خلاصة البحث: على الرغم من التقدم الملحوظ في الفقه والأصول، لا تزال هناك نقاط ضعف هامة، مثل: غياب النظرة الشمولية والتحليلية/الكيفية في المصادر، وضعف الارتباط بين الفقه والأصول، وتداخل المنهج والمحتوى، والانقطاع في الاستدلال. وتُظهر هذه النقاط الحاجة لاستخدام الذكاء الاصطناعي. يعرض هذا المقال شرحًا وتوضيحا لخدمات الذكاء الاصطناعي في حقل الفقه والأصول، مثل خدمة بيان النقوض، واكتشاف الروابط والعلاقات والاعتبار، وتلافي الخطأ التطبيقي، والمحاكاة، والدقة والمراجعة. وتبعث هذه الخدمات مجتمع الفقهاء والأصوليين نحو استعمال هذه الأداة القوية لتسريع تقدم العلم وتعزيز جودته.
1- المقدمة
الذكاء الاصطناعي، أو الذكاء الصناعي، أو الذكاء الآلي (Artificial Intelligence)، هو الذكاء الذي تظهره الآلة في الحالات والظروف المختلفة. ويشير (الذكاء الاصطناعي) إلى الأنظمة التي يمكن أن تُظهر ردود أفعال مماثلة للذكاء الإنساني، بما في ذلك فهم الظروف المعقدة، ومحاكاة عمليات التفكير وأساليب الاستدلال البشري، والاستجابة لها بشكل ناجح، والتعلم، والقدرة على اكتساب المعرفة والاستدلال لحل المسائل [1]. وعرّفت معظم البحوث والمقالات المرتبط بالذكاء الاصطناعي بأنّه (علم معرفة وتصميم العوامل الذكية) [2]، [3].
نظرًا لمحدودية قدرة الإنسان في الإحاطة بالمصادر والمراجع واكتشاف العلاقات وسرعة وكمية التحليلات، يتجه العمل البشري إلى أجهزة الكمبيوتر. وإن الاستعانة بهذه الأجهزة، نظرًا لعدم محدوديّتها في هذه المجالات، لهي فكرةٌ مناسبة لتسريع تقدم العلوم وتقليل نسبة الخطأ في عملية الاستنتاج. واليوم، يقدم هذا العلم – الذكاء الاصطناعي – خدماتٍ متنوعة للبشر، في مثل مجالات الطب والقانون وما إلى ذلك، وهو في تقدم مستمرً وما بعد يوم.
وحينئذ يتبادر سؤال للذهن: هل يمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في مجال علمي الفقه والأصول أيضًا؟ وهل يمكن أن يكون له دور في تقدم العلوم الدينيّة؟
إن علم الفقه والأصول، يعتبر – من بين العلوم الدينية الأخرى – أغنى العلوم من حيث المحتوى، فإنّ جهود غالبية العلماء كانت منذ الماضي وحتى الآن منصبةً على الفقه والأصول وكان يشغل اهتمامهم أكثر من غيره، وهو ما يفسّر سرعة تطوره وكثافة الأفكار المطروحة فيه مقارنة بغيره. ودراسة هذا العلم العظيم تُظهر للمحقق وجود نقاط ضعفٍ تبيّن ضرورة استخدام الذكاء الاصطناعي فيه.
إن جهود علماء الفقه والأصول، ورغم دقّتها وعظمها، تواجه أربعا من نقاط الضعف الخطيرة:
- غياب النظرة الشموليّة والتحليليّة/الكيفيّة في المصادر.
لما كان نطاق مصادر الاستنباط ككتب الفقه والحديث واسعًا، كان من الصعب على الفقيه أن يحللها جميعًا في كل مسألة، ففي الأغلب لا يقرأ الفقيه كل أجزاء كتاب وسائل الشيعة من أجل بحث مسألة واحدة؛ لأن ذلك يستغرق وقتا طويلًا. وبدلا من ذلك، تجدهم يركزون على الأبواب ذات الصلة المباشرة بالمسألة، مع إدراكه بأن أدلة أخرى قد تكون موجودة في أبواب أخرى. [4، ج1، ص335].
بالإضافة لذلك، فإن هناك إشكاليّة متعلقة بكيفية تفسير الروايات: فمع أن الفقيه يبدي دقة في تفسير الأحاديث، إلا أن عواملَ مثل التطور التاريخي للمصطلحات، والثقافة العامة لعصر الراوي، بل حتى حالته النفسيّة ومعتقداته، قد تؤثر على الفهم، من الصعب على الفقيه تغطية كل هذه الجوانب في كل حديث حديث.
ورغم أن هذه النظرة الشمولية والتحليلية قد تطورت مع مرور الوقت، وقد ساهمت في إذكائِها إيرادات الفقهاء بعضهم على بعض، إلا أنّ هذا يؤدي لبطء التقدم العلمي.
وقد أدرك العلماء هذا الضعف أيضًا كما نشاهد ذلك في مسألة مقدار الفحص الواجب، فإنّ واحدا من أهم الأدلة التي تساق على ضرورة الفحص الكامل هو عدم القدرة على ذلك [5، ج4، ص428]، [6، ص524]ٍ. إلا أن السؤال المطروح: هل لا زال الحال على ما هو عليه اليوم؟ ألا يستطيع الذكاء الاصطناعي تجاوز هذه الإشكاليّة؟
- ضعف الارتباط بين الفقه والأصول.
إن علم الأصول علم آلي ومنهجي، وقد يتبنى الفقيه فيه مسلكًا يُفترض أن يرتب عليه أثرا في الفقه، لكنّه قد يعمل بخلافه فقهًا. فعلى سبيل المثال: يبني السيد الخوئي (ره) في البحث الأصولي على قبول مفهوم الوصف في الجملة [5، ج4، ص278]، لكن ذكر في ذيل بحث اعتبار استقبال القبلة في الحَضَر وفي مقام وجود مفهومٍ للوصف أنّ الوصف لا مفهوم له خصوصا إذا كان القيد غالبيًا [4، ج12، ص29]. ومنشأ هذا الاشتباه وأمثاله إما في التطبيق أو في وجود خصوصية في المسألة الفقهية لم يُنتبه لها عند بحث القاعدة الأصوليّة.
ولذلك، يُستشعر بأن هناك فراغًا في الارتباط بين الفقه والأصول لدى الفقيه الواحد. والسؤال المطروح هنا: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسد هذا الفراغ ويؤكد هذا الارتباط؟
- تداخل المنهج والمحتوى.
إن الاجتهاد ليس إلا القدرة الكاملة على تطبيق منهج الاستنباط. وهنا يطُرح سؤال: إلى أينَ يمكن الرجوع لفهم أنواع مناهج الاستنباط والاختلافات والمقارنات؟ وإلى أين يُرجَع لممارسة هذا المنهج وإتقانه؟ والجواب على هذا الجواب في الزمان الحاضر هو “لا مكان”! لأنّ المنهج الفني للاستنباط مبثوث بين ثنايا الفقه.
فالفرق بين منهج الشهيد الصدر (ره) وآية الله الخوئي (ره) إنما يتضح عند قراءة مقدارٍ مفصل ومستوعب من فقههما، ولأنّ مثل هذا الأمر غير متيسر عمومًا، فإن أكثر الأفراد غير متسلطين على أسس ومناهج استنباط جميع العلماء.
ورغم أنه يمكن تدوين البحوث في الفرق بين مناهج الفقهاء، إلا أن السؤال هو أنّه: هل توجد طريق أسرع؟ مع أنّ هذا الفراغ لا يسبب أضرارا جسيمة من الناحية التعليمية حسب، بل يسبب إشكالات في الفهم والإدراك. وبالجملة: فإن تفسير عبارات العلماء يتعمّق بالسيطرة على منهجهم وطريقة تفكيرهم.
فعلى سبيل المثال، يوجد لمصطلحي (الجعل) و(المجعول) ما يقرب من ثلاثة استعمالات في كلمات العلماء، وهما مصطلحان أساسيان في مقام تفسير مراحل الحكم الشرعي، ويمكن ملاحظة هذا الاختلاف في: [8، ج2، ص160]، و[8، 4، قسم 1، ص161]، و[9، ج1، ص105]. وفهم مثل هذا المصطلح الرائج في كلماتهم لا يمكن حاليًا إلا لو قضى المحقق وقتا طويلا في دراسته وخاض في مُغلقات المطالب المختلفة.
والسؤال المطروح هنا: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسد مثل هذا الفراغ ويجعلُ فصل المنهج عن المحتوى والمقارنةَ بين الاستعمالات أمرين ممكنين؟
- انقطاع الاستدلالات.
إن كثيرا من الاستدلالات الرائجة في البحوث التحقيقية تكون مضمرة المقدّمات، وقلما تجد كتبًا كتقريرات السيد الخوئي (ره) تشرحُ كامل المقدمات التي يبتني عليها الاستدلال، بل حتى في بعض كتبه (ره) لم تُبسط بعض الاستدلالات بشكل كامل. وسبب هذا الإضمار أن هذه المقدمات واضحة جدا للمتكلم، إلا أنّ إضمار بعض المقدمات قد يجعلُ الأجيال اللاحقة تعيد النقاش في الاستدلال وتشكك فيها نتيجة ضمور بعض المقدمات التي لم تتضح لهم.
ولأجل ذلك، فهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعيد بناء الاستدلالات والتخمين بأنه وفقًا لأسس العالم الفلاني فما هي المقدمات التي كان يجب عليه اتخاذها للوصول لهذه النتيجة؟ إذا تمكن الذكاء الاصطناعي من سد هذه الفجوات، فإنه يقدم خدمة كبيرة في اتجاه سرعة وكمية ونوعية التقدم، ويسهل ويسرع تعليم ونقل وتبادل العلم بشكل كبير.
وتأتي هذه المقالة في صدد شرح وتوضيح خدمات الذكاء الاصطناعي التي تسهم في سدّ الفجوات والإشكاليات المتقدمة.
2- خدمات الذكاء الاصطناعي
- بيان النتائج.
إن من أهم الاحتياجات التي يلبيها الذكاء الاصطناعي هو بيان نتائج اتخاذ أو تغيير مبنى ما وأثرها على الاستدلال. فأحيانًا قد يؤدي التغيير في مبنى أصولي إلى تغيير مباشر في مبان أصولية وفقهية أخرى، أو تغيير غير مباشر في الفتاوى الفقهية.
فعلى سبيل المثال، يبني المرحومان النائيني وآية الله الخوئي على أنّ منشأ فهم الوجوب من المادة وصيغة الأمر إنما هو العقل. وقد نقض الشهيد الصدر (ره) على ذلك، وهو من طبقة تلاميذهما، بالتالي: “إن الالتزام بهذا المبنى تترتب عليه آثار لا يمكن الالتزام بها فقهيًا، وتكون منهجا جديدا في الفقه، وفيما يلي نذكر بعض ما يمكن أن ينقض به على هذا المسلك مما لا يلتزم به حتى أصحاب هذا المسلك أنفسهم: [1] لزوم رفع اليد عن دلالة الأمر على الوجوب فيما إذا اقترن بأمر عام يدل على الإباحة والترخيص، كما إذا ورد: أكرم الفقيه ولا بأس بترك العالم، وتوضيحه: أنّ بناء الفقهاء والارتكاز العرفي على تخصيص العام في مثل ذلك والالتزام بوجوب إكرام الفقيه واعتباره من التعارض غير المستقر، بينما على هذا المسلك لا تعارض أصلا ولو بنحو غير مستقر […] بل المتعين على هذا المسلك أن يكون العام رافعا لموضوع حكم العقل بالوجوب، لأن حكم العقل معلق على عدم ورود الترخيص من المولى كما ذكر في شرح هذا المسلك. [2] أنه لو صدر أمر ولم يقترن بترخيص متصل، ولكن احتملنا وجود ترخيص منفصل، فالبناء الفقه والعقلائي على استفادة الوجوب من الأمر حتى يثبت خلافه، مع أنّ هذا مما لا يمكن إثباته على هذا المسلك؛ لأنه قد فرض فيه أن العقل إنما يحكم بالوجوب معلقا على عدم ورود الترخيص من الشارع” [10، ج2، ص20]. وكذا يترتب عليه في بحث الإعراض عن الأحاديث المخالفة للقرآن الكريم أنّ الوجوب المستفاد من المادة وهيئة الأمر ليس مدلولا للقرآن، بل هو لازم عقلي له.
وبالنظر لتعريف الذكاء الاصطناعي المذكور في بداية البحث، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يمدنا بهذه النتائج التي نُقِضَ بلزومِها على مسلكي الميرزا النائيني والسيد الخوئي في جزء من الثانية، بدلًا من انتظار ذلك لسنوات. فلو كانت هذه النتائجُ ظاهرة في ذلك الزمان ونُقِدَا بهذه النتائج، لكان البحث قد خطا خطوة إلى الأمام.
إلا أن السؤال الأهم: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي بيان هذه النتائج؟ والجواب: أنه يمكن تصميمه بطريقة تجعله يعيد جميع عمليات باب التعارض والتطبيقات التي أجريت لحدّ الآن عند تغيير المبنى أو تخاذ مبنى، ويبين الحالات التي يحدث فيها تغيير في النتيجة تبعا لتغير المبنى.
- بيان التناقضات.
من المعروف علميًا تقسيم الإشكالات إلى إشكالات نقضية وأخرى حليّة. وما نعنيه بـ”التناقضات” هو الإشكالات النقضيّة: فحينما يُتخذ مبنى ما أو يُغير، فإن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يستكشف ما يمكن أن يُنقض به على صاحب المبنى. وكيف يتم ذلك؟ والجواب: أنّه بعد اكتشاف نتائج المبنى الجديد – كما شُرِح سابقًا – تُفحص المباني أو الفتاوى التي تتعارض نتيجتها مع نتائج المبنى الجديد.
وبهذه الطريقة، يمكن للباحث أن يكتشف الاعتراضات النقضية الواردة عليه، مع أنّها لا ترد – في الحالة الراهنة – بشكل مباشر بل ترد أحيانًا بعد عدة عصور. فإذا كان الفقيه على علم بالاعتراضات النقضية الواردة عليه، فما مقدار تأثير ذلك على سرعة التقدم العلمي؟
- اكتشاف الروابط والعلاقات.
إن أخد أهم خطوات الاستدلال هي اكتشاف العلاقات بين المحتويات، مثل أنّ المحتوى (أ) علة للمحتوى (ب)، والمحتوى (ج) متوقف على المحتوى (أ)، والمحتوى (د) مهما كان حكمها فإنّه نفس حكم المحتوى (هـ)، وهكذا.
وبالنظر لتعريف الذكاء الاصطناعي المتقدم، فإذا قيل للذكاء الاصطناعي أن المحتوى (أ) – وليكن روايات كتاب الكافي مثلًا – هو سبب للمحتوى (ب) – وليكن محتوى كتاب العروة الوثقى مثلًا – وتم تثبيت نظام فهم اللغة العربية على البرنامج، فسيتمكن بسهولة وسرعة من قراءة كتاب الكافي وتقديم المحتوى المتوافق مع العروة في قائمة والمحتوى المخالف للعروة في قائمة أخرى. ويمكن القيام بهذا العمل داخل كتاب واحد أو عن طريق المقارنة بين عدة كتاب. والمثال المذكور كان حول علاقة العليّة، وذات الأمر ينطبق بشكل فعال على العلاقات المنطقية الأخرى مثل التوقف والماهية وما إلى ذلك.
- كشف الاعتبار.
يتكون كل منهج من مجموعة عمليات وخوارزميات، فعلى سبيل المثال حينما يُتمسّك بالأصل العملي مع وجود الأمارة فإنّ هناك خطأ منهجيًا، ومثل هذا الاستنباط عديم القيمة؛ لأنّ النوبة لا تصل للأصل العملي مع وجود الأمارة.
وقد يبدو أن تشخيص هذا الخطأ المنهجي أمر بسيط، ولكن كلما كانت العملية أكثر تعقيدا وتشابكا كان التشخيص أصعب وزاد الخطأ المنهجي. ولأن عملية الاستنباط ترتبط بعمليّات مختلفة، مثل النظر للمفاهيم، والسياق، والانصراف، ودراسة التعارض، ودراسة القرائن الارتكازيّة، وما إلى ذلك، فإنّها – أي عملية الاستنباط – تعاني من تعقيدات كثيرة. لكن هذه التعقيدات تمثل مشكلة للعقل البشري فقط، أما بالنسبة للذكاء الاصطناعي فإنه لا يوجد فرق بين ألف طريق أو طريق واحد، ويجتازُها جميعها بنفس الدقة.
وبالنظر لتعريف الذكاء الاصطناعي الوارد في المقدمة، فإن الخدمة التي يمكن أن يقدمها الذكاء الاصطناعي في هذا المجال هي أنه يفحص عملية استنباط الفقيه ويظهر نوع الأخطاء المنهجية التي ارتكبها وما هو مساره الصحيح.
- اكتشاف المنهج وفصله عن المحتوى
إن الاختلاف بين اجتهادات العلماء يكمن بصورة أساسية في دقة التفاصيل المنهجيّة لديهم، وليس في العموميّات بالضرورة. ولذلك، فإن الإلمام بهذه المناهج يعرف المحقق بطريقة الاجتهاد.
فعلى سبيل المثال، يذهب الآخوند الخراساني (ره) إلى من الضرورة إحراز الملاك في الطرفين في قواعد باب التزاحم، ويرى التزاحم بأنه نوع من تعارض المقتضيين [11، ص175]، بينما يذهب السيد الخوئي والشهيد الصدر (ره) إلى أن التزاحم خارج عن التعارض ويبنون على أنه نوع من تقييد إطلاق الدليل أو الدليلين [9، ج1، ص182]، [12، ج2، ص221]. وعليه: فيجب وفق المنهج الاجتهادي للآخوند أن يُثبَت وجود المقتضي في الطرفين قبل استخدام التزاحم، ولكن مثل هذه المرحلة لا حاجة لها في منهج السيدين الخوئي والصدر.
وبالنظر لتعريف الذكاء الاصطناعي الذي ذكرناه في المقدمة، فإن استخدام الذكاء الاصطناعي مفيد في هذا المجال من ناحيتين: 1- فصل المنهج الذي اتبعه الفقيه لا شعريًا في فتاواه طول البحث عن المحتوى؛ 2- إظهار الاختلافات في مناهج الأفراد على شكل مقارنة، فيُظهر مثلًا أن ما يتبعه الآخوند في تطبيق قواعد التزاحم يختلف في عدة نقاط عما يتبعه السيد الخوئي.
وهذه الوظيفة، وبغض النظر عن آثارها العلمية، لها آثار تعليمية مفيدة للغاية، حيث يحصل الطالب على المناهج الاجتهاديّة مع أمثلة عملية وتطبيقية لها في أقصر وقت ممكن، ويرى ويحلل الاختلافات بينها.
- تفادي الخطأ في التطبيق.
قد يحدث أن يُفرغَ عن تشييد الكليات والمباني في محلها من البحث، ثم يقع الخطأ في تطبيقها. مثلًا، يرى الشيخ الأنصاري (ره) أن الأصل المثبت حجة حال خفاء الواسطة، استنادا منه على أن العرف يعتبر الحكم مع الواسطة الخفية حكما لنفس المُستصحب [13ن ج2، ص664]. وقد انتقد ذلك الميرزا النائيني والسيد الخوئي (ره) بشدة، وخلاصة نقدهم أن العرف أداة تستخدم لتشخيص المفاهيم لا تشخيص المصاديق، ولذلك لم يعتبروا الأصل المثبت مع خفاء الواسطة [7، ج2، ص159]، و[14، ج4، ص494].
وبالنظر لتعريف الذكاء الاصطناعي الذي ورد في المقدمة، فإن الذكاء الاصطناعي يمنع – ببساطة – مثل هذه الأخطاء؛ لأنه يمكن تصميمه بطريقة تجعله يفحص جميع شروط تطبيقه في مورد البحث عندما يريد المحقق الاستدلال بالعرف.
- المحاكاة.
بالنظر لتعريف الذكاء الاصطناعي الوارد في المقدمة، فإن أحد قدراته هي محاكاة تفكير الفقهاء بناء على مبانيهم، فيمكن له بناء على ما زوّد به مسبقا من معلومات حول طريقة استدلال الفقهاء أن يفكر مكانهم ويستنتج. فيمكن – على سبيل المثال – أن يعطيه الباحث مسألة واحدة ويطلب منه أن يضع نفسه مكان السيد الخوئي (ره) ويحل المسألة، أو أن يضع نفسه مكان الشهيد الصدر (ره) ويحل المسألة، وهكذا.
إن هذه القدرة، بالإضافة إلى قدرة تعلم الذكاء الاصطناعي، ستكون مفيدة للغاية. ويمكن للباحث أن يتابع الذكاء الاصطناعي ويبيّن له الأخطاء التي وقع فيها ويذكره بها بحيث لا يرتكب هذا الخطأ مرة أخرى. وهذا الأمرُ يجعل الذكاء الاصطناعي قابلا للتخصيص، فإنّ تصوّر الباحث (أ) لمباني السيد الخوئي يختلف عن تصور الباحث (ب) لذات المباني، والخطأ الذي يرتكبه الباحث حينما يعلّم الذكاء الاصطناعي يجعلُ البرنامج متزامنًا مع ذهن الباحث ويجعله يفكر وفقا لتصوّره.
كما يمكن للباحث أن يحاكي شخصا مثله، فيقول له: لو كنت مكاني، فكيف كنت ستحل هذه المسألة؟
الخلاصة
بالنظر للخدمات التي يمكن أن يقدمها الذكاء الاصطناعي في أربعة مجالات، وهي البيان والاكتشاف والتفادي والمحاكاة، فإنّ الوقت قد حان لتجهيز الفقه والأصول أيضا بأداة الذكاء الاصطناعي، حاله حال العلوم الأخرى. وإن تفعيل هذا الأمر يتطلب عملا جماعيا ومشتركا، ولن يكون ذلك ممكنا دون انضمام العلماء من الدرجة الأولى إليه.
شكر وتقدير
أتقدم بجزيل الشكر لجميع الأصدقاء الذين تحملوا مثل هذا العبء الثقيل وأصبحوا روادا في هذا المجال، وآمل أن يظلوا ثابتين في هذا المسار ويسلموا هذه الأمانة إلى مكانها الصحيح.
المصادر:
[1] D. L. (David L. Poole, A. K. Mackworth, and R. Goebel, Computational intelligence: a logical approach. Oxford University Press, 1998.
[2] N. J. Nilsson, Artificial Intelligence: a new synthesis. Morgan Kaufmann Publishers, 1998.
[3] S. Legg and M. Hutter, “A Collection of Definitions of Intelligence,” Jun. 2007, Accessed: Sep. 11, 2019. [Online]. Available: http://arxiv.org/abs/0706.3639.
[4] س.ا.خوئى، موسوعة الإمام الخوئي، الأولى، قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي ره، 1413.
[5] س.ا.خوئي، محاضرات في أصول الفقه، الأولى، قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي.
[6] م.شيخ انصارى،الفوائد الأصولية، الأولى، طهران، شمس تبريزي، 1281.
[7] س.ا.الخوئي، مصباح الأصول، الخامسة، قم: كتاب فروشى داورى.
[8] ض.ا.عراقى، نهاية الأفكار في مباحث الألفاظ، الثالثة، قم: دفتر انتشارات إسلامي، 1361.
[9] م.ح.نائيني، أجود التقريرات، الأولى، قم: مؤسسة إحياء آثارا الإمام الخوئي قدس سره، 1413.
[10] م.ب.صدر، بحوث في علم الأصول، الثالثة، قم: مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي على مذهب أهل البيت عليهم السلام، 1440.
[11] م.ك.آخوند خراساني، كفاية الأصول، الأولى، مؤسسة آل البيت عليهم السلام، 1329.
[12] م.ب.صدر، دروس في علم الأصول، الخامسة، قم: مؤسسة النشر الإسلامي، 1400.
[13] م.شيخ أنصارى، فرائد الأصول، الخامسة، قم: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم، 1281.
[14] م.ك.آخوند خراسانى، فوائد الأصول، الأولى، قم: جامعة المدرسين، 1355.