تحليل اختلاف القراءات السبع في تفسير آيات سورة طه

الملخص

يعد التفسير الصحيح لآيات القرآن الكريم ضرورة أساسية للمجتمع الإسلامي على مر التاريخ. ويستلزم هذا التفسير الالتزام والتمكّن من العلوم والقواعد الخاصة به. ومن بين علوم القرآن، كان علم القراءات أول ما نشأ وتطور، وقد حظي باهتمام المفسرين منذ القدم. فهذا العلم، بالإضافة إلى دراسة أصول وقواعد القراءة، يتناول تحليل الأشكال المختلفة لنطق الكلمات القرآنية لاختيار القراءة الأفضل والأصح بناءً على البنية اللغوية وسياق الجملة والاتساق الدلالي. وعلى هذا الأساس، يدرس البحث الحالي، بالمنهج الوصفي التحليلي وجمع البيانات، مواضع اختلاف القراءات في سورة طه بناءً على قراءة القراء السبعة، والفروق بينها وبين قراءة حفص. وقد أظهرت النتائج وجود اختلاف في القراءة في ٢٧ آية من سورة طه؛ منها ١٨ موضعاً مؤثراً في معنى الآية، و٩ مواضع لا تحدث تغييراً في المعنى، وموضع واحد يقدم تفسيراً مختلفاً. ومع ذلك، فإن هذه التغيرات الدلالية المذكورة تؤدي في النهاية إلى مفهوم موحد للآية، وأحياناً تكون في حدود تغييرات طفيفة جداً لا تؤثر في المعنى الأصلي. وتشير نتائج هذا البحث إلى أنه من خلال تحليل سياق الآيات، والاتساق الدلالي بينها، والقواعد الصرفية والنحوية، وما شابه ذلك، يمكن توجيه الباحث نحو القراءة الصحيحة (وهي القراءة المشهورة).

المقدمة [1]

القرآن الكريم، معجزة النبي الأكرم (ص) الخالدة، هو كتاب تعهّد الله تعالى بحفظه في آيات عديدة، منها قوله تعالى في سورة الحجر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩). وبناءً عليه، فإن حفظ القرآن من المعتقدات الأساسية لدينا نحن المسلمين. ووفقاً لآيات القرآن، كان النبي الأكرم (ص) أول معلم لآيات وسور القرآن (علق: ١؛ الإسراء: ١٠٦) حيث كان يعلّم الناس الآيات. وبأمر منه، قامت مجموعة من الصحابة بتعليم وتدريس آيات القرآن لبعضهم البعض، وتدريجياً، ومع انشغال حياة بعضهم بشكل رئيسي بتلاوة وتدريس الآيات، بدأت مرحلة ظهور مصطلحي «القراء» و«القراءة». وتستند وثائق وأسانيد القراء العشرة أيضاً إلى قراءة هؤلاء الأفراد، وهم: أبي بن كعب، وابن مسعود، وأبو الدرداء، وعويمر بن زيد، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبو موسى الأشعري، وزيد بن ثابت.

كان المسلمون في كل منطقة يقرؤون القرآن على طريقة أحد الصحابة الذين عاشوا بينهم. وبعد منتصف القرن الأول الهجري، بدأت فترة ظهور وجوه مختلفة للقراءات (الفضلي، ١٣٨٨: ٤٠). بعد توحيد المصاحف العثمانية، أدى خلو المصاحف من النقط والشكل، إما بسبب بدائية الخط والكتابة في ذلك الزمان، أو لأن المصاحف بأمر من عثمان قد جُرّدت من أي نقط أو شكل لتتمكن قراءتها من استيعاب الوجوه السبعة التي نزل بها القرآن، إلى جانب أن رسم الخط في كل مصحف كان بحيث لا يمكن قراءته إلا بالاعتماد على الحفظ. كانت الكثير من الكلمات في القرآن قابلة للقراءة بصور مختلفة. نزل القرآن بلغة ولهجة قريش، التي كانت أفضل وأفصح لهجات العرب. ولكن القراء الذين كانوا من لهجات مختلفة، كانوا أحياناً يقرؤون الكلمة بلهجتهم الخاصة، وكل هذه العوامل أدت تدريجياً إلى اختلاف القراءات. كما لم يكن إعمال نظر القراء في هذا المجال عديم التأثير. فبعد إرسال القراء إلى المدن المختلفة، كان القارئ في مدينة ما يتردد أحياناً في قراءة آية في مصحف خالٍ من أي شكل أو نقط. في مثل هذه الحالات، كان يختار ما يراه أنسب ويعمل بناءً على الحدس والظن، بل وكان يقدم له استدلالاً (جوان، ١٣٩٧: ٢١). وقد دُوّنت كتب كثيرة مثل «الحجة للقراء السبعة» أو «الكشف عن وجوه القراءات السبع» على هذا الأساس لتبرير قراءات القراء المختلفة وإقامة الدليل على صحتها من القواعد الأدبية والنحوية (الخوئي، ١٣٩٥: ١٢٣).

في القرن الرابع الهجري، قام أبو بكر بن مجاهد (٢٤٥-٣٢٤ هـ)، وهو باحث قرآني شهير، في عام ٣٢٢ هـ باختيار القراء السبعة من بين عدد كبير من القراء، ومنذ ذلك الوقت، أصبحوا يُعرفون بأنهم المرجع الأول للقراءة (خرمشاهي، ١٣٩٣، ج٢: ١٦٣). هؤلاء القراء السبعة البارزون هم: ابن عامر (من كبار التابعين وقاضي دمشق)، ابن كثير (من التابعين)، أبو عمرو (أهل البصرة)، حمزة (أهل الكوفة)، عاصم (أهل الكوفة)، الكسائي (أهل الكوفة)، ونافع (أهل المدينة). وقد تولى هؤلاء الأفراد تعليم قراءة القرآن (الزرقاني، ١٣٨٥: ٤٥٣/١).

لعلم القراءات ساحتان: الأولى، دراسة أصالة هذا العلم وكيفيته وكميته، وهو جزء مهم من علوم القرآن؛ والثانية، دراسة تأثيره في معاني الآيات، وهو ما يرتبط ارتباطاً مباشراً بعلم التفسير. إن الاهتمام بالقراءة الصحيحة وكيفية أدائها ضروري لتقديم تفسير صحيح للقرآن الكريم، لأنه في بعض الأحيان، وبسبب القراءات المتعددة لآية واحدة، يتم ترجيح بعض ال وجوه والمعاني المحتملة على غيرها. وأحياناً أخرى، يؤدي هذا الاختلاف في القراءات إلى أن يصبح معنى الآية أكثر وضوحاً وجلاءً (المتولي، ١٤٢٠: ٤١). إن تحديد اختلاف القراءات وتأثيره في التفسير والمفهوم الحقيقي للآيات له من الأهمية ما جعل بعض العلماء يؤكدون عليه بشكل خاص. على سبيل المثال، يعتقد السيوطي أن كل تفسير يتم على أساس قراءة معينة، وأحياناً تُفسَّر آية واحدة بطرق مختلفة بناءً على قراءات مختلفة. إن إمكانية الجمع بين هذه التفاسير يمكن أن توفر فهماً أصح للقرآن (شفيعي وزملاؤه، ١٤٠١: ١٥٠). من هنا، فإن الدراسة التفسيرية لآية ما مع مراعاة المعايير الصحيحة لتقييم اختلاف القراءات أمر ضروري وأساسي. فهذا العمل يتيح من جهة إمكانية التقييم، أو الرفض، أو الترجيح بين القراءات، ومن جهة أخرى، يثري تفسير القرآن من خلال طرق مثل توظيف القراءات في ترجيح وجوه تفسير الآية (خوشفر، ١٣٩٩: ٨١).

إن تعدد كيفية قراءة القرآن، من جهة، في المجال الديني الداخلي، أدى إلى اختلاف في الفهم والتدبر والاستنباط بين المفسرين، ومن جهة أخرى، في المجال الديني الخارجي ومن منظور المستشرقين، مهّد الطريق لإثارة شبهات مثل ضعف نص القرآن ونقصه واضطرابه (معرفت، ١٤١٢: ٣٣٤/١؛ غلدزيهر، ١٣٨٣: ١٤).

على الرغم من أن آية الله معرفت في «موسوعة التمهيد» وعبد الحليم قابة في كتاب «القراءات القرآنية» قد طرحا مباحث في هذا المجال، إلا أن المؤلفين في هذا المضمار قلما تطرقوا لهذه المسألة، بحيث يمكن القول إن تأثير اختلاف القراءات في التفسير ليس له تاريخ طويل (ميرحسيني، ١٣٩٨: ١٧٢). بناءً على ذلك، يسعى البحث الحالي، من هذا المنطلق، إلى دراسة دور اختلاف القراءات في فهم وتفسير آيات سورة طه، ويهدف إلى بيان مدى تأثير اختلاف القراءات في تفسير آيات هذه السورة. وبالتالي، فإن السؤال الأساسي المطروح في هذا السياق هو: ما هو تأثير اختلاف القراءات في معنى وتفسير آيات سورة طه؟

أ. دور اختلاف القراءات في التفسير

يمكن تقسيم اختلاف القراءات من منظور التفسير إلى قسمين رئيسيين:

١. اختلاف القراءات الذي لا دور له في التفسير: يشمل هذا القسم الاختلافات في كيفية أداء الحروف والحركات، ومقدار المد والإمالة، والتخفيف، والتسهيل، والتحقيق، والجهر، والهمس، والغنة، والإخفاء. هذا النوع من الاختلافات له طابع فني وصوتي أكثر، ولا يؤثر في معنى وتفسير الآيات (محسني، ١٣٩٧: ١٠٤).

٢. اختلاف القراءات الذي له دور في التفسير: ينقسم هذا القسم بدوره إلى نوعين:

أ) الاختلاف في اللفظ والمعنى مع إمكانية الجمع في كلمة واحدة: في هذه الحالة، يكون اختلاف القراءة بحيث يمكن الجمع بين القراءتين وتوظيف كلتيهما في تفسير الآية.

ب) الاختلاف في اللفظ والمعنى مع عدم إمكانية الجمع في كلمة واحدة: في هذه الحالة، يكون اختلاف القراءة إلى حد لا يمكن معه الجمع بين القراءتين، وكل منهما يفيد معنى مختلفاً.

لهذين النوعين من الاختلاف دور كبير في تفسير الآيات. على سبيل المثال، في آية ﴿وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ (الزخرف: ٥٧)، قرأ نافع هذه الكلمة بضم الصاد (يَصُدُّونَ) وحمزة بكسر الصاد (يَصِدُّونَ) (الداني، ١٤٢٦: ١٦٠). إذا قُرئت بضم الصاد، فمعناها أنهم يصدون غيرهم عن الإيمان، أما إذا قُرئت بكسر الصاد، فمعناها أنهم أنفسهم لا يؤمنون.

هذا التأثير في التفسير ينبع من أن ثبوت أحد الألفاظ في قراءة ما يكشف عن المقصود من نفس اللفظ في قراءة أخرى، أو يوضح معنى مختلفاً، مما يؤدي إلى تفاسير متنوعة (خوشفر، ١٣٩٩: ٨٥).

ب. الملامح العامة لسورة طه

نزلت سورة طه المباركة في مكة بعد سورة مريم. وهي السورة الخامسة والأربعون من حيث ترتيب النزول، والعشرون من حيث ترتيب المصحف الحالي. أُخذ اسم السورة من كلمتها الأولى (طه)، وتتكون من ١٣٥ آية. بالطبع، هناك خلاف بين قراء الكوفة والشام حول عدد آياتها، وقد ذكر البعض أن عدد آياتها يصل إلى ١٤٠ آية. وينشأ هذا الاختلاف من أن بعض القراء توقفوا عند بعض الكلمات واعتبروها رأس آية، بينما لم يعتبرها آخرون آية مستقلة (جعفري، د.ت، ٥٥٢/٦).

محتويات هذه السورة تشبه سائر السور المكية، حيث تتناول في الغالب مواضيع المبدأ والمعاد، وتوضح نتائج التوحيد وعواقب الشرك (مكارم الشيرازي، ١٣٧٤: ١٥٤/١٣). يمكن القول إن روح محتويات السورة تتلخص في آية ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى﴾، والهدف الرئيسي للسورة هو التذكير والتنبيه من خلال الإنذار وتذكير الحقائق (قرشي، ١٣٧٧: ٣٦٧/٦).

هذه السورة هي أول سورة تروي قصة حضرة موسى (ع) بالتفصيل، وقد خصصت حوالي ثمانين آية لهذا الموضوع.

ج. دراسة مفهوم القراءة

من منظور علم الأنساب المعرفي، يحتل علم القراءات مكانة في منظومة العلوم القرآنية ويُعد من العلوم الأساسية في العالم الإسلامي. هناك خلاف في وجهات النظر بين علماء اللغة والأدب حول هذه الكلمة. فقد اعتبرتها مجموعة كلمة أصيلة في اللغة العربية وعرّفوها بمعنى «الجمع والضم» (الطريحي، ١٣٧٥: ٣٣٦)، وكذلك بمعنى «الرمي والإسقاط» (الراغب الأصفهاني، ١٣٧٤: ١٨٠/٣). بينما فسرتها مجموعة أخرى بمعنى «التلاوة والقراءة» (ابن منظور، ١٤١٤: ١٤٢).

القراءة في اللغة تعني القراءة، وفي الاصطلاح تعني كيفية نطق ألفاظ القرآن الكريم (الدمياطي، ١٤١٩: ١٩/١). من الناحية اللغوية، تعني القراءة «طريقة القراءة» (الأسودي، ١٤٠٠: ٢٧٣). وقد حصر ابن الجزري القراءات في مواضع الاختلاف بين القراء، وعرّفها بأنها معرفة كيفية نطق كلمات القرآن واختلافها استناداً إلى ناقلها (ابن الجزري، ١٣٢٩: ٣).

يقول المرتضى العسكري، بالنظر إلى استخدامات كلمة «قراءة» في القرآن والروايات ولسان الصحابة: إن القراءة في زمن النبي (ص) والصحابة كانت تُستخدم بمعنى القراءة المصحوبة بفهم معنى الآيات، و«الإقراء» كان يعني تعليم لفظ القرآن مع معاني الآيات. كما كان يُطلق «المقرئ» على من يعلّم قراءة القرآن مع تفسير الآيات للآخرين (العسكري، ١٤١٦: ٢٨٩/١). ويقول أبو عبد الرحمن، الذي كان تلميذ الإمام علي (ع) وأستاذ عاصم الكوفي: كان أحد أصحاب النبي (ص) الذين يعلموننا قراءة القرآن يقول إنهم كانوا يتلقون القرآن من النبي عشر آيات عشر آيات، ولم يكونوا ينتقلون إلى العشر آيات التالية حتى يتعلموا المفاهيم العلمية والعملية للعشر آيات الأولى (المجلسي، ١٤٠٤: ١٠٦/٨٩؛ النوري، ١٤٠٨: ٣٧٢). وبناءً عليه، فإن كلمة «اقرأ» كانت تعني التعليم المزدوج للفظ والمعنى، وكان لها هذا الاستخدام في عصر الصحابة، ولكن مع مرور الزمن تغير استخدامها، واليوم تستخدم بالمعنى الشائع للقراءة (بير جراغ وزملاؤه، ١٤٠١: ٣٦٣).

يقول الزركشي في تعريف القراءات: «القراءات هي الاختلاف المتعلق بألفاظ وعبارات الوحي، فيما يتعلق بحروف وكلمات القرآن وكيفيتها من تخفيف وتشديد ونحوهما، مما نُقل عن القراء» (الزركشي، ١٤١٩: ٣١٨/١).

القراءة في اللغة مصدر سماعي للفعل «قرأ»، وفي الاصطلاح تطلق على طريقة قراءة تتميز عن غيرها من الطرق، والتي اختيرت بناءً على الروايات المتواترة عن أئمة القراء في كيفية أداء القرآن، سواء كان تميز واختلاف طريقته عن أئمة القراء الآخرين في أداء الحروف أو في أداء الحركات (الزرقاني، ١٣٨٥: ٤٦٥).

القراءة في الاصطلاح هي ما يُنقل في بيان كيفية قراءة كلمات وحروف القرآن عن إمام القراءة، مثل قراءة «مالكِ» من عاصم والكسائي في الآية ٤ من سورة الحمد (الداني، ١٤٠٦: ٨١).

وقد أورد هادي الفضلي في تلخيص لتعاريف القراءة ما يلي: «القراءة هي قراءة القرآن الكريم، بناءً على اللفظ المنقول والمروي. لا فرق في أن يكون النطق صادراً عن النبي (ص) أو نطق وقراءة الآخرين مما حظي بتأييده؛ سواء كان شخصاً واحداً أو عدة أشخاص» (الفضلي، ١٣٨٨: ٨١).

هدف علم القراءة هو تحصيل ملكة لضبط الاختلافات المتواترة، وفائدته حفظ كلام الله من التحريف والتغيير. ومبادؤه هي المقدمات المشهورة أو المروية عن الثقات في هذا الشأن (خدا بنده لو وزملاؤه، ١٤٠٠: ٢٩٢).

د. اختلاف القراءات وأثره في معنى الآيات

عندما يختار شخص طريقاً وأسلوباً غير طريق وأسلوب الآخر في العمل أو الكلام، يُطلق عليه اختلاف أو مخالفة (الراغب الأصفهاني، ١٣٧٤: ٦٣٠/١). كما أن «اختلف» بمعنى ضد «اتفق» (الفيروزآبادي، ١٤١٥: ١٨٦/٣). اختلاف القراءات، الذي يعني اختلاف حروف وكلمات القرآن وكيفيتها من تخفيف وتشديد ونحوهما من قِبل القراء، يمكن أن يؤثر في معنى الآيات وأحياناً لا يكون له تأثير. فيما يلي، سيتم دراسة القراءات المؤثرة وغير المؤثرة في آيات سورة طه.

1. القراءات المؤثرة في معنى الآيات

للقرآن نص واحد، والاختلاف بين القراء يدور حول كيفية الوصول إلى ذلك النص الواحد. ويمكن تصنيف الاختلافات في القراءات في جميع أنحاء القرآن الكريم، وفقاً لقول بعض المقرئين، في حوالي ١١٠٠ موضع (سواء كانت مهمة أم غير مهمة). ويمكن تصنيف هذه الاختلافات بشكل عام على أنها ناتجة عن قواعد صرفية، ونحوية، وصوتية (لأن القراء عند تطبيق الإدغام الصوتي اتبعوا أذواقاً مختلفة)، ولهجية، وبناءً على هذه القواعد يتم تصنيف الآيات. بل إن هذا الاختلاف في القراءات قد يؤدي أحياناً إلى تغيير في المعنى (الأسودي وزملاؤه، ١٤٠٠: ٢٧٦). في هذا القسم، تم إيراد القراءات التي تؤدي إلى تغيير في المعنى، مع الأخذ بعين الاعتبار كتب القراءات وآراء المفسرين. وتجدر الإشارة إلى أن بعض هذه التغييرات في المعنى طفيفة جداً بحيث يمكن تجاهلها.

طه (الآية ١)

قرأ حمزة والكسائي بكسر الطاء والهاء (جزري، ١٤٢١: ٤٥٧؛ الأزهري، ١٤٢٠: ٢٩٨؛ الفارسي، ١٤١٣: ٢١٧/٥). وقرأ ابن كثير وابن عامر وحفص «طه» بفتح الطاء والهاء (ابن خالويه، ١٤١٣: ٢٧/٢؛ الأزهري، ١٤٢٠: ٢٩٨). وقد اعتبر ابن منظور «طه» حرفي هجاء، ويقول: إنها باللغة الحبشية تعني يا رجل أو يا إنسان (ابن منظور، ١٤١٤، ج١٣: ٥١٢). وقرأها أبو عمرو ونافع على صورة «طَهِ» (بفتح الطاء وكسر الهاء)، وفي هذه الحالة تكون الهاء مبدلة من همزة ومعناها ضع قدميك على الأرض (الطبرسي، ١٣٦٠، ج١٦: ٦). وسُئل أبو عمرو: لماذا كسرت الهاء؟ فأجاب: لكي لا يُشتبه بهاء التنبيه. وقرأها عيسى بن عمر بعكس قراءة أبي عمرو، أي بصورة «طِه»، لأن الجمع بين كسرتين قبيح، ولأن الهاء فُتحت ليعتدل الكلام (ابن خالويه، ١٤٢٧: ٢٧/٢). بالنظر إلى الاختلاف في قراءة هذه الآية والمعاني المذكورة لها، يمكن القول إن الاختلاف في قراءة هذه الكلمة قد تسبب في اختلاف معناها أيضاً. ففي بعض القراءات، تُعتبر حرفي هجاء مثل الحروف المقطعة في أوائل السور، وفي قراءات أخرى تُعتبر فعلاً، وفي هذه الحالة يختلف معناها.

الآية ١٢: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى

اختلاف القراءة: طُوًى

قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بصورة «طُوَى» (بدون تنوين). وقرأ بقية القراء هنا وفي سورة النازعات (الآية ١٦) بالتنوين (الداني، ١٤٢٦: ١٢٢؛ البناء، ١٤٢٢: ٣٨٢؛ الجزري، د.ت، ٣١٩/٢). في حالة التنوين، «طُوًى» اسم لأرض، ولأنه مذكر، سُمّي باسم مذكر. وأما الذين تركوا التنوين، فذلك لسببين: ١. أن «طُوَى» معدول عن «طاوٍ» (مثل عمر المعدول عن عامر) وهو غير منصرف؛ ٢. أنه اسم للبقعة وهو مؤنث، كما جاء في آية «فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ» (الأزهري، ١٤٢٠: ٢٩٠). المعنى الذي ذكره المفسرون لهذه الكلمة في حالة التنوين هو غالباً اسم الأرض التي أوحي فيها إلى حضرة موسى (ع). جاء في الميزان: «كلمة ‘طُوًى’ اسم للوادي الذي يقع عند سفح الطور وهو المكان الذي سماه الله سبحانه الوادي المقدس» (الطباطبائي، ١٣٧٤: ٣٩١/١٤). في تفاسير أخرى، اعتبروا «طُوًى» اسم أرض طاهرة ونقية (الكاشاني، ١٣٣٦: ٤٥٥/٥؛ حسيني شاه عبد العظيمي، ١٣٦٣: ٢٤٩/٨؛ ثقفي، ١٣٩٨: ٥٠٠/٣). والتعبير بـ«طُوًى» إما لأن اسم تلك الأرض كان أرض «طُوًى» (كما قال معظم المفسرين)، أو لأن «طُوًى» التي تعني في الأصل اللف، هي هنا كناية عن أن هذه الأرض كانت محاطة بالبركات المعنوية من كل جانب. ولهذا السبب، عُبّر عنها في الآية ٣٠ من سورة القصص بـ«الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ» (مكارم الشيرازي، ١٣٧٤: ١٦٩/١٣). الاختلاف الدلالي بين هاتين القراءتين هو: ١. في حالة عدم الانصراف وبمعنى البقعة، لا يشمل كل تلك الأرض، بل جزءاً منها؛ ٢. في حالة الانصراف، يشمل كل تلك الأرض. ظاهراً هذا التغيير في المعنى لم يغير تفسير الآية.

الآية ٣١ و ٣٢: اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي

اختلاف القراءة: اشْدُدْ – أَشْرِكْهُ

قرأ ابن عامر همزة «اشْدُدْ» بصورة قطع وفتح (ازهري، ١٤٢٠: ٢٩١؛ داني، ١٤٢٨، ١٣٥٤/٣؛ ابن خالويه، ١٤٢٧: ٢٥٩). وبناءً على أنه فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر وجوباً (أنا) ومجزوم لأنه جواب الطلب، يكون «وَ أَشْرِكْهُ» معطوفاً عليه. كما قرأ همزة «أَشْرِكْهُ» بالضم، بناءً على أنه فعل أمر وفاعله ضمير مستتر وجوباً (أنت) وهو مبني على السكون. ويكون «وَ أَشْرِكْهُ» معطوفاً عليه (جزري، ١٤٢١: ٤٥٨). أما بقية القراء فقد تلوها بصورة همزة وصل في «اشْدُدْ» وضمها في الابتداء وفتح همزة «أَشْرِكْهُ». وكلا الفعلين في معنى الدعاء، من طرف حضرة موسى (ع) لتقوية ظهره وإشراك هارون (ع) في النبوة وتدبير الأمور (بناء، ١٤٢٢: ٢٧٣).

الاختلاف الدلالي بين هاتين القراءتين يكمن في أنه في حالة كون الجملة خبرية، تكون مشاركة هارون في تدبير الأمور وإدارتها، وليست في نبوة موسى (ع)، لأن الاشتراك في النبوة ليس بطلب من موسى (ع) بل بإرادة إلهية، وفي حالة كونها دعائية، يكون الطلب هو المشاركة في أمر النبوة. معظم المفسرين، بالنظر إلى المقاطع السابقة من الآية والطلبات التي رفعها إلى الله تعالى، فسروها بصيغة دعائية. وكما أن كل هذه الآيات دعائية، فإن ما يُعطف عليها سيكون دعائياً أيضاً. أما بخصوص مشاركة هارون، فمن المستبعد أن نحملها على غير الدعاء، لأن المشاركة في النبوة لا تكون إلا من عند الله تعالى، إلا إذا كان موسى (ع) قد كلف بأمر غير النبوة، بينما يجب أن يكون نبوة حسب الآيات (فارسي، ١٤١٣، ٢٢٢/٥؛ طوسي، د.ت، ١٧١/٧). ويعتقد الطبرسي أيضاً أن مشاركة هارون في نبوة موسى (ع) هي بإرادة الله، لا بإرادة موسى (ع)، فالأفضل أن تكون بصيغة الدعاء (الطبرسي، ١٧/١٦). هذه المشاركة ليست كمشاركة المبلغين للدين في نشر الدين بعد تمام الدعوة بواسطة النبي، لأن ذلك الإشراك ليس خاصاً بهارون، والمقصود من الإشراك في الآية هو إشراك خاص بهارون، وهو أن يكون هارون شريكاً لموسى في أصل دعوة الدين ومنذ اليوم الأول للدعوة. بمعنى أن يتولى قسطاً مما يوحى إليه، وشيئاً من الخصائص التي تأتيه من الله (مثل وجوب الطاعة وحجية القول). الإشراك في النبوة الخاصة، بمعنى تلقي الوحي من الله، لم يكن شيئاً يخافه موسى من الوحدة فيه، ويطلب من الله أن يشرك هارون معه، بل كان خوفه من الوحدة في تبليغ الدين وإدارة الأمور في نجاة بني إسرائيل وسائر لوازم الرسالة (الطباطبائي، ١٣٧٤، ٢٠٤/١٤). وبناءً عليه، فإن الاختلاف في معنى هاتين القراءتين لم يكن له تأثير خاص في تفسير الآيات.

الآية ٥٠: قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى

اختلاف القراءة: خَلْقَهُ (اختلاف في التفسير)

قرأ الكسائي بفتح اللام، وبقية القراء بسكونها (الداني، ١٤٢٨، ١٣٥٥/٣؛ ابن غلبون، ١٤١٠، ٥٣٣/٢؛ ابن مهران، د.ت، ٢٩٥). في القراءة المشهورة، تُقرأ «خَلْقَهُ» بسكون اللام وبصورة اسم، والتي يعتبرها بعض المفسرين قراءة الجمهور (الشوكاني، ١٤١٤، ٤٣٥/٣). في هذه الآية، يوجد اختلاف تفسيري كبير؛ لأن الفعل «أَعْطَى» يتعدى إلى مفعولين، المفعول الأول هو آخذ العطاء، والمفعول الثاني هو المأخوذ؛ أي الشيء الممنوح. ويعود هذا الاختلاف التفسيري إلى نوع تركيب الآية في مفعولي «أَعْطَى» وكذلك إلى المعاني المختلفة لـ «كُلُّ شَيْءٍ» و «خَلْقَهُ» (خوشفر وزملاؤه، ١٣٩٩: ٨٧). في قراءة الكسائي، «خَلَقَهُ» فعل ماض معلوم، ودوره أن يكون صفة للمضاف أو المضاف إليه (الشوكاني، ١٤١٤، ٤٥٣/٣). وفقاً لهذه القراءة، هناك تركيز في معنى ما على فعل «الإعطاء» الإلهي الذي يشمل كل شيء، والمفعول الثاني محذوف لأن مقصد المتكلم لم يكن بيانه ولا حاجة لتقديره. وفي معنى آخر، بتقدير المفعول الأول أو الثاني لـ «أَعْطَى»، والذي حُذف بسبب التعميم مع الاختصار، أو مجرد الاختصار وقرينة الحال أو علم المخاطب به. وبناءً على هذه التقديرات المختلفة، يمكن تصور معانٍ متعددة له، مما يجعل تفسير الآية مختلفاً (خوشفر وزملاؤه، ١٣٩٩: ٩٣). الفرق بين هاتين القراءتين يكمن في طريقة الاستدلال على وصف الخالقية، في إثبات دلالتها على الربوبية. المعنى التفسيري للآية بناءً على القراءة المشهورة: الله بفضله، وهب لكل موجود وجوداً خاصاً به في نفس وقت خلقه؛ وهو نفس الوجود والصورة المقدرة التي تتناسب مع مصالح ومنافع وكمال كل شيء، وبواسطتها تصل الموجودات إلى كمالها وهدفها. المعنى التفسيري للآية بناءً على القراءة غير المشهورة: الرب أعطى كل شيء خلقه ما يصلحه ويحتاجه ويسبب إتقان واستحكام خلقه وتمتعه في مجالات وجوده الضرورية. تعود هذه الاختلافات التفسيرية إلى كيفية تركيب الآية في مفعولي «أَعْطَى» وكذلك المعاني المختلفة لـ «خَلْقَهُ». إذا قُرئت «خَلَقَهُ»، فالمفعول الثاني لـ «أَعْطَى» محذوف ويجب فهمه من القرائن. أما إذا قُرئت «خَلْقَهُ»، فهي نفسها أو «كُلُّ شَيْءٍ» هي المفعول الثاني له. في كلتا الحالتين، فإن تأثير اختلاف القراءة في هذه الآية على التفسير لا يمكن إنكاره.

الآية ٥٩: قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَ أَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى

اختلاف القراءة: يَوْمُ الزِّينَةِ

قرأ حفص «يَوْمَ» بالنصب، فتكون ظرفاً، وقرأها الآخرون بالرفع (الداني، ١٤٢٨، ١٣٥٦/٣؛ ابن مهران، د.ت، ٢٩٥؛ الطبرسي، ١٣٦٠، ٣٩/١٦). الجمهور جعلوها خبراً لـ«مَوْعِدُكُمْ». إذا اعتبرنا «مَوْعِد» زماناً، فلا نحتاج إلى تقدير مضاف؛ أي متى ساعة الوعد في يوم العيد؟ وإذا اعتبرناه مصدراً فعلياً، فالمضاف محذوف؛ أي كل وعد أعطي في يوم العيد (البناء، ١٤٢٢: ٣٨٤). لقد حدد في هذه الجملة يوم الميعاد بأنه يوم الزينة. ومن السياق يتضح أيضاً أن «يوم الزينة» كان يوماً عند المصريين يتزينون فيه كما في يوم العيد ويزينون الأسواق (الطباطبائي، ١٣٧٤، ٢٤١/١٤). الاختلاف الدلالي بين هاتين القراءتين يكمن في مكان وزمان اللقاء المحدد. في قراءة النصب، المقصود أن زمان لقائنا يتم في يوم العيد، وفي قراءة الرفع، يُحدد زمان اللقاء في وقت يجتمع فيه الناس جميعاً. كما أن في قراءة الرفع التي هي خبر، يكون الوعد قد حُدد مسبقاً، والسؤال عن وقته المحدد. قد يكون هذا الوقت صباحاً أو ظهراً. أما في قراءة النصب، فنوع الوعد غير محدد؛ المقصود أي وعد قد يكون غير الاجتماع. كما نلاحظ، هذا الاختلاف الطفيف في المعنى لم يحدث تغييراً في التفسير، لأن هدف الآية في كلتا الحالتين هو بيان الوعد الذي تم تحديده بينهما في يوم العيد.

الآية ٦٣: قَالُوا إِنْ هَاذَانِ لَسَاحِرَانِ

اختلاف القراءة: إِنْ – هَاذَانِ

قرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي بتشديد «إِنَّ» و«هَذَانِ» بالألف وبدون تشديد النون. ولهذه الحالة يمكن تصور ثلاثة وجوه: ١. «إِنَّ» بمعنى «نعم» و«هَذَانِ» مبتدأ و«لَسَاحِرَانِ» خبره: هنا تستخدم لتأكيد المطلب وبمعنى «نعم». وفي هذه الحالة يكون معنى الآية: «نعم، هما ساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم». ٢. «هَذَانِ» جزء من جملة خبر «إِنَّ» واسمها ضمير «هما» المحذوف، وجملة «هَذَانِ لَسَاحِرَانِ» خبرها (البناء، ١٤٢٢: ٣٨٤). طبقاً لهذه النظرية، أصل الآية هكذا: «إِنَّهُمَا هَذَانِ لَسَاحِرَانِ». ٣. «هَذَانِ» اسمها، وهي بلغة إحدى قبائل العرب (بني الحارث) الذين يقرؤون المثنى بالألف في جميع الحالات ولا يغيرونه في حالة النصب أو الجر (ابن خالويه، ١٤٢١: ٢٤٢). وفي هذه الحالة تفيد التوكيد لأنها مخففة من المثقلة. معنى الآية في هذا الوجه: «إنهما لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم». وقرأ أبو عمرو «إِنْ هَذَيْنِ»، وبناءً عليه، «إِنْ» مخففة من المثقلة واسمها «هَذَيْنِ» وخبرها «لَسَاحِرَانِ». وفي هذا السياق، شدد ابن كثير نون «هَذَانِّ»، ووجهه إما أن تكون النون عوضاً عن الألف المحذوفة، أو للتفريق بين الكلمات المبهمة وغير المبهمة. وقرأ ابن كثير وحفص «إِنْ» بكسر الهمزة وجزم النون، و«هَذَانِ» بالألف. وفي هذه الحالة، «إِنْ» حرف نفي بمعنى «ما»، واللام في كلمة «لَسَاحِرَانِ» بمعنى «إلا»، والتقدير هو: «مَا هَذَانِ إِلَّا سَاحِرَانِ»، أي ما هذان إلا ساحران (ابن غلبون، ١٤١٠، ٥٣٤/٢؛ الثعلبي، ١٤٢٢، ٢٥٠/٦). إن تأكيد كون موسى وهارون ساحرين وعدم تأكيده، وبيان الجملة بصيغة خبرية، هو اختلاف دلالي في الإعرابات المختلفة لهذه الكلمات، ولكنه لم يحدث تغييراً في تفسير الآيات.

الآية ٦٤: فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُواْ صَفًّا

اختلاف القراءة: فَأَجْمِعُوا

قرأها أبو عمرو بألف وصل وفتح الميم، من الفعل الثلاثي «جَمَعَ». وقرأها بقية القراء بصورة «فَأَجْمِعُوا» بألف قطع، من الفعل الرباعي «أَجْمَعَ» (الأزهري، ١٤٢٠: ٢٩٦؛ الداني، ١٤٢٦: ١٢٣؛ ابن خالويه، ١٤٢٧: ٢٦٣). الفرق الدلالي بين هاتين الكلمتين: في حالة الفعل الثلاثي «جَمَعَ»، يعني أنهم عزموا على هذا الأمر واتفقوا عليه، أي أن آراءهم وأفكارهم كانت واحدة ومتفقة. وفي حالة الفعل الرباعي «أَجْمَعَ»، يعني أنهم جمعوا سحرهم وكيدهم، أي أنهم أحضروا كل سحرهم وكيدهم ولم يتركوا منه شيئاً. وهذا المعنى يتعزز بقول الله في الآية ٦٠: «فَجَمَعَ كَيْدَهُ» (فرعون جمع كل مكره وخداعه) (ابن خالويه، ١٤٢١: ٢٤٤؛ الأزهري، ١٤٢٠: ٢٩١). بالنظر إلى الآيات السابقة، عندما رأى فرعون وأعوانه أن الناس بسبب مواعظ موسى (ع) قد اختلفوا في أمر مواجهته، وأن هذا الاختلاف سيؤدي إلى فضيحتهم وهزيمتهم، قالوا للناس: إن الحل هو أن تجمعوا أفكاركم ومكائدكم وتنبذوا الخلاف وتأتوا صفاً واحداً، لتكونوا أقوياء وتتمكنوا من الفوز. لقد حثوا الناس على وحدة الكلمة والاتفاق، وبكل وسيلة ممكنة، سواء بالترغيب أو الترهيب، حثوا الناس على الثبات على دينهم والقيام ضد موسى (ع) (الطباطبائي، ١٣٧٤، ٢٤٥/١٤). وبناءً عليه، فإن الاختلاف التفسيري الطفيف الموجود في هاتين القراءتين هو أنه في قراءة أبي عمرو، يكون التركيز على الوحدة والاتفاق ونبذ الخلافات في مسألة مواجهة موسى (ع). وفي قراءة سائر القراء، يُطرح موضوع جمع السحر والمكائد المختلفة واستخدام كل الطاقات لإزالته. هذا الاختلاف الطفيف في القراءة لم يحدث تغييراً جوهرياً في التفسير العام للآية، لأن الهدف الرئيسي لفرعون وأتباعه في كلتا الحالتين كان مواجهة موسى (ع) وإضعافه.

الآية ٦٦: … يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى

اختلاف القراءة: يُخَيَّلُ

قرأ ابن عامر «يُخَيَّلُ» بصيغة «تُخَيَّلُ» بالتاء، وقرأها بقية القراء بالياء (ابن مهران، د.ت، ٢٩٦؛ الأزهري، ١٤٢٠: ٢٩٧؛ ابن خالويه، ١٤٢٧: ٢٦٤). علة القراءة بالتاء هي أن القراءة تعود إلى «الحبال» و«العصي» (الحبال والعصي) وهي جمع غير عاقل. وعلة القراءة بالياء هي أن القراءة تعود إلى «السحر» لأن السحر هو العامل الرئيسي في هذا الوهم (ابن خالويه، ١٤١٣، ٤٣/٢). الآية تفسر حقيقة السحر والشعوذة بأنها قوة تسيطر على خيال المتفرجين وتؤثر في أعينهم. فالحضور محكومون بقوة خيالية واهية، مثلاً يرون الحبال والعصي الكثيرة، مع أنها بلا حس وحركة، تتحرك وتتلوى في نظر المتفرجين، وأعينهم أيضاً تتخيل حركتها (حسيني همداني، ١٤٠٤، ٤٨١/١٠). الاختلاف بين هاتين القراءتين: في القراءة بالتاء «تُخَيَّلُ»، يُتصور أن حبالهم وعصيهم تسعى وتتحرك نحو موسى (ع). وفي القراءة بالياء «يُخَيَّلُ»، يتصور هو سعيهم وجهدهم للسحر (الأزهري، ١٤٢٠: ٢٩٧). في هذه القراءة، المقصود أنهم سحروا أعين الناس واستطاعوا أن يتغلغلوا في أفكار الحاضرين بحيث نشأ لديهم هذا الاعتقاد بأن كل هذه الكائنات الجامدة قد حيت. هذا الاختلاف في القراءة، على الرغم من دقته، يعود في النهاية إلى نفس المفهوم العام للآية، وهو أن السحر والشعوذة يسببان الوهم والخيال في أذهان المشاهدين.

الآية ٦٩: … إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ

اختلاف القراءة: سَاحِرٍ

قرأ حمزة والكسائي «سِحْرٍ» بكسر السين وسكون الحاء، بدون ألف، وقرأها بقية القراء بفتح السين وكسر الحاء وبألف (جزري، ١٤٢١: ٤٦٠؛ اهوازي، ٢٠٠٢: ٢٥٠؛ بناء، ١٤٢٢: ٣٨٥). القراءة بالألف سببها أنهم جعلوها اسم فاعل مشتق من الفعل. والذين حذفوا الألف، أرادوا بها اسم فعل واعتبروها مصدراً (ابن خالويه، ١٤٢١: ٢٤٥). في قراءة حمزة والكسائي وجهان: ١. جعلوا «إِنَّمَا» حرفين، ومعناها: «الذين صنعوا بالسحر»؛ ٢. أن تُؤوَّل «ما» إلى مصدر ويكون معناها: «إنما عملهم مكر سحري» (الأزهري، ١٤٢٠: ٢٩٨). في هذه القراءة، السحر بمعنى صاحب السحر، بسبب نفوذهم في السحر، أو من باب المبالغة، فهم أنفسهم سحر. في القراءة الأولى (بالألف) معناها: «ما صنعه هؤلاء السحرة هو كيد ساحر» (الطبري، ١٤١٢، ١٤١/١٦). كما يلاحظ، هذا الاختلاف الطفيف في المعنى لم يحدث تغييراً في تفسير الآية، لأن المفهوم الأساسي للآية في كلتا القراءتين هو أن عمل السحرة ليس إلا مكراً وحيلة، ولم يكن له نتيجة سوى الخداع والوهم.

الآية ٧١: قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُم

اختلاف القراءة: ءَامَنتُمْ

قرأها ابن كثير وحفص بصيغة «آمَنْتُمْ»، على أنها خبر. وقرأها نافع وأبو عمرو وابن عامر بهمزة ممدودة، وقرأها حمزة والكسائي بهمزتين (الداني، ١٤٢٨: ١٣٥٨/٣؛ الفارسي، ١٤١٣: ٢٣٧/٥؛ الأهوازي، ٢٠٠٢: ٢٥٠). في القراءة الأولى (آمَنْتُمْ): هذه القراءة خبرية ولها وجه حسن، كأن فرعون يريد أن يوبخهم لسبقهم وتقدمهم في ظلمهم بما آمنوا به، دون إذنه وأمره (الداني، ١٤٢٨: ١٣٥٨/٣). في تفسير الميزان: جملة «آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُم» هي تهديد من فرعون للسحرة لأنهم آمنوا بموسى دون إذنه. في الحقيقة، الجملة المذكورة استفهامية، ولكن حرف الاستفهام حُذف، والاستفهام إنكاري أو خبري لتقرير الجرم (الطباطبائي، ١٣٧٤: ٢٥١/١٤). في قراءة الجملة بصيغة خبرية، يبدو أن فرعون قد صرح بذلك، ولكن في القراءة بصيغة استفهامية، يسألهم توبيخاً لماذا آمنوا بدون إذنه وأمره (الطوسي، د.ت: ١٨٩/٧). على الرغم من أن القراءتين مختلفتان من حيث المعنى، إلا أنه لم يحدث تغيير في تفسير الآية، لأن المقصود من الخبر في القراءة الأولى هو التوبيخ أيضاً (الآلوسي، ١٤١٥: ٥٤٢/٨). في كلتا القراءتين، يوبخ فرعون السحرة لإيمانهم بموسى (ع) بدون إذنه، وهذا هو المفهوم الأساسي للآية.

الآية ٧٧: … فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَ لَا تَخْشَى

اختلاف القراءة: لَا تَخَافُ

قرأها حمزة وحده بصيغة مجزومة وبدون ألف «لَا تَخَفْ»، وقرأها بقية القراء بصيغة مرفوعة ومع الألف «لَا تَخَافُ» (الداني، ١٤٢٦: ١٢٤؛ الجزري، د.ت، ٣٢١/٢؛ البناء، ١٤٢٢: ٣٨٦). وجه قراءة حمزة: جعلها حمزة بمعنى النهي، وبهذه الصورة: نهى الله حضرة موسى (ع) عن الخوف، كأنه قال: «لا تخف أن يسبقك فرعون وجنوده و[لا تخف] من الغرق». بناءً على قراءة حمزة، لا يجوز في البداية، لأنه جواب الأمر لـ«فَاضْرِبْ»، والتقدير هو: إذا ضربت لهم طريقاً في البحر، فلا تخف من الظلام خلفك ومن الغرق أمامك (الأزهري، ١٤٢٠: ٢٩٧). بناءً على قراءة الرفع «لَا تَخَافُ»: يمكن تصور حالتين لها: ١. أن نجعلها حالاً لفاعل «فَاضْرِبْ»، والتقدير هو: «فاضرب لهم طريقاً في البحر حال كونك لا تخاف». ٢. أن نجعلها مبتدأ، لاستئناف الخبر، بمعنى: «أنتم لا تخافون بعمق، لأن فرعون يغرق قبل الخروج من البحر» (ابن غلبون، ١٤١٠، ٥٣٧/٢). اختلاف القراءة في هذه الآية يأتي بشكلين: مجزوم «لَا تَخَفْ» ومرفوع «لَا تَخَافُ». في القراءة المجزومة، يكون النهي عن الخوف هو المقصود، بينما في القراءة المرفوعة، يُعبر عن حالة عدم الخوف أو الطمأنينة. كلا القراءتين تشيران إلى مفهوم عام واحد وهو أن موسى (ع) وأصحابه لا ينبغي أن يخافوا من فرعون وجنوده، لأن الله سيحفظهم.

الآية ٨١: … فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَ مَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى

اختلاف القراءة: فَيَحِلَّ – يَحْلِلْ

قرأ الكسائي «فَيَحُلَّ» بضم الحاء، واللام الأولى في «يَحْلُلْ» بضمها أيضاً (الداني، ١٤٢٨: ١٣٦١/٣؛ الفارسي، ١٤١٣: ٢٤٢/٢؛ الجزري، د.ت، ٣٢١/٢). قراءة الكسر من مادة «حَلال»، أي بعد أن كان غضب الله حراماً عليهم، يصبح حلالاً عليهم. وقراءة الضم من «حُلُول»، أي ينزل عليهم غضب الله (الطبرسي، ١٣٦٠: ٥٣/١٦). قال الفراء: القراءة بالكسر عندي أفضل من القراءة بالضم، لأن القراءة بالضم من الحلول بمعنى الوقوع، والقراءة بالكسر بمعنى الوجوب. وفي التفسير، أُشير إلى وجوب العذاب، لا وقوعه (ابن الجوزي، ١٤٢٢: ١٧٠/٣). جملة «فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي» وإن كانت في الظاهر تخبر عن المستقبل، إلا أن معناها أن غضبي عليكم واجب ولازم. كلمة «يَحِلّ» من حلول الدين (حلول أجل القرض)، و«حَلَّ – يَحِلُّ» من باب «ضَرَبَ – يَضْرِبُ» (الطباطبائي، ١٣٧٤: ٢٦١/١٤). اختلاف القراءة في هذه الآية بين الكسر والضم: ١. قراءة الكسر «فَيَحِلَّ» بمعنى وجوب وحلالية غضب الله عليهم. ٢. قراءة الضم «فَيَحُلَّ» بمعنى نزول ووقوع غضب الله عليهم. كلتا القراءتين تشيران إلى مفهوم عام واحد، وهو أن غضب الله حتمي وواجب على من يعصي أمره.

الآية ٨٧: … بِمَلْكِنَا وَلَا كِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ

اختلاف القراءة: بِمَلْكِنَا – حُمِّلْنَا

اختلاف قراءة بِمَلْكِنَا: قرأ نافع وعاصم بفتح الميم «بِمَلْكِنَا»، وحمزة والكسائي بضم الميم «بِمُلْكِنَا»، وبقية القراء بكسر الميم «بِمِلْكِنَا» (الجزري، ١٤٢١: ٤٦٢؛ ابن مهران، د.ت: ٢٩٧؛ الداني، ١٤٢٦: ١٢٤). معاني القراءات المختلفة لـ بِمَلْكِنَا: ١. بفتح الميم وكسرها، بمعنى التسلط والقدرة على الغير. أي: «بعد عودة موسى (ع) من جبل الطور واعتراضه على عبادة عجل السامري، قالوا له: ما أخلفنا موعدك بملكنا». ٢. بضم الميم، يُراد بها السلطان، لأن الشاه هو السلطان، و«مُلْك» اسم لكل ما هو متعلق، مثل قولنا: هذا البيت ملكي وأنا صاحبه (ابن خالويه، ١٤١٣: ٤٩/٢). ٣. بفتح الميم وسكون اللام، كلمة «مَلْك» مصدر من «مَلَكَ – يَمْلِكُ». يبدو أن المراد من جملة «مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا» هو: «ما خالفناك باختيارنا وأخلفنا وعدك». وقد يكون المراد أيضاً: «لم ننفق من أموالنا وملكنا شيئاً لصنع العجل، لنكون قد تعمدنا هذا الأمر، ولكننا حملنا أموال وأثقال وزينة القوم (ولأننا تعبنا) ألقيناها، فأخذها السامري وصنع بها هذا العجل» (الطباطبائي، ١٣٧٤، ٢٦٧/٢). اختلاف قراءة حُمِّلْنَا: قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي الحاء مفتوحة والميم مخففة «حَمَلْنَا»، وقرأها بقية القراء بضم الحاء وتشديد الميم «حُمِّلْنَا» (الأزهري، ١٤٢٠: ٣٠٠؛ البناء، ١٤٢٢: ٣٨٧). الفرق الدلالي بين هاتين القراءتين: في قراءة الضم «حُمِّلْنَا» أي أجبرنا على حمل أثقال القوم. وفي قراءة الفتح «حَمَلْنَا» أي حملناها بأنفسنا (الطبرسي، ١٣٦٠: ٥٩/١٦). الفرق الدلالي الأكبر يكمن في قراءة صيغة المجهول «حُمِّلْنَا» من باب التفعيل، أي فُرض علينا. والمراد أننا كُلّفنا بحملها (الكاشاني، ١٣٣٦: ١٢/٦). هنا، كان للحمل الاختياري لزينة القوم واستخدامها لصنع العجل والحمل الإجباري لها أثر في كون القوم مذنبين أو أبرياء.

الآية ٩٦: … قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ

اختلاف القراءة: يَبْصُرُوا

قرأها حمزة والكسائي بالتاء «تَبْصُرُوا»، وقرأها بقية القراء بالياء «يَبْصُرُوا» (الجزري، د.ت، ٣٢٢/٢؛ ابن خالويه، ١٤٢٧: ٢٧٠؛ الداني، ١٤٢٨: ١٣٦٢/٣). المقصود بالقراءة بالياء: صيغة الغائب، بني إسرائيل. أي: «رأيت ما لم يروا». المقصود بالقراءة بالتاء: صيغة المخاطب، جميع الأفراد. أي: «قال لأصحابه: رأيت ما لم تروا عندكم» (الأزهري، ١٤٢٠: ٣٠٠؛ الطبرسي، ١٣٦٠، ٥٩/١٦؛ العاملي، ١٣٦٠، ١٢٥/٦). تأثير اختلاف القراءة في المعنى: بالنظر إلى الخطاب المختلف في القراءتين المذكورتين والمعنى المذكور في بعض التفاسير لـ«يَبْصُرُوا»، يمكن القول إن اختلاف القراءة يغير المعنى أيضاً. في تفسير نمونه: جملة «بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ» إشارة إلى معلومات خاصة بدين موسى (ع). أي: «علمت بأمور لم يعلموا بها ولم يدركوها» (مكارم الشيرازي، ١٣٧٤، ٢٨٦/١٣). في الميزان، فُسّرت بمعنى الرؤية: «بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا» بمعنى «رأيت ما لم يره الناس». رؤية جبريل عندما نزل راكباً أو ماشياً. ومفادها: «عرفته والناس لم يعرفوه» (الطباطبائي، ١٣٧٤، ٢٧٣/١٤). بالنظر إلى القصة المذكورة في التفاسير المختلفة، قام السامري بهذا العمل في غياب حضرة موسى (ع)، وما رآه أو علمه كان في غيابه. لذا، يجب أن يكون المخاطب هو بني إسرائيل، وهو ما تناولته القراءة المشهورة «يَبْصُرُوا».

2. القراءات غير المؤثرة في معنى الآيات

كانت طريقة النبي (ص) ومن بعده آل بيته (ع) تتمثل في عدم التشدد على الناس في أمر قراءة القرآن، من أجل ترويج ونشر الإسلام والقرآن. فإذا كانت قبيلة ما تلفظ كلمات معينة من القرآن بلهجتها الخاصة، كانوا يقبلون ذلك منهم. حتى إنه كان يحدث أحياناً أن يختلف شخصان على نطق كلمة واحدة، وكان النبي (ص) بعد سماع قراءة كليهما يقرّهما. وبناءً عليه، فإن هذه القراءات، التي هي في الغالب تقريرات من المعصومين (ع)، نُقلت من خلال روايات مختلفة. ورغم أنه قد تكون بعض هذه القراءات ذات إشكالية من حيث السند وتُعد من القراءات الضعيفة، إلا أن صدورها أو على الأقل تقرير مثل هذه القراءات التي لا تخل بمعنى الآيات، محتمل بالنظر إلى تساهل المعصومين (ع) مع الأفراد أو الأقوام المختلفة في أمر قراءة القرآن (بير جراغ وزملاؤه، ١٤٠١: ٣٦١). وفيما يلي مواضع اختلاف القراءات التي لا تؤثر في المعنى:

الآية ١٠: إِذْ رَءَا نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي ءَانَسْتُ نَارًا لَّعَلَى

اختلاف القراءة: لِأَهْلِهِ

قرأ حمزة وحده: «لِأَهْلُهُ امْكُثُوا» في هذا الموضع وكذلك في الآية ٢٨ من سورة القصص بضم الهاء (الأهوازي، ٢٠٠٢: ٢٤٧)، بينما قرأها بقية القراء بالكسر، تبعاً لحركة الحرف الذي قبله المكسور (الجزري، ١٤٢١: ٤٨٥).

الآية ١٢: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى

اختلاف القراءة: إِنِّي

قرأها ابن كثير وأبو عمرو بالفتح، وحمزة وبقية القراء بالكسر (الجزري، ١٤٢١: ٤٥٧؛ ابن مهران، د.ت، ٢٩١؛ الأزهري، ١٤٢٠: ٢٩٠). في كلتا الحالتين، لا يجوز الابتداء بها. في حالة الفتح، تكون مفعولاً لفعل «نُودِيَ»، وضمير «نُودِيَ» هو نائب الفاعل، والتقدير: «يَا مُوسَى بِأَنِّي أَنَا رَبُّكَ» (حيث حُذف حرف الجر). وفي حالة الكسر، تكون حكاية بعد القول، والتقدير: «يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ» (ابن غلبون، ١٤١٠، ٥٣٢/٢). كما يلاحظ، لم يحدث اختلاف القراءة تغييراً في معنى الآية. ففي كلتا الحالتين، يراد نداء حضرة موسى (ع) بأنني أنا ربك.

الآية ١٣: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى

اختلاف القراءة: اخْتَرْتُكَ

قرأها حمزة بصيغة «وَأَنَّا اخْتَرْنَاكَ» بتشديد النون وإضافة الألف، بصيغة الجمع. وقرأها بقية القراء بتخفيف التاء وبصيغة المفرد (الجزري، ١٤٢١: ٤٥٧؛ ابن مهران، د.ت، ٢٩٤؛ ابن خالويه، ١٤٢٧: ٢٥٩). من قرأها بالفتح وبدون تشديد بصيغة «أَنَا اخْتَرْتُكَ»، جعل «أَنَا» اسماً لله تعالى مقدماً على الفعل، وهو مرفوع على الابتداء، و«اخْتَرْتُ» خبره، والتاء فاعله، والكاف مفعوله. وتعود إلى الآية السابقة التي تقول: «إِنِّي أَنَا رَبُّكَ». ومن كسرها وشدد النون، جعلها من الحروف الناصبة في محل ابتداء، وشدد النون لأنها في الأصل نونان أُدغمت إحداهما في الأخرى للتخفيف (ابن خالويه، ١٤٢١: ٢٤٠). هنا، لم يحدث اختلاف القراءتين تغييراً في معنى وتفسير الآية، لأنه في قراءة المفرد، نسب الله تعالى اختيار حضرة موسى (ع) للرسالة إلى نفسه. وفي قراءة الجمع، استخدم صيغة الجمع لتعظيم مقام الباري تعالى (الثعلبي، ١٤٢٢، ٢٤٠/٦؛ البغوي، ١٤٢٠، ٢٥٧/٣). وكما أن ملوك العرب كانوا يستخدمون أحياناً صيغة الجمع لتعظيم شأنهم (الداني، ١٣٥٣/٣؛ ١٤٢٨؛ العكبري، ١٤٢٤، ١٩/٢). تجدر الإشارة إلى أن قراءة المفرد أنسب لسياق الآيات السابقة (الطبرسي، ١٣٦٠، ١١/١٦)، لأنها تعود إلى قول الله تعالى «إِنِّي أَنَا رَبُّكَ» الذي جاء بصيغة المفرد (ابن خالويه، ١٤٢١: ٢٤١).

الخاتمة

بعد إحصاء ودراسة مجمل اختلافات القراءات في سورة طه، تم بيان ٢٧ موضعاً، منها ١٨ موضعاً يؤثر في المعنى، و٩ مواضع لا تحدث تغييراً في المعنى. وفي هذا السياق، تعود أكثر مواضع الاختلاف إلى قراءات الكسائي وحمزة وأبي عمرو، حيث بلغ لكل منهم ١٤ موضعاً، وأقلها لنافع بـ ٨ مواضع. وفي دراسة الآيات التي تم بيان اختلافها، هناك آية واحدة فقط أدى اختلاف القراءة فيها إلى تغيير في التفسير، وهي الآية ٥٠، حيث يكمن الفرق بين القراءتين في هذه الآية في طريقة الاستدلال على وصف الخالقية لإثبات دلالتها على الربوبية.

وقد اتضح خلال هذا البحث أن لعلم القراءات تأثيراً مباشراً في فهم وترجمة وتفسير الآيات. وكان أكثر التطابق في التفاسير مع رواية حفص عن عاصم، مما أدى إلى بيان أفضل تفسير يتوافق مع القواعد والأصول العربية الأصيلة. وتشير نتائج هذا البحث إلى أن المعنى الأدق للمفردات القرآنية يمكن تحصيله بناءً على القراءة المشهورة وسياق الآيات، وفي إطار ذلك، تكون القراءة المشهورة متطابقة مع سياق الآيات والبنى اللغوية العربية.

وتجدر الإشارة أيضاً إلى أنه على مر التاريخ، كان اختلاف القراءات في معظم الحالات يتعلق بكيفية القراءة من الناحية الصرفية، والنحوية، والصوتية، واللهجية، ولم يكن له تأثير كبير في تفسير الآيات، ويمكن اعتباره نوعاً من الدقة. هذه الاختلافات لم تخل بالقراءة الأصلية للقرآن؛ لأن عوامل مثل إشراف أهل البيت (ع)، ودقة واهتمام المسلمين بحفظ القراءة الأصلية، ومقبولية قراءة حفص عن عاصم، بسبب تطابقها مع قراءة الإمام علي (ع)، أدت إلى بقاء القراءة الأصلية للقرآن مصونة.

الهوامش

1. تاريخ الاستلام: ١٥/٠٨/١٤٠٢، تاريخ التعديل: ٣٠/١٢/١٤٠٢، تاريخ القبول: ٢٤/٠١/١٤٠٣.

2. طالبة دكتوراه في قسم الإلهيات، فرع علوم القرآن والحديث، مجموعة الإلهيات، جامعة إيلام، إيران. masumrahimi15@gmail.com.

3. أستاذ مشارك في مجموعة علوم القرآن والحديث، جامعة إيلام (الباحث المسؤول). m.hoseininia@ilam.ac.ir.

4. السيد مجتبى أختر رضوي، أستاذ مساعد وعضو هيئة التدريس في مجموعة علوم وفنون القراءات، جامعة المصطفى (ص) العالمية، إيران، قم. seyedmojtaba_akhtarrazavi@miu.ac.ir.

Scroll to Top