ملخص
إنّ الموضوع الرئيس للمقالة الحاضرة هو دراسة إمكانية تأسيس الأصل العملي في الاستنباط الكلامي، وهو أمر ضروري نظرًا للفراغ البحثي الموجود في هذا المجال. يهدف هذا البحث إلى تحليل إمكانية التمسك بالأصل العملي في عملية فهم واستخراج القضايا الاعتقادية. من أهم إنجازات البحث الإشارة إلى الاحتمالات الثمانية في تفسير وجهة النظر القائلة بعدم إمكانية تأسيس الأصل العملي في الاستنباط الكلامي؛ ومن بين هذه الاحتمالات، تتمتع عدة حالات بقوة أكبر من غيرها. أي أن تفسير عدم إمكانية تأسيس الأصل العملي في الاستنباط الكلامي يرجع إلى إحدى الجهات التالية: اختصاص الأصل العملي بالأفعال الخارجية (لا الفعل النفساني والالتزام القلبي)، لزوم الاعتقاد عن يقين في العقائد (لا على أساس الأصل والتعبد)، التنافي بين إمكان التعليق في العقائد والتعبد بالأصل العملي، والتشابه أو العينية بين الأصول العملية والقواعد الفقهية. إن دراسة جميع الاحتمالات الثمانية تُظهر قصورها، ويمكن الميل إلى وجهة النظر القائلة بإمكانية تأسيس الأصل العملي في الاستنباط الاعتقادي. يمكن صياغة هذه الرؤية بشكل استدلالي بالنظر إلى علم أنساب العقائد وتحليل علاقة الالتزام القلبي بالمعرفة، والوصول إلى نظرية تعميم تأسيس الأصل ووقوع التمسك به في الاستنباط الكلامي. وهو أمر ثبت بالنظر إلى أدلة ومضامين الأصول الأربعة: البراءة، والتخيير، والاحتياط، والاستصحاب، وأقيمت عليه شواهد من آراء علماء الأصول في مبحث حجية الظنون في الاعتقادات والاستصحاب في الأمور الاعتقادية.
مقدمة
تُبحث المسائل المتعلقة بالاستنباط، لا سيما استنباط النصوص الدينية، في علم أصول الفقه. ونظرًا لكثرة استعمال هذا العلم في الاستنباط الفقهي، يسود تصور بأن علم أصول الفقه يقتصر على تعليم منهجية التفكير في الفقه وتهيئة قواعده. في حين أن العديد من مباحثه ذات طابع عام وقابلة للتطبيق في سائر العلوم النقلية، مثل العديد من مباحث الألفاظ أو المستقلات العقلية وغيرها.
يتناول علم الكلام، وفقًا لرسالته، حقل المعتقدات، أي الأصول الخمسة: التوحيد، والعدل، والنبوة، والإمامة، والمعاد. يتكفل علم الكلام باستنباط العقائد والدفاع عنها، ويستعين بمصدرين هما العقل والنقل للوصول إلى هذا الهدف الهام.
إن استخراج المسائل الكلامية، كاستخراج المسائل الفقهية، يجب أن يكون منهجيًا ومنضبطًا، لتيسير تبيينه ونقده. خلافًا للفقهاء، لم يذكر المتكلمون ضوابط محددة لاستنباطهم، وهذا الأمر بحد ذاته يمثل إحدى نقاط الغموض في كيفية الاستنباط وصحة تقييمه في علم الكلام.
من الخطوات والضوابط المؤثرة في الاستنباط، يمكن اعتبار التمسك بالأصل. بطبيعة الحال، في الاستنباط النقلي، إذا وجدت أصول لفظية مثل الإطلاق، والعموم، والحقيقة والمجاز، وغيرها، فإن إمكانية التمسك بها قائمة. ولكن من المسائل المهمة في علم الكلام، البحث في إمكانية التمسك بالأصول العملية في الاستنباط. فما هي المقاربات الموجودة بشأن إمكانية تأسيس الأصل العملي في الاستنباط الكلامي؟ وما مدى اعتبار وقبول كل مقاربة؟
الموضوع الرئيس للمقالة الحاضرة هو الإجابة على هذا السؤال ودراسة إمكانية تأسيس الأصل العملي في الاستنباط الكلامي، وهو أمر ضروري نظرًا للفراغ البحثي في هذا المجال.
يرتبط الموضوع الحاضر من حيث علم الأنساب (التبارشناسی) بعلمي الأصول والكلام. وبعبارة أخرى، هو سريان بحث الأصول العملية من علم الأصول والفقه إلى علم الكلام. بالنظر إلى ما ذُكر من أنساب في المسائل الكلامية، لا يمكن تحديد باب خاص لهذه المسألة وإدراجها تحته؛ بل يجب اعتبارها من المبادئ المنهجية والمسائل الجارية في جميع مباحث علم الكلام.
١. تحديد المفاهيم
الإشارة إلى بعض مفردات الموضوع قد تساهم في زيادة وضوح البحث، وفيما يلي نشير إلى بعض هذه المفاهيم:
١-٢. معنى الاستنباط
الاستنباط من مادة ‘نبط’. يُقال ‘نبط الماء’ بمعنى خروج الماء. إذا حُفر بئر وخرج الماء من قعره، يُقال لهذه الحالة ‘نبط الماء’. (الفراهيدي، ١٣٨٣ش، ج٧، ص ٤٣٩؛ ابن منظور، ١٤١٤ق، ج٧، ص ٤١٠). في هذا المعنى، تجدر الإشارة إلى عدة نقاط: أولاً، ظهور الماء وخروجه ليس تلقائيًا بل يحدث بفعل فاعل. ثانيًا، الماء ليس في الطبقات السطحية للأرض بل يُستخرج من قعر البئر. وثالثًا، معنى الخفاء مُشرَب في هذا المصطلح.
يُطلق الاستنباط أحيانًا على مطلق الاستخراج. (ابن منظور، ١٤١٤ق، ج٧، ص ٤١٠). وعندما يُنسب إلى الفقيه، يعني أن الفقيه يستخرج المسائل غير الظاهرة والباطنة باجتهاده وفهمه. (ابن منظور، ١٤١٤ق، ج٧، ص ٤١٠).
في الاصطلاح، يُطلق الاستنباط على العمليات الفكرية التي يستخدمها الفقيه لاستخراج وكشف الأحكام الشرعية من مصادرها ومنابعها. (الحكيم، ١٤٢١ق، ص ١٠٢).
وأحيانًا يُشار إلى بعض قيود الاستنباط، ليتضح أن الاستنباط يتطلب استخدام كامل القدرة العلمية لاستخراج وفهم الحكم الشرعي. لذا، قيل في تعريف الاستنباط: عمليات الاستنباط تعني السعي واستخدام كامل القدرة لاستخراج الحكم الشرعي من أدلته التفصيلية، أي الكتاب والسنة. (المرعشي النجفي، ١٣٨٠ش، ج١، ص ٨١).
هذا التعريف قد صيغ بالنظر إلى علم الفقه والأصول، وإلا يمكن تعميمه والقول: هو مطلق العمليات الفكرية التي يوظفها أي مفكر لاستخراج أحكام مسائل ذلك العلم.
٢-٢. معنى الأصل
الأصل في اللغة يعني الجزء الأسفل من كل شيء. (الفيومي، ١٤٢٥ق، ج٢، ص ١٦؛ ابن منظور، ١٤١٤ق، ج١١، ص ١٦).
يذكر الفاضل التوني في تقريره لكلمات الشهيد الثاني أن الشهيد قد ذكر للأصل أربعة معانٍ: الدليل، والراجح، والاستصحاب، والقاعدة. (التوني، ١٤١٥ق، ص ١٨٣ و ١٨٤).
عرّف البعض الأصل بمعنى المرجعية والمتبوعية للشيء، ويعتقدون أن هذا المعنى جامع لكل المعاني. (المجتهد التبريزي، ١٣١٧ق، ص ٢٤٩).
المقصود بالأصل هو تلك القضايا المرجعية التي عند فقدان الدليل الاجتهادي أو إبهامه أو إجماله، تُخرج المكلف من حالة الشك والحيرة في مقام العمل. الأصل دليل يقع في مقابل الأمارة، وهو ليس كاشفًا عن الواقع، لكن الشارع المقدس قد قرره لتخليص المكلف من الشك في الموضوع أو الحكم الشرعي.
٢. عدم إمكانية تأسيس الأصل في الاستنباط الكلامي
فيما يتعلق بعدم إمكانية تأسيس الأصل، قد ذكر المفكرون أحيانًا أدلة، وفي هذه الحالة لا يكون الأمر مجرد احتمال، بل نظرية ورأي. ولكن أحيانًا لم يُذكر دليل، ولكن يمكن ذكر دليله على نحو احتمالي، وفي هذه الحالة يكون مجرد احتمال. لذا، في ما يلي، نبيّن كلا القسمين تحت احتمالات مختلفة.
الاحتمال الأول: اختصاص الأصل العملي بالأفعال الخارجية
يعتقد البعض أنه لا يمكن الاستفادة من الأصل العملي في علم الكلام؛ لأن الأصل العملي يجري في موضع يحدد وظيفة الإنسان المتردد في حكم فعل خارجي يجب عليه القيام به، ولا يعلم هل هذا الفعل واجب عليه أم حرام. كما هو الحال في معظم مسائل الفقه، حيث يشك الإنسان في حكم فعل خارجي يجب عليه القيام به أو في وظيفته الخارجية. ولكن الاعتقادات ليست من سنخ الفعل الخارجي والجوارحي حتى يمكن الاستفادة من الأصل العملي. وبالتالي، لا يوجد مجرى للأصل العملي في الاعتقادات. لأن الاعتقادات من سنخ العمل الجوانحي والقلبي، وتعني التسليم للمعارف الحاصلة والالتزام القلبي بها. (برنجكار، ١٣٩١ش، ص ٣٣).
نقد وبحث
ذُكر في الاحتمال الأول مسألتان:
أ) الاعتقادات من سنخ العمل الجوانحي والقلبي والإيمان. هذه المسألة مقبولة ولا يُطرح نقد عليها؛ مع أن البعض يعتقد أن الاعتقادات من سنخ المعرفة وليست من سنخ العمل، وسنشير إلى هذا الاحتمال ونقده لاحقًا؛ لكن الكاتب يتفق مع المسألة الأولى في هذا الاحتمال ويعتبر الاعتقادات من سنخ العمل؛ وتحديدًا عمل الالتزام القلبي والإيمان.
ب) الأصل العملي مختص بالأعمال الخارجية والجوارحية ولا يُطبق في الأعمال الجوانحية والالتزام القلبي. يبدو أن هذه المسألة قابلة للنقاش.
لتبيين هذا الإشكال، يجب أولًا ذكر مقدمات.
المقدمة الأولى: تحليل النطاق النظري لنظرية عدم خلو الأفعال من حكم واقعي.
وفقًا لرأي فقهاء الشيعة، لا تخلو أي واقعة من حكم واقعي، حتى لو لم يصل هذا الحكم الواقعي إلى المكلف في بعض الحالات لأسباب مختلفة. (مكارم الشيرازي، ١٤٢٨ق، ج٣، ص ٩).
ما يجب تحليله هنا هو: هل هذا الرأي يختص بالموضوعات الخارجية والأفعال الخارجية أم يشمل الأفعال القلبية والذهنية أيضًا؟ أي، هل الموضوعات الخارجية وحدها هي التي لها حكم واقعي قطعًا ولا يمكن تصورها بدون حكم واقعي؟ وفيما يتعلق بالأفعال القلبية والحالات الذهنية، يمكن ألا يُجعل لها أي حكم واقعي؛ أم أن جعل الحكم الواقعي عام ويشمل جميع الأفعال، سواء كانت فعلًا خارجيًا أو فعلًا قلبيًا وحالة ذهنية؟
إذا ثبت اختصاص الحكم الواقعي بالموضوعات الخارجية؛ فمن المؤكد أن احتمال عدم إمكانية تأسيس الأصل صحيح. ولكن إذا كان الحكم الواقعي عامًا، فإن إمكانية تأسيس الأصل قابلة للمتابعة. يبدو أن نظرية عدم خلو فعل من الأفعال من حكم واقعي لا تختص بالفعل الخارجي؛ بل حتى الحالات الذهنية والقلبية لا تخلو من هذا الحكم. مثلًا، إنكار الله أو النبي قلبيًا حرام وقبيح، إذن فالحالات الذهنية والقلبية لها حكم واقعي أيضًا.
طبعًا، أحيانًا يُجعل هذا الحكم الواقعي بشكل شرعي ومستقل؛ مثل وجوب الصلاة. وأحيانًا يثبت الحكم الواقعي للفعل بملازمة عقلية بين الإدراك العقلي والحكم الشرعي، مثل حرمة إنكار النبي وصاحب المعجزة؛ حيث يدل العقل على قبح الإنكار والشرع أيضًا يحرمه.
المقدمة الثانية: تعريف الأصل العملي.
عادةً ما يكون تعريف الأصل العملي بحيث يشير إلى وظيفته أيضًا. لذا، يُقال في تعريف الأصل: الأصل العملي هو دليل يحدد وظيفة الإنسان العملية تجاه الحكم الواقعي المجهول، وهو نفسه ليس دليلًا على الواقع والحكم الواقعي. (الأشكناني، بي تا، ج١، ص ١٧).
بطبيعة الحال، يكون محل الأصول العملية بعد عدم العثور على دليل مُحرز؛ في مقام الفتوى الفقهية وفي مقام الاعتقاد الكلامي. (الأشكناني، بي تا، ج١، ص ١٧).
أحيانًا، بالإضافة إلى هذه الوظيفة، يُشار إلى فقدان جهة الكشف عن الواقع أو عدم تدخل هذه الجهة في حجية الأصل، فيقال: في الأصل العملي إما أن جهة الكاشفية عن الواقع غير موجودة أصلًا (فقط يحدد وظيفة الإنسان المتردد والشاك ليخرجه من الحيرة في مقام العمل)، أو إذا لوحظت فيه جهة الكشف؛ فإن الشارع لم يعتبرها من جهة كشفها؛ بل اعتبرها حجة من حيث أدائها الوظيفي. (الفيروزآبادي، ١٤٠٠ق، ج٤، ص ٢).
في بعض التعاريف، وبالنظر إلى التمييز بين الأصل والأمارة، يُشار إلى خصوصيات موضوع الأصول، فيقال: الأصل هو الدليل الذي أُخذ الجهل والشك في موضوع دليله. خلافًا للأمارة التي وإن كانت في مورد الشك وفي ظرف الشك؛ إلا أن الشك لم يؤخذ في موضوعها. (الفيروزآبادي، ١٤٠٠ق، ج٤، ص ٣).
بالنظر إلى هاتين المقدمتين، يجب أن نسأل: لماذا يجب أن تكون الأصول العملية مختصة بالأفعال الخارجية ولا تشمل الفعل القلبي والإيمان؟ هل هذا من جهة أنه لا يوجد حكم واقعي في موردها وهي خالية من الحكم الواقعي؟ أم من جهة أن الإنسان عندما لا يعرف ذلك الحكم الواقعي؛ لا يكون متحيرًا ولا يحتاج إلى الخروج من حالة الحيرة؟ نعم، قد يُدّعى أنه رغم تحير الإنسان، هناك سبيل آخر للخروج من هذه الحيرة غير الأصول العملية؛ مثل الاعتقاد الإجمالي، الذي سيتم بحثه لاحقًا كأحد الاحتمالات.
المحقق الحكيم عند شرح عبارة صاحب الكفاية يقول: المرحوم الآخوند بالإشارة إلى كون الاستصحاب أصلًا عمليًا، يريد أن ينقد كلام من يعتقد أن الاعتقادات في مقابل الأمور التي هي من سنخ العمل. وبالتالي، لن يجري الأصل العملي في الاعتقادات. ثم يوضح هذا النقد قائلًا: من منظور الآخوند، الأصل في مقابل الأمارة، والمقصود بالعمل أيضًا عام يشمل العمل القلبي والالتزام النفساني كما يشمل العمل الخارجي، لا أن العمل في مقابل الاعتقاد. (الحكيم، ١٤٠٨ق، ج٢، ص ٥١٥).
الاحتمال الثاني: اختصاص جريان الأصول العملية بالأفعال دون المعرفة والإدراك
من المحتمل أن يكون سبب عدم إمكانية تأسيس الأصل في الاعتقادات هو أن جنس الاعتقادات يختلف عن أمثال الفقه. لأن البحث في الفقه يدور حول الأفعال؛ ولكن الاعتقادات من جنس المعرفة. لذا، لا يمكن إجراء الأصول العملية. ومن اسم الأصول العملية يتضح أنها تختص بمقام الأداء العملي.
نقد وبحث
يمكن تفسير هذا الاحتمال بطريقتين:
التفسير الأول: في الاعتقادات، يوجد فقط معرفة ذهنية، ولا يتدخل شيء آخر غير المعرفة. وإذا كان هناك عمل والتزام قلبي إلى جانب الاعتقادات؛ فهو خارج عن الاعتقادات وداخل في الفقه، تمامًا كما أن العمل الخارجي خارج عن الاعتقادات والمعرفة. مثال: الإنسان بعد دراسة الكتاب والسنة يتيقن أن الصلاة واجبة. فيحصل على معرفة بالصلاة. ثم ينشأ في نفسه التزام قلبي بوجوب الصلاة، وفي النهاية يؤدي الصلاة في الخارج. كما يُلاحظ، حدثت ثلاث مراحل: مرحلة المعرفة، ومرحلة الالتزام القلبي، ومرحلة العمل الخارجي.
في بعض الحالات، توجد المرحلتان الأوليان فقط، ولا تحدث المرحلة الثالثة بشكل مباشر، مثل معرفة علاقة الذات بالصفات ثم الالتزام القلبي بهذه العلاقة. قد يصل الفرد بعد البحث العقلي والنقلي إلى نتيجة أن ذات الله نائبة عن صفاته، وهو ما يُعبّر عنه بنظرية نيابة الذات عن الصفات. بعد هذه المعرفة يلتزم بها في نفسه، أو قد يصل إلى نتيجة أن ذات الله متحدة مع صفاته مصداقًا ومختلفة مفهومًا، وهو ما يُعبّر عنه بعينية الذات والصفات؛ ثم يلتزم بذلك أيضًا.
كما لوحظ، هنا أيضًا توجد مرحلة المعرفة ومرحلة الالتزام القلبي أو التدين. ما هو جزء من الاعتقادات هو مرحلة المعرفة هذه. ليس مطلق المعرفة؛ بل معرفة التوحيد، والنبوة، والعدل، والإمامة، والمعاد. لكن مرحلة الالتزام القلبي خارجة عن الاعتقادات وتدخل نوعًا ما في الفقه.
رغم أنه وفقًا لهذا التفسير لا يبقى مجال لتأسيس الأصل، وتأسيس الأصل في مقام المعرفة لا معنى له (لأن الأصول العملية لا تغير معرفة الإنسان ولا تخلق له معرفة)، لكن الإشكال الأهم في هذا التفسير هو عدم توافقه مع رؤية معظم المفكرين؛ لأنه من منظور هؤلاء المفكرين، يوجد في الفقه والاعتقادات عنصران مشتركان، وفي الفقه عنصر إضافي لا يوجد مثله في الاعتقادات. في الفقه والاعتقادات، يجب أولًا معرفة المسائل ثم يتم عقد القلب والتدين على أساسها. في الفقه، بالإضافة إلى هذين العنصرين، يجب أن يتم العمل على أساس تلك المعرفة والتدين، ويتحقق عمل خارجي. هذا الاختلاف هو الذي أدى إلى اعتبار أن المقصود الأصلي في الفقه هو العمل الخارجي، وفي الاعتقادات المقصود الأصلي هو المعرفة والتدين. (الشيخ الأنصاري، ١٣٧٩، ج١، ص ٢٧٣؛ المروج، ١٤١٥ق، ج٥، ص ٩٧). إذا أردنا تطبيق هذه النقطة على مثال في الفقه؛ يجب أولًا الحصول على معرفة بوجوب الصلاة، وأن يعلم الفرد أن الصلاة واجبة. ثم يلتزم قلبيًا بهذا الوجوب ويلتزم به داخليًا، وفي النهاية يجب أن يصلي في الخارج. مجرد المعرفة والالتزام الداخلي لا يغنيه عن أداء الصلاة. في المثال الاعتقادي أيضًا، يجب أولًا أن يعرف وجود الله ثم يلتزم به داخليًا ويقبله. نادرًا ما يوجد من يعتبر الإيمان وعقد القلب داخلًا في الفقه وخارجًا عن الاعتقادات.
التفسير الثاني: رغم وجود العمل القلبي في الاعتقادات، ومرحلة التدين داخلة في الاعتقادات لا الفقه؛ لكن هذا التدين لأنه ليس فعلًا بل انفعال، فهو تابع للمرحلة السابقة (المعرفة)، وبدون مرحلة المعرفة لا يمكن إيجاد الانفعال. بعبارة أخرى، في الفعل الخارجي والفقه، نظرًا لأن الفعل أمر اختياري، يمكن التعبد به وإجراء الأصل. لذا، يمكن القول للمكلف: بدون أن تكون لديك معرفة، يجب أن تعمل بهذه الطريقة؛ ولكن في الاعتقادات، لا يوجد فعل بل التدين انفعال وتابع للمعرفة، والانفعال لا يقبل التعبد. (السبحاني، ١٤٢٥ق، ج٥، ص ٢٥٤-٢٥٦).
في نقد وبحث هذا الاحتمال أيضًا يجب القول: توجد نظريتان حول علاقة المعرفة والتدين؛ النظرية الأولى: التدين نتيجة قهرية للمعرفة وتابع لها. النظرية الثانية: التدين أمر اختياري، بحيث يمكن للإنسان بعد المعرفة أن يتدين أو يمكنه أن ينكر. ليس الأمر أنه لأنه عرف شيئًا، فإنه بالضرورة يتدين به ويعقد القلب ويلتزم به قلبيًا.
من بين هذين الرأيين، النظرية الثانية هي الصحيحة، والتدين ليس بمنزلة فعل توليدي وغير اختياري، بل هو فعل اختياري والمعرفة مقدمة له. علاقة المعرفة بالتدين مثل علاقة الصلاة بالوضوء، حيث يمكن للفرد بعد الوضوء أن يصلي أو يمكنه أن يترك. وليس الأمر أنه إذا توضأ، فإنه بالضرورة يصلي ولا يمكنه ترك الصلاة. (برنجكار، رضا؛ ونصرتيان أهور، مهدي، ألف ١٣٩٢ش، ص ٧٥-٨٨).
لذا، يعتقد بعض الأكابر أن العلم واليقين ليسا اختياريين، بل يتبعان قوة وضعف الأدلة. إذا كان الدليل قويًا، ينتج في الإنسان اليقين والعلم، وإذا كان ضعيفًا، فلن يجلب العلم واليقين، ومهما حاول أن يحصل على اليقين من استدلال ضعيف، فإن هذا السعي سيكون بلا فائدة. بينما التدين والالتزام القلبي عمل اختياري. لذا، يتعلق التكليف به لا بكسب العلم. (كاشف الغطاء، ١٤٢٢ق، ج٢، ص ٨٥؛ الأنصاري، ١٣٧٩ش، ج١، ص ٢٧٤؛ الآشتياني، ١٤٠٣ق، ج١، ص ٢٧٥).
الاحتمال الثالث: لزوم التدين المشروط باليقين في الاعتقادات
وفقًا لهذا الاحتمال، الاعتقادات ليست مجرد معرفة ذهنية وتصديق ذهني؛ بل هي معرفة ذهنية مع التدين. ولكن التدين الناتج عن هذه المعرفة الذهنية ليس مطلقًا؛ بل التدين اللازم والواجب في الاعتقادات هو الذي ينشأ عن معرفة يقينية وقطعية. بعبارة أخرى، يواجه الإنسان في الاعتقادات واجبين: الواجب الأول، العلم واليقين بالمسألة الاعتقادية. الواجب الثاني، التدين بنفس المسألة المعروفة. في أي من هذين الواجبين، لا توجد إمكانية لتدخل الأصل. لأن الأصل العملي لا يمكنه أن ينتج للإنسان علمًا ويقينًا، لأن استخدام الأصل العملي أساسًا يكون في موضع يشك فيه الإنسان في الواقع والحكم الواقعي. وفيما يتعلق بالتدين أيضًا، رغم أنه فعل، وفي الأفعال توجد إمكانية لتأسيس الأصل؛ لكنه ليس فعلًا مطلقًا، بل هو فعل مشروط، أي بشرط أن تكون مقدمته معرفة يقينية. (الأنصاري، ١٣٧٩ش، ج١، ص ٢٨١؛ الآخوند الخراساني، ١٤٠٩ق، ص ٣٣٠؛ الفيروزآبادي، ١٤٠٠ق، ج٣، ص ٣٧٩). أحيانًا قد يُعبّر عن هذا الأمر بأن التدين والاعتقاد ملازم لليقين، وفي غير اليقين، لن يتشكل التدين والالتزام القلبي. (الحكيم، ١٤٠٨ق، ج٢، ص ٥١٤).
نقد وبحث
يمكن التفكير في التدين والمعرفة بطريقتين: أ) المعرفة اليقينية هي المقدمة الحصرية للتدين؛ ب) المعرفة اليقينية هي إحدى المقدمات المنتجة للتدين؛ ولكن لها بديل أيضًا، ويجب ترتيب الأولويات بين المعرفة وذلك البديل. أي، طالما أن المعرفة اليقينية ممكنة، لا تصل النوبة إلى المقدمة البديلة، وباصطلاح، علاقة المعرفة اليقينية وذلك الأمر البديل هي علاقة ترتب. بمعنى أن الإنسان أولًا وبالذات مكلف بتحصيل اليقين، وإذا لم يحصل اليقين؛ فليس معنى ذلك أنه لم يعد مكلفًا وسقط تكليفه الاعتقادي. بل هو مكلف بالتدين بناءً على الأدلة الظنية المعتبرة، وإذا لم تكن هناك أدلة ظنية معتبرة، فيجب أن يقيس بناءً على الأصل، هل مع عدم إمكانية اليقين والظن المعتبر، يُرفع عنه التكليف تمامًا؛ أم يجب أن يتدين بطريقة أخرى مثل الاعتقاد الإجمالي وغيره.
أثبت الكاتب في موضع آخر أن التدين يمكن أن ينشأ عن معرفة يقينية ويمكن أن ينشأ عن معرفة غير يقينية. (برنجكار، رضا؛ ونصرتيان أهور، مهدي، ١٣٩٣ش، ص ٦٧-٨٢). وبالتالي، هذا الاحتمال ليس مفيدًا أيضًا.
الاحتمال الرابع: عدم وجود أثر شرعي
ربما يرتبط عدم إمكانية تأسيس الأصل في الاعتقادات بكون التعبد بالأصل غير مثمر. الأصل العملي له معنى حيث يكون إما هو نفسه حكمًا شرعيًا أو موضوعًا لحكم شرعي. والاعتقادات ليست حكمًا شرعيًا، إذن فالأصل في الاعتقادات لا معنى له ولا فائدة منه. (السبحاني، ١٤٢٤ق، ج١، ص ٥٨٨).
في نقد هذا الاحتمال أيضًا يجب القول: نعم، تأسيس الأصل في المرحلة الأولى من الاعتقادات، أي مرحلة المعرفة، لا معنى له. ولكن في المرحلة الثانية، أي التدين، ليس الأمر كذلك؛ لأن التدين موضوع لحكم بالوجوب أو الحرمة. مثلًا، التدين بالتوحيد واجب، والتدين بخلافة الخلفاء الثلاثة حرام. إذن، ليس مجرد حسن وقبح عقليين؛ بل من منظور الشريعة أيضًا له حسن وقبح، وذلك بملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع.
الاحتمال الخامس: إمكانية التعليق
أحد الاحتمالات الأخرى التي تسبب الحديث عن عدم إمكانية تأسيس الأصل، هو إمكانية التعليق في الاعتقادات. وهو أمر يجعل الاعتقادات مختلفة عن الفقه. في الفقه، إذا حصل علم بالحكم الواقعي؛ يجب على المكلف أن يعمل وفق علمه ويقينه. وإذا لم يحصل العلم، تصل النوبة إلى اتباع الظنون الخاصة. وإذا لم يوجد ظن خاص؛ للخروج من الحيرة والضياع، يجب اللجوء إلى الأصول العملية لأداء وظيفته العملية. بينما في الاعتقادات، الوظيفة الأصلية هي تحصيل العلم واليقين. وإذا لم يتحقق هذا الأمر، لا تصل النوبة إلى الظنون أو الأصل. لأن هناك أمرًا آخر يمنع حجية الظنون والأصول. هذا الأمر هو التعليق؛ أي الاعتقاد الإجمالي بحيث يعتبر المكلف نفسه تابعًا للواقع ولا ينكر الواقع؛ وإن لم يعرف تفصيلًا ما هو الواقع. (الآخوند الخراساني، ١٤٠٩ق، ص ٣٢٩).
نقد وبحث
من أهم الأسئلة التي تُطرح في نقد هذا الاحتمال؛ هو السؤال عن سبب منع التعليق لحجية الظنون والأصول. بعبارة أخرى، ما هي علاقة إمكانية التعليق بعدم حجية الظنون والأصول؟ حتى في ظل هذه العلاقة نقول بوجود إمكانية الاعتقاد الإجمالي، يصبح تأسيس الأصل مستحيلًا.
بعبارة أخرى، يمكن تصور ثلاث حالات:
الحالة الأولى: مسار التدين بالترتيب: أ) على أساس العلم التفصيلي؛ ب) على أساس الاعتقاد الإجمالي؛ ج) على أساس الظنون الخاصة؛ د) على أساس الأصول العملية. وفقًا لهذا الاحتمال، الوظيفة الأصلية والحالة المطلوبة للتدين هي على أساس العلم واليقين التفصيلي. إذا لم يكن هذا اليقين ممكنًا؛ يجب على المكلف أن يتدين على أساس الاعتقاد الإجمالي. من الطبيعي أنه بما أن الاعتقاد الإجمالي ممكن دائمًا، فلن تصل النوبة إلى التدين على أساس الظنون أو الأصول العملية. وبالتالي، لن يتحقق التدين على أساس الظنون والأصول العملية أبدًا.
الحالة الثانية: مسار التدين بالترتيب: أ) على أساس العلم التفصيلي؛ ب) التدين على أساس الاعتقاد الإجمالي أو الظنون الخاصة؛ ج) التدين على أساس الأصول العملية. وفقًا لهذا الاحتمال، الوظيفة المطلوبة والأصلية للمكلف هي التدين على أساس العلم التفصيلي. ولكن إذا لم تتحقق هذه الحالة؛ فالمكلف مخير بين التدين على أساس الاعتقاد الإجمالي أو على أساس الظنون الخاصة؛ بحيث مع وجود أحدهما، لا تصل النوبة إلى التدين على أساس الأصول العملية.
الحالة الثالثة: مسار التدين بالترتيب: أ) على أساس العلم التفصيلي؛ ب) التدين على أساس الظنون الخاصة؛ ج) التدين على أساس الأصول العملية. وفقًا لهذا الاحتمال، يجب على المكلف أولًا أن يعتقد على أساس العلم التفصيلي. إذا لم ينشأ علم تفصيلي؛ يجب أن يتبع الظنون الخاصة ويعتقد على أساسها. وفي المرحلة الثالثة، إذا لم توجد ظنون خاصة ومعتبرة؛ يجب أن يعتقد على أساس الأصول العملية. بالطبع، في تحديد هذا الأصل العملي، تؤثر المذاهب المختلفة التي سيُشار إليها لاحقًا في المقالة. أحد هذه المذاهب هو لزوم الاعتقاد الإجمالي. وفقًا لهذا الاحتمال، يُعتبر الاعتقاد الإجمالي أمرًا ممكنًا وحتى حجة في بعض الاحتمالات؛ لكن رتبته ليست متقدمة على الأصول، بل هو نفسه نتيجة لرؤية وأصل، إذن فلن يكون نافيًا للأصل.
بالنظر إلى الحالات الثلاث، لا يمكن لمجرد إمكانية الاعتقاد الإجمالي أن ينفي حجية الأصل. وفي هذا الاحتمال أيضًا لم يثبت أن الحالة الأولى أو الثانية لها الأولوية؛ بل من الممكن أن تكون الحالة الثالثة قابلة للتصور أيضًا، ومجرد احتمالها يكفي لرد الاستدلال.
الاحتمال السادس: عدم إمكان إجراء الأصل للمقلد
ربما يمكن اعتبار أحد احتمالات عدم إمكانية تأسيس الأصل في الاستنباط الكلامي هو الفرق بين الاستنباط الفقهي والاعتقادي. الاستنباط الفقهي خاص بالمجتهد، وعادةً ما لا يملك المقلد القدرة على الاستنباط. ووظيفته ليست الوصول إلى الرأي عن طريق الاجتهاد. بينما في الاعتقادات، بناءً على أحد الآراء، التقليد حرام وباطل، ووظيفة كل شخص هي الوصول إلى نتيجة بناءً على رأيه الشخصي. وهو أمر يتطلب عمومية طرق الاستدلال؛ لكن التمسك بالأصل العملي غير ممكن للمقلد؛ لأن أحد شروط التمسك بالأصل على الأقل هو الفحص الكامل للأدلة وعدم العثور على معارض وغيره. وهو أمر غير ممكن لعامة الناس. (الغروي، ١٣٧٤ش، ج٤، ص ١١).
نقد وبحث
هذا الاحتمال أيضًا غير مقبول لثلاثة أسباب:
الدليل الأول: في الاعتقادات، حتى لو اشترطوا النظر والاستدلال؛ أو اشترطوا عدم التقليد؛ فهذا لا يعني أن جميع طرق الاستدلال يجب أن تكون مشتركة وعامة. الكثير من الاستدلالات مبنية على مقدمات لا يمكن إلا للأشخاص ذوي التحصيل في فرع معين استخدامها، وهي غير مفهومة للعوام. كونها غير مفهومة لا يعني عدم إمكانية استخدام هذه البراهين الخاصة.
بعبارة أخرى، البحث هو في إمكانية تأسيس الأصل في الجملة، أي من الممكن أن يُستخدم هذا الأصل فقط في الاعتقاد ببعض المسائل، وتنتهي عملية الاعتقاد به. وإن كان هذا الأصل موجودًا دائمًا في مقام التحقيق. (سيُشار إلى هذه النقطة في موضع الأصل في الاستنباط). والمقصود بالفي الجملة أيضًا هو طريق قد يكون مفيدًا وقابلًا للاستخدام لبعض الناس مثل الخواص والمتعلمين ذوي التخصصات الخاصة، وقد لا يكون قابلًا للاستخدام لعامة الناس أو حتى لبعض المتعلمين.
الدليل الثاني: كما حلوا هذه المشكلة في أصول الفقه بالنسبة للمسائل الفقهية، يمكن حل المشكلة في الأمور الاعتقادية. المجتهد وصاحب الرأي في الاعتقادات بعد دراسات مختلفة يمكنه أن يخبر بعدم وجود دليل خاص أو عدم وجود معارض لدليل ما. بعد إخباره، يقوم الشخص العامي نفسه بإجراء الأصل ويعتقد به.
الدليل الثالث: القول بأن التقليد في الاعتقادات غير جائز، وأنه يجب على كل فرد أن يعلن رأيه بنفسه في المسائل الاعتقادية؛ هو أحد النظريات في هذه المسألة. وفي مقابلها توجد نظريتان أخريان: أ) حرمة النظر والاستدلال في الاعتقادات؛ ب) جواز التقليد. لقد تناول الكاتب مسألة التقليد في الاعتقادات في مقالة مستقلة ويعتقد أن الاعتقادات التقليدية لا مانع منها. (برنجكار ونصرتيان أهور، ب١٣٩٢ش، ص ٧٧-٩٤). لذا، هذا الاحتمال المطروح لا يتوافق مع جميع المباني، وبعبارة أخرى هو مبنائي.
الاحتمال السابع: إمكانية التوقف
يمكن طرح هذا الاحتمال أيضًا بأنه إذا لم يتم الحديث عن تأسيس الأصل، فذلك بسبب إمكانية التوقف في المسألة. بمعنى أنه أحيانًا في المسائل الفقهية، لا يكون للتوقف معنى. لأنه في كل الأحوال، يقوم المكلف بأحد الطرفين؛ مثلًا، الأمر دائر بين الوجوب والحرمة. فالتوقف لا معنى له. ولكن في الاعتقادات ليس الأمر كذلك؛ بل يجب على الفرد أن يسعى لتحصيل العلم التفصيلي، وإذا لم يحصل هذا العلم؛ لا تصل النوبة إلى حجية الظنون أو الأصول العملية، لأن التوقف ممكن ولا مانع من التوقف. (الشيخ الأنصاري، ١٣٧٩ش، ج١، ص ٢٨٤).
في توضيح الفرق بين هذا الاحتمال والاحتمال الخامس، أي التعليق، يجب القول: في التعليق، بالإضافة إلى التوقف عن طرف من القضية بشكل تفصيلي، يوجد اعتقاد إجمالي يعتبر فيه المكلف نفسه تابعًا للحق والحقيقة ولا يخالف الواقع والله؛ وإن لم يعلم تفصيلًا ما هو الواقع. ولكن في التوقف، لا يوجد اعتقاد تفصيلي ولا اعتقاد إجمالي، والفرد ليس مكلفًا بشيء على الإطلاق.
نقد وبحث
لا يوجد بحث في إمكانية التوقف؛ ولكن يجب الحديث عن معقوليته. بمعنى أن التوقف وإن كان أمرًا ممكنًا، لكنه أحيانًا غير معقول وأحيانًا معقول. مثلًا، إذا كان لدى الإنسان علم تفصيلي بمسألة ما؛ وفي نفس الوقت أراد أن يتوقف في الاعتقاد؛ فقد ارتكب عملًا غير معقول. لأن هذا التوقف يؤدي إلى ترك حجة. من ناحية أخرى، إذا كان لديه وهم أو شك في مسألة ما، وفي نفس الوقت توقف عن الاعتقاد بها؛ فقد صدر منه عمل لائق ومعقول. لأنه لم يخالف حجة. إذا كانت حجية الأصول العملية عامة (كما هو الحال، وسيُشار لاحقًا إلى وجود حالات متعددة تمسك فيها الأصوليون بالأصل العملي في الاعتقادات)، فإن التوقف في هذه الحالة يعني مخالفة الحجة، ومثل هذا الأمر سيكون غير معقول.
الاحتمال الثامن: تشابه أو عينية الأصول العملية مع القواعد الفقهية
ربما يكون تشابه الأصول العملية أو حتى عينيتها مع القواعد الفقهية أحد احتمالات عدم إمكانية تأسيس الأصل في الاعتقادات. لأنه إذا تم قبول هذه العينية؛ فإنها ستجري أساسًا في المسائل الفقهية ولن تكون قابلة للتطبيق على المسائل الاعتقادية. أصل هذا الاحتمال هو فقدان خصوصية المسألة الأصولية في الأصول العملية. من خصوصيات المسألة الأصولية أنها تقع في مسار استنباط الحكم الشرعي وتُعتبر كبرى الاستدلال. المسألة الأصولية دائمًا ما تُركّب مع مقدمة أخرى وتصبح دليلًا على الحكم الشرعي، وهي نفسها ليست حكمًا شرعيًا. يُطلق على هذا التركيب اصطلاحًا ‘الاستنباط التوسيطي’. بينما القواعد الفقهية ليست كذلك، بل هي نفسها أحكام فقهية وشرعية كلية، والفرق بينها وبين المسألة الفقهية هو فرق الكلي والجزئي. أي أن القواعد الفقهية أحكام كلية فقهية، ولكن المسألة الفقهية قضية جزئية فقهية، وعلاقة القواعد الفقهية بالمسألة الفقهية هي من نوع التطبيق لا من نوع الاستنباط التوسيطي. (مكارم الشيرازي، ١٤٢٨ق، ج٣، ص ٩ و ١٠).
في الرد على هذا الاحتمال أيضًا يجب القول: هذا الاحتمال يمكن أن يكون صحيحًا بناءً على رأي المشهور، وتخرج الأصول العملية من علم الأصول وتدخل في القواعد الفقهية. لأن مراد المشهور من الاستنباط هو الإثبات الحقيقي إما بشكل قطعي أو بشكل ظن معتبر، بينما في الأصول العملية لا يُثبت الواقع. ولكن بناءً على رأي من يعتبرون المقصود من الاستنباط هو مطلق الإثبات؛ أي يعتبرون الإثبات أمرًا جامعًا بين الإثبات الوجداني (العلم والقطع)، والإثبات الشرعي والتعبدي (الظن المعتبر)، والإثبات التنجيزي أو التعذيري؛ في هذه الحالة، كل مسألة يترتب عليها التنجيز أو التعذير تدخل أيضًا في علم الأصول. وتكون عنصرًا مشتركًا في مطلق الاستنباط. سواء كان متعلق هذا الاستنباط مسألة فقهية أو مسألة اعتقادية. من البديهي أن الأصول العملية منجزة للواقع ومعذرة. (المصطفوي، ١٤٢٦ق، ج١، ص ١١).
علاوة على ذلك، يوجد خلاف في جريان القواعد الفقهية في الشبهات الحكمية؛ مع ذلك، تجري الأصول العملية في الجملة في الشبهات الحكمية. (المصطفوي، ١٤٢٦ق، ج١، ص ١١). وإن كان يوجد خلاف بالنسبة لبعض الأصول العملية مثل الاستصحاب. نتيجة لذلك، الأصول العملية ليست جزءًا من المسائل الفقهية حتى يواجه تصميم الأصل في الاعتقادات مشكلة.
٣. إمكانية تأسيس الأصل في الاستنباط الكلامي
يمكن تحليل أهم دليل على إمكانية تأسيس الأصل في الاستنباط الكلامي ضمن ثلاثة عناصر:
أ) علم أنساب العقائد
كما تم بيانه في نقد بعض الاحتمالات المطروحة في عدم إمكانية تأسيس الأصل؛ فإن الاعتقادات ليست مجرد معرفة بالمسألة الاعتقادية (التوحيد، العدل، النبوة، الإمامة، والمعاد). بل بالإضافة إلى المعرفة، يجب أن يوجد نشاط نفسي وقلبي، أي الالتزام بما عُرف.
ب) علاقة الالتزام والمعرفة
علاقة هذا الالتزام والمعرفة ليست علاقة قهرية حتى يُقال بالمصطلح الكلامي إن التدين والالتزام القلبي فعل توليدي ومولّد من المعرفة. بل علاقتهما هي علاقة المقدمة وذي المقدمة الاختيارية. أي بعد تحقق المقدمة، يمكن لذي المقدمة أن يتشكل، ويمكن أيضًا ألا يدخل حيز الوجود.
ج) تعميم الأصول العملية على مطلق الفعل
تجري الأصول العملية في مطلق الأفعال وليست مختصة بالفعل الخارجي فقط. لإثبات التعميم، يجب الرجوع إلى كل أصل من الأصول العملية الشائعة في علم الأصول وأدلتها، وهو ما يمكن قوله بشكل مجمل:
قبح العقاب بلا بيان، الذي هو مقتضى البراءة العقلية؛ يجري في الأفعال الفقهية ويقول إذا لم يكن هناك بيان واصل في المسألة الخارجية والفقهية؛ فإن العقاب عقلاً قبيح. وفي مسألة الاعتقاد أيضًا، يشير إلى نفس النقطة. إذا لم يكن هناك بيان واصل عقلي أو شرعي على أمر اعتقادي، وعاقب الله العبد بسبب عدم اعتقاده بذلك الأمر الاعتقادي؛ فإن هذا العقاب مصداق للعقاب بلا بيان.
يمكن أيضًا إثبات البراءة الشرعية في الاعتقادات بحديث الرفع من خلال التمسك بـ’رفع ما لا يعلمون’. كما أن المسألة الفقهية المشكوكة داخلة في ‘ما لا يعلمون’، وبمقتضى الحديث، رُفعت من باب الامتنان على الأمة ولم يُجعل حكم ظاهري في موردها؛ كذلك الحال في التكليف الاعتقادي المشكوك الذي هو مصداق لـ’ما لا يعلمون’ وقابل للرفع. لا يوجد في الحديث دليل على اختصاصه بمباحث الفقه. بالطبع، يجب التذكير بأن كل قاعدة من هاتين القاعدتين تحتاج إلى بحث كلي وبيان مباني تم تحقيقه في علم الأصول، وهنا يُستخدم فقط بشكل مختصر لغرض دراسة إمكانية تأسيس الأصل.
بالنسبة لأصل التخيير أيضًا، عندما يدور الأمر في مسألة اعتقادية بين وجوب الاعتقاد بها تفصيلًا أو حرمة الاعتقاد؛ في هذه الحالة، يكون المكلف مخيرًا بنفس الدليل الذي كان مخيرًا به في المسائل الفقهية عند دوران الأمر بين المحذورين؛ هنا أيضًا مخير، ويمكنه اختيار أي من هذين الاعتقادين تفصيلًا.
بالنسبة لأصل الاحتياط أيضًا، إذا كان لدى الإنسان علم إجمالي بأصل التكليف؛ ولكنه شك في المصداق والمكلف به، كما كان العلم الإجمالي في المسائل الفقهية موجبًا للتكليف؛ في المسائل الاعتقادية أيضًا يكون موجبًا للتكليف. لأن التنجيز والتعذير وإثبات التكليف من خصوصيات العلم، وهي غير قابلة للانفكاك عنه. ولا يمكن تصور أن العلم في المسائل الفقهية يوجب التكليف، ولكنه في المسائل الاعتقادية يفقد خصوصيته. هذا الأمر تم تبيينه وتحليله في الأصول عند بحث علاقة الحجية بالقطع.
بالنسبة لأصل الاستصحاب أيضًا، دليل الاستصحاب له عمومية، وهذا الأمر تم تقريره في بيان الشاهد الثاني الذي سيُذكر لاحقًا.
لتأييد هذه المقدمة، أي تعميم الأصول العملية على مطلق الفعل، يمكن إقامة شواهد من كلمات مفكري علم الأصول.
الشاهد الأول على هذا التعميم هو كلمات الأصوليين أنفسهم مثل الآخوند الخراساني. يقول عند بحث عدم حجية الظنون في الاعتقادات في فرض انسداد باب العلم والقطع: في الاعتقادات، وإن كان باب القطع التفصيلي مسدودًا ومغلقًا، لكن باب الاعتقاد الإجمالي بما هو واقع مفتوح. لذا، لا يبقى مجال لحجية الظنون. ثم يشير إلى أن المكلف في بعض الاعتقادات مثل معرفة الله وصفاته وشكر بعض نعمه يجب أن يحصل على العلم واليقين. وهذا الوجوب إما بدليل العقل، كما في مسألة معرفة الله، أو بدليل نقلي وشرعي. بناءً على بعض التقارير والمذاهب، في غير هذه الموارد، أي الموارد التي ليس لدينا دليل عقلي ونقلي على اكتساب المعرفة واليقين التفصيلي بشأنها؛ وبسبب الشك، هل معرفة تلك المسألة الاعتقادية واجبة أم لا؛ تجري أصالة البراءة، ولن تكون معرفة تلك المسألة الاعتقادية واجبة. (الآخوند الخراساني، ١٤٠٩ق، ص ٣٢٩ و ٣٣٠).
نعم يجب تحصيل العلم في بعض الاعتقادات لو أمكن من باب وجوب المعرفة لنفسها كمعرفة الواجب تعالى وصفاته أداءً لشكر بعض نعمائه ومعرفة أنبيائه فإنهم وسائط نعمه وآلائه. بل وكذا معرفة الإمام عليه السلام على وجه صحيح. فالعقل يستقل بوجوب معرفة النبي ووصيه لذلك ولاحتمال الضرر في تركه. ولا يجب عقلاً معرفة غير ما ذكر إلا ما وجب شرعاً معرفته كمعرفة الإمام عليه السلام على وجه آخر غير صحيح أو أمر آخر مما دل الشرع على وجوب معرفته. وما لا دلالة على وجوب معرفته بالخصوص لا من العقل ولا من النقل كان أصالة البراءة من وجوب معرفته محكمة. (الآخوند الخراساني، ١٤٠٩ق، ص ٣٢٩ و ٣٣٠).
هذا الاستدلال نفسه يدل على أنه لا يخصص أصالة البراءة بالعمل الخارجي؛ بل يجريها في مطلق العمل ومطلق الشك في التكليف، سواء كان ذلك التكليف فعلًا نفسانيًا والتزامًا قلبيًا أو فعلًا خارجيًا. شراح وحاشية نویسان الكفاية إما سكتوا في هذا المجال (مما يمكن استنتاج موافقتهم للآخوند) أو قدموا توضيحًا مؤيدًا. مثلًا، يقول آل الشيخ راضي في توضيح الأصل المذكور: في كل مكان يُشك في أصل وجوب معرفته؛ يحكم العقل بمفاد قاعدة قبح العقاب بلا بيان بالبراءة. كما أن النقل أيضًا يدل على نفس الأمر بدلالة ‘رفع ما لا يعلمون’. (آل الشيخ راضي، ١٤٢٦ق، ج٦، ص ٢٤٨-٢٤٩).
لتطبيق أصل البراءة في المسائل الكلامية، يمكن ذكر أمثلة كثيرة، نكتفي بمثال واحد منها. في مسألة علاقة ذات الله وصفاته، توجد ثلاث نظريات رئيسية: نظرية زيادة الصفات على الذات؛ نظرية عينية الذات والصفات؛ ونظرية نيابة الذات عن الصفات. (برنجكار ونصرتيان أهور، ١٣٩٦ش، ص ١٣٠-١٣٢).
في الكلام الشيعي، أقيمت أدلة متعددة على رد نظرية زيادة الصفات على الذات. نتيجة لذلك، هذه النظرية ليست مقبولة لدى متكلمي الشيعة، ولكن النظريتين المتبقيتين يمكن أن تكونا مقبولتين. الآن، إذا افترضنا أن أدلة كلا الطرفين من حيث القوة والضعف في مرتبة واحدة، ولا يوجد ترجيح لأحدهما على الآخر؛ في هذه الحالة، يدور الأمر بين قبول نظرية العينية ونظرية النيابة. الآن، حيث لا يوجد ترجيح بين النظريتين، يُشك هل هناك أصلًا تكليف بفهم علاقة الذات والصفات الإلهية أم لا؟ بمقتضى أصل البراءة، يُنفى وجود أي تكليف. يمكن إجراء هذا البحث نفسه في كثير من المسائل الكلامية.
الشاهد الثاني على ذلك يمكن أن يكون مبحث الاستصحاب. يقول المرحوم الآخوند في التنبيه الثاني عشر من تنبيهات الاستصحاب: الأمور الاعتقادية قسمان؛ القسم الأول: في قسم منها، ما هو مهم شرعًا هو الانقياد والتسليم والاعتقاد، أي الالتزام القلبي؛ وهو أمر من جملة الأعمال والأفعال الاختيارية القلبية. بدون إشكال، في مثل هذه الموارد، يجري الاستصحاب الحكمي والاستصحاب الموضوعي؛ بشرط توفر شروط الاستصحاب، أي اليقين السابق والشك اللاحق.
المحقق الجزائري في توضيح عبارة الآخوند، يعتبر موارد مثل الشك في بقاء سؤال نكير ومنكر في القبر وأمثلة مشابهة مصداقًا للشك في الموضوع الاعتقادي؛ حيث يمكن إجراء الاستصحاب والاعتقاد بأن السؤال والجواب في القبر باقيان. نتيجة لذلك، يجب الحكم بوجوب الاعتقاد بالسؤال والجواب في القبر. لأنه في الموضوع المشكوك بقاؤه، حُكم ببقائه، ومع تحقق الموضوع، يثبت محموله أيضًا. هذا الحكم بوجوب الاعتقاد بالسؤال والجواب في القبر هو أثر شرعي مترتب على موضوعه، أي بقاء السؤال والجواب في القبر. (المروج، ١٤١٥ق، ج٧، ص ٦٥٨).
للاستصحاب الحكمي أيضًا، يمثلون بالشك في وجوب الاعتقاد بنبوة الأنبياء السابقين. لنفترض أننا نتيقن أنه في صدر الإسلام كان الاعتقاد بنبوة الأنبياء السابقين واجبًا، والآن نشك هل هذا الفعل كان واجبًا فقط على الناس في زمن الحضور وصدر الإسلام أم يشمل زماننا أيضًا؛ في هذه الحالة، يمكننا أن نستصحب ونثبت الوجوب للزمن الحاضر أيضًا. (المروج، ١٤١٥ق، ج٧، ص ٦٥٨).
أشار المرحوم الآخوند إلى سبب جريان الاستصحاب في القسم الأول من أقسام الأمور الاعتقادية واستند في ذلك إلى ثلاثة أدلة:
الدليل الأول: تنزيل المشكوك منزلة المتيقن صحيح. أي في الأمور الاعتقادية أيضًا يمكن القول: ضع المشكوك منزلة المتيقن ورتّب عليه نفس آثار اليقين. عبّر بعض شراح الكفاية عن هذا الدليل بمقام الثبوت. أي دليل التعميم موجود ثبوتًا وإثباتًا. ودليل تنزيل المشكوك بمنزلة المتيقن ناظر إلى مقام الثبوت. (المروج، ١٤١٥ق، ج٧، ص ٦٦٠).
الدليل الثاني: عمومية دليل الاستصحاب. مفاد دليل الاستصحاب ‘لا تنقض اليقين بالشك’ له عمومية. اليقين في هذه القضية ليس مختصًا بالفعل الخارجي والحكم الفقهي. بل هو مطلق، وكما أن هذا اليقين يشمل اليقين بالمسائل والموضوعات الفقهية؛ يشمل المسائل والموضوعات الاعتقادية والتدين أيضًا، ولا ينبغي أن يختص بالمسائل الفقهية. يعبّر بعض شراح الكفاية عن هذا الدليل بمقام الإثبات. (المروج، ١٤١٥ق، ج٧، ص ٦٦٠).
الدليل الثالث: عمومية أداء الاستصحاب. الاستصحاب أصل عملي يحدد وظيفة المكلف المتردد بشكل تعبدي. في مقابل الأمارات التي تحكي عن الواقع. هذا الأداء له عمومية، وكما يشمل العمل الجوارحي والخارجي؛ يشمل العمل الجوانحي والقلبي والنفساني أيضًا. (الآخوند الخراساني، ١٤٠٩ق، ص ٤٢٢).
يقول المرحوم الحكيم في توضيح هذه العمومية: يمكن تحليل دليل هذا التعميم في ناحية الأثر المترتب على الاستصحاب وفي ناحية العمل نفسه؛ لأنه في أن المستصحب يجب أن يكون له أثر شرعي، لا فرق بين وجوب الاعتقاد ووجوب العمل الخارجي، فمن ناحية الأثر الشرعي المترتب على المستصحب لا فرق بين الاعتقادات والفقه. ومن ناحية العمل أيضًا، يُقال للفعل الجوارحي والفعل الجوانحي عمل، وهو من سنخ الفعل لا من سنخ اليقين والعلم. (الحكيم، ١٤٠٨ق، ج٢، ص ٥١٤).
طبعًا، لهذا التعميم، يجب التنبيه إلى أن أولًا هذا الاعتقاد غير اليقين بالمسألة؛ هذا الأمر يمكن استنتاجه من التقابل بين القسم الأول والثاني الذي ذكره الآخوند. ثانيًا، هذا الاعتقاد لا ينبغي أن يكون من لوازم اليقين الخاصة؛ بل يجب أن يكون الاعتقاد من جملة الأمور التي يمكن أن تتحقق باليقين وبالشك، وإلا إذا كان لازمًا مختصًا باليقين ولا يمكن الاعتقاد بالأمر المشكوك تعبدًا؛ فبدون شك الاستصحاب غير جارٍ. احتمال اختصاص الاعتقاد باليقين وعدم إمكانيته في غير اليقين باطل. لأن الاعتقاد فعل اختياري، وهذا الفعل غير اليقين بالمسألة، وهذه الغيرية هي التي تجعل الاعتقاد أعم من اليقين. (الحكيم، ١٤٠٨ق، ج٢، ص ٥١٤).
يقول المحقق الجزائري أيضًا في توضيح ارتباط الاعتقاد باليقين: اليقين يقابل الجهل. بينما الاعتقاد يقابل الجحود والإنكار، وهذا نفسه يدل على مغايرة الاعتقاد باليقين. والآية ‘وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا’ (النمل/١٤)، وكذلك الوجدان، شاهد على تشكل الاعتقاد في غير اليقين، لأن المشركين والفراعنة مع أنهم كانوا على يقين، أنكروا ظلمًا. (المروج، ١٤١٥ق، ج٧، ص ٦٥٩).
القسم الثاني: من جملة الأمور التي أوجب العقل والشرع على الإنسان القطع واليقين والمعرفة بها. في هذه المسائل، وإن لم يجرِ الاستصحاب الموضوعي؛ لكن الاستصحاب الحكمي جارٍ. على سبيل المثال، إذا كان شخص على يقين بأنه يجب أن يقطع ويوقن بأمر من أمور الاعتقاد مثل تفاصيل القيامة، ثم في زمن لاحق شك هل هذا التكليف لا يزال قائمًا (وكما كان يجب في السابق أن يعتقد بذلك الأمر بحثًا عن اليقين) أم لا؟ يمكنه إجراء الاستصحاب في الحكم ببقاء ذلك التكليف. (الآخوند الخراساني، ١٤٠٩ق، ص ٤٢٢).
في الأمور التي يجب القطع واليقين بها؛ إذا شك في بقاء ذلك الموضوع، هل لا يزال الموضوع باقيًا أم لا؟ بحيث مثلًا إذا كان الموضوع باقيًا، فالحكم السابق لا يزال قائمًا؛ في هذه الحالة، حسب رأي المرحوم الآخوند، الاستصحاب غير جارٍ. يقدم مثالًا لاستصحاب الموضوع الشك في حياة الإمام المهدي. إذا شك شخص هل الإمام المهدي حي أم لا؟ لا يمكنه استصحاب حياته ليقول إذن معرفته لازمة ويجب أن يعرفه. بل في هذا الموضوع يجب تحصيل اليقين بحياته أو عدم حياته. (الآخوند الخراساني، ١٤٠٩ق، ص ٤٢٢).
نتيجة
يمكن تبيين وجهة نظر عدم إمكانية تأسيس الأصل بثمانية تفسيرات، لا يخلو أي منها من إشكال.
أهمها: الاحتمال الأول: ادعاء اختصاص الأصل العملي بالأفعال الخارجية. في نقد هذا الاحتمال، يجب القول إن الأصل في مقابل الأمارة، والمقصود بالعمل أيضًا عام ويشمل العمل القلبي والالتزام النفساني؛ كما يشمل العمل الخارجي، لا أن العمل في مقابل الاعتقاد.
الاحتمال الثالث: التلازم والتساوي بين الاعتقاد واليقين. في نقده، يجب القول إن التدين يمكن أن ينشأ عن معرفة يقينية، ويمكن أن ينشأ عن معرفة غير يقينية.
الاحتمال الخامس: إمكانية التعليق في الاعتقادات. أهم نقد لهذا الاحتمال هو عدم تحليل علاقة إمكانية التعليق بنفي الحجية عن الأصول. لأن الحالات الثلاث الممكنة في تفسير هذا الاحتمال موجودة، وبهذه الحالات الثلاث لا يمكن الإصرار على مجرد إمكانية الاعتقاد الإجمالي ونفي حجية الأصل.
الاحتمال السابع: إمكانية التوقف في الاعتقادات. في نقد ذلك، يجب القول إن البحث ليس في إمكانية التوقف؛ بل في مدى معقوليته. لأن حجية الأصول العملية عامة؛ فمخالفتها والأمر بالتوقف في مقام الاعتقاد أمر غير معقول.
أهم دليل على إمكانية تأسيس الأصل العملي في الاستنباط الكلامي هو تعميم الأصول العملية على مطلق الفعل. دليل هذا التعميم هو إطلاق وعمومية أدلة الأصول العملية من براءة وتخيير واحتياط واستصحاب. الشاهد على هذا التعميم هو أيضًا كلمات الأصوليين في مبحث استعمال الظنون في الاعتقادات والاستصحاب. في مبحث الاستصحاب، قُسمت الاعتقادات إلى قسمين، وفي القسم الأول الذي عُرف فيه الانقياد والاعتقاد كواجب شرعي للإنسان، يكون الاستصحاب قابلًا للجريان. دليل هذا الجريان هو تعميم أدلة التنزيل، وتعميم دليل الاستصحاب، وعمومية أداء الاستصحاب.
المصادر والمراجع
* القرآن الكريم
- ابن منظور (١٤١٤ق). لسان العرب. الطبعة الثالثة، بيروت: دار الفكر – دار صادر.
- اشکنانی، محمد حسین (بی تا). دروس في علم الأصول (خلاصه الحلقه الثانيه). قم: بی نا.
- آخوند خراسانی (١٤٠٩ق). كفاية الأصول. الطبعة الأولى، قم: مؤسسه آل البيت (ع).
- آل شيخ راضی، محمد طاهر (١٤٢٦ق). بداية الوصول في شرح كفاية الأصول. الطبعة الثانية، قم: دار الهدى.
- برنجکار، رضا؛ نصرتیان اهور، مهدی (۱۳۹۳). «اعتبار ظن در اعتقادات». اندیشه نوین دینی، ۱۰(۳۹)، ٨٢-٦٧.
- برنجکار، رضا؛ نصرتیان اهور، مهدی (۱۳٩٦ش). قواعد کلامی توحید. الطبعة الأولى، قم: دار الحديث.
- برنجکار، رضا؛ نصرتیان اهور، مهدی (الف ۱۳۹۲ش). «مقصود اصلی در اعتقادات». تحقیقات کلامی، ۳(١)، ٨٨-٧٥.
- برنجکار، رضا؛ نصرتیان اهور، مهدی (ب ۱۳۹۲ش). «تقلید در اعتقادات از انکار تا پذیرش». معرفت کلامی، ٢(١١)، ٩٤-٧٧.
- برنجکار، رضا (۱۳۹۱ش). روش شناسی علم کلام. الطبعة الأولى، قم: سازمان چاپ و نشر دار الحديث.
- تونی، عبدالله بن محمد (١٤١٥ق). الوافية في أصول الفقه. الطبعة الثانية، قم: مجمع الفکر الاسلامي.
- حکیم، سید محسن (١٤٠٨ق). حقائق الأصول. الطبعة الخامسة، قم: کتابفروشی بصیرتی.
- حكيم، محمد كاظم (١٤٢١ق). المدخل الى علم الأصول دروس في مبادى علم الأصول. الطبعة الأولى، قم: دار الفقه للطباعه و النشر.
- سبحانی تبریزی، جعفر (١٤٢٥ق). رسائل و مقالات. الطبعة الثانية، قم: مؤسسة الإمام الصادق (ع).
- سبحانی تبریزی، جعفر (١٤٢٤ق). ارشاد العقول الى مباحث الأصول. مقرر: محمد حسین حاج عاملی. الطبعة الأولى، قم: موسسه امام صادق (ع).
- شیخ انصاری، مرتضی (۱۳۷۹ش). فرائد الأصول. الطبعة الأولى، قم: دفتر انتشارات اسلامی.
- غروی، محمد حسين (١٣٧٤). نهاية الدراية. قم: انتشارات سيد الشهداء (ع).
- فراهیدی، خلیل بن احمد (۱۳۸۳ش). كتاب العين. تحقیق: مهدى المخزومي، ابراهيم السامرائي و اسعد الطيب، قم: انتشارات اسوه.
- فیومی، احمد بن محمد بن على المقرى (١٤٢٥ق). المصباح المنير. بيروت: دار القلم.
- فیروزآبادی، سید مرتضی (١٤٠٠ق). عناية الأصول. الطبعة الرابعة، قم: انتشارات فیروز آبادی.
- كاشف الغطاء، على (١٤٢٢ق). النور الساطع في الفقه النافع. النجف الاشرف: منشورات موسسه کاشف الغطاء العامه.
- مجتهد تبریزی، صادق بن محمد (۱۳۱۷ق). المقالات الغرية في تحقيق المباحث الأصوليه. الطبعة الأولى، تبریز: مطبعه مشهدی اسد آقا.
- مرعشی نجفی، سید شهاب الدین (۱۳۸۰). القول الرشيد في الاجتهاد و التقليد. سيد عادل علوی، قم: کتابخانه آية الله العظمی مرعشى نجفى.
- مروج، سيد محمد جعفر (١٤١٥ق). منتهى الدراية. قم: انتشارات دار الكتاب جزائري.
- مصطفوی، محمدكاظم (١٤٢٦ق). القواعد الفقهيه. الطبعة الأولى، قم: مركز العالمي للدارسات الاسلاميه.
- مکارم شیرازی، ناصر (١٤٢٨ق). انوار الأصول. مقرر: احمد قدسی. الطبعة الثانية، قم: مدرسه الامام علي بن ابي طالب (ع).
- میرزای آشتیانی (١٤٠٣ق). بحر الفوائد. قم: کتابخانه آیت الله العظمی مرعشی.