الملخص
إن أحاديث «خلق آدم على صورته»، التي انتشرت على نطاق واسع في المصنفات الحديثية، قد شكلت على مر القرون أرضية لتحديات عقائدية بين التيارات المختلفة في العالم الإسلامي، ولا سيما بين المحدثين والمتكلمين. وفي السياق التاريخي لهذه التحديات، تكمن خصوصية القرنين الثاني والثالث في أنه من خلال دراسة ما جرى في تلك الحقبة حول الأحاديث المذكورة، يمكن الوصول إلى نقاط قيمة حول المناخ الفكري في عصر تشكل المذاهب والعلوم الإسلامية وكيفية الحوار بين مختلف الأصناف والطوائف. السؤال الرئيس في هذه المقالة هو: إلى أي مدى راعى المحدثون في القرنين الثاني والثالث الهجريين، في أدائهم لنقل أحاديث «على صورته/صورة الرحمن»، الخطوط الحمراء التي وضعها المتكلمون في هذا الباب؟ وما هو تقييم المتكلمين في مجمل مواجهتهم لهذه الأحاديث، من حيث أمانة المحدثين في النقل؟ المنهج المتبع في هذا البحث، في مواجهة الجانب النقلي للأحاديث، هو التصنيف الإسنادي المتني، وفي مواجهة الجانب الفهمي للمسألة، هو منهج تاريخ الفكر.
المقدمة
في الآثار الحديثية المتنوعة، سُجِّل طيف من الأحاديث تتناول خلق حضرة آدم (ع)، أبي البشر، بصورة خاصة؛ ففي غالبية أنواع هذا الطيف، يظهر تعبير «خلق… على صورته»، وفي قلة منها يظهر تعبير «على صورة الرحمن». في بحث جذور هذا الحديث وسياقه الفهمي الأول، يُتوقع أن يبدأ البحث من القرن الأول الهجري، خاصة وأن مضمون هذه الأحاديث يرد أيضاً في عبارات من التوراة (سفر التكوين 1: 26-27). ومع ذلك، فإن محور البحث في هذه المقالة هو مسألة برزت خلال القرنين الثاني والثالث الهجريين، وتتمثل في الملاحظات الكلامية في فهم هذه الأحاديث.
يهدف هذا البحث إلى التركيز على هذين القرنين، بوصفهما فترة تزامنت فيها كتابة أولى المصنفات الحديثية مع تشكل المذاهب الكلامية الأولى، ليلقي الضوء على الحوارات المتقدمة بين صنفي المحدثين والمتكلمين، ويدرس محاذير كلا الطرفين في فهم هذه الأحاديث، ويقوم بدراسة العلاقة بين رواية الحديث وشرحه في هذه الحقبة. وفي هذا السياق، يتم تقييم موقف المحدثين والمتكلمين تجاه هذا الطيف من الأحاديث، وتُبحث مسألة كيفية التبادل المعرفي بين هذين الصنفين من العلماء في تلك القرون حول الأحاديث موضوع البحث، وماهية ردود الفعل المباشرة وغير المباشرة لكل منهما تجاه مواقف الآخر. السؤال الرئيس في هذه المقالة هو: إلى أي مدى راعى المحدثون في القرنين الثاني والثالث الهجريين، في أدائهم لنقل أحاديث «على صورته/صورة الرحمن»، الخطوط الحمراء التي وضعها المتكلمون في هذا الباب؟ وما هو تقييم المتكلمين في مجمل مواجهتهم لهذه الأحاديث، من حيث أمانة المحدثين في النقل؟ المنهج المتبع في هذا البحث، في مواجهة الجانب النقلي للأحاديث، هو التصنيف الإسنادي المتني، وفي مواجهة الجانب الفهمي للمسألة، هو منهج تاريخ الفكر.
1. المحدثون وتنوع ألفاظ النقل
في القرن الثاني الهجري، وُجدت ثلاثة أطياف من الأحاديث تحمل في طياتها على نحو ما عقيدة «خلق آدم على صورته». المجموعة الأولى، التي نشير إليها بالمجموعة التشبيهية، تضم تلك الأحاديث التي تحمل تعبير «على صورته» دون أي سياق معدِّل. المجموعة الثانية، التي نشير إليها بالمجموعة المعدَّلة، تضم تلك الأحاديث التي يُعدَّل فيها تعبير «على صورته» ضمن سياق معين؛ ففي هذه المجموعة من الأحاديث، يُذكر أنه إذا نشب نزاع جسدي أو لفظي بين شخصين، فيجب تجنب إيذاء الوجه أو تقبيحه، لأن الله خلق آدم «على صورته»، بغض النظر عن مرجع الضمير «الهاء». أما المجموعة الثالثة، التي نشير إليها بالمجموعة الرحمانية، فتضم تلك الأحاديث التي لا يوجد فيها سياق معدِّل، ولكن تحويل «على صورته» إلى «على صورة الرحمن» يعزز المعنى التشبيهي ويجعل إمكانية تأويل الضمير منتفية؛ وقد ذكر ابن قتيبة صراحة أن رواية «صورة الرحمن» هي نتاج عناد ومحاولة جماعة لإرجاع الضمير إلى الله (ابن قتيبة، 1393هـ ق، 220). والأمثلة كالتالي:
نموذج المجموعة التشبيهية: عن أبي هريرة عن النبي (ص): «خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعاً… فكل من يدخل الجنة على صورة آدم…» (مثلاً البخاري، 1407هـ ق، 5: 2299).
نموذج المجموعة المعدَّلة: عن أبي هريرة عن النبي (ص): «إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته» (مثلاً مسلم، 1955م، 4: 2017). وعن أبي هريرة عن النبي (ص): «لا يقولن أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فإن الله خلق آدم على صورته» (مثلاً ابن حبان، 1414هـ ق، 13: 18).
نموذج المجموعة الرحمانية: عن عبد الله بن عمر عن النبي (ص): «لا تقبحوا الوجه، فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن» (ابن أبي عاصم، 1400هـ ق، 1: 229).
بين الصحابة، نُقل هذا المضمون بشكل أساسي عن أبي هريرة وعبد الله بن عمر، ولكن نادراً ما شوهدت أسانيد تنتهي إلى الإمام علي (ع) (ابن بابويه، 1387هـ ق، 152) وأبي سعيد الخدري (عبد بن حميد، 1408هـ ق، 283؛ ابن بطة، 1415هـ ق، 3: 261-262). من الناحية الإسنادية، يجب القول إن المجموعة التشبيهية نُقلت بالكامل بواسطة رواة يمنيين، منهم همام بن منبه، ومعمر بن راشد، وعبد الرزاق الصنعاني، في ثلاث طبقات متتالية (مثلاً انظر: صحيفة همام، 43؛ أحمد بن حنبل، 1313هـ ق، 2: 315). والاستثناء الوحيد هو إسناد عن طريق محمد بن حمير الحمصي عن شعيب بن أبي حمزة الحمصي عن رواة مدنيين (الطبراني، 1405هـ ق، 4: 297؛ ابن عساكر، 1415هـ ق، 10: 118).
أما المجموعة الثانية، فتنتشر على نطاق واسع بين التابعين وتابعي التابعين من المدينة والبصرة. من المدينة، يُعد سعيد المقبري، وعبد الرحمن الأعرج، ومحمد بن عجلان، وأسامة بن زيد، وأبو معشر المدني، ومحمد بن موسى الفطري، وأبو الزناد، وموسى بن أبي عثمان من الشخصيات البارزة. ومن البصرة، أبو أيوب المراغي، وقتادة بن دعامة، ويحيى بن سعيد القطان، وسعيد بن أبي عروبة هم الأبرز في هذا الباب (أحمد بن حنبل، 1313هـ ق، 2: 244-251، جم؛ مسلم، 1955م، 4: 2016؛ ابن حبان، 1414هـ ق، 12: 420 ومصادر أخرى كثيرة). من البلدان الأخرى، تُدرج رواية سفيان بن عيينة – العالم الكوفي المهاجر إلى مكة (مثلاً الحميدي، 1409هـ ق، 2: 476)، وليث بن سعد – العالم المصري الذي درس في المدينة (مثلاً ابن خزيمة، 1994م، 82)، وشعيب بن أبي حمزة عالم حمص ضمن هذه المجموعة. بل يجب الإشارة في هذا الصدد إلى رواية لإسماعيل بن عُلية (ت 193هـ ق) من علماء أصحاب الحديث في البصرة الذي استقر في بغداد وكانت له أفكار قريبة من المتكلمين؛ فقد روى حديثاً بأسانيد عن الإمام علي (ع) يتحدث عن مشاجرة لفظية بين شخصين وتوصية النبي (ص) الأخلاقية لهما بتجنب تقبيح وجه الآخر، مع التصريح بعودة ضمير الهاء في «صورته» إلى الشخص المقبَّح (ابن بابويه، 1387هـ ق، 152).
أما المجموعة الثالثة، فرواتُها كوفيون ومصريون، ومن أبرز وجوهها في الكوفة حبيب بن أبي ثابت وسليمان الأعمش (مثلاً الآجري، 1408هـ ق، 3: 1152؛ الحاكم النيسابوري، 1411هـ ق، 2: 349)، وفي مصر، سُليم بن جُبير وابن لهيعة (مثلاً ابن أبي عاصم، 1400هـ ق، 1: 230؛ ابن بطة، 1415هـ ق، 3: 260). خارج الكوفة ومصر، لا توجد إلا رواية عطاء بن أبي رباح، عالم مكة، ضمن هذه المجموعة (مثلاً عبد الله بن أحمد، 1406هـ ق، 1: 268؛ الحارث، 1413هـ ق، 2: 831). بناءً على ذلك، يمكن القول إنه من بين البيئات المتقدمة، كانت اليمن معقل المجموعة التشبيهية، والمدينة والبصرة معقل المجموعة المعدَّلة، والكوفة ومصر معقل المجموعة الرحمانية، ومكة ممثلة في المجموعات الثلاث.
فيما يتعلق بمجموع الروايات المذكورة، يجب القول إن المجموعتين الثانية والثالثة تمثلان خطابين مضادين ظهرا في مواجهة خطاب المجموعة الأولى، أي المجموعة التشبيهية. فالمجموعة الثانية، أي مجموعة الأحاديث المعدَّلة، كانت في مقام الرد، بحيث تنتقد النص التشبيهي عملياً، دون إنكار أصل صدور الحديث، وذلك من خلال طرح نص أكثر تفصيلاً يتضمن سياقاً توضيحياً، وتحويل حديث يتعلق ببدء خلق الإنسان إلى حديث أخلاقي حول حرمة وجه الإنسان، وتغيير الظروف بحيث لا يتشكل فهم تشبيهي للحديث. أما الأحاديث الرحمانية – أي المجموعة الثالثة – فقد ظهرت في مقابل المجموعة الثانية، وسعت إلى التأكيد على أن «على صورته» في الحديث تشير إلى صورة الله ذاتها، مع الحفاظ على السياق التوضيحي.
كان التصنيف المقدم للأحاديث في ثلاث مجموعات نتاج نظرة تزامنية، ولكن إذا نظرنا إلى الأحاديث المذكورة من منظور تاريخي، فيجب القول إنه في العقود الأولى من القرن الثاني الهجري، قام أشخاص مثل قتادة في البصرة بمقدمة «إذا ضربتم إذا قاتل أحدكم…»، وحبيب بن أبي ثابت في الكوفة بمضمون النهي عن تقبيح الوجه، وسعيد المقبري في المدينة، وربما عطاء في مكة، كلاهما بنفس مضمون النهي عن تقبيح الوجه، بنقل أقوال في هذا الشأن عن النبي (ص). رواية قتادة وعطاء، وبالتالي حبيب الذي يروي عن عطاء، مترددة بين المرسل والمرفوع، لكن رواية المقبري تظهر فقط بصيغة مرفوعة. حديث قتادة والمقبري عن أبي هريرة يغلب عليه لفظ «على صورته»، وحديث حبيب عن عطاء يغلب عليه لفظ «صورة الرحمن».
في العقدين الثالث والرابع من القرن الثاني الهجري، قام أشخاص مثل أبي الزناد في المدينة وهمام بن منبه في صنعاء بترويج الحديث بكلا لفظي «…على صورته طوله سبعون ذراعاً»، بينما سعى الأعمش في الكوفة إلى نقل الحديث بكلا لفظي «على صورته» و«على صورة الرحمن» من طريقين مختلفين. في العقدين الخامس والسادس من القرن الثاني الهجري، كان أشخاص مثل المثنى بن سعيد في البصرة، ومحمد بن عجلان في المدينة، ومعمر بن راشد في صنعاء من مروجي الحديث. في العقد الثامن، كان علماء من مصر مثل عبد الله بن لهيعة وليث بن سعد نشطين في ترويج أنواع من الحديث، لكن مالك بن أنس عارض ترويجها بشدة. في العقدين الأخيرين، قام البعض مثل محمد بن سواء في البصرة من علماء أهل القدر، ومحمد بن حمير في حمص، برواية الحديث بطرق معلَّلة. كما أن أشخاصاً مثل جرير بن عبد الحميد في الري، وسفيان بن عيينة في مكة، ويحيى بن سعيد القطان في البصرة، كانوا مجتهدين في نشره. وبعد فترة وجيزة، يجب إضافة عبد الرزاق في صنعاء إليهم.
2. المواجهات الكلامية الأولى
في هذا القسم، يتم استعراض مواجهات مختلف أطياف علماء الإسلام مع أحاديث «على صورته/صورة الرحمن»، سواء أبدوا آراءهم بصفتهم متكلمين وأصحاب مذاهب وفرق، أو أن مواقفهم تعود بشكل ما إلى صياغات كلامية. من الناحية التاريخية، يجب القول إن الروايات المتعلقة بأوائل القرن الثاني الهجري أقل من أن تكون مطمئنة في إثبات ظهور هذا الخطاب الكلامي في تلك السنوات، ولكن يمكن القول إن البحث الكلامي حول مضمون «على صورته/صورة الرحمن» قد طُرح بجدية في الربع الثاني من ذلك القرن. التقارير الموجودة حول المواقف الكلامية في هذه السنوات أكثر وفرة وتنوعًا من أن يُشكك في قيمتها التاريخية بسهولة. وبصرف النظر عن الاختلافات في التفاصيل، فإن مجمل التقارير يشير إلى أنه في الفترة المذكورة – بالتزامن مع إمامة الإمام الصادق (ع) (114-148هـ ق) – دار نقاش واسع في مجال الصفات حول معنى الحديث ولوازمه المعرفية بالله بين أصحاب المذاهب. تمت هذه المواجهة الكلامية بمشاركة علماء من الشيعة والمذاهب الأخرى، ولكن لتنقيح البحث، سيتم أولاً دراسة التيارات المذهبية المختلفة كخلفية خطابية، ثم سيتم تناول آراء الإمامية في هذا الصدد.
في هذا السياق، يجب أولاً ذكر المتكلمين التنزيهيين، الذين لا يتوافق الإيمان بظاهر هذه الأحاديث مع أسس فكرهم. في هذا المسلك، يجدر ذكر أتباع جهم بن صفوان (ت 128هـ ق) والمعتزلة، الذين أسس مذهبهم في منتصف القرن الثاني الهجري أشخاص مثل واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد في البصرة. بناءً على نقل ابن قتيبة، أنكر بعض المعتزلة مثل إبراهيم النظام أصل صدور الحديث، واعتبره من اختلاقات المحدثين لتعارضه مع العقل (ابن قتيبة، 1393هـ ق، 217). في مصادر أصحاب الحديث، يُنقل نقد مضمون «على صورته» ضمنيًا عن الجهمية أيضًا (ابن بطة، 1415هـ ق، 3: 265؛ ابن أبي يعلى، 1371هـ ق، 1: 212)؛ بالطبع يجب الانتباه إلى أن مصطلح «الجهمية» في لغة أصحاب الحديث غالبًا ما يشمل مجموعة أوسع من التنزيهيين. على أي حال، في كل هذه النقول، ما يُنقل عن الجهمية هو تقديم تفسيرات تنزيهية للأحاديث المعنية، وليس إنكار صدورها. والمثال البارز على ذلك هو إرجاع الضمير إلى آدم وليس إلى الله (ابن بطة، ابن أبي يعلى، الموضعان نفساهما؛ وانظر أيضًا: ابن قتيبة، 1393هـ ق، 219).
ومن التفسيرات الأخرى لدى التنزيهيين: إرجاع الضمير إلى الشخص المقبَّح في قصة المشاجرة (ابن قتيبة، 1393هـ ق، 219)، وخلق الله آدم على صورة كانت عنده (نفس المرجع: على صورة عنده)، وإرجاع الضمير «هاء» إلى الوجه (نفس المرجع: صورة الوجه)، وأن الله خلق آدم في الجنة بنفس الصورة التي كانت له على الأرض (نفس الأثر، 220). أبو العباس ثعلب (ت 291هـ ق) أيضًا، مع أنه أرجع الضمير إلى الله، إلا أنه اعتبر الإضافة إضافة تشريفية، بمعنى «الصورة التي اختارها الله لآدم والهيئة التي وضعها فيه» (ثعلب، 1960م، 115). الاستثناء الوحيد بين متكلمي المعتزلة هو نقل عن أحمد بن حائط وفضل الحدثي في مصدر الحربي؛ بناءً على هذا النقل، كانوا يعتقدون، مع قبولهم لأصل حديث «على صورته»، أن الذي خلق آدم على صورته هو عيسى المسيح (ع) (ابن حزم، 1347هـ ق، 4: 150). ومن المتأخرين، يذكر السيد الشريف الجرجاني أن ابن حائط كان يعتقد بوجود إلهين للعالم: إله قديم هو الله، وإله محدث هو المسيح؛ وهو الذي سيحاسب الناس يوم القيامة، وهو مرجع الضمير في حديث «على صورته» (الجرجاني، 1405هـ ق، 128). بالنظر إلى عدم الدقة المعهودة عن ابن حزم في نقل آراء الفرق وتأخر الجرجاني، لا يمكن الاطمئنان إلى دقة هذا النقل، ولكن ما يستند إليه، وهو أنه يعود إلى نوع خاص من المسيحانية، يتأكد في الأفكار المنقولة عن أحمد بن حائط (الشهرستاني، 1375هـ ق، 1: 61).
المجموعة الأخرى المطروحة التي يجب الإشارة إليها هم أهل التصوف والعرفان. ومن بين هذه الجماعة، يمكن العثور على أشخاص سلكوا طريق التأويل على غرار المتكلمين التنزيهيين، وأيضًا أهل تنسك تمسكوا بالمعنى الظاهري للحديث في روايته التشبيهية، جنبًا إلى جنب مع ظاهرية أهل الحديث. يذكر أبو الحسن الأشعري جماعة من النساك كانوا يعتقدون أن الله على صورة إنسان ويثبتون له أعضاء وجوارح ولحمًا ودمًا (الأشعري، 1980م، 288). لم يذكر اسم شخص بعينه في هذا الصدد، ولكن يبدو أن إشارته تتعلق برجال أهل زهد وتنسك مهدوا لتيارات مثل السالمية، وكانوا يعيشون في القرن الثالث الهجري في مدن مختلفة، خاصة البصرة. في المقابل لهؤلاء النساك، كان هناك رجال تصوف مثل الحسين بن منصور الحلاج (المتوفى 309هـ ق) الذين كانت وجهة نظرهم في فهم حديث «على صورته» قريبة من المتكلمين التنزيهيين. الصياغة المنقولة عنه هي: «صورته التي صوره عليها، فأحسن صورته» (السلمي، 1421هـ ق، 2: 330). وبناءً على ذلك، أعاد الضمير «هاء» في «صورته» إلى آدم وليس إلى الله؛ وهذا النوع من تحديد مرجع الضمير شوهد سابقًا في أوساط أصحاب الحديث عند أبي ثور (انظر: السطور التالية).
أما في أوساط أصحاب الحديث، فيجب أولاً الإشارة إلى التيارات التي كانت تنظر بإيجابية إلى الفكر الكلامي التنزيهي، وتسعى إلى نوع من المصالحة النسبية بين الاتجاه الحديثي والفكر الكلامي. ومن بين هذه المجموعة، يمكن الإشارة إلى شخص مثل أبي ثور (ت 240هـ ق) من أصحاب الحديث في بغداد، ذي الأفكار القريبة من الشافعي، الذي حاول من خلال اقتراح حول مرجع الضمير، ومع قبوله لأصل صدور الحديث، أن يبعده عن الفهم التشبيهي. فقد كان يعتقد أن الضمير «هاء» في الحديث يعود إلى آدم، وأن الله خلق آدم على صورة آدم، وهو تفسير قوبل بمعارضة شديدة من معاصره البغدادي أحمد بن حنبل (ت 241هـ ق) (المكي، 1426هـ ق، 1: 287). كذلك، فإن أحد محدثي ذلك العصر، الذي لم يُصرح باسمه في المصادر، كان يعيد الضمير «هاء» إلى مرجع مقدر، أي الطين، ويفسر «صورته» بـ«صورة الطين»، وقد نُقلت معارضة أحمد بن حنبل لذلك أيضًا (ابن بطة، 1415هـ ق، 3: 265). تجدر الإشارة إلى أنه في أواخر القرن الثالث الهجري، نسب حمدان بن هيثم التيمي، من علماء الحنابلة في أصفهان، رأي أبي ثور التأويلي إلى أحمد بن حنبل (الديلمي، 1986م، 5: 16)، وقد لاحظ العلماء اللاحقون مثل الذهبي أن نسبة مثل هذا القول إلى أحمد غريبة ومضمونه لا يتوافق مع عقائده (انظر: الذهبي، 1382هـ ق، 1: 602). وعلى كل حال، اضطر أشخاص مثل حمدان بن هيثم تحت تأثير ضغط أهل التنزيه والقوة المتزايدة لخطابهم إلى البحث عن مخرج من هذه الظروف. ومما يجدر الانتباه إليه أن حتى العلماء من أصحاب الحديث الذين كانوا يتجنبون الخوض في علم الكلام، قد انخرطوا في هذه المسألة بشكل غير مباشر.
من بينهم مالك بن أنس (ت 179هـ ق)، العالم الشهير من أصحاب الحديث في المدينة ومؤسس المذهب المالكي، كان ينتقد محمد بن عجلان وأبا الزناد بسبب نشرهما أحاديث «على صورته»، ولم يكن يجيز رواية هذه الأحاديث أساسًا (العقيلي، 1404هـ ق، 2: 251؛ ابن أبي زمنين، 1415هـ ق، 75؛ ابن عساكر، 1415هـ ق، 61: 28). وهو نفسه روى في أسانيده حديث ابن عجلان وأبي الزناد بدون المقطع المتعلق بـ«خلق آدم على صورته»، واكتفى بالسياق الأخلاقي، بهذه الألفاظ: مالك عن محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي (ص): «إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه» (البخاري، 1407هـ ق، 2: 902). مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي (ص): «إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه» (الدينوري، 1419هـ ق، 1: 536).
بعد جيلين، قام إسحاق بن راهويه (ت 238هـ ق)، العالم الكبير من أصحاب الحديث في خراسان، والذي روى بنفسه الحديث موضوع البحث، بتقطيعه وحذف تعبير «على صورته» منه. نص رواية إسحاق هو كالتالي: «خلق الله آدم، طوله ستون ذراعاً» (الفريابي، 1418هـ ق، 21). في الحركة التدريجية من الطيف المؤوِّل نحو الطيف التشبيهي، يجب في المرحلة التالية ذكر عدد من متأخري أصحاب الحديث مثل أحمد بن حنبل وأبي زرعة الرازي، الذين تجنبوا، دون محاولة لتأويل هذه الأحاديث، الفهم الكلامي الموهم بالتشبيه وتقديم صياغة حذرة. أحمد بن حنبل، مع تأكيده على صحة هذه الأحاديث (الكوسج، 1425هـ ق، 2: 535)، كان ينتقد بشدة مؤولي الحديث بالمعنى التنزيهي، وكان هو نفسه يتجنب تقديم تفسير معين للحديث (المكي، 1426هـ ق، 1: 287؛ ابن بطة، 1415هـ ق، 3: 265؛ ابن أبي يعلى، 1371هـ ق، 1: 212). وأبو زرعة الرازي، من معاصريه في منطقة الجبال، كان يعتقد أيضًا أنه في هذه الأحاديث، لفظ الحديث هو تفسيره، ولا ينبغي البحث عن تفسير يتجاوز قراءته (نفس الأثر، 1: 202). وبوصفها المواجهة الأكثر تطرفًا، يجب الإشارة إلى بعض الشخصيات الهامشية في أوساط أصحاب الحديث الذين كانوا، مع تمسكهم بظواهر معاني الأحاديث، يميلون إلى إقحام أنفسهم في الصياغات الكلامية، وكانت النتيجة أنواعًا من نظرية التشبيه. وفي هذا السياق، كان من بين الأحاديث التي شغلت هذه الفئة من أصحاب الحديث، أحاديث خلق «على صورته».
في هذا السياق، يجب أولاً ذكر مقاتل بن سليمان البلخي (ت 150هـ ق)، الذي نُسبت إليه آراء تشبيهية فيما يتعلق بالصفات، وفيما يخص الحديث موضوع البحث، نسبت إليه المصادر المتقدمة هذا الاعتقاد بأن «الله على صورة إنسان وله لحم ودم» (الأشعري، 1980م، 153، 209؛ ابن أبي الحديد، 1379هـ ق، 3: 224). في الأجيال اللاحقة، نُقلت صياغات مماثلة عن داود الجواربي ونعيم بن حماد (نقل عن كليهما: الشهرستاني، 1375هـ ق، 1: 167؛ ابن أبي الحديد، نفس الموضع؛ عن الجواربي فقط: الأشعري، 1980م، 209؛ ابن حزم، 1347هـ ق، 4: 139). نعيم بن حماد (ت 228هـ ق) شخصية معروفة بين أصحاب الحديث، من أصل مروزي وأقام في مصر، أما عن داود الجواربي (وفاة مفترضة حوالي 200 هـ)[1] فلا توجد ترجمة واضحة له، وتكتنف انتماءاته شكوك جدية. ذكر أبو سعد السمعاني، دون الإشارة إلى مذهبه، أنه أخذ نظرية الصورة من هشام الجواليقي (السمعاني، 1408هـ ق، 5: 643)، وهذا النوع من الكلام دفع شمس الدين الذهبي إلى اعتباره متكلمًا من الشيعة الإمامية (الرافضة) (الذهبي، 1382هـ ق، 2: 23؛ هو نفسه، 1405هـ ق، 10: 544). هذا في حين أن المصادر الإمامية لم تعرف قط داود الجواربي كرجل من رجالها، ولم تذكره حتى كرجل مطرود أو منحرف. من الحكاية التي يرويها اللالكائي عن شكوى علماء حديث واسط إلى أمير تلك المدينة بشأن عقائد داود الجواربي المنحرفة، يتضح أنه كان يُعد من أصحاب الحديث في واسط (اللالكائي، 1402هـ ق، 3: 531)، وقد ابتعد عنهم بميله إلى عقائد خاصة. والشهرستاني أيضًا يذكر اسمه بحق ضمن عدد المشبهة من «أصحاب الحديث» (الشهرستاني، 1375هـ ق، 1: 167). الجدير بالذكر أن ابن بابويه القمي (ت 381هـ ق)، المحدث الإمامي الذي ذكر هذا الطيف بوصفهم «مشبّهة»، أشار إلى أنهم تركوا بداية الحديث ونهايته، وأن ترك سياق العبارة أدى إلى ضياع مرجع الضمير ومهد لفهم تشبيهي للحديث (انظر: ابن بابويه، 1387هـ ق، 152).
3. المواجهات في الأوساط الإمامية
في هذا المبحث، يجدر أولاً تتبع سابقة المواجهة مع أحاديث «على صورته/صورة الرحمن» في الروايات المنقولة عن المعصومين (ع)، والإشارة إلى أنه في هذا الباب، خلال القرن الثاني الهجري، نُقلت مضامين عن الأئمة الباقر والصادق والكاظم والرضا (ع) في مقام تبيين المسألة ورفع سوء الفهم عن الأحاديث موضوع البحث. تروي رواية عن محمد بن مسلم أن سؤالاً قد طُرح حول مضمون «خلق آدم على صورته» في عصر الإمام الباقر (ع) (94-114هـ ق). ويذكر أنه سأل ذلك الإمام عن روايات «على صورته»، فأجاب الإمام بما يلي: «محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عما يروون أن الله خلق آدم على صورته، فقال: هي صورة محدثة مخلوقة، واصطفاها الله واختارها على سائر الصور المختلفة، فأضافها إلى نفسه، كما أضاف الكعبة إلى نفسه، والروح إلى نفسه، فقال: بيتي، ونفخت فيه من روحي» (الكليني، 1391هـ ق، 1: 134؛ ابن بابويه، 1387هـ ق، 103). يُظهر الجزء الأول من هذا الحديث أن رواية هذا المضمون كانت شائعة في عصر الإمام الباقر (ع)، وهو نفس العصر الذي كان فيه أمثال قتادة وعطاء وغيرهم من التابعين يروون هذا المضمون. ولكن في حال الاعتماد على صدور هذا الحديث، فإن الجزء الأخير منه هو أول صياغة كلامية مروية حول مضمون «على صورته». فالمتحدث، مع تأكيده على كون صورة خلق آدم محدثة ومخلوقة وتنزيه ذات الباري تعالى عنها، اعتبر إضافة الصورة إلى الله كإضافة الروح والبيت، من قبيل الإضافة التشريفية، وبذلك أبعد عنها أي حمولة معنوية في مجال الصفات.
بغض النظر عن مدى إمكانية الاعتماد على الحديث المنقول عن محمد بن مسلم في إثبات ظهور هذا الخطاب الكلامي في السنوات الأولى من القرن الثاني، يجب القول إن البحث الكلامي حول هذا المضمون قد طُرح بجدية في الربع الثاني من ذلك القرن. هشام بن الحكم، المتكلم المشهور من أصحاب الإمام الصادق (ع)، ينقل في مناظرة بين الإمام وزنديق، عن لسان الإمام (ع) أن «الله ليس بجسم ولا صورة» (الكليني، 1391هـ ق، 1: 81، 83؛ ابن بابويه 1361هـ ق، 8؛ هو نفسه، 1387هـ ق، 104، 245).
ويروي حمزة بن محمد الطيار، من علماء الكوفة وأصحاب الإمام الكاظم (ع)، أنه سأل الإمام في رسالة عن الجسم والصورة، فكتب في الجواب: «منزه من ليس كمثله شيء، لا جسم ولا صورة» (الكليني، 1391هـ ق، 1: 104؛ ابن بابويه، 1387هـ ق، 97-98، 103). وفي بعض الروايات، نُقل نفس المضمون دون التصريح باسم حمزة (الكليني، نفس الموضع؛ ابن بابويه، 1387هـ ق، 102). في عهد الإمام الرضا (ع) أيضًا، تُرى روايات مماثلة. في إحدى الروايات، يسأل عبد العظيم الحسني ذلك الإمام عن الجسم والصورة، فيجيب الإمام: «إنه لا جسم ولا صورة، لا جوهر ولا عرض» (ابن بابويه، 1417هـ ق، 419؛ الخزاز، 1400هـ ق، 287)، وهي عبارة اقتربت من اللغة الفلسفية مقارنة بالعبارات السابقة. ويبدو أن الفتح بن يزيد الجرجاني، الذي يُعد من أصحاب الإمامين الرضا والهادي (ع)، قد نقل عن الإمام الرضا (ع) تعبير «لا جسم ولا صورة» (ابن بابويه، 1387هـ ق، 61). كما يجب الإشارة إلى حديث عن الإمام الرضا (ع) برواية الحسين بن خالد، حيث سأله الحسين عن حديث «على صورته»، فأجاب الإمام، ضمن نقد لاذع للفهم التشبيهي منه، مؤكدًا على سياقه الذي يتنازع فيه شخصان ويصف أحدهما صورة الآخر بالقبح، واعتبر حذف السياق سببًا لسوء فهم الحديث (ابن بابويه، 1387هـ ق، 153؛ هو نفسه، 1390هـ ق، 1: 110).
إلى جانب الحالات المذكورة، يجب إضافة أحاديث متعددة عن الإمامين الصادق والكاظم (ع) تنتقد قائلاً معينًا مثل هشام بن سالم، وتكرر نفس عقيدة نفي الصورة (انظر: السطور التالية). هذا في حين أنه في القرن الثالث الهجري، لم يصلنا عن أبناء الرضا (ع) حديث حول هذا الموضوع وتبيينه، ويبدو واضحًا أن فهم هذه الأحاديث لم يعد مسألة إشكالية بالنسبة للإمامية في ذلك القرن. الآن، في مقام تتبع سوابق فهم هذا الحديث ونظرية الصورة بين علماء الإمامية، يجب التذكير بأن القول المشهور لدى الإمامية في هذه المسألة هو نفس النهج التنزيهي المنقول عن الأئمة (ع)، ولكن في المصادر نجد أيضًا فهماً معاكساً لدى بعض التيارات الهامشية المعروفة بالغلو، ولدى قلة من متكلمي الإمامية في القرن الثاني الهجري. التيار البياني أو أتباع بيان بن سمعان التميمي، من معاصري الإمام زين العابدين (ع)، يُذكرون في المصادر الإمامية كمجموعة مطرودة وأهل غلو (مثلاً الكشي، 1348هـ ش، 301)؛ بحيث ربما كان من الأجدر بحثهم خارج إطار الإمامية بشكل مستقل. ينقل أبو الحسن الأشعري عن أصحاب بيان بن سمعان أنهم كانوا يعتقدون أن «الله على صورة إنسان» (الأشعري، 1980م، 5؛ وأيضًا البغدادي، 1977م، 214). في حديث عن الإمام الصادق (ع)، يُشار أيضًا إلى أن جماعة، وُصفت في الحديث بـ«أصحاب التناسخ»، كانت تعتقد أن مدبر العالم له صورة كصور المخلوقات، ومستندهم كان حديث «خلق آدم على صورته» (الطبرسي، 1386هـ ق، 2: 89)؛ يجب أن تكون هذه المجموعة ناظرة إلى طيف من التيارات الشيعية الهامشية التي تنطبق على البيانية أو قريبة منها؛ لأن البيانية تُعد من فرق أهل التناسخ (انظر: البغدادي، 1977م، 227، 254، جم).
الأمر الأكثر أهمية هو الرأي المنقول عن متكلمين مثل صاحب الطاق وهشام الجواليقي. محمد بن علي بن النعمان (ت حوالي 140هـ ق) من أصحاب الأئمة السجاد والباقر والصادق (ع)، الملقب بمؤمن الطاق أو صاحب الطاق، هو من أقدم متكلمي الإمامية (النجاشي، 1407هـ ق، 325). وبحسب أبي منصور البغدادي، فإنه مع امتناعه عن وصف الله بالجسم، كان يقول إن الله على صورة إنسان (البغدادي، 1977م، 203). وينقل الشهرستاني أيضًا عن صاحب الطاق قوله: «الله تعالى نور على صورة إنسان رباني»، بينما كان ينفي الجسمية عن الله. ويضيف أن صاحب الطاق كان يعتقد أن تصديق الأخبار المتضمنة لخلق آدم «على صورته» و«على صورة الرحمن» أمر لا مفر منه (الشهرستاني، 1375هـ ق، 1: 167). من الجدير بالذكر أن سليمان الأعمش (ت 147هـ ق)، العالم المعاصر له، كان يروي الحديث في الكوفة بكلا اللفظين «صورته» و«صورة الرحمن»، وإنكار الحديث في ذلك السياق الخطابي يبدو أنه كان أمراً باهظ التكلفة.[2] في هذه الصياغة المذكورة، من الواضح تمامًا أن صاحب الطاق كان يسعى، دون أن يثبت الجسمية لله، إلى إيجاد مرجعية لأخبار الصورة، ولا يمكن اعتبار الصياغة المنقولة عنه تشبيهًا خامًا، خاصة عند مقارنتها بصياغة الغزالي في القرون اللاحقة، حيث تتجلى هذه الدقة.
في مقام المقارنة والتوضيح، يجب القول إنه بعد أكثر من ثلاثة قرون، أكد الإمام محمد الغزالي (ت 505هـ ق) في صياغة خاصة تُنسب إليه، على حقيقة الإنسان والقول بأن الإنسان الحقيقي ليس بجسم ولا جسماني، وفهم حديث «خلق آدم على صورته» بطريقة لا تؤدي إلى التجسيم حتى في حال إرجاع الضمير إلى الله (نقلًا عن الغزالي: ابن تيمية، 1392هـ ق، 615). في الواقع، سعت صياغة الغزالي، حتى مع تأييد المعنى الظاهري للحديث، إلى تنزيه الصورة الخلقية للإنسان عن الجسمانية بدلاً من جر صورة الله إلى الفضاء الجسماني، ويمكن أن تكون الصياغة المنسوبة إلى صاحب الطاق صورة قديمة وغير مكتملة منها. أما بخصوص هشام بن سالم، فيجدر بالذكر أن عبد الملك بن هشام الحناط، الذي يبدو أنه من أصحاب الإمام الرضا (ع) ورجل من منطقة الجبال (الكشي، 1348هـ ش، 284)، ذكر في محاورة مع الإمام أن «هشام بن سالم يدعي أن لله صورة وأن آدم خُلق على مثال الرب» (الكشي، نفس الموضع). في رواية محمد بن الفرج الرُخَّجي أيضًا، يُصرح بنظرية هشام بن سالم مع ذكر اسمه. بناءً على الرواية، عرض في رسالة إلى الإمام الكاظم (ع) نظرية الجواليقي بخصوص الصورة، وقد انتقدها الإمام صراحة (الكليني، 1391هـ ق، 1: 105؛ ابن بابويه، 1387هـ ق، 97). وفي نقل محمد بن حكيم الخثعمي، عالم الكوفة، عن الإمام الكاظم (ع) حول نظرية كلا الهشامين، ذكر الإمام أن «ليس قول أقبح من أن يقال إن خالق الأشياء جسم أو صورة» (الكليني، 1391هـ ق، 1: 105؛ ابن بابويه، 1387هـ ق، 97، 99). كما أشار في محاورة مع الإمام الكاظم (ع) إلى قول غريب وموهم بالتشبيه من هشام الجواليقي بخصوص صفات الله (الكليني، 1391هـ ق، 1: 10؛ ابن بابويه، 1387هـ ق، 97؛ وللأقوال الغريبة الأخرى عنه، انظر: ابن بابويه، نفس الأثر، 114). ويجب أن تضاف إلى هذه الأخبار تلك التي تُنسب فيها نظرية الصورة إلى الجواليقي دون التصريح باسمه، وفي قالب نظرية ملحقة بالرأي المنسوب إلى هشام بن الحكم، والتي تم نقلها ونقدها. من ذلك، ما عرضه يونس بن ظبيان على الإمام الصادق (ع) من رأي هشام بن الحكم في الصفات، فقال الإمام في رد انتقادي: «لا جسم ولا صورة، هو مجسم الأجسام ومصور الصور» (الكليني، 1391هـ ق، 1: 106؛ ابن بابويه، 1387هـ ق، 81، 99؛ هو نفسه، 1390هـ ق، 1: 117؛ الخزاز، 1400هـ ق، 287). وفي رواية لعلي بن أبي حمزة البطائني، عرض اعتقاد هشام بن الحكم على الإمام، وتلقى هذا الجواب: «إنه لا جسم ولا صورة» (الكليني، 1391هـ ق، 1: 104؛ ابن بابويه، 1387هـ ق، 98). يبدو أن محور هذه الروايات هو نظرية «جسم لا كالأجسام»، وأُلحق بها الاعتقاد المنسوب إلى الجواليقي حول الصورة دون التصريح باسمه.
في عهد الإمام الكاظم (ع)، اتسع نطاق هذا البحث، ولعبت الروايات التي تحكي عن نقد نظرية الصورة من قبل الإمام دورًا متكررًا في المصادر. رواية الحسن بن عبد الرحمن الحماني عن الإمام الكاظم (ع) تشبه الروايات السابقة؛ فبناءً على المصدر، عرض على الإمام الكاظم (ع) نظرية هشام بن الحكم، فأجاب الإمام ردًا على هذا الاعتقاد والمعتقدات القريبة منه، مصرحًا بأن «(الله) لا جسم ولا صورة، ولا تحدي في البين؛ كل شيء سواه مخلوق» (الكليني، 1391هـ ق، 1: 106؛ ابن بابويه، 1387هـ ق، 100). كما نقلت مصادر أهل السنة أقوالًا قريبة مما ذكر عن الجواليقي. ومن ذلك ما قاله أبو الحسن الأشعري بأن الجواليقي يعتقد أن الله على صورة إنسان، ولكنه ينكر أن يكون له لحم ودم. ويضيف ناقلًا عن الجواليقي أن الله نور ساطع يضيء من بياض (الأشعري، 1980م، 34، 209؛ البغدادي، 1977م، 51؛ وأيضًا هو نفسه، 216؛ الشهرستاني، 1375هـ ق، 1: 165). وفي هذا السياق، يجب الإشارة إلى نقل أبي عيسى الوراق الذي، على عكس المصادر الأخرى، نقل عن الجواليقي القول بإنكار أن يكون لله صورة إنسانية (الأشعري، 1980م، 35). بالإضافة إلى صاحب الطاق والجواليقي، يجب الإشارة إلى روايات تذكر، بشكل عام ودون ذكر أشخاص معينين، نظرية الصورة ووجود قائلين بها بين الإمامية. من ذلك ما عرضه يعقوب سراج، من أصحاب الإمام الصادق (ع)، في رواية على الإمام، أن «بعض أصحابنا يزعمون أن لله صورة مثل صورة الإنسان»، وقد أنكر الإمام هذا الاعتقاد بشدة (ابن بابويه، 1387هـ ق، 103).
بالعودة إلى صاحب الطاق والجواليقي، فإن مدى دقة نقل أقوالهم وعقائدهم في المصادر أمر مشكوك فيه؛ ولكن اعتبار نسبة هذه الأقوال إليهم مجرد اختلاق ليس ادعاءً سهلاً. وفي هذا الصدد، بالإضافة إلى المصادر المتعددة المذكورة من الإمامية وأهل السنة، يجب بشكل خاص الانتباه إلى الكم الهائل من الروايات المذكورة سابقًا، التي نُقلت عن الأئمة الصادق والكاظم والرضا (ع)، سواء بذكر اسم قائل معين أو بدونه، والتي انتقدت الاعتقاد بالصورة وأصرت على تنزيه الله عنها. ومن الواضح تمامًا أن هذه الروايات تشير إلى مخاطبين داخل الأوساط الإمامية، وليس هدفها مجرد نقد قائلين من مذاهب أخرى. أخيرًا، بالعودة إلى الموقف المشهور للإمامية في تجنب الفهم التشبيهي من أحاديث «على صورته/صورة الرحمن»، يجب القول إنه، علاوة على المصادر الشيعية، تُرى في مصادر أهل السنة أيضًا تقارير واضحة حول مواقف الإمامية المناهضة للصورة والتحدي المتعلق بها. ينقل أبو الحسن الأشعري صراحة عن هشام بن الحكم أن الله ليس له صورة (الأشعري، 1980م، 33: إنه على غير صورة). بالإضافة إلى ذلك، يشير الأشعري إلى أكثرية المتقدمين والمتأخرين من الإمامية الذين أنكروا صراحة أن يكون لله جسم وصورة (نفس المرجع، 34-35).
الخاتمة
في أوساط المتكلمين في أواخر القرن الثاني الهجري، أنكر أشخاص مثل إبراهيم النظام أصل صدور هذا الحديث، ولكن هذا الموقف كان نادرًا بين التنزيهيين. حتى تلك المجموعة من المتكلمين الذين وُصفوا في مصادر أصحاب الحديث بالجهمية، كانوا، مع قبولهم لأصل صدور الحديث، يسعون لتقديم تفسير مقبول له. وهذا الأمر يصدق أيضًا على الإمامية، لأنه لم يُشاهد لديهم، لا في النقل عن الأئمة المعصومين (ع) ولا في أقوال علماء المذهب في هذين القرنين، أي مثال على إنكار أصل الحديث. الإمامية وغالبية المتكلمين التنزيهيين، إما بإرجاع الضمير إلى غير الله، أو بطرح سياق مشاجرة شخصين، سعوا إلى رفع التشبيه. وبشكل عام، يمكن القول إنهم، بتجنبهم تكذيب هذه الأحاديث، انتقدوا الرواة أحيانًا بسبب تقطيع سبب الورود، وأحيانًا أخرى اكتفوا ببحث معنوي لتوضيح مرجع الضمير.
في أوساط المحدثين، كانت الغلبة للعلماء الذين ابتعدوا بأشكال مختلفة عن موقف التشبيه في الحديث. فمن بين متقدمي أصحاب الحديث، تجنب البعض مثل مالك بن أنس ترويج هذه الأحاديث وحذروا منه، بينما نقل البعض مثل الليث بن سعد وسفيان بن عيينة وعموم مشايخ المدينة والبصرة الحديث بسياق مفسِّر وبصيغة معدَّلة. ومن بين متأخري أصحاب الحديث أيضًا، قام البعض مثل إسحاق بتقطيع الأجزاء الموهمة بالتشبيه، وتجنب البعض مثل أحمد بن حنبل، هربًا من التشبيه، أي تفسير أو صياغة. أما بين محدثي القرن الثاني الهجري، فكان هناك تيار متطرف مرتبط بعلماء من اليمن، كانوا يروون مجموعة الأحاديث التشبيهية، وتيار آخر مرتبط بأشخاص من الكوفة ومصر، كانوا رواة الأحاديث الرحمانية، وكان القاسم المشترك بينهم هو توفير أرضية للفهم التشبيهي. إلى جانبهم، قام أشخاص مثل مقاتل بن سليمان وداود الجواربي ونعيم بن حماد المصري بصياغات موهمة بالتشبيه بناءً على هذه الأحاديث، ولكن يجب الانتباه إلى أنه في القرن الثالث الهجري، لا يُرى أثر لاستمرار هذه التيارات. وبالنظر إلى ما دُرس من أجواء الكوفة والمتطلبات البيئية لتلك المنطقة، يمكن فهم الأقوال المنسوبة إلى بعض متقدمي متكلمي الإمامية في القرن الثاني الهجري بشكل أفضل.
على مدار القرن الثاني الهجري، في كل من أوساط المحدثين والمتكلمين والصوفية، والإمامية وغير الإمامية، يُرى تياران متقابلان؛ أحدهما يميل إلى تأويل الحديث هربًا من التشبيه، والآخر لا يُظهر مثل هذا الهروب. بناءً على ذلك، يبدو أن صنف العلماء أو حتى مذهبهم لم يكن العامل الحاسم في هذا الأمر، بل يمكن إعطاء دور مهم للبيئات الجغرافية في هذا الصدد. في ذلك القرن الذي كانت الثقافة المحلية لا تزال مهيمنة على الأوساط الإسلامية، فإن توافق بعض متكلمي الكوفة مع محدثي تلك المدينة في مواجهة الحديث (النوع التشبيهي والرحماني) وأجواء مشابهة في مصر، وغلبة رواية المجموعة التشبيهية في بيئة اليمن، وتجنب المدنيين والبصريين، محدثين ومتكلمين، للمجموعة التشبيهية، أمر جدير بالاهتمام. ولكن يجب الانتباه إلى أنه في القرن الثالث الهجري، من جهة بضعف النظرة المحلية، ومن جهة أخرى بتشكل الأجهزة الكلامية ونضج الأسس الاعتقادية للمذاهب، اختلطت هذه النسب، وتم تنقيح المعتقدات بجدية، وتغلبت الفروق المذهبية وكذلك الصنفية على الفروق المحلية.
الهوامش
1. بالنظر إلى فترة حياة المعترضين على الجواربي في واسط، والذين كانوا من طبقة شيوخه أو طبقته على أقصى تقدير، أي خالد بن عبد الله الطحان (الطبقة 8، ت 182هـ)، وهشيم بن بشير (الطبقة 7، ت 183هـ)، ومحمد بن يزيد الكلاعي (الطبقة 9، ت 190هـ) (اللالكائي، اعتقاد، 3: 531)، يمكن تخمين وفاة الجواربي حوالي عام 200هـ، واعتبار واسط محل إقامته الأصلي.
2. تجدر الإشارة إلى أنه في بعض نسخ الملل والنحل للشهرستاني، يُصرَّح بأن ما نُقل عن صاحب الطاق في باب التشبيه لا أساس له (الشهرستاني، 1375هـ ق، 1: 166)، ولكن يبدو أن المؤلف لم يعتبر هذا القول من ذلك القبيل. ولعل النجاشي أيضاً، حينما يقول: «ونُسب إلى صاحب الطاق أمور لم تثبت عندنا» (النجاشي، 1407هـ ق، 325)، كان يشير في جزء من كلامه إلى هذه النقاط ذاتها.