الملخص
من الآفات التي أصابت الحديث هو النشر المبتور أو الفهم الخاطئ لروايات أهل البيت (عليهم السلام) حول خصائصهم وفضائلهم، مما يؤدي في بعض الحالات إلى عقائد الغلو. تسعى هذه الدراسة، وفق منهج «تحليل المحتوى»، إلى دراسة سند ودلالة حديث «قولوا فينا ما شئتم…»؛ أي «قولوا فينا (أهل البيت) ما شئتم…»، الذي قد يوحي بالغلو بحسب بعض التأويلات. وعليه، فإن هذا البحث يسعى للإجابة عن التساؤلات التالية: هل ورد هذا الحديث في مصادر الشيعة أو أهل السنة المعتبرة؟ كيف كانت أجواء صدور هذه الرواية وأنواع صيغها المنقولة؟ ما المعلومات التي يقدمها تحليل وثاقة رواة الحديث بناءً على المصادر الرجالية حول جودة أسانيد الحديث؟ ما المقصود بعبارة «كون فضائل الأئمة (عليهم السلام) خارجة عن نطاق التصور» المذكورة في هذه الرواية؟ هل يمكن نسبة كل فضيلة لأهل البيت (عليهم السلام)؟ كيف يمكن تبيين علاقة عبودية الأئمة (عليهم السلام) لله تعالى استناداً إلى هذا الحديث؟ وما هو توجه الرواية المذكورة تجاه ادعاء مقام النبوة للأئمة (عليهم السلام)؟ وفقاً لنتائج هذا البحث، فإن الحديث المذكور في كتاب «الخصال» للشيخ الصدوق يتمتع بسند صحيح ورواته ثقات، كما أن محتواه يهدف إلى نفي أي شكل من أشكال الغلو عن الساحة المقدسة لأهل البيت (عليهم السلام).
1. طرح المسألة
يعد الغلو في شأن الأئمة (عليهم السلام) من الآفات التي لحقت بمسيرة الإسلام المحمدي الأصيل (صلى الله عليه وآله)، والتي تسببت في بعض الحالات في تشويه مذهب التشيع وصورة أهل البيت (عليهم السلام) (راجع: الشهرستاني، 1364ش، 1: 208). وتُعرف هذه الآفة بمؤشرات مثل إشراك الأئمة (عليهم السلام) مع الله في الخلق أو الرزق، وحلول الله في الأئمة (عليهم السلام)، وعلم الأئمة (عليهم السلام) للغيب دون إلهام إلهي، ونبوتهم، وتناسخ أرواحهم، وكفاية معرفتهم عن التكاليف الدينية (المفيد (ب)، 1413هـ، 131؛ المجلسي، 1403هـ، 25: 346؛ مشكور، 1372ش، 77).
يمكن تقسيم الغلو إلى قسمين: «الغلو في الذات» و«الغلو في الصفات». فبناءً على «الغلو في الذات»، يرفع الغلاة ذات الأئمة (عليهم السلام) عن مرتبتها البشرية ويقولون بألوهيتهم أو نبوتهم أو حلول الله فيهم أو تناسخ الأرواح أو تفويض الأمور إليهم (راجع: الأشعري، 1400هـ، 6؛ صفري فروشاني، 1378ش، 34-36). أما المقصود بـ«الغلو في الصفات» فهو نسبة صفة أو فعل إلى شخص ليس هو مصداقاً لهما (الصدر، 1429هـ، 3: 384-385). وفي هذا التوجه، لم يرفع الغلاة ذات الأئمة (عليهم السلام) فوق منزلتها، لكنهم نسبوا إليهم صفات وأفعالاً هي أولاً وبالذات من مختصات الله تعالى. وتجدر الإشارة إلى أنه خلافاً لـ«الغلو في الذات» الذي حكم بكفر القائلين به من قبل بعض علماء الشيعة (الصدوق، 1414هـ، 97-101؛ المفيد، 1413هـ (ب)، 131-136) ونجاستهم (الحلي، 1412هـ، 1: 168؛ الطباطبائي اليزدي، 1417هـ، 1: 145)، لا يوجد إجماع في خصوص «الغلو في الصفات»، بل هناك اختلاف في وجهات النظر؛ ذلك أن رؤى الأفراد ومعاييرهم (ذات التوجه الكلامي والعقدي) في تشخيص مدى بطلان وكفر الغلو في الفضائل والصفات متفاوتة (الصدر، 1429هـ، 3: 384-385).
إن أهل البيت (عليهم السلام)، بصفتهم خلفاء رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله) الحقيقيين، يتمتعون بخصائص إنسانية سامية، وقد أظهروا بـإذن الله كرامات لهداية الناس (راجع: ابن حمزة الطوسي، 1419هـ، 555). إلا أن عوامل كالمحبة المفرطة (الثقفي، 1395هـ، 2: 588)، والتأثر بالثقافات الأخرى (ابن أبي الحديد، 1404هـ، 7: 51)، والكسب المادي (الفيض الكاشاني، 1371هـ، 138)، ومكائد الأعداء (الصدوق، 1378هـ، 1: 304) أدت إلى غلو فئة من الناس في حق الأئمة (عليهم السلام). ورغم اهتمام الأئمة (عليهم السلام) بمواجهة عقائد الغلاة (راجع: الكشي، 1409هـ، 483) وتأكيد جماعة من علماء الشيعة على بطلان عقائد الغلاة والبراءة منهم (للمثال راجع: الصدوق، 1414هـ، 97)، فإن بعض المستشرقين أو الوهابيين بنظرة غير منصفة، يصنفون جميع الشيعة في زمرة الغلاة، ويستندون إلى ذلك لإبطال مذهب التشيع وتكذيب الكثير من رواياته (للمثال راجع: السجيمي، 1420هـ، 393-405). بينما لا يكون المرء مسلماً ما لم يشهد بالتوحيد والنبوة والمعاد ويصدق بكل ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله)، ومن ثم فإن البحث حول كونه شيعياً أم سنياً لا معنى له (السبحاني، 1410هـ، 7: 11).
إن تيار الغلو له في عصرنا الحاضر أنصار ظاهرون (مشكور، 1372ش، 78-84) ومستترون، يسعون من خلال نقل تعاليم موهمة إلى الدعاية ضد مذهب الشيعة والترويج لقبول تيار الغلو بشكل عام، وهذه النقطة تضاعف من أهمية الاهتمام برفع ودفع الذرائع المحتملة لهذا التيار. من هنا، تبرز أهمية وتكرار بعض الشبهات العقدية في قوالب جديدة – ومنها الفضاء الافتراضي – وضرورة إجراء دراسات شاملة ومنهجية مكملة للبحوث السابقة. ومن المضامين الحديثية التي انتشرت بشكل مبتور وبتفسير غير صحيح في الفضاء الافتراضي، وأثارت الشكوك حتى في أذهان بعض المفكرين، ومهدت لنسبة صفات الغلاة إلى أهل البيت (عليهم السلام)، هي الأحاديث التي تحمل مضمون «قولوا فينا ما شئتم…»؛ أي «قولوا ما شئتم فينا [الأئمة (ع)]…» المنقولة عن عدد من الأئمة (عليهم السلام). وقد اعتبر بعض الباحثين هذه الطائفة من الأحاديث موضوعة من قبل الغلاة لترويج وتبرير عقائدهم (مدرسي الطباطبائي، 1387ش، 81-82).
وقد أشير إلى هذا الحديث في كتب مثل «غاليان» (الغلاة) من تأليف نعمت الله صفري فروشاني و«معيارهاي شناخت احاديث ساختگي» (معايير تمييز الأحاديث الموضوعة) من تأليف قاسم بستاني، وبعض المقالات مثل: «پژوهشي پيرامون پديده غلو و جريان غالي گري در شيعه» (دراسة حول ظاهرة الغلو وتيار الغلو في التشيع) (رضوي، 1385ش، 41-66)، و«جريان شناسي غلو» (تيارات الغلو) (صفري فروشاني، 1375ش، 108-126)، و«غلو و اهل غلو در فرهنگ شيعي» (الغلو وأهل الغلو في الثقافة الشيعية) (بستاني، 1384ش، 35-68)، كما تمت دراسته في مقالة بعنوان «خدا يا ناخدا؛ نگاهي به احاديث نزلونا عن الربوبيه» (إله أم لا إله؛ نظرة في أحاديث نزلونا عن الربوبية) (عليزاده نجار، 1392ش، 80-39). إلا أن رؤية البحث الحالي، في حدود استطاعة الباحث، شاملة قدر الإمكان، وقد بُذلت الجهود لتناول جميع الصيغ المختلفة لمضمون الحديث مورد البحث في جميع المصادر المعتبرة لدى الشيعة وأهل السنة، مع مراعاة الاختلافات السندية والمتنية. كما استُخدم المنهج الحديث لـ«تحليل المحتوى» لفهم وتحليل صيغ متن الحديث بشكل منهجي، وقُدمت دلالات مستنبطة ومصنفة. وخلافاً لبعض الأعمال السابقة، فإن منهجية كتابة هذا البحث منهجية تماماً، وقد تم تجنب نقل المواضيع غير المرتبطة بالموضوع الرئيسي، والتي أدت أحياناً إلى تضخيم حجم المقالات السابقة إلى 43 صفحة.
2. الدراسة السندية والدلالية لحديث «قولوا فينا ما شئتم…»
يشير تتبع الباحث إلى أن حديث «قولوا فينا ما شئتم…» لم يُروَ في مصادر أهل السنة، لكنه ورد في المصادر الشيعية بعبارات مختلفة في كتب التفسير والحديث والفقه والمناقب والكلام والأخلاق؛ على سبيل المثال: «حَدَّثَنَا أَبِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ الْيَقْطِينِيُّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ يَحْيَى عَنْ جَدِّهِ الْحَسَنِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ وَ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ آبَائِهِ (ع) …. قُولُوا إِنَّا عَبِيدٌ مَرْبُوبُونَ وَقُولُوا فِي فَضْلِنَا مَا شِئْتُم» (الصدوق، 1362ش، 2: 611؛ الحر العاملي، 1425هـ، 5: 382؛ المجلسي، 1403هـ، 10: 92).
وقد ورد هذا الحديث باختلاف طفيف في اللفظ في 13 صيغة أخرى، مثل: «فَلا تجعلونَا أَرْباباً وَقُولُوا فِي فَضْلِنَا مَا شِئْتُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَبْلُغُونَ كُنْهَ مَا فِينَا» (العلوي، 1428هـ، 69)، و«قُولُوا إِنَّا مَرْبُوبُونَ وَ اعْتَقِدُوا فِي فَضْلِنَا مَا شِئْتُمْ» (الليثي الواسطي، 1376ش، 101)، و«قُولُوا إِنَّا عِبَادٌ مَرْبُوبُونَ وَقُولُوا فِي فَضْلِنَا مَا شِئْتُمْ» (ابن شعبة الحراني، 1404هـ، 104) و«اجْعَلُونَا عَبِيداً مَخْلُوقِينَ وَقُولُوا فِينَا مَا شِئْتُمْ إِلَّا النُّبُوَّةَ» (الراوندي، 1409هـ، 2: 735).
إن دراسة الصيغ المختلفة لنقل مضمون الحديث تشير إلى أن الرواة والمؤلفين قد اعتمدوا على النقل بالمعنى في بيان الحديث. والنقل بالمعنى موجود منذ زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) (الخطيب البغدادي، 1409هـ، 307-308) وله مؤيدون ومعارضون (الرامهرمزي، 1404هـ، 533-540). إن الأدلة القرآنية والروائية والتاريخية والعقلية للمؤيدين أكثر رسوخاً، وبالنظر إلى أن الروايات المتبقية عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) قد تعرضت للنقل بالمعنى بدرجات متفاوتة، فإن جواز النقل بالمعنى عملياً له الأرجحية (راجع: معارف، 1385ش، 16). ويؤكد علماء الشيعة (الصدر، د.ت، 448) وأهل السنة (القاسمي، 1399هـ، 228) على جوازه بشروط خاصة؛ وبناءً على ذلك، فإن النقل بالمعنى لا يخل بصحة الحديث مورد البحث.
1-2. الدراسة السندية للحديث
لدراسة سند ودلالة حديث «قولوا فينا ما شئتم…» من المناسب عرض المطالب في ثلاثة أقسام: «أجواء صدور الحديث»، «دراسة أسانيد الحديث»، و«دراسة متن الحديث».
1-1-2. أجواء صدور الحديث
طُرح حديث «قولوا فينا ما شئتم…» في ثلاثة أجواء صدور بارزة:
- في جلسة، علّم الإمام علي (عليه السلام) أصحابه أربعمئة نقطة، من بينها هذا المضمون الحديثي (الصدوق، 1362ش، 2: 614). وقد ورد هذا التنبيه أيضاً في مواجهة الإمام (عليه السلام) لاثنين من أصحابه (العلوي، 1428هـ، 69).
- في مواجهة الإمام الصادق (عليه السلام) مع إسماعيل بن عبد العزيز، حيث ردّ الإمام (عليه السلام) على آراء إسماعيل الغالية (الراوندي، 1409هـ، 2: 735). وقد ورد هذا التنبيه أيضاً في تعامل الإمام مع عدد آخر من أصحابه (الإربلي، 1381هـ، 2: 197).
- في جلسة دافع فيها الإمام الرضا (عليه السلام) عن مقام أهل البيت (عليهم السلام)، وضمن تأصيله لأسباب الميول الغالية لدى الأفراد، نفى نسبة أي توجه غالٍ لأهل البيت (عليهم السلام)، حيث كان الإمام العسكري (عليه السلام) راوي هذا الحديث عن الإمام الرضا (عليه السلام) (الطبرسي، 1403هـ، 2: 438).
2-1-2. الوضع الرجالي لأسانيد الحديث
باتباع المنهج الشائع في دراسة الأسانيد، يتم أولاً حصر وتصنيف جميع أسانيد الأحاديث المذكورة، ثم بالرجوع إلى كتب الرجال والحديث المتقدمة وتحديد الوضع الرجالي لكل راوٍ على حدة، يتم تقديم تحليل نهائي حول جودة سند الحديث. وقد نُقلت أسانيد الحديث مورد البحث بست صور:
- بدون سند ومرسل (كمثال: العسكري (ع)، 1409هـ، 50).
- براوٍ واحد: «مُحَمَّد بن صَدقة» (العلوي، 1428هـ، 69)، «إِسْمَاعِيل بنِ عَبْدِ الْعَزيز» (الراوندي، 1409هـ، 2: 735).
- براويين: «عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَشِيرِ الْخَزَّازِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ» (الصفار، 1404هـ، 1: 236).
- بثلاثة رواة: «أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ بُرْدَةَ» (نفسه).
- بأربعة رواة: «عن الحَسَن بن موسى الخشاب عن إسماعيل بن مهران عن عثمان بن جبلة عن كامل التمار» (الحر العاملي، 1425هـ، 5: 388).
- بسبعة رواة: «حَدَّثَنَا أَبِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ الْيَقْطِينِيُّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ يَحْيَى عَنْ جَدِّهِ الْحَسَنِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ وَ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِم» (الصدوق، 1362ش، 2: 611؛ الحر العاملي، 1425هـ، 5: 382).
يوجد في سلسلة أسانيد الأحاديث التي نُقلت بهذا المحتوى سبعة عشر راوياً، وفيما يلي دراستهم الرجالية مع التركيز على المصادر الرجالية المتقدمة:
جعفر بن بشير: ثقة (الطوسي، 1420هـ، 109؛ الحلي، 1411هـ، 31).
إسماعيل بن مهران: ثقة (الطوسي، 1420هـ، 27؛ النجاشي، 1365ش، 26)؛ وإن كان البعض يرى أن أحاديثه مضطربة لكثرة روايته عن الضعفاء (ابن الغضائري، 1364ش، 38)، إلا أن هذا الادعاء قد نُوقش (ابن داود، 1342ش، 428).
علي بن بابويه: ألفاظ «شيخي ومعتمدي وفقيي» في رسالة الإمام الحسن العسكري (ع) إليه (النوري، 1408هـ، 3: 277) تدل على مكانته الرفيعة لدى الإمام العسكري (ع).
سعد بن عبد الله: ثقة (النجاشي، 1365ش، 176؛ ابن داود، 1342ش، 168).
محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني: ثقة (النجاشي، 1365ش، 333)؛ وإن وصفه البعض بأنه غالٍ (الطوسي، 1420هـ، 401)، يعتقد آخرون أن هذا التضعيف لا يرتبط بشخصيته بل ببعض رواياته المنقطعة (الخوئي، 1410هـ، 17: 117).
قاسم بن يحيى: ثقة. رغم كونه مجهولاً في كتب الرجال، إلا أن رواية «أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري» عنه – وهو المعروف بالدقة الشديدة في نقل الأحاديث وطرد بعض الرواة من قم بتهمة الرواية عن الضعفاء (ابن الغضائري، 1364ش، 39) والغلو (النجاشي، 1365ش، 185) – وكذلك وجود اسمه في سند زيارة قبر الإمام الحسين (ع) التي اعتبرها الصدوق أصح الأسانيد (الصدوق، 1413هـ، 2: 598)، يمكن أن يدل على وثاقته.
حسن بن راشد: ثقة. شخصيته الرجالية مجهولة، ولكن يمكن اعتبار أحاديثه معتبرة نظراً لكثرة رواية «ابن أبي عمير» عنه – الذي لا يروي إلا عن الثقات (الطوسي، 1417هـ، 1: 154) – وكذلك وجود اسمه في سند زيارة قبر الإمام الحسين (ع) التي اعتبرها الصدوق أصح الأسانيد (الصدوق، 1413هـ، 2: 598).
محمد بن مسلم: ثقة (النجاشي، 1365ش، 324؛ الحلي، 1411هـ، 149)؛ وقد وصفه الإمام الصادق (ع) بأنه من أمناء الله على الحلال والحرام والقائمين بآثار النبوة (الحر العاملي، 1425هـ، 27: 142).
أبو بصير: ثقة. هو أحد رجلين من أصحاب الإمام الباقر والصادق (ع) باسمي «عبد الله بن محمد الأسدي» و«ليث بن بختري المرادي». الأول يُذكر بألقاب مثل «ثقة ثقة» و«ثبت» (النجاشي، 1365ش، 226)، والثاني، رغم وجود طعن في دينه (ابن الغضائري، 1364ش، 111)، يُعتبر ثقة في نقل الروايات (الحلي، 1411هـ، 237).
حسن بن موسى الخشاب: لم تُصرّح بوثاقته، ولكن أُكّد أنه من أصحاب الأئمة (ع) المعتبرين وله علم وأحاديث كثيرة (النجاشي، 1365ش، 42؛ الحلي، 1411هـ، 42؛ ابن داود، 1342هـ، 119).
محمد بن صدقة: لم تُصرّح بوثاقته. وُصف بأنه غالٍ (الطوسي، 1373ش، 366؛ ابن داود، 1342هـ، 505). ومع أنه ورد في عدد من أسانيد أحاديث كتاب كامل الزيارات (ابن قولويه، 1356ش، 140)، والبعض بناءً على إقرار ابن قولويه في مقدمة كتابه (نفسه، 4) يوثق جميع الأفراد المدرجين في أسانيد الكتاب (الخوئي، 1410هـ، 1: 51)، إلا أن هذا الرأي قابل للنقاش.
أحمد بن محمد: مجهول.
حسين بن بردة: مجهول.
عثمان بن جبلة: مجهول.
حسين بن سعيد: مجهول.
إسماعيل بن عبد العزيز: مجهول. من أصحاب الإمام الصادق (ع) (الطوسي، 1373ش، 123؛ البرقي، 1342ش، 28) وله ميول غالية (الراوندي، 1409هـ، 2: 735).
كامل التمار: مجهول. من أصحاب الإمام الباقر (ع) (الكليني، 1407هـ، 1: 391) والإمام الصادق (ع) (نفسه، 1: 297).
تؤدي الدراسة الرجالية للأفراد الموجودين في أسانيد مضمون الحديث المذكور إلى النتائج التالية:
- وجود أفراد غلاة أو مجهولين في بعض الأسانيد أو إرسال بعض الروايات يسبب ضعفاً سندياً لمعظم روايات الحديث. بالطبع، ضعف السند لا يعني قطعية عدم صدور الرواية عن المعصوم، إذ من المحتمل وجود قرائن مثل «موافقة الكتاب والسنة»، و«التمتع بمضمون مستفيض»، و«النقل في كتب معتبرة من الطبقة الأولى من الرواة» مصاحبة للرواية، مما يوفر أسباباً لاعتماد المتقدمين على صدورها عن المعصوم (معروف الحسني، 1398هـ، 310-311).
- الحديث المذكور منقول في المصادر الشيعية منذ القرن الثالث، وذكره في كتب علماء وخبراء مثل الصدوق، والصفار، وابن حمزة الطوسي، والطبرسي، والعلامة المجلسي، يدل على الاعتماد على مضمونه لدى المحدثين الشيعة.
- بالنظر إلى وجود أفراد موثوقين في السند المنقول عن الشيخ الصدوق في كتاب الخصال (الصدوق، 1362ش، 2: 611)، فإن السند المذكور صحيح.
2-2. الدراسة الدلالية لمضمون الحديث
أساس التحليل هو منهج تحليل المحتوى [3]، الذي يسمح بتصنيف محتوى النص وفقًا لقواعد صريحة وواضحة (Weber, 1990, 12). بناءً على هذا المنهج، يتم من خلال تفكيك وتحليل المفاهيم والعبارات المستخرجة من النص، بيان توجه ودور كل منها، والكشف عن الإطار الحاكم عليها. يقوم هذا المنهج على أنه يمكن من خلال تحليل تكرار الكلمات البسيطة، الوصول إلى تعاليم استنتاجية هامة حول القضايا الرئيسية (Stemler, 2001, 431). وبسبب مزاياه مثل الاستناد الدقيق والتحليل الخالص للنص دون أحكام مسبقة، حظي هذا المنهج باهتمام بعض باحثي المعارف الدينية وأوصوا باستخدامه (راجع: جاني پور وشكراني، 1392ش، 27-30). بعد التأمل في أنواع مناهج تحليل المحتوى التي نوقشت في مصادر مختلفة، تم اختيار منهج تحليل المحتوى المضموني [4] – الذي يتجاوز إحصاء العبارات أو الكلمات في النص، ليتناول تحديد الأفكار الصريحة والضمنية في البيانات (Guest & MacQueen, 2012, 3) – لإنجاز هذا البحث. وفيما يلي عينات كيفية وكمية لتحليل محتوى صيغ مضمون الحديث:
جدول تحليل محتوى صيغ متن الحديث:
- العبارة الأصلية: قُولُوا فِي فَضْلِنَا مَا شِئْتُمْ. العبارات المماثلة: قُولُوا مَا شِئْتُمْ / قُولُوا بِنَا مَا شِئْتُمْ / قُولُوا فِينَا مَا شِئْتُمْ / فَقُولُوا بِفَضْلِنَا مَا شِئْتُمْ / اعْتَقِدُوا فِي فَضْلِنَا مَا شِئْتُمْ. المضمون: بيان فضائل الأئمة (ع) التي لا نظير لها.
- العبارة الأصلية: لَا تَتَجَاوَزُوا بِنَا الْعُبُودِيَّةَ. العبارات المماثلة: فَلا تجعلونا أَرْباباً / قُولُوا أَنَا عَبِيدٌ مَرْبُوبُونَ / لَا تُسَمُّونَا أَرْبَاباً / اجعلونا مربوبين / إِلَّا الرُّبُوبِيَّةِ. المضمون: كون الأئمة (ع) مربوبين لله.
- العبارات المماثلة: اجْعَلُونَا مَخْلُوقِينَ / اجْعَلُونَا عَبِيداً مَخْلُوقِينَ. المضمون: كون الأئمة (ع) مخلوقين.
- العبارات المماثلة: جَعَلُونَا عَبِيداً مَرْبُوبِينَ مَرْزُوقِينَ. المضمون: كون الأئمة (ع) مرزوقين.
- العبارة الأصلية: لَا تَبْلُغُونَ كُنْهَ مَا فِينَا. العبارات المماثلة: لَنْ تَبْلُغُوا / لَنْ تَبْلُغُوا مِنْ فَضْلِنَا كُنْهَ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ لَنَا / فَلَنْ تُدْرِكُوه. المضمون: كون فضائل الأئمة (ع) خارج نطاق التصور.
- العبارة الأصلية: إِلَّا النُّبُوَّةَ. المضمون: تمييز مقام الإمامة عن النبوة.
بما أن الحديث ليس له سند يقيني، فقد استعان الكاتب بجميع متن الرواية وأشكال نقلها المختلفة. من خلال التأمل في جدول تحليل المحتوى والمخطط البياني للتكرار، يتضح أنه يجب أن تكون فضائل الأئمة (ع) التي لا نظير لها ظاهرة بارزة في أقوال ومعتقدات المؤمنين، ولكن هذا الأمر يرتبط ارتباطًا مباشرًا بثلاثة مؤشرات: «تحليل مفردة (الفضل) وكون فضائل الأئمة (ع) خارجة عن نطاق التصور»، و«علاقة عبودية الأئمة (ع) تجاه الله»، و«الدقة في التمييز بين الإمامة والنبوة»، والتي سيتم توضيحها لاحقًا. بالطبع، يجب الانتباه إلى وجود روايات كثيرة في نقد الغلو، وأهم نقطة فيها هي موقف الأئمة (ع) من الغلاة؛ وتشمل هذه الروايات أمورًا مثل التوضيح والتحذير من الغلاة (الحميري، 1413هـ، 64) وأتباعهم (الطوسي، 1414هـ، 650)، والتثقيف حول أصل التوحيد (السيد الرضي، 1414هـ، 40)، ومكانة الإمامة (الصدوق، 1378هـ، 1: 219)، وعلم الإمام بالغيب (الكليني، 1407هـ، 1: 261)، وكرامات الإمام (الطبرسي، 1403هـ، 9: 439)، والتفويض (الصفار، 1404هـ، 385)، ولعن الغلاة والتبرؤ منهم (النوري، 1408هـ، 4: 142)، والأمر بقتلهم (الكشي، 1409هـ، 483)، والتي تم الاستفادة من بعض مضامينها في هذا البحث بما يتناسب مع المباحث. ولكن ما يكتسب أهمية أكبر في هذا البحث هو تحليل مضمون الحديث نفسه واستخلاص الفقه الحديثي منه، وهو من ضمن المناهج البحثية في هذا المجال.
1-2-2. تحليل مفردة «الفضل» وكون فضائل الأئمة (ع) خارج نطاق التصور
النقطة الأساسية في تحليل هذه المجموعة من الروايات هي تحليل مفردة «الفضل» الموجودة في بعض صيغ نقل الحديث؛ وجذر هذا الأمر يكمن في المنهجية التي تفرق بين «الغلو في الصفات» و«الغلو في الذات». كلمة «فضل» في الاستخدام اللغوي تأتي في مقابل النقص (ابن منظور، 1414هـ، 11: 524) وبالمعنى المعروف (أي الأمر المحمود) وإحراز درجة أعلى نتيجة فعل الفضل (الإحسان، الخير،…) (الفراهيدي، 1409هـ، 7: 43) والزيادة عما هو لازم ومقرر (المصطفوي، 1368ش، 9: 106) والزيادة عن الحد الأوسط وتجاوز حد الاعتدال في عمل أو شيء يستخدم غالبًا في جوانبه المحمودة (الراغب الأصفهاني، 1412ق، 639). بناءً على المعنى اللغوي لهذه الكلمة، فإن الفضيلة أو الفضائل هي صفة أو صفات بارزة وحسنة تسبب تفوق فرد أو جماعة على الآخرين (الطريحي، 1375هـ، 5: 442).
ما يتأتى من تحليل هذه المجموعة من الروايات وسائر الروايات المرتبطة بأهل البيت (عليهم السلام) هو أنه مع ذكر أي نقطة حول الأئمة (عليهم السلام) مع مراعاة شروط خاصة، لا يمكن الوصول إلى عمق فضائلهم، وهذا الأمر يدل على كون فضائل الأئمة (عليهم السلام) خارج نطاق التصور. السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما سبب وجود هذه الفضائل في الأئمة (عليهم السلام) وكيف تكون النظرة الصحيحة إليها؟ الإجابة على هذا السؤال تُبيَّن في أربع نقاط:
- وفقًا للنظرة التوحيدية، للعالم إله واحد (الأنبياء: 22)، مالك (آل عمران: 26)، ومدبر (يونس: 3)، وله أهداف محددة ودائمة (الطباطبائي، 1417هـ، 15: 73)، وأسمى هدف لخلق الإنسان هو العبودية (الذاريات: 56). تقتضي الحكمة الإلهية أن يتعرف البشر على كيفية تحقيق هذا الهدف والوصول إليه، وهذا الأمر المهم يتحقق من خلال بعثة الأنبياء (محمدي، 1378ش، 348). وقد هدى الله الإنسان من خلال الهداية التكوينية والهداية التشريعية وبعث الأنبياء – التي جرت كسنة إلهية بين جميع البشر (الطباطبائي، 1417هـ، 12: 242) – وإرسال الكتب السماوية – التي اكتمل محتواها مع مرور الزمن وتطور البشر (مكارم الشيرازي، 1374ش، 23: 371).
- بناءً على براهين عقلية متعددة مثل «امتناع التسلسل» (العلم الهدى، 1405هـ، 1: 324)، و«إعراض الناس عن المذنب» (الطوسي، 1414هـ، 98)، و«خلافة النبي (ص)» (الحلي، 1363ش، 202)، و«عدل الله» (الحلبي، 1404هـ، 150)، و«حفظ الشريعة» (العلم الهدى، 1410هـ، 1: 179)، من الضروري أن تستمر مسيرة الهداية بعد النبي محمد (ص) – خاتم الأنبياء (الأحزاب: 40) – على يد شخص معصوم. إذن وجود الإمام ضروري واختياره واجب على الله (الحلي، 1413هـ، 362)، والدليل الذي أوجب بعثة الأنبياء يوجب نصب الإمام بعد النبي (ص) (الخرازي، 1417هـ، 2: 6).
- يجب أن يتمتع الأئمة، لتولي المقام السامي لوساطة الهداية في نظام الوجود، بفضائل وخصائص ومزايا فريدة؛ لذا، فبالإضافة إلى تمتعهم بالولاية التكوينية والتشريعية والقدرة على التصرف في عالم الخلق بإذن الله لإرشاد وإصلاح العالم (السبحاني، 1387ش، 114)، فإنهم، بحسب قول الإمام الرضا (ع) (الصدوق، 1403هـ، 102)، يتمتعون بخصائص فريدة في الجوانب الجسدية؛ مثل الطهارة عند الولادة والرائحة الطيبة، والأخلاقية والسلوكية؛ مثل التفوق في العبادة، الحلم، الورع، الشجاعة، الاهتمام بهداية الناس والالتزام الجاد بأوامر الله ونواهيه، والذاتية والروحانية؛ مثل التفوق في العلم والحكمة، والتمتع بالإلهام الإلهي، والعلم بظاهر وباطن بعض الأمور، واستجابة الدعاء، والتوحيد منذ الولادة، وتوفر الإمكانيات؛ مثل الجفر الجامع والجفرين الكبير والصغير، لهداية الناس بفضل الله نحو العبودية.
- إدراك فضائل الأئمة (عليهم السلام) خارج عن قدرة البشر بسبب جوانبها السامية. وقد أشار أهل البيت (عليهم السلام) إلى أنه لا يمكن مقارنة أحد بالأئمة (عليهم السلام) (الصدوق، 1385ش، 1: 177)، وأكدوا أن الحكماء حائرون والعقلاء عاجزون في وصف شأن من شؤون الإمام وفضيلة من فضائله (الصدوق، 1378هـ، 1: 219). هذا الأمر أدى إلى أن يسلك البعض طريق الإفراط وينسبوا إليهم كل صفة خارقة للعادة (ناشئ أكبر، 1386ش، 66) حتى يرفعوهم إلى مقام الألوهية (الكشي، 1409هـ، 518). في المقابل، سلك البعض الآخر طريق التفريط (راجع: النوبختي، 1404هـ، 89) ولم يقبلوا ببعض الفضائل البارزة للأئمة. يجب في معرفة مقام الأئمة (عليهم السلام) الابتعاد عن الإفراط والتفريط، وأفضل مصدر لمعرفتهم هو روايات أهل البيت (عليهم السلام) المعتبرة في بيان مكانة وصفات الإمام.[5]
2-2-2. علاقة عبودية الأئمة (ع) تجاه الله
يمكن تبيين علاقة عبودية الأئمة (عليهم السلام) تجاه الله في ثلاث نقاط:
- تم التنصيب الرسمي لحضرة علي (عليه السلام) لمقام الإمامة بأمر إلهي (المائدة: 67) على يد النبي (صلى الله عليه وآله) في حجة الوداع، وهي الواقعة المشهورة بغدير خم والتي سجلها رواة متعددون (الأميني، 1397هـ، 73-147). وبذلك، فإن مقام الإمامة السامي مقرر من قبل الله ويكون له معنى في إطار عبودية الله، حيث إن الإمامة منصب إلهي لبيان الشريعة السماوية للناس وهدايتهم في المسارات الآمنة تحت إشراف شخصي من معصوم تجب طاعته (الملا صدرا، 1383ش، 1: 80).
- إذا نُسبت مسائل مثل الخلق والرزق إلى أهل البيت (عليهم السلام) بشكل مستقل، فإنهم يخرجون من دائرة كونهم مخلوقين ويُتصورون كآلهة أخرى، وبطلان هذا الأمر بديهي من الناحية العقلية (خواجگي شيرازي، 1375ش، 86) والنقلية (الصدوق، 1378هـ، 2: 202). ولكن يمكن الاعتقاد بأنهم يمتلكون مثل هذه القدرات بإذن الله وبهدف هداية الناس، حيث يتصرفون في عالم الخلق والتكوين بطلب من الله وبإذنه، ويوجدون أحداثًا خلافًا للعادة ومجرى الطبيعة (مكارم الشيرازي، 1386ش، 293)، وهذه النقطة مؤكدة في بيانات أهل البيت (عليهم السلام) (الطوسي، 1411هـ، 294).
- في متن الحديث، من بين الصفات الإلهية، تم التأكيد بشكل أكبر على صفة «الرب»، وهذا الأمر مفهوم بالتأمل في معناها. كلمة «رب» تعني التربية والإيصال إلى الكمال (الراغب الأصفهاني، 1412هـ، 336) وإصلاح الشيء والاهتمام به (ابن فارس، 1404هـ، 2: 381)، والتي يعتبرها اللغويون، إذا لم تأتِ مع قيد آخر، محصورة بالله (الزمخشري، 1979م، 214). في الاصطلاح الإسلامي، «الرب» اسم لخالق وموجد المخلوقات ومؤسس نظام الحياة ومربيها في مراحل حياتها، حتى يصل كل منها إلى أقصى درجات كماله الوجودي (العسكري، 1378هـ، 1: 150). وبذلك، فإن الربوبية الإلهية تعبر عن الارتباط الدائم لله بالبشر، وخاصة الأئمة (عليهم السلام)، من بداية الخلق حتى بلوغهم الكمال والقرب الإلهي.
3-2-2. الدقة في التمييز بين مقامي الإمامة والنبوة
يمكن تبيين التمييز بين مقامي الإمامة والنبوة في نقطتين:
- بناءً على رأي البعض، استنادًا إلى التعاليم القرآنية (البقرة: 124)؛ تنصيب حضرة إبراهيم (ع) لمقام الإمامة بعد بلوغه مقام النبوة والرسالة، ورواية (الكليني، 1407هـ، 1: 238)؛ فإن مقام الإمامة أسمى من مقام النبوة (الحكيم، 1424هـ، 22). لأن الإمام، بالإضافة إلى الهداية التشريعية، يمتلك هداية تكوينية أيضًا، فبالإضافة إلى إرشاد طريق الهداية كالأنبياء، يقوم بإذن الله بمرافقة الناس وهدايتهم في ذلك المسار حتى يصلوا إلى الكمال المطلوب (الطباطبائي، 1417هـ، 1: 272). بالطبع، بناءً على الآية المذكورة، من البديهي أن بعض الأنبياء (عليهم السلام) بالإضافة إلى مقام النبوة، كانوا يمتلكون مقام الإمامة أيضًا. بعض الأفراد، بالاعتماد على شواهد قرآنية؛ مثل آية المباهلة (آل عمران: 61) وتأكيد النبي (ص) على أن حضرة علي (ع) هو نفس النبي (ص) (المقداد، 1422هـ، 383) ورواية (الصدوق، 1395هـ، 1: 254)، يؤكدون على أفضلية مقام الأئمة (ع) على الأنبياء (ع) غير النبي محمد (ص)، حيث يعتقدون أنه إذا كان أمير المؤمنين (ع) بنص القرآن والأئمة (ع) تبعًا له هو نفس النبي (ص)، فإنه يمتلك جميع فضائل حضرته باستثناء تلقي الوحي، وله الأفضلية على جميع الأنبياء (ع) (المفيد (أ)، 1413هـ، 70).
- يجب الأخذ في الاعتبار أنه مع وجود النقاش حول ترتب مقام الإمامة على النبوة، فإن التمييز بين «الإمامة بالمصطلح الشيعي» و«النبوة» في مسار فهم الحديث يكفي. الإمامة من منظور عموم الشيعة هي رئاسة عامة وشاملة دينية ودنيوية لأفراد معينين نيابة عن النبي (ص) (المحقق الحلي، 1421هـ، 30) وهي منصب إلهي لبيان الشريعة السماوية للناس وهدايتهم في المسارات الآمنة تحت إشراف شخص معصوم تجب طاعته (الملا صدرا، 1383هـ، 1: 80). مقام النبوة يتميز عن مقام الإمامة بسبب ارتباطه المباشر بالله في تلقي الوحي (النساء: 163). لذلك، في إحدى صيغ نقل مضمون الحديث، تم التأكيد على قيد «إِلَّا النُّبُوَّةَ» (الراوندي، 1409هـ، 2: 735)، مما يمكن أن يكون ناظرًا إلى الدقة في التمييز بين مقامي الإمامة والنبوة. لطالما أصر الأئمة (ع) على أنهم، مع امتلاكهم للعلم الإلهي ووجوب طاعتهم، فإن ادعاء النبوة بشأنهم غير صحيح، وعلى هذا الأساس، كانوا ينهون أصحابهم بشدة عن الاعتقاد بنبوتهم (الكشي، 1409هـ، 247).
3. خاتمة واستنتاج
يمكن تلخيص نتائج هذا البحث في فئتين من النقاط:
أ- النقاط المباشرة
حديث «قولوا فينا ما شئتم…»؛ أي «قولوا ما شئتم فينا (أهل البيت)»، هو من الأحاديث التي يمكن أن يوهم تقطيعها أو فهمها الخاطئ بالغلو في ساحة أهل البيت (عليهم السلام). تحليلها السندي والدلالي على أساس منهج تحليل المحتوى يبين ما يلي:
- بناءً على التتبع في مصادر الفريقين، ورد الحديث المذكور بـ 14 صيغة (بألفاظ متغيرة) وفقط في كتب علماء الشيعة (الكتب الحديثية، التفسيرية، الفقهية، الأخلاقية، المناقبية والكلامية).
- رغم أن بعض روايات الحديث المذكور «مرسلة» وفي سند بعض الروايات الأخرى يوجد أفراد «مجهولون» أو «غلاة»، فبسبب وجود أفراد «موثقين» في السند المنقول في كتاب «الخصال»؛ تأليف الشيخ الصدوق، فإن الحديث المذكور له سند صحيح.
- بناءً على تحليل المحتوى، مع أن الاعتقاد بفضائل الأئمة (عليهم السلام) يجب أن يكون من عقائد المؤمنين، يجب الحذر من الإفراط والتفريط في وصف الأئمة (عليهم السلام) بسبب الجوانب السامية لفضائلهم.
- مقام الإمامة العالي لا يجد معناه إلا بعبودية الله ونفي أي استقلال للأئمة (عليهم السلام) عن الذات الإلهية.
- مع الانتباه إلى الفرق بين مقامي الإمامة والنبوة، يجب الامتناع عن أي نسبة لمقام النبوة إلى الأئمة (عليهم السلام) لأنهم لم يدعوا النبوة قط ونهوا أصحابهم عن الاعتقاد بهذا الأمر.
ب- النقاط غير المباشرة
- يجب الحذر من التبسيط والتسامح أمام محاولات مخالفي الإسلام المحمدي الأصيل (ص) في تقطيع واستنتاجات مشبوهة ومنحرفة من كلام أهل البيت (عليهم السلام) بهدف إبعاد الفطرة الإنسانية النقية عن أولئك الرسل الإلهيين واتهام أتباعهم بأمور واهية (خاصة عبر الفضاء الافتراضي وبرامج التواصل الاجتماعي).
- يجب، أكثر من أي وقت مضى، أن تحظى الاستجابات الدقيقة والمنهجية والشاملة والعلمية للشبهات المطروحة في مختلف أبعاد الدين، خاصة في المباحث المتعلقة بـ«الإمامة»، باهتمام المتدينين، وخاصة الباحثين في الشؤون الدينية.
المصادر
القرآن الكريم، ترجمة مكارم الشيرازي، ناصر، قم، دار القرآن الكريم، الطبعة الثانية، 1373ش.
ابن أبي الحديد، عبدالحميد بن هبة الله، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، قم، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 1404هـ.
ابن غضائري، أحمد بن حسين، الرجال، تصحيح: محمدرضا حسيني، قم، دار الحديث، 1364ش.
ابن حمزة الطوسي، محمد بن علي، الثاقب في المناقب، تحقيق: نبيل رضا علوان، قم، أنصاريان، الطبعة الثالثة، 1419هـ.
ابن شعبة الحراني، حسن بن علي، تحف العقول، تحقيق: علي أكبر غفاري، قم، جامعة المدرسين حوزه علميه قم، الطبعة الثانية، 1404هـ.
ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة، تصحيح: عبدالسلام محمد هارون، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، 1404هـ.
ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات، تصحيح: عبدالحسين أميني، نجف أشرف، دار المرتضوية، 1356ش.
ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، به تصحيح جمال الدين ميردامادي، بيروت، دار الفكر، الطبعة الثالثة، 1414هـ.
الهوامش
- أستاذ مساعد بقسم القرآن والحديث، جامعة جيلان (الكاتب المسؤول). m.khani@guilan.ac.ir
- أستاذ بقسم القرآن والحديث، جامعة قم. mt_diari@yahoo.com
- تحليل المحتوى (Content Analysis).
- تحليل المحتوى المضموني (Thematic content analysis).
- يمكن الإشارة إلى حديث الإمامة المعروف الذي رواه الإمام الرضا (ع) (الكليني، 1407هـ، 1: 198) ودعاء الجامعة الكبيرة الذي رواه الإمام الهادي (ع) (الصدوق، 1413هـ، 2: 609) كأشمل الوثائق في معرفة الإمام.