إعادة قراءة مقاصد الشريعة في المصادر الفقهية الإمامية وأهل السنة

الملخص

مقاصد الشريعة هي الأهداف والغايات التي لاحظها الشارع الحكيم في تشريعاته، والوصول إلى تلك الأهداف والمقاصد هو مطلوبه ومحل عنايته. لمقاصد الشريعة مراتب ثلاث: الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات. تشمل الضروريات خمسة أصول هي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، والتي يُطلق عليها المقاصد الكلية للشريعة. يرى بعض علماء المقاصد أن عدد المقاصد الضرورية منحصر في هذه الخمسة؛ ولكن يبدو أنه لا يوجد حصر في هذا المجال، وإمكانية زيادتها عقلاً بالنظر إلى ظروف الزمان والمكان ليست منتفية. يتناول هذا المقال، بأسلوب تحليلي-وصفي وبنظرة مختلفة، دراسة مقاصد الشريعة في المصادر الفقهية للإمامية وأهل السنة، وقد توصل إلى نتيجة مفادها أن هناك اتفاقًا بين فقهاء المسلمين في الأصول الكلية لمقاصد الشريعة، والاختلاف يكمن فقط في التعبيرات، وأن كل واحد من مفكري الإمامية وأهل السنة نظر إلى مقاصد الشريعة من زاوية خاصة، وهذا الأمر أدى إلى اختلافات في فروع البحث.[1] [2]

المقدمة

تُعدّ مقاصد الشريعة من المباحث المهمة في علم الأصول، والتي كانت محط اهتمام وبحث العلماء المسلمين منذ القدم. طرح هذا البحث لأول مرة الإمام محمد الغزالي (المتوفى 505هـ) وخصص جزءًا من كتابه «المستصفى» للتحقيق في مقاصد الشريعة. ولكن أول من جعل هذا البحث علمًا قائمًا بذاته هو أبو إسحاق الشاطبي (المتوفى 790هـ). وقد تناول هذا الموضوع في كتابه «الموافقات» بشكل مفصل وموسع. بعد فترة طويلة من التوقف والركود العلمي في طرح مباحث مقاصد الشريعة، قام ابن عاشور (المتوفى 1393هـ) بتقوية هذه النظرية ونشر كتابه بعنوان «مقاصد الشريعة الإسلامية». وبعد ابن عاشور، تناول الكثيرون طرح مباحث مقاصد الشريعة؛ ولكن كان معظمهم بمنهج تنقيح وتبيين نظريات السابقين. بنظرة كلية، يتضح أن من بين مفكري المقاصد، كالجويني والغزالي اللذين يُعدّان من متقدمي هذا المجال، قد اهتموا أكثر بكليات المقاصد وقاموا بتبيينها. ولكن بعد ذلك، تهيأت الأرضية تدريجيًا لتناول جزئيات أحكام الشريعة بنظرة مقاصدية. منذ ظهور فكر مقاصد الشريعة حتى زمن ابن عاشور، كُتبت أعمال كثيرة في مجال مقاصد الشريعة؛ إلا أن الإبداع والتنظير نادرًا ما يُشاهد، وتختلف فقط البيانات وأسلوب الدخول في البحث والهيكل الظاهري للبحث. على الرغم من أن علماء العامة كانوا روادًا في طرح مباحث مقاصد الشريعة، فإن مفكري الشيعة، على الرغم من عدم ذكرهم لمقاصد الشريعة في آثارهم، قد استفادوا منها عمليًا. والشاهد على هذا الادعاء هو الكتب التي كُتبت منذ القرنين الثاني والثالث الهجريين بعنوان «علل الشرائع» أو «علل الشريعة» من قبل علماء الشيعة بهدف تبيين أهداف الشريعة وحكم الأحكام. من هذه الآثار يمكن الإشارة إلى «علل الشرائع» للمفضل بن عمر الجعفي (المتوفى في القرن الثاني الهجري)، و«العلل» للفضل بن شاذان (المتوفى 260هـ)، و«علل الشريعة» للحسين بن علي بن شيبان القزويني (المتوفى في القرن الرابع الهجري)، و«العلل» لمحمد بن إبراهيم بن محمد الهمداني (المتوفى في القرن الثالث الهجري)، و«علل الشرائع والأحكام» للشيخ الصدوق (المتوفى 381هـ). نظرًا لأن نوع النظرة في المباحث الأساسية والمبنائية لمقاصد الشريعة يؤدي إلى ترتب آثارها على الأحكام الناشئة عن تطبيق مقاصد الشريعة في مختلف مجالات الفقه، فقد قررنا ضمن إعادة قراءة المباحث الأساسية لمقاصد الشريعة مثل التعريف، والأقسام، والمراتب، وعلاقتها بعلل وحكم الأحكام، أن نتناول المشتركات والاختلافات بين الفقهاء حولها.

1. دراسة مفهوم مقاصد الشريعة

«المقاصد»، جمع «مقصد»، من جذر «قصد». في اللغة، تعني إتيان الشيء، والعدل، والطريق المستقيم، والاعتماد والتوجه، والطريق الوسط، والتبيين (الطريحي، 1416هـ، 128؛ ابن فارس، 1404هـ، 95؛ الجوهري، 1410هـ، 524 و525؛ الراغب الأصفهاني، 1412هـ، 672؛ ابن منظور المصري، 1414هـ، 353). وفي الاصطلاح، تعني الأهداف التي يكون الوصول إليها مطلوبًا ومرادًا. «الشريعة» من جذر «شرع»، بمعنى وضع السنة والدين (لويس معلوف، بلا تاريخ، 382)، والطريق الواضح والبيّن (الراغب الأصفهاني، 1412هـ، 451)، والرفع (الزبيدي، 1414هـ، 240/11). وفي الاصطلاح، يُطلق على مجموعة من الأنظمة الإلهية العامة التي يؤدي العمل بتعاليمها إلى النمو المعنوي للإنسان. المراد من مقاصد الشريعة هو الأهداف والغايات التي كان تحصيلها مقصودًا ومطلوبًا للشارع الحكيم؛ ومن هنا، فقد صمم ونظم أحكام الشريعة بهدف الوصول إلى تلك الأهداف والغايات. باستقراء آيات القرآن الكريم والروايات، نصل إلى نتيجة أن الهدف الأسمى للشريعة هو الوصول إلى مقام العبودية. وللوصول إلى هذا المقام، رُسمت خطوط سُميت مقاصد الشريعة. هذه الخطوط هي بمثابة تفرعات توصل الإنسان من أحكام الشرع إلى مقام العبودية والقرب الإلهي، الذي هو الهدف النهائي للخلق. الخطوط الكلية للشريعة هي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. أهمية حفظ كل واحد من هذه الأمور تكمن في أنها توصل الإنسان إلى مقصد العبودية وهي خط الوصل بين الإنسان ومقام القرب الإلهي. القيمة الوجودية لأحكام الشريعة هي أنها تهدي الإنسان إلى المقاصد الخمسة، وكلما كان أقرب إلى المقاصد، كانت له قيمة وأهمية أكبر؛ بمعنى أن تقييمها يتم بالنظر إلى المقصد وقياسه به. بطبيعة الحال، كل عمل، بقدر ما يؤمن المقصد الأعلى للشريعة، سيكون له مكانة أكثر قيمة. بعبارة أخرى، كل واحد من المقاصد الخمسة للشريعة هو أداة للوصول إلى المقصد الأعلى للشريعة، وكل واحد من هذه المقاصد يمكن أن يكون وسيلة للوصول إلى مقصد آخر. مثلاً، العقل الذي هو الحجة الباطنة، بمساعدة الحجة الظاهرة أي الأنبياء، يخدم النفس ليكون وسيلة لحاكمية دين الله في الأرض ويوصل البشر إلى أسمى مقام متصور. حفظ بعض المقاصد الخمسة يتحقق بالعمل الفردي والعمل الجماعي؛ مثل حفظ الدين الذي يكون أحيانًا بتشريع حكم وجوب الجهاد، وأحيانًا بالعمل الفردي الذي يجب على كل شخص أن يحفظ دينه بأعمال خاصة؛ أي أن يقوم بأعمال تؤدي إلى حفظ الدين ويتجنب الأعمال التي تؤدي إلى زوال دينه.

2. تعاريف العلماء لمقاصد الشريعة

منذ بداية تشكل نظرية مقاصد الشريعة حتى زمن الشاطبي في القرن الثامن الهجري، حيث بلغت الفكرة المقاصدية أوج ازدهارها ونضجها وبُحثت جوانبها الظاهرة والخفية من قبل العلماء، لم يُقدم أي تعريف للمقاصد. بعد فترة من الركود العلمي دامت عدة مئات من السنين، كان ابن عاشور أول من قدم تعريفًا لمقاصد الشريعة. بعده، قام المقاصديون وكتّاب الكتب المقاصدية، كل منهم بدوره، ببيان تعريف لمقاصد الشريعة. وقد استخدموا في تعريف مقاصد الشريعة تعابير ومفاهيم مختلفة، نشير إلى بعضها:

2-1. تعريف مقاصد الشريعة بالمعاني والحِكَم

يقول ابن عاشور (المتوفى 1393هـ): «مقاصد الشريعة هي المعاني والحكم التي لا تختص بنوع معين من أحكام الشريعة؛ بل لاحظها الشارع في جميع الأحوال، عند التشريع أو في معظمها» (ابن عاشور، 1425هـ، 165/3). بهذا البيان، فإن أوصاف الشريعة مثل الفطرة، والسماحة، واليسر، والغاية العامة للشريعة أي جلب المصلحة ودفع المفسدة، والمعاني التي يعتني بها الشارع في جميع أبواب الشريعة أو معظمها مثل رفع الحرج والضرر، ستدخل في تعريف مقاصد الشريعة (نعمان جغيم، 1435هـ، 26).

2-2. تعريف مقاصد الشريعة بالعِلل والمصالح

يعرّف آية الله جعفر السبحاني المقاصد كالتالي: «العلل والمصالح والأغراض التي تدعو إلى تشريع الحكم الشرعي» (السبحاني، 1383ش، 364). وكذلك الشاطبي (المتوفى 790هـ)، وإن لم يعرّف مقاصد الشريعة رسميًا، إلا أنه أراد من المقاصد هذا المعنى. يقول: «الأعمال الشرعية ليست مقصودة لذاتها؛ بل المعاني التي فيها، أي المصالح التي شُرعت الأحكام من أجلها، هي المقصودة» (الشاطبي، 1417هـ، 121/3 – 122).

2-3. تعريف مقاصد الشريعة بالغايات والأسرار

يعتبر وهبة الزحيلي المقاصد، بالإضافة إلى المعاني والأهداف التي لوحظت في كل أو معظم أحكام الشرع، غايات وأسرارًا وضعها الشارع عند تشريع جميع الأحكام (الزحيلي، 1406هـ، 1017/2). كما أولى علال الفاسي في تعريف المقاصد، اهتمامًا بمكوني غاية الشريعة وأسرارها (علال الفاسي، 1993م، 7). على الرغم من أن تعاريف مقاصد الشريعة قد ذُكرت ببيانات مختلفة في لسان علماء الدين، يمكن استخلاص مفهوم مشترك منها جميعًا، وهو هادفة أحكام الشريعة؛ مع فارق أن بعض التعاريف تنظر إلى المقاصد الكلية، وبعضها في صدد بيان المقاصد والأهداف الجزئية للشريعة، وبعضها الآخر ينظر إلى كلا النوعين من المقاصد؛ مثل نور الدين الخادمي الذي يعرّف المقاصد بالمعاني الملحوظة في الأحكام الشرعية، وهذه المعاني قد تكون حكمًا جزئية أو مصالح كلية؛ ولكنها جميعًا تندرج ضمن هدف أساسي واحد وهو عبودية الله ومصلحة الإنسان في الدنيا والآخرة (الخادمي، 1421هـ، 17). أحمد الريسوني، من المفكرين المعاصرين، في تعريف مقاصد الشريعة، الذي يعتبره ناظرًا إلى تعاريف مفكري علم المقاصد قبله، يقول: «مقاصد الشريعة هي الغايات التي وُضعت أحكام الشريعة من أجل تحقيقها وبهدف تأمين مصلحة العباد» (الريسوني، 1412هـ، 7). الإشكال الوارد على هذه التعاريف هو، أولاً، أن الحدود بين المقصد والمفاهيم الأخرى مثل العلة، والحكمة، والنتائج، والفوائد، والأسرار، والمصالح لم تُحدد؛ بينما لا يدخل أي من هذه المفاهيم، مع ارتباطها واتصالها بمقاصد الشريعة، في تعريفها. ثانيًا، المقاصد هي أهداف كلية للشارع. وثالثًا، العبودية هي هدف أسمى وأعلى من الشريعة، ولذلك لا تقع تحت مقاصد الشريعة؛ بل إذا نظرنا إلى الشريعة كهرم، فإن العبودية تقع في قمته. بالنظر إلى هذه الملاحظات، نقول في تعريف مقاصد الشريعة: «الأهداف الكلية للشارع التي لوحظت في تشريع أحكام الشريعة». بهذا التعريف، تخرج عن تعريف مقاصد الشريعة العلل والحكم والفوائد ونتائج الأحكام التي تُكتسب في طريق الوصول إلى الأهداف، وتبقى فقط الأهداف الكلية في تعريف مقاصد الشريعة.

3. إثبات وجود المقاصد للشريعة

لإثبات هادفة الشريعة، يمكن الاستدلال بالآيات والروايات والعقل.

3-1. دلالة آيات القرآن الكريم على أهداف الشريعة

تدل الآية الحادية عشرة من سورة الشورى المباركة على أن هدف النكاح هو بقاء وتكاثر النسل البشري.[3] الآية 193 من سورة البقرة، تبين فلسفة الجهاد ومحاربة أعداء الدين بأنها تحقيق حاكمية دين الله ونشر الإسلام.[4] إن حفظ حياة الإنسان في التعاليم الدينية له من الأهمية ما يجعل قتل إنسان بغير حق ودون أن يرتكب قتلاً أو ظلمًا، مساويًا لقتل جميع الناس، ونجاة حياة إنسان واحد تعادل نجاة حياة جميع الناس.[5] في سورة النساء، الآيتان الخامسة والسادسة، نُهي عن إعطاء الأموال للسفهاء وأُوصي بحفظ أموال اليتامى.[6] هذا القدر من الاهتمام دليل على أن حفظ الأموال له مكانة خاصة في الشريعة، ولهذا الغرض، أُمر بحفظ ورعاية أموال الأشخاص الذين يُحتمل ألا يكون لديهم القدرة والكفاءة اللازمة لمنع إتلاف أموالهم أو نهبها. كل هذا دليل واضح على أن حفظ المال من أهداف ومقاصد الشرع؛ لذلك، في الحالات التي يُحتمل فيها ضياع الأموال، أبدى الشارع حساسية وأصدر الأوامر اللازمة. كل الأوامر الدينية القائمة على تجنب الإسراف، والقناعة، وحرمة القمار، والنظر إلى من هو دونك في الأمور الدنيوية، يمكن أن تكون من جانب ناظرة إلى مسألة حفظ المال التي هي من الأهداف المنشودة للشارع.

3-2. دلالة الروايات على أهداف الشريعة

في رواية صحيحة السند، نقلها أجلاء الرواة، أن الإمام الصادق عليه السلام قال في جواب سؤال جميل بن دراج عن الحلال والحرام: «ما من شيء إلا وقد جُعل لشيء».[7] يقول العلامة المجلسي في شرح هذه الرواية: «كل أحكام الله شُرعت لحكمة. إذن، كل الحلال والحرام الإلهي، بسبب الحسن والقبح الذي فيها، قد حُمل عليها حكم الحلية أو الحرمة» (المجلسي، 1403هـ، 110/6). لا يمكن أن تكون تشريعات الأحكام اعتباطية؛ بل كل شيء حلال أو حرام لعلة معينة، تحكي عن مصلحة أو مفسدة ذلك الفعل. تقتضي حكمة الله أن يتبع تشريع كل حكم مصلحة أو مفسدة مرتبطة بذلك الفعل. لذلك، تدل هذه الرواية على أن جميع أحكام الله لها علة وحكمة، وأن الله يبتغي هدفًا من تشريعها. سُئل الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن علة الصوم، فقال: «إنما فرض الله الصيام ليستوي به الغني والفقير، وذلك أن الغني لم يكن ليجد مس الجوع فيرحم الفقير، لأن الغني كلما أراد شيئاً قدر عليه، فأراد الله أن يسوي بين خلقه، وأن يذيق الغني مس الجوع والألم ليرق على الضعيف ويرحم الجائع».[8] (ابن بابويه، 1413هـ، 73/2). وفي رواية صحيحة أخرى، سأل محمد بن سنان الإمام الرضا عليه السلام في مكتوب عن علة بعض الأحكام الشرعية، فقال عليه السلام: «علة الزكاة من أجل قوت الفقراء وتحصين أموال الأغنياء…».[9] (ابن بابويه، 1378هـ، 89/2). هاتان الروايتان، بأسانيدهما الصحيحة، تبينان علة وجوب بعض أحكام الشريعة. وهذا الأمر يدل على أن السؤال عن تعليلات الأحكام في تلك الحقبة الزمنية كان أمرًا متعارفًا ومرسومًا؛ لذا، فإن هاتين الروايتين ومئات الروايات الأخرى الصادرة عن الأئمة المعصومين عليهم السلام في تعليلات أحكام الشريعة، تحكي عن إقبال عام من الشيعة نحو فهم علة وفلسفة الأحكام في زمن قريب من عصر التشريع. الهدف من ذكر الأدلة القرآنية والروائية لإثبات مقاصد الشريعة هو إثبات إجمالي لهادفة الشريعة. لذلك، لا يبقى مجال لهذا الإشكال بأن الآيات والروايات المذكورة هي أكثر نظرًا إلى الحكم لا إلى المقاصد.

3-3. دلالة العقل على أهداف الشريعة

إثبات هادفة الشريعة ممكن من خلال برهان الحكمة؛ وذلك بأن من صفات الله تعالى أنه حكيم. وحكمة الله تقتضي ألا يفعل أي فعل عبثًا ولهوًا. لذا، فإن تشريعات الأحكام هي أيضًا حكيمة ولها هدف وغاية؛ وإلا لزم اللغو في فعل الله، وهو ما يتنافى مع حكمته. بعض آيات القرآن الكريم تدل أيضًا على حكمة الله في التشريع؛ مثل الآية 220 من سورة البقرة التي شُرعت فيها رعاية اليتيم وتولي أموره المالية وإصلاحها مع نوع من التيسير؛ لأن الله يقول إنه لو شاء لأعنتكم، ولكن الله حكيم. هنا، حكمة الله تمنع تشريع التكاليف الشاقة والمضنية على عباده؛ لأن الهدف هو حفظ مال اليتيم، وإذا تم التشديد في كيفية حفظ أمواله، فلن يقبل الناس هذه المسؤولية.

4. مصاديق مقاصد الشريعة

قسم العلماء مقاصد الشريعة بناءً على الأولوية إلى ثلاثة أقسام: الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات. والآن، بذكر أمثلة، نوضح كلًا من هذه الموارد.

4-1. الضروريات

الضروريات هي أقوى مراتب المقاصد، وتشمل خمسة أصول: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. يُطلق على هذه الأصول الخمسة اسم المقاصد الكلية للشريعة. كل واحد من هذه المقاصد الخمسة هو هدف ومقصد لجزء من أحكام الشريعة. الهدف من حكم الشرع بقتل الكافر المضل[10] ومعاقبة المبتدع الذي يدعو الناس إلى بدعته هو حفظ الدين. الهدف من وجوب القصاص هو حفظ النفس. حد شرب الخمر والمسكرات الأخرى قد أُوجب بهدف حفظ العقل الذي هو مناط تكليف الإنسان. الهدف وغرض المولى من وجوب حد الزنا هو حفظ النسل والأنساب، وأمور مثل منع غصب وسرقة أموال الآخرين هي مؤمّنة لهدف المولى الحكيم في حفظ المال. جميع الشرائع متفقة على هذه الأصول الخمسة، وإن وجد اختلاف، فهو في الجزئيات فقط (الغزالي، 1413هـ، 174).

4-2. الحاجيات

الحاجيات هي مقاصد ليست في حد الضروريات؛ ولكنها محل حاجة وحاجة عامة للناس. على حد قول الشاطبي، الإحساس بالحاجة إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق الذي غالبًا ما يؤدي إلى الحرج والمشقة (الشاطبي، 1417هـ، 21/2)؛ مثل ولاية الأب في زواج ابنته البكر. هذه الولاية ليست في حد الضرورة؛ ولكن وجودها لازم. لزوم إذن الأب في نكاح ابنته البكر هو لأنها في هذا الموقف تحتاج إلى حامٍ عطوف وخير، وأشفق فرد وخيره للفتاة هو أبوها الذي يستطيع رعاية ابنته، وسلطته الرجولية تحمي ابنته من أعين الطامعين الخبيثة. بالنظر إلى تعريف الشاطبي، الفرق بين الضروريات والحاجيات هو أنه إذا حدث خلل في الضروريات، تنهار الشريعة بأكملها؛ ولكن في الحاجيات ليس الأمر كذلك. وبهذا المعيار المهم، يمكن تمييز الضروري من الحاجي. الذين أخذوا الحاجيات مكان الضروريات لم يلتفتوا إلى هذه النقطة وهذا المعيار، أو أخطأوا في تشخيص الموضوع؛ مثل الذين عدوا العِرض من المقاصد الضرورية، فلو لم تُرعَ هذه المسألة في المجتمع البشري بين الأفراد، لوقع الناس في مشقة وحرج؛ لأن الأفراد يجب أن يوظفوا جزءًا من همهم وغمهم لصيانة أعراضهم وناموسهم؛ ولكن هذا الأمر لا يصل إلى حد انهيار نظام حياة الناس؛ لذلك، يُعد من الحاجيات.

4-3. التحسينيات

بعض المقاصد ليست في رتبة الضروريات ولا الحاجيات؛ بل هي أمر يؤدي إلى تحسين حياة الخلق ويتبعها يسر الأمور ورفاهية الحياة؛ مثل إزالة النجاسة، ورعاية آداب الأكل والشرب (راجع: الشاطبي، 1417هـ، 22/2 – 23)، ورعاية الآداب الاجتماعية، ورفع مستوى الثقافة، وتحسين العلاقات الاجتماعية بين الناس، وغيرها. يرى الشاطبي أن مقاصد الشريعة منحصرة في هذه الأقسام الثلاثة (الشاطبي، 1417هـ، 17/2)؛ بينما هذه الأقسام ليست مستقلة عن بعضها البعض؛ بل هي مكملة لبعضها (الزحيلي، 1406هـ، 1026). إذن، لا يوجد بينها تباين، وهو من شروط التقسيم. من هنا، من المناسب أن نعتبر الضروريات والحاجيات والتحسينيات مراتب لمقاصد الشريعة. بتعبير أدق، الضروريات هي الأصول الكلية للشريعة التي هي محل نظر الشارع مباشرة، والحاجيات هي أوصاف وضوابط لازمة للتنفيذ الصحيح لتلك الأصول. على هذا الأساس، التحسينيات هي أيضًا أوصاف وشروط تقع في مرتبة أدنى من الحاجيات وتُعد نوعًا من الزينة للحاجيات. بهذا الوصف، فإن مقاصد الشريعة في الواقع ليست سوى الضروريات مصحوبة بأوصاف وشروط عبر عنها علماء المقاصد بالحاجيات والتحسينيات. أما عن عدد المقاصد الضرورية، فقد حصرها البعض في هذه الخمسة (الآمدي، بلا تاريخ، 274/3؛ ابن أمير الحاج، 1403هـ، 144/3). والبعض الآخر لا يعتقد بالحصر؛ ولذا أضافوا أمورًا أو نقصوا منها شيئًا (الحسني، 1416هـ، 299؛ ابن تيمية، 343/11). على سبيل المثال، يمكن القول إن حفظ العقل يعود إلى حفظ النفس؛ وذلك أن النفس استُعملت بمعنيين: الجسد والروح (سعدي أبو جيب، 1408هـ، 357؛ الصاحب بن عباد، 1414هـ، 341/8). الإنسان أيضًا له بعدان: جسماني وروحاني، أو بتعبير آخر، له نشأتان: ملكية وملكوتية. والآية المباركة من القرآن الكريم تدل على هذه المسألة.[11] الجسد يشمل البدن والهيكل المادي للإنسان، والروح تشمل العقل وقوة الفكر والشعور والأحاسيس. وبما أن المخاطبين بأحكام الشريعة هم البشر، فيجب أن تغطي هذه الأحكام كلا البعدين الوجوديين للإنسان. استقراء أحكام الشريعة يرشدنا إلى هذه النقطة. إذن، حفظ النفس يشمل الحقوق المادية للإنسان والحقوق المعنوية. على هذا الأساس، حرمة التعرض للإنسان تشمل، بالإضافة إلى جسده وبدنه، شخصيته ونفسيته أيضًا. إذن، الحصر المزعوم في عدد المقاصد الضرورية غير صحيح، وبالتالي فإن إمكانية تغييره عقلاً ليست منتفية؛ لأنه بناءً على مقتضيات وظروف الزمان والمكان، توجد إمكانية عقلية لزيادة أو نقصان مقاصد الشريعة. بعض المعاصرين مثل العلواني، قدموا تقسيمًا مميزًا لمقاصد الشريعة (العلواني، 1431هـ، 145)، وهذا شاهد آخر على أن هذا البحث له قابلية واستعداد للتغيير والتطور.[12] يجب أن يراعى الاهتمام بمقاصد الشريعة حسب ترتيب الأولوية. بمقتضى هذه الأولوية، إذا تعارضت الأصول الخمسة مع بعضها، فيجب، حسب الترتيب المذكور، حفظ المقاصد. في تعارض حفظ الدين وحفظ العقل أو المال، لا شك أن حفظ الدين مقدم؛ لأن العقل والمال وسيلتان لحفظ الدين وفي خدمته. إذا كان حفظ الدين مرهونًا بالدفاع في وجه عدو الله وعدم التسليم له، فإن ذلك الدفاع واجب من أجل حفظ دين الله، حتى لو قُتل عدد كبير في ذلك الطريق.

5. علاقة تعليلات الأحكام بمقاصد الشريعة

بين فقهاء الشيعة، هذه المسألة إجماعية وهي أن جميع أفعال الله [بما في ذلك تشريع الأحكام] معللة بأهداف وأغراض (مكارم، 1427هـ، 394)؛ أما علماء العامة فهم في هذا المجال فريقان: الفريق الأول، وهم القائلون بحجية القياس. هذه الطائفة من الفقهاء يجب عليهم بالضرورة أن يقبلوا تعليل الأحكام؛ لأن القياس يدور حول العلية، ولازم قبول القياس هو الاعتراف بعلية الأحكام. في مقابل الفريق الأول، هناك من يعارضون بشدة ويعتقدون أن أحكام الشريعة لا تقبل التعليل بأي نحو. الآن السؤال هو: بناءً على رأي القائلين بعلية الأحكام، ما هي العلاقة بين تعليلات أحكام الشريعة ومقاصد الشريعة؟ في الإجابة على هذا السؤال، يجب القول إن علية أحكام الشريعة كاشفة عن هادفة تلك الأحكام. بين العقلاء أيضًا الأمر كذلك، حيث توجد علاقة بين علية شيء وهادفته. كل فعل يصدر من إنسان عاقل، له علة وهدف. علته ناشئة من مصلحة أو مفسدة تترتب على الفعل، وهدف يترتب عليه. على سبيل المثال، من يتكفل بمعيشة زوجته وأولاده، بهدف تأمين الرفاه والراحة للأسرة، يسعى لتوفير الإمكانيات اللازمة لتحقيق هذا الهدف. ولهذا الغرض، بالعمل والجد، يشتري بيتًا وسيارة. علة شراء البيت هي تأمين الطمأنينة والسلامة الجسدية والنفسية له ولأسرته، وعلة شراء السيارة هي السهولة والأمان في التنقل. في الحقيقة، شراء البيت والسيارة هما جسران للوصول إلى هدف الرفاه والراحة له. في أحكام الشريعة أيضًا، تجري هذه القاعدة نفسها. تعليلات الأحكام تدل على أن الشارع الحكيم له هدف وغاية سامية، والوصول إلى ذلك الهدف له أهمية بالغة. هادفته تقتضي أن يضع خطة شاملة للوصول إلى ذلك الهدف، وأن يضع أحكامًا للمكلفين يكون لكل منها علة محددة، والعمل بموجبها يؤدي إلى تحقيق تلك الأهداف. اهتمام المولى بإيصال هذه الأحكام إلى المكلفين، والذي كان مصحوبًا بإرسال الرسل وإنزال الكتب، يتطلب اهتمامًا خاصًا لكشف أهداف وغايات الشريعة والعمل بموجبها.

6. علاقة حِكَم الأحكام بمقاصد الشريعة

إن علاقة تعليلات الأحكام بمقاصد الشريعة هي علاقة العلة الغائية بالغاية. العلة الغائية، بوجودها العلمي، هي علة تحفز الفاعل على إصدار الفعل، والغاية هي الوجود العيني للمعلول في الخارج. العلة الغائية، مثل النهي عن الفحشاء بالنسبة للصلاة، التي بسبب المصلحة الموجودة في الملاك، أدت إلى جعل حكم الوجوب من قبل المولى؛ أما غاية هذا الفعل فتتحقق بعد صدوره من المكلف (راجع: نجم آبادي، 1380، 198/1 و 199). بعبارة أخرى، التعليلات والمصالح والمفاسد، بصورتها الذهنية والتصورية، هي منشأ جعل الحكم الشرعي، وحقيقتها الخارجية هي غايات ومقاصد الشريعة. إذن، مقاصد الشريعة هي نفس مصالح وعلل جعل الأحكام؛ ولكن بالتحقق الخارجي لها وبهذا الفرق، يؤدي إلى أن تكون مقاصد الشريعة ومصالح وعلل الأحكام وجهين لحقيقة واحدة. كان اهتمام فقهاء الإمامية منذ البداية منصبًا على العلل الغائية؛ لأن العلل الغائية تتمتع بدعامة قوية وموثوقة من العصمة والنصوص الدينية؛ أما أهل السنة، بسبب عدم امتلاكهم لهذه الدعامة وكذلك لأسباب أخرى، فقد غضوا الطرف عن العلل الغائية واتجهوا نحو الغايات، وهي نفسها مقاصد الشريعة. الحكمة هي المصلحة التي يلحظها الشارع المقدس عند وضع أحكام الشريعة. الفرق بين الحكمة والعلة هو أنه في الحكمة، لم يؤخذ قيد الانضباط؛ لذا لم يجعلها الشارع أمارة على الحكم الشرعي (حكيم، 1418هـ، 296)؛[13] بمعنى أنه كلما وجدت الحكمة، لا يمكن القول قطعًا بوجود الحكم؛ مثل استحباب غسل الجمعة الذي حكمته نظافة الجسد والبدن؛ ولكن هذه النظافة لم تكن سببًا في جعل الحكم؛ لأنه لو كان كذلك، لكان غسل الاستحباب واجبًا دائمًا للنظافة؛ بينما الأمر ليس كذلك. أما علة الحكم فليست كذلك؛ لأن العلة تتلازم مع ثبوت الحكم، وحيثما وجدت العلة، تحقق الحكم أيضًا. إذن، الحكم من حيث الوجود والعدم، يدور مدار العلة؛ ولكن بين الحكم والحكمة لا يوجد مثل هذا الدوران (محمدي باميانى، 1430هـ، 210/4). بعبارة أخرى، حكم الأحكام مثل الفوائد والنتائج التي تترتب على الفعل؛ مثل أن علة تشريع حكم النكاح هي حفظ النسل، وعلى حكم النكاح تترتب آثار وفوائد، وإن لم تكن علة تشريع الحكم، إلا أن الشارع قد أولاها اهتمامًا عند تشريع الحكم؛ مثل حفظ عفة وطهارة الزوجين، وإيجاد الطمأنينة في الزوجين، وحفظ الأسرة كمركز لخلق المحبة والألفة بين الزوجين والأبناء. على هذا الأساس، حكم الأحكام، مع الاتصال والتشابه الذي لها مع مقاصد الشريعة، من حيث إن كلاهما يشتمل على المصلحة، والمصالح الموجودة في حكم الأحكام تمهد لتحقق المصالح الكلية لمقاصد الشريعة، فإن النسبة بينهما هي التباين؛ لأن الضرورة التي لوحظت في مقاصد الشريعة لا وجود لها في الحكمة.

7. خصائص وميزات مقاصد الشريعة

إن معرفة خصائص مقاصد الشريعة تساعدنا في فهمها بشكل أفضل وتمييز المقاصد عن غيرها؛ لذا، سنواصل تبيين أربع خصائص مهمة لمقاصد الشريعة.

7-1. كون المقاصد شرعية ودينية

الشريعة هي مجموعة من الأنظمة الإلهية التي وصلتنا في قالب أوامر ونواهي الله تعالى عن طريق الكتاب والسنة. هذه الأوامر والنواهي تؤمن السعادة الدنيوية والنجاة الأخروية للإنسان. جميع التعاليم الدينية قائمة على أساس الارتباط والاتصال بين هذه الدنيا والدنيا الأخرى. على هذا الأساس، يجب أن تشمل مقاصد الشريعة أيضًا مصالح الدنيا والآخرة معًا. جلب المصالح ودفع المفاسد معتبر ومقبول من هذا الجانب الذي تؤمن فيه حياة هذه الدنيا سعادة الحياة الأخروية للإنسان. إذن، يجب أن يكون جلب المصلحة ودفع المفسدة ناشئًا من الشرع، لا من أهواء ورغبات الإنسان النفسية (الشاطبي، 1417هـ، 63/2). بعبارة أخرى، مقاصد الشريعة هي غايات الشريعة، وغايات الشريعة بالتأكيد تقع ضمن إطار ودائرة الشريعة؛ إذن، مقاصد الشريعة تقع أيضًا في نطاق وحدود الشريعة، وهذا هو معنى كون المقاصد شرعية.

7-2. كون المقاصد عقلية

مقاصد الشريعة، بسبب المناسبة التي لها مع فطرة الإنسان، يقبلها كل عقل سليم وخالٍ من الشوائب (راجع: الخادمي، 1419هـ، 32/2).[14] عودة هذا المطلب إلى أن تعاليم الإسلام وتعاليمه منطبقة على العقل ومناسبة لفطرة وطبيعة الإنسان. لقد عرّف الله تعالى في القرآن الكريم دينه بأنه الدين المنطبق على فطرة الإنسان (الروم، آية 30). على هذا الأساس، يحكم عقل كل إنسان بقبح وسوء قتل إنسان بريء أو ظلمه، أو أنه يوجب حفظ مال وناموس الآخرين. فكما يجب أن تكون المقاصد منطبقة على الشرع، يجب أن تكون مطابقة للعقل أيضًا.

7-3. كون المقاصد يقينية أو مستندة إلى الظنون المعتبرة

لا ينبغي أن تكون مقاصد الشريعة ظنية ومستندة إلى الحدس والتخمين أو الخيالات والأوهام؛ لأن الظنون إذا لم تكن لها دعامة علمية، فهي غير قابلة للاعتبار والاعتماد بأي وجه. في آيات القرآن الكريم، نُهي الإنسان عن اتباع ما ليس له به علم (الإسراء، آية 36)، وتم التأكيد على أن الظن لا يغني من الحق شيئًا (يونس، آية 36). للوصول إلى اليقين، يجب أن يكون الاعتقاد جازمًا؛ بحيث لا يبقى احتمال للخلاف (مظفر، بلا تاريخ، 327/1). إذن، يجب أن تندرج المقاصد في أحد أنواع اليقينيات الستة (الأوليات، والمشاهدات، والتجريبيات، والمتواترات، والحدسيات، والفطريات)، أو أن تكون مبنية على أحد الظنون المعتبرة حتى تكون قابلة للاستناد. يعتبر علماء أهل السنة القياس، إلى جانب القرآن والسنة النبوية والإجماع، من مصادر الفقه (الزرقاء، 1425هـ، 73/1). يقول الغزالي في بحث الاستصلاح: المصلحة المعتبرة شرعًا حجة، وهذه الحجية ناشئة من القياس، والمقصود بالقياس هو أخذ الحكم من النص المعقول والإجماع؛ مثل الحكم بحرمة كل شراب أو طعام مسكر قياسًا على حرمة الخمر؛ على أساس أن الخمر حُرمت لحفظ العقل الذي هو مناط التكليف، وحرمة الخمر دليل على أن الشارع قد لاحظ مصلحة حفظ العقل (الغزالي، 1413هـ، 173 – 174). بعض فقهاء الشيعة مثل الوحيد البهبهاني، يعتبرون قياس منصوص العلة حجة (الوحيد البهبهاني، 1415هـ، 451). حجية هذا النوع من القياس مشروطة بفهم العرف (الميرزا القمي، 1420هـ، 675) وحصول اليقين بأن الملاك والعلة المذكورة في النص هي العلة التامة؛ وإلا فلن تكون حجة. ولكن بالنظر إلى أن العقل البشري عاجز بل قاصر عن الإحاطة الكاملة بجميع ملاكات الأحكام (الوحيد البهبهاني، 1426هـ، 22)، وبتصريح الميرزا القمي، فإن الإمامية مجمعون على بطلانه (الميرزا القمي، 1387هـ، 388)، فإن حجية هذا القسم من القياس تواجه تحديًا جديًا؛ بحيث إن عدم حجية القياس المطلق عند مشهور الإمامية يُعد من ضروريات المذهب (الحائري، بلا تاريخ، 554).

7-4. كلية المقاصد وشموليتها

يجب أن تكون المقاصد كلية وقابلة للتعميم على مختلف الحالات، وأن تكون كليتها بحيث تحررنا من النظرة الجزئية والمقطعية. إذن، نحن نسعى لكشف ضوابط للمقاصد الكلية للشريعة حتى نتمكن من خلالها من إصدار قواعد وأحكام عامة. الشمولية والجامعية من خصائص شريعة الإسلام، التي في ظلها تشمل أحكام وأنظمة الشريعة جميع الأزمنة والأمكنة، وكذلك جميع مراحل وشؤون حياة الإنسان. بدلالة آيات القرآن الكريم، للإسلام القدرة على تلبية جميع احتياجات البشر الهدايتية (الأنعام، آية 115)[15] وله برنامج لجميع مراحل حياة الإنسان. من ناحية أخرى، تعاليم الإسلام ليست محدودة بعصر معين، والبشرية جمعاء هم المخاطبون بها (يونس، آية 108).[16] المقاصد أيضًا، بما أنها مقاصد شريعة تتسم بالكلية والشمول، فلا بد أن تتمتع بهذه الخصائص نفسها. إذن، يجب أن تكون لمقاصد الشريعة قابلية التطبيق والتنفيذ في مختلف الظروف الزمانية والمكانية وفي مختلف مجالات ومراحل حياة الإنسان. النقطة التي يجب الإشارة إليها هي أن كلية وشمولية الشريعة لها درجات ومراتب، وتبعًا لذلك، تجد مقاصد الشريعة أيضًا درجات ومراتب. في مقارنة الدرجات والمراتب مع بعضها البعض، تنشأ كلية وجزئية نسبية لا نفسية، وكلاهما مؤيد ومؤكد في هذا البحث.

النتيجة

1. مقاصد الشريعة هي الأهداف التي يكون الوصول إليها مرادًا ومطلوبًا للشارع، وتحقيق تلك الأهداف يؤمن سعادة الحياة الدنيوية والأخروية للإنسان.

2. باستقراء آيات القرآن الكريم، يتضح أن الله تعالى في تشريع الأحكام لعباده، قد أولى اهتمامًا لأصول مهمة مثل حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. إذن، على الفقيه أيضًا في استنباط الحكم أن يلتزم بهذه الأصول ويجعلها نصب عينيه.

3. الخمسة المذكورة هي المقاصد الضرورية للشريعة التي هي أعلى مراتب المقاصد. الحاجيات تقع في الرتبة التالية للضروريات وهي مكملة لها، والتحسينيات هي متممة للحاجيات. إذن، مقاصد الشريعة في الواقع ليست سوى الضروريات مصحوبة بأوصاف وشروط عبر عنها علماء المقاصد بالحاجيات والتحسينيات.

4. المقاصد الضرورية الخمسة ليست حصرية؛ بل إمكانية زيادتها أو نقصانها أو إدغام بعضها في بعض موجودة.

5. مقاصد الشريعة قابلة للإثبات عن طريق الدليل العقلي والنقلي (الآيات والروايات).

6. نسبة علل الأحكام إلى مقاصد الشريعة هي مثل علاقة العلة الغائية بالغاية. فكما أن العلة الغائية هي منشأ صدور الحكم والغاية هي الحقيقة الخارجية له، فإن مقاصد الشريعة هي التحقق الخارجي لتعليلات الأحكام.

7. النسبة بين مقاصد الشريعة وحكم الأحكام هي التباين.

8. خصائص مقاصد الشريعة هي: كونها شرعية ودينية، وعقلية، ويقينية أو مستندة إلى الظنون المعتبرة، والكلية والشمولية.

الهوامش

1. باحثة في المستوى الرابع بجامعة الزهراء عليها السلام، فرع الفقه والأصول (الكاتب المسؤول)؛ fatimeh_na_110@yahoo.com

2. أستاذ مساعد وعضو هيئة التدريس بجامعة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم العالمية؛ alisaeli1963@gmail.com

3. ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾؛ جعل لكم من أنفسكم أزواجًا، ومن الأنعام أزواجًا، يكثركم بذلك.

4. ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾؛ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله.

5. ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾؛ من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا» (المائدة، آية 32).

6. ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾؛ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا. ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾؛ وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم.

7. عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سأله عن شيء من الحلال والحرام فقال: إنه لم يجعل شيء إلا لشيء.

8. إنما فرض الله عز وجل الصيام ليستوي به الغني والفقير وذلك أن الغني لم يكن ليجد مس الجوع فيرحم الفقير لأن الغني كلما أراد شيئًا قدر عليه فأراد الله عز وجل أن يسوي بين خلقه وأن يذيق الغني مس الجوع والألم ليرق على الضعيف فيرحم الجائع.

9. علة الزكاة من أجل قوت الفقراء وتحصين أموال الأغنياء، لأن الله عز وجل كلف أهل الصحة القيام بشأن أهل الزمانة والبلوى كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾.

10. يذكر الغزالي كمثال لمقصد حفظ الدين قتل الكافر المضل؛ أما الفاضل المقداد فيذكر قتل الكافر المرتد.

11. ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (الحجر، آية 29).

12. يلخص مقاصد الشريعة العليا في ثلاثة أمور: التوحيد، والتزكية، والعمران.

13. أخذ قيد الانضباط في العلة يعني أننا نصل دائمًا من العلة إلى الحكم الشرعي؛ ولكن من الحكمة، غالبًا لا نصل إلى الحكم الشرعي؛ لذا نقول إن قيد الانضباط لم يؤخذ في الحكمة.

14. على فرض أن العقل من شؤون الفطرة؛ بمعنى أننا إذا نظرنا إلى الفطرة بوظيفتها المعرفية، فإنها تشمل العقل، وإذا نظرنا إليها بوظائف أخرى مثل الوظيفة الحسية والتحفيزية، فإنها ستشمل أمورًا أخرى غير العقل.

15. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾؛ تمام وكمال القرآن والإسلام يقتضي أن يتمكن من تلبية جميع الاحتياجات الهدايتية للإنسان.

16. ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾. خطاب «يا أيها الناس» يشمل البشرية جمعاء على مر التاريخ.

Scroll to Top