تحليلٌ لقواعد الاستنباط

الملخص

تطرح هذه المقالة أربع نظريات في كيفية الوصول إلى الحكم الشرعي الإلهي، وهي: 1. الاجتهاد بالرأي. 2. الاجتهاد القياسي. 3. الاجتهاد الاستكشافي. 4. الانحصار في السماع من المعصومين. ولما كان الاجتهاد بالرأي والاجتهاد القياسي في موارد “ما لا نص فيه” مذموماً لدى أولياء الدين، ويواجه تحديات من منظري العقل والنقل، فقد أعرض أصوليو الشيعة عن هاتين الطريقتين في الاجتهاد للوصول إلى الحكم الشرعي، وعرّفوا الاجتهاد بأنه استكشاف الحكم الشرعي من أدلته الشرعية. غير أن طائفة من علماء الشيعة قد نقدوا منهج الأصوليين أيضاً، وحصروا طريق الوصول إلى الحكم الشرعي في السماع من المعصومين (عليهم السلام). ورغم أن ما يقول به الأخباري يُقدَّم على سائر الطرق عند الإمكان، إلا أن منهج الانحصار في السماع من المعصوم يستلزم العسر والحرج، ويخالف تعاليم الأئمة المعصومين (عليهم السلام). تتناول هذه المقالة أدلة الأخباريين وتجيب عنها، كما تبحث في قسمها الأخير في حجية قواعد الاستنباط من الناحيتين الذاتية والجعلية.

مقدمة

من المباحث الشائكة ذات السابقة الطويلة، استخدام قواعد استنباط الأحكام، حيث كانت أحياناً موضع نزاع بالنفي الكلي أو الإثبات الكلي، وأحياناً أخرى محل نقاش على نحو السلب الجزئي والإثبات الجزئي. ولا يزال هذا النزاع بنوعيه في قواعد الاستنباط مستمراً؛ فقد أنكرت فئة هذه القواعد في استنباط الأحكام بشكل كلي، بينما اعتبرتها فئة أخرى عامل بقاء الدين والمحرك للإسلام. وينظر المثبتون إلى بعض القواعد بنظرة سلبية بناءً على توصية أولياء الدين، ويعتبرون استخدام أمثال القياس، والاستحسان، والمصالح المرسلة، ومقاصد الشريعة في الوصول إلى الحكم الشرعي طريقاً منحرفاً، واستعمال هذه القواعد في استخراج الأحكام موجباً لتخريب الدين واندثاره.

من الواضح جداً أن طرق الوصول إلى الدين يجب أن تكون مؤيدة من قبل من أتى به وحفظته، فمجرد كون هذه الطرق عقلائية كسائر طرق الاستنباط، لا يمكن أن يجعلها طريقاً للوصول إلى الشريعة أو مصدراً للشرع. على هذا الأساس، نعتقد أن طرق الوصول إلى الدين ليست بتلك السهولة التي يعمل بها بعض مذاهب العامة، فيفتون بالرجوع إلى أفكارهم، وليست بتلك الصعوبة التي يتوهمها البعض بأن الطريق منحصر في السماع من المعصوم (عليه السلام)، بل الطريق الصحيح هو ما قالوه: «علينا إلقاء الأصول وعليكم أن تفرعوا».

فمن عزم على معرفة الشريعة، يجب عليه أن يكون ملماً بقواعد استنباطها أيضاً ليتمكن من حل المشكلات والحوادث والمستجدات.

بحث في قواعد الاستنباط

الفصل الأول: أقسام الاجتهاد

يطلق الاجتهاد في الاصطلاح على عدة معانٍ:

1. القياس: يقول الشافعي في الرسالة: «القياس والاجتهاد اسمان بمعنى واحد» (الشافعي، د.ت: 477؛ الخضري بك، د.ت: 141؛ الحكيم، 1418: 289 و 545). وفي مدرسة أبي حنيفة والكثير من مدارس أهل السنة، يُفسَّر الاجتهاد على هذا النحو.

2. العمل بالرأي والتفكير الشخصي: يقول الشوكاني: «الاجتهاد عبارة عن بذل الجهد للتوصل إلى الحكم في واقعة لا نص فيها بالتفكر واستخدام الوسائل التي هدى الشارع إليها (كالقياس والاستحسان) للاستنباط فيما لا نص فيه». وفي مدرسة أبي حنيفة والكثير من مدارس أهل السنة، يُؤخذ الاجتهاد بهذا المعنى (الشوكاني، د.ت: 198؛ ابن خلدون، د.ت: 453).

العمل بالرأي، كما يسمى اجتهاداً، يسمى تأويلاً أيضاً (ابن حزم، د.ت: 4/ 161). أبو الغادية «قاتل عمار» متأوّل، مجتهد، مخطئ، باغٍ عليه، مأجور أجراً واحداً، وفي هذا الشأن يقول ابن ملجم: «و لم يقتل علياً إلا متأوّلاً، مجتهداً، معتذراً أنه على صواب» (المصدر نفسه: 10/ 484).

بناءً على هذا، فإن فقهاء العامة يسمون العمل بالرأي تارة تأويلاً وأخرى اجتهاداً. وعليه، فإن الرأي والتفكير الشخصي معتبر في فقه أهل السنة. يعتقدون أن الفقيه إذا لم يجد نصاً في واقعة ما، يرجع إلى فكره الشخصي واجتهاده، ويعتبر هذا الاجتهاد مصدراً من مصادر الحكم الشرعي، وذلك «في عرض الكتاب والسنة». وشاهد على هذا الادعاء كلام الشهيد الصدر في المعالم الجديدة، حيث يقول: «و تتبع كلمة الاجتهاد يدل على أن الكلمة حملت هذا المعنى (يعني العمل بالرأي) وكانت تستخدم للتعبير عنه منذ عصر الأئمة (عليهم السلام) إلى القرن السابع فالروايات المأثورة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تذم الاجتهاد وتريد به ذلك المبدأ الفقهي الذي يتخذ من التفكير الشخصي مصدراً من مصادر الحكم» (الصدر، 1395: 39).

الاجتهاد بهذا المعنى كان محل نظر معظم فقهاء أهل السنة، أما هذان النوعان من الاجتهاد فليس لهما اعتبار وحجية في مذهب أهل البيت، والمراد من الاجتهاد المذموم والباطل في فقه الإمامية هو هذان النوعان من الاجتهاد، وسيتم تناولهما في الأقسام القادمة تحت عنوان نفي الطرق غير الصحيحة في الاستنباط.

أما الاجتهاد بالمعنى الثالث فهو: «هو عبارة عن استكشاف الحكم الشرعي عن أدلته». في هذا التعريف، الاجتهاد ليس مصدراً للحكم الشرعي ولا دليلاً عليه، خلافاً للاصطلاحين السابقين، بل الاجتهاد في هذا التعريف هو استنباط الحكم الشرعي من الدليل أو الأدلة. وبعبارة أخرى، هو استنباط الحكم من الأصول والقواعد المؤسسة.

إن ما ورد ذمه في روايات المعصومين وتابعيهم مثل الصدوق، والمفيد، والسيد المرتضى، والشيخ الطوسي، هو الاجتهاد بمعنى العمل بالرأي، وأن القياس والاجتهاد بالرأي لا يعدان دليلاً. أما الاجتهاد بمعنى استكشاف الحكم من الأدلة، فهو رمز حياة المجتمع الإسلامي وقوته المحركة.

مع العلم بأن استكشاف الأحكام من الأدلة بواسطة قواعد منضبطة أمر ضروري وبديهي. وعلى هذا الأساس، فإن الاجتهاد الذي هو عامل حفظ نظام الإسلام ووسيلة للتحفظ على الأحكام الإلهية، يعد من الناحية الفقهية واجباً نفسياً وكفائياً، وهو واجب تخييري بالنسبة لكل مكلف، بمعنى أن المكلف إما أن يكون مجتهداً، أو مقلداً، أو محتاطاً.

الفصل الثاني: إنكار قواعد الاستنباط

لقد رفض البعض الاجتهاد في الاصطلاح الثالث أيضاً، واعتبروه حراماً وبدعة. يقول المحدث الأسترآبادي في (فوائد المدنية في الرد على من قال بالاجتهاد والتقليد في الأحكام الإلهية) (مؤسسة النشر الإسلامي): الاجتهاد حرام، وكل من لديه سؤال يجب عليه الرجوع مباشرة إلى الروايات. كما أنه يحرم التقليد، وقد جاء في الكتاب المذكور: «عند قدماء أصحابنا الأخباريين رحمهم الله كالشيخين الأعلمين الصدوقين والإمام ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني (كما صرح به في أوائل كتاب الكافي)، وكما نطق به في باب التقليد وباب الرأي والمقاييس وباب التمسك بما في الكتب من كتاب الكافي، وإنها صريحة في حرمة الاجتهاد والتقليد وفي وجوب التمسك بروايات العترة الطاهرة (عليهم السلام) المسطورة في تلك الكتب المؤلفة بأمرهم (عليهم السلام)» (الكليني، 1429: 1/ 51-53).

ولكن في الجواب يجب القول: إنه لا يستفاد من روايات باب التقليد وباب الرأي والمقاييس في كتاب الكافي حرمة الاجتهاد وحرمة التقليد. فهذه الروايات جميعها ناظرة إلى الاجتهاد بالرأي والقياس المصطلح عليه في تلك الفترة الزمنية. إذاً، هذه السلسلة من الروايات منصرفة عن الاجتهاد بالمعنى الثالث (استكشاف الحكم الشرعي من القواعد والأدلة الخاصة). وبناءً على ذلك، أورد صاحب الحدائق في كتاب لؤلؤ البحرين وصاحب كتاب كشف القناع عن وجوه حجية الإجماع والشيخ محمد تقي الأصفهاني في هداية المسترشدين شرح معالم الدين وغيرهم، انتقادات عديدة على استنباطات الأسترآبادي في نسبة الصدوق والكليني إلى الأخبارية، وأن روايات باب التقليد وباب الرأي والمقاييس ناظرة إلى حرمة الاجتهاد بالمعنى الثالث، وهو ما لا يتسع له هذا المقال.

حتى العلماء الذين تبنوا منهج محمد أمين الأسترآبادي – مثل الشيخ الحر العاملي، صاحب كتاب الوافي، والمرحوم السيد نعمة الله الجزائري، والمرحوم الشيخ محمد تقي المجلسي ومحمد باقر المجلسي، صاحب الحدائق – لم يكونوا متطرفين مثله. بل إن بعض هؤلاء الأخباريين أنفسهم قد وجهوا طعوناً كثيرة للأسترآبادي، مثل الشيخ يوسف البحراني.

الأخباريون لا يعتبرون الكتاب والإجماع والعقل حجة. كتب محمد أمين الأسترآبادي في المدينة المنورة كتاباً باسم (فوائد المدينة) وهاجم فيه بشدة المنهج الفقهي والأصولي للفقهاء، خاصة العلامة الحلي؛ لأن العلامة كان يعتبر الكتاب والسنة والإجماع والعقل حجة، وكان يقسم الأحاديث إلى صحيح وضعيف وحسن وموثق، بينما كان هو يعتبر جميع أحاديث الكتب الأربعة معتبرة.

على أي حال، لا يقبل الأخباريون المنهج الشائع بين الأصوليين في استخراج الأحكام الإلهية، ويعتبرون استخدام قواعد أصول الفقه في استنباط الأحكام نوعاً من الانحراف.

لا يرى الأخباريون أن الإدراكات العقلية موجبة للتكليف، ويربطون التكليف بخطاب الشارع. يقول الأسترآبادي: «فعلم أن مناط تعلق التكاليف كلها السماع من الشارع وعُلِمَ عدم استقلال العقل بتعلق التكليف» (الأسترآبادي، 1426: 300). يتضح عدم حجية الحكم العقلي من كلامه بوضوح؛ لأنه يحصر مدرك الأحكام في المسائل الشرعية غير الضرورية في السماع من الصادقين: «إن تمسكنا بكلامهم فقد عصمنا عن الخطأ، وإن تمسكنا بغيره لم نعصم عنه، ومن المعلوم أن العصمة عن الخطأ أمر مطلوب مرغوب شرعاً وعقلاً» (المصدر نفسه: 259).

يتضح من كلمات الأخباريين أنهم لا يعتبرون القطع الحاصل من المقدمات العقلية حجة؛ أي أن النزاع بينهم وبين الأصوليين هو نزاع كبروي وليس صغروياً، حول ما إذا كان القطع يحصل من المقدمات العقلية أم لا؛ كما فهم صاحب الكفاية من كلام الأسترآبادي (الشيخ الأنصاري، د.ت: 2، مبحث القطع؛ الخوئي، 1417: 1/ 58).

مبحث القطع الحاصل من المقدمات العقلية

ورد في الفوائد المدينة: «أن لله تعالى في كل واقعة تحتاج إليها الأمة إلى يوم القيامة حكماً معيناً، وأن عليه دليلاً قطعياً، والناس مأمورون بطلبه من عند حفظة الدين وهم أهل الذكر» (الأسترآبادي، المصدر نفسه: 75، 25، 216 و 280).

من منظور الأسترآبادي، فإن جميع الحوادث إلى يوم القيامة لها حكم معين عند الأئمة (عليهم السلام)، ولهذه الأحكام المخزونة لديهم خطاب قطعي، والناس مأمورون بطلب وسؤال أهل الذكر وأهل البيت (عليهم السلام) للعثور على أحكامهم، وهذه المسألة من ضروريات المذهب. بناءً على ذلك، انتقد المذكور ابن الجنيد وأبا عقيل والعلامة، لتساؤله عن سبب اعتمادهم على الاستنباطات الظنية (المصدر نفسه: 323). وهو يرى أن نتائج الاستنباطات الظنية العقلية مبتلاة بكثرة الخطأ، ويعتبر الاعتماد على الأدلة العقلية والاستنباطات الظنية اتباعاً للعامة؛ وهو نفس السلوك الذي نهى عنه الأئمة الأطهار (المصدر نفسه: 123 – 124). قال الإمام الصادق (عليه السلام): «حرام عليكم أن تقولوا بشيء ما لم تسمعوه منا» (الحر العاملي، 1409: 27/ 70)، وقال أيضاً: «لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَامَ لَيْلَهُ وَصَامَ نَهَارَهُ وَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَحَجَّ جَمِيعَ دَهْرِهِ وَلَمْ يَعْرِفْ وَلَايَةَ وَلِيِّ اللَّهِ فَيُوَالِيَهُ وَيَكُونَ جَمِيعُ أَعْمَالِهِ بِدَلَالَتِهِ لَهُ عَلَيْهِ مَا كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ حَقٌّ فِي ثَوَابٍ» (النوري، 1408: 17/ 269).

رؤية الأخباريين في الاستنباطات الظنية

استند الأخباريون على هذه الآيات لعدم جواز العمل بالظن الاستنباطي: «وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» (الإسراء: 36)؛ «إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ» (الأنعام: 116)؛ «إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا» (يونس: 36).

وبناءً على هذه الآيات، يعتبرون العمل بالظن الاستنباطي حراماً، ويعدون عمل الأصوليين باطلاً. ويشمل تعبيرهم عن الاستنباطات الظنية القطع أيضاً؛ إذ بحسب عقيدة الأسترآبادي، تُعد المقدمات العقلية البعيدة عن الحس من المظنونات. ويقول في فوائد المدينة: «وأنه تواترت الأخبار عنهم (عليهم السلام) بأنه لا يجوز تحصيل الحكم الشرعي النظري بالكسب والنظر لأنه يؤدي إلى اختلاف الآراء في الأصول وفي الفروع الفقهية كالمناكح والمواريث والديات والقصاص والمعاملات – كما هو المشاهد – فتنتفي فائدة بعث الرسل وإنزال الكتب، إذ فائدتهما كما هو المشهور بين علماء الإسلام دفع الاختلاف ليتم نظام المعاش» (الأسترآبادي، 1426: 182).

يعتقد أن الروايات المتواترة تدل على منع تحصيل الحكم الشرعي بالنظر والاستنباط العقلي؛ لأن هذا الأمر يؤدي إلى اختلاف الآراء في الأصول والفروع الفقهية – مثل النكاح، الميراث، الديات، القصاص، والمعاملات – ويؤدي إلى زوال فائدة بعث الرسل وإنزال الكتب؛ لأن فائدة البعثة وإنزال الكتب السماوية هي دفع الاختلاف وإقامة نظام المعاش.

يرى أن ما يؤدي إلى الاختلاف هو خطأ، والله تعالى يأبى أن ينزل شريعة تؤدي إلى الخطأ (المصدر نفسه: 183).

من التبعات الأخرى لاعتبار الاستنباطات الظنية، إثارة الفتن؛ لأن الاختلاف يسبب الفتنة (المصدر نفسه: 181 و 255): «إن المسلك الذي يختلف باختلاف الأذهان والأحوال والأشخاص لا يصلح لأن يجعله تعالى مناط أحكام مشتركة بين الأمة إلى يوم القيامة» (المصدر نفسه: 190).

يقول الأسترآبادي: إذا كان الاختلاف في الفتاوى ناجماً عن اختلاف الروايات، فإنه لا يؤدي إلى التناقض؛ لأن إحدى الروايتين في الواقع صدرت في حال الضرورة والتقية، والأخرى لبيان الحكم الواقعي، وكلا الروايتين صدرتا عن الإمام وكلاهما حق. إحداهما تتعلق بالاختيار والأخرى بالاضطرار.

ويعتقد أن الاختلاف بين قدماء الأخباريين وأصحاب الأئمة هو من هذا القبيل، ولكن الاختلاف في الفتاوى الناشئ عن الاستنباطات الظنية يستلزم التناقض؛ لأن كلا الحكمين المتناقضين يجب أن يكونا واجب العمل بهما، ومن غير الممكن أن يكون الله قد أذن بذلك: «وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ». فإذا لم يكن منشأ الاختلاف في الفتاوى هو الرواية، فهو من مصاديق «الحكم بغير ما أنزل الله» (المصدر نفسه: 321).

من الأمور المسلمة في الشريعة امتناع الأمر بالخطأ من جانب الله. فإذا كانت الاستنتاجات العقلية والاستنباطات الظنية حجة، لزم أن يأمر الله بالخطأ؛ لأن الاستنتاجات العقلية قابلة للخطأ، ومن القبيح أن يأمر الله تعالى عباده بالخطأ.

بناءً على ما قيل، فإن أهم أدلة الأخباريين في رد أصول الفقه وقواعد الاستنباط هي كالتالي:

1. شخصيات عظيمة مثل الصدوق والكليني، بناءً على بابي «التقليد» و«الرأي والمقاييس»، يعتبرون الاجتهاد حراماً.

2. الإدراكات العقلية ليست موجبة للتكليف. التكاليف منوطة بالسماع من المعصومين (عليهم السلام)، والقطع الحاصل من المقدمات العقلية ليس حجة.

3. الاستنباطات الظنية العقلية مبتلاة بالخطأ الكثير.

4. الآيات والروايات نهت عن الاجتهاد بمنهج الأصوليين.

5. تحصيل الحكم غير الضروري عن طريق النظر والكسب يوجب اختلاف الآراء ويثير الفتنة.

6. إذا كانت الاجتهادات الظنية حجة، فإن فائدة بعث الرسل وإنزال الكتب تنتفي.

7. حجية الاستنباطات الأصولية تؤدي أحياناً إلى الحكم بـ«غير ما أنزل الله» وتستلزم الكذب.

9. بما أن اجتهادات الأصوليين تخطئ أحياناً، فإن الأمر باتباع الخطأ ممتنع على الشارع.

10. لزوم وساطة الحجة في الأحكام الإلهية.

الرد على أدلة الأخباريين في نفي قواعد الاستنباط

أولاً: ادعاء أن شخصيات عظيمة مثل الصدوق والكليني كانوا أخباريين لا دليل عليه. على الرغم من اهتمامهم الخاص بالروايات، إلا أنهم قطعاً لم يكونوا يحرمون الاجتهاد الشائع بين أصوليي الشيعة والتقليد منهم. هل كانوا لا يعتبرون القرآن حجة مثل الأسترآبادي! وفقاً للتحقيق، فإن أول من طعن في الشيخ الطوسي والشيخ المفيد وغيرهم من الأصوليين، وقال إنهم أخذوا المباحث الأصولية من أهل السنة وأدخلوها في مذهب أهل البيت، هو المحدث الأسترآبادي. فهو في كتاب (فوائد المدينة) يعتبر المجتهدين مخربين للدين. لذا، يقول الشيخ يوسف البحراني، وهو أخباري بنفسه: كلام الأسترآبادي ليس بحسن ولا موافق للصواب. إذن، يجب أن تكون الأخبارية قد بدأت من المحدث الأسترآبادي، لا من زمن الشيخ الصدوق.

يقول صاحب كتاب (كشف القناع عن وجوه حجية الإجماع): «وقد أفرط في نسبة الأفاضل إليها وحمل كلامهم عليها وادعاء أنهم من أخباريين» (التستري، د.ت: 207). ومراده من الأفاضل الشيخ الصدوق ووالده والكليني. كما يقول: كلام الأسترآبادي لا أساس له. اهتمام هؤلاء (الشيخ الصدوق والكليني) بالروايات ليس من باب الأخبارية. وقد أورد الأصفهاني في كتاب (هداية المسترشدين): «فما ذهب إليه الأخبارية من متأخري علمائنا من حرمة العمل بالأدلة الظنية مطلقاً ووجوب تحصيل العلم بالأحكام وانفتاح سبيله على المكلفين في المسائل الشرعية والمنع من التقليد بالمرة، الظاهر أنه مذهب جديد لم يذهب إليه أحد من علمائنا المتقدمين قد أحدثه مولانا محمد أمين الأسترآبادي لزعمه أنه مذهب قدمائنا» (الأصفهاني، د.ت: 3/ 687).

إذا كان الفقهاء والقدماء يعملون أحياناً بمتون الأخبار فقط، فإن طريقتهم لم تكن إنكار الاجتهاد والتقليد. بالإضافة إلى ذلك، كانت متون الأخبار تحرم الاجتهاد بالرأي، لا الاجتهاد بمعنى كشف الحكم من الأدلة.

ثانياً: القول بأن الإدراكات العقلية ليست موجبة للتكليف وأن القطع الحاصل من المقدمات العقلية ليس حجة، وأن إثبات التكاليف الشرعية منحصر ومنوط بالسماع من المعصومين (عليهم السلام)، هو كلام واهٍ لا أساس له. يجب أن نعلم أن مكونات الفكر الأخباري هي: 1. حصر مصادر الأحكام ونفي حجية الكتاب والإجماع والعقل. 2. حصر الاجتهاد والتقليد في نطاق اتباع الأئمة وحجية الكتب الأربعة. 3. منع العمل بالظن وتوسيع دائرة الاحتياط. وعليه، فهم لا يقبلون دليل الملازمة بين حكم العقل والشرع، على الرغم من قبولهم للحسن والقبح العقليين. فالبنية الفكرية لمحمد أمين الأسترآبادي حول عدم اعتبار العقل تتمثل في: وجود حكم قطعي لجميع الحوادث في روايات أهل البيت، وكثرة الخطأ في الأحكام العقلية، وتأثر الأصوليين بالعامة.

لقد استند المرحوم الأسترآبادي لإثبات ادعائه إلى الروايات التي توجب توسط الحجة، والروايات الدالة على الرجوع إلى أهل البيت. من وجهة نظره، فإن المقدمات العقلية لا تفيد أكثر من الظن بالحكم الاستنباطي، وبحكم الآيات والروايات، لا اعتبار للظن. وبالتالي، فإن العمل بالظن الاستنباطي مشمول بالآيات الناهية عن العمل بالظن، والنهي عن العمل بالظن سببه أنه يؤدي إلى اختلاف الأمة، ولزوم نقض الغرض، وإيجاد الفتنة والحرب بين المسلمين، ولزوم الأمر بالخطأ من جانب الشارع.

نقد ودراسة

في الرد على هذه الرؤية، نلقي نظرة على مسألة الحسن والقبح. كثير من أفعال الإنسان حسنة من جهة وقبيحة من جهة أخرى؛ أي أن حسنها وقبحها اعتباري؛ مثل ضرب اليتيم. ولكن حسن وقبح بعض الأفعال والأشياء ذاتي؛ مثل حسن العدل وقبح الظلم، وحسن وقبح بعض الأفعال أيضاً اقتضائي وعرضي.

أولاً: الحسن والقبح الذاتي، الذي يقبله حتى الأخباريون، لا شك فيه، وجميع عقلاء العالم يعتبرون حسن العدل وقبح الظلم من البديهيات، ويعدون العدل حسناً والظلم قبيحاً. فإذا كان جميع عقلاء العالم يقبلون الحسن والقبح الذاتي للأفعال، فإن الشارع هو واحد من العقلاء بل هو سيد العقلاء. إذن، الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع يجب أن تكون أمراً مسلماً به؛ لأنه إذا لم يقبل الشارع الحكم العقلائي، لا يمكن القول إن حسن العدل مقبول لدى جميع العقلاء (أصول الفقه للمظفر).

ثانياً: العقل وحده هو الذي يدرك أن فاعل «المأمور به» مستحق للثواب وفاعل «المنهي عنه» مستحق للعقاب. إذا أنكرنا هذا المعنى، فبأي طريق يثبت صدق وعود الشارع ووعيده؟ هل هناك طريق آخر غير العقل؟ الآن، إذا كان مراد الأخباريين الذين ينكرون الملازمة هو هذا، فبطلانه واضح. أما إذا كان مرادهم أن العقل لا يستطيع إدراك ملاكات الأحكام الشرعية، فإنهم لم يقولوا كلاماً جزافاً. الأصوليون أيضاً يقولون: لا يمكن للعقل أن يكشف الحكم الشرعي من الحكم العقلي إلا إذا كانت المصلحة المدركة ملزمة وغير مزاحمة بمفسدة أهم، وفهم هذا المعنى (إدراك المصلحة الملزمة غير المزاحمة بالمفسدة) صعب جداً. لذا، فإن إدراك ملاكات الأحكام بواسطة العقل محل إنكار، إلا في الموارد التي تتعلق بها آراء جميع العقلاء بشيء ما.

خلاصة القول: إذا كان مراد الأخباريين أنه لا ملازمة بين حكم العقل والشرع مطلقاً، حتى في القضايا التي يحكم فيها العقلاء «بما هم عقلاء»، فهو كلام لا أساس له. أما إذا كان مرادهم أن ملاكات الأحكام غالباً غير قابلة للإدراك العقلي، فكلامهم صحيح.

في مسألة القطع الحاصل من المقدمات العقلية، نقول: حجية القطع طريقية محضة، ذاتية. هذه رؤية الأصوليين ولا يمكن نفيها أو إثباتها. يقول الشيخ الأنصاري: في حال حصول القطع، فإن اتباعه واجب ولازم؛ لأن القطع يظهر الواقع ويكشفه، لذا فإن لازم هذا الواقع الكاشف هو وجوب المتابعة (الشيخ الأنصاري، د.ت: 29).

يقول الآخوند الخراساني في أحكام القطع: وجوب العمل طبق القطع، ينجز التكليف، والحاكم في هذه المسألة هو العقل والوجدان، ولا حاجة لإقامة برهان. وهو يرى أن أحكام القطع ذاتية، ولوازم القطع غير قابلة للجعل التأليفي؛ لأن ذاتيات الشيء لا تنفك عنه، ومنع العمل بالقطع غير ممكن؛ لأنه يؤدي إلى اجتماع الضدين.

على هذا الأساس، إذا حصل قطع بحكم ما، فلا فرق من هو القاطع، وما هو متعلق القطع، وما هو سبب القطع، وهل سبب الأمر متعارف أم غير متعارف. إذن، لا فرق بين المقدمات التي توصلنا إلى هذا القطع، سواء كانت مقدمات عقلية أم شرعية؛ ذلك أن العقل إذا أدرك حسن وقبح فعل ما – مثل حسن الطاعة وقبح المعصية – تتحقق الملازمة بين حكم العقل والشرع، ويحصل القطع بالملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته أيضاً من هذا القبيل. وعليه، فإن القطع الحاصل من غير الكتاب والسنة (القطع الحاصل من المقدمات العقلية)، لا يمكن منعه أو الحيلولة دونه، لا ثبوتاً ولا إثباتاً؛ لأن حجية القطع ذاتية، ومنع العمل به ثبوتاً محال ويستلزم تناقضاً في الواقع أو الاعتقاد، وقهراً إثباتاً أيضاً غير ممكن حتى يُنهى عن العمل به.

بناءً على هذا، يجب القول: إن مراد الأخباريين من قولهم إن القطع الحاصل من المقدمات العقلية ليس بحجة، هو كلام لا أساس له، إلا إذا كان مرادهم أنه لا يحصل قطع من المقدمات العقلية؛ كما هو اعتقاد المحقق الخراساني في توجيه كلام الأخباريين، حيث قال: إن مرادهم هو المنع الصغروي، فتكون هذه الصورة من النزاع صغروية وخارجة عن البحث.

أما مسألة كثرة خطأ العقل التي يطرحها الأسترآبادي، ويبني عليها عدم اعتبار القطع الحاصل من المقدمات العقلية، فهي حجة واهية؛ لأن دليله هو أيضاً نوع من الأدلة العقلية، وقد حارب العقل بدليل عقلي.

توضيح: يقول أمين الأسترآبادي: «إن تمسكنا بكلامهم (عليهم السلام) فقد عصمنا من الخطأ، وإن تمسكنا بغيرهم لم نعصم منه». بهذا الادعاء، أولاً، أثبت أن العقل خطّاء. ثانياً، ليس لدينا معيار لنتائج العقل. الآن يجب أن نسأله: بأي دليل يكون العقل خطّاء؟ هل دليلك عقلي أم غير عقلي؟ إذا كان غير عقلي، فيجب إثبات حجيته الذاتية، في حين أنه لا يوجد دليل لإثبات الحجية الذاتية غير العقل.

يقول صاحب أنوار الأصول: «أولاً: إن ما ذهبوا إليه بنفسه دليل وبرهان عقلي أقيم على نفي العقل. ثانياً: إن كلامه يوجب بطلان نفسه لأن استدلاله ليس من الحسيات ولا من الرياضيات، بل داخل في القسم الثالث الذي لا يحصل القطع فيه عنده» (المجلسي، 1429: 2/ 25).

هل يدعي من يقول بخطأ العقل أن هذه القضية يقينية؟ في حين أن هذه القضية إما حكم العقل أو حكم غير العقل. حجية حكم غير العقل تعتمد على حكم العقل، ومن الفرض الأول يلزم الدور.

بعبارة أخرى: قضية «العقل خطّاء» هي حكم العقل. فإذا كان حكماً عقلياً وكان خطّاءً ويحتمل فيه الخطأ، فهذا يعني أنه ليس يقينياً، وعدم يقينيته يعني أن نقيضه يقيني، وهذا خلاف الفرض. الآن، إذا كان العقل خطّاءً ولا يمكن الاعتماد عليه، فليس هناك دليل عقلي معتمد، ومن جهة أخرى، الإدراكات غير العقلية ليس لها حجية ذاتية. إذن، لا ينبغي للإنسان أن يكون له علم بالعالم الخارجي سوى علمه بنفسه وآثار ذاته الذي هو علم حضوري.

إذا كان المقصود أنه ليس لدينا معيار لتمييز الصواب من الخطأ في استنتاجاتنا العقلية، فما هو معيار صحة وخطأ الأحاديث المنسوبة إلى أهل البيت، النبي (صلى الله عليه وآله)؟ ولا يمكن قبول كل حديث منسوب إلى النبي. فهل هناك طريق غير العقل لتمييز صحة الحديث من سقمه؟ أليس أصل الدين يثبت بالعقل؟ فالنقل ليس له حجية ذاتية، وحجية كل ما هو بالغير يجب أن تنتهي إلى حجية ذاتية، وإلا لزم الدور والتسلسل. لذا، لا يمكن إخراج حكم العقل من دائرة الدليلية على الحكم الشرعي بحجة أنه خطّاء.

يقول صاحب أنوار الأصول: بناءً على بيان الأسترآبادي بشأن عدم يقينية استنتاجات العقل، يبرز إشكال؛ لأن بحثنا في موضع يُحصَّل فيه القطع بالحكم الشرعي من مقدمات عقلية، وأنت تقول إن استنتاج العقل ليس يقينياً، وهذا خروج عن موضوع البحث. إن عدم اعتبار العقل يوجب عدم اعتبار العقل في أصول الدين، وإذا أثبتم أصول الدين بدليل نقلي لزم الدور، وإذا أثبتموها بالعقل، يبرز هذا السؤال: لماذا تكون استنتاجات العقل معتبرة في أصول الدين وغير معتبرة في استنباط الأحكام؟ (المصدر نفسه: 25).

كما ورد في أنوار الأصول: «إن ما ذهب إليه من عدم وقوع الخطأ في الحسيات وما ينتهي إلى مادة قريبة من الإحساس ممنوع بالوجدان لوقوع الخطأ الكثير في المبصرات والمسموعات، فيقطع الإنسان مثلاً بوصول الماء إلى البشر في الضوء ثم يكشف خلافه تفصيلاً أو إجمالاً، وهكذا في الرياضيات فينكشف الخلاف مثلاً في جمعه وتفريقه وإن لم يظهر الخطأ في قواعده» (المصدر نفسه: 250).

فإذا كان مجرد وقوع الخطأ في الاستنتاجات العقلية في المحسوسات والقريبة من الحسن لا يوجب عدم اعتبارها، فإن الاستنتاجات الحاصلة من المقدمات العقلية أيضاً لن تكون غير معتبرة.

خلاصة القول، وكما قال الشيخ الأعظم، إذا كنتم تقولون إن القطع الحاصل من المقدمات العقلية لا اعتبار له، فالجواب هو أنه لا يمكن لأي جاهل أن يتصرف في القطع الطريقي ويزيله عن طريقيته؛ لأنه يستلزم التناقض، وإثبات الطريقية تحصيل حاصل. وإذا وقع خطأ في القطع الحاصل من المقدمات العقلية، فإنه يقع أيضاً في القطع الحاصل من المقدمات غير العقلية، وإذا كان للخطأ سبيل في المطالب العقلية، فله سبيل أيضاً في المطالب الشرعية (الشيخ الأنصاري، المصدر نفسه: 1/ 51-52).

بناءً على ذلك، فإن القطع الحاصل من المقدمات العقلية حجة، ولا دليل للمنكرين.

يقول المرحوم الأسترآبادي: الحكم الذي لم تتوسط فيه حجة الله مردود، وبما أن الحكم المستفاد من المقدمات العقلية ليس عن طريق السنة، فلا اعتبار له. ولكن كان عليه أن ينتبه إلى أن الروايات الدالة على مدعاه منصرفة إلى أولئك الذين أعرضوا عن أهل البيت (عليهم السلام) ولجأوا إلى الاجتهاد القياسي والاجتهاد بالرأي؛ مثل أبي حنيفة وابن شبرمة. هذه الروايات لا تشمل المجتهدين الذين يستخرجون الحكم الشرعي من الكتاب والسنة، والتمسك بالثقلين هو وظيفة الجميع. حقاً، كيف يمكن في الموارد التي يصل فيها العقل إلى شيء بالقطع، أن نتجاهله، مع أن الإمام يخاطب هشاماً قائلاً: «يا هشام، إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة، وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة، وأما الباطنة فالعقول» (الكليني، 1429: 1/ 16).

يقول المرحوم الشيخ الأنصاري: «ما ورد من النقل المتواتر على حجية العقل وأنه حجة باطنة وأنه مما يعبد به الرحمن ويكتسب به الجنان ونحوها، مما يستفاد منه كون العقل السليم أيضاً حجة من الحجج، فالحكم المنكشف به حكم بلغه الرسول الباطني الذي هو شرع من داخل كما أن الشرع عقل من خارج» (الشيخ الأنصاري، المصدر نفسه: 1/ 59).

يعتقد المرحوم الأسترآبادي أن جميع الحوادث إلى يوم القيامة لها حكم قطعي مخزون لدى الأئمة المعصومين، ودليل قطعي عليها متاح. وقد أورد في الفوائد أن مذهب قدماء الأخباريين وطريقتهم هي أن كل ما يحتاج إليه إلى يوم القيامة قد ورد عليه دليل قطعي من الله تعالى. حتى مقدار دية الخدش والكثير من الأحكام والأمور المتعلقة بكتاب الله، قد أتى بها النبي (صلى الله عليه وآله)؛ مثل النسخ والتفسير والتخصيص والتأويل، فكل هذا مخزون عند عترة النبي: «وأن القرآن في الأكثر ورد على وجه التعمية بالنسبة إلى أذهان الرعية، وكذلك كثير من السنن النبوية صلى الله عليه وآله. وأنه لا سبيل لنا فيما لا نعلمه من الأحكام الشرعية النظرية أصلية كانت أو فرعية إلا السماع من الصادقين (عليهم السلام). وأنه لا يجوز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر كتاب الله ولا من ظواهر السنن النبوية ما لم يعلم أحوالهما من جهة أهل الذكر (عليهم السلام)، بل يجب التوقف والاحتياط فيهما، وأن المجتهد في نفس أحكامه تعالى إن أخطأ كذب على الله تعالى وافترى، وإن أصاب لم يؤجر، وأنه لا يجوز القضاء ولا الإفتاء إلا بقطع ويقين ومع فقده يجب التوقف» (الأسترآبادي، المصدر نفسه: 104 – 105).

بناءً على العبارة المذكورة، يوجب المرحوم الأسترآبادي التوقف حيث لا يوجد دليل قطعي من الله تعالى، ولا يجيز القضاء والفتوى إلا في حالة القطع واليقين. ولكن بالنظر إلى أن الدليل القطعي ليس متوفراً في جميع الموارد، فلا يمكنه القول إن جميع الحوادث لها دليل قطعي من الله تعالى. صحيح أن المعصوم على كل حكم له دليل قطعي وعلم المعصوم مقبول لدى الجميع، ولكن البحث في علم غير المعصوم بالأحكام الشرعية، وغالباً ما لا يجد غير المعصوم في عصر الغيبة علماً بالحكم، وهو نفسه يوجب التوقف والاحتياط في حالة عدم العلم.

في المباحث السابقة في رد نظر الأسترآبادي وبعض الأخباريين، ثبت أن القطع بالحكم إذا كان حاصلاً من مقدمات واستنباطات عقلية فهو حجة. الآن، إذا كان محصول المقدمات العقلية هو الظن بالحكم، فإن المرحوم الأسترآبادي لا يعتبر الظن بالحكم الشرعي حجة ويسقطه من الاعتبار. نعم، الأصل الأولي في الظن هو هذا، ولذا فإن استنباط الأحكام عن طريق الدليل القطعي له الأولوية الأولى، ولكن الأدلة القطعية نادرة جداً، والنص قطعي الدلالة، والخبر المتواتر… قليل جداً. الآن، يجب على الأسترآبادي في جميع موارد فقدان النص القطعي والدليل القطعي أن يختار التوقف والاحتياط؛ لأنه لا يعتبر الظواهر حجة، والأخبار الظاهرة ليست بحجة من وجهة نظره. نتيجة لذلك، تبقى الحوادث والوقائع التي تقع على مر الزمان بلا جواب، وتتعطل الأحكام الإلهية. من هنا، جعل الشارع المقدس بعض الأدلة الظنية حجة، وحتى في زمن الوصول إلى الأئمة المعصومين، اعتبر بعض الأمارات معتبرة. وقد ذُكرت أدلة اعتبار الظنون الاستنباطية من الأدلة الخاصة مثل سيرة العقلاء والأخبار المتواترة في كتب الأصوليين بالتفصيل.

بعبارة أخرى، بحكم إطلاق هذه الأدلة وعن طريق ظواهر القرآن والأخبار المتواترة وخبر الثقة، يمكن الوصول إلى الحكم الشرعي حتى في زمن الحضور. حكمة اعتبار الأمارات الظنية هي مصلحة التسهيل؛ لأنه لو أراد الشارع أن يجبر عباده في فرض انفتاح باب العلم على اتباع العلم في أحكام الدين، لكان ذلك موجباً لمشقة عظيمة على الأمة؛ مثلاً، لو لم يكن خبر الواحد الثقة حجة، لكان على المكلفين أن يحضروا عند المعصوم ليجدوا أحكامهم الشرعية ويأخذوا الأحكام مباشرة منه (عليه السلام). كذلك، لو لم تكن ظواهر القرآن والحديث حجة، لكان على الجميع أن يحضروا عند المعصومين (عليهم السلام) لرد احتمالات خلاف الظاهر وتحصيل القطع بمراد القرآن والحديث، ويسألونهم، وهذا الأمر يوجب العسر والحرج. ومن الواضح جداً أنه إذا كانت الظنون الخاصة حجة في زمن المعصومين حتى مع إمكانية الوصول إلى العلم، فإنها تكون حجة من باب أولى في زمن غيبة الإمام (عجل الله فرجه).

استدل المرحوم الأسترآبادي لعدم حجية الظن بالآيات والروايات الدالة على النهي عن العمل بالظن، وأسقط الظن الحاصل من المقدمات العقلية وغير العقلية من الاعتبار بشكل مطلق، ولكن هذا الاستدلال عقيم؛ لأنه في موارد عديدة ثبت العمل بالظن، حتى هو نفسه يعتبر الظن حجة في الأمور العادية والوجدانية.

بالإضافة إلى ذلك، إذا كان الظن منهياً عنه بشكل مطلق، فإنه يستلزم تكليف ما لا يطاق، والعسر والحرج، وكذلك تعطيل الأحكام الإلهية؛ لأنه في هذه الحالة، سيتوقف استنباط الأحكام ويتعطل، وهذا يترتب عليه هذه المحاذير، ولذا فقد منح الشارع المقدس الاعتبار لبعض الظنون.

من أدلة المرحوم الأسترآبادي على حرمة الاجتهاد أن لازمه جواز الأمر بالخطأ؛ لأن اجتهادات الأفراد تؤدي أحياناً إلى الاختلاف، والاختلاف يوجب الفتنة، ومن جهة أخرى، بعض هذه الاجتهادات خاطئة، وجواز كون الاجتهاد مأذوناً به هو في الحقيقة أمر بالاختلاف والخطأ، والأمر بالخطأ من جانب الشارع قبيح، والقبح على الحكيم محال. بالإضافة إلى أنه يستلزم تحريم الحلال وتحليل الحرام، وتفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة، ولكن الأصوليين أجابوا على هذا الإشكال بإجابات متعددة، وخلاصة القول في الإجابة الإجمالية: لا يثبت للأمارات الظنية حكم جديد بجانب الحكم الواقعي (الآخوند الخراساني، 1409: 277)، بل حكم مؤدى الأمارات والأدلة الظنية مع الحكم الواقعي من سنخين: طريقي وواقعي. لذا، لا يوجد اجتماع للمثلين والضدين. وأما تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة، فليس مانعاً من حجية الأمارات؛ لأن مثل هذا الشيء يلزم في حال عدم وجود مصلحة أقوى باسم مصلحة التسهيل، لذا، فإن الأمر بالعمل بالظنون الخاصة واستخدام قواعد الاستنباط ليس أمراً بالخطأ ولا يستلزم المحاذير المذكورة، بل هو أمر بجواز الاجتهاد، ويضمن حياة المجتمع الإسلامي. إضافة إلى أن حجية اليد وقاعدة سوق المسلمين لا تتطابق دائماً مع الواقع، بينما جعلها الإمام (عليه السلام) حجة. وفي موارد القطع بالحكم عن طريق الحجة، قد يكون هناك خطأ أيضاً. إضافة إلى أن العمل بالأدلة الظنية إذا كان مطابقاً للواقع، فقد حصل المطلوب، وإذا لم يكن مطابقاً للواقع، فالمكلف قد عمل بأمر الشارع الطريقي وهو معذور؛ لأنه عمل بالحكم الظاهري الطريقي، وهو أيضاً حكم الشارع.

أما مسألة لزوم الاختلاف في الفتاوى، فهي ليست خاصة بالأصوليين الذين يصلون إلى الحكم الشرعي بقواعد الاستنباط، بل هذا الاختلاف موجود بين الأخباريين أيضاً. هل جميع الأخباريين متفقون في فهم الأحاديث وروايات أهل البيت؟ ثم إن الاختلاف في فهم الأدلة اللفظية يسبب الاختلاف في الفتاوى، وهذا الاختلاف موجود أيضاً بين الفقهاء الأخباريين؛ لأن جميع الأدلة اللفظية ليست صريحة في المقصود، بل معظمها ظاهر، وهذا الظهور هو منشأ الاختلاف؛ لأن كل فقيه يستنبط حكماً من الرواية بناءً على القرائن والمباني التي لديه.

النتيجة النهائية:

1. الاجتهاد بمعنى استكشاف الحكم الشرعي من الأدلة القطعية أو الظنية هو منهج الاستنباط المقبول لدى الأئمة المعصومين.

2. الأحاديث الناهية عن العمل بالظن والتفسير بالرأي ووجود المخصصات والمقيدات، دليل على عدم جواز استنباط الأحكام الشرعية من ظواهر القرآن.

3. عدم الحاجة إلى قواعد الاستنباط بحجة قطعية صدور روايات الكتب الأربعة هو ادعاء لا دليل عليه.

4. نفي حجية الإجماع بجميع أنواعه بحجة التشكيك في حصوله في عصر الغيبة ناتج عن عدم التأمل، ولذا فإن مشهور فقهاء الإمامية يعتبرون الإجماع المحصل بشرط حصول القطع للمحصل، والإجماع التعبدي حجة، ويقيمون عليه براهين قاطعة.

5. أدلة وجوب الاحتياط في الشبهة التحريمية من جانب الأخباريين مخدوشة وقد نوقشت بجدية.

6. في رأي الأخباريين، يجب على جميع الأمة أن يكونوا مقلدين للمعصومين، وهذه النظرية لا تستفاد من أدلتهم وهي غير ممكنة في زمن الغيبة.

7. لا يوجد دليل محكم على عدم حجية حكم العقل.

الفرق بين الأخباريين والأصوليين يكمن بشكل أساسي في هذه الأمور التي ذُكرت؛ على الرغم من أن البعض ذكر ما يصل إلى 86 فرقاً بين الأخباريين والأصوليين.

الفصل الثالث: عقلائية قواعد الاستنباط

في مقابل المذهب الأخباري الذي لا يجيز الوصول إلى الحكم الشرعي إلا عن طريق السماع من المعصوم، ويعتبر الاجتهاد واستخدام القواعد الأصولية للوصول إلى الحكم الشرعي حراماً، هناك فئة من الأصوليين يعتبرون الأمارات وقواعد الاستنباط من البناءات العقلائية، ولا يرون حاجة إلى إمضاء الشارع أو عدم ردعه. يعتقد هؤلاء أن للبناء العقلائي منشأ حقيقياً ويرجع إلى العقل الاضطراري، ودليل شيوعه وعموميته هو الاضطرار العقلي في الحياة. إذن، يجب أن يرجع منشأ حجيته إلى العقل.

الأحكام الاضطرارية هي تلك الأحكام التي يحتاج إليها الإنسان في عمله من أجل البقاء والحياة؛ أي أن العمل بالأحكام الاضطرارية لا يحتاج إلى استدلال. يعتقد هؤلاء أن اشتراك السيرة العقلائية لدى جميع البشر ولزوم اختلال النظام من عدم العمل بالسيرة العقلائية هو دليل على كون السيرة العقلائية غير تعاقدية. على هذا الأساس، ترجع السيرة العقلائية إلى العقل وحجيتها ذاتية. يذكر علماء الأصول السيرة العقلائية مع قيد «بما هم عقلاء». هذا القيد حتماً احترازي؛ أي للاحتراز من سيرة العقلاء بما هم عاطفيون أو بما هم متشرعون… (المظفر، د.ت: 2/ 227). وقد فهم البعض من هذا القيد الحجية الذاتية للسيرة العقلائية، التي لا تحتاج إلى إمضاء الشارع. يقول محمد رضا المظفر في أصول الفقه: «وعلى هذه السيرة العملية قامت معايش الناس وانتظمت حياة البشر ولولاها لاختل نظامهم الاجتماعي ولسادهم الاضطراب لقلة ما يوجب العلم القطعي من الأخبار المتعارفة سنداً ومتناً» (المصدر نفسه: 91).

فإذا تم القبول بأن قوام حياة البشر يعتمد على العمل بالأمارات الشرعية العقلائية، وأن عدم العمل بها يؤدي إلى اختلال النظام وسيادة الاضطراب في المجتمع وتعطيل الحياة، فكيف يمكن اعتبار السيرة العقلائية أمراً تعاقدياً لا يستند إلى حقائق خارجية، وتكون حجيتها منوطة بإذن الشارع، في حين أن معظم علماء الأصول يعتبرون الاختلال في السير العقلائية موجباً لاختلال النظام؟ ولكن يجب القول: مع وجود جملة «لقلة ما يوجب العلم القطعي» في كلمات المرحوم المظفر، كيف يمكن القول بأنه قائل بالحجية الذاتية لبناء العقلاء والسيرة العملية العقلائية، في حين أن الحجية الذاتية تكون حيث يكون ذات الشيء عين الكشف واليقين، وقواعد الاستنباط لا تملك هذه الميزة، وكثير من الأخبار لا توجب العلم القطعي. وعليه، لا يمكن اعتبار المرحوم المظفر في صف القائلين بالحجية الذاتية لبناء العقلاء.

جاء في حاشية الكفاية للعلامة الطباطبائي: «ثم إنك عرفت في بحث الوضع أن اعتبار الوضع والدلالة اللفظية ما يقتضي به الفطرة الإنسانية ونظام الاجتماع، فهو ما بني عليه العقلاء ولا معنى للردع عنه» (الطباطبائي، د.ت: 2/ 205).

وفقاً لهذا الرأي، فإن بناء العقلاء أمر فطري وغير قابل للردع من الشارع.

يقول الإمام الخميني في الرسائل: إن سيرة العقلاء في تقليد الجاهل من العالم هي من فطريات العقول (الإمام الخميني، 1385: 2/ 2/ 123).

لا يمكن الاستفادة من العبارة السابقة بأن المحقق النائيني في صف القائلين بالحجية الذاتية لبناء العقلاء؛ لأن القواعد الظنية وإن كانت عقلائية، إلا أن حجيتها ليست ذاتية، بل بواسطة عدم ردع الشارع. وهذا المعنى واضح تماماً من عبارته.

أورد الإمام الخميني في أنوار الهداية: «فاعلم أن الأمارات المتداولة على ألسنة أصحابنا المحققين كلها من الأمارات العقلائية التي يعمل بها العقلاء في معاملاتهم وسياساتهم وجميع أمورهم، بحيث لو ردع الشارع عن العمل بها لاختل نظام المجتمع ووقفت رحى الحياة الاجتماعية، وما هذا حاله لا معنى لجعل الحجية له وجعله كاشفاً محرزاً للواقع بعد كونه كذلك عند كافة العقلاء، وها هي الطرق العقلائية – مثل الظواهر، وقول اللغوي، وخبر الثقة، واليد، وأصالة الصحة في فعل الغير – ترى أن العقلاء كافة يعملون بها من غير انتظار جعل وتنفيذ من الشارع، بل لا دليل على حجيتها بحيث يمكن الركون إليه إلا بناء العقلاء، وإنما الشارع عمل بها كأنه أحد العقلاء» (الإمام الخميني، 1415: 1/ 105).

وفقاً للعبارة المذكورة، فإن الأمارات وقواعد الاستنباط الشائعة لدى أصحاب الإمامية هي كلها أمارات عقلائية، يعمل بها عقلاء العالم في معاملاتهم وسياساتهم وأمورهم اليومية. وإذا نهى الشارع عن هذه الأمور، يختل النظام الاجتماعي ويتوقف محرك الحياة الاجتماعية. ومن وجهة نظر عقلية، فإن مثل هذا الشيء حجة بذاته وغير قابل للجعل، وكاشفيته عن الواقع ليست بجعل الجاعل؛ لأنه عندما يكون هو نفسه كاشفاً ومحرزاً للواقع، فإن جعل الكاشفية يكون تحصيل حاصل. يصف المذكور هذه الأمارات بأنها طرق عقلائية، ويذكر مصاديقها مثل الظواهر، وقول اللغوي، وخبر الثقة، واليد، وأصالة الصحة في فعل الغير. ويشهد على هذا الادعاء عمل وسيرة العقلاء دون انتظار تنفيذ من الشارع، ويعتبر أن الدليل الوحيد على هذه السيرة والسلوك هو بناء العقلاء. وفي هذه الموارد، يكون الشارع كأحد العقلاء يتصرف بنفس الطريقة.

في مسألة حجية خبر الثقة وقاعدة اليد، يتضح هذا المعنى أكثر من الموارد الأخرى. من عبارة المرحوم الطباطبائي التي تقول: «لا معنى للردع عنه»، وعبارة المرحوم الإمام الخميني التي تقول: «لا معنى لجعل الحجية وجعله كاشفاً محرزاً للواقع»، يتضح تماماً أن هذين العالمين الكبيرين يعتبران حجية السيرة العقلائية ذاتية. وبناءً على أنظار هذين العالمين، فإن علم أصول الفقه علم عقلائي وعقلي، وبما أن السير العقلائية مبنية على قواعد عقلية، فإن علم أصول الفقه مبني على قواعد عقلية. وفقاً لهذا المبدأ، فإن المراد من هذا العقل هو العقل العملي، وكونه فطرياً يدل على حقيقته وخروجه عن دائرة التعاقد المحض. عادة ما تستقر السير العقلائية في قضايا مرتبطة بضرورات حياة الإنسان.

ما هو قوامها. في هذا الرأي، جميع الأحكام العقلية على هذا النحو. لذا، قيل: العقل الفطري هو إدراكات جبلية متزامنة مع بنية وجود الإنسان ولا تنفصل عنه.

يكتب الميرزا الآشتياني في بحر الفوائد: «لا يخفى عليك أن المراد من العقل الفطري في كلامه وكلام غيره هو أول البديهيات وأبدهها، بحيث يكون مركوزاً في النفوس والجبلة الإنسانية، فلا يخلو عاقل عنه بالنظر إلى فطرته» (الآشتياني، 1402: 1/ 36).

يعتبر الإمام الخميني في كتاب تهذيب الأصول تسلط المالك على ملكه من فطريات العقول (الإمام الخميني، 1382: 3/ 144).

أورد المرحوم الطباطبائي في ذيل عبارة نقلت عنه: «ومن هنا يظهر أن بناء العقلاء حجة بالذات بمعنى أنه ليس حجة يوسط». المذكور من بين الذين صرحوا بذاتية حجية السير العقلائية وعدم قابليتها للردع (الطباطبائي، د.ت: 2/ 312). ولكن لماذا اعتبر دليل حجية السيرة العقلائية هو عدم ردع الشارع، سيأتي وجهه.

يقول المرحوم البروجردي عن بناء العقلاء في الظواهر، وهل يمكن للعقل أن يحكم بحجية الظواهر: «ولا إشكال في أن الصحيح هو الاستناد بحكم العقل لا بسيرة العقلاء، فليس مرجع الاستدلال إلى جعل بناء العقلاء وسطاً للإثبات، حتى يقال إن البرهان في المقام «إنّي» أو «لمّي»؟ مثلاً، بل مرجعه إلى دعوى كون الحجية للظاهر مثلاً من الأحكام الضرورية لكل عقل، ويرجع ذلك إلى التحسين والتقبيح العقليين، فيحكم كل عقل بحسن عقوبة المولى عبده إذا خالف ظاهر كلامه المتضمن لحكم إلزامي باحتمال إرادة خلاف الظاهر، وقبح عقوبته إذا وافقه وإن ترتبت عليها مخالفة حكم إلزامي آخر، من دون أن يحتاج كل عقل لإثبات ذلك إلى إقامة البرهان والاستمداد من سائر العقول» (البروجردي، 1415: 1/ 472).

في الإجابة على سؤال هل حجية الظواهر ذاتية؛ أي مثل العلم واليقين التي لها جهة ذاتية، أم أن ذات الظواهر ليست عين الكشف ولا تطلب الحجية، وتتحقق حجيتها بعنصر خارجي، يقول: الصحيح أن حجية الظهور ترجع إلى مسألة التحسين والتقبيح العقلي. لذا، فإن كل عاقل يحكم بحسن عقوبة المولى لعبده إذا خالف ظاهر كلامه، وذلك في حال كون الظاهر في حكم إلزامي، ولا يقبل عذر احتمال إرادة خلاف الظاهر. كذلك، يحكم العقل بقبح عقوبة المولى إذا وافق العبد ظاهر كلامه، ولا يحتاج في هذا الحكم إلى برهان. على الرغم من أن المذكور في باب الظواهر ينسب حجية الظاهر إلى عنصر خارجي – لأن الظواهر ليست عين الكشف – إلا أن هذا العنصر الخارجي من الوضوح والبداهة بحيث يجعل حجية الظواهر شبيهة بالحجية الذاتية. يقول: «بل الحكم بحجيتها لجهة خارجية ملازمة لها وغير منفكة عنها، وباعتبار هذه الملازمة صارت حجيتها من الواضحات عند العقل حتى وصلت إلى مرتبة يمكن أن يقال بكونها ذاتية، ولذلك لا يشك عقل من العقول في الحكم بالحجية وبالحسن والقبح المذكورين وإن لم يلتفت تفصيلاً إلى جهة الحجية» (المصدر نفسه: 509).

القول المشهور

في الرأي المشهور، تقوم الحجية على تأييد الشارع. يقول هؤلاء: إن سيرة العقلاء مجرد عمل عام وعادة شائعة بين جميع الناس، وبما أن منشأها ليس فكراً عقلياً بديهياً، فلا تحمل كشفاً ولا تظهر الواقع. ولهذا، فهي ليست حجة في ذاتها، ولا تثبت ما وراءها، وتحتاج إلى تأييد الشارع. وفقاً لنظرية وقول الحجية الذاتية لبناء وسيرة العقلاء، يجب أن تكون نفس السيرة العقلائية أحد المصادر والأدلة المستقلة بجانب الكتاب والسنة. أما بناءً على الرأي المشهور، فلا تُعد السيرة العقلائية دليلاً مستقلاً، وإن كانت يمكن أن تكون إحدى طرق إثبات السنة. لمزيد من الاطلاع، يُفيد الرجوع إلى الأصول العامة (الحكيم، المصدر نفسه: 1/ 193). من منظور الأصول العامة، تتحقق السيرة العقلائية بدون دليل وابتدائياً، ولا تثبت صلاح أو فساد متعلقها. لذا، لا تجد حجية إلا بعدم ردع أو إمضاء الشارع، والفرق بينها وبين الحكم العقلي يكمن في هذه النقطة أيضاً: «وأن حكم العقل فيما يمكنه الحكم فيه وليد اطلاع على المصلحة أو المفسدة الواقعية». ولكن هذا المعنى ليس في بناء العقلاء، «وهذا البناء لا يشترط فيه ذلك، ومع عدم كشفه عن الواقع، فهو لا يصلح للاحتجاج به على المولى لكونه غير ملزم به» (المصدر نفسه: 193).

مع أن محمد رضا المظفر يقول: «لو لا هذه سيرة العقلائية لاختل النظام الاجتماعي ولسادهم الاضطراب إلخ»، وقد استنبط البعض حجية السيرة الذاتية من كلامه. ولكن هو نفسه يرى لزوم عدم الردع، ويقول إن بناء العقلاء «لا يكون دليلاً إلا إذا كان يستكشف منه على نحو اليقين موافقة الشارع وإمضائه لطريقة العقلاء، لأن اليقين تنتهي إليه حجية كل حجة» (المظفر، المصدر نفسه: 2/ 172).

يسعى الشهيد الصدر إلى القول بأن السيرة لا تنبع من عوامل فطرية، بل تتدخل فيها العادات الاجتماعية؛ لأن السلوك العقلائي لا ينبثق دائماً من ارتكاز فطري، «بل يتأثر بالظروف والبيئة والمرتكزات الثقافية إلى غير ذلك من العوامل المتغيرة، فلا يمكن أن يعتبر الواقع المعاصر للسيرة دليلاً على ماضيها البعيد» (الصدر، 1405: 1/ 247). تؤثر الثقافات والظروف السائدة في المجتمع عليها، لذا لا يمكن اعتبار السير المعاصرة دليلاً على سلوك جميع الناس في الماضي.

يقول المرحوم الشيخ الأنصاري (قدس سره) في مطارح الأنظار: «إن الموارد التي يستكشف منها حال العقلاء في أمور معادهم ومعاشهم من اكتفائهم بالظن في السلامة، إنما هو بواسطة انسداد طرق العلم لهم بحيث لو اقتصروا على المنافع المعلومة والمضار المعلومة لزم اختلال نظامهم» (الشيخ الأنصاري، د.ت: 1/ 249).

كلام المذكور صريح في أن بناء العقلاء هو من باب الظن الاطمئناني بالواقع، ولو اكتفى العقلاء في الوصول إلى الواقع بالعلم واليقين، لنشأ اختلال النظام. على هذا الأساس، لم يردع الشارع هذه السيرة العقلائية. يكتب السيد حسن البجنوردي في منتهى الأصول: «أن الشارع ما اخترع طريقاً خاصاً لتبليغ أحكامه، بل اعتمد على الطرق العقلائية وما اعتمدوا عليه، فلو كان في نظره أحد طرقهم أو أكثر غير مرغوب فيه، فلا بد من ردعه وتشديد النكير عليه كما فعل في القياس» (البجنوردي، د.ت: 1/ 112). إذن، عدم ردع الشارع دليل على التأييد.

نقد أدلة الحجية الذاتية لبناء العقلاء والسيرة العقلائية

بناء العقلاء هو سلوك جماعي لعقلاء العالم، ولكنه لا يثبت حكماً شرعياً بدون تقرير المعصوم؛ لأنه لو فرضنا أنهم محكومون بالعمل بالظن الاطمئناني بسبب انسداد باب العلم واليقين بالواقع، فإن هذا لا يثبت أن بناء العقلاء حجيته ذاتية وعين الكشف، وأنه لا يحتاج إلى إمضاء وتأييد الشارع في إثبات الحكم الشرعي.

1. إن المنشأ الحقيقي لبناء العقلاء وانتهائه إلى العقل الاضطراري لا يتنافى مع عدم حجيته الذاتية. الحجية تكون ذاتية للشيء عندما تقتضيها ذاته؛ مثل العلم الذي هو عين الحجية. فلو فرضنا أن العقلاء في سبيل كشف الأحكام الشرعية مضطرون للعمل بظاهر الكلام أو ظاهر اليد أو سوق المسلمين، فإن هذا الاضطرار لا يجعل ظاهر الكلام أو ظاهر اليد عين الكشف عن الواقع أبداً.

2. الدليل الثاني للقائلين بالحجية الذاتية للسيرة العقلائية هو: كيف يمكن لأمر تعاقدي قابل للتغيير أن ينتشر بين جميع البشر ويفرض نفسه على الجميع ويتحول إلى سلوك وعادة نوعية؛ خاصة أنه في الأزمنة الماضية لم يكن هناك اتصال بين جميع البشر؟ كيف يمكن مع الاختلاف الفاحش بين الأعراف والعادات أن يُقبل أمر غير ضروري ومجرد تعاقدي في كل مكان في العالم ويُلتزم به؟ لذا يجب القول: إن الحاجات التكوينية والاضطرارية التي هي أساس بقاء المجتمع هي التي تسببت في خضوع جميع البشر لها. إذن، اشتراك سيرة العقلاء بين جميع البشر دليل على كونها غير تعاقدية.

الجواب هو: لنفرض أننا نقبل بأن حاجة جميع البشر للعمل بخبر الثقة هي حاجة تكوينية، وأن عقلاء العالم مضطرون للعمل بالظاهر أو خبر الثقة، وأن العقل لا يجيز خلاف ذلك «نوعاً». ولكن البحث هو: هل هذه السيرة العقلائية العامة والشاملة؛ مثلاً، العمل بالظواهر، هي عين الكشف عن الواقع، أم أن العقلاء في حالة عدم يقينهم بالواقع قد رضخوا للعمل بالظواهر مثلاً، من باب انحصار الطريق للوصول إلى الواقع؟ وعليه، فإن السيرة العقلائية لا تثبت حكماً شرعياً بنفسها بدون تأييد الشارع. نعم، إذا أقر الشارع هذا المنهج، فإنه يحصل القطع بالواقع. على الرغم من أن التغيير الشرعي في هذه السيرة كان قليلاً، إلا أنها قابلة للتغيير، والشارع قد ردع السير العقلائية في بعض الموارد؛ مثل العمل بالقياس والمعاملة الربوية. وفيما يتعلق بدليل اختلال النظام، نقول: صحيح أن ردع السيرة قد يؤدي أحياناً إلى اختلال النظام، ولكن هذا المعنى لا يوجب أن تكون حجية السيرة العقلائية ذاتية، ولزوم العمل بالسيرة العقلائية من جهة عدم وقوع اختلال النظام لا يلازم كون حجية السيرة العقلائية ذاتية. وعليه، فإن الدليل المذكور أعم من المدعى ولا يثبت المدعى. أما القول بأن السيرة العقلائية أمر فطري: «يقضي به الفطرة الإنسانية ونظام الاجتماع فلا معنى للردع عنه». أولاً: لو كانت السير العقلائية فطرية، لما تم التوسل في إثبات اعتبارها باختلال النظام والعقل الاضطراري.

ثانياً: لنفرض أن السيرة العقلائية في العمل بقواعد الاستنباط أمر فطري، فهل كل أمر فطري يكون دائماً وأبداً في مأمن مما يحرفه؟! كم من الفطر انحرفت. السيرة العقلائية من حيث إنها سلوك صرف وسلوكيات البشر تحت تأثير الجهل والهوى والظروف، لا يمكن أن تكون مؤشراً صحيحاً لتمييز الحق من الباطل والحجة من اللاحجة. على هذا الأساس، ردع الشارع بعض السير في بعض الموارد. لذا، فإن حجية السيرة العقلائية، حتى على فرض كونها فطرية، متوقفة على عدم الردع. بناءً على هذا نقول: إن الأمارات الأصولية وبعض القواعد الفقهية التي تُعد من بناء العقلاء، تحتاج إلى تأييد الشارع أو عدم ردع الشارع، ويجب استخراج أدلة تأييد هذه القواعد من الكتاب والسنة.

ادعاؤنا هو أن قواعد الاستنباط وإن كانت عقلائية، إلا أنه إذا لم يؤيدها الشارع في طريق الحصول على الأحكام، فلا يمكن أن تكون واسطة في إثبات الحكم الشرعي. وهذا البحث سيستمر على هذا الأساس.

النتيجة

في الفصل الأول (بيان أقسام الاجتهاد)، تم التوصل إلى نتيجة أن الروايات المأثورة عن أهل البيت (عليهم السلام) في ذم الاجتهاد، ناظرة إلى الاجتهاد القياسي والاجتهاد بالرأي، ولا يقصد بها بأي وجه الاجتهاد الاستكشافي من قواعد الاستنباط. وفي الفصل الثاني، تم تبيين وتحليل أنظار الأخباريين وادعاءاتهم وأدلتهم في نفي حجية ظواهر الكتاب والعقل والإجماع وسائر قواعد الاستنباط، وحصرية الوصول إلى الحكم الشرعي عن طريق السماع من المعصومين (عليهم السلام). وقد ثبت في هذه المقالة أن طريق الوصول إلى الأحكام الإلهية ليس منحصراً في السماع من المعصومين (عليهم السلام)، وأن استخدام قواعد الاستنباط والاستفادة من العقل البديهي والقطعي لتحصيل الأحكام الدينية مشهود ومؤيد في تعاليم أئمة الدين (عليهم السلام) وسيرتهم القولية والعملية، بل إن إرجاعاتهم إلى قواعد وظواهر الكتاب والسنة واضحة في مواضع مختلفة من رواياتهم. وفي قسم مهم من المقالة، تمت الإشارة إلى جميع أو معظم أدلة الأخباريين على رد الاجتهاد الأصولي والرد عليها. وفي الفصل الثالث، القسم الأخير من المقالة، تم التطرق أيضاً إلى نظرية الحجية الذاتية لقواعد الاستنباط من حيث إنها تُعد قواعد عقلائية، وكذلك أدلة هذه النظرية والرد عليها. ونتيجة لذلك، ثبت أنه حتى لو كانت قواعد الاستنباط بحكم كونها عقلائية تتمتع بحجية ذاتية، فإنها تحتاج إلى تأييد وإمضاء الشارع، وبدون إمضاء الشارع لا يمكنها أبداً أن تكون طريقاً للوصول إلى الأحكام الإلهية.

قائمة المصادر والمراجع

القرآن الكريم.

الآخوند الخراساني، محمد كاظم، كفاية الأصول، طبع آل البيت، 1409هـ.

الآشتياني، محمد حسن، بحر الفوائد، قم، انتشارات مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 1402هـ.

ابن حزم الأندلسي، المحلى، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، د.ت.

ابن خلدون، عبد الرحمن محمد بن خلدون المغربي، تاريخ ابن خلدون المقدمة، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، د.ت.

الأسترآبادي، محمد أمين العاملي، سيد نور الدين الموسوي، الفوائد المدينة، قم، دفتر النشر الإسلامي التابع لجماعة المدرسين بقم، الطبعة الثانية، 1426هـ.

الأصفهاني، محمد تقي، هداية المسترشدين، مؤسسة النشر الإسلامي، د.ت.

الإمام الخميني، السيد روح الله، الرسائل، قم، انتشارات اسماعيليان، 1385.

____، أنوار الهداية، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، 1415هـ.

____، تهذيب الأصول، قم، انتشارات اسماعيليان، 1382ق.

البجنوردي، سيد حسن، منتهى الأصول، انتشارات بصيرتي، د.ت.

البحراني، آل عصفور، يوسف بن أحمد بن إبراهيم، الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، قم، دفتر النشر الإسلامي التابع لجماعة المدرسين بقم، 1405هـ.

البروجردي، سيد حسن، نهاية الأصول، نشر فكر، 1415هـ.

التستري، أسد الله، كشف القناع عن وجوه حجية الإجماع، قم، مؤسسة آل البيت، د.ت.

الحر العاملي، محمد بن حسن، وسائل الشيعة، قم، مؤسسة آل البيت، 1409هـ.

الحكيم، سيد محسن، حقائق الأصول، قم، مكتبة إسلامية، 1408هـ.

الخضري بك، محمد، تاريخ التشريع الإسلامي، كابل، انتشارات سيرت، 1387.

الخوئي، سيد أبو القاسم، مصباح الأصول، تقريرات محمد سرور واعظ بهسودي، قم، مكتبة الداوري، 1417هـ.

السيد محمد تقي الحكيم، الأصول العامة، انتشارات المجمع العالمي لأهل البيت، 1418هـ.

الشهيد الصدر، سيد محمد باقر، دروس في علم الأصول، دار المنتظر، 1405هـ.

____، المعالم الجديدة، مكتبة النجاح، 1395هـ.

الشوكاني، محمد بن علي بن محمد، إرشاد الفحول، بيروت، دار الكتب العلمية، د.ت.

الشيخ الأنصاري، مرتضى، فرائد الأصول، قم، دفتر النشر الإسلامي التابع لجماعة المدرسين بقم، د.ت.

____، مطارح الأنظار، انتشارات مؤسسة أهل البيت، د.ت.

العاملي، حسن بن زين الدين، معالم الدين، قم، انتشارات إسلامي، د.ت.

العلامة الطباطبائي، الحاشية على الكفاية، انتشارات بنیاد علمي فكري علامة طباطبائي، د.ت.

الكليني، محمد بن يعقوب، أصول الكافي، قم، دار الحديث للطباعة والنشر، 1429هـ.

المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، بيروت، دار الحديث للطباعة والنشر، 1429هـ.

المديني الشافعي، علي بن عبد الله بن جعفر، الرسالة، بيروت، دار الكتب العلمية، 2009.

المظفر، محمد رضا، أصول فقه، قم، انتشارات اسماعيليان، د.ت.

مكارم الشيرازي، ناصر، أنوار الأصول، قم، مدرسة الإمام علي بن أبي طالب (ع)، 1428هـ.

النائيني، محمد حسين، فوائد الأصول، قم، انتشارات إسلامي، 1417هـ.

النوري، ميرزا حسين، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، قم، مؤسسة آل البيت، الطبعة الأولى، 1408هـ.

Scroll to Top