تحليل تعبير «قراءة العامة» والتعابير المشابهة له في تفسير الفرّاء

الملخص

يعد البحث في قراءات القرآن من المباحث المهمة في علوم القرآن، والتي بالإضافة إلى تأثيرها في صحة قراءة القرآن، فإن لها أثرًا بالغًا في فهم وتفسير آيات القرآن الكريم واستنباط المطالب الفقهية والكلامية. على الرغم من التقارير التاريخية المتعددة التي تشير إلى عدم وجود قراءة واحدة في جميع أنحاء البلاد الإسلامية على مر التاريخ، حاول البعض، بالاستناد إلى تعابير مثل «قراءة العامة» في مصادر القرون الهجرية الأولى، وخاصة في كتاب معاني القرآن للفرّاء، إثبات وجود قراءة شائعة بين عامة الناس عبر التاريخ، وتقديم القراءة الحالية (رواية حفص عن عاصم) على أنها مطابقة لتلك القراءة. هذا في حين أن هذين الادعاءين هما نتيجة لنقل غير دقيق للعبارات، وكذلك نتيجة للغفلة عن عبارات وشواهد متعددة أخرى تثبت عكس هذا الادعاء. إن دراسة تعبير «قراءة العامة» والتعابير المشابهة له في كتاب معاني القرآن للفرّاء تظهر أن هذا النوع من التعابير في حالات متعددة وكثيرة لا يتوافق مع رواية حفص عن عاصم. كما أن الدراسة الكاملة والشاملة لمواضع استعمال تعبير «قراءة العامة» والتعابير المشابهة له في كتاب الفرّاء، تكشف حقيقة أن المقصود من هذا النوع من التعابير هو مجرد تقرير لقراءة أكثر القراء، وبناءً على ذلك، لا يمكن اعتبار تعابير مثل «قراءة العامة» شاهدًا على وجود قراءة واحدة عامة في القرون الهجرية الأولى ودليلاً على الصحة الحصرية للقراءة الحالية.

المقدمة

في عصر نزول القرآن الكريم، كانت الآيات الإلهية تُقرأ من قبل الله تعالى على النبي الأكرم ﷺ بواسطة جبريل الأمين، وكان النبي ﷺ يتلو الآيات ويقرؤها على الأمة. ولكن بعد وفاة رسول الله، ونتيجة لعوامل عدة، ظهر اختلاف في قراءة بعض الآيات. وقد تزايد هذا الاختلاف تدريجيًا حتى إنه في القرنين الثالث والرابع الهجريين، قام العديد من أئمة القراءة بتأليف الكتب لمنع اتساع هذه الاختلافات وكذلك لحصر القراءات، مما أدى إلى تأليف كتب متعددة في اختيار مختلف القراء (ابن الجزري، النشر، بلا تاريخ: 1/ 34). إلى أن جاء ابن مجاهد (ت 324هـ) وألف كتاب «السبعة»، واختار روايتين مختلفتين من قراءة سبعة قراء هم: ابن عامر، ابن كثير، عاصم، أبو عمرو، حمزة، نافع، والكسائي، فحصر قراءات القرآن (معرفت، علوم قرآني، 1381: 189-190). وبعد ابن مجاهد أيضًا، تم تأليف أنواع مختلفة من المصنفات في اختيار القراء وزيادتهم أو تقليلهم (ابن الجزري، النشر، بلا تاريخ: 1/ 34)، كما أن أحمد بن حسين بن مهران (ت 381هـ) ألف عدة كتب أضاف فيها ثلاثة قراء آخرين إلى القراء السبعة (معرفت، علوم قرآني، 1381: 225). وفي النهاية، أوجدت القراءات السبع التي اختارها ابن مجاهد والقراءات الثلاث المضافة إليها مصطلحي «القراءات السبع» و«القراءات العشر».

اعتبر كثير من علماء أهل السنة أن القراءات السبع والعشر متواترة وصحيحة ومنسوبة جميعها إلى النبي. ومن مستندات رأيهم بعض الروايات الموجودة في مجامعهم الحديثية التي تفيد بأن القرآن نزل على سبعة أحرف، معتقدين أن معنى نزول القرآن على سبعة أحرف هو نزوله بسبع قراءات (انظر: البخاري، الصحيح، 1407: 3/ 1049؛ مسلم، الصحيح، بلا تاريخ: 6/ 10499). أما من منظور روايات الشيعة، فإن القراءة التي نزل بها جبريل على النبي الأكرم واحدة، والتعدد والاختلاف في القراءات منسوب إلى القراء (الكليني، الكافي، 1407: 2/ 630).

تُظهر التقارير التاريخية الصريحة والمتعددة أنه لم تكن هناك قراءة واحدة شائعة بين المسلمين أبدًا، بل كانت قراءة كل من المدن الإسلامية الكبرى مختلفة عن غيرها، وأحيانًا تتغير بمرور الزمن. على سبيل المثال، يذكر ابن مجاهد، بعد بيان الفروق في القراءة بين كل من المدن الإسلامية الهامة مثل مكة والمدينة والبصرة والكوفة والشام، وكذلك بيان القراءة الخاصة بكل مدينة، يصرح بأن عامة الناس وعوام كل مدينة يقرؤون القرآن وفقًا لتلك القراءة. ويضيف: «هؤلاء سبعة نفر من أهل الحجاز والعراق والشام، خلفوا التابعين في القراءة، واتفق عوام كل مصر من الأمصار التي سميت، والأمصار التي بقربها، على قراءتهم، إلا أن يشذ رجل فيقرأ بقراءة شاذة، فذلك خارج عن قراءة العوام» (ابن مجاهد، السبعة، 1400: 87).

بناءً على ذلك، لم تكن هناك قراءة واحدة شائعة على مر التاريخ بوصفها القراءة الصحيحة الوحيدة للقرآن، بل كان العلماء يدرسون القراءات المختلفة لاستنباط الأحكام الفقهية أو تفسير الآيات. وكما صرح الشيخ الطوسي والمرحوم الطبرسي، فإن اختيار قراءة واحدة والتركيز عليها فقط كان يعد أمرًا غير محمود في نظر العلماء (الطوسي، التبيان، بلا تاريخ: 1/ 7؛ الطبرسي، مجمع البيان، 1426: 1/ 10)؛ لذا، في عصرنا الحالي، لا يليق تجاهل سائر القراءات بتصور شيوع القراءة الحالية عبر التاريخ، والتركيز في تفسير القرآن أو استنباط الأحكام الفقهية على تلك القراءة وحدها، بل من الضروري الاهتمام بسائر القراءات ودراستها إلى جانب القراءة الحالية.

على كل حال، على الرغم من التقارير التاريخية الصريحة القائمة على تعدد القراءات في مختلف البلدان (انظر: شريفي نسب وآخرون، ارزيابي ادله ديدگاه رواج تاريخي قرائت عاصم به روايت حفص، 1396: 15-19)، حاول البعض، بالاستناد إلى بعض الشواهد، الادعاء بوجود قراءة عامة ومتميزة عن سائر القراءات عبر التاريخ، وعرّفوا القراءة الحالية – أي قراءة حفص عن عاصم – بأنها مطابقة لتلك القراءة. وقد استندوا في هذا الادعاء إلى وجود تعابير مثل «قراءة العامة» و«قراءة الناس» وغيرها من التعابير المشابهة في كتب القرون الهجرية الأولى، وفسروها بأنها القراءة العامة والمتميزة بين عامة الناس. من بين آثار القرون الهجرية الأولى، لم يرد هذا النوع من التعابير في أي كتاب بقدر ما ورد في كتاب «معاني القرآن» للفرّاء، بل إن استخدام هذا النوع من التعابير في سائر الآثار قليل جدًا؛ لذا، فإن دراسة وإعادة قراءة هذا النوع من التعابير في كتاب الفرّاء له أهمية كبيرة، لكي يتضح من خلالها مدى اعتبار الادعاء المطروح.

وجدير بالذكر أن معظم آيات القرآن الكريم خالية من اختلاف القراءات، ومسألة اختلاف القراءة لا تُطرح إلا في قراءة جزء من كلمات آيات القرآن الكريم التي تقدر بنحو 2.5% من كلمات القرآن (پارچه باف دولتي و ديگران، تحليل و بررسي تقسيم بندي هاي ارائه شده در قرائات قرآن كريم، 1391: 35). ومن ناحية أخرى، في معظم هذا النوع من اختلاف القراءات، يكون الفرق في معنى القراءات المختلفة طفيفًا جدًا ولا يغير مقصود الآية ورسالتها؛ مثل قراءة «یَكُنْ – تَكُنْ»، «یُنَزِّلُ – یُنزِلُ»، «یَعْقِلُونَ – تَعْقِلُونَ» و«أَعْلَمُ – اعْلَمْ». وفي كثير من الحالات الأخرى، لا يُحدث اختلاف القراءة أي تغيير في معنى الآية وتفسيرها على الإطلاق؛ مثل الاختلاف في قراءة «كُفُوًا – كُفْوًا – كُفُؤًا»، و«جِبْرِيل – جَبْرِيل – جَبْرَئِل – جَبْرَئِيل»، و«ميكال – ميكائل – ميكائيل» و«إبراهيم – إبراهام». إذن، مسألة اختلاف القراءة ليست بالحدة التي تخل بنص القرآن الكريم وتؤثر تأثيرًا كبيرًا في معاني ومقاصد القرآن الكريم. على أي حال، من حيث قيمة ومكانة القرآن الكريم، فإن دراسة القراءة الصحيحة لجميع الآيات أمر مهم؛ لأن مسألة القراءة في عدد لافت من الآيات لها تأثير في استنباط الحكم الفقهي أو تفسير الآية.

1. الخلفية البحثية

لقد حظي بحث القراءات باهتمام العلماء والباحثين المسلمين من جوانب مختلفة، لدرجة أن عدد المؤلفات حول مختلف مباحث القراءة لا يحصى. ومن نماذج هذه الآثار ما يلي:

أ) كتب بعنوان الحجة لدراسة الأدلة الأدبية لكل قراءة. وقد كُتب هذا النوع من الكتب غالبًا في القرنين الرابع والخامس الهجريين؛ مثل «الحجة» لابن خالويه، و«الحجة» لأبي علي الفارسي، و«حجة القراءات» لأبي زرعة، و«الكشف» لمكي بن أبي طالب.

ب) كتب في اختيار القراء ونقل قراءاتهم؛ وهذا النوع من الكتب أيضًا كُتب غالبًا في القرن الثالث إلى الخامس، مثل: آثار القاسم بن سلام، ابن مجاهد، أحمد بن حسين بن مهران، وأبو معشر الطبري.

ج) كتب بعنوان الطبقات لتعريف القارئ وطبقته وأساتذته وتلاميذه؛ مثل «غاية النهاية» لابن الجزري و«معرفة القراء الكبار» للذهبي.

د) كتب وتحقيقات تتعلق بتاريخ القراءات وبيان تاريخ نشأتها وتطورها.

هـ) بحوث تتعلق بنقد وتقييم تواتر القراءات وتحقيقات تتعلق بتقييم سند بعض القراءات.

فيما يتعلق بالمسائل المتعلقة بتعابير مثل «قراءة العامة» في آثار القرون الهجرية الأولى، استند بعض الكتاب المعاصرين في كتاب «علوم القرآن في مدرسة أهل البيت (ع)» ضمن بحث بعنوان «قراءة عموم المسلمين وقراءة القراء»، إلى وجود تعابير مثل «قراءة العامة» في مصادر القرن الثاني إلى الرابع، وذكروا خمسة نماذج من مواضع استعمال هذا النوع من التعابير في كتاب الفرّاء، وبدعوى أن قراءة عموم المسلمين تختلف عن القراءات المتداولة بين القراء، اعتبروا هذا النوع من التعابير دليلاً واضحًا على اختلاف قراءة عموم المسلمين عن قراءات القراء، ثم عرّفوا القراءة الحالية (رواية حفص عن عاصم) بأنها مطابقة لتلك القراءة الشائعة بين المسلمين (ناصحيان، علوم قرآني در مكتب اهل بيت، 1393: 229-232).

وفي أعقاب ذلك، طرح آخرون هذا الادعاء بشكل أكثر تفصيلاً، وقاموا بتأليف مقالة بعنوان «دراسة تاريخ قراءة العامة وارتباطها برواية حفص عن عاصم»، حيث درسوا مواضع استعمال هذه التعابير خاصة في كتاب الفرّاء، وادعوا أن هذه التعابير تدل على وجود قراءة متميزة بين عامة الناس تنطبق أيضًا على القراءة الحالية (حسيني وإيرواني، مطالعات قرآن وحديث، 1394: 159-186).

وقام آخرون أيضًا بتأليف مقالة بعنوان «تتبع قراءة العامة في كتب التفسير للقرون الأولى ودورها في ترجيح القراءة»، حيث درسوا هذا التعبير بشكل موجز في تفاسير القرون الهجرية الأولى، وبشكل خاص في كتاب «مجاز القرآن» لأبي عبيدة.[1] (إيزدي وذوقي، پژوهش هاي زبان شناختي قرآن، 1396: 49-68).

نظرًا لأن تقارير كتاب «علوم القرآن في مدرسة أهل البيت (ع)» حول هذا النوع من التعابير محدودة ومختصرة جدًا، ومقالة «تتبع قراءة العامة في كتب التفسير للقرون الأولى ودورها في ترجيح القراءة» قد كُتبت بالتركيز على كتاب أبي عبيدة ودون دراسة تفصيلية لسائر الآثار مثل تفسير الفرّاء، ولأن تقارير مقالة «دراسة تاريخ قراءة العامة وارتباطها برواية حفص عن عاصم» تشتمل على أخطاء متعددة في نقل عبارات الفرّاء وأخطاء فادحة في فهم هذه العبارات، وتجاهلت مواضع متعددة تنقض ادعاءاتهم، فإن الدراسة الكاملة لهذا النوع من التعابير وتقييم الادعاءات المطروحة في تفسير الفرّاء تبدو ضرورية ومهمة، وهو ما يشكل موضوع هذا البحث.

2. الفرّاء وكتاب معاني القرآن

يحيى بن زياد الأقطع، المعروف بيحيى الفرّاء (المتوفى 207 هـ)، كان من كبار علماء النحو والأدب العربي، وقد كان في البداية من تلاميذ الكسائي (عالم النحو والقراءة، المتوفى 189 هـ). للفرّاء كتاب في تفسير القرآن باسم «معاني القرآن». وهذا الكتاب هو نتاج تفسيره الشفهي لتلاميذه الذي كان يقام أسبوعيًا في المسجد (الزبيدي، طبقات النحويين واللغويين، 1984: 132؛ معرفت، التفسير والمفسرون، 1386: 2/ 503).

بالطبع، تلمذة الفرّاء على الكسائي لا تعني أنه كان مقلدًا له في علم النحو أو التفسير أو القراءة، بل كان الفرّاء نفسه صاحب رأي في هذه العلوم؛ لذا، ليس من الصحيح القول: إن الفرّاء كان تلميذ الكسائي. وبناءً على ذلك، إذا قرأ [الفرّاء] قراءة طبقًا لقراءة حفص عن عاصم، فهذا يدل على أن هذه القراءة كانت مشهورة وأصلية بين المسلمين (حسيني وإيرواني، مطالعات قرآن وحديث، 1394: 167).

هذا الادعاء غير صحيح؛ لأنه أولاً، لم يكن الفرّاء يقلد الكسائي في القراءة، بل كان يجتهد بنفسه في القراءة ويختار قراءة معينة مع تقديم الدليل (انظر: الفرّاء، معاني القرآن، 1980: 1/ 43، 375، 393، 407 و…). بل كان الفرّاء يعتقد أن كل قراءة جائزة من حيث القواعد العربية هي قراءة صحيحة، ولا ينبغي تقبيحها لمجرد أن أحدًا من القراء لم يقرأ بها (الفرّاء، معاني القرآن، 1980: 1/ 245). وبناءً على ذلك، فإنه لم يكن يقلد قراءة الكسائي فحسب، بل لم يلزم نفسه باتباع أي من القراء.

ثانيًا، إن سبب عدم اتباع الفرّاء لقراءة الكسائي في بعض المواضع لا يعني بالضرورة شهرة القراءة المخالفة للكسائي، بل يمكن أن تكون له أسباب متعددة مثل الوجوه النحوية، الصرفية، التفسيرية، أو … في ترجيح القراءة المخالفة للكسائي. فمثلًا، في الآية 71 من سورة التوبة، يرجح القراءة المخالفة للكسائي ببيان وجه تفسيري، ويقول صراحة إن الكسائي في نظره كان يفتقر إلى علم التفسير (الفرّاء، معاني القرآن، 1980: 1/ 419).

ثالثًا، إذا كان هذا الاستدلال صحيحًا، فيمكن طرح مثله بالنسبة لسائر القراءات أيضًا. فإذا قرأ الفرّاء قراءة طبقًا لقراءة أبي عمرو البصري مثلاً، فهذا يدل على أن هذه القراءة كانت مشهورة وأصلية بين المسلمين! وهكذا بالنسبة لسائر القراء الذين يجب في هذه الحالة اعتبار جميع القراءات التي قرأها الفرّاء موافقة لهم ومخالفة للكسائي، قراءة مشهورة. لذا، لا يمكن اعتبار مجرد مخالفة الفرّاء للكسائي دليلاً على شهرة وعمومية القراءة التي اختارها الفرّاء.

3. الفرّاء ورواة قراءة عاصم

الراويان المشهوران لقراءة عاصم هما أبو بكر بن عياش (شعبة) وحفص بن سليمان، اللذان نقلا قراءة عاصم بشكل مختلف في مواضع جديرة بالاهتمام. تظهر دراسة كتاب «معاني القرآن» للفرّاء أنه اعتمد بشكل عام في نقل قراءة عاصم على رواية أبي بكر بن عياش (شعبة) فقط، وذكر اسمه مرارًا عند نقل قراءة عاصم (نفس المصدر، 2/ 122، 2/ 125، 2/ 196، 2/ 252؛ 3/ 36)، ولكنه لم ينقل قراءة عاصم برواية حفص قط، ولم يأتِ على ذكر اسمه في كتابه أبدًا.

بالإضافة إلى ذلك، في مواضع متعددة من الاختلاف بين رواية حفص ورواية أبي بكر بن عياش، يذكر الفرّاء رواية أبي بكر بن عياش على أنها قراءة عاصم دون أي إشارة إلى رواية حفص؛ مثل قراءة آية سورة ﴿فلا تقل لهما أفّ﴾ (الإسراء/ 23؛ نفس المصدر، 2/ 121)، ﴿للعلك ترضى﴾ (طه/ 130؛ نفس المصدر، 2/ 196)، و﴿كذلك نجي المؤمنين﴾ (الأنبياء/ 88؛ نفس المصدر، 2/ 210)، ﴿غير أولي الإربة﴾ (النور/ 31؛ نفس المصدر، 2/ 250)، ﴿يسبّح له فيها بالغدو والآصال﴾ (النور/ 58؛ نفس المصدر، 2/ 253)، ﴿ثلاث عورات لكم﴾ (النور/ 58؛ نفس المصدر، 2/ 260)، ﴿يضاعف له العذاب﴾ (الفرقان/ 69؛ نفس المصدر، 2/ 273)، و﴿ولسليمان الريح﴾ (سبأ/ 12؛ نفس المصدر، 2/ 356)، ﴿فعززنا بثالث﴾ (يس/ 14؛ نفس المصدر، 2/ 374)، ﴿هل هن كاشفات ضره – هل هن ممسكات رحمته﴾ (الزمر/ 38؛ نفس المصدر، 2/ 420)، ﴿ادخلوا آل فرعون﴾ (غافر/ 46؛ نفس المصدر، 3/ 10)، ﴿أو من ينشأ في الحلية﴾ (الزخرف/ 18؛ نفس المصدر، 3/ 29)، ﴿حتى إذا جاءانا﴾ (الزخرف/ 38؛ نفس المصدر، 3/ 33)، ﴿مثل ما أنكم تنطقون﴾ (الذاريات/ 23؛ نفس المصدر، 3/ 85)، و﴿ما نزّل من الحق﴾ (الحديد/ 16؛ نفس المصدر، 3/ 134)، ﴿إن المصدقين والمصدقات﴾ (الحديد/ 18؛ نفس المصدر، 3/ 135)، ﴿توبة نصوحًا﴾ (التحريم/ 8؛ نفس المصدر، 3/ 168)، ﴿رب المشرق والمغرب﴾ (المزمل/ 9؛ نفس المصدر، 3/ 198)، ﴿والرجز فاهجر﴾ (المدثر/ 5؛ نفس المصدر، 3/ 200)، ﴿عذرًا أو نذرًا﴾ (المرسلات/ 6؛ نفس المصدر، 3/ 222). في كل هذه الآيات، ذكر الفرّاء رواية شعبة فقط على أنها قراءة عاصم دون أن يشير حتى إلى رواية حفص المختلفة.

هذا الأمر يدل على أن الفرّاء لم يكن لديه أي اعتماد على رواية حفص عن عاصم، وتجاهل روايته تمامًا. ويبدو أن سبب عدم اهتمام الفرّاء وعدم اعتماده على رواية حفص هو عدم وثاقته وشهرته بالكذب؛ كما صرح بذلك عامة علماء الرجال (العسقلاني، تهذيب التهذيب، 1404: 2/ 345؛ الذهبي، ميزان الاعتدال، 1382: 1/ 558؛ لمزيد من المعلومات حول وضع حفص الرجالي بين علماء الشيعة وأهل السنة، انظر: حجتي وشريفي نسب، ارزيابي سندي روايت حفص از قرائت عاصم، 1396: 121-126).

4. علاقة تعبير «قراءة العامة» بقراءة حفص

ادعى البعض أن تعبير «قراءة العامة» في كتاب الفرّاء يدل على وجود قراءة واحدة وشائعة بين عامة الناس، تتطابق مع القراءة الحالية، أي قراءة حفص عن عاصم. في هذه الحالة، لا ينبغي أن يكون هذا التعبير قد استُخدم في أي موضع خلافًا لقراءة حفص، بينما تظهر دراسة كتاب الفرّاء أن هذا النوع من التعابير استُخدم مرارًا خلافًا لقراءة حفص، والمواضع كالتالي:

4-1. ﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ في الآية 6 من سورة الصافات

في الآية 6 من سورة الصافات، سمى الفرّاء قراءة ﴿بزينةِ الكواكبِ﴾ بدون تنوين بأنها «قراءة العامة» وكتب: «قوله ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ﴾ تُضاف الزينة إلى الكواكب وهي قراءة العامة» (الفرّاء، معاني القرآن، 1980: 2/ 382). وفي مقابل هذه القراءة، ذكر قراءة مسروق الذي قرأ ﴿بزينةٍ الكواكب﴾ بالتنوين (نفس المصدر، 2/ 382). وبالطبع، قرأ عاصم وحمزة أيضًا «بزينةٍ» بالتنوين (ابن مجاهد، السبعة، 1400: 546) ولم يذكر الفرّاء اسميهما.

على أي حال، كلام الفرّاء في إضافة «زينة» إلى «الكواكب» صريح في أن القراءة بدون تنوين أي «بزينةِ» هي قراءة العامة، وهي خلاف قراءة حفص عن عاصم الذي قرأها بالتنوين. ومع ذلك، من العجيب أن البعض أخطأ في فهم هذه العبارة الصريحة، وفهم قراءة ﴿بزينةٍ الكواكب﴾ على أنها «قراءة العامة»! (حسيني وإيرواني، مطالعات قرآن وحديث، 1394: 178)، بينما صرح الفرّاء بأن إضافة «زينة» إلى «الكواكب» هي قراءة العامة.

4-2. ﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾ في الآية 82 من سورة القصص

في الآية 82 من سورة القصص، قرأ حفص عن عاصم ﴿لَخَسَفَ بنا﴾ بصيغة المعلوم، بينما قرأها سائر الرواة عن القراء السبعة ﴿لَخُسِفَ بنا﴾ بصيغة المجهول (ابن مجاهد، السبعة، 1400: 495). ومع ذلك، يقول الفرّاء تحت هذه الآية: «وقوله: ﴿لخسف بنا﴾ قراءة العامة ﴿لَخُسِفَ﴾، وقد قرأها شيبة والحسن فيما أعلم ﴿لَخَسَفَ بنا﴾» (الفرّاء، معاني القرآن، 1980: 2/ 313). في هذه العبارة، يطرح الفرّاء صراحة قراءة ﴿لَخُسِفَ﴾ على أنها قراءة العامة، وهي القراءة التي قرأ بها جميع رواة القراءات السبع (ما عدا حفص)، وفي المقابل ينسب القراءة الشاذة ﴿لَخَسَفَ﴾ إلى شيبة وحسن، وقراءة حفص تتفق مع هذين الاثنين. من الواضح أن الفرّاء في هذا الموضع قد استخدم تعبير «قراءة العامة» خلافًا لقراءة حفص.

ومع ذلك، قام البعض بترجمة هذه العبارة للفرّاء بشكل معكوس وذكروا: قراءة عامة المسلمين هي ﴿لَخَسَفَ بنا﴾، وقرأها الحسن وشيبة ﴿لَخُسِفَ بنا﴾ (حسيني وإيرواني، مطالعات قرآن وحديث، 1394: 171). كما استمروا بالاستناد إلى هذا النقل من كتاب الفرّاء، فكتبوا: «قراءة عموم المسلمين في تلك الفترة تتفق مع القراءة المعاصرة، والفرّاء الذي يسبق ابن مجاهد زمنيًا، يطرح هذه القراءة بوصفها قراءة العامة لا قراءة حفص عن عاصم، وهذا الخطأ، أي نسبة قراءة العامة إلى حفص، ربما حدث من جانب ابن مجاهد؛ لأن الفرّاء كان أعلم من ابن مجاهد» (حسيني وإيرواني، مطالعات قرآن وحديث، 1394: 171).

ينشأ خطأ الكاتبين في النقل المعكوس لعبارة الفرّاء من اعتمادهم على ضبط نسخة بعض البرمجيات مثل «المكتبة الشاملة» التي ضُبطت فيها قراءة العامة ﴿لَخَسَفَ﴾ وقراءتها المخالفة المنسوبة إلى شيبة وحسن! ولكن الرجوع إلى النسخة المطبوعة من الكتاب من نفس الناشر يظهر خطأ نسخة البرنامج في الضبط (قارن: النسخة المطبوعة ونسخة البرنامج من كتاب معاني القرآن للفرّاء، 2/ 313، منشورات الهيئة المصرية)؛ كما أن النسخ الأخرى المطبوعة من هذا الكتاب من ناشرين آخرين توضح بشكل أكبر خطأ ضبط نسخة البرنامج (انظر: معاني القرآن، منشورات عالم الكتب، 1403: 2/ 313).[2]

علاوة على ذلك، حتى بدون النظر في النسخ المطبوعة، يمكن تمييز عدم صحة ضبط نص البرنامج؛ لأنه عندما تُذكر قراءة «لخسف» على أنها قراءة شاذة مقابل قراءة العامة، فلا يمكن أن تكون القراءة التي ذُكرت قبلها على أنها قراءة العامة هي نفسها قراءة «لخسف». كما أنه لو كانت قراءة «لَخَسَفَ» هي قراءة العامة في رأي الفرّاء، لأشار في مقابلها إلى قراءة القراء السبعة المشهورين الذين قرؤوها «لخُسِفَ»، لا إلى قراءة شيبة وحسن. بناءً على ذلك، فإن ادعاء الكاتبين بخلط ابن مجاهد بين قراءة العامة وقراءة حفص هو ادعاء فارغ لا أساس له. بالإضافة إلى ذلك، فإن مثل هذا الادعاء مستحيل الوقوع خارجيًا؛ لأنه لو خلط ابن مجاهد قراءة حفص بالقراءة الشائعة بين الناس، لكان لزامًا عليه أن يُعرّف قراءة حفص على أنها قراءة عامة المسلمين، بينما يصرح بأن قراءة حفص لم تكن شائعة حتى في الكوفة (ابن مجاهد، السبعة، 1400: 71). من ناحية أخرى، فإن فرض وجود قراءة عامة بين جميع المدن الإسلامية على مدى أربعة قرون، ثم تغييرها بسبب خطأ شخص واحد، هو أمر غير ممكن. كيف يمكن في القرن الرابع، الذي كان عصر تأليف وتدوين القراءات، وقام فيه العديد من المصنفين بتأليف وجمع القراءات، أن يحدث مثل هذا الخلط الفادح فجأة بين القراءة العامة وقراءة حفص، بينما لم يكن سند قراءة حفص محصورًا في شخص واحد ليتغير كل شيء بخلطه. بالإضافة إلى ذلك، بناءً على تصريحات ابن مجاهد نفسه، لم تكن هناك أي قراءة عامة بين الناس في القرن الرابع الهجري، بل كان أهل كل مدينة يقرؤون قراءة متميزة عن المدن الأخرى (نفس المصدر، 63، 65، 71، 84، 87).

على أي حال، استخدم الفرّاء في هذه الآية أيضًا تعبير «قراءة العامة» خلافًا لقراءة حفص.

4-3. ﴿أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ في الآية 94 من سورة النساء

في الآية 94 من سورة النساء، يُعرّف الفرّاء القراءة العامة بأنها «السَّلَم» (الفرّاء، معاني القرآن، 1980: 1/ 283)، بينما في رواية حفص عن عاصم، تُقرأ هذه الكلمة بالألف بصورة «السَّلام» (ابن مجاهد، السبعة، 1400: 236). من الواضح أنه في هذه الآية أيضًا، استُخدم تعبير قراءة العامة خلافًا لقراءة حفص.

4-4. ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ في الآية 28 من سورة هود

في الآية 28 من سورة هود أيضًا، يُعرّف الفرّاء «فعمِيَت» على أنها قراءة العامة (الفرّاء، معاني القرآن، 1980: 2/ 12)، بينما قرأها حفص بصورة «فعُمِّيَت» (ابن مجاهد، السبعة، 1400: 332)؛ لذا، في هذه الآية أيضًا استُخدم تعبير قراءة العامة خلافًا لقراءة حفص.

4-5. ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ في الآية 22 من سورة النمل

قرأ حفص وشعبة (كلاهما راويا قراءة عاصم) «فمَكَثَ» بفتح الكاف (ابن مجاهد، السبعة، 1400: 480)، ولكن الفرّاء سمى قراءة «فمكُثَ» بضم الكاف بأنها قراءة الناس، قائلاً: «قرأها الناس بالضم وقرأها عاصم بالفتح فَمَكَثَ» (الفرّاء، معاني القرآن، 1980: 2/ 289).

قام بعض الكتاب لتبرير هذه العبارة للفرّاء، بكتابة عبارة مبهمة وغير واضحة: «ابن مجاهد يعتبر هذه القراءة رواية حفص عن عاصم، بينما قرأها سائر القراء بالضم» (حسيني وإيرواني، مطالعات قرآن وحديث، 1394: 174)، ثم تابعوا قائلين: «أبو علي الفارسي يصحح قراءة ﴿فمكَثَ﴾ بالفتح بناءً على نقل عن سيبويه… أبو عبيدة معمر بن المثنى يصحح قراءة الفتح. هذا يدل على أن قراءة ﴿فمكَثَ﴾ بالفتح كانت مشهورة ومعروفة كقراءة معيارية ومعتمدة» (حسيني وإيرواني، مطالعات قرآن وحديث، 1394: 174).

يجب القول إن تجويز هذه القراءة من قبل أبي علي الفارسي بقواعد أدبية لا يعني اختيار هذه القراءة ولا شهرتها. كما أن أبا عبيدة لم يذكر إلا القراءتين ولم يشر إلى اختيار أو شهرة أي منهما (انظر: أبو عبيدة، مجاز القرآن، 1381: 2/ 94). لذا، فإن ادعاء شهرة قراءة الفتح لا يستند إلى أي دليل، بل إن عبارة الفرّاء التي سمى فيها قراءة الرفع بأنها «قراءة الناس» تثبت صراحة شهرة قراءة الرفع، التي لا تتطابق مع قراءة حفص.

4-6. ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ في الآية 11 من سورة المجادلة

تحت هذه الآية، عرّف الفرّاء قراءة «انشِزوا فانشِزوا» بأنها «قراءة الناس» وكتب: «قرأ الناس بكسر الشين» (الفرّاء، معاني القرآن، 1980: 3/ 141)، بينما قرأها حفص برفع الشين «انشُروا فانشُروا» (ابن مجاهد، السبعة، 1400: 629).

4-7. ﴿وَلَيُبْدِلَنَّهُمْ﴾ في الآية 55 من سورة النور

في هذه الآية أيضًا، ذكر الفرّاء تعبير «قراءة الناس» مقابل قراءة عاصم، وكتب: «وقوله ﴿وليبدلنهم﴾ قرأها عاصم بن أبي النجود والأعمش ﴿وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ بالتشديد وقرأ الناس ﴿و لَيُبْدِلَنَّهُم﴾ خفيفة» (الفرّاء، معاني القرآن، 1980: 2/ 259). من الواضح أنه في هذه العبارة أيضًا، لا يتطابق تعبير قراءة الناس مع قراءة حفص عن عاصم.

4-8. ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ في الآية 8 من سورة الصافات

في هذه الآية أيضًا، طرح الفرّاء قراءة «لا يَسْمَعُونَ» على أنها «قراءة الناس» (الفرّاء، معاني القرآن، 1980: 2/ 382)، بينما تختلف هذه القراءة عن قراءة حفص، وهي «لا يَسَّمَّعُونَ» (ابن مجاهد، السبعة، 1400: 547).

4-9. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ في الآية 26 من سورة محمد ﷺ

في هذه الآية أيضًا، حيث قرأ حفص «إِسرارهم» بكسر الألف (ابن مجاهد، السبعة، 1400: 601)، طرح الفرّاء قراءة «أَسرارهم» بفتح الألف على أنها «قراءة الناس» (الفرّاء، معاني القرآن، 1980: 3/ 63).

4-10. ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا﴾ في الآية 63 من سورة الأنعام

طرح الفرّاء في هذه الآية قراءة «أنجيتنا» على أنها «قراءة الناس» (الفرّاء، معاني القرآن، 1980: 1/ 338)، بينما قرأ راويا قراءة عاصم (حفص وشعبة) هذه الآية «أنجانا» (ابن مجاهد، السبعة، 1400: 259).

4-11. ﴿وَلَا مَقَامَ لَكُمْ﴾ في الآية 13 من سورة الأحزاب

في هذه الآية أيضًا، اعتبر الفرّاء قراءة «لا مَقام» بفتح الميم «قراءة العوام» (الفرّاء، معاني القرآن، 1980: 2/ 336)، بينما قرأ حفص هذه الآية «لا مُقام» بضم الميم.

4-12. ﴿لَعْنًا كَثِيرًا﴾ في الآية 68 من سورة الأحزاب

في هذه الآية أيضًا، عرّف الفرّاء قراءة «كثيرا» بأنها «قراءة العوام» (الفرّاء، معاني القرآن، 1980: 2/ 351)، بينما قرأ راويا قراءة عاصم (حفص وشعبة) هذه الكلمة «كبيرا» (ابن مجاهد، السبعة، 1400: 523).

4-13. ﴿فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ في الآية 15 من سورة سبأ

ذكر الفرّاء في هذه الآية قراءة «مساكنهم» بصيغة الجمع على أنها «قراءة العوام» (الفرّاء، معاني القرآن، 1980: 2/ 357)، ولكن حفص قرأها «مسكنهم» بصيغة المفرد (ابن مجاهد، السبعة، 1400: 528).

4-14. ﴿هَلْ يُجَازَى إِلَّا الْكَفُورُ﴾ في الآية 17 من سورة سبأ

قرأ حفص في هذه الآية «نجازي» بالنون (ابن مجاهد، السبعة، 1400: 528)، بينما ذكر الفرّاء قراءة «يجازى» بالياء على أنها «قراءة العوام» (الفرّاء، معاني القرآن، 1980: 2/ 359).

4-15. ﴿وَيَعْلَمُ مَا يَفْعَلُونَ﴾ في الآية 25 من سورة الشورى

طرح الفرّاء في هذه الآية «يفعلون» بالياء على أنها «قراءة العوام» (الفرّاء، معاني القرآن، 1980: 3/ 23)، ولكن حفص قرأها «تفعلون» بالتاء (ابن مجاهد، السبعة، 1400: 581).

الحالات الخمس عشرة المذكورة أعلاه هي نماذج من تعابير الفرّاء في كتاب «معاني القرآن» التي تشير إلى القراءة العامة ولا تتطابق مع القراءة الحالية، أي قراءة حفص.

5. منهج الفرّاء في مواضع قراءة حفص الانفراديّة

ادعى البعض أنه إذا قبل الفرّاء قراءة حفص الانفراديّة (أي المواضع التي انفرد فيها حفص بقراءة مختلفة عن جميع القراء)، فإن هذه المسألة دليل على وجود قراءة موحدة في المجتمع الإسلامي في القرن الثاني تتطابق مع القراءة الحالية (حسيني وإيرواني، مطالعات قرآن وحديث، 1394: 168). لكن هذا الادعاء غير مقبول؛ لأن مجرد قبول قراءة حفص في بضع آيات من قبل الفرّاء لا يعني عمومية تلك القراءة بين الناس. بالإضافة إلى ذلك، كان الفرّاء نفسه صاحب رأي في القراءة، وكان يختار قراءات بناءً على اجتهاده، حتى إنه أحيانًا يطرح قراءة لم يقرأ بها أحد، ويصفها بأنها قراءة جائزة وحسنة (الفرّاء، معاني القرآن، 1980: 2/ 32 و 159؛ ج3، ص83، 168 و 239). على أي حال، فإن ملاحظة منهج الفرّاء في المواضع التالية التي تُطرح على أنها قراءة حفص الانفراديّة لها أهمية.

5-1. ﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾ في الآية 82 من سورة القصص و ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ في الآية 22 من سورة النمل

طرح البعض هاتين الآيتين على أنهما قراءتان خاصتان بحفص، وأن الفرّاء وصفهما بأنهما «قراءة العامة» (حسيني وإيرواني، مطالعات قرآن وحديث، 1394: 171 و 174)، ولكن يجب الانتباه إلى أن قراءة ﴿لَخَسَفَ﴾ و﴿فَمَكَثَ﴾ ليستا قراءة انفراديّة لحفص أساسًا؛ لأن يعقوب، والحسن البصري، وسهل، وشيبة، والأعرج أيضًا قرؤوا ﴿لَخَسَفَ﴾ (الطبرسي، مجمع البيان، 1426: 7/ 413)، وشعبة (الراوي الآخر لقراءة عاصم) وروح عن يعقوب وجعفي عن أبي عمرو وسهل أيضًا قرؤوا ﴿فَمَكَثَ﴾ (أبو حيان، البحر المحيط، 1420: 8/ 224). بالإضافة إلى ذلك، كما بُيِّن، سمى الفرّاء في هاتين الآيتين القراءة المخالفة لحفص بأنها «قراءة العامة» لا قراءة حفص.

5-2. ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ في الآية 40 من سورة هود

يتبين من توضيح الفرّاء تحت هذه الآية أنه فسرها وفقًا لقراءة «كلٍ» بالتنوين؛ لأنه افترض لـ«كل» مضافًا إليه محذوفًا، ورأى أن معنى الآية هو «من كل نوع زوجان» (الفرّاء، معاني القرآن، 1980: 2/ 14). وقد طرح البعض في هذه الآية قراءة «كلٍ» بالتنوين على أنها قراءة حفص الانفراديّة (حسيني وإيرواني، مطالعات قرآن وحديث، 1394: 169)، وادعوا ضمنيًا أن تفسير هذه الآية من قبل الفرّاء كان وفقًا لقراءة حفص الانفراديّة وبسبب شيوع هذه القراءة. ولكن يجب الانتباه إلى أنه أولاً، القراءة بالتنوين ليست قراءة حفص الانفراديّة، بل إن الحسن البصري (110 هـ) الذي سبق حفصًا (180 هـ) قد قرأ هذه الآية بالتنوين أيضًا (الدمياطي، إتحاف فضلاء البشر، 1422: 321). ثانيًا، كما مر، فإن مجرد قبول الفرّاء لقراءة ما لا يدل على شهرتها وشيوعها بأي حال من الأحوال؛ لأن الفرّاء نفسه كان يجتهد شخصيًا في القراءة.

نقل البعض رأي ابن خالويه وأبي علي الفارسي في هذه الآية على النحو التالي: أنهم يعتقدون أنه بناءً على قراءة التنوين، أي «كلٍ زوجين»، يكون المقصود أربعة حيوانات على الأقل، ولكن بناءً على قراءة سائر القراء، أي «كلِ زوجين»، يمكن أن يكون المقصود حيوانين (حسيني وإيرواني، مطالعات قرآن وحديث، 1394: 169). والعجيب أنهم في تتمة كلامهم، يعتبرون رواية تصرح بأنه دخل سفينة نوح من كل حيوان زوج واحد فقط، موافقة لقراءة «كلٍ»! (نفس المصدر). والأعجب من ذلك أنهم يعتبرون الرواية المخالفة لها، أي الرواية التي تدل على حمل زوجين (زوج وحشي وزوج أهلي) في السفينة، موافقة لقراءة التنوين أيضًا! (نفس المصدر، 170). وفي تتمة كلامهم، يعتبرون هاتين الروايتين المتضادتين اللتين لا يمكن تطبيقهما على قراءة واحدة، شاهدًا على تطابق قراءة المعصومين مع القراءة الحالية! (نفس المصدر).

يجب العلم بأن نقل رأي ابن خالويه وأبي علي الفارسي غير دقيق أولاً؛ لأن ابن خالويه لم يقل مثل هذا الكلام (انظر: ابن خالويه، الحجة في القراءات السبع، 1421: 186)، وأبو علي الفارسي قد بيّن عكس هذا الكلام، واعتبر أن المقصود من الآية بناءً على قراءة التنوين «كلٍ زوجين» هو حيوانان (أبو علي الفارسي، الحجة للقراء السبعة، 1413: 328)، وبناءً على قراءة الإضافة «كلِ زوجين» هو حيوانات متعددة [3] (نفس المصدر، 327).

ثانيًا، محتوى الروايتين المذكورتين متناقض ولا يمكن تطبيق كلتيهما على قراءة واحدة. بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن أن يكون مجرد وجود رواية في قراءة آية واحدة دليلاً على التطابق الكلي لقراءة أهل البيت (ع) مع قراءة قارئ معين، خاصة وأنه تم التغافل عن سائر الروايات التي يكون فيها تفسير المعصوم (ع) في تضاد صريح مع قراءة حفص، مثل قراءة آية ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ (العياشي، تفسير العياشي، 1380: 1/ 201) أو قراءة آية ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ (الصدوق، عيون الأخبار، 1378: 2/ 7675)؛ لذا، لا ينبغي إصدار حكم كلي بتطابق قراءة أهل البيت (ع) مع قراءة حفص بمجرد الاستناد إلى رواية واحدة تتعارض مع رواية أخرى في نفس الموضوع؛ لأن الدليل الجزئي لا يقتضي نتيجة كلية.

5-3. ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ في الآية 47 من سورة يوسف

في هذه الآية، قرأ حفص عن عاصم «دَأَبًا» بهمزة مفتوحة، وقرأها سائر القراء بهمزة ساكنة «دَأْبًا» (ابن مجاهد، السبعة، 1400: 349). يكتب الفرّاء تحت هذه الآية: «وقوله ﴿دَأَبًا﴾ قرأ بعض قرائنا ﴿سبع سنين دأبًا﴾: فَعَلًا. وكذلك كل حرف فُتِحَ أوَّله وَسُكِّنَ ثانيه فتثقيله جائز إذا كان ثانيه همزة أو عينًا أو غينًا أو حاءً أو خاءً أو هاء» (الفرّاء، معاني القرآن، 1980: 2/ 47).

على الرغم من وضوح كلام الفرّاء، من العجيب أن البعض مرة أخرى فهم عبارة الفرّاء بشكل معكوس وكتب: «يقول الفرّاء إن بعض قرائنا قرؤوا هكذا، هذا بينما قرأ جميع القراء ما عدا حفص عن عاصم بهذه الطريقة. الفرّاء يجيز قراءتها بالسكون. يمكن القول إن القراءة المشهورة كانت بالفتح لأن الكسائي قرأها بالسكون، وربما أجازها لأن أستاذه قرأها بالسكون» (حسيني وإيرواني، مطالعات قرآن وحديث، 1394: 170).

هذا الفهم لعبارة الفرّاء عجيب جدًا؛ لأن عبارته تذكر صراحة أن قراءة الفتح، أي قراءة حفص، هي قراءة بعض القراء لا قراءة جميعهم. كما أن القراءة التي أجازها الفرّاء استنادًا إلى قواعد النحو هي قراءة الفتح لا السكون، التي هي قراءة أستاذه الكسائي.

لذا، فإن هذه العبارة للفرّاء تظهر في الحقيقة أن قراءة حفص (فتح «دأبًا») لم تكن شائعة في عصر الفرّاء، بل كانت منسوبة إلى بعض القراء.

5-4. ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ في الآية 25 من سورة الحج

في هذه الآية، قرأ حفص عن عاصم وروح وزيد عن يعقوب «سواءً» بالنصب، وقرأها سائر القراء بالرفع (الطبرسي، مجمع البيان، 1426: 7/ 126)، وقد اعتبرها البعض خطأً من ضمن قراءات حفص الانفراديّة (حسيني وإيرواني، مطالعات قرآن وحديث، 1394: 170). على أي حال، يكتب الفرّاء تحت هذه الآية: «وقوله ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ فالعاكف من كان من أهل مكة والبادِ مَن نَزع إليه بحج أو عمرة وقد اجتمع القراء على رفع «سواء» هاهنا» (الفرّاء، معاني القرآن، 1980: 2/ 221). في هذه العبارة، ذكر الفرّاء، دون أي اعتبار لقراءة حفص، أن قراءة الرفع هي محل إجماع القراء، مما دفع البعض إلى تبريرات عجيبة، قائلين: «هذا الاحتمال وارد أنه بسبب تقدم الفرّاء على ابن مجاهد، ظن ابن مجاهد خطأً أن هذه رواية حفص عن عاصم؛ لأن الفرّاء استخدم تعبير إجماع القراء وعاصم من القراء، وهذا الخطأ حدث بسبب قرب رواية حفص من قراءة العامة… لذا، يمكن القول إن رواية حفص عن عاصم كانت أيضًا «سواءٌ»، وهذا الخطأ من جانب ابن مجاهد» (حسيني وإيرواني، مطالعات قرآن وحديث، 1394: 171).

من الواضح أن منشأ هذه التبريرات هو الغفلة عن وجود راوٍ آخر لقراءة عاصم، مما جعلهم يعتبرون إجماع القراء ملازمًا لدخول حفص في هذا الإجماع، ويتهمون ابن مجاهد بالخطأ. ولكن كما مر، كان الفرّاء يعتمد كليًا في أخذ قراءة عاصم على رواية أبي بكر بن عياش (شعبة) فقط، وفي هذه الآية أيضًا، بناءً على روايته عن عاصم، ادعى إجماع القراء وتجاهل رواية حفص. الشاهد على هذا الأمر – كما ذُكر بالتفصيل سابقًا – هو أن الفرّاء في كتابه، في مواضع متعددة تختلف فيها رواية حفص عن رواية شعبة، يطرح رواية أبي بكر بن عياش فقط على أنها قراءة عاصم دون الإشارة إلى رواية حفص.

وجدير بالذكر أنه في هذه الآية، استُند إلى أن «سواء» في بداية عبارة الفرّاء قد ضُبطت بالنصب، وادُعي أن هذا الضبط يدل على شهرة قراءة حفص بين الناس في ذلك العصر. يقول المدعون: «هذا يدل على أنه من وجهة نظر الفرّاء، كان هناك فرق كامل بين القراءة المشهورة وقراءة سائر القراء؛ لأنه بدأ بـ«سواءً» بالنصب ثم قال إن القراء أجمعوا على رفعها» (حسيني وإيرواني، مطالعات قرآن وحديث، 1394: 171).

يجب العلم بأنه أولاً، نظرًا لأن الضبط الحالي في الكتب المتعلقة بالقرون الهجرية الأولى ليس منسوبًا بشكل قطعي إلى المؤلف، فإن نسبة هذا الضبط إلى الفرّاء محفوفة بالشك، خاصة وأن الفرّاء في المواضع التي يشير فيها إلى قراءة، لا يكتفي بالضبط بل يُتبع ذلك بعبارات مثل «بالنصب»، «بالرفع»، «بالفتح» و… ثانيًا، على فرض أن الفرّاء شخصيًا ضبط «سواءً» في بداية عبارته خلافًا لقراءة سائر القراء، فهذا في النهاية يعني تجويز هذه القراءة من جانب الفرّاء أو اختياره لها، ولا يدل على شيوعها بين الناس، كما أنه أجاز أو حسن مرارًا قراءة مغايرة لقراءة القراء، وصرح بنفسه أنه لم يقرأ أحد الآية بتلك الطريقة (الفرّاء، معاني القرآن، 1980: 2/ 32 و 159؛ 3/ 83، 168 و 239).

5-5. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالَمِينَ﴾ في الآية 22 من سورة الروم

في هذه الآية، قرأ حفص عن عاصم «للعالِمين» بكسر اللام، ولكن سائر القراء قرؤوها بفتح اللام (ابن مجاهد، السبعة، 1400: 506-507). يكتب الفرّاء تحت هذه الآية: «وقوله ﴿لَآيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ﴾ يريد العالم من الجن والإنس ومن قرأها ﴿للعالَمين﴾ فهو وجه جيد؛ لأنه قد قال ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ و﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾» (الفرّاء، معاني القرآن، 1980: 2/ 323).

اعتبر البعض هذه العبارة للفرّاء دليلاً على شهرة قراءة حفص، وكتبوا: «بالنظر إلى أن الفرّاء تلميذ الكسائي، ويذكر هنا القراءة غير المشهورة، فإنه يشير إلى أفضلية القراءة المشهورة… والقراءة التي اختارها الفرّاء هي نفسها قراءة العامة ومطابقة للقراءة المعاصرة؛ لأنه استخدم إحدى العبارات التي يستعملها عند اختيار قراءة، وهي فهو وجه جيد» (حسيني وإيرواني، مطالعات قرآن وحديث، 1394: 172).

يجب القول إن الفرّاء في هذه العبارة لم يصف قراءة «العالِمين» بأنها القراءة الأفضل ولم يرجحها على القراءة الأخرى، بل وصفها بأنها قراءة صحيحة وحسنة (وجه جيد). بالإضافة إلى ذلك، فإن اختيار أو ترجيح قراءة من قبل الفرّاء لا يعني شهرتها بين الناس. والقول بأن الفرّاء يستخدم تعبير «هو وجه جيد» لاختيار القراءة هو تقرير غير دقيق؛ لأن ملاحظة سائر مواضع استخدام الفرّاء لتعبير «هو وجه جيد» تظهر أن هذا التعبير يعني فقط تأييد صحة قراءة إلى جانب قراءات أخرى؛ فكما أنه في مذهب أهل السنة، تُعتبر قراءات متعددة جائزة، فإن الفرّاء أحيانًا، مع أنه يعبر عن قراءة بـ«وجه جيد»، يصف قراءة أخرى بأنها القراءة الأحب إليه (الفرّاء، معاني القرآن، 1980: 1/ 200). وأحيانًا يستخدم هذا التعبير لقراءة شاذة تخالف قراءة جميع القراء (الفرّاء، معاني القرآن، 1980: 2/ 215، 247 و 299)، وحتى أحيانًا لقراءة لم يقرأ بها أحد (نفس المصدر، 2/ 373). كما أنه في بعض المواضع، استخدم هذا التعبير مقابل القراءة الحالية، أي قراءة حفص عن عاصم (نفس المصدر، 2/ 99 و 171). لذا، فإن هذا التعبير لا يعني شهرة قراءة ولا اختيارها، بل هو مجرد تأييد لصحة قراءة إلى جانب قراءات أخرى، وهو ما يستند إلى الفكر السني (أي صحة عدة قراءات).

5-6. ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ في الآية 53 من سورة الزخرف

قراءة أكثر القراء في هذه الآية هي «أساورة»، بينما في قراءة حفص هي «أسورة». وقد اعتبر البعض قراءة حفص قراءة انفراديّة له (حسيني وإيرواني، مطالعات قرآن وحديث، 1394: 172)، بينما نسب الفرّاء نفسه قراءة «أسورة» إلى الحسن البصري أيضًا (الفرّاء، معاني القرآن، 1980: 3/ 35)، وقراءة يعقوب وسهل كانت كذلك أيضًا (الطبرسي، مجمع البيان، 1426: 9/ 77)؛ لذا، لا ينبغي طرح قراءة «أسورة» على أنها قراءة حفص الانفراديّة.

على أي حال، يقول الفرّاء تحت هذه الآية: «وقوله: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسَاوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ يريد: فهلا ألقي عليه أساورة من ذهب، قرأها يحيى بن وثاب ﴿أَسَاوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ وأهل المدينة، وذكر عن الحسن ﴿أَسْوِرَةٌ﴾، وكل صواب» (الفرّاء، معاني القرآن، 1980: 3/ 35).

كما هو واضح، فإن عبارة «وأهل المدينة» معطوفة على يحيى بن وثاب، وقد عرّف الفرّاء قراءة أهل المدينة ويحيى بأنها «أساورة»، ولكن البعض ترجم هذه العبارة بشكل غير دقيق وفهم قراءة أهل المدينة على أنها «أسورة»، ثم استنادًا إلى أن هذه القراءة هي قراءة حفص الخاصة عن عاصم، ادعوا شيوعها في المدينة، وبتذكيرهم بكون عاصم كوفيًا، اعتبروا القراءة الشائعة في الكوفة هي نفسها (حسيني وإيرواني، مطالعات قرآن وحديث، 1394: 172-173).

مع ذلك، بالإضافة إلى خطئهم الفادح في تحديد المعطوف عليه في عبارة «وأهل المدينة»، وكذلك خطئهم في وصف هذه القراءة بأنها انفراديّة لحفص، لا يمكن أن يكون كون عاصم كوفيًا دليلاً على شيوع قراءة حفص في تلك المدينة؛ لأن قراءة عاصم لها راوٍ آخر هو أبو بكر بن عياش (شعبة)، الذي كان أهل الكوفة يفضلونه على حفص في أخذ قراءة عاصم (ابن مجاهد، السبعة، 1400: 71)، وهو في هذه الآية قرأ «أساورة»؛ لذا، بناءً على عبارة الفرّاء هذه، فإن قراءة «أسورة» كما قرأها حفص لم تكن شائعة لا في المدينة ولا في الكوفة.

5-7. ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ في الآية 16 من سورة المعارج

في هذه الآية، قرأ حفص وحده «نزاعةً» بالنصب، وقرأها سائر القراء «نزاعةٌ» بالرفع (ابن مجاهد، السبعة، 1400: 650-651). ذكر الفرّاء تحت هذه الآية، دون أي إشارة إلى قراءة النصب، وجهين لقراءة الرفع قائلاً: «وقوله: ﴿نَزَّاعَةٌ لِّلشَّوَى…﴾ مرفوع على قولك: إنها لظى، إنها نزاعة للشوى، وإن شئت جعلت الهاء عمادًا، فرفعت لظى بنزاعة، ونزاعة بلظى» (الفرّاء، معاني القرآن، 1980: 3/ 185).

على الرغم من تجاهل الفرّاء لقراءة النصب، من العجيب أن البعض، بالإشارة إلى هذه العبارة للفرّاء، ادعوا أن قراءة «نزاعةً» بالنصب مطابقة للقراءة المشهورة وحفص، وأن الآخرين قرؤوا «نزاعةٌ» (حسيني وإيرواني، مطالعات قرآن وحديث، 1394: 174).

في المجمل، مما سبق، يمكن استنتاج أن أيًا من هذه العبارات للفرّاء لا تدل على شيوع قراءة حفص، بل إن عبارته في مواضع متعددة تنقض هذا الادعاء صراحة.

6. علاقة تعبير قراءة العامة بسائر القراءات

تظهر الدراسة الكاملة لكتاب الفرّاء أن هذا النوع من التعابير لا يمكن تطبيقه بشكل كلي على أي من القراءات؛ لأن هذا النوع من التعابير، بالإضافة إلى عدم تطابقه مع رواية حفص عن عاصم، يتعارض في مواضع متعددة مع قراءة سائر القراء، ويمكن ذكر المواضع التالية كأمثلة لكل قارئ: مخالفة رواية شعبة عن عاصم (الفرّاء، معاني القرآن، 1980: 1/ 283؛ 2/ 253، 258، 382 و…)؛ مخالفة قراءة ابن عامر (نفس المصدر، 1/ 460؛ 3/ 353؛ 141، 261 و…)؛ مخالفة قراءة ابن كثير (نفس المصدر، 1/ 462 و 283؛ 2/ 251، 360 و…)؛ مخالفة قراءة أبي عمرو البصري (نفس المصدر، 1/ 283؛ 2/ 410 و 251؛ 3/ 105 و…)؛ مخالفة قراءة حمزة (نفس المصدر، 1/ 174؛ 2/ 12، 382، 419 و…)؛ مخالفة قراءة نافع (نفس المصدر، 2/ 251؛ 3/ 14، 25 و 141)؛ مخالفة قراءة الكسائي (نفس المصدر، 1/ 283، 174 و 462؛ 2/ 12 و…)؛ مخالفة قراءة يعقوب (نفس المصدر، 1/ 462؛ 2/ 313، 410، 289 و…)؛ مخالفة قراءة أبي جعفر المدني (نفس المصدر، 1/ 382 و 460؛ 2/ 30؛ 3/ 141 و…)؛ مخالفة قراءة خلف (نفس المصدر، 2/ 318، 382، 410، 419 و…).

7. المقصود من تعبير «قراءة العامة» في كتاب الفرّاء

ادعى البعض أن تعبير «قراءة العامة» في جميع مواضع استعماله في كتاب الفرّاء، يتطابق مع قراءة المسلمين الحالية (حسيني وإيرواني، مطالعات قرآن وحديث، 1394: 176). كما أنهم بأخطاء فادحة في نقل وفهم عبارة الفرّاء، خاصة في الآية 25 من سورة الحج والآية 82 من سورة القصص (التي ذُكرت بالتفصيل)، شككوا في نسبة القراءة الحالية إلى حفص ليتمكنوا من طرح القراءة الحالية على أنها قراءة شائعة من صدر الإسلام تُعرف بـ«قراءة العامة» (انظر: حسيني وإيرواني، مطالعات قرآن وحديث، 1394: 170-171)، غافلين عن أنه سواء اعتبرنا القراءة الحالية مطابقة لقراءة حفص أم لا، فإن القراءة الحالية في مواضع متعددة ذُكرت تتعارض مع القراءة التي سماها الفرّاء «قراءة العامة». بالطبع، لا شك في نسبة القراءة الحالية إلى حفص، وإنكار هذا الأمر لا يستند إلا إلى أخطاء فادحة في نقل والاستناد إلى عبارات الفرّاء.

نظرًا لأنه من ناحية، لا ينطبق أي من هذه التعابير للفرّاء بشكل حصري على قراءة حفص والقراءة الحالية، ومن ناحية أخرى، تتعارض مع هذه القراءة في مواضع متعددة وكثيرة، فإن ادعاء شيوع هذه القراءة في القرن الأول والثاني هو قول غير صحيح ومخالف للواقع.

من ناحية أخرى، فإن الملاحظة الكاملة لمواضع استعمال تعبير «قراءة العامة» والتعابير المشابهة له تظهر حقيقة أن المقصود من هذا النوع من التعابير هو الإشارة إلى قراءة أكثرية القراء المشهورين (سواء كانوا السبعة المختارين من قبل ابن مجاهد أو قراء آخرين)؛ لأنه في معظم الحالات، ورد هذا النوع من التعابير مقابل قراءات شاذة مثل القراءة المنسوبة إلى ابن مسعود، عمر، زيد بن ثابت، أو قراءة قراء غير مشهورين مثل يحيى، الحسن البصري، الأعمش و…، بينما قرأ جميع القراء المشهورين خلافًا لهذه القراءات الشاذة وبصورة واحدة (الفرّاء، معاني القرآن، 1980: 1/ 116، 190، 353، 469؛ 2/ 36، 46، 72، 155، 214، 373، 374، 406، 407، 419؛ 3/ 53، 71، 141، 145، 176، 186، 204، 270، 290 و…).

بالطبع، في حالات جديرة بالاهتمام، كما أُشير في المبحث السادس، استُخدم هذا النوع من التعابير مقابل قراءة كل من القراء المشهورين أيضًا، ولكن حتى في هذه الحالات، تكون قراءة سائر القراء، الذين يشكلون الأغلبية، موافقة للقراءة التي سُميت «قراءة العامة». بناءً على ذلك، فإن هذا النوع من تعابير الفرّاء لا يدل على وجود قراءة عامة موحدة بين الناس، بل يشير فقط إلى اتفاق نظر أكثر القراء في بعض الآيات.

الخاتمة

بناءً على ما ذُكر، يمكن استنتاج أن الاعتماد فقط على قراءة حفص في استنباط الأحكام الفقهية وتفسير آيات القرآن ليس صحيحًا، بل من الضروري إلى جانب هذه القراءة، الاهتمام ودراسة سائر قراءات القراء. بالطبع، ضرورة هذا الأمر ترجع إلى دقة مسألة استنباط الأحكام الفقهية وتفسير كلام الله تعالى، الذي يعكس قيمة ومكانة القرآن الكريم؛ على الرغم من أن مسألة اختلاف القراءة ليست بالحدة التي تؤثر تأثيرًا كبيرًا في معاني ومقاصد القرآن الكريم وتخل بنص القرآن.

1. بما أن مسألة اختلاف القراءة لا تُطرح إلا في حوالي 2.5% من كلمات القرآن، ومعظم آيات القرآن الكريم خالية من اختلاف القراءة، فإن القراءات المختلفة لا تحدث تأثيرًا مهمًا في معاني ومقاصد القرآن الكريم، ولكن في عدد لافت من الآيات، تكون لمسألة القراءة تأثير في استنباط الحكم الفقهي أو تفسير الآية.

2. اعتمد الفرّاء في نقل قراءة عاصم على رواية أبي بكر بن عياش (شعبة) فقط، وذكر اسمه مرارًا عند نقل قراءة عاصم، ولم ينقل القراءة عن عاصم بواسطة حفص أبدًا، ولم يذكر اسمه في كتابه قط، بل في مواضع متعددة تختلف فيها رواية حفص عن رواية أبي بكر بن عياش، يطرح رواية أبي بكر بن عياش على أنها قراءة عاصم دون الإشارة إلى رواية حفص.

3. تظهر الدراسة الدقيقة لكتاب الفرّاء أنه استخدم تعبير «قراءة العامة» والتعابير المشابهة له في آيات متعددة لا تتوافق مع قراءة حفص والقراءة الحالية؛ مثل آيات ﴿بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ﴾ (الصافات/6)، ﴿لَخُسِفَ بِنَا﴾ (القصص/82)، ﴿أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ (النساء/94)، ﴿فَعُمِيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ (هود/28)، ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ (النمل/22)، ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ (المجادلة/11)، ﴿وَلَيُبْدِلَنَّهُمْ﴾ (النور/55)، ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ (الصافات/8)، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَسْرَارَهُمْ﴾ (محمد/26)، ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا﴾ (الأنعام/63)، ﴿لَا مَقَامَ لَكُمْ﴾ (الأحزاب/13)، ﴿لَعْنًا كَثِيرًا﴾ (الأحزاب/68)، ﴿فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ (سبأ/15)، ﴿هَلْ يُجَازَى﴾ (سبأ/17)، و﴿يَعْلَمُ مَا يَفْعَلُونَ﴾ (الشورى/25).

4. اعتبر بعض الكتاب اختيار الفرّاء لقراءة حفص الانفراديّة في بضع حالات دليلاً على شهرة قراءة حفص بين الناس، بينما لا يوجد مثل هذا التلازم، بل إن معظم هذه الحالات قد طُرحت خطأً على أنها قراءة حفص الانفراديّة؛ لأن قراءة عدد من القراء المتقدمين على حفص كانت بنفس الشكل. بالإضافة إلى ذلك، في كثير من هذه الحالات، نُقلت عبارة الفرّاء أو تُرجمت بشكل غير دقيق.

5. طرح بعض المعاصرين، من خلال طرح تخمينات غير صائبة، الشك في نسبة القراءة الحالية إلى حفص ليتمكنوا من طرح القراءة الحالية على أنها قراءة شائعة من صدر الإسلام يُفترض أنها «قراءة العامة»، بينما يجب الانتباه إلى أنه سواء اعتبرنا القراءة الحالية مطابقة لقراءة حفص أم لا، فإن القراءة الحالية في مواضع متعددة تتعارض مع القراءة التي سماها الفرّاء «قراءة العامة».

6. تظهر الدراسة الكاملة لكتاب الفرّاء أن هذا النوع من التعابير لا يمكن تطبيقه بشكل كلي على أي من القراءات؛ لأنه بالإضافة إلى عدم تطابق هذا النوع من التعابير مع رواية حفص عن عاصم، فإنه يتعارض في مواضع متعددة مع قراءة سائر القراء. من ناحية أخرى، تظهر الملاحظة الكاملة لمواضع استعمال تعبير «قراءة العامة» والتعابير المشابهة له في كتاب الفرّاء حقيقة أن المقصود من هذا النوع من التعابير هو الإشارة إلى قراءة أكثر القراء (سواء كانوا القراء السبعة أو قراء آخرين)؛ لأنه في الغالبية العظمى من هذه الحالات، سمى الفرّاء قراءة بأنها «قراءة العامة» قرأ بها أكثر القراء المشهورين أو جميعهم بنفس الشكل. بناءً على ذلك، فإن هذا النوع من تعابير الفرّاء لا يدل على وجود قراءة عامة موحدة بين الناس، بل يشير فقط إلى اتفاق نظر أكثر القراء في بعض الآيات.

7. كما عرّف الشيخ الطوسي والمرحوم الطبرسي اختيار واهتمام صرف بقراءة واحدة بأنه أمر غير محمود من وجهة نظر العلماء، فإنه في عصرنا الحالي أيضًا لا يليق، بتصور شيوع القراءة الحالية عبر التاريخ، تجاهل سائر القراءات، والغفلة عنها في تفسير القرآن أو استنباط الأحكام الفقهية، بل من الضروري إلى جانب القراءة الحالية، الاهتمام ودراسة سائر قراءات القراء.

المصادر والمراجع

1. ابن مجاهد، أحمد بن موسى، السبعة في القراءات، تحقيق شوقي ضيف، القاهرة: المعارف، چاپ دوم، 1400هـ.

2. ابن الجزري، شمس الدين محمد بن محمد، النشر في القراءات العشر، بيروت: الكتب العلمية، بي تا.

3. ابن خالويه، حسين بن أحمد، الحجة في القراءات السبع، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1421هـ.

4. أبو حيان الأندلسي، محمد بن يوسف، البحر المحيط، بيروت: دار الفكر، 1420هـ.

5. أبو عبيدة، معمر بن مثنى، مجاز القرآن، القاهرة: مكتبة الخانجي، 1381هـ.

6. أبو علي الفارسي، حسن بن عبد الغفار، الحجة للقراء السبعة، دمشق: دار المأمون للتراث، چاپ دوم، 1413هـ.

7. إيزدي، وذوقي، مهدي وأمير، «پي جويي قرائت عامه در كتب تفسيري سده هاي نخست و نقش آن در ترجيح قرائت»، پژوهش هاي زبان شناختي قرآن، ش11، صص 49-68، 1396ش.

8. بخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، بيروت: ابن كثير اليمامة، چاپ سوم، 1407هـ.

9. پارچه باف دولتي و ديگران، كريم، «تحليل و بررسي تقسيم بندي هاي ارائه شده در قرائات قرآن كريم»، پژوهش هاي قرآن و حديث، سال 45، ش2، ص 19-38، 1391ش.

10. حجتي، سيد محمد باقر وحامد شريفي نسب، «ارزيابي سندي روايت حفص از قرائت عاصم»، مطالعات قرائت قرآن، ش8، ص117-142، 1396ش.

11. حسيني، بي بي زينب ومرتضى إيرواني، «بررسي تاريخ قرائة العامة و ارتباط آن با روايت حفص از عاصم»، مطالعات قرآن وحديث، ش16، ص 159-186، 1394ش.

12. دمياطي، أحمد بن محمد، إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر، بيروت: دار الكتب العلمية، 1422هـ.

13. ذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، تحقيق بجاوي، بيروت: المعرفة، 1382هـ.

14. زبيدي، محمد بن الحسن، طبقات النحويين واللغويين، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة: دار المعارف، چاپ دوم، 1984م.

15. شريفي نسب و ديگران، حامد، «ارزيابي ادله ديدگاه رواج تاريخي قرائت عاصم به روايت حفص»، مطالعات قرآن و حديث، ش20، صص 5-37، 1396ش.

16. صدوق، محمد بن علي، عيون أخبار الرضا، تهران: نشر جهان، 1378هـ.ق.

17. طبرسي، فضل بن حسن، مجمع البيان، بيروت: العلوم، 1426هـ.

18. طوسي، محمد بن حسن، التبيان، بيروت: إحياء التراث العربي، بي تا.

19. عسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، تهذيب التهذيب، بيروت: دار الفكر، 1404هـ.

20. عياشي، محمد بن مسعود، تفسير العياشي، تهران: المطبعة العلمية، 1380هـ.

21. فراء، أبو زكرياء يحيى بن زياد، معاني القرآن، بيروت: عالم الكتب، 1403هـ.

22. فراء، أبو زكرياء يحيى بن زياد، معاني القرآن، مصر: الهيئة المصرية، چاپ دوم، 1980م.

23. كليني، محمد بن يعقوب، الكافي، تهران: الكتب الإسلامية، چاپ چهارم، 1407هـ.

24. مسلم، مسلم بن حجاج، صحيح مسلم، بيروت: إحياء التراث العربي، بي تا.

25. معرفت، محمد هادي، التفسير والمفسرون، مشهد: الجامعة الرضوية للعلوم الإسلامية، 1386ش.

26. معرفت، محمد هادي، علوم قرآني، قم: مؤسسة فرهنگي التمهيد، چاپ چهارم، 1381ش.

27. ناصحيان، علي أصغر، علوم قرآني در مكتب أهل بيت، مشهد: دانشگاه علوم رضوي، چاپ سوم، 1393ش.

الهوامش

[1] هذا البحث ليس في مقام نقد مقالة «تتبع تحليل تعبير قراءة العامة والتعابير المشابهة له في تفسير الفراء»؛ لأن أدلة المقالة المذكورة مبنية على كتاب أبي عبيدة، وهذا الكتاب خارج عن موضوع البحث الحالي. ولكن يجب القول إن بعض ادعاءاتهم مثل وجود قراءة متميزة عن قراءة القراء لعامة الناس في القرون الهجرية الأولى، لا تملك أي مستند صحيح وموثوق.

[2] تجدر الإشارة إلى أن هذه النسخة البرمجية تحتوي على أخطاء متعددة في ضبط نص الكتاب، وبسبب استخدام هذه النسخة البرمجية والاعتماد على ضبطها في مقالة حسيني وإيرواني، فإن الكثير من المعلومات المستشهد بها خاطئة ومخالفة للواقع.

[3] يقول أبو علي الفارسي عن القراءة بدون تنوين: «من قال: من كلِ زوجين اثنين، كان قوله: «اثنين» مفعول الحمل، والمعنى: احمل من الأزواج إذا كانت اثنين اثنين زوجين، فالزوجان في قوله: «من كل زوجين» يراد بهما الشياع، وليس يراد بذلك الناقص عن الثلاثة» (أبو علي الفارسي، الحجة للقراء السبعة، 1413: 327). وفي الصفحة التالية، يقول عن القراءة بالتنوين: «ومن نون فقال: «من كلٍ زوجين اثنين» فحذف المضاف من «كل»، ونون، فالمعنى: من كل شيء ومن كل زوج زوجين اثنين، فيكون انتصاب «اثنين» على أنه صفة لـ«زوجين»». ويبدو أن منشأ خطأ الكاتبين في الفهم المعكوس لعبارة أبي علي الفارسي هو الضبط غير الدقيق لعبارته في كتاب «مجمع البيان»، حيث ضبطوا «من قال من كل زوجين اثنين» بالتنوين، وهذا غير صحيح قطعًا؛ لأنه أولاً، كون «اثنين» مفعولًا به لا يتوافق مع تنوين «كل»، وثانيًا، في تتمة العبارة، تم بيان معنى قراءة «كل» بالتنوين بشكل مختلف، مما يدل على أن مقصود أبي علي من العبارة السابقة هو «كل» بدون تنوين.

Scroll to Top