الملخص
النظم الإيقاعي للقرآن هو الإيقاع الطبيعي الناشئ من صفات الحروف، وحركات الكلمات، وطريقة ترتيب الحروف في السلسلة الصوتية للكلمات والعبارات، والذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمحتوى ومضمون الآيات. إن عامل «صفات الحروف»، بوصفه أحد العوامل المؤثرة في النظم الإيقاعي، يضرب بجذوره في البنية النصية (لا المحتوائية). وهذا الأمر، علاوة على أنه يترك تأثيرات عميقة وغامضة على اللاوعي لدى المخاطب، فإنه يزيد من إلقاء المعاني في نفس السامع. وبما أن أثر صفات الحروف يتجلى عند النطق والتعبير الصوتي بها، فإن تأثر النظم الإيقاعي بصفات الحروف يجب البحث عنه في «علم الأصوات السمعي» (Phonetics)، الذي يبحث في أصوات اللغة وأصواتها في جانب السمع فقط. يسعى هذا البحث إلى تبيين دور صفات الحروف في إيجاد النظم الإيقاعي وتقوية المعنى في سورة العلق. وتُظهر النتائج أن النظم الإيقاعي الناتج عن صفات الحروف في هذه السورة استطاع، بجمال فائق، أن يبث المحتوى الروحي للسورة في كيان فكر الناس، ويغرس معناها المنجي في نفوس مخاطبيها.
1. مقدمة
القرآن الكريم معجزة في دلالته وتلاوته. ومن جملة جوانب التلاوة في القرآن الكريم، الإعجاز الكامن في أصوات سلسلة الكلمات، والذي يندرج تحت الإعجاز البياني. وقد عبر باحثو القرآن عن هذا الوجه من الإعجاز بـ«النظم الإيقاعي» (معرفت، با جاري وحي، نظم آهنگ در قرآن، 1372: 21-17)، و«الموسيقى الداخلية» (سيدي وعبدي، 1384: في كل أجزاء العمل)؛ و«الإعجاز الصوتي» (رزاني، درآمدي بر إعجاز صوتي قرآن كريم، 1383: 77)؛ و«فن الصوت المعنوي» (راستگو، هنر سخنآرایی (فن بدیع)، 1382: 77)؛ وكذلك «الإيقاع الداخلي» (كرجامي وزملاؤه، بررسي مؤلفههاي موسيقايي سوره «الحاقة»، 1396: 133). لـ«صفات الحروف» تأثير كبير في هذا النوع من الإعجاز. في الواقع، إن لرنين الحروف حين يُسمع في السلسلة الصوتية للكلمات والعبارات دورًا لا مثيل له في إيصال المعنى، ووضوح الرسالة، والتأثير النفسي على المخاطب، ويقيم علاقة تفاعلية ومتآزرة بشكل مذهل بين النظم الإيقاعي والمعنى. ولدراسة الإعجاز اللفظي الكلامي، يجب اللجوء إلى علم الأصوات (Phonetics) الذي يدرس ويوصف الأصوات في ثلاثة فروع: الإنتاجي، والأكوستيكي، والسمعي (ميرتقي، تجويد وآواشناسي، 1389: 17-18). علم الأصوات السمعي (Auditory phonetics) يدرس تلك الأصوات اللغوية التي تُستقبل عن طريق حاسة السمع (نفس المصدر، 18). لذلك، يجب مناقشة صفات الحروف، التي تتجلى عند النطق والتعبير الصوتي بها، في مجال علم الأصوات السمعي، والإجابة على هذه الأسئلة: ما هي طرق الوصول إلى النظم الإيقاعي الناشئ من صفات الحروف في سورة العلق؟ وكيف يؤثر النظم الإيقاعي الناشئ من صفات الحروف في إلقاء مفاهيم سورة العلق على مخاطبيها؟
2. الخلفية البحثية
أول من تناول مسألة النظم الإيقاعي بشكل علمي، وأشاروا إجمالًا إلى تأثير الحروف والكلمات وكيفية ترتيبها في إنتاج إيقاع خاص لإنشاء المعنى، هم الخليل بن أحمد الفراهيدي (175 هـ) في مقدمة «العين» وتلميذه سيبويه (177 هـ) في «الكتاب». وكذلك الفراء (207 هـ) في «معاني القرآن»، والأصمعي (213 هـ) في «الأجناس»، والجاحظ (255 هـ) في «البيان والتبيين»، وابن جني (392 هـ) في «سر صناعة الإعراب» و«الخصائص»، وأبو هلال العسكري (395 هـ) في «الصناعتين»، وعبد الله بن محمد سنان الخفاجي (465 هـ) في «سر الفصاحة». ولعل أول من نظر إلى هذه المسألة من زاوية «الإعجاز» هو في «نظم القرآن» ثم أبو حنيفة الدينوري (282 هـ) في «نظم القرآن». النظرة الجمالية للقرآن، وخاصة نظمه الإيقاعي، وهو موضوع مهم في الكتب المذكورة، أصبحت تدريجيًا منهجية. الباقلاني (403 هـ) في «إعجاز القرآن» وعبد القاهر الجرجاني (471 هـ) في «دلائل الإعجاز» ثم الزمخشري (538 هـ) في «الكشاف» بنظرة تحليلية ظاهراتية وطبيعية للموضوع – وإن كان دون النظر إلى أسسه الكلامية – ارتقوا بالبحث، حتى جاء العصر الحديث ليعيد علماء اللغة وباحثو القرآن تأكيد حتمية النظم الإيقاعي للقرآن من خلال تحليل وتقديم أمثلة وفيرة (سعدي، مجموعه مقالات نظم آهنگ قرآن كريم، 1385: 57-58). يؤكد علماء الأصوات الحديثون على أن الأصوات في سلسلة معينة تؤثر على بعضها البعض. وفيما يتعلق بهذه الظاهرة الصوتية في اللغة العربية، قام عدد قليل من الباحثين بالتحقيق فيها، مثل إبراهيم أنيس في «الأصوات اللغوية» وأحمد مختار في «دراسة الصوت اللغوي» وكذلك المستشرقون مثل جوتهلف برجشتراسر1 في «التطور النحوي للغة العربية» وجان كانتينو2 في «دروس في علم الأصوات العربية». وعلى خطا هؤلاء، حظي هذا الموضوع بالاهتمام من قبل بعض الباحثين فيما يتعلق بالآيات والروايات، ويمكن اعتبار كل منهم بمثابة خلفية للبحث الحالي. وفيما يلي بعض هذه الأعمال:
1. الصغير، محمد حسين علي، «الصوت اللغوي في القرآن»، بيروت: دار المؤرخ العربي، 1420هـ. سعى المؤلف في الفصل السادس من هذا الكتاب إلى إثبات هذا النوع من الإعجاز في القرآن الكريم.
2. متقي زاده، عيسى، هادي نظري منظم وسيد رضا موسوي، (1396)، «جماليات الإيقاع في سورتي النازعات والتكوير»، مجلة پژوهشهاي ادبي-قرآني، العدد 1. سعى المؤلفون في هذا البحث إلى تبيين تأثير الفواصل والأصوات في إيجاد الإيقاع في سورتي النازعات والتكوير.
3. مختاري، قاسم وفريبا هادي فر، (1395)، «إلقائية الأصوات في خطبة الجهاد بناءً على نظرية موريس غرامون»، مجلة پژوهشنامه علوي، العدد 1. قام المؤلفون في هذا البحث بتحليل التناسب والانسجام الموجود بين ألفاظ نهج البلاغة في خطبة الجهاد من منظورين: دلالات الكلمات المتقاربة في المعنى في المحور الاستبدالي للكلمات، ودراسة النظرية اللغوية لموريس غرامون القائمة على إلقائية الأصوات في النص.
4. فلاح، إبراهيم وسجاد شفيع بور، (1394)، «التطبيق الدلالي للعلامات الصوتية في النظام الدلالي للقرآن الكريم (تحليل حالة سورة المرسلات)»، مجلة پژوهشهاي قرآني در ادبيات، العدد 3. قام مؤلفو هذه المقالة بتبيين أنواع تطبيقات العلامات الصوتية وارتباطها بالمعنى في سورة المرسلات.
5. سجادي، أبو الفضل ومعصومة حسيني، (1390)، «الأصوات والإلقاءات في سورة الزلزلة الشريفة»، مجلة حسنا، العدد 11. قام مؤلفو هذا العمل بتحليل آيات سورة الزلزلة من الناحية الصوتية.
6. سيدي، سيد حسين وزهراء عبدي (1384)، «التحليل الموسيقي لآيات القرآن (الجزء الثلاثون كنموذج)»، مجلة پژوهشنامه علوم انساني، العدد 47-48. تناول المؤلفون في هذه المقالة ارتباط الأصوات بالمعنى من منظور الموسيقى الظاهرية والداخلية.
7. زراني، إحسان (1383)، «مدخل إلى الإعجاز الصوتي للقرآن الكريم»، مجلة پژوهشنامه حقوق اسلامي، العدد 15. تناول المؤلف في هذا العمل وصف هذا الإعجاز في القرآن الكريم. يتميز البحث الحالي عن سائر المؤلفات في هذا المجال من ناحيتين. أولاً، السورة موضوع البحث هي سورة العلق؛ ثانيًا، في هذا البحث، من بين العوامل المتعددة المؤثرة على النظم الإيقاعي للقرآن مثل فواصل الآيات، والتقديم والتأخير، واختيار الكلمات، وغيرها، يتم التركيز فقط على دراسة دور «صفات الحروف» في النظم الإيقاعي لسورة العلق.
3. دراسة المفهوم
1-3. النظم الإيقاعي
الأصل في كلمة «نظم» هو ضم الأشياء بعضها إلى بعض (ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، د.ت: 5/443) وتعني أيضًا مقارنة شيء بشيء آخر أو ضم جزء من شيء إلى جزء آخر منه (ابن منظور، لسان العرب، 1414: 12/578). النظم الإيقاعي للقرآن يعني الإيقاع الطبيعي الناشئ عن كيفية اختيار وترتيب الحروف والكلمات القرآنية لمعانٍ تصل إلى حد الإعجاز (سعدي، مجموعه مقالات نظم آهنگ قرآن كريم، 1385: 58). وقد اعتبر بعض المحققين هذا الأمر من مراتب الإعجاز القرآني وأشاروا إليه بتعبير «الإيقاع الداخلي»، وقالوا في تعريفه: الإيقاع الداخلي هو تناغم وانسجام تركيبي للكلمات والرنين الخاص بكل حرف بجوار حرف آخر (شفيعي كدكني، موسيقي شعر، 1376: 51). إجمالًا، النظم الإيقاعي للقرآن هو ذلك الإيقاع الطبيعي الناشئ من صفات الحروف، وحركات الكلمات، وكيفية ترتيب الحروف في السلسلة الصوتية للكلمات والعبارات، والذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمحتوى ومضمون الآيات.
2-3. صفات الحروف
الحرف هو الصورة المكتوبة للصوت التي تندرج في تركيب النظام الأبجدي لتلك اللغة (باملر، نگاهي تازه به معني شناسي، 1366: 331)، وبعبارة أخرى، الحروف هي العلامات المكتوبة للأصوات (الأصوات الكلامية). عند نطق كل حرف على حدة، توجد خصائص فريدة، وبحسب موقعه في سلسلة كلامية معينة، يمكن أن يكون له دور في إلقاء وتقوية مفاهيم خاصة. هذه الخصائص الفريدة للحروف تسمى «صفات الحروف» وهي تتعلق بكيفية خروج الصوت، وتختلف عن «مخرج الصوت» الذي يتعلق بمكان خروج الصوت. قسم اللغويون صفات الحروف بناءً على أربعة معايير: ذاتية وعرضية، أصلية وفرعية، قوية وضعيفة، لازمة وعارضة. في كتاب «سر صناعة الإعراب»، قسمت صفات الحروف إلى 17 قسمًا (ابن جني، سر صناعة الإعراب، 1421: 1/ 75-78) والتي تُعرض في الجدول التالي:
الصفة: مهموسة، الحروف: ح، ث، هـ، ش، خ، ص، ف، س، ك، ت.
الصفة: مجهورة، الحروف: باقي الحروف ما عدا المهموسة.
الصفة: شديدة، الحروف: أ، ج، د، ت، ط، ب، ق، ك.
الصفة: بين شديدة ورخوة، الحروف: أ، ع، ي، ل، ن، ر، م، و.
الصفة: رخوة، الحروف: ث، ح، خ، ذ، ز، س، ش، ظ، ص، ض، غ، ف، هـ.
الصفة: مطبقة، الحروف: ط، ظ، ص، ض.
الصفة: منفتحة، الحروف: جميع الحروف ما عدا المطبقة.
الصفة: مستعلية، الحروف: خ، ص، ض، ط، ظ، غ، ق.
الصفة: مستفلة، الحروف: باقي الحروف ما عدا حروف الاستعلاء.
الصفة: أصوات الصفير، الحروف: ز، س، ص.
الصفة: أصوات القلقلة، الحروف: ق، ط، ب، ج، د.
الصفة: أصوات المد واللين، الحروف: ألف، و، ي.
الصفة: أصوات المكرر، الحروف: ر.
الصفة: المستطيل، الحروف: ض.
الصفة: المتفشي، الحروف: ش.
الصفة: المذلقة، الحروف: ف، ب، م، ر، ل، ن.
الصفة: المصمتة، الحروف: جميع الحروف ما عدا المذلقة.
في هذا البحث، تم دراسة صفات الحروف من حيث القوة والضعف3. ونظرًا لأن بعض الصفات تتقابل مع بعضها البعض، فقد اعتبر المحققون بعض الصفات متضادة. وفيما يلي الإشارة إلى ثلاث مجموعات منها:
أ) الصفات القوية: الجهر، الشدة، الإطباق، الاستعلاء، الإصمات، القلقلة، الصفير، التفشي، الانحراف، التكرير، الاستطالة، والغنة.
ب) الصفات الضعيفة: الهمس، الرخاوة، الانفتاح، الاستفال، الإذلاق، واللين.
ج) الصفات المتضادة: الجهر ≠ الهمس، الشدة ≠ الرخاوة، الإطباق ≠ الانفتاح، الاستعلاء ≠ الاستفال، والإصمات ≠ الإذلاق.
تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من أن النظام الصوتي للغة العربية يعتمد على مجموعة من المبادئ النظرية (الجدول أعلاه)، فإنه في مرحلة التطبيق العملي، قد يحدث ما يخالف هذه المبادئ. على سبيل المثال، تسمية صوت معين بصفة مجهورة، تتم فقط بناءً على ملاحظة الحالات الغالبة لذلك الصوت، ومن الممكن أن يكون لهذا الصوت نفسه في سلسلة صوتية أخرى صفة مهموسة. هذا الأمر ينطبق على جميع الأصوات العربية. ونتيجة لذلك، فإن اتصاف صوت معين بصفة معينة يختلف من حيث الشدة والضعف، ويعتمد على تأثير الأصوات المجاورة له في سلسلة كلامية خاصة (انظر: حمد، الدراسات الصوتية عند علماء التجويد، 1428: 327). وقد عبر عبد الدائم الأزهري (870 هـ) عن هذه الظاهرة بـ«تأثير المجاورة»، وبعد ذكر أحد أمثلتها، استنتج قائلًا: «احذر من تفخيم الباء في «برق» لمجاورتها الراء المفخمة؛ فإن اللسان يسبق إلى تفخيمها، وكذا «باطل» لمجاورتها الألف المدية، فيسرع اللسان إلى تفخيمها وتفخيم الألف المدية والطاء، بسبب المجاورة، إذ المجاورة لها تأثير» (الأزهري، تهذيب اللغة، د.ت: 27)؛ أي احذر من تفخيم حرف الباء في كلمة «برق»؛ لأن هذا الحرف يجاور حرف الراء المفخم، ويميل اللسان إلى تفخيمه. وكذلك احذر من تفخيم حرف الباء في كلمة «باطل»؛ لأنه يجاور الألف المدية، وبسبب المجاورة يسرع اللسان إلى تفخيمه وتفخيم الألف المدية وحرف «الطاء». [أي أن التصرف عكس القاعدة العامة لصفات الحروف يرجع إلى أن] تجاور الكلمات في سلسلة صوتية خاصة يؤثر في كيفية نطق ذلك الصوت.
4. تعريف موجز بسورة العلق
سورة العلق سورة مكية، عدد آياتها 19 آية، وهي السورة السادسة والتسعون في القرآن الكريم. والمشهور بين المفسرين أن الآيات الأولى من هذه السورة هي أول ما نزل من القرآن على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، ومحتواها يؤيد هذا المعنى. تبدأ السورة بأمر النبي الكريم بالقراءة والتلاوة. ثم تتحدث عن خلق هذا الإنسان العظيم من قطعة دم لا قيمة لها، وفي المرحلة التالية تتناول تكامل الإنسان في ظل لطف وكرم ربه، ومعرفته بالعلم والدانش والقلم. وفيما بعد، تتحدث عن البشر الجاحدين الذين يسلكون طريق الطغيان رغم كل هذه النعم والإكرام الإلهي، وتختتم بالإشارة إلى العقاب الأليم لمن يمنعون هداية الناس ويصدون عن الأعمال الصالحة. في النهاية، تختتم السورة بالأمر بالسجود والتقرب إلى حضرة الرب (مكارم الشيرازي، تفسير نمونه، 1374: 27/150).
5. أثر صفات الحروف في النظم الإيقاعي للقرآن
في خمسة وعشرين موضعًا من القرآن الكريم، قُدّمت كلمة «سمع» على «بصر» (على سبيل المثال، انظر: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء/1)؛ ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (غافر/20)؛ ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى/11)؛ ﴿وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (الحج/61)؛ ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (الإنسان/2)). وفي تبرير هذا الأمر قيل: «جهاز السمع له بنية أدق وحاسة أكثر استقبالًا، وتعقيدًا أكبر مقارنة بجهاز البصر. كما أن الأذن لها القدرة على تمييز جميع الأصوات بشكل مقطعي. وبذلك، لا يمكن مقارنة جهاز البصر بجهاز السمع» (نفاخ ونصراوي، الوضوح السمعي وأثره في الإيقاع، 2018: 432). من وجهة نظر علم الأصوات، توجد علاقة عضوية لفظية ومعنوية بين الذهن واللغة، وتعد المتغيرات الدقيقة اللغوية تجليًا للمتغيرات الدقيقة المعنوية، والعكس صحيح. في الواقع، عندما تصل الموجات الصوتية للكلام إلى أذن السامع، تحدث اهتزازات في طبلة الأذن، وعظيمات الأذن الوسطى، وبنية وسوائل الأذن الداخلية. هذه الاهتزازات تؤدي إلى نبضات عصبية في الأعصاب التي تربط الأذن بالمراكز الكلامية في الدماغ (فراي، مقدمهاي بر آواشناسي آكوستيك (فيزيك گفتار)، 1374: 2). الموجات الصوتية للكلام هي نفسها «صفات الحروف» التي لها اتحاد لا ينفصم مع الموسيقى الداخلية للكلمات أو نظمها الإيقاعي؛ لذلك، فإن ارتباط وتأثر النظم الإيقاعي بصفات الحروف أمر طبيعي تمامًا يتوافق مع كل من علم الأصوات والفطرة الإنسانية.
6. مناهج التوصل إلى النظم الإيقاعي الناشئ من صفات الحروف
في هذا البحث، من أجل تحديد والتوصل إلى النظم الإيقاعي الناشئ من صفات الحروف، تم اعتماد المعايير والمقاييس التالية:
1-6. دراسة ترتيب صفات الحروف في سلسلة صوتية معينة (كلمة، آية، مجموعة آيات، السورة بأكملها).
2-6. دراسة كمية لعدد الأصوات التي تحمل صفة معينة في آية أو مجموعة آيات.
3-6. دراسة مقارنة على مستويين:
أ) النظم الإيقاعي الناشئ من صفات الحروف مع آيات أخرى من سورة العلق.
ب) النظم الإيقاعي الناشئ من صفات الحروف مع آيات ذات معنى مشابه في سور أخرى.
ج) دراسة تفاعلية للنظم الإيقاعي الناشئ من صفات الحروف مع معنى الكلمات.
د) دراسة تفاعلية للنظم الإيقاعي الناشئ من صفات الحروف مع معنى الآية أو الآيات.
هـ) دراسة تفاعلية للنظم الإيقاعي الناشئ من صفات الحروف مع المعنى الكلي للسورة.
7. تحليل النظم الإيقاعي في سورة العلق
فيما يلي، سيتم عرض آيات سورة العلق بالترتيب ودراسة نظمها الإيقاعي. وتجدر الإشارة إلى أن معيار تصنيف الآيات هو انسجامها من حيث إيقاع الفواصل. كما أن وحدة الرسالة المنبثقة من كل مجموعة أدت إلى أن يعتمد غالبية المفسرين، خاصة أولئك الذين يؤمنون بنظرية الانسجام ووحدة الآيات والسور القرآنية، هذا التصنيف نفسه في تفاسيرهم (انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 1390: 20/322-327؛ سيد قطب، في ظلال القرآن، 1425: 6/3938-3944). قبل البدء في البحث، يجب الانتباه إلى بعض النقاط: أولاً – النظم الإيقاعي الناشئ من صفات الحروف يُطرح كفرضية وله جانب ظني واحتمالي، ومن هذا المنطلق لا يوجد فيه يقين قطعي؛ ثانيًا – لإكمال البحث، تم الاستعانة في حالات نادرة بعوامل أخرى مؤثرة على النظم الإيقاعي مثل الحركات، والمخارج، وأحكام الحروف؛ ثالثًا – التأثيرات المذكورة تكون كاملة ودقيقة عندما يكون السامع على دراية بمعاني الكلمات، وفي حال عدم معرفته يكون التأثير أقل.
1-7. ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (علق/1)
الآية الافتتاحية للسورة هي بمثابة أمر إلهي، وفي الحقيقة هي رد على المشركين العرب الذين كانوا يقرون بخالقية الله ولكنهم ينسبون الربوبية للأصنام فقط (مكارم الشيرازي، تفسير نمونه، 1374: 27/156). عند نطق الهمزة، تتخذ الأوتار الصوتية وضعًا لا يسمح بخروج الهواء؛ لذا يُحبس الهواء في القفص الصدري. ثم تنفصل هذه الأوتار فجأة ويتحرر الهواء بشكل مفاجئ (غضنفري، تجويد، 1385: 49) مما يحدث صوتًا انفجاريًا في بداية القراءة يجذب انتباه كل مستمع. يعتقد علماء الأصوات أن «الإنسان الأول، قبل أن يتمكن من التحكم في جهازه النطقي… وقبل مئات آلاف السنين من ابتكاره لأصوات الباء والميم، كان قادرًا على نطق صوت الهمزة، وهذا يثبت قِدم وأصالة وفطرية هذا الصوت» (حسن عباس، اصالت وتجدد در حروف معاني عربي، 1388: 40). وكأن الله، بالبدء بهذا الحرف، أراد أن يفتح للإنسان طريق التقدم والتحول منذ الأيام الأولى لنزول القرآن، وأن يلفت انتباهه إلى ذلك.
تجمع صفتي الجهر والشدة في حرف «ق» يجعله أكثر وضوحًا عند السكون، ويتناسب ذلك مع الرؤية القائلة بأن عبارة «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ» نزلت في أول لحظة من لحظات اتصال رسول الله صلى الله عليه وسلم بالملأ الأعلى (الشاذلي، في ظلال القرآن، 1412: 6/3938)، خاصة إذا لاحظنا أن هذه الآية تتكون من كلمات استُخدمت فيها الحروف المجهورة بكثرة (إ/ ق/ ر/ أ/ ب/ س/ م/ ر/ ب/ ك/ ل/ ذ/ ي)، مما يزيد من وضوح هذا التناسب. سكون الحرف المهموس «س» بين حرفي «ب» ذوي صفة الشدة في عبارة «بِاسْمِ رَبِّكَ»، يشبه مجلسًا علميًا يدعو فيه المعلم الحاضرين الصاخبين إلى السكوت والهدوء لتعليم أمر مهم؛ إذ أن حرف الباء يعبر عن الانفتاح والظهور (حسن عباس، أصالت وتجدد در حروف معاني عربي، 1388: 76)، وكونه يحمل صفة القلقلة ووقوعه بين حرفي سكون (رَبِّكَ) في لفظ «رَبِّكَ»، يلقي بظهور ربوبية الله بشكل أكبر. انفتاح جميع الحروف جعل كلمة «الَّذِي» تُنطق بشكل رقيق نسبيًا. حركة حرف الياء عند النطق، التي تشير إلى الأسفل، وصوت المد فيه في سياق الأمر والفرمان، لهما دور بارز في إيجاد وتعزيز التواضع أمام أوامر الله.
2-7. ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ (علق/2)
الوقف على كلمة واحدة يدل على إمهال السامع لتجسيد المفاهيم المذكورة؛ لذلك، فإن الوقف على كلمة «خَلَقَ» في نهاية الآية الأولى وذكرها مرة أخرى في بداية الآية الثانية، هو نوع من الوقف الإجباري الذي يظهر التركيز على أهمية الخلق. حرف القاف، بسبب صفة الاستعلاء وثقل نطقه، له تأثير شديد على أذن السامع ويحمل في داخله قوة وخشونة وثقلًا (داوود، الأسلوبية والصوفية، 1423: 76)؛ ولهذا، فإن سماع حرف القاف في بداية ونهاية الآيات (اقرأ/ خَلَقَ/ خَلَقَ/ عَلَقَ)، يظهر سيطرة وقوة وعلو الرب بشكل أكبر. يرى البعض أن الصوت الناشئ من حرف القاف يدل على صوت التشقق والانفلاق والكسر في العربية (خوش منش، بررسي نظم آهنگ هجده سوره از قرآن كريم، 1394: 190)، وهذه الخاصية في هذه الآيات يمكن أن تدل أيضًا على تمزيق وكسر حجاب العدم وتفتح الوجود في عالم الوجود. لفظ «إنسان» وُضع له إما لكونه ناسيًا أو مأنوسًا (السيوطي، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، د.ت: 1/403). ومع الغنة في نطق حرف النون، يدخل إلى قلب الإنسان طمأنينة وسكينة ناتجة عن حماية ودعم الله – كونه مربيًا للإنسان – وسكون هذا الصوت يجعل هذه الخاصية أكثر تناسبًا.
«عَلَق» في الأصل يعني الدم الجامد [بدون حركة] الغليظ (الأزهري، تهذيب اللغة، د.ت: 1/162). ويقال أيضًا لـ«العلقة» التي تلتصق بالبدن لامتصاص الدم، «علق» (راغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، 1332: 579). هذه الكلمة في سلسلتها الصوتية، بعد نطق حرف العين، لكونه جزءًا من الحروف الاحتكاكية (الحفيفية)، تنشأ من عدم حركة الهواء في وسط الحلق؛ لذا يكون نطقها غليظًا، وبشكل خارق للعادة، يذكر بحالات الغلظة والالتصاق وعدم الحركة في المراتب الأولية للعلقة. ثم بعد المرور من اللام – الذي له صفة السكون وضد القلقلة – يشير إلى مرور فترة مصحوبة بالهدوء للعلقة، وأخيرًا في القاف، يقدم للمخاطب صورة ناطقة وحية من فضاء «في قرار مكين» للرحم. صوت القارئ عند تلاوة الآية، حين ينتقل من ذروة الأصوات المؤثرة في «خَلَقَ الْإِنْسَانَ» (خ/ق/ن) ومد الألف في «الْإِنْسَانَ» إلى هبوط في «مِنْ عَلَقٍ» في أصوات (ع/ق)، يبدو وكأنه يريد أن يظهر «عظمة قدرة الرب كيف خلق من كائن تافه مخلوقًا ذا قيمة» (مكارم الشيرازي، تفسير نمونه، 1374: 27/156). في هذه الآية، يسحر توافق اللفظ والمعنى عقول وقلوب المستمعين، وعلى حد قول الخليل، لا يدخل حرفا العين والقاف في جملة إلا جعلاها جميلة وحسنة؛ لأنهما يمتلكان أقصى درجات القوة والموسيقى (الفراهيدي، العين، 1401: 1/53). السكونات (ق/إ/س)، والتشديدات المتتالية (ربِّ/الذي)، وقطع الأنفاس المتكرر، وبالتالي، الإيقاع المحكم للآيات، له أثر فائق في قطعية وقوة تأثير المعنى، ويوصل رسالة مفادها: يا أيها الرسول، ما يوحى إليك هو بقدرة إلهية مطلقة. في خلاصة عامة، تتكون الآيتان الأوليان من ثلاثة عشر نوعًا من الحروف، وحصة كل من الصفات المهموسة والمجهورة هي كما يلي: الكلمات ذات الصفة المهموسة بتكرار 25 حرفًا (ل: 5، همزة: 4، ن: 3، م: 2، س: 2، ك: 1، ذ: 1، خ: 2، ي: 1، ر: 3، ع: 1). والكلمات ذات الصفة المجهورة بتكرار 23 حرفًا (ل: 5، ق: 4، همزة: 3، ن: 3، م: 2، ب: 2، ذ: 1، ر: 2، ع: 1). صفة الهمس في طبيعتها ترمز إلى اللين والسلاسة (عبد الرحمن، دراسة أسلوبية في سورة الكهف، 1427: 10)، والناتج الصوتي لهذه الصفة في هاتين الآيتين يلقي في نفس القارئ نزول السكينة على قلب الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم. كما أن صفة الجهر ترمز إلى القوة والشدة (سعاد، مسرحية بلال بن رباح لمحمد العيد آل خليفة: دراسة أسلوبية، 2010: 27)؛ ولهذا فإن الاهتزاز المنتظم للأوتار الصوتية أثناء النطق يخلق صوتًا موسيقيًا (أنيس، آواشناسي زبان عربي، 1961: 20). ويمكن اعتبار الناتج الصوتي لهذه الحروف دليلاً على تقوية ثقة النفس وقوة قلب ذلك العظيم.
3-7. ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (علق/3-5)
تكرار فعل «اقْرَأْ» يرسم حالة دائرية وإجبارية، بحيث يتمكن المستمع من خلال المرور من أول السورة ومقارنتها، من الوصول إلى مفاهيم أعمق، خاصة إذا علمنا أن من معاني حرف الراء التكرير، والترجيح، والحركة، والقطع (حسن عباس، أصالت وتجدد در حروف معاني عربي، 1388: 102). هذا الأمر يضاعف من رغبة الإنسان في الرجوع إلى بداية السورة وقراءتها مرارًا وتكرارًا. في الواقع، إن تكرار الكلمة بالصدى الذي تولده في الذهن، هو مصدر للتداعي والمفاهيم الجديدة التي تؤثر في النفس بقوة وتأسر المستمع من خلال خلق الموسيقى (أبو عامود، البلاغة الأسلوبية، 1420: 285-286). تكرار مشتقات (علم) ثلاث مرات متتالية [عَلَّمَ (مرتان)/يَعْلَمْ (مرة واحدة)] وبالنظر إلى كون الآيتين 4 و 5 مفسرتين لـ«رَبُّكَ الْأَكْرَمُ»، فإن الناتج الدلالي للآيات الثلاث يدل على القيمة السامية للعلم عند الله. وكذلك فإن مقارنة استخدام تركيب «رَبُّكَ الْأَكْرَمُ» في سياق الآيات من الثالثة إلى الخامسة من سورة العلق مع تركيب «رَبِّكَ الْكَرِيمِ» في سياق آيات ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ (الانفطار/6-7) تُفهم شرف الاستعدادات العلمية الذاتية مقارنة بالاستعدادات الجسدية. كثرة الحروف الساكنة (34 حرفًا) (ل: 9، م: 7، همزة: 5، ر: 3، ع: 3، ك: 2، ن: 2، س: 1، و: 1، ذ: 1) مقارنة بـ 41 حرفًا ذا صفة الاستعلاء، جعلت موسيقى الآيات رقيقة. تكرار أصوات اللام والميم والنون بين الأصوات الساكنة يتمتع بوضوح أكبر، وبحسب بعض المحققين، فإن تكرار صوت معين في عبارة معينة، بالإضافة إلى إيصال دلالة معنوية خاصة للمخاطب، يثير مشاعره أيضًا، ويحكم بنية الموسيقى في النص، ويسبب انسجامًا وتوازنًا في الكلام يكون كامنًا في العبارة بطبيعته (عبد الرحمن، دراسة أسلوبية في سورة كهف، 1427: 6). علاوة على ذلك، بما أن سماع الأصوات المكررة لهذه الحروف قريب من أصوات حروف اللين، فإنه يجلب معه السلاسة والطلاقة في القراءة؛ وكأن سلسلة الأصوات في الآيات توفر للمخاطبين جوًا آمنًا وممتعًا ومفعمًا بالروحانية مصحوبًا بالسكينة والطمأنينة، مما يجعل نفس المستمع أكثر شوقًا لطلب العلم والوصول إلى مقام إكرام الرب.
حرف الميم يُنطق عن طريق ضغط الشفتين ثم فتحهما، مما يلقي بنوع من الانضغاط والقوة والمتانة. وبما أن هذا الحرف يأتي في نهاية فواصل الآيات المذكورة (الْأَكْرَمُ/بِالْقَلَمِ/يَعْلَمْ)، فإنه يدل على نوع من الجمع والإلحاق والإغلاق (حسين عباس، اصالت وتجدد در حروف معاني عربي، 1388: 112). هذا هو العامل الذي جعل موسيقى هذه المجموعة من الآيات، على الرغم من سلاستها، تظهر منسجمة وقوية. إجمالًا، فإن إيقاع هذه الآيات، بالإضافة إلى دوره المكمل لإيقاع الآيات السابقة، يلقي بروح الخضوع والخشوع والانقياد لكل إنسان مفكر أمام ربه.
4-7. ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ (علق/6-8)
الآية السادسة هي ردع وزجر لسلوك الإنسان الطاغي في مقابل النعم الإلهية العظيمة كالتعليم بالقلم والتعليم عن طريق الوحي؛ لأن الإنسان يكفر بدلًا من الشكر… الآية السابعة تبين سبب طغيان الإنسان، وكما يتضح من سياق التهديد في الآية الثامنة، فإن هذه الجملة تهديد بالموت والبعث (الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 1390: 20/324-325). كانت السنة الإلهية دائمًا أنه كلما نسي الإنسان خلقه وتكريمه الإلهي واغتر بملكه، استحق هذا التهديد المعقد والمليء بالغموض (الشاذلي، في ظلال القرآن، 1412: 6/3942). يعتبر القيسي حرف الطاء من أقوى الحروف، وقال في وصفه: «والطاء من أقوى الحروف؛ لأنه حرف مجهور شديد مطبق مستعل» (القيسي، الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة، 1393: 172). تجاور الحروف ذات الصفات المتضادة (الطاء: شدة وقلقلة) و (الغين: رخاوة وسكون) في فعل «لَيَطْغَى» يوضح قسوة الروح وضعف عقيدة الطغاة. بالإضافة إلى ذلك، بالنظر إلى وجود حرف الغين في فعلي «لَيَطْغَى» و«اسْتَغْنَى» ودلالة هذا الحرف على الخفاء والغياب والوجدانيات (حسن عباس، خصائص الحروف العربية ومعانيها، 1998: 84)، فإن صوت هذه الحروف يتهم الطغاة بشكل لطيف ودقيق بضميرهم الخفي وحقائقهم الداخلية المخبأة، وفي الواقع، من خلال تصوير شخصية الطاغي، يدعو المستمعين إلى الابتعاد عن الطغيان.
نُقل عن ابن مسعود في شرح الرواية المشهورة للنبي الأكرم ﷺ: «مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: طَالِبُ عِلْمٍ وَطَالِبُ دُنْيَا، فَأَمَّا طَالِبُ الْعِلْمِ فَيَزْدَادُ رِضَا الرَّحْمَنِ، وَأَمَّا طَالِبُ الدُّنْيَا فَيَتَمَادَى فِي الطُّغْيَانِ» (المجلسي، بحار الأنوار، 1403: 1/182) أن آيتي ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (علق/6-7) تشيران إلى طالب الدنيا، وآية ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر/28) تشير إلى طالب العلم (الزحيلي، التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، 1418: 30/319)؛ لذلك، فإن النظم الإيقاعي المتقطع والقصير والمضطرب في آيتي 6 و 7 من سورة العلق، والذي ينشأ من تشديد «إِنَّ»، والسكونات المتتالية (ل، ن، ط، غ، ن، ش، غ)، ومجاورة الألف المدي مع هاء الضمير في «رَآهُ»، يثير عطشًا قاتلًا ونفسًا متقطعًا يمسك بتلابيب طالب الدنيا. في حين أن النظم الإيقاعي السلس والمريح في الآية 28 من سورة فاطر، بسبب حروف المد المتتالية (إِنَّمَا، اللَّهَ، عِبَادِهِ، الْعُلَمَاءُ)، يمكن أن يكون مؤيدًا لوجهة نظر ابن مسعود التفسيرية في التباين بين الاضطراب الروحي لطالب الدنيا والسكينة القلبية لطالب العلم.
5-7. ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ (علق/9-14)
الآيات من التاسعة إلى الرابعة عشرة لها طابع تمثيلي، وتهدف، على سبيل المثال، إلى تقديم بعض الأمثلة على البشر الطغاة. وهي أيضًا بمثابة تمهيد للتهديد الواضح الذي يتحول في الآيات التالية إلى عقاب لأولئك الذين ينهون عن طاعته. وهذا الأمر نفسه يمهد للأمر بعبادته (الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 1390: 20/325). ربما يمكن اعتبار سبب بدء هذه المجموعة من الآيات، باستثناء الآية 10، بحرف الهمزة هو جذب انتباه المخاطبين؛ لأن دلالة هذا الحرف هي على البروز والظهور (حسن عباس، اصالت وتجدد در حروف معاني عربي، 1388: 53). ينسب إبراهيم أنيس، نقلًا عن بعض علماء اللغة، تحول الأصوات من الشدة إلى الرخاوة أو العكس إلى الحالة النفسية للناس، ويكتب: «عندما يميل الناس إلى اللين والثبات، تميل أصوات لغتهم من الشدة إلى الرخاوة، وعندما يفخرون بقوتهم، يحدث العكس» (أنيس، آواشناسي زبان عربي، 1384: 207). في آية ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى﴾ (علق/9)، بصرف النظر عن حروف المد، فإن ترتيب صفات الحروف لجميع الكلمات [أَرَأَيْتَ (أ/ر: جهر + تَ: همس)؛ الَّذِي (أ/ل: جهر + ذ: همس)؛ يَنْهَى (ي/ن: جهر + هـ: همس)] يتدرج من الصفة القوية (الجهر) إلى الصفة الضعيفة (الهمس)، وبناءً على ذلك، يمكن اعتبار دلالة الآية على تهيئة المخاطبين لقبول محتوى الآيات. في آية ﴿عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ (علق/10)، فإن الدلالة الصوتية لحرف العين على التفوق (حسن عباس، اصالت وتجدد در حروف معاني عربي، 1388: 90)، وحرف الهمزة الانفجاري على البروز (نفس المصدر، 53)، والألف المقصورة على العظمة (ضيائي، تحليل وبررسي واژگان داراي مد در قرآن كريم با تأملي بر موسيقي كلام، 1393: 127)، جنبًا إلى جنب مع المعنى، تصور عظمة ومجد العبد المصلي في أبهى صورة. اعتبر العلامة الطباطبائي مرجع الضمائر في «كَانَ» و«أَمَرَ» في آيتي ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ (علق/11-12) هو العبد المصلي. كما أرجع المفعول الأول والثاني لـ«أَرَأَيْتَ» في الآيات التاسعة، والحادية عشرة، والثالثة عشرة على النحو التالي:
الآية: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى﴾ (علق/9)، المفعول الأول لـ«أرأيت»: الموصول «الَّذِي يَنْهَى»، المفعول الثاني لـ«أرأيت»: آية «أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى».
الآية: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾ (علق/11)، المفعول الأول لـ«أرأيت»: «عَبْدًا»، المفعول الثاني لـ«أرأيت»: آية «أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى».
الآية: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ (علق/13)، المفعول الأول لـ«أرأيت»: الموصول «الَّذِي يَنْهَى»، المفعول الثاني لـ«أرأيت»: آية «أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى».
بناءً على هذه الإحالات، فسر الآيات من التاسعة إلى الرابعة عشرة على النحو التالي: «أخبرني عن الذي ينهى عبدًا إذا صلى وعبد الله، أو لا يعلم هذا الشخص أن الله يرى عمله ويعلم حاله؟ وأخبرني أيضًا عن هذا الناهي، على فرض أن العبد المصلي المذكور على طريق الهداية ويعمل بالتقوى، فماذا سيكون حاله؟ مع أنه يعلم أن الله يراه. وأخبرني أيضًا عن هذا الناهي، إذا كان نهيه تكذيبًا للحق وإعراضًا عن الإيمان بالحق، ومع ذلك ينهى المصلي عن الصلاة، مع أنه يعلم أن الله يراه، فهل يستحق جزاءً غير العذاب؟» (الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 1390: 20/326؛ وانظر أيضًا: الآلوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، 1415: 15/405). وفقًا لترجمة العلامة، يبدو أن النظم الإيقاعي للآيات يرسم جوًا من الهدوء قبل العاصفة. هذا الجو من ناحية، بسبب غياب الحروف المشددة في آية ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾ (علق/11) وكون جميع الحروف المستخدمة فيها مستفلة (أ/ر/ي/ت/إ/ن/ك/ا/ن/ع/ل/ى/ل/هـ/د/ى)، ومن ناحية أخرى، مع الزيادة المفاجئة في تواتر الكلمات ذات الحروف المشددة في الآيات التالية [التَّقْوَى/كَذَّبَ/تَوَلَّى]، يرسم جوًا مرعبًا ومفعمًا بالتوتر والضغط على الشخص الطاغي. «أَرَأَيْتَ» في آية ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ (علق/13) هو استفهام تعجبي وتكراره تأكيد للتعجب (قرشي بنابي، تفسير أحسن الحديث، 1375: 12/291). تشديد حرفي الذال واللام، حيث الأول يدل على الحركة والقسوة والقطع (حسن عباس، اصالت وتجدد در حروف معاني عربي، 1388: 104) والثاني له صفتا الجهر والتوسط، يظهر عظمة إثم التكذيب والإعراض بشكل أكبر وأعجب. في الآيتين الثانية عشرة والثالثة عشرة، على عكس الآية الحادية عشرة، يظهر أثر أقل بكثير من اللين واللطف الصوتي. وجود حرف اللام، الذي يُنطق بلين وسلاسة، في الألفاظ الافتتاحية لآية ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ (علق/14)، هو بمثابة كلام لين وسلس يخطو ببطء وهدوء في فكر وقلب الإنسان، ويمهد للإيمان بـ«بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى». داخل الآية، فإن تشديد لفظي «بِأَنَّ اللَّهَ» يلقي بوجود الله في عالم الوجود بتأكيد أكبر. دلالة صوت الألف المقصورة على الامتداد (نفس المصدر، 62) وتكرارها (يَنْهَى/صَلَّى/الْهُدَى/بِالتَّقْوَى/تَوَلَّى/يَرَى) في سياق التهديد، يشير إلى اتساع وشمولية التهديدات، ويجعل الضغط النفسي للتهديدات المعقدة والمبهمة الناتجة عن الأسئلة التوبيخية أثقل بمئة مرة. وصف سيد قطب الأسلوب الكلامي لهذه الآيات بأنه متقطع، وسهل، وسريع، ويعتبر هذا الأسلوب أفضل طريقة للحوار الحي الذي يعرض جو التهديد (سيد قطب، في ظلال القرآن، 1412: 6/3942). من منظور آخر، بما أن الألف المدي يدل على الدقة والتأمل، فإن تكراره يمكن أن يكون بمثابة إعطاء فرصة أكبر للسامع ليجد مجالًا أوسع للتفكر في مفاهيم المتكلم، وبحسب صاحب تفسير «برتوي از قرآن»، كأن جواب الشرط (إن كان – إن كذب) لم يأتِ في الكلام حتى لا يكون محدودًا ويفكر ذهن المخاطب في هذه الإمكانيات قدر استطاعته (طالقاني، برتوي از قرآن، 1362: 4/186). في مجموعة الآيات من التاسعة إلى الرابعة عشرة، تكرار الحرف الانفجاري (الهمزة) ثلاث عشرة مرة ودلالته على نوع من البروز (حسن عباس، اصالت وتجدد در حروف معاني عربي، 1388ش: 53) مصحوبًا بتكرار حرف الهاء ثلاث مرات في كلمات «يَنْهَى»، «الْهُدَى»، و«اللَّهَ»، وخاصية الحركة والاهتزاز في صوته، يثير انتباه السامع. بالإضافة إلى ذلك، فإن ظهور حرف التاء خمس مرات، والذي يدل على الرقة والضعف واللين والتفاهة (نفس المصدر، 84)، يصور ببراعة ضعف شخصية ولين اعتقاد وتفاهة أفعال الناهين عن عبادة الله في بؤرة الاهتمام.
6-7. ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ (علق/15-18)
طبقًا لهذه الآيات، في مقابل مشهد التمرد والطغيان الذي يمارسه الإنسان الكافر، يأتي دور التهديد القاطع. لكن هذه المرة، التهديد ليس في قالب غامض، بل يُصرح به بشكل صريح وواضح (سيد قطب، في ظلال القرآن، 1412: 6/3942). كلمة «لَنَسْفَعًا» من مادة «سفع» بمعنى وضع العلامة والإذلال (فخر الرازي، 1420: 32/23). من معاني حرف الفاء يمكن الإشارة إلى القطع والفصل الذي يتشكل عند التقاء الأسنان العليا بالشفة السفلى عند بدء تكوين هذا الصوت (حسن عباس، اصالت وتجدد در حروف معاني عربي، 1388: 50)، وهو ما يتوافق تمامًا مع معنى الآية. من بين أربعة وعشرين حرفًا تشكل هذه الآية (ك، ل، ألف، ل، إ، ن، ل، م، ى، ن، ت، هـ، ل، ن، س، ف، ع، م، ب، ن، ألف، ص، ى، هـ)، خمسة عشر حرفًا لها صفة الجهر (ل، ل، إ، ن، ل، م، ى، ن، ل، ن، ع، م، ب، ن، ى) والردع الموجود في الآية (الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 1390: 20/326) يلقي به بشدة أكبر على القارئ. من ناحية أخرى، في هذه الآية، تكررت الحروف ذات صفة الاستفال (ك، ل، ل، إ، ن، ل، م، ى، ن، ت، هـ، ل، ن، س، ف، ع، م، ب، ن، ى، هـ) إحدى وعشرين مرة، وبالنظر إلى المعنى اللغوي للاستفال الذي هو من جذر «سُفْل» وبمعنى الدنو والدناءة (ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، د.ت: 3/78)، تُصور روح الدناءة والذل للشخص المانع من الصلاة.
ترتيب حروف «ص»، «ذ»، «خ»، و«ط» في آية ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ (علق/16) الذي يتحرك من نطق الحروف ذات الضغط المنخفض «ص» و«ذ» نحو الحروف ذات الضغط العالي والغليظة «خ» و«ط»، يلقي بشعور بأن عذاب الشخص الطاغي يزداد حرقة وصعوبة وضغطًا لحظة بلحظة. كما أن جر حركات فواصل الآيات يظهر حالة الانكسار والهوان والذلة للشخص الطاغي بشكل أكبر. الآيتان ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ (علق/17-18) بالإضافة إلى كونهما مكملتين لبعضهما من حيث المعنى والمحتوى، فهما مرتبطتان ارتباطًا وثيقًا من حيث النظم الإيقاعي. حرف الفاء، لامتلاكه صفات ضعيفة كالهمس والرخاوة والانفتاح والاستفال والإذلاق، وحرف الهاء لامتلاكه صفات ضعيفة كالهمس والرخاوة والانفتاح والاستفال، هما أضعف الأصوات. اجتماع هذين الحرفين في الآية السابعة عشرة يلقي بضعف ووهن شخصية الفرد الطاغي وحلفائه على القارئ أكثر فأكثر. تتكون الآيات من الخامسة عشرة إلى الثامنة عشرة من تسعة عشر حرفًا، اثنا عشر منها لها صفة الجهر والبقية لها صفة الهمس. هذا الأمر يعكس بوضوح حالة التوتر بين فكرين، مادي ومعنوي. في ضوء هذا المصير المرعب، تقترب السورة من آياتها الختامية. يؤكد الله في الآية الأخيرة على طاعة المؤمنين، ويُظهر ثبات إيمانهم من خلال الطاعة في أفضل الحالات (الصلاة/السجود).
7-7. ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (علق/19)
في هذه الآية، يتكرر الردع السابق للتأكيد عليه (الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 1390: 20/327). الآية الأخيرة هي بمثابة نتيجة لكل مفاهيم السورة؛ وهذا الأمر يتطلب وجود نظم إيقاعي فريد للآية. مجيء الحرف المجهور والمشدد «لام» بعد الحرف المهموس «كاف» في كلمة «كلا»، يسبب تغييرًا تردديًا قويًا يملأ قلب كل كافر مكذب بالرعب. تكرار حرف «لا» المتتالي في عبارتي «كلا» و«لا تُطِعْهُ» وكذلك وجود الحرف المجهور والمشدد والمستعلي (الطاء) في «تُطِعْهُ»، يلقي بتأثير أكبر على قطعية هذا الأمر الإلهي. حرف الواو في «وَاسْجُدْ» يتشكل من دفع النفس إلى داخل الفم، مع إغلاق الشفتين على شكل حلقة صغيرة، مما يعبر عن النشاط والاستمرارية (حسن عباس، اصالت وتجدد در حروف معاني عربي، 1388: 47-48)؛ وكأنه يحث النبي ﷺ على مواصلة عبادة ربه. وجود حرف السين في «وَاسْجُدْ» يلقي بالسكينة والطمأنينة على قلب النبي. «اقْتَرِبْ» هو استغراق في معنى العبودية يظهر نفسه في قالب السجود (سيد قطب، في ظلال القرآن، 1412: 343/24). وجود خاصية الحركة والديناميكية واللين في صوت حرف الواو يجعل هذا الحرف الأكثر تعبيرًا، مما يدل على القفزة والوثبة في العطف (حسن عباس، اصالت وتجدد در حروف معاني عربي، 1388: 48-49). عطف «اسْجُدْ» على «اقْتَرِبْ» يلقي بنوع من القفزة والارتقاء للنبي ﷺ في عالم المعنى وقرب الرب. بالإضافة إلى أن حرف القاف له صفة القلقلة ويدل على التحريك والحركة، ويتناسب تمامًا مع حالة الحركة للذهاب إلى السجود، فإنه يمكن أن يكون مقويًا لجدية واهتمام النبي في طاعة ربه. وتجدر الإشارة إلى أن تكرار حرف القاف عدة مرات في مواضع مختلفة من هذه السورة يلقن المخاطب هيبة وقيمة محتوى الرسالة، واهتمام الله بأخذ أمر التعليم والتعلم بجدية، والأهم من ذلك، منع نشوء روح الاستغناء عن الله.
الخاتمة
1. أسلوب القرآن الكلامي معجز كأسلوبه الكتابي.
2. بما أن المخاطبين الأوائل للقرآن كانوا من عرب الجاهلية الذين يمتلكون أفكارًا جامدة ومتعصبة، كان من الضروري أن يتخذ الله الحكيم، في المراحل الأولى من نزول القرآن، موقفًا بكلمات متقنة ومستدلة وقاطعة في وجه روحهم المتمردة والمتطلبة. لقد استطاع النظم الإيقاعي للسورة بطريقة إعجازية أن يغرس محتوى السورة في نفس المخاطب ويترك تأثيرًا نفسيًا فائقًا عليهم.
3. موسيقى حروف وكلمات هذه السورة تضع الإنسان في حالة مذهلة، وكأن القرآن ينزل عليه والله يتحدث معه. وفي آيات العذاب أيضًا، فإن القسوة والضغط النفسي الذي يقع على الإنسان الطاغي محسوس من رنين الحروف.
4. الإيقاع الناشئ من صفات الحروف يعتمد اعتمادًا وثيقًا على الحروف التي تسبقه وتليه في سلسلة صوتية واحدة، وبناءً على ذلك، يمكنه إلقاء معانٍ مختلفة.
5. يتم تحديد مدى تأثير صفات الحروف على النظم الإيقاعي لسورة ما ضمن استخدامها في السلسلة الصوتية (الكلمات، الآيات، والعبارات)؛ لذلك، يجب أولاً تحليل صفات الحروف في السلسلة الصوتية للكلمة، ثم الآيات، ثم العبارات المختلفة في السورة ومقارنتها.
6. النظم الإيقاعي الناشئ من صفات الحروف لا يقتصر على تقوية المعنى، بل هو أسلوب لتشكيل معتقدات وأرواح السامعين. وبعبارة أفضل، يقدم النظم الإيقاعي الناشئ من الحروف تفسيرًا وتعبيرًا خاصًا للمفاهيم.
7. يجب على دعاة الدين ومربي التعليم والتربية أن يختاروا في خطاباتهم الكلمات التي تحمل شحنة عاطفية دينية ومشاعر عالية، لكي تكون داعمة للأدلة المنطقية والعلمية من خلال التأثير في المخاطب وإشراكهم عاطفيًا في التجارب الحسية.
الهوامش
1. Gotthelf Bergsträsser
2. Jean Cantineau
3. قيل إنه من وجهة نظر علماء التجويد، قد يكون واضع نظرية قوة وضعف الحروف هو مكي بن أبي طالب؛ لأنه كان من رواد طرح هذا الموضوع (حمد، الدراسات الصوتية عند علماء التجويد، 1428: 280).