكون شقياً عندما يدخل قبره (النمازي الشاهرودي، ١٤١٨هـ، ٥: ٤٠). وبناءً على هذا الرأي، لا تتحدد السعادة والشقاوة في الدنيا، بل تُعلم بعد موت الإنسان. فالإنسان بعد أن يعيش في الدنيا ويقوم بأعمال الخير والشر، يُجازى أو يُعاقب بواسطة عمله. ومن الواضح جداً أن هذا التأويل للروايات بعيد، ولا توجد قرينة تؤيده، لأن ما تدل عليه الأحاديث هو سعادة وشقاوة الإنسان في رحم الأم، في عالم الدنيا وليس بعد الموت.

٧. الرأي الصحيح حول دلالة الروايات

بالتدقيق في الآراء الأحد عشر للمفكرين، نجد أنهم جميعاً يسعون إلى نفي ارتباط ظاهر الروايات بشبهة الجبر. ففي التوجيهات المذكورة، يسعى الجميع إلى نفي السعادة والشقاوة الذاتية. ومن بين هذه الآراء، يبدو الرأي الذي يبيّن «علم الله» أكثر شمولاً وتوجيهاً، لأن التأويلات التي تركز على «السعادة الدنيوية»، و«تأويل بطن الأم بالقبر»، و«تأويل بطن الأم بعالم الطبيعة»، و«الحمل على المجاز» تفتقر إلى دليل نقلي وعقلي محكم. والدليل الذي يبيّن «التأثير الاقتضائي للتربية»، و«الصورة التكوينية للجنين»، و«تأثير الحلية أو الحرمة في وقت انعقاد النطفة» هو أيضاً أمر مؤثر في سعادة الفرد أو شقاوته، وهناك روايات تدل على هذه المطالب، ولكن هذه الأدلة ليست سوى جزء من العلة، وليست العلة التامة.

وفيما يتعلق بالتوجيه الذي يركز على «الاختيار في عالم الذر» و«وجود البداء»، هناك خلاف بين العلماء. وبالطبع، في بيان المعتقدين بعالم الذر، يوجد دليل قرآني، وهو الآية ١٧٢ من سورة الأعراف التي تقول: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ». أي أنه على الرغم من أخذ الشهادة منهم في عالم الذر، فإنهم يعملون باختيارهم خلافاً للميثاق ويصلون إلى الشقاوة. وبالتالي، فإن المقصود من الروايات ليس عالم الذر، لأنه بعد ذلك يضع الإنسان قدمه في الدنيا، وبعد أداء أعماله، يصيبه السعادة أو الشقاوة. ربما يمكن تبرير هذا الرأي بهذا البيان وهو أن الله في عالم الذر كان عالماً بسعادة وشقاوة عباده. وفي هذه الحالة، يعود رأي «التقدم الوجودي للسعادة والشقاوة على عمل الإنسان» إلى نظرية الحمل على «العلم الإلهي». وعلى الرغم من أن رأي «التقدم الوجودي للسعادة والشقاوة على عمل الإنسان» له استدلال فلسفي وجيه، إلا أن عنوان السعيد أو الشقي بعد تحول القوة إلى فعل وارتكاب العمل من قبل الإنسان يكون قابلاً للانطباق. وعلى فرض القبول، فإن هذا الرأي يعود إلى نظرية الحمل على «العلم الإلهي».

بناءً على ذلك، فإن التعبير الأكمل والأكثر ملاءمة للسعادة والشقاوة بين آراء المفكرين هو نفس رأي الحمل على «العلم الإلهي»، لأن العقل أيضاً يوجهه بسبب علم الله الأزلي، بالإضافة إلى أن الحديث المروي عن الإمام الكاظم (ع) يؤيد هذا الرأي: «سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ (ع) عَنْ مَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ (ص) الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَالسَّعِيدُ مَنْ سَعِدَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ فَقَالَ الشَّقِيُّ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَنَّهُ سَيَعْمَلُ أَعْمَالَ الْأَشْقِيَاءِ وَالسَّعِيدُ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَنَّهُ سَيَعْمَلُ أَعْمَالَ السُّعَدَاءِ» (الصدوق، ١٣٩٨هـ، ٣٦٥)؛ فالإمام الكاظم (ع) في رده على شخص سأل عن معنى قول النبي (ص) بخصوص السعادة والشقاوة، يقول: الشقي والبائس هو من يعلم الله وهو في بطن أمه أنه سيرتكب أعمال الأشقياء. والسعيد أيضاً هو من يعلم الله وهو في بطن أمه أنه سيقوم بأعمال السعداء.

وفي هذا السياق، يرى بعض مفكري الشيعة أن نفي الوجود الذاتي شاهد ومؤيد متقن في حمل روايات السعادة والشقاوة على العلم الإلهي. ومن وجهة نظر هؤلاء، إذا قُبلت ذاتية السعادة والشقاوة، فإنها تتعارض مع وجود قدرة الاختيار لدى الإنسان، وهذه الموهبة الإلهية تُنفى عنه. لذلك، يجب شرح المسألة بشكل مرضٍ. ومن هنا، يؤكدون على نفي السعادة والشقاوة الذاتية واختيار الإنسان الواعي. وكما يعتقد صاحب «نهاية الأفكار»، يجب تفسير حديث «السَّعِيدُ سَعِيدٌ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَالشَّقِيُّ شَقِيٌّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ» بالعلم الإلهي. بهذا المعنى، فإن علم الله يتقدم على المسار الذي يسلكه الإنسان باختياره وإرادته قبل ولادته. وإلا، فإنه بسبب بديهة العقل والوجدان وبسبب الكتاب والسنة المتواترة، يجب تركه جانباً (العراقي، ١٤٠٥هـ، ١: ١٧١).

ويعتقد العلامة الطباطبائي أيضاً أن السعادة والشقاوة من ملكات وجود النفس الإنسانية، ويقبل التعبير عن ذاتيتها بشكل مختلف. أما الذاتية بالمعنى الذي يُفهم من ظاهر الأحاديث، فلا يقبلها ويذكر أدلة في ردها. بهذا التقرير، فإن النفس في البداية، نتيجة الحركة الجوهرية للبدن، تتكون، ثم يبدأ الخيال في النشاط؛ فالنفس في حركة مستمرة، تسلك طريقاً تلو الآخر، وتتراكم عليها حالات وعقائد متنوعة، حتى تترسخ فيها وتلازمها. فإذا كانت هذه الصورة صورة سعادة، فإن تلك النفس في البرزخ تكون في طريق السعادة؛ وإذا كانت صورة شقاوة، فإنها تقع في طريق الشقاوة. كل شيء يعود إلى بدايته، ولكن البداية والعودة تختلفان من حيث إنهما تنقسمان إلى قسمين: دار السعادة ودار الشقاوة؛ ولكن البداية لا تملك هذين الفرعين؛ بل هي دار السعادة فقط ولا غير. يجب تبيين السعادة والشقاوة الذاتية على هذا النحو، وليس كما يبدو من ظاهر ألفاظها، مما يستلزم بطلان تأثير التربية وعبثية التكليف وانهيار نظام التشريع، وخلاصة القول بطلان العقاب والثواب (الطباطبائي، ١٣٨٨ش، ١٠٧-١٠٩).

وقد اعتبر سماحته في تفسير الآية ٢٩ من سورة الأعراف أيضاً، بعد ذكر روايات السعادة والشقاوة، الفهم الظاهري والجبري للروايات مرفوضاً، وكتب ما يلي: هذه الروايات وكذلك الآيات ليست في مقام إثبات السعادة والشقاوة الذاتية لأربعة أسباب: ١- إذا كان مرجعها مجرد تصور عقلي ولا يتطابق مع الواقع الخارجي، فلن يكون له أثر حقيقي، وإذا كان مرجعها إلى اقتضاء ذاتي وحقيقي للإنسان الذي ترتبط به سعادته وشقاوته؛ فإنه يتنافى مع إطلاق ملك الله ويستلزم تحديد سلطنته؛ ٢- بناء جميع العقلاء على تأثير التعليم والتربية، والجميع متفقون على أن هناك أعمالاً حسنة تستحق الثناء وأعمالاً قبيحة تستحق الذم؛ ٣- لازم هذا القول هو أن تشريع الشرائع وإرسال الكتب السماوية وكذلك إرسال الأنبياء جميعاً لغوٌ وعديم الفائدة؛ ٤- إتمام الحجة في الذاتيات بأي شكل من الأشكال لا معنى له، لأنه بناءً على هذا الفرض، فإن انفصال الذوات عن ذاتياتها محال. كل هذه لوازم يخالفها القرآن الكريم صراحة (هو نفسه، ١٤١٧هـ، ٨: ٧٧).

بالتدقيق في كلام العلامة الطباطبائي، نجد أن لديه رأيين متضادين للوهلة الأولى: في موضع (تفسير الآية ٢٩ من سورة الأعراف)، يرفض السعادة والشقاوة الذاتية بالدليل والبرهان؛ وفي كلام آخر يقبلها. لرفع هذا التعارض، يجب الانتباه إلى كنه كلامه. حيث يقبل ذاتية السعيد أو الشقي في الإنسان، فإنه يعتبرها ذاتية نفسية، حيث يصبح العمل بالخير أو الشر ملكة في نفس الإنسان. والنفس أيضاً قد اتخذت صورتها الحقيقية، وتخلف النتيجة عن تلك الصورة النفسية غير ممكن. ولكن هذه الصورة لم تكن موجودة فيه منذ بداية الخلق، وقد اكتُسبت بواسطة عمل الإنسان الاختياري. بناءً على ذلك، السعادة أمر اكتسابي وليست ذاتية. وشاهد هذا الأمر هو اعتبار عوامل مثل تأثير التعليم والتربية في سعادة البشر.

ويعتقد الإمام الخميني أيضاً بخصوص السعادة والشقاوة أن الكفر والإيمان والسعادة والشقاوة ناتجة عن صورة القدر والظهور العلمي للخلق في القدر الأول. ويؤيد ذلك كلام خاتم الولاية، الإمام الصادق (ع)، الذي قال: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ السَّعَادَةَ وَالشَّقَاوَةَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ» (الصدوق، ١٣٩٨هـ، ٣٥٧). المراد من «خَلَقَ» الأول هو التقدير، و«خَلَقَ» بمعنى قدَّر (الخميني، ١٤٠٩هـ، ١٤٠). فالإنسان حتى منزلة الحيوانية يسير مع سائر الحيوانات، ومن هذه المنزلة أمامه طريقان يجب أن يقطعهما بقدم الاختيار: أحدهما منزلة السعادة التي هي الصراط المستقيم لـ«رَبِّ الْعَالَمِينَ»: «إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (هود: ٥٦)، والآخر طريق الشقاوة وهو الطريق الأعوج للشيطان الرجيم (الخميني، ١٣٩٢ش، ٤٥). من الواضح أن السعادة والشقاوة ليستا ذاتيتين حتى لا تحتاجان إلى علة، لأنهما ليستا جزءاً من الذات ولا لازماً للماهية الإنسانية؛ بل هما من الأمور الوجودية التي تحتاج إلى علة، وتُكتسب باختيار وإرادة العبد (هو نفسه، ١٤٢١هـ، ٧٤).

ويقول سماحته في موضع آخر رداً على سؤال: لماذا يتعين المخلوق قبل التحقق الخارجي وظهور الفعل الدال على السعادة والشقاوة، سعيداً أو شقياً؟ فيقول: إن الله عالم بأفاعيل العباد قبل ظهورها الخارجي. وقد ذُكر هذا الجواب لمنع السائل من الانحراف عن الواقع والميل إلى الجبر أو الحيرة، وإلا فإن أصل الإشكال باقٍ على حاله … حاصل القول أن البشر مختلفون في الصورة والتعين، وباعتبار باطنهم وتعينهم بتعين الأسماء والصفات، فإن انقسامهم إلى سعيد محض وشقي محض وبرزخ بينهما أمر لا مفر منه. وهذا إشارة إلى قول النبي المشهور: «النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ» (المجلسي، ١٤٠٣هـ، ٥٨: ٦٥) والمعادن الأخرى (الخميني، ١٤٠٩هـ، ١١٠). بناءً على ذلك، لا يعتبر سماحته السعادة والشقاوة للإنسان ذاتية، لأنهما ليستا جزءاً من الذات ولا لازماً للذات؛ بل يعتبرهما معلوماً لعلم الله، وفي هذه الحالة لا يسببان الجبر في حياة الإنسان، والإنسان مجهز بموهبة الاختيار في مسيرته نحو الكمال، ولكنه في هذا المسار لا بد له من سلوك أحد الطريقين: السعادة أو الشقاوة.

ويعتقد أبو علي سينا أيضاً أن للسعادة والشقاوة ثلاثة أنواع من التقسيم. ١- أ: السعادة بالنسبة إلى قوى النفس المختلفة؛ فللنفس قوى مختلفة، وعندما تصل كل قوة إلى فعليتها، يتحقق كمالها. ب: السعادة بالنسبة إلى النفس ذاتها، حيث تتجرد عن المادة ولواحقها، وفي مرحلة الكمال والتجرد تصل إلى العقل. ٢- تقسيم السعادة إلى روحانية (أصل) وجسمانية (فرع)… ٣- تقسيم السعادة إلى مطلق ومقيد: السعادة المطلقة غير قابلة للتحصيل في الدنيا. والسعادة المقيدة تتحقق بمقدار إرادة الإنسان (ابن سينا، ١٣٦٣ش، ١٠٩). ومن بين كلام الشيخ الرئيس، يمكن استنتاج أنه يعتبر السعادة هي السير إلى الله ومقام القرب منه، الذي يحتل فيه الأنبياء المقام الأول. وبشكل ضمني، ندرك أن كل من يتقدم في مسير التقرب إلى الله، يكون سعيداً بنفس المقدار.

ويعتبر الملا صدرا أيضاً السعادة الحقيقية هي الوجود وإدراك الوجود، ولكن بما أن الوجودات تختلف في الكمال والنقص ولها مراتب، فإن السعادة أيضاً مختلفة ولها مراتب، بحيث تكون السعادة في الوجود الأتم أكثر، وكلما كان الوجود أنقص؛ بسبب الامتزاج الأكبر بالشر والشقاوة، تكون السعادة والخير فيه أقل. ويعتبر هو أتم الوجودات هو وجود الحق تعالى، ثم العقول المفارقة، ثم النفوس المتأخرة عن العقول حتى تصل إلى الهيولى الأولى والزمان والحركة والصور الجسمية والطبائع وغيرها (صدر الدين الشيرازي، ١٩٨١م، ٩: ١٢١). وفي كلام الملا صدرا، كما أن الوجود تشكيكي، فالسعادة أيضاً مشككة، لأن السعادة هي نفس الوجود، وآخر مرتبة للسعادة للإنسان هي الوصول إلى حد الكمال والقرب من أتم الوجود وهو الله.

٨. الاستنتاج

تكتسب دراسة روايات السعادة والشقاوة الذاتية أهميتها من حيث إنها في حال التأكيد على صحتها سنداً والالتزام بظاهرها دلالةً، تؤدي إلى الاعتقاد بالجبر، وهذا الفهم يتعارض مع بعض الآيات والروايات. ولرفع هذا التعارض، بعد الدراسات اللازمة، تم التوصل إلى نتيجة مفادها أن التعارض بين الآيات والروايات الدالة على اختيار الإنسان وبين هذه الفئة من الروايات هو تعارض ظاهري، وأن إشارة الروايات إلى سعادة الإنسان أو شقاوته في بطن أمه هي إشارة إلى مقام العلم الإلهي بمستقبل المخلوق. وعلم الله الأزلي والأبدي بجميع الموجودات والمخلوقات ليس سبباً لإجبارها على القيام بعمل ما. وأن سعادة الإنسان وشقاوته معلومة في العلم الإلهي، فهذا يعود إلى صفة الله، أما ما يوصل الإنسان إلى السعادة والكمال فهو عمله هو. ورغم أن إرادة الإنسان في قسم واحد هي في طول إرادة الله، إلا أن هذا الاختيار لم يُفوّض إلى الإنسان على نحو الإجبار، وهو العلة التامة لأعماله. فجميع الموجودات قبل دخولها الدنيا وبعد خروجها منها، حاضرة في علم الله الأزلي والأبدي. والعمل الذي يصدر عن الإنسان ويوجد، يكون معلوماً ومحدداً في العلم الإلهي قبل صدوره من جانب العبد. ولكن هذا العلم ليس سبباً لوقوع الفعل. بناءً على ذلك، بهذا التبيين العقلي والنقلي، يُرفع التعارض.

الهوامش

1. يرى بعض علماء الرجال أن تعبير الكشي بـ«تصحيح ما يصح عنهم» يوثّق فقط الرواة الثمانية عشر المذكورين. وتعتقد مجموعة أخرى أنه بالإضافة إلى توثيق الرواة المذكورين، فإن الرواة الذين يلونهم يوثّقون أيضاً (الحسيني، ١٣٩٥ش، ١٢٠). وتعتقد مجموعة من الفقهاء مثل العلامة الحلي، والمحقق الأردبيلي، والسيد محمد العاملي، وآية الله الخوئي، والإمام الخميني أن مراد الكشي من هذه العبارة هو صحة رواياتهم. وهذا يعني أن هؤلاء الثمانية عشر شخصاً صادقون في أخبارهم وثقات (المصدر نفسه، ١٢١).

Scroll to Top